← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30621

الحرز الثمين للحصن الحصين

الملا على القاري

Полный текст (1 616 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

والتحقيق مع القتيبي؛ لأن كلامه في الفرق بينهما، لا أنه لا يستعمل كل في غيره تغليبًا أو مقيدًا، أو نظيره الفرق المشهور بين وعد وأوعد، حيث يستعمل الأول في الخير، والثاني في الشر عند الإطلاق، وقد يستعمل كل بخلاف الآخر بقرينة صارفة، كقوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، وقوله سبحانه: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الحج: ٤٧] وفي الحديث: "وأما لمة الملك فإيعاد بالخير" (١). (الحمد لله غير مودع) بتشديد الدال وبنصب "غير"، وجوز الرفع والجر، (ولا مكافًى) بفتح الفاء منونًا، وفي نسخة صحيحة بهمز بعد الفاء، وقال ميرك نقلًا عن الشيخ: "إنه بالهمز، هكذا ثبتت الرواية في هذا الحديث، ومعناه: أن نعم الله لا تكافأ"، انتهى. وقال الجوهري (٢) في المهموز: "كل شيء ساوى شيئًا حتى يكون مثله، فهو مكافئ له"، وفي الناقص: "كافيته: من المكافأة، فهو اسم مفعول هنا، إما مهموز، أو ناقص"، وفي "التاج": "من المهموز، وأصل المكافأة المقاومة والموازنة".

стр. 842

(ولا مكفور، ولا مستغنًى عنه، الحمد لله الذي أطعم) أي: أعطى كثيرًا (من الطعام)، أي: من أجناسه وأنواعه، (وسقى) أي: كثيرًا (من الشراب)، أي: من أنواعه من الماء واللبن وغيرهما، وقيل: "كلمة "من" زائدة في الموضعين لإفادة التعميم"، (وكسى من العري) بضم فسكون، أي: من أجله كقوله تعالى: ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ [قريش: ٤]، وكذا قوله: (وهدى من الضلالة، وبصّر) بتشديد الصاد، أي: أعطى البصر والبصيرة (من العمى) أي: من جهة العمى، والعمه. والحاصل: أن "من" في المواضع الثلاثة للابتداء، والمعنى: أن كلًّا من الكسوة، والهدى، والتبصير مبتدأ عن ضده، وهو العري، والضلالة، والعمى. وخلاصته: أن كل أحد من البشر لو لم يكن عناية الله متعلقة به وخلي وطبعه على حاله، لم يكن إلا في عري وضلالة وعمًى، كما يدل عليه قوله ﷺ (١): "يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، وكلكم جائع إلا من أطعمته، وكلكم عارٍ إلا من كسوته". (وفضّل) أي: [فضلنا] (٢) (على كثير ممن خلقنا تفضيلًا)، وفيه إشعار بأن التقدير فيما سبق أيضًا: أطعمنا، وسقانا، وكسانا، وهدانا، وبصرنا، (الحمد لله رب العالمين. س، حب، مس) أي رواه: النسائي، وابن

стр. 843

حبان، والحاكم، عن أبي هريرة. (١) (اللهم أشبعت) أي: من الطعام، (وأرويت) أي: من الشرب، (فهنئنا) بتشديد النون المكسورة، أي: فاجعلنا مهنئين، أو فاجعل كلًّا منهما هنيئًا لنا، على الحذف والإيصال، (ورزقتنا) (٢) أي: من سائر النعم. (فأكثرت) أي: عطاءنا، (وأطبت) أي: أرزاقنا وأحوالنا، (فزدنا) أي: من نعمك بلطفك وكرمك. (مو مص) أي رواه ابن أبي شيبة موقوفًا من قول سعيد بن جبير (٣)، أحد كبار التابعين. (ويدعو لأهل الطعام: اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، فاغفر) وفي نسخة: "واغفر" (لهم، وارحمهم. م، ت، س، مص) أي: رواه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن أبي شيبة، عن عبد الله بن بُسْر (٤) بضم الموحدة وإسكان

стр. 844

السين المهملة، وهو صحابي معروف. (اللهم أطعم) أي: ارزق (من أطعمني) أي: من تسبب لإطعامي، (واسق) بهمز وصل، ويجوز قطعه، لكن الأول أنسب بقوله: (من سقاني. م) أي: رواه مسلم عن المقداد بن الأسود الكندي (١).

стр. 845

ما يقال في اللباس (وإذا لَبِسَ شيئًا) أي: من الثياب، وهو بكسر الموحدة في الماضي وبفتحها في المضارع، ومصدره اللُّبس بضم فسكون. وأما لَبَسَ يَلْبِسُ بعكس ما ذكر فهو من اللَّبْس، بفتح فسكون، بمعنى الخلط، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢]، وإنما بينته لأن كثيرًا من الطَّلَبة تشتبه عليهم القضية. (قال: اللهم إني أسألك من خيره) أي: خير هذا الشيء الملبوس نفسه بأن يكون مباحًا ولا يكون في تحصيله شبهة، (وخير ما هو له) أي: مصنوع ومخلوق له من قصد ستر العورة، ودفع الحر والبرد من غير الخيلاء والفخرة. (وأعوذ بك من شره وشر ما هو له. ي) أي: رواه ابن السني عن عمر ﵁، وفي بعض النسخ: "عن أبي سعيد الخدري" (١). (وإن كان) أي: الملبوس، (جديدًا) ولفظ الترمذي في "الشمائل" (٢): "إذا استجد ثوبًا"، أي: لبس ثوبًا جديدًا، (سماه باسمه) أي: المعين

стр. 846

الموضوع له، سواء كان: (عمامة، أو قميصًا، أو غيره) أي: غير ما ذكر من أنواع الثياب، كالإزار والرداء ونحوهما، والمقصود التعميم، و"أو" للتنويع، فيقول: رزقني الله هذه العمامة، أو هذا القميص، أو يقول: كساني الله هذه العمامة، أو هذا القميص، وما أشبه ذلك كما قاله المظهري، وهو الأظهر من قول الطيبي؛ حيث قال: "سماه باسمه بأن يقول عمامة، أي: هذه عمامة" (١). (ثم يقول: اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه) أي: المسمى، أو الملبوس المعين من العمامة، أو القميص، والجملة تعليل للجملة السابقة، ويحتمل أن يسميه عند قوله: "اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه"، لكن الأول أتم بدلالة العطف بـ "ثم" والله أعلم، والمعنى: أنت كسوتنيه من غير حول مني ولا قوة. (أسألك خيره) أي: أن توصلني خيره، (وخير ما صنع له) أي: وأن توفقني خير ما صنع له من الشكر بالجوارح والجنان، والحمد لمولاه باللسان. (وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له) أي: من الطغيان والكفران. (د، ت، س، حب، مس) أي: رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن

стр. 847

حبان، والحاكم، عن أبي سعيد الخدري (١). (الحمد لله الذي كساني ما أُواري) أي: أستر (به عورتي) والمفاعلة للمبالغة، (وأتجمل به) أي: أتزين بما كساني (في حياتي. ت، ق، مص، مس) أي: رواه الترمذي، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، والحاكم عن عمر ﵁، قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: من لبس ثوبًا جديدًا، فقال: الحمد لله الذي كساني ما أُواري به عورتي … إلى آخره، ثم عَمَدَ إلى الثوب الذي أخلق فتصدق به، كان في كنف الله وفي حفظه وفي ستره حيًّا وميتًا" (٢). وفي "الرياض النضرة" (٣): "عن أبي مطر البصري، قال: رأيت عليًّا ﵁

стр. 848

اشترى ثوبًا بثلاثة دراهم، فلما لَبِسَهُ قال: الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس، وأُواري به عورتي. ثم قال: هكذا سمعت رسول الله ﷺ . أخرجه أحمد في "المناقب"" (١). (ومن لبس ثوبًا) أي: جديدًا أو مطلقًا، (فقال: الحمد لله الذي كساني هذا) أي: اللباس، (ورزقنيه) أي: أعطانيه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الأنفال: ٣]، وهو أظهر مما قاله الحنفي: "أي: جعله مما أنتفع به"؛ فإن الجوهري قال: "الرزق ما ينتفع به" (٢). (من غير حول) أي: تصرف تام، (مني ولا قوة) أي: كاملة، (غفر له ما تقدم من ذنبه. د، ت، ق، مس) أي: رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، عن معاذ بن أنس (٣).

стр. 849

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 850

(وما تأخر. د) أي: رواه أبو داود عنه هذه الزيادة، قال المؤلف: "كذا وقع في "سنن أبي داود" وسكت عليه، وهو من أفراده" (١)، انتهى. ومعنى قوله: "وسكت عليه" أنه لم يتعرض بأنه صحيح، أو حسن، أو ضعيف، والقاعدة: "أنه إذا سكت فهو حسن". (وإذا رأى على صاحبه ثوبًا جديدًا، قال له: تبلي) على صيغة المضارع المخاطب من الإبلاء المأخوذ من البلاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٥]، وهذا خبر بمعنى الدعاء، وكذا قوله: (ويُخلف الله) وهو من الإخلاف بالفاء، والمعنى: أنك تجعل الثوب باليًا، ويعطيك

стр. 851

الله تعالى خَلَفًا منه، وهو كناية عن طول العمر وسعة الرزق. (د، مص) أي: رواه أبو داود، وابن أبي شيبة، عن أصحاب النبي ﷺ (١). (أَبْلِ وأخلق) قال المؤلف: "هو بفتح الهمزة فيهما من بلي الثوب (٢) يبلى بِلًى، بكسر الباء، ومن خلق الثوب يخلق بضم اللام خَلُوقَةً، إذا بلي وانقطع، فهذا أمر بمعنى الدعاء كناية عن طول العمر، قال في "النهاية": "يروى يالقاف والفاء، فالقاف من إخلاق الثوب (٣): تقطيعه، وأما الفاء فبمعنى العوض والبدل، وهو الأشبه"، انتهى، والمحفوظ هو القاف، وأما الفاء ففي حديث: "تبلي ويخلف الله"" (٤)، تم كلامه. ثم الجمع بينهما لإفادة التأكيد، وكذا التكرير بقوله: (ثم أبلِ وأخلق، ثم أبلِ وأخلق) وهو في عبارة "المشكاة" وقع مرتين. (خ، د) أي: رواه البخاري، وأبو داود عن أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص (٥).

стр. 852

واعلم أنه في المتن "أبلِ وأخلق" على صيغة الواحد المخاطب المذكر، وفي بعض نسخ الحاشية: "أبلي وأخلقي"، بصيغة الواحدة المخاطبة، ولفظ الحديث هذه الواحدة المخاطبة؛ لأن الخطاب لأم خالد الراوية، فالمذكور في المتن نقل بالمعنى لبيان العمل بالحديث بالنسبة إلى المذكر نظرًا إلى الأغلب المفهوم منه أن يؤنث ضمير المؤنث. هذا، "وعن ابن عمر قال: "رأى النبي ﷺ على عُمَرَ ثوبًا أبيض، فقال: أجديد قميصك أم غسيل؟ فقال: بل جديد. فقال النبي ﷺ : البس جديدًا، وعِشْ حميدًا، ومت شهيدًا". قال عبد الرزاق: "وزاد فيه الثوري عن إسماعيل بن أبي خالد: "ويعطيك الله قرة العين في الدنيا والآخرة". أخرجه أبو حاتم"، كذا في "الرياض النضرة" (١).

стр. 853

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 854

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 855

(فإذا خلع ثيابه) أي: إذا أراد خلعها لغسل، أو نوم، أو نحوهما، (فستر ما بين أعين الجن وعورته) بالجر، (أن يقول: باسم الله) والسِّتر بالكسر الحجاب، وفي نسخة: بالفتح، وهو مصدر سترت الشيء، إذا غطيته. (مص، ي) أي: رواه ابن أبي شيبة، وابن السني، عن أنس (١).

стр. 856

دعاء الاستخارة (وإذا همَّ بأمر) أي: قصد السالك أمرًا مهمًّا ويكون مترددًا في أنه هل هو خير في نفسه، أو في متعلقاته أم لا. وقال ابن أبي جمرة: "ترتيب الوارد على القلب على مراتب: الهمة، ثم اللمة، ثم الخطرة، ثم النية، ثم الإرادة، ثم العزيمة، فالثلاثة الأول لا يؤاخذ بها بخلاف الثلاث الأخر، فقوله: "إذا هم" يشير إلى أن أول ما يرد على القلب يستخير، فيطلب الخير ليظهر له ببركة الصلاة والدعاء ما هو الخير، بخلاف ما إذا تمكن الأمر عنده، وقويت عزيمته فيه، فإنه يصير إليه ميل وحب فيخشى أن يخفى عليه وجه الأرشدية لغلبة ميله إليه". قال: "ويحتمل أن يكون المراد بالهم العزيمة؛ لأن الخواطر لا تثبت، فلا يستخير إلا على ما يقصد التصميم على فعله، وإلا لو استخار في كل خاطر لاستخار فيما لا يعبأ به؟ فيضيع عليه أوقاته" (١)، انتهى. وفيه أنه كيف يضيع أوقاتَهُ، وهو في كل وقت يطلب خيره من الله تعالى على كل خطرة، اللهم إلا أن يقال: إنه يكون سببًا لضياع المهمات في الأوقات، ثم لا يخفى أن الأولى هو اختيار الأوسط بين الخطرة والعزيمة، وهو الإرادة كما اخترناه.

стр. 857

ويؤيده ما رواه الطبراني، والحاكم وصححه، عن ابن مسعود بلفظ: "إذا أراد أحدكم أمرًا" (١) (فليركع) أي: فليصل (ركعتين) يقرأ فيهما الكافرون والإخلاص، أو آية ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨]، وآية ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ [يَكُونَ] (٢) لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]. (من غير الفريضة) وفي نسخة: "من غير فريضة"، إشارة إلى أنه لا تجزئ الفريضة مقامهما، ولا يكتفى بها عنهما، بخلاف تحية المسجد وشكر الوضوء، فإنهما يؤديان بكل صلاة، ففيه إشعار باهتمام هذه اورة، والأظهر أن المراد به الوجه الأكمل، وهو أن يكون صلاته على حدة من غير فريضة، أو سنة مؤكدة، ثم إنه ﷺ ما عيّن وقتًا؛ فذهب جمع إلى [جوازها] (٣) في جميع الأوقات، والأكثرون على أنها في غير الأوقات المكروهة. (ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك) من الاستخارة، وهي استفعال من الخير ضد الشر، ومعناه: طلب الخير في الشيء، ومنه دعاء الاستخارة:

стр. 858

"اللهم خر لي، أي: اختر لي أصلح الأمرين، واجعل الخيرة فيه"، كذا في "النهاية" (١). والخيرة: بسكون الياء الاسم من خار الله لك، أي: أعطاك ما هو خير لك. والحاصل: أن معناه أطلب خيرك، أو أطلب منك الخير، والعلم به في هذا الأمر المهم المبهم. (بعلمك) أي: بسبب علمك المحيط بالخير والشر، كما قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. (وأستقدرك) قال المؤلف: "أي: أطلب منك أن تجعل لي عليه قدرة" (٢)، انتهى. وفي "القاموس": "استقدر الله خيرًا: سأله أن يقدر له خيرًا" (٣). (بقدرتك) أي: بحولك وقوتك، وفيه كمال التفويض علمًا وعملًا، وقال الطيبي على ما نقله ميرك عنه: "الباء في الموضعين: إما للاستعانة كما في قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١]،

стр. 859

أي: أطلب خيرك مستعينًا بعلمك، فإني لا أعلم فِيمَ خيري؟! وأطلب منك القدرة، فإنه لا حول ولا قوة إلا بك. وإما للاستعطاف، أي: بحق علمك الشامل، وقدرتك الكاملة" (١)، انتهى. وفي رواية النسائي: "وأستهديك بقدرتك" (٢). (وأسألك من فضلك العظيم) أي: من غير تعلق بعمل مترتب على أمل ناشئ من توهم علم، أو قدرة لي، (فإنك تقدر) بكسر الدال رواية، (ولا أقدر) وفي "القاموس": "القدرة القوة والاقتدار، والفعل كضرب ونَصَرَ وفَرِح" (٣). (وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب) بضم الغين ويكسر، وهو كل ما غاب عن العيون، سواء كان محصلًا في القلوب، أو لا، كذا في "النهاية" (٤). (اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر) اللام للعهد الذهني، فإن المراد به الأمر المتردد فيه من جهة كونه خيرًا، أو شرًّا، كالسفر والنكاح وغيرهما،

стр. 860

(خير لي في ديني ودنياي) قيل: "معناه: اللهم إنك تعلم"، فأوقع الكلام موقع الشك على معنى التفويض إليه والرضا بعلمه فيه، وهذا النوع يسميه أهل البلاغة "تجاهل العارف ومزج الشك باليقين". أقول: ولا خفاء في أنه غير مناسب للترديد الذي بني أمره على معرفة الله تعالى وجهل العبد [به] (١)، فالظاهر أن الشك بالنظر إلى المستخير؛ لأنه ليس بمتيقن عنده، بل هو متردد في أن علمه سبحانه هل تعلق بكون هذا الأمر خيرًا أو شرًّا، لا في أصل العلم لأنه من المعلوم بالضرورة من الدين، وقدم الدين لأنه أهم المهمات، وأتم المرادات، وأقصى الغايات. (ومعاشي) ففي "الصحاح": "العيش الحياة، وقد عاش الرجل معاشًا ومعيشًا، وكل واحد منهما يصلح أن يكون مصدرًا، وأن يكون اسمًا، مثل: معيب ومعاب" (٢). وقال ميرك (٣): "ويحتمل أن يكون المراد بالمعاش الحياة، وأن يكون المراد ما يعاش فيه، ووقع في حديث ابن مسعود عند الطبراني في "الأوسط": "في ديني ودنياي" (٤). وفي حديث أبي أيوب عنده أيضًا في

стр. 861

"الكبير": "في دنياي وآخرتي" (١). (وعاقبة أمري، أو عاجل أمري)، وفي نسخة: "أو في عاجل أمري"، أي: أمري العاجل، وهو أمر الدنيا، (وآجله) أي: آجل أمري، وهو الأمر الآجل المتأخر من أمر الآخرة. قال المؤلف: ""أو" في الموضعين للتخيير، أي: أنت مخير، إن شئت قلت: عاجل أمري وآجله، أو قلت: معاشي وعاقبة أمري" (٢)، انتهى. وقال العسقلاني: "الظاهر أنه شك في أن النبي ﷺ قال: "عاقبة أمري"، أو قال: "عاجل أمري وآجله" وإليه ذهب القوم، حيث قالوا: هي على أربعة أقسام: خير في دينه دون دنياه وهو مقصود الأبدال، وخير في دنياه فقط وهو حظ حقير، وخير في العاجل دون الآجل، وبالعكس وهو أولى، والجمع هو الأفضل. ويحتمل أن يكون الشك في أنه ﷺ قال: "في ديني ومعاشي وعاقبة أمري"، أو قال بدل الألفاظ الثلاثة: "في عاجل أمري وآجله"، ولفظة "في" المعادة في قوله: "في عاجل أمري" ربما يؤكد هذا، وعاجل الأمر يشمل الديني والدنيوي، و"الآجل" يشملهما والعاقبة" (٣)، انتهى.

стр. 862

ولا شك أن "أو" في الحديث ليس من كلام النبوة المفيد للتخيير، وإنما استفيد التخيير من وقوع شك الراوي في التعبير، فاندفع كلام الحنفي بعد نقل كلام المصنف، ويجوز أن تكون للشك، ويؤيده ما في بعض الكتب كـ "المشكاة" و"الأذكار" وغيرهما ناقلين عن البخاري، "أو قال: عاجل أمري وآجله". (فاقدره لي) قال المصنف: "بوصل الهمزة وضم الدال، أي: اقض لي به وهيئه" (١)، انتهى. وكذا قاله في "النهاية" (٢). وقيل: "بكسر الدال، أو ضمها، وهو المفهوم من "القاموس"، حيث قال: "القدر محركة: القضاء والحكم، وقدر اللهُ ذلك عليه يقدره ويقدره قدرًا وقدرًا وقدرة عليه وله" (٣)، انتهى. وقيل: "معناه اجعله مقدورًا لي، أو قدره لي، [أو] (٤) نجزه لي". (ويسره لي) أي: سهله لي [ووفقني له] (٥)، وقال ميرك: "روي بضم الدال وكسرها، ومعناه: أدخله تحت قدرتي؛ فيكون قوله: "يسره لي" طلب التيسير بعد طلب التقدير، وقيل: المراد من التقدير التيسير؛ فيكون

стр. 863

"ويسره" عطفًا تفسيريًّا" (١). (ثم بارك) أي: أوقع البركة، إلى فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو عاجل أمري وآجله فاصرفه) أي: ذلك الأمر، (عني واصرفني عنه) وفيه مبالغة لا تخفى نحو قولهم: إياك والأسد. (واقدر لي الخير) بضم الدال، ويجوز كسرها، (حيث كان) أي: وجد الخير، (ثم أرضني به) من الإرضاء، وفي نسخة صحيحة: "ثم رضني" من الترضية، وهما بمعنًى، أي: اجعلني راضيًا به، وفي نسخة كتب فوقه رمز البخاري، ورواه النسائي: "حيث كنت، ثم أرضني بقضائك" (٢). قال ابن المعلى في "منسكه": "قال شهاب الدين القرافي (٣) في كتابه "القواعد": من الدعاء المحرم المرتب على استئناف المشيئة، كمن يقول: اقدر لي الخير؛ لأن الدعاء بوضعه اللغوي إنما يتناول المستقبل

стр. 864

دون الماضي؛ لأنه طلب والطلب في الماضي محال، فيكون مقتضى هذا الدعاء أن يقع تقدير الله تعالى في المستقبل من الزمان، والكل تعالى يستحيل عليه استئناف التقدير، بل وقع جميعه في الأزل، فيكون هذا الدعاء يقتضي مذهب من يرى أنه لا قضاء، وأن الأمر أنف، كما خرجه مسلم عن الخوارج وهو فسق بإجماع. فإن قلت: قد ورد الدعاء بلفظ "اقدر" في حديث الاستخارة، فقال فيه: "واقدر لي الخير حيث كان"؟ قلت: يتعين أن يعتقد أن التقدير أريد به التيسير على سبيل المجاز، فالداعي إذا أراد هذا المجاز جاز، وإنما يحرم الإطلاق عند عدم النية"، انتهى. والأظهر أن يقال: إنما يحرم إذا أراد تغيير التقدير، أو استئناف التقدير لا عند عدم النية، لا سيما وقد ورد هذا الدعاء في السنة، ولا كل أحد مطلع على هذه الدقيقة، فبمجرد عدم النية لا يتحقق الحرمة. هذا، وقد يقال: معنى "واقدر لي الخير" أظهر تقديرك الخير لي في هذا الأمر، وبيِّنْ وجهه لينكشف لي الخير والشر، ولا يبعد أن يكون مثل هذا الأمر معلقًا بدعاء العبد، فيقع على مقتضاه؛ فإن القدر جزئيات لكليات القضاء، أو بالعكس على خلاف فيه كما حقق في زيادة العمر، ورد القضاء بالدعاء، وفي قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ

стр. 865

الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، والله أعلم بالصواب. (خ، عه) أي رواه: البخاري، والأربعة، عن جابر بن عبد الله الأنصاري (١). (إن كان) أي: وفي رواية بعد صدر الحديث: "إن كان"، أي: الأمر المقصود، (خيرًا) أي: "لي" كما في نسخة صحيحة، (في ديني) أي: في أمر ديني في الدنيا، (ومعادي) أي: في أمر مرجعي في العقبى، (ومعاشي) أي: في أمر معيشتي حال حياتي جميعها، (وعاقبة أمري) أي: عند مماتي وحسن خاتمتي. (فقدره) بتشديد الدال المكسورة، أي: اجعله مقدورًا، (لي، ويسره لي) أي: سهله لي، ووفقني عليه، (وبارك لي فيه، وإن كان) أي: "الأمر" كما في نسخة، (شرًّا لي في ديني ومعادي، ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفه عني، واصرفني عنه، وقدر) وفي نسخة: "واقدر" إلى الخير، ورضِّني به) بتشديد الضاد المكسورة. (حب، مص) أي رواه: ابن حبان، وابن أبي شيبة، عن جابر (٢) أيضا، وفي "أصل الأصيل" رمز الحاكم بدله، والأول أصح، وعليه أكثر النسخ.

стр. 866

(خيرًا) أي: وفي رواية أخرى لابن حبان كما سيأتي: "إن كان خيرًا" (لي في ديني، وخيرًا لي في معيشتي، وخيرًا لي في عاقبة أمري، فاقدره لي، وبارك لي فيه، وإن كان غير ذلك) أي: غير هذا الأمر المراد، (خيرًا لي، فاقدر لي الخير حيث كان، ورضني بقدرك) بفتحتين، أي: بتقديرك وقضائك. (حب) أي: رواه ابن حبان عن أبي هريرة (١). (خيرًا) أي: وفي رواية أخرى له: "إن كان خيرًا" (لي في ديني ومعيشتي وعاقبة أمري، فاقدره لي، ويسره وإن كان كذا وكذا للأمر الذي يريد) بيان لـ "كذا، وكذا"، وفي نسخة: "الأمر الذي يريد" (شرًّا لي في ديني ومعيشتي وعاقبة أمري، فاصرفه عني، ثم اقدر لي الخير أينما كان) أي: الخير. (لا حول ولا قوة إلا بالكد) أي: في تعيين الخير وتبيين الشر وغيرهما من الأمور. (حب) أي: رواه ابن حبان عن أبي سعيد الخدري (٢). (وأسألك) أي: وفي رواية: "اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك" (من فضلك ورحمتك، فإنهما بيدك) أي: بتصرفك، (لا يملكهما أحد سواك) أي: غيرك، (فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا

стр. 867

أقدر، وأنت علام الغيوب) أي: وأنت على كل شيء قدير، فهو من باب الاكتفاء أو الظهور. (اللهم إن كان هذا الأمر الذي [يريده] (١) الموصول بيان لهذا الأمر، (خيرًا لي في ديني وفي دنياي) وفي نسخة: "ودنياي" (وعاقبة أمري، فوفقه) أي: اجعله على وَفق مقصودي، (وسهله) أي: يسره، (وإن كان غير ذلك) أي: الأمر، (فوقني للخير حيث كان) أي: الأمر الخير. (ر) أي: رواه البزار عن ابن مسعود (٢).

стр. 868

ما يتعلق بأمور الزواج (فإن كان) أي: الأمر المستخار فيه، (زِواجًا) بكسر الزاي، أي: تزوجًا ونكاحًا، (فليكتم الخِطبة) بكسر الخاء المعجمة، وهو أن يخطب الرجل المرأة [تقول] (١) منه: خطب يخطب خِطبة بالكسر، وأما الخُطبة بالضم فهو من القول بالثناء والكلام بالوعظ على المنبر وغيره. (ثم ليتوضأ فيحسن) بالرفع أو الجزم، وهو من الإحسان، ويجوز من التحسين، أي: فيسبغ (وضوءه) بأن يكمله، فيأتي بفرائضه وسننه وآدابه، (ثم ليصلِّ ما كتب الله له) أي: ما قدر له وقضاه، وأقله ركعتان يقرأ فيهما الكافرون والإخلاص، وقيل: "في الأولى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ [يَكُونَ] (٢) لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ الآيةَ، وفي الثانية: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ (٣) الآيةَ. (ثم ليحمد الله) أي: يثني عليه ويشكره على نعمه، (ويمجده) أي: يعظمه بذكر أوصاف الجلال ونعوت الجمال على وجه الكمال. (ثم ليقل: اللهم إنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، فإن رأيت) أي: علصت بمعنى إن تعلق علمك، (أن في فلانةَ)

стр. 869

بفتح التاء غير منونة، وفي نسخة: بالجر منونة، (ويسميها) أي: يذكرها باسمها، (خيرًا لي) نصب على اسم "أن" (في ديني ودنياي وآخرتي، فاقدرها لي، وإن كان غيرها خيرًا منها لي) وفي نسخة: "خيرًا لي منها" (في ديني وآخرتي) ترك هنا "ودنياي" إشارة إلى ترجيح ذات الدين على ذات الدنيا، كما في الحديث المشهور المتفق عليه: "تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فا ظفر بذات الدين" (فاقدرها لي. حب، مس) أي رواه: ابن حبان، والحاكم؛ كلاهما عن أبي أيوب (١). (من سعادة ابن آدم استخارته الله، ومن شقوته) بالكسر وفتحه لغة على ما ذكره الجوهري، وفي نسخة: "شقاوته"، وهي بالفتح ضد السعادة، وقرأ قتادة "شقاوتنا" بالكسر، وهي لغة، كذا في "الصحاح" (٢) (تركه) أي: ترك ابن آدم، (استخارة الله) بالإضافة إلى المفعول. (مس، ت) أي رواه: الحاكم، والترمذي، عن سعد بن أبي وقاص (٣).

стр. 870

وفي "الجامع الصغير" لفظه بروايتهما عنه: "من سعادة ابن آدم استخارته الله، ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله له، ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله، ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما قضى الله له" (١). وفي "الجامع" (٢) أيضًا: ""ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، ولا عال من اقتصد". رواه الطبراني في "الأوسط" عن أنس" (٣). وقال بعض الحكماء: "من أعطي أربعًا لم يمنع أربعًا؛ من أعطي الشكر لم يمنع المزيد، ومن أعطى التوبة لم يمنع القبول، ومن أعطي

стр. 871

الاستخارة لم يمنع الخير، ومن أعطي المشورة لم يمنع الصواب" (١). ثم الاستخارة المختصرة ما ورد في حديث: "اللهم خر لي، واختر لي، ولا تكلني إلى اختياري". ونقل عن شيخ الإسلام خواجه عبد الله الأنصاري، ويقال له: "نديم الباري" قدس الله روحه، وفتح لنا فتوحه هذه الاستخارة المنظومة: يا خائرًا لعبيده * لا تتركن أحدًا سدى خر لي إليك طريقة * بيديك أسبابُ الهدى (٢) (وإن تولى عقدًا) أي: عقد نكاح وأراد مباشرته، (فخطبته) أي: السابقة على أصل العقد، (أنِ الحمدُ لله) بكسر النون للالتقاء، ورفع "الحمدُ"، فهي "أن" المخففة من الثقيلة، كقوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] على ما نقله ميرك عن الطيبي، وقال البيضاوي: "و"أن" هي المخففة من الثقيلة، وقد قرئ بها وبنصب "الحمدَ""، وفي نسخة صحيحة: بتشديد النون ونصب "الحمد". وقال المصنف: "يروى بتشديد النون وتخفيفها، والمعنى فيهما واحد" (٣)، انتهى. وقال الحنفي: "نصب الحمد مع تشديد النون واجب،

стр. 872

ورفعه مع التخفيف". قلت: ومفهومه أنه لا يجوز غيرهما، وليس كذلك، بل يصح فيه أربعة أوجه: أما النصب مع التشديد فظاهر، وأما الرفع مع التشديد فجائز على سبيل الحكاية، وكذا مع التخفيف وجهان؛ إذ التقدير: فخطبته أن يقول، أو أن يقول: الحمد لله، ويؤيده ما ذكره المؤلف في "تصحيح المصابيح": "يجوز تخفيف "أن" وتشديدها، ومع التخفيف يجوز رفع "الحمد" ونصبه، ورويناه بذلك". (نحمده) جمع بينهما إشعارًا بأن الأول جملة اسمية دالة على الثبوت والدوام، وأن "الحمد لله" متحقق، وأنه مستحق له سواء حُمِدَ، أو لم يُحْمَدْ. [والثاني] (١) جملة فعلية تدل على التجدد والاستمرار التام والإيماء إلى أن الأول إخبار والثاني إنشاء، أو بالعكس، أو المراد بـ "نحمده" نشكره على نعمه التي من جملتها حمده. (ونستعينه) أي: على حمده وغيره من الأمور الدينية والدنيوية، (ونستغفره) أي: من التقصير في حمده واستعانته وسائر ما يجما علينا فعله، (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا) أي: من الأخلاق الدنية، (ومن سيئات أعمالنا) أي: من الأفعال الردية. (من يهده الله) أي: من يرد الله هدايته، ويتعلق به عنايته، (فلا مضل له، ومن يضلل) أي: من يضلله ويخذله لعدم تعلق إرادة الهداية وسبق

стр. 873

العناية به، (فلا هادي له) كما قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]، وقال : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦]، وفي إتيان ضمير المفعول في جانب الهداية وتركه في جانب الضلالة نكتة مشيرة إلى العناية. (وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) قال المصنف: "قوله: "نحمده، ونستعينه، [ونستغفره] (١)، ونعوذ بالله" هو بالنون في الثلاثة، أي: نحن، و"أشهد" فيهما بالهمزة المفتوحة على الإفراد؛ لأنه ﷺ لا يشهد ولا يُخْبِر عن غيره، وإنما يشهد ويخبر عن نفسه" (٢)، انتهى. قال الحنفي: "المناسب للأصل كما نقله أن يقول: الأربعة بدل الثلاثة". نعم، الواقع في "المشكاة" وفي "الأذكار" أفعال ثلاثة إذ لم يوجد فيهما لفظ "نحمده" فما وقع في شرح "المشكاة" من لفظ الثلاثة هو المناسب. قال: "وفيه بحث آخر؛ لأنه لا تفاوت بين كل من الأفعال الأربعة، وبين الشهادة، فما ذكره في وجه إفراد "أشهد" ليس على ما ينبغي والأولى أن يقال [كما] (٣) قيل: الضمير المستكن في الأفعال الثلاثة للمتكلم ومن معه من أصحابه الحاضرين والغائبين.

стр. 874

ويجوز أن يكون قولًا من لسان [البشر] (١)، وخصص الشهادة بالإفراد إشارةً إلى أن وجوب الشهادة لكل فرد على حدة، ففيه إشارة إلى التفرقة أولًا، والى الجمع ثانيًا". قلت: هذا المعنى هو مراد المصنف، فتدبر يظهر. (﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١]) وهي آدم، (﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾) أي: حواء، (﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا﴾) أي: نشر منهما، أي: بالواسطة وعدمها، (﴿رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾) أي: كثيرًا. (﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾) تأكيد لما سبق، [أو] (٢) يقدر في أحدهما مخالفته، وفي الآخر عقابه، (﴿اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ﴾) بتخفيف السين على حذف إحدى التاءين للكوفيين، وبتشديدها على إدغام التاء بعد قلبها في السين، أي: يسأل بعضكم بعضًا، (﴿بِهِ﴾) أي: بالله، (﴿وَالْأَرْحَامَ﴾) جمع رحم بالنصب وتقديره: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وفي قراءة حمزة بالجر على أنه عطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، وهو جائز على الصحيح خلافًا لمن خالف كما حققناه في حاشية "تفسير الجلالين" (٣)، ويراد به قولهم: "أسألك بالله والرحم". وقيل: الواو للقسم. ثم هذا هو "أصل الأصيل"، وعليه أكثر النسخ، وفي نسخة صحيحة: "يا أيها الذين آمنوا اتَّقوا الله الذي تَسَاءَلُون به والأرحام"، وهو الموافق لـ "المشكاة" و"الأذكار" و"تيسير الأصول"، قال الطيبي: "ولعله هكذا في

стр. 875

مصحف ابن مسعود" (١) (﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾) أي: حافظًا مطلعًا. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]) أي: حق تقواه وما يجب منهما، وهو استفراغ الوسع في القيام بالمواجب والاجتناب عن المحارم؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وأما ما رواه الحاكم عن ابن مسعود مرفوعًا وصححه المحدثون من أنه هو: أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى (٢)، فمبني

стр. 876

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 877

على كماله، وقيل: "هو أن ينزه الطاعة عن الالتفات إليها، وعن توقع المجازاة عليها" (١). (﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]) أي: ولا تكونُنَّ على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت، فهو في الحقيقة أمر بدوام الإسلام، فإن النهي عن المقيد بحال أو غيرها قد يتوجه بالذات نحو

стр. 878

الفعل تارة، والقيد أخرى، وقد يتوجه نحو المجموع دونهما، وكذا النفي ذكره البيضاوي، قيل: "معناه وأنتم متزوجون؛ لأن التزوج بالحلال من كمال الإسلام وتمام الأحوال". ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠]) أي: صدقًا [وصوابًا] (١)، (﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ الآية) يعني: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١]، وهو بتمامه كذا في "المشكاة". (عه، مس، عو) أي: رواه الأربعة، والحاكم، وأبو عوانة؛ كلهم عن ابن مسعود (٢)، وقال الترمذي: "حسن"، ورواه أحمد والدارمي أيضًا. (ورسوله) أي: وفي رواية بعد قوله: "ورسوله" (٣) (أرسله بالحق) أي: بالقرآن، أو ملتبسًا بالحق، أي: بالصدق، (بشيرًا) أي: مبشرًا للمطيعين بالجنة، (ونذيرًا) أي: منذرًا ومخوفًا للعاصين بالنار، (بين يدي الساعة)

стр. 879

أي: قدامها، وقبل وقوعها. (من يطع الله ورسوله فقد رشد) بفتح الشين على ما في النسخ المصححة، ويجوز كسرها، أي: اهتدى، ففي "القاموس": "رشد كنصر وفَرِحَ رُشْدًا، ورَشَدًا، ورشادًا: اهتدى" (١). وقال المؤلف: "رشد بفتح الشين ويجوز كسرها، يقال: رَشِدَ بالكسر يرشَدُ بالفتح، ورَشَدَ بالفتح يرشُدُ بالضم من الرشد، وهو: الهداية وضد الغيّ" (٢). (ومن يعصهما) أي: الله ورسوله، فقد ضل فغوى وظلم نفسه، (فإنه لا يضر) أي: بالعصيان، (إلا نفسه) لأن وباله عليها، (ولا يضر الله شيئًا)؛ لأنه منزه عن ذلك، فقوله: "فإنه لا يضر" تعليل للجواب المقدّر فتدبر. (د) أي: رواه أبو داود عن ابن مسعود (٣) أيضًا. قال المؤلف: "قوله: "ومن يعصهيا" كذا ورد بجمع الضمير على التثنية، وهو مما انفرد به أبو داود وسكت عليه، وقد يقال: إنه مخالف لما

стр. 880

رواه مسلم في "صحيحه" من حديث عدي بن حاتم: "أن رجلًا خطب عند النبي ﷺ ، فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال رسول الله ﷺ : قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى" (١). قال القاضي عياض وجماعة من العلماء: "إنما أنكر عليه لتشريكه في الضمير المقتضي للتسوية، وأمره بالعطف تعظيمًا لأمر الله تعالى بتقديم اسمه، كما قال ﷺ في الحديث الآخر: "لا يقل أحدكم شاء الله وشاء فلان، ولكن ما شاء الله، ثم شاء فلان" (٢)، انتهى. قال الشيخ محيي الدين النووي ﵀: "والصواب أن سبب النهي أن الخطب شأنها البسط والإيضاح واجتناب الإشارات والرموز، وهذا ثبت في الصحيح: "أن رسول الله ﷺ كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا لتفهم" (٣)، وأما قول الأولين فيضعف بأشياء، منها: أن مثل هذا الضمير قد تكرر في الأحاديث الصحيحة في كلام رسول الله ﷺ ، كقوله: "أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" (٤)، وغيره من الأحاديث،
следующие страницы →