← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30621

الحرز الثمين للحصن الحصين

الملا على القاري

Полный текст (1 616 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

(وإذا فرغ من تلبيته، سأل الله مغفرته ورضوانه، واستعتقه من النار) أي: بأن يقول: اللهم إني أسألك مغفرتك ورضاك عني في دار القرار، وأن تعتقني من النار. وقال بعضهم: "يقول: اللهم إني أسألك رضاك والجنة، وأعوذ بك من غضبك والنار". (ط) أي رواه: الطبراني عن خزيمة بن ثابت الأنصاري (١). (فإذا طاف) أي: شرع في الطواف مُبْتَدِئًا بالحجر الأسود، مُستلمًا مُقَبِّلًا، واضعًا وجهه عليه، مبسملًا مكبرًا مهللًا داعيًا: اللهم إيمانًا بك، وتصديقا بكتابك، ووفاءا بعهدك، واتباعا لسنة نبيك محمد ﷺ . (كلما أتى الركن) أي: الذي فيه الحجر الأسود (كبر) أي: قال: الله أكبر، مستلمًا مقبلًا أو مشيرًا إليه إذا كان ازدحامًا، وهل يرفع يديه كل مرة أو يكتفي بالمرة الأولى؟ احتمالان. (خ) أي: رواه البخاري عن ابن عباس (٢). وعن ابن عمر قال: "قبل عمر الحجر، ثم قال: أما والله قد علمتُ أنك حجر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك، ما قبلتك "أخرجه

стр. 947

البخاري ومسلم. وقال النسائي: "قبَّله ثلاثًا" (١). وفي رواية البخاري: "حجر لا يضر ولا ينفع، ولولا أني رأيت رسول ﷺ استلمك، ما استلمتك، فاستلمه ثم قال: ما لنا وللرَّمَل، [إنما] (٢) كنا رَاءَيْنَا به المشركين، وقد أهلكهم اللَّه تعالى، ثم قال: شيء صنعه رسول الله فلا نحب أن نتركه". وعن يعلى بن أمية: "أنه طاف مع عمر فاستلم الأركان كلها، فقال عمر: أما رأيت رسول الله ﷺ قد طاف بالبيت؟ قال: بك. قال: ما رأيته يستلم إلا الحجر الأسود؟ قال: لا. قال: فما لك به أسوة؟ قال: بك. أخرجه الحسين بن قطان (٣). ولعله أراد الحجر الأسود وما يليه من الركن اليماني، فإنهما يُستلمان اتفاقًا، أو أراد بالاستلام التقبيل؛ فإنه مخصوص بالحجر على المعتمد [في] (٤) مذهبنا، والله أعلم. (ويقول بين الركنين) أي: الركن الذي فيه الحجر الأسود والركن اليماني،

стр. 948

ويقال لهما: اليمانيان للتغليب، والركنان الآخران يقال لهما: الشاميان تغليبًا أيضًا؛ فإن أحدهما هو الركن العراقي والآخر الشامي، وإنما خص الركنان اليمانيان بالاستلام وزيادة الإكرام؛ لزيادة فضيلتين فيهما: إحداهما: كونهما على بناء إبراهيم ﵇. والثانية: كون الحجر الأسود في أحدهما. هذا، وقال النووي: "اللغة الفصيحة المشهورة في اليماني التخفيف في الياء، وفيه لغة أخرى بتشديد الياء، فمن خففها قال: هذه نسبة إلى اليمن، والألف عوض من إحدى يائي النسبة، فبقي الياء الأخرى مخففة، ولو شددت لجُمِع بين العوض والمعوض. ومن شدَّدها قال: الألف زائدة" (١). (ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار) مر معناه. (د، س، حب، مس) وفي "نسخة الجلال": "مص"، والظاهر أنه زيادة على "مس" لا أنه بدل منه، [كما] (٢) سيأتي رمزهما منفردًا، أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة، عن عبد الله بن السائب (٣).

стр. 949

(وكذلك) أي: يقول ذلك بين الركن والحِجْر، بكسر فسكون، وهو الحائط المستدير إلى جانب الكعبة الغربي من جملة البيت الشريف، أُخْرِجَ لقضية مشهورة، وقضيته في الكتب المبسوطة مسطورة. قال المصنّف: "يعني الركن الذي فيه الحجر الأسود، والحِجْر: بكسر الحاء وإسكان الجيم، وهو: المحوطة التي هي شمال البيت" (١). (مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عنه أيضًا. (وفي الطواف) أي: وكذلك يقول في سائر أحوال الطواف، أو في بقية أماكن المطاف. (مس) أي رواه: الحاكم عنه أيضًا. (أو بين الركن والمقام) بفتح الميم، قال المصنّف: "يعني: مقام إبراهيم ﵇، وهو الذي تجاه الكعبة من الشرق" (٢)، انتهى. والتُّجَاه من المواجهة، وأصله "وُجَاه" قلبت الواو تاءً كما في "تُقَاة". (مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة موقوفًا من قول ابن عمر (٣). (اللهم) وفي رواية ابن أبي شيبة: "رب" (قَنِّعْني) بتشديد النون

стр. 950

المكسورة، قال المصنّف: "من القناعة، وهو: الرضا باليسير من العطاء" (١)، انتهى، والمعنى: اللهم أعطني القناعة. (بما رزقتني) أي: من الكفاية. (وبارك لي فيه) أي: بعين العناية. (واخلف) بهمز وصل وضم لام، أي: كن خلفا (على كل غائبة) أي: نفس غائبة، (لي بخير) أي: ملابسًا به، أو اجعل خلفًا على كل غائبة لي خيرًا، فالباء للتعدية، ففي "القاموس" (٢): "خلفه خلافة: كان خليفته وبقي بعده، وخلف الله عليك، أي: كان خليفة من فقدته عليك"، وأما ما لهج بعض العامة من قوله: "عليَّ" بتشديد الياء؛ فهو تصحيف من المبنى، وتحريف في المعنى كما لا يخفى. (مس، مو مص) أي رواه: الحاكم مرفوعًا عن ابن عباس، وابن أبي شيبة موقوفًا من قوله (٣).

стр. 951

(لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر. (فإذا فرغ من الطواف تقدم) أي: ذهب (إلى مقام إبراهيم، فقرأ: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾) وقرئ بالكسر على الأمر، وبالفتح على الخبر، لكن قال المصنّف: "الرواية: بكسر الخاء المعجمة على الأمر" انتهى. والمعنى: خذوا استحبابًا (﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾) أي: بعض حواليه العرفية (﴿مُصَلًّى﴾) أي: موضع صلاة لركعتي الطواف " فإنه أفضل من سائر أمكنة المسجد وسائر الحرم، مع الجواز في خارجه أيضًا. ثم عندنا معشر الحنفية: ركعتا الطواف واجبة عقيب كل طواف فرضًا كان أو نفلا، لكن يكره أداؤها في الأوقات المكروهة، وعند الشافعي سنة ولا وقت كراهة لها عنده. (وجعل) أي: النبي ﷺ (المقام بينه وبين البيت) أي: لأنه أفضل مَحَالِّه، (وصلى ركعتين في الأولى) أي: بعد الأولى (﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾)، وفي الثانية: (﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾) أي: لدلالة كل واحدة منهما على التوحيد، ونفي الشرك على وجه التأكيد. (ثم يرجع إلى الركن) أي: الركن الأعظم، (فيستلمه) أي: ثانيًا بمنزلة سلام التوديع بالانتقال إلى السعي، قال المصنّف: "قيل: هو يفتعل من

стр. 952

السلام بفتح السين، وهو التحية، وقيل: من السِّلام بالكسر، وهو الحجارة، أي: يلمسه بيده ويتناوله" (١) انتهى كلامه. والمعنى الثاني هو المشهور في هذا المقام، والمعنى: أنه يضع يديه عليه ويقبله، وقيل أيضًا: "يضع جبهته عليه". (ثم يخرج من الباب) أي: من باب الصفا؛ فإنه أفضل، (إلى الصفا) أي: متوجها إليه، (فإذا دنا) أي: قرب (منه قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] أي: شعائر الحج؛ آثاره وعلاماته، جمع شعيرة وهي العلامة، وقيل: "هو كل ما كان من أعماله كالوقوف، والطواف، والسعي، والرمي، والذبح، وغير ذلك" كذا نقله الحنفي عن "النهاية" (٢). ولا يظهر فرق بين القولين، والأظهر أن يقال: المعنى من شعائر دينه مطلقًا أو من أعمال حجّ بيته. وقال المصنّف: "أي: من أعلام متعبداته" (٣). (أبدأ بما بدأ الله به) قال المصنّف: "بفتح الهمزة الأولى، وضم الأخيرة على [الإخبار] (٤)، وروي بهمزة الوصل مبدوءة بالكسر وواو بعد الهمزة المضمومة؛ على الأمر للجماعة المخاطَبين، وقيل: هذه الرواية دليل على الوجوب بابتداء ما بدئ به كترتيب الوضوء وغيره") (٥)،

стр. 953

انتهى. وهو لما كان دليلًا ظنيًّا قلنا بوجوبه دون فرضيته. (فيرقى) بفتح القاف أي: فيصعد (الصفا حتى يرى البيتَ، فيستقبل القبلة، فيوحد الله ويكبره) بأن يرفع يديه كما يرفعهما للدعاء، لا كما يفعله العامة من المعلمين وغيرهم، ويقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الحمد لله على ما هدانا، الحمد لله على ما أولانا، (ويقول: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد) زاد أبو عوانة: "يحيي ويميت" (وهو على كل شيء قدير). قال ميرك: "قوله: "ويقول" يحتمل أن يكون قولًا آخر غير ما سبق من التوحيد والتكبير، وأن يكون كالتفسير والبيان، والتكبير وإن لم يكن ملفوظًا به لكن معناه مستفاد من هذا". قلت: الظاهر هو الاحتمال الأول؛ لما سيجيء في الحديث الثاني من أنه يكبر ثلاثا ويقول: "لا إله إلا الله … " إلى آخره. (لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده) أي: صدق وعده في إظهار الدين، وكون العاقبة للمتقين، وغير ذلك من وعده، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩]. (ونصر عبده) أي: الفرد الأكمل، وهو الرسول الأفضل، (وهزم الأحزاب) أي: غلبهم وكسرهم (وحده) إيماءً إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]. ثم الأحزاب: جمع حزب، والمراد بهم القبائل الذين اجتمعوا على محاربة النبي ﷺ ، وتوجهوا إلى المدينة واجتمعوا حولها، وتحزبوا يوم

стр. 954

الخندق نحوًا من اثني عشر ألفًا سوى ما انضم إليهم من يهود قريظة والنضير، فأرسل الله [عليهم] (١) كما قال: ﴿رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩]. وبهذا يرتبط قوله ﷺ تكذيبًا لقول المنافقين والذين في قلوبهم مرض: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢]، وهذا هو المشهور أن المراد أحزاب يوم الخندق. قال بعضهم: "ويحتمل أن يكون المراد أحزاب الكفر في جميع الأزمنة والأمكنة"، والله أعلم. (ثم يدعو بين ذلك، ويقول مثل هذا ثلاث مرات) قال ميرك: ""ثم": تقتضي التراخي، وأن يكون الدعاء بعد الذكر، و"بين": تقتضي التعدد والتوسط بين الذكر، بأنْ يدعو بعد قوله: "والله على كل شيء قدير"، فحمل المظهر بأن قال لما فرغ من قوله "وهزم الأحزاب وحده" دعا بما شاء، ثم قال مرة أخرى هذا الذكر، ثم دعا حتى فعل ثلاث مرات". أقول: وهذا إنما يستقيم على التقديم والتأخير، بأن يذكر ثم يدعو بين ذلك بعد قوله: "ويقول مثل هذا ثلاث مرات"، و"ثم" تكون للتراخي في الإخبار، لا لتأخر زمان الدعاء، ويلزم أن يكون الدعاء مرتين. قال النووي: "ويستحب أن يذكر الله بهذا الذكر ويدعو بهذا الدعاء ثلاث مرات، هذا هو المشهور" انتهى. ولا يخفى أن كلام النووي قابل للتأويل؛ بأن يقال: "ثلاث مرات" قيد للذكر، فالتقدير: ويدعو بهذا الدعاء فيما بين ذلك، ليوافق صريح

стр. 955

الحديث الصحيح، بل وفيه إيماءٌ إلى أن "ثُمَّ" في الحديث ليس للتراخي كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: ١٥٣، ١٥٤] على ما ذهب إليه ابن مالك، ولا للترتيب كما ذهب إليه قوم في قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (١). ويؤيده أنه في آية أخرى: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١]. وحاصله: أن "ثُمَّ" بمعنى الواو لمطلق الجمع كما سيأتي في رواية أخرى بلفظ: "ويدعو"، ولا يبعد أن يجعل "بين" بمعنى الوصل على ما "القاموس"، فيفيد أنه يدعو متصلًا بما ذكر، فيؤخذ منه تثليث الدعاء أيضًا. (ثم ينزل المروة) بالنصب على نزع الخافض، أي: "إلى المروة" كما في نسخة، والمعنى: ينزل عن الصفا متوجها إلى المروة ويمشي أو يسير. (حتى إذا انصبت) أي: انحدرت في المشي، وهذا مجاز من قولهم: صب الماء فانصب. قال المصنّف: "بتشديد الباء، أي: انحدرت" (٢) (قدماه في بطن الوادي) وهذا باعتبار ما كان في الزمن الأول من انخفاض الوادي، وارتفاع طرفيه من جانب الصفا والمروة، والمعنى: حتى يصل إليه وينزل فيه.

стр. 956

(سعى) أي: أسرع فيما بين الميلين، فإنه كان أولًا أيضًا مسطحًا قابلًا للسعي، ولعل هذا هو الوجه في العدول عن السعي من ابتداء الصفا إلى انتهاء المروة، كما يتوهمه بعض العوام؛ فإن فيه حرجًا عظيمًا، مع مخالفته لفعل هاجر أم إسماعيل ﵉، في القضية المشهورة عند العلماء الأعلام. (حتى إذا صَعِدَ) بكسر العين، أي: طلع عن بطن الوادي، وهو كذا في النسخ المعتمدة والأصول المعتبرة "صعد" بصيغة المجرَّد، وفي نسخة: "أصعد". قال ميرك: "الإصعاد: الذهاب في الأرض والإبعاد، سواء في ذلك صعود وحدور، قال الله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ [آل عمران: ١٥٣] والمراد هنا: ارتفاع القدمين من بطن المسيل إلى المكان العالي؛ لأنه ذكر في مقابله الانصباب، كذا في "الفائق". قلت: ويؤيده ما في "القاموس" (١): "صعد في السلم كسمع صعودًا، وصعد في الجبل وعليه تصعيدًا: رَقِيَ، ولم يُسْمَعْ: صَعِدَ فيه. وأصْعَدَ: أتى مكَّةَ، وفي الأرضِ: مَضَى، وفي الوادِي: انْحَدَرَ". والمعنى: إذا أتى آخر الوادي (مشى) أي: على هينته. (حتى إذا أتى المروة) أي: جاءها ووصلها، (فعل على المروة كما فعل على الصفا) أي: من الصعود عليها بحيث يعاين الكعبة إن لم يكن مانعًا، ويستقبلها بأن يميل إلى جهة يساره ويرفع يديه، ويأتي بالأذكار المذكورة والدعوات المسطورة.

стр. 957

(م، د، س، ق، عو) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأبو عوانة، عن جابر (١). (أو) وفي نسخة: "و" (إذا رَقِيَ) بكسر القاف، أي: طَلَعَ (الصفا كبر ثلاثًا، ويقول: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. يصنع ذلك سبع مرات، فيصير من التكبير إحدى وعشرون) أي: تكبيرة، (ومن التهليل سبع، ويدعو فيما بين ذلك) أي: ما ذكر من المرات السبع، أو فيما بين [صنعه] (٢) ذلك، (ويسأل الله) عطف تفسير، أو الدعاء بالقلب والسؤال باللسان، أو على القلب، أو بالجمع بين لسان القال وبيان الحال. (ثم يهبط) قال المصنف: "بكسر الباء، أي: ينزل" (٣)، يعني: عن الصفا، ويمشي، ثم يسعى، ثم يمشي، (فإذا رقي على المروة صنع كما صنع على الصفا حتى يفرغ) أي: "من سعيه" كما في نسخة، والمراد به السعي سبعًا. (مو طا مص) أي رواه: مالك في "الموطأ"، وابن أبي شيبة في "مُصَنَّفه"؛ كلاهما من قول ابن عمر موقوفًا (٤).

стр. 958

(ويدعو على الصفا) أي: أيضًا، أو: يخصه بهذا الدعاء (اللهم إنك قلت: ﴿ادْعُونِي﴾ أي: اسألوني (﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾) أي: أجيب دعوتكم، (وإنك لا تخلف الميعاد) أي: مطلقًا. (وإني أسألك كما هديتني للإسلام) أي: أولًا (أن لا تنزعه) أي: لا [تخلعه] (١) آخرًا (مني) قال المصنّف: "بكسر الزاي، أي: تخرجه وتقلعه" (٢)، انتهى. والمقصود منه الثبات والدوام. (حتى تتوفاني) أي: تقبض روحي (وأنا مسلم) أي: والحال أني على دين الإسلام مستمر مستقر. (موطا) أي: رواه مالك أيضًا عنه موقوفًا (٣). (وبين الصفا والمروة) وهو بعمومه يشمل ما بين الميلين (رب اغفر وارحم؛ أنت الأعز الأكرم. مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة من قول ابن مسعود موقوفًا (٤). (وإذا سار إلى عرفات) هي علم للموقف، وهي منونة لا غير، كذا في "المغرب". وقال القاضي في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨]: "هي جمع، سمي به كأذرعات، وإنما نون وكسر، وفيها العَلَمية والتأنيث؛ لأن تنوين الجمع تنوين المقابلة" يعني لنون جمع المذكر لا تنوين التمكن.

стр. 959

وإنما سمي الموقف عرفة؛ لأنه نُعِتَ لإبراهيم ﵇، فلما أبصره عَرَفَهُ. وقيل غير ذلك. و"عرفات": للمبالغة في ذلك، وعندي أنه إنما جمع لأن كل جزء من أجزائها موقف إلا بطن عُرَنَةٍ، كما ورد في الحديث، فيكون نظير سراويل، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٨] المراد به: المسجد الحرام، وجمع لأن كل جهة منه مسجدٌ، أو: لأنه قبلة المساجد؛ فكأنه مساجد. (لبى) أي: في طريقه مرة، (وكبر) أي: مرة أخرى، ولا يبعد أن يكون المراد به تكبير التشريق؛ لكون ابتدائه من صبح عرفة، ويستحب أن يسير بعد فجرها من منى إلى عرفة، والتلبية لا تنقطع إلا عند الرمي. (م، د) أي رواه: مسلم، وأبو داود، عن ابن عمر (١). (وخير الدعاء: دعاء يوم عرفة) الإضافة فيه إما بمعنى اللام، أي: دعاء خُصَّ بذلك اليوم، وإما بمعنى "في"، أي: دعاء وقع نيه أيَّ دعاء كان. ويؤيده ما وقع في نسخة: "وخير الدعاء يومَ عرفة" بالنصب، ويجوز أن يكون بالرفع، والتقدير: خير أوقات الدعاء يومُ عرفة. (وخير ما قلت أنا والنبيون [من] (٢) قبلي) يمكن المغايرة بينهما: بأن يكون الدعاء بالقلب والقول باللسان، وأن يكون عطف تفسير للأول، أو مغايرًا له بالكلية على ما فهم من بعض التقريرات السابقة، ولا يبعد أن

стр. 960

يراد بالدعاء معنى العبادة، أي: خيرها ما وقع في عرفة، فيزول الإشكال المشهور الآتي على الوجه المسطور. فالقول لا الدعاء: (لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) قال المؤلف: "الحديث ليس فيه إلا الثناء على الله تعالى، وليس فيه من لفظ الدعاء شيء، وقد سُئل الإمام الكبير سفيان بن عيينة (١) عن ذلك، فأجاب بقول الشاعر: أأذكر حاجتي أم قد كفاني … ثنائي إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يومًا … كفاه من تعرضه الثناء (٢) وقال ميرك نقلًا عن الطيبي: "قوله: "وخير ما قلت" بمعنى: خير ما دعوت بيانًا لقوله "خير الدعاء"، فالدعاء قوله: "لا إله إلا الله". فإن قلت: هذا ذكر وليس بدعاء، قلت: أجيب عنه بوجهين: أحدهما: أنه على سبيل التعريض تجنبًا عن التصريح؛ مراعاةً للأدب. وثانيهما: الاشتغال بخدمة المولى، والإعراض عن الطلب اعتمادًا على كرمه؛ فإنه لا يضيع أجر المحسنين". قلت: ويؤيده قوله ﷺ (٣): "من شغله ذكري عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين". ثم الفرق بين الوجهين: أن الذاكر في الأول، وإن لم يصرح بالطلب،

стр. 961

فهو طالب بما هو أبلغ من التصريح، بخلاف الثاني، أو أن الذاكر باللسان قد يكون سائلًا بالجنان بخلاف الثاني؛ فإنه في مقام التفويض لا في مرتبة التعريض، ولا شك أنه حال أكمل، وفي قيام حق الربوبية أجمل، كما قال قائل: وكلت إلى المحبوب أمريَ كله … فإن شاء أحياني وإن شاء أتلفا ثم قال ميرك: "ويجوز أن تكون الإضافة في قوله: "دعاء يوم عرفة" بمعنى "في"، فعلى هذا يعم الدعوات الواقعة فيه، فيكون قوله: "وخير ما قلت" عطفًا على قوله: "خير الدعاء" لا على البيان، بل يجري على المغايرة والعموم في القول، فيتناول الذكر والدعاء". (ت) أي: رواه الترمذي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وهو المراد بقوله في بعض النسخ: "عن ابن عَمْرو" (١). (وأكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي) بالجر، وفي نسخة بالرفع (بعرفة: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) في "الفائق" (٢): "إنما سمّي التهليل والتحميد دعاء؛ لأنه بمنزلته في استجلاب صنع الله تعالى إنعامه"، ومنه الحديث: "يقول الله

стр. 962

تعالى: إذا شغل عبدي ثناؤه عَلَيَّ عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" (١). وقوله: "ودعاء الأنبياء" يجوز فيه الرفع على تقدير حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه. قلت: ويصح بلا تقدير مضاف أيضًا، لكن لا يفيد قيد الأكثرية، وهو غير لازم. نعم، أكثر ما ورد في عدده أن يقال فيه مائة مرة، ثم الظاهر أن الدعاء في هذا الحديث لا يحتاج إلى تأويل؛ لقوله (اللهم اجعل في قلبي نورًا)، وإنما قدم التهليل والتحميد للتنبيه على أنه لا بد في الدعاء من تقديم الثناء. (وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا) ترتيب الذكر يشعر بالأفضل، فالأفضل. (اللهم اشرح) أي: وسمع (لي صدري) فيه إجمال وتبيين، وكذا في قوله: (ويسر لي أمري) أي: سهل لي جميع أموري، وعلامة شرح الصدر على ما ورد [به] (٢) الخبر: "أن يزهد في الدنيا ويستعد للعقبى". (وأعوذ بك من وساوس الصدر) أي: من الوساوس الكائنة من

стр. 963

النفس والشيطان الحاصلة في الصدر. (وشتات الأمر) بفتح الشين، أي: تفرقة الخواطر في أمر الدين بالاشتغال في أمور الدنيا، فإن جمعه بتحصيل المهم الأهم بأن يجعل [أكبر] (١) همه هم الدين، فورد: "من جعل الهموم همًّا واحدًا، هم الدين، كفاه الكد هموم الدنيا والآخرة". (وفتنة القبر) أي: ومن الابتلاء فيه بالسؤال، أو من عذابه بالنكال. (اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج) أي: يدخل (في الليل) أي: من المؤذيات (وشر ما يلج في النهار، وشر ما تَهُبُّ) بضم الهاء وتشديد الباء، أي: تجري (به الرياح) والباء للتعدية أو للملابسة. (مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن علي ﵁ (٢). (والتلبية بعرفات سنة) أي: قبل الوقوف وبعده إلى الرمي، والمعنى: أنها سنة مؤكدة؛ وإلا فهي في جميع أحوال الإحرام مستحبة إلا في ابتداء الإحرام، فإنها واجبة عندنا وسنة عند الشافعي. (س، مس) أي رواه: النسائي، والحاكم، عن ابن عباس، وقال الحاكم: "صحيح على شرطهما" (٣)، واعلم أن النسائي والحاكم أخرجاه

стр. 964

من سعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِعَرَفَاتٍ، فَقَالَ: مَا لِي لَا أَسْمَعُ النَّاسَ يُلَبُّونَ؟ فَقُلْتُ: يَخَافُونَ مِنْ مُعَاوِيَةَ، فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ فُسْطَاطِهِ، فَقَالَ: "لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ فَإِنَّهُمْ قَدْ تَرَكُوا السُّنّةَ مِنْ بُغضِ عَلِيٍّ" واللفظ للنسائي (١)، كذا ذكره ميرك. (ولما وقف) أي: النبي ﷺ (بعرفات وقال: لبيك اللهم لبيك، إنما الخير خير الآخرة) وفي رواية: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة"؛ فكأنه ﷺ تذكر بعد كمال أمره، وكثرة أتباعه، وسعة جاهه، فناء الدنيا مع قلة غنائها، وكثرة عنائها، وخسة شركائها، وبقاء العقبى وأنواع نعيمها؛ فقال هذا القول. كما أنه قاله أيضًا في حال كمال ضيقه وشدة جوعه، وكثرة محنته يوم الأحزاب، وقت حفر الخندق؛ تنبيهًا أن السالك ينبغي أن يذكر في الحالين الأخرى، فإنه لا يبقى شر الدنيا. "الأوسط" عن ابن عباس. (فإذا صلى العصر) أي: في وقت الظهر في مسجد نمرة بقرب عرفة؛ فإنه جمع تقديم للنسك عندنا بشروط معروفة في كتب الفقه، وعند الشافعي للسفر. (ووقف بعرفة) والأفضل: أن لا يكون فوق الجبل، بل [عن] (٢) يسار

стр. 965

الجبل في موضع الصخرات السود؛ فإنه موقفه ﷺ . (يرفع يديه ويقول: الكلُ أكبر وللَّه الحمد، الكلُ اكبر ولله الحمد، الله أكبر وللَّه الحمد) أي: ثلاث مرات. إلا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد) والأظهر: أن يكمله لما ورد سابقًا، ولما فيه من زيادة الخير. (اللهم اهدني بالهدى) بضم الهاء، أي: هديًا ملابسًا بهديك، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣]. (ونقني) أمر من التنقية، قال المصنف: "أي: طهرني ونظفني من دنس الذنوب" (١)، انتهى. والأظهر أن معناه: اجعلني نقيا طاهرا من العيوب (بالتقوى) أي: بسبب التزامها بترك الذنوب. (واغفر لي) أي: ذنوبي (في الآخرة والأولى) أي: فيما وقع لي تقصير في أمر الدنيا والعقبى، وتأخير "الأولى" رعاية للسجع المعبر عنه بالفواصل، أو إشارة إلى أن الاهتمام بأمر الآخرة هو الأولى. (ثم يرد يديه) أي: عن رفعهما (فيسكت قدر ما يقرأ إنسان فاتحة الكتاب) أي: متفكرًا في معانيه، أو مستغرقًا في الحضور الناشئ عن مبانيه، أو للاستراحة؛ فإنه كما ورد: "ساعة فساعة". (ثم يعود فيرفع) وفي نسخة: "ويرفع" (يديه، ويقول مثل ذلك) أي: مثل ما تقدم من الثناء والدعاء، وقالوا: "يستحب تجديد التلبية أيضًا في الأثناء". (مو مص) أي: رواه: ابن أبي شيبة موقوفًا من قول ابن عمر وفعله (٢).

стр. 966

(وإذا رجع) أي: من عرفة (وأتى المشعر الحرام) أي: عملًا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾، أي: دفعتم ورجعتم. ﴿مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وهو جبل بمزدلفة اسمه قزح، يقف عليه الإمام، كذا في "المغرب" وهو أفضل أماكن المزدلفة، وإلا فكلها موقف إلا وادي محسّر؛ على ما في حديث (١).

стр. 967

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 968

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 969

وقال الأزهري: "الشعائر: المعالم التي ندب الله إليها أو أمر القيام بها،

стр. 970

ومنه سمي المشعر الحرام؛ لأنه معلم للعبادة وموضع لها" انتهى (١). والبيتوتة بها سنة، والجمع بين العشاءين جمع تأخير واجب، وكذا الوقوف بعد الصبح ولو ساعه واجب عندنا، وعند الشافعي: الوقوف سنة. والبيتوتة بها أكثر الليل واجبة، وأما ما نسب صاحب "الهداية" إلى الشافعي أنها ركن عنده، فغير صحيح. (استقبل القبلة، فدعاه) أي: فدعا الله تعالى (وكبره) أي قال: الله أكبر (وهلله) أي قال: لا إله إلا اللَّه (ووحده) أي قال: "لا إله إلا الله وحده … " إلى آخره. وقال الحنفي: "أي قال: إنه واحد". (فلم يزل واقفًا) أي: بعد صلاة الفجر (حتى أسفر) أي: أضاء واستنار (الصبح) مأخوذ من السفر، وهو بياض النهار، على ما ذكره الجوهري، (جدًّا) أي: مبالغًا، فهو حال أو صفة مصدر محذوف، أي: إسفارًا بليغًا بحيث يقرب طلوع الشمس، ثم يتوجه إلى منًى. وقد أخطأ الحنفي في قوله: "الضمير في "أسفر" إلى الرسول ﷺ ، أي: صلى الصبح عند ضيائه" ومنشأ خطئه غفلته عن مسألة الإسفار؛ فإنه أفضل عندنا؛ لقوله ﷺ : "أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر". وعند الشافعي أداء الصلوات في أوائل الأوقات أفضل بم لما ورد من: "أول الوقت رضوان الله، وآخر الوقت غفران الله"، لكن هذه الصلاة في هذا المكان مستثنًى بالإجماع، على أنه ﷺ صلاها بغلس، ولا خلاف للفقهاء فيه. (م، د، س، ق، عو) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن

стр. 971

ماجه، وأبو عوانة؛ كلهم عن جابر (١). (ولم يزل) أي: من يوم أحرم (يلبي حتى يرمي الجمرة) أي: فيقطعها في أول جمرة يرميها (أي: جمرة العقبة) أي: التي لا ترمى في أول أيام النحر إلا جمرتها، والتفسير من بعض الرواة. (ع) أي: رواه الجماعة عن ابن عباس. (وإذا أراد رمي الجمار) أي: الجمرات الثلاث في ثاني النحر وما بعده، (فإذا أتى) أي: بعد الزوال، (الجمرة الدنيا) أي: القربى، التي تلي مسجد الخيف (رماها بسبع حصيات) أي: أحجار صغار نحو الباقلاء. (يكبر على إثر كل حصاة) أي: عَقِيبها، وهو بكسر الهمزة وسكون المثلثة، وفي نسخة بفتحهما، وهما لغتان؛ ففي التنزيل: ﴿قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ بفتحتين عند الجمهور، وقرأ رويسٌ بالكسر والسكون. (خ، س) أي رواه: البخاري، والنسائي، عن ابن عمر (٢). (أو مع كل حصاة) بأن يجمع بين القول والفعل، وهو الأظهر كما في الجمع بين غسل اليدين والبسملة في أول الوضوء. (م، د، س، ق، مص) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، عن جابر (٣).

стр. 972

(ثم يتقدم) أي: عن موضع الجمرة إلى مَكَانٍ قُدَّامَهَا، (فَيُسهِل) بضم أوله، أي: فيدخل في السهل من الأرض، قال المصنف: "يقال أسهل يسهل، إذا صار إلى السهل من الأرض، وهو ضد الحزن، أو، (١) صار إلى بطن الوادي، وهو معنى قوله: "ويستبطن الوادي"" (٢)، يعني الآتي في جمرة العقبة. لكنه وهم من المؤلف؛ إذ معناه أنه يدخل في بطن الوادي، ويرمي من بطنه لا من فوقه، فإنه هناك علو يمكن أن يرمي به، وأما الجمرتان الأوليان فهما في بطن الوادي بأصلهما، فالمطلوب هنا الدخول في أرض السهل، فالمغايرة بينهما ظاهرة للعارف بهما. (فيقوم مستقبل القبلة قيامًا طويلًا) قيل: "قدر قراءة سورة البقرة" (فيدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الجمرة الوسطى كذلك) أي: مثل ما تقدم من اعتبار السبع ومراعاة التكبير. (فيأخذ ذات الشمال) أي: يمشي إلى جهة الشمال عند تقدمه عن الجمرة، وإرادته الوقوف للدعاء، (فيُسْهِلُ، فيقوم مستقبل القبلة قيامًا طويلًا، فيدعو ويرفع يديه حتى يرمي الجمرة ذات العقبة) أي: الواقعة عندها (من بطن الوادي) أي: لا يرميها من فوق؛ فإنه مكروه عندنا، غير جائز عند الشافعي. (ولا يقف عندها) أي: عند جمرة العقبة ولا حولها للدعاء، وهو لا

стр. 973

ينافي الدعاء، أو قيامًا طويلا فلا ينافي ما ورد من الدعاء كما سيأتي. (خ، س) أي رواه: البخاري، والنسائي، عن ابن عمر (١). (ويستبطن الوادي) أي: يدخل في بطن الوادي، وهو المعنيُّ بقوله: "ويرمي من بطن الوادي" (حتى إذا فرغ) أي: من الرمي، (قال) أي: من غير وقوف، أو من غير إطالة، (اللهم اجعله) أي: حجنا (حَجًّا مبرورًا) أي: مقبولًا؛ ففي "النهاية": "جاء في الحديث: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"، وهو الذي لا يخالطه شيء من الإثم، وقيل: "هو المقبول المقابل بالبر وهو الثواب" يقال: برَّ حجُّه، وبرَّ الله حجَّه، وأبره بِرًّا بالكسر، وإبرارًا" انتهى. ويمكن أن يراد به: المقبول المقابل للمردود، فإنه أكثر الموجود. (وذنبًا مغفورًا) كأنَّ المراد: واجعل ذنبنا ذنبًا مغفورًا، ذكره الحنفي وغيره. والأظهر أن يكون التقدير: اجعل [الجعل] (٢) حجًّا مبرورًا وذنبًا مغفورًا، أي: سبب بر الحج وغفران الذنب. وفي بعض الروايات وقع ما بينهما: "وسعيا مشكورا". (مص، مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود مرفوعًا، ورواه أيضًا موقوفًا من فِعْلِ ابن عمر (٣) وقَولِه، ويؤيده ما سمع ممن يثق

стр. 974

به من "الجلال" أنه نقل عن المصنّف أنه قال: "يعني رواه ابن مسعود مرفوعًا، وابن عمر موقوفًا" لكن في بعض النسخ: "مس" بالسين موضع "مص" بالصاد، فيفيد أن الحاكم رواه عن ابن مسعود مرفوعًا، والعلم عند الله. (ويدعو عند الجمرات) أي: عند رميها، (كلها) أو بعد فراغها، لكن من غير وقوف عند العقبة، ولعلها لدفع المضايقة، (ولا يُوَقِّت شيئًا) بتشديد القاف، يقال: وقت الشيء ووقته إذا بين حده، ومنه قوله تعالى: ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾، كذا في "الفائق"، وأراد به قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] أي: فرضًا مؤقتًا معينًا، لا يجوز أداؤها قبله بخلاف قضائها، فالمعنى: لا يعين شيئا من الجمرات بالدعاء بل يعمها، أو لا يعين شيئًا من الأشياء بالدعاء عند الجمرات، بل يدعو بما بدا له من الحاجات، وهو اختيار الإمام محمد من أئمتنا؛ فإن تعيين الدعاء (١) يذهب حالة الخضوع والخشوع، لكن ينبغي أن يحمل على غير الدعوات المأثورة. (مو مص) أي رواه: ابن أبي شيبة موقوفًا عن الحسن البصري (٢). (وإذا ذبح) أي: أراد أن يذبح (سمى) أي: وجوبًا عندنا، وسنة عند الشافعي، (وكبر) بأن يقول: باسم الله، الله أكبر.

стр. 975

(ووضع) أي: والحال أنه قد وضع (رجله على صِفَاحِهِ) بكسر الصاد المهملة، وتخفيف الفاء، وآخرها حاء مهملة، جمع صَفْح بالفتح ثم السكون، وهو: الجنب. وقيل: "جمع صفحة الوجه، وهي: عرضه" والمراد: الجانب الواحد من الأضحية، وهذا المعنيُّ بقول الراوي: (أي: عرض خده). وقيل: المراد بصفاحه نواحي عنقه، وصَفْح الشيء ناحيته، وإنما فعل هذا ليكون أثبت له وأمكن، وأحسن للمذبوح وأهون، ولئلا تضطرب الذبيحة برأسها فتمنعه من إكمال الذبح أو تؤذيه. (ع) أي رواه: الجماعة عن أنس (١)، قال: "ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين أقرنين، وسمَّى وكبر ووضع رجله على [صفاحهما] (٢) "، و"الأملح" على ما في "القاموس": "ما فيه بياض يخالطه سواد" (٣). (ويقول في الأضحية) وهي بضم الهمزة وتكسر؛ ففي "النهاية": "أن فيها أربع لغات: أُضْحِيَةٌ وأضحيّة والجمع أضاحيّ بتشديد الياء وتخفيفها، وضحية، وأضحاة بفتح الهمزة". وفي "القاموس": "الأضحية شاة يضحى بها، أي: يذبح في الضحوة،

стр. 976

وهي ارتفاع النهار والجمع أضاحيّ، كالضحية [وجمعها] (١) ضحايا، كالأضحاة والجمع أضحى، وبها سمي يوم النحر". والمعنى يقول في وقت ذبحها: (باسم الله، اللهم تقبل مني) أي: أضحيتي، (ومن أمة محمد ﷺ ) أي: ضحاياهم. (م، د) أي رواه: مسلم، وأبو داود، عن عائشة (٢). (إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، على ملة إبراهيم) أي: حال كوني على وفق دينه من التوحيد والإخلاص والتفريد، وهو غير موجود في بعض النسخ، (حنيفًا) أي: مائلا إلى الحق، وهو حال من فاعل "وجهت"، (وما أنا من المشركين) أي: لا شركًا جليًّا ولا خفيًّا. (إن صلاتي ونسكي) أي: عبادتي وتقربي أو ذبحي، وجمع بين الصلاة والذبح كما في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، إلا أن صلاة العيد ساقطة عن الحجاج بمنى، (ومحياي) أي: ما أتيته في حياتي، (ومماتي) أي: ما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح، (لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك) أي: الإخلاص، (أمرت، وأنا من المسلمين) وفي نسخة: "وأنا أول المسلمين". (اللهم منك ولك) أي: هذه الأضحية، واصلة منك إليَّ، ومخلوقة ومملوكة لك، أو أنا [ناشئ] (٣) منك وعبد لك، (باسم الله، والله أكبر ثم

стр. 977

يذبح) أي: فيذبح. (د، ق، مس) أي رواه: أبو داود، وابن ماجه، والحاكم، عن جابر (١). (وقال ﷺ لفاطمة: قومي إلى أضحيتك) وهي: ما يذبح يوم النحر على وجه التقرب، (فاشْهَدِيهَا) بفتح الهاء، أي: فاحضريها، (فإنه) أي: الشأن، (يغفر لك عند أول قطرة من دمها) فيه إيماءٌ إلى المبالغة في سرعة القبول، وحصول المغفرة. (كل ذنب عملته) أي: في جميع عمرك، وفي نسخة: "عملتيه" بإشباع الكسرة المتولد منها الياء، (وقولي: إن صلاتي ونسكي) إلى آخره. (قال عمران) أي: راوي الحديث (قلت: يا رسول اللَّه، هذا) أي: هذا الأجر والثواب (لك) أي: مختص لك، (ولأهل بيتك خاصة؟ قال: بل للمسلمين عامة. مس) أي: رواه الحاكم عن عمران بن حصين (٢). (فإن كانت) أي: الأضحية أو الذبيحة، وهي: ما أريد ذبحه، (بدنة) أي: ناقة أو بقرة - على ما في "المهذب" وهو المذهب، خلافًا للشافعي؛ فإنها عنده الإبل لا غير، ويؤيده ما في "المغرب": "البدنة في اللغة من

стр. 978

الإبل خاصة، وتقع على الذكر والأنثى". لكن المراد هنا الإبل اتفاقًا؛ لقوله: (فليقمها) من الإقامة، أي: فليوقفها بقصد نحرها، والنحر يُخَص بالإبل، والذبح بالبقر والغنم. (ثم ليقل: الله أكبر الله أكبر الله أكبر) أي: ثلاثًا. (اللهم منك ولك، ثم ليُسَمّ الله، ثم لينحرْ، وإن كانت) أي: الذبيحة، (عقيقة) وهي الشاة التي تذبح عن المولود يوم سابعه، (فعل كالأضحية. مو مس) أي: رواه الحاكم موقوفًا من قول ابن عباس وفعله (١). (ويسمي) بكسر الميم، ويجوز فتحها، (على العقيقة كما يسمي على الأضحية: باسم الله عقيقة فلان) أي: هذه عقيقة فلان، (ينويها) أو يذكرها بعد البسملة، (مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة موقوفًا من قول قتادة التابعي (٢). (وإذا دخل البيت) أي: البيت الحرام وهو الكعبة (كبَّر في نواحيه) أي: الأربعة. (خ، د) أي رواه: البخاري، وأبو داود، عن ابن عباس، (وفي زواياه. د) أي: رواه أبو داود عنه أيضًا (٣).

стр. 979

والحاصل: أنهما رويا عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت وفيه آلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل ﵉ في أيديهما الأزلام، فقال النبي ﷺ : قاتلهم الله؛ لقد علموا أنهما ما استقسما قط، ثم دخل البيت فكبر في نواحي البيت، وخرج ولم يصل فيه" رواه البخاري وأبو داود، ولفظ أبي داود: "فكبر في نواحيه وفي زواياه". قال ميرك: "الصحيح أن دخول النبي ﷺ الكعبة كان في فتح مكة" وقال بعضهم: "في حجة الوداع" قلت: الأصح أنه دخل عام الفتح، ويحتمل أنه دخل عام الوداع أيضًا. نعم، سيأتي في رواية أسامة: "أنه ﷺ لما دخل البيت صلى"، والمُثْبِتُ مُقَدَّم عَلَى النَّافِي، مع أن حديث أسامة متفق عليه، وأسامة أضبط وأعلم بالقضية من ابن عباس؛ لكونه صغيرًا، وأيضًا: لم يكن معه ﷺ حال الدخول (١). (ويدعو في نواحيه كلها، فإذا خرج ركع) أي: صلى (في قُبُل البيت) بضم القاف والموحدة وقد تسكن، أي: مقابل البيت، أو ما استقبلك منه وهو وجهه. قال التوربشتي: "المراد الجهة التي فيها الباب" قلت: المشهور عند أهل مكة أنه ﷺ صلى في الموضع الذي يقال له: المعجنة. وأيضًا يقال له: مقام جبريل ﵇. حيث أمَّ بالنبي ﷺ فيه خمس صلوات في يومين لتعليم أوائل الأوقات وأواخرها، (ركعتين) أي: وقال: "هذه القبلة" كما في

стр. 980

رواية. (م، س) أي رواه: مسلم، والنسائي، عن أسامة بن زيد (١). وهو في هذا الحديث ساكت عن صلاته داخل الكعبة بخلافه في الحديث الآتي، وهو قول المؤلف: (ودخل النبي ﷺ الكعبة، هو وأسامة) أي: "ابن زيد" كما في نسخة، (وعثمان بن طلحة) أي: الشيبي (الحَجَبِيُّ) بفتح الحاء والجيم وكسر الموحدة وتشديد التحتية للنسبة إلى الحجابة، والحاجب: البواب، (وبلال بن رباح) بفتح فتخفيف موحدة. (فأغلقها) أي: رد بابها عثمان لكونه وظيفته، أو بلال بأمره ﵇ لما سيأتي، (عليه) أي: على النبي ﵇ خوفًا للازدحام محليه، (ومكث) بفتح الكاف وضمها، أي: توقف، (فيها) أي: في الكعبة. (ثم خرج، فسألت بلالًا) السائل: ابن عمر الراوي للحديث، (حين خرج) أي: بلال أو رسول الله ﷺ وهو معه، (ماذا صنع رسول اللَّه ﷺ ؟) يحتمل أن يكون "ما" استفهامية، و"ذا" بمعنى الذي، وما بعده صلته، والمجموع خبر "ما"، وأن يكون "ما" مع "ذا" اسمًا واحدًا بمعنى "أي شيء" منصوب المحل على المفعولية مثل ما صنع رسول الله ﷺ . (فقال) أي: أسامة، (جعل) أي: النبي ﷺ ، (عمودًا عن يساره،

стр. 981

وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه) وفي بعض الروايات: "جعل عمودين عن يساره، وعمودًا عن يمينه"، فالجمع على ثبوت تعدد الدخول ظاهر، وعلى عدمه يحمل أحدهما على موقف الصلاة والآخر على موقف الدعاء، واللَّه أعلم. (وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة) أي: بخلاف اليوم، فإنه حينئذٍ على ثلاثة أعمدة، (ثم صلى) أي: وهو متوجه إلى الجهة التي فيها المستجار محاذيًا للباب قريبًا من الجدار تخمينا: ثلاثة أذرع. (خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم، عن ابن عمر (١). (ولما دخل النبي ﷺ البيت أمر بلالًا فأجاف) أي: أغلق أو رد بلال (الباب) أي: باب الكعبة، مخافة الزحمة المانعة من الحضور الموجب لزيادة الرحمة، (والبيت إذ ذاك) أي: وقتئذٍ، (على ستة أعمدة، فمضى) أي: ذهب من جهة الباب، أي: محاذيه من الجدار، (حتى إذا كان بين الاصطوانتين) وفي نسخة: "الاسطوانتين" كما هو الأصل، لكن أبدل السين صادًا [لقرب] (٢) الطاء الملائم للصاد في موافقة صفة الإطباق، كما حُقِّقَ في صِرَاطٍ، (اللتين تليان) أي: تقربان، (باب الكعبة) [أي: المسدود] (٣). (جلس) أي: بعد الصلاة، أو قبلها، وهو المتبادر من العبارة الظاهرة

стр. 982

من كلام الراوي، (فحمد اللَّه) أي: شكره على ما منح عليه، وفتح لديه، وأحسن إليه جزيلًا، (وأثنى عليه) أي: ثناءً جميلًا، (وسأله) أي: المزيد من فضله، (واستغفره) أي: [من] (١) التقصير في فعله، (ثم قام، حتى إذا أتى ما استقبل) أي: ما واجه قبالته، (من دبر الكعبة) أي: بالنسبة إلى باب المواجهة، (فوضع وجهه) أي: كله أو جبينه، (وخدّه عليه) أي: تبركًا منه وتواضعًا لديه، (وحمد الله وأثنى عليه وسأله واستغفره، ثم انصرف إلى كل ركن من أركان الكعبة فاستقبله بالتكبير) أي: مصحوبًا به، (والتهليل والتسبيح، والثناء على الله، والمسألة) أي: السؤال للمنال، (والاستغفار) أي: طلب المغفرة للأفعال. (ثم خرج فصلى ركعتين مستقبل وجه الكعبة) أي: كما تقدم، (ثم انصرف) أي: إلى محله. (س) أي: رواه النسائي من حديث ابن عباس عن أسامة (٢). (وإذا شرب ماء زمزم) قيل: سمي به لأنه لما رأت هاجر نبع الماء من تحت قدم إسماعيل ﵇ وأراد أن يجري، قالت بلسان القبط: "زم زم"، أي: قف قف. والمعنى: إذا أراد أن يشرب من ماء زمزم، (فليستقبل [الكعبة] (٣)، وليذكر اسم الله، وليتنفس ثلاثًا) أي: ليشرب منه بثلاثة أنفاس خارج الإناء، (وليتضلع) قال المصنّف: "أي: يكثر من الشرب

стр. 983

حتى يمتلئ جنبه وأضلاعه" (١) (منها) أي: من ماء [بئر] (٢) زمزم. (فإذا فرغ) أي: من الشرب، (فليحمد اللَّه إن آية ما بيننا) أي: العلامة الواقعة الفارقة بيننا، (وبين المنافقين لا يتضلعون) أي: هي أن لا يتضلعوا، (من زمزم) وحاصله: إن آية الإيمان التضلع منه، وآية المنافق عدم التضلع منه. (ق، مس) أي رواه: ابن ماجه، والحاكم، عن ابن عباس (٣). روي عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، قال: "كنت عند ابن عباس جالسًا، فجاءه رجل، فقال: من أين جئت؟ قال: من زمزم، قال: فشربت منها كما ينبغي؟ قال: وكيف ينبغي؟ قال: إذا شربت منها فاستقبل الكعبة، واذكر اسم الله، وتنفس ثلاثًا من زمزم، وتضلع منها، فإذا فرغت فاحمد الله، قال رسول الله ﷺ : إن آية ما بيننا وبين المنافقين لا

стр. 984

يتضلعون من ماء زمزم"، رواه ابن ماجه واللفظ له، والحاكم في "المستدرك"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين". وبهذا يتبين أن صدر الحديث موقوف وآخره مرفوع، وأن المصنّف رواه بالمعنى، ولفظ "الجامع": "آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم"، رواه البخاري في "تاريخه"، وابن ماجه، والحاكم، عن ابن عباس. (وماء زمزم لما شرب له) بصيغة المجهول، أي: معتبر لأي قصد شرب له، (فإن شربته) أي: أيها الشارب، (تستشفي به) أي: "لتستشفي به" كما في نسخة، أو مستشفيًا به، (شفاك الله، وإن شربته مستعيذًا) أي: مستجيرًا من أحد أو من بلاء، (أعاذك الله) أي: أجارك منه. (وإن شربته لتقطع ظمأك) بصيغة [المخاطب] (١) المعلوم، وهو المناسب لما قبله، ويجوز أن يكون على صيغة الغائب للفاعل، ويؤيده قوله: (قطعه) والفاعل هو اللَّه أو زمزم مجازًا. وفي "أصل الجلال" بصيغة المذكر المجهول وَرَفْعِ "ظمأك"، وفي "أصل الأصيل" (٢) غير مقيد بالفاعل والمفعول، ثم الظمأ: بفتحتين مهموز الآخر مقصورًا، وهو العطش، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ [التوبة: ١٢٠].

стр. 985

قال ميرك -نقلًا عن الشيخ-: "وإنما ذكرت هذا وإن كان ظاهرًا؛ لأنّي رأيت من اشتبه عليه فتوهمه ممدودًا". قلت: قد ذكر مولانا سنان الرومي في "حاشية البيضاوي": "في الآية أن الظمأ يمد ويقصر وقرئ بهما، وهو شدة العطش"، ثم إني رأيت في كتاب "الشواذ": "أن الظمأ بالمد قراءة [ابن أبي عمير] (١) ". (وكان ابن عباس إذا شرب ماء زمزم) أي: إذا أراد شربه، (قال) أي: بعد البسملة أو قبلها، وهو الأظهر، (اللهم إني أسألك علمًا نافعًا) أي: لي ولغيري، وهو [عِلْم] (٢) الكتاب والسنة، (ورزقًا واسعًا) أي: حلالًا يسعني أن أتناوله شرعًا، أو قدرًا كافيًا، (وشفاءً من كل داء) أي: ظاهرًا وباطنًا. (مس) أي: رواه الحاكم عن ابن عباس، أخرجه من طريق مجاهد، عنه، قال العسقلاني: "رجاله موثوقون إلا أنه اختلف في وصله إرساله" (٣).
следующие страницы →