← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30622

شرح حلية طالب العلم - الشثري

سعد الشثري

Полный текст (199 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

حذرًا من شرهم، وتحجيمًا لانتشار بدعهم، وكسرًا لنفوسهم حتى تضعف عن نشر البدع، ولأن في معاشرة السني للمبتدع تزكية له لدى المبتدئ والعامي، والعامي: مشتق من العمى، فهو بيد من يقوده غالبًا (١). ونرى في كتب المصطلح، وآداب الطالب، وأحكام الجرح والتعديل: الأخبار في هذا. فيا أيها الطالب، كن سلفيًا على الجادة، واحذر المبتدعة أن يفتنوك، فإنهم يوظفون للاقتناص والمخاتلة سبلًا (٢) يفتعلون تعبيدها بالكلام المعسول - وهو (عسل) مقلوب - (٣) وهطول الدمعة، وحسن البزة، (١) قوله: "حذرًا من شرهم": أي: الفائدة من هجر أهل البدع هي: أولًا: لئلا يقع في نفسك شيء من بدعهم، بدون أن تشعر. وثانيًا: تحجيم لانتشار بدعهم؛ لأن الناس إذا رفعوا شأن المبتدع بدءوا يأخذون منه في بقية العلوم، فانتشرت البدع التي لديهم. ثالثًا: كسر لنفوسهم، بحيث لا يصبح لهم مكانة ولا منزلة، فمن ثم لا يتمكنون من نشر البدع. ورابعًا: هرب من تزكية المبتدعة خصوصًا عند المبتدئين. (٢) قوله: "كن سلفيًّا على الجادة، واحذر المبتدعة أن يفتنوك؛ فإنهم يوظفون بالاقتناص والمخاتلة سبلًا"، فالمبتدعة يريدون أخذ طلاب العلم، وإبعادهم عن طريق السلف، وبالتالي قد تجد عندهم كلامًا طيبًا لينًا سهلًا؛ من أجل اقتناص الطلاب. (٣) قوله: "وهو عسل مقلوب"، يعني لَسْع كلامه عسل في الظاهر، لكن في حقيقته مقلوب عسل، يعني لسع، وقد يظهرون لك هطول الدمعة وحسن الثياب والإغراء بالكلام البلاغي، وقد ينقلون روايات عن الكرامات ونحو ذلك، فلا تغتر بهؤلاء.

стр. 107

والإغراء بالخيالات، والإدهاش بالكرامات، ولحس الأيدي، وتقبيل الأكتاف، وما وراء ذلك إلا وحم البدعة ورهج الفتنة، يغرسها في فؤادك، ويعتملك في شراكه، فوالله لا يصلح الأعمى لقيادة العميان وإرشادهم. أما الأخذ عن علماء السنة، فالعق العسل ولا تَسَل (١). وفقك الله لرشدك، لتنهل من ميراث النبوة صافيًا، وإلا فليبك على الدين من كان باكيًا. وما ذكرته لك هو في حالة السَّعة، والاختيار، أما إن كنت في دراسة نظامية لا خيار لك، فاحذر منه مع الاستعاذة من شرِّه باليقظة من دسائسه على حد قولهم: "اجْنِ الثمار وأَلْقِ الخَشَبَةَ في النار"، ولا تتخاذل عن الطلب، فأخشى أن يكون هذا من التولي يوم الزحف، فما عليك إلا أن تتبين أمره، وتتقي شره، وتكشف ستره (٢). (١) قوله: "أما الأخذ عن علماء السنة فالعق العسل ولا تَسَلْ"، لأن عندهم ميراث النبوة قد أخذوه، وعندهم السنة والتوحيد. (٢) قوله: "وما ذكرته لك هو في حالة السعة والاختيار": أي ما سبق في القسم الأول: وهو من يختار شيوخه. القسم الثاني: من كان في دراسة نظامية، وبالتالي يُلْزَم بأن يدرس على هذا المبتدع، فحينئذ يدرس الإنسان عليه وينتقي معلوماته، ويقارنها، ويتيقظ من دسائسه، ولا يقول الإنسان: سأتوقف عن التعلم من أجل هذا المبتدع، والمؤلف يخشى أن يكون هذا من التولي يوم الزحف.

стр. 108

ومن النتف الطريفة أن أبا عبد الرحمن المقرئ حدث عن مرجئ، فقيل له: لِمَ تحدث عن مُرْجئٍ؟ فقال: "أبيعكم اللحم بالعظام" (١). فالمقرئ رحمه الله تعالى حدث بلا غرر ولا جهالة؛ إذ بين فقال: "وكان مرجئًا". وما سطرته لك هنا هو من قواعد معتقدك، عقيدة أهل السنة والجماعة، ومنه ما في "العقيدة السلفية" لشيخ الإسلام أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (م سنة ٤٤٦ هـ)، قال رحمه الله تعالى: "ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين، ولا يناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالأذان وقرت في القلوب ضرَّت وجرَّت إليها من الوساوس والخطرات الفاسدة ما جرَّت، وفيه أنزل الله قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] " (٢) ا. هـ. وعن سليمان بن يسار: (أن رجلًا يقال له: صبيغ قدم المدينة، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر ﵁، وقد أعد له عراجين (١) قوله: "ولم تحدث عن المرجئي؟ "، أي ما يتعلق بالحديث عن المرجئ، قيل لأبي عبد الرحمن المقرئ: "لِمَ تحدث عن المرجئ؟ قال: أبيعكم اللحم بالعظام"، يعني أترك اللحم الذي تستفيدون منه، ثم أحدثكم بالعظام، أي أنني أوضح حاله وأكشف بدعته. (٢) قوله: "ويبغضون أهل البدع .. "، ذكر المؤلف نقلًا عن الصابوني فيما يتعلق بمعتقد أهل السنة والجماعة في مثل هذا، وجماعة من الصحابة والتابعين.

стр. 109

النخل، فقال: من أنت؟ قال أنا عبد الله صبيغ، فأخذ عرجونًا من تلك العراجين، فضربه حتى دمي رأسه، ثم تركه حتى برأ، ثم عاد، ثم تركه حتى برأ، فدعي به ليعود، فقال: إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلًا جميلًا، فأذن له إلى أرضه، وكتب إلى أبي موسى الأشعري باليمن: لا يجالسه أحد من المسلمين) [¬١]. وقيل: كان متهمًا برأي الخوارج. والنووي رحمه الله تعالى قال في كتب "الأذكار": "باب: التبري من أهل البدع والمعاصي" [¬٢]. وذكر حديث أبي موسى ﵁: (أن رسول الله ﷺ برئ من الصَّالِقَة، والحالِقة، والشَّاقَّة) [¬٣]، متفق عليه، وعن ابن عمر براءته من القدرية، رواه مسلم. والأمر في هجر المبتدع ينبني على مراعاة المصالح وتكثيرها، ودفع المفاسد وتقليلها، وعلى هذا تتنزل المشروعية من عدمها، كما حرَّرَه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مواضع. والمبتدعة إنما يكثرون ويظهرون إذا قلَّ العلم، وفشا الجهل (١)، (١) قوله: "والمبتدعة إنما يكثرون ويظهرون إذا قلَّ العلم وفشا الجهل"، فلذلك علينا أن نحتسب الأجر في بث العلم، وتعليم الناس من أجل أن ننفي هذه البدع.

стр. 110

وفيهم يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فإن هذا الصنف يكثرون ويظهرون إذا كثرت الجاهلية وأهلها، ولم يكن هناك من أهل العلم بالنبوة والمتابعة لها من يظهر أنوارها الماحية لظلمة الضلال، ويكشف ما في خلافها من الإفك والشرك والمحال" (١). ا. هـ. فإذا اشتد ساعدك في العلم فاقمع المبتدع وبدعته بلسان الحجة والبيان، والسَّلامُ (٢). (١) قوله: "يقول شيخ الإسلام (فإن هذا الصنف - يعني أهل البدع - يكثُرُون ويظهرون إذا كثرت الجاهلية وأهلها، ولم يكن هناك من أهل العلم بالنبوة والمتابعة لها من يظهر أنوارها الماحية لظلمة الضلال، فيكشف ما في خلافها من الإفك والشرك والمحال) "ا. هـ. (٢) قوله: "في إذا اشتد ساعدك في العلم"، أي: إذا استفدت العلم فقم بقمع البدع، وبيان مخالفتها للشرع، وإذا أمكن ألا تقيم للمبتدع وزنًا بعدم ذكر اسمه فهو أولى وأحسن؛ لأن ذكر الموحِّد للمبتدع يرفع من شأنه هل تعرفون حفص الفرد؟ هل تعرفون بشرًا المريسي؟ هؤلاء مبتدعة، ذكر الأئمة أسماءهم فعُرِفت واشتهرت، حتى لو بحثت عن ترجمة هؤلاء فإنك لا تجد لهم ترجمة، هناك مبتدعة كثر لم يلتفت إليهم، ولم يتكلم الأئمة بأسمائهم، فلم يكن لهم ذكر ولا تاريخ، ولذلك إذا كان المبتدع يمكن إهماله وعدم ذكر اسمه فهو أولى، نأخذ ما لديه من البدع، فنكشفها ونبين زيفها، ونبين المعتقد الصحيح في مثل ذلك، وبذلك نكون قد رددنا الهدف الذي يقصده، وكم من شخص يتكلم بالبدعة من أجل أن يشتهر ويُعْرَف، فعامله بنقيض قصده، بإهماله وعدم ذكر اسمه.

стр. 111

الفصل الرابع أدب الزمالة ٢٣) احذر قرين السوء (١): كما أن العرق دساس، فإن "أدب السوء دساس"؛ إذ الطبيعة نقَّالة، (١) هذا هو الأدب الثالث والعشرون لطالب العلم: اختيار القرين الذي يعين الإنسان في طلب العلم، والبعد عن قرين السوء الذي يُشْغِل الإنسان عن طلب العلم، وقد جاءت النصوص الشرعية بالترغيب في اختيار قرناء صالحين يعينون الإنسان على الخير، كما جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إنما مثل الجليس الصالح، والجليس السوء، كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبةً، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحًا خبيثة) [¬١]. وفي سنن أبي داود أن النبي ﷺ قال: (الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل) [¬٢] وقال جل وعلا: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، ومن هنا جاءت الشريعة في الترغيب في اختيار الأصدقاء الطيبين، والمرء يستفيد من اثنين في مسألة القدوة: أولهما: من يراه مثلًا له فحينئذٍ يقتدي به، ومن هنا جاءت الشريعة بالاقتداء بالنبي ﷺ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]. ثانيهما: من يخالطه ويظهر هذا فيما يتعلق بالأصدقاء، فإن الصديق يأخذ المرء من أخلاقه من حيث لا يشعر.

стр. 112

كما أن العرق دساس (١)، فإن "أدب السوء دساس" (٢)؛ إذ الطبيعة نقَّالة (٣)، والطباع سرَّاقة (٤)، والناس كأسراب القطا مجبولون = كما أن من فوائد القرين التعاون معه على الخير، ومن ذلك طلب العلم، والناس عندما يتعاونون على الحق والخير يستمرون على ذلك، وإذا انعزل الإنسان ولم يجد له معاونًا على الخير قد تضعف نفسه، لكن إذا وجد أخًا له كلما ضعفت نفس أحدهما قوَّته القوة الموجودة في نفس الآخر، وبالتالي يستمرون على العمل الصالح، ومن ذلك طلب العلم، فإن النفس ملولة، فإذا وجدت طالبًا يعينك على طلب العلم فتمسك به، وحينئذ كلما ملت نفسك انتقلت إلى زميلك ليقوم بتنشيط نفسك على طلب العلم، ثم إن إبقاء النفس على حال واحدة يجعلها تمل، وذلك أن المرء إذا قرأ وحده وذاكر وحده تمل نفسه، فإذا وجد أصدقاء خير يذاكر معهم مرة ويذاكر وحده مرة ابتعدت عنه السآمة، فإذا ملَّت النفس انتقل إلى قرنائه فذاكر معهم. (١) قوله: "فإن العرق دساس"، يعني: أن العرق ولو كان خفيًا فإنه يؤثر على ما يمتد إليه ذلك العرق، وقد ورد هذا في حديث [¬١]، ضعفه كثير من أهل العلم، وهذا في الزوجة، وذلك أن النبي ﷺ أمر باختيار الزوجة التي من منبت طيب، وذكر أن العرق دساس. (٢) قوله: "فإن أدب السوء ساس"، يعني: أن صديق السوء يؤثر على صديقه. (٣) قوله: "إذ الطبيعة نقَّالة"، يعني: أن الطبائع والأخلاق تنتقل من شخص إلى آخر. (٤) قوله: "والطباع سرَّاقة"، يعني: أن النفوس تقتدي بمن حولها، وتفعل مثل أفعالها ولو من حيث لا تشعر، والناس مجبولون على تشبه بعضهم ببعض.

стр. 113

على تشبُّه بعضهم ببعض، فاحذر معاشرة من كان كذلك (١)، فإنه العطب (٢) و "الدفع (٣) أسهل من الرفع" (٤). وعليه (٥)، فتخير للزمالة والصداقة مَنْ يُعينُك على مطلبك (٦)، (١) قوله: "فاحذر معاشرة من كان كذلك"، يعني: من كان سيئًا. (٢) قوله: "فإنه العطب"، يعني: سبب الهلاك دنيا وآخرة. (٣) قوله: "والدفع"، بترك صحبة هؤلاء ابتداءً. (٤) قوله: "أسهل من الرفع"، الذي هو مصاحبتهم ثم قطع تلك الصحبة، فقبل أن تصاحبهم امنع نفسك من مصاحبتهم، فإن نفسك إن تعلقت معهم قد تعجز عن قطع تلك الصحبة، ونضرب لذلك أمثلة: المثال الأول: أصحاب المخدرات والخمور إذا صاحبهم الإنسان فإنهم سيجرونه إلى فعلهم شيئًا فشيئًا حتى يُبتلى بهذا الأمر، ويكون مماثلًا لهم، وإن كان في الأول يقول: لن أقدم على فعل هذه الأمور، لكنه مع الزمن تضعف نفسه قليلًا قليلًا. مثال ثان: أصحاب المعاصي؛ فإنهم يجرون صاحبهم إلى معاصيهم، كالفواحش، والنظر في وجوه النساء، والتلذذ بالحديث معهن، فإن من صاحب من كان كذلك أصبح مثلهم. مثال ثالث: أصحاب اللعب واللهو، من صاحبهم شاركهم في ذلك، وقد يلهيه ذلك عن التعلم. - وقوله: "الدفع أسهل من الرفع"، هذه قاعدة فقهية، والدفع منع الشيء من الوقوع قبل وقوعه، والرفع إزالته بعد حصوله. (٥) قوله: "وعليه"، يعني: بناءً على ما سبق. (٦) قوله: "فتخير للزمالة والصداقة من يعينك على مطلبك"، يعني: على الهدف الذي تقصده.

стр. 114

ويقرِّبك إلى ربك (١)، ويوافقك على شريف غرضك ومقصدك. وخذ تقسيم الصديق في أدق المعايير (٢): ١ - صديق منفعة (٣). ٢ - صديق لذة (٤). (١) قوله: "ويقربك إلى ربك، بحيث يكون صديقك معينًا لك على طاعة الله، ومن أعظم أنواع الطاعة - كما سبق - طلب العلم، فاختر الصديق الذي يعينك على التقرب إلى رب العزة والجلال، بأن يكون معينًا لك على طلب العلم، وبالتالي تتوافق الأهداف عندك وعندهم، أما إذا كان يهدف لشيء، وأنت تهدف إلى شيء آخر فحينئذٍ لن يكون بينكما تلك الألفة، إلا أن تنجرف إلى غرضه أو ينجرف إلى مقصدك. (٢) قوله: "وخذ تقسيم الصديق .. "، قسم الأصدقاء إلى ثلاثة أقسام: (٣) قوله: "صديق منفعة"، مثال ذلك: شخص بينك وبينه تجارة، فهذا صديق منفعة، فحينئذ هذه الصداقة لا حرج على الإنسان فيها، لكنها مرتبطة بهذه المنفعة، إذا انقطعت تلك التجارة انقطعت تلك الصحبة والصداقة، وهذا النوع من الصداقة ليس من المحبة الإيمانية في شيء. (٤) قوله: "صديق لذة"، هذا النوع الثاني؛ كمن اجتمعوا على جلسة أو على لعب أو على لهو، فهؤلاء أصدقاء لذة إذا انتهت تلك اللذة أو ملوا منها انقطعت صداقتهم، وقد تكون تلك اللذة لذة مباحة، وقد تكون لذة محرمة فيعظم الإثم بها، وقطع تلك الصداقة أولى للعبد في دنياه وآخرته، وخصوصًا طلبة العلم؛ لأنها وإن كانت لذة مباحة إلا أنها تضيع وقت العبد، وتشغله عن الهدف الذي خلق من أجله.

стр. 115

٣ - صديق فضيلة (١). فالأولان منقطعان بانقطاع موجبهما، المنفعة في الأول واللذة في الثاني (٢). وأما الثالث: فالتعويل عليه (٣)، وهو الذي باعث صداقته تبادل الاعتقاد في رسوخ الفضائل لدى كل منهما (٤). (١) قوله: "صديق فضيلة"، نوع ثالث، وهو الذي اجتمعت معه على اكتساب فضائل، سواء كانت تلك الفضائل فضائل عملية، كاجتماعهم على صوم أو صلاة أو اعتكاف في مسجد أو نحو ذلك، أو كانت فضائل علمية كطلب العلم عند شيخ أو عالم. (٢) قوله: "فالأولان منقطعان .. "، أي: فالصديقان الأولان تنقطع صداقتهما بانقطاع موجب تلك الصداقة، الموجب - بكسر الجيم - هو السبب، بينما الموجَب - بفتح الجيم - هو الأثر، فإذا انقطعت المنفعة عند الأول انقطعت الصداقة، وإذا انقطعت اللذة عند الثاني انقطعت الصداقة، والصداقة فيهما ليست من أسباب الأجر والثواب. (٣) قوله: "وأما الثالث فالتعويل عليه"، وبمجرد تلك الصداقة يحصل الأجر العظيم، وقد جاء في الحديث: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله - وذكر منهم -: رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه - يعني على الله محبة وإيمانًا ليعين بعضهما بعضا على طاعة الله - وتفرقا عليه) [¬١]، يعني لما جاءهما سبب التفرّق كانا على المحبة الإيمانية الأولى، وهذا التفرّق قد يكون بسفر، وقد يكون بموت، وقد يكون بسبب آخر من الأسباب. (٤) قوله: "وهو الذي باعثُ صداقتهِ تبادل الاعتقاد في رسوخ الفضائل لدى كل منهما"، السبب في هذه الصداقة: رغبة كل منهما أن يتبادلا في الخير، وأن يعين بعضهما بعضا في رسوخ الفضائل، وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (قال الله ﵎: وجبت محبي للمتحابين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتباذلين فيَّ) [¬٢].

стр. 116

وصديق الفضيلة هذا "عُمْلَة صعبة" (١) يعز الحصول عليها (٢). ومن نفيس كلام هشام بن عبد الملك (م) سنة ١٢٥ هـ) قوله: "ما بقي من لذات الدنيا شيء إلا أخ أرفع مؤونة التحفظ بيني وبينه" (٣) ا. هـ. ومن لطيف ما يقيد قول بعضهم: "العزلة من غير عين العلم زلة، ومن غير زاي الزهد: علة" (٤). (١) قوله: وصديق الفضيلة هذا عُملة صعبة"، يعني أننا لا نجدها في كل وقت، وإنها عسيرة الحصول. (٢) قوله: "يعز الحصول عليها"، يعني: يندر. (٣) ثم جاء بكلام الخليفة هشام بن عبد الملك: "ما بقي من لذات الدنيا شيء إلا أخ أرفع مؤونة التحفظ بيني وبينه". (٤) قوله: "العزلة من غير عين العلم: زلة، ومن غير زاي الزهد: علة"، كلمة العزلة، تعني انفراد الإنسان وحده، إذا حُذِفَت منها العين أصبحت زلة، ولذلك إذا اعتزل المرء ولم يخالط الآخرين لا بد أن يكون معه علم، كذلك كلمة العزلة إذا حذف منها الحرف الثاني وهو الزاي أصبحت علة، فالعزلة لا بد فيها من علم وزهد، أما إذا انعزل الإنسان وحده وكان غير عالم أصبح عنده جهل، ومن ثم يؤدي ذلك إلى ضلال بكونه يتقرب إلى الله بطرائق جاهلية؛ وبطرائق الجُهَّال، وكذلك العزلة وانفراد الإنسان وحده إذا لم يكن معه زهد فإنه مرض، وهو سبب من أسباب الأمراض النفسية التي ترد على الإنسان، والعزلة في الأصل غير محمودة وغير مرغوب فيها، فإن النبي ﷺ كان يخالط الناس فينصح ويُعلِّم ويُعطي ويتكرَّم، ويفعل الخير مع غيره، إلا إذا قدر المرء أن خلطته مع غيره ضرر به.

стр. 117

الفصل الخامس آداب الطالب في حياته العلميَّة ٢٤) كِبَر الهمَّة في العلم (١): من سجايا الإسلام التحلي بكبر الهمة، مركز السالب والموجب في شخصك (٢)، الرقيب على جوارحك، (١) القسم الخامس من أقسام آداب طالب العلم: الآداب المتعلقة بحياته العملية، وذكر الأدب الرابع والعشرين: وهو كبر الهمة في العلم، بحيث يكون مقصود الإنسان من التعلم مقصودًا كبيرًا، ولا يقتصر على الهدف الضعيف القليل، جاء في الحديث الشريف أن النبي ﷺ قال: (إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة) [¬١]، فلم يقتصر في الهمة في الجنة بأدنى درجاتها، بل رغب في أعلى الدرجات، وكِبْرُ الهمَّة في العلم بكون المرء يقصد بتعلُّمه وجه الله والدار الآخرة، ويكون هدفه تحصيل جميع العلوم التي ترضي رب العالمين، فلا يستصغر قدرته عند علم من العلوم، وإنما يبذل من الأسباب ما يجعله يحصل علمًا كبيرًا، ومن كبر الهمة: أن يعمل في طلب العلم ونشره ليكون ممن يأتي يوم القيامة بأجور خلق كثيرين، وأضرب لذلك مثلًا: في المدارس النظامية، إذا جاء طالب ورغب أن يكون عنده معدّل تام، بأن يحصل مائة في المائة، فإنه حينئذ يبذل سببًا كثيرًا، وقد لا يحصِّل إلا خمسة وتسعين لكن حصَّل شيئًا كثيرًا، أما من قصد النجاح فقط، وكانت همته أن يتجاوز المقرر، ففي غالب أحواله لن يتمكَّن من النجاح. (٢) قوله: "من سجايا الإسلام التحلي بكبر الهمة"، بحيث يكون مقصود الطالب أعلى الدرجات، وكبر الهمة هو مركز السالب والموجب في شخصك"، فهو الذي يدفعك إلى اكتساب الفضائل العالية، وهو الذي يجعلك تراقِبُ جوارحك بحيث لا تعصي الله بها.

стр. 118

كبر الهمة يجلب لك بإذن الله خيرًا غير مجذوذ (١)، لترقى إلى درجات الكمال، فيجري في عروقك دم الشهامة (٢) والركض في ميدان العلم والعمل، فلا يراك الناس واقفًا إلا على أبواب الفضائل، ولا باسطًا يديك إلا لمهمات الأمور. والتحلي بها يسلب منك سفاسف الآمال والأعمال، ويجتثُّ منك شجرة الذل والهوان والتملق والمداهنة (٣)، فكبير الهمة ثابت الجأش، لا ترهبه المواقف، وفاقدها جبان رعديد، تغلق فمه الفهامة (٤). (١) قوله: "كبر الهمة يجلب لك بإذن الله خيرًا غير مجذوذ"، يعني: غير مقطوع وغير منقطع. (٢) قوله: "لترقى إلى درجات الكمال، فيجري في عروقك دم الشهامة"، أي: يجعلك تواظب وتبذل من نفسك في ميدان العلم والعمل، فحينئذ تصبح ممن قصر نفسه على أفضل الأعمال، ولا يجعلك تتوجه إلى الأمور التَّوافه، ولا تشغل وقتك بما لا تنتفع به. (٣) قوله: "التحلّي بها يسلب من سفاسف الآمال .. "، التحلي بكبر الهمَّة يبعد عنك الأمور التي لا قيمة لها من الآمال والأعمال، فسفاسف الآمال والأعمال بعيدة عنك، وكِبَر الهمة يُبعِدُ عنك شجرة الذل والهوان؛ لأنه يجعلك تمضي في الحق والخير ويبعد عنك التملق والمداهنة؛ لأنك قد لاحظت رب العزة والجلال فلن يؤثر فيك مطالعة الناس لعملك. (٤) قوله: "فكبير الهمة ثابت الجأش"، بحيث يكون قويًا شديدًا، لا ترهقه أدنى حركة، فسماع الأصوات ومشاهدة الأشخاص لا تجعله يتزعزع عن موقفه، ففاقد كبر الهمة تجده يخاف من كل صوت وأدنى رعدة تجعله يبعد عما يقصده من الخير ومن العمل الصالح، بل صغر الهمة يجعل الإنسان لا يتمكن من الكلام لمجرد أدنى كلمة تقال فيه.

стр. 119

ولا تغلط فتخلط بين كِبَر الهمة والكِبْر، فإن بينهما من الفرق كما بين السماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع (١). كِبَر الهمة حلية ورثة الأنبياء، والكِبْر داء المرضى بعلة الجبابرة البؤساء (٢). فيا طالب العلم ارسم لنفسك كبر الهمة، ولا تنفلت منه، وقد أومأ الشرع إليها في فقهيات تلابس حياتك (٣)، لتكون دائمًا على يقظة من (١) قوله: "ولا تغلط فتخلط بين كِبَرِ الهمة والكِبْر"، كبر الهمة أن يكون هدفك عاليًا، والكبر: تَرَفَّع عن الخلق وعدم قبول بالحق، فإن بين الكبر وكبر الهمة فرقًا كبيرًا "كالسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع"، الرجع التي تأتي فيها السحب، والأرض ذات الصدع: التي تتصدَّع من أجل جذور النبات فيها. (٢) قوله: "كبر الهمة حلية ورثة الأنبياء"، وهم العلماء، لكن الكبر ليس من صفة العلماء، بل هو "داء للمرضى الذين ابتلوا بعلة الجبابرة البؤساء". (٣) قوله: "وقد أومأ الشرع إليها في فقهيات تلابس حياتك"، أحكام الشرع تُرغِّبكَ في كبر الهمة، وسواء كان في العلم أو في العمل، ففي العمل مثلًا، انظر إلى ترغيب الشارع في الأعمال الصالحة، يقول الله في الحديث القدسي: (وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرَّب إلي بالنوافل حتى أحبَّه) [¬١]، جعلك تقصد الجمع بين الفرائض والنوافل كلها، لتجمع محبة ربك لك. وانظر فيما يتعلق بالعلم في قول الله : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، فيجعل النفس تطلب كمال العلم والزيادة، طلبت زيادة العلم لكبر همتك.

стр. 120

اغتنامها، ومنها: إباحة التيمم للمكلف عند فقد الماء، وعدم إلزامه بقبول هبة ثمن الماء للوضوء، لما في ذلك من المنة التي تنال من الهمة منالًا، وعلى هذا فقس، والله أعلم (١). ٢٥) النّهْمَة في الطَّلب (٢): إذا علمت الكلمة المنسوبة إلى الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁: (١) قوله: إباحة التيمم للمكلف عند فقد الماء .. "، أي: انظر لمسألة إباحة التيمم للمكلف عند فقد الماء، عندما لا تجد ماء يجوز لك أن تتيمم، لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، لو قُدِّر أن هناك شخصًا معك، وقال: خذ ثمن الماء واشتر به ماءً، نقول: لا يلزمه أخذ هذا المال، ويجوز له التيمم؛ لأن في أخذ هذا المال منة من المعطي على المَعْطَى، وهذا ينال من الهمَّة، ويُنْقِص من همة الإنسان، ولذلك قال النبي ﷺ : (اليد العليا خير من اليد السفلى) [¬١]. وقال: (المؤمن القوي خير وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف) [¬٢]. (٢) الأدب الخامس والعشرون من آداب طالب العلم: "النهمة في الطلب"، بحث تستمر الرغبة في طلب العلم مع الإمكان، ولا يقنع بالقليل منه، وتستمر معه هذه الرغبة، وقد جاء في الخبر أن طالب العلم لا يُشْبع نهمته مهما حصَّل من العلم، (واثنان منهومان لا يشبعان) [¬٣]، ذكر منهما: طالب العلم، ومن هنا فإن طالب العلم لا تتوقف رغبته عند حد؛ لأن العلم بحر لا ساحل له، ومن هنا فالمرءُ يحرص على تحصيل أكبر قدر منه، وبعض =

стр. 121

(قيمة كل امرئ ما يحسنه) [¬١]، وقد قيل: ليس كلمة أحضّ على طلب العلم منها، فاحذر غلط القائل: ما ترك الأول للآخر، وصوابه: كم ترك الأول للآخر [¬٢]. = الناس يقول بأنكم يا أيها الطلاب لن تأتوا بشيء جديد، وحينئذ فلماذا تنهكون أنفسكم بطلب العلم، فيقال لهم: أولًا: نحن نطلب العلم، وتزداد رغبتنا فيه من أجل إرضاء رب العزة والجلال، ومن أجل دخول الجنة، فلو قُدِّر أننا لن نأتي بشيء جديد فنحن سنحصل على الأجر والثواب. الأمر الثاني: أن الله - جل وعلا - من رحمته بعباده أن جعل أهل العلم يعرفون ويكتشفون في كل زمان ما عجز عنه الأوائل، فهذا من رحمة الله؛ حتى يستمر العلم، وتستمر النهمة في طلبه. الأمر الثالث: أن الناس تنتابهم أوقات الجهالات يُنسى فيها العلم، فالعالم وإن لم يأت بشيء جديد، إلا أنه يرشد الأمة إلى طريقتها الأولى طريق النبوة. الأمر الرابع: أنه ما من زمان إلا وفيه أناس يبثون الشبهات على الخلق، فطالب العلم هو المخوّل لكشف هذه الشبهات، والرد عليها، فحينئذٍ كان الأولى أن يقال: كم ترك الأول للآخر!، وحينئذٍ لنستكثر من ميراث النبي ﷺ ، فإن ميراث النبي ﷺ هو العلم، لقوله: (العلماء ورثة الأنبياء) [¬٣].

стр. 122

فعليك بالاستكثار من ميراث النبي ﷺ ، وابذل الوسع في الطَّلب والتَّحصيل والتدقيق، ومهما بلغت في العلم، فتذكر: "كم ترك الأول للآخر! " (١). وفي ترجمة أحمد بن عبد الجليل من "تاريخ بغداد" (٢) للخطيب، ذكر من قصيدة له: لا يكون السَّرِيُّ مثل الدَّنيِّ … لا ولا ذو الذَّكاء مثلُ الغبيِّ قيمةُ المرءِ كُلَّمَا أن أحْسَنَ المرْ … ء قَضَاءً من الإمام عليِّ ٢٦) الرحلة للطلب (٣): "من لم يكن رُحْلَة لن يكون رُحْلَة". (١) قوله: "وابذل الوسع في الطلب .. "، اطلب علمًا كثيرًا، كذلك ابذل الوسْعَ في التحصيل وفي التدقيق، لا تكتف بأخذ الأقوال فقط؛ بل دقِّق بينها وميِّز بينها، واعرف ما ينفعك منها. "ومهما بلغت في العلم، فتذكر: (كم ترك الأول للآخر!!) ". (٢) آداب العلماء والمتعلمين للخطيب البغدادي ص ٢٨، ولم أجده في التاريخ. (٣) هذا أدب آخر من آداب طالب العلم: وهو الرحلة في طلب العلم لملاقاة العلماء، وقد قَصَّ الله علينا قصة موسى ﵇ عندما سافر إلى الخضر من أجل أن يستفيد منه، وانظر أيضًا في الأخبار رحلات الصحابة عندما كان ينتقل بعضهم إلى النبي ﷺ من أجل طلب العلم، كما في حديث مالك بن الحويرث، وانظر إلى أخبار أبي هريرة عندما انتقل ليسمع من النبي ﷺ ، وقصة أبي ذر في صحيح مسلم عندما ارتحل من أجل طلب العلم، وهكذا أيضًا لم يزل علماء الإسلام يرحلون من أجل طلب العلم، وينتقلون من مكان إلى مكان من أجل ذلك الهدف العظيم، فالارتحال لطلب العلم يحدث به عدد من الفوائد: =

стр. 123

فمن لم يرحل في طلب العلم للبحث عن الشيوخ، والسياحة في الأخذ عنهم، فيبعد تأهله ليُرْحَل إليه؛ لأن هؤلاء العلماء الذين مضى وقت في تعلمهم وتعليمهم، والتلقي عنهم لديهم من التحريرات والضبط، والنكات العلمية، والتجارب، ما يعز الوقوف عليه أو على نظائرة في بطون الأسفار (١). = الفائدة الأولى: تنويع التلقي عن العلماء، فإن من خالط علماء كثر رأى مناهج مختلفة، وشاهد طرائق مختلفة في التعليم، وفيما يحسنه من العلوم، وفي طريقة التعلّم والتعليم، وفي الكتب التي تُدْرَس، أما من اقتصر على شيخ واحد فلن يحصل له مثل ذلك، إلا أن يكون عالمًا متفنِّنًا في علوم مختلفة. الفائدة الثانية: أن الراحل في طلب العلم يعوِّد نفسه على التعلم، وعلى الاشتياق لمعرفة العلماء؛ وعلى التفنُّن في العلم، فبذلك تنشط نفسُه في التعلم. الفائدة الثالثة: أن الراحل المسافر في طلب العلم يجد في وقته فسحة في طلب العلم؛ لأنه سيقلل من أشغاله، وحينئذ يكون ذلك أدعى الحفظه العلم، ولكونه يعي ما يتعلمه. الفائدة الرابعة: أن الرحلة تجعل الإنسان يخالط قرناء يماثلونه في الهدف والمقصد في طلب العلم، فيكون لذلك أثر عظيم في تنشيط النفس على التعلم. الفائدة الخامسة: أن المرء عند تنقله من مكان إلى مكان تعرف نفسه قيمتها، ولا يغتر بما كان يظن نفسه عليه من حال جيد قبل سفره ورحلته، ومن ثم تعرف النفس قيمتها، فتبذل ما تستطيعه في تحسين شأنها وتعلية مكانتها عند الله . (١) قوله: "فمن لم يرحل في طلب العلم للبحث عن الشيوخ، والسياحة في الأخذ عنهم، فيبعد تأهله ليُرحل إليه"، جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (يوشك أن =

стр. 124

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أحدًا أعلم من عالم المدينة) [¬١]، فهذا فيه دلالة على مشروعية الرحلة لطلب العلم؛ والعلماء قد أمضوا أوقاتًا عديدة، فشاهدوا شيوخًا كثيرين، وعرفوا طرائق في التعلم والتعليم، ولذلك يجد الإنسان عندهم تحريرات؛ بحيث يحررون المسائل ويعرفون المراد بها، وعندهم ضبط للألفاظ وضبط للمسائل ومعرفة الفرق بينها، وكذلك عندهم نكات علمية والمراد بالنكتة العلمية: الشيء العلمي النادر الذي لا يحصله الإنسان عند أي مؤلف أو في أي كتاب وكذلك يحصل الإنسان عند هؤلاء العلماء التجارب، فهم قد مارسوا وعرفوا أحوال الناس، وعرفوا دقائق أمورهم، وقد مرَّت بهم تجارب كثيرة وخبرات عديدة، فالإنسان إذا قرأ في الكتب ولم تمر عليه تلك التجارب فقد يكون حينئذٍ لا يتقن العلم، أضرب لذلك مسألة: في القضاء، من دَرَسَ كتب أهل العلم في باب القضاء، وأتقنها وعرفها وضبطها ضبطًا كاملًا، فإنه تفوته أشياء، بخلاف من مارس القضاء، وأخذ من أصحاب التجارب والخبرة فيه، فإنه ينتبه إلى أشياء ليست موجودة في الكتب، بل في الكتب مرات قد يطلق اللفظ ويراد به غير ظاهره، مثال ذلك: في كتاب الحج قد يطلقون مرات: (وعليه دم)، ويريدون بالدم فدية الأذى التي يُخيَّر الإنسان فيها بين الإطعام أو الصيام أو الذبح، فعندما يجد من ليس لديه خيرة ولا تجربة هذا اللفظ (عليه دم) يخطئ في فهمها فيقول: يتعيَّن الدم، وهذا خلاف مراد الفقهاء [¬٢]. مثال آخر: في كتاب مختصر الخرقي، قال في باب الحج (ومن وطئ قبل رمي جمرة العقبة فقد فسد حجهما وعليه بدنة) الخ، هذا كلامهم على وفق طريقتهم الأولى؛ لأنه لا يعقل في زمانهم أن يمر إنسان بمنى فلا يرمي، ولم يكونوا يتصورون أن يتجاوزها الحاج =

стр. 125

واحذر القعود عن هذا على مسلك المتصوفة البطَّالين، الذين يفضلون "علم الخرق" (١) على "علم الورق" (٢). = إلى مكة بدون رمي، لأن منى في الطريق، لكن في زماننا لما تطورت وسائل الانتقال، ووجدت السيارات وينتقل الإنسان من مزدلفة إلى مكة بدون أن يمر بمنى، فقد يطوف ويسعى ويقصر قبل أن يرمي، فيكون بذلك قد تحلل التحلل الأول، وحينئذ نقول: إذا جامع بعد هذا لم يفسد حجه؛ لأنه قد تحلل التحلل الأول، ولم تجب عليه بدنة، ولم يجب عليه الحج من قابل، فمثل هذه الفائدة إذا قرأها الإنسان في الكتاب ولم يتصل بعالم يشرح له ذلك فسينزل الكلام على غير مراد مؤلفه به، فمثل ذلك يدلك على أهمية الأخذ من العلماء والرحلة إليه، وبذلك نكون قد سلكنا طريق التعلم بالرحلة إلى العلماء. (١) قوله: "واحذر القعود عن هذا على مسلك المتصوفة البطالين .. "، أي: أهل التصوف الذين من صفتهم البطالة وترك التعلم، فمثل هؤلاء طريقهم مخالف لطريق الشرع؛ لأنهم يفضلون علم الخرق على علم الورق. والخرق قد تفسر بمعنيين: إما الخرقة التي يعطيها الأول للثاني، يعطيها الشيخ لمريده لينتقل إليه التصوف، ويصبح من أهل الولاية وأصحاب السلوك إلى الله بزعمهم، أو أن المراد به أن أهل التصوف يتركون ما الناس فيه من حال فيلبسون ثيابًا مخرقة متقطعة، لكن لعل المعنى الأولى أولى. (٢) وقوله: "على علم الورق"، وهو طلب العلم الذي يُسجل في الأوراق، وبهذا تعرف أن منهج أهل السنة والجماعة هو أن يكون الطريق إلى الله مبتدئًا بالتعلم، أما من جاء وجعل الطريق إلى الله في الخروج من بلد إلى بلد لمجرد السفر، ويسمونه السياحة يتقربون به لله، بدون أن يكون المقصد من ذلك السفر هو طلب العلم، أو مقصد آخر موافق لمقصد الشرع، وسمي ذلك في سبيل الله، فإنه ليس على الطريقة السلفية.

стр. 126

وقد قيل لبعضهم: ألا ترحل حتى تسمع من عبد الرزاق؟ فقال: ما يَصْنَع بالسماع من عبد الرزاق من يَسْمَع من الخلاق؟! (١) [¬١]. وقال آخر: إذا خاطبوني بعلم الورق … برزت عليهم بعلم الخرق فاحذر هؤلاء، فإنهم لا للإسلام نصروا، ولا للكفر كسروا، بل فيهم من كان بأسًا وبلاء على الإسلام (٢). (١) قوله: "وقد قيل لبعضهم: ألا ترحل حتى تسمع من عبد الرزاق؟ فقال: ما يصنع بالسماع من عبد الرزاق من يسمع من الخلاق؟! "، وذلك أن المتصوفة يرون أن من مصادر التلقي الإلهام والكشف، وهذا طريق باطل لا يصح بناء الأحكام عليه؛ لأن الله لم يأمرنا بالرجوع إلى ما في النفوس من ذلك، وإنما أمرنا بالرجوع إلى الكتاب والسنة، ولأن ما يُلْقى في النفوس لا يأمن الإنسان منه إذ لا يعرف مصدره؛ لأن الشياطين تلقي في النفوس معنى يظن بعض الناس أنه الخير وأنه الحق، وحقيقة الحال أنه ليس كذلك. (٢) قوله: "قال آخر: إذا خاطبوني بعلم الورق … برزت عليهم بعلم الخرق فاحذر هؤلاء، فإنهم لا للإسلام نصروا، ولا للكفر كسروا"، إذا نظرنا حال المبتدعة وجدناهم يقدمون طريقتهم في الابتداع على نصرة الإسلام، ولذلك يحذر الإنسان من طريقة هؤلاء، وإن كان المرء مأمورًا بكف أذاه عنهم، وعدم إيصال السوء إليهم، لكن ذلك لا يعني صحة طريقهم وإنما هم على خلاف الطريقة المرضية؛ لأن الطريقة المرضية تحصل بالتعلم، لا بهذه الأفعال التي تضيع الأوقات ولا يحصل الإنسان بها شيئًا، ومثل هؤلاء من يأخذ من المنجمين، وأهل الأبراج ومدعي الغيب، والمتخرصة في تفسير الأحلام.

стр. 127

٢٧) حفظ العلم كتابة (١): ابذل الجهد في حفظ العلم (حفظ كتاب)؛ لأن تقييد العلم بالكتابة أمان من الضياع، وقصرٌ لمسافة البحث عند الاحتياج، لاسيما في مسائل العلم التي تكون في غير مظانها، ومن أجل فوائده أنه عند كبر السن وضعف القوى يكون لديك مادة تستجر منها، مادة تكتب فيها بلا عناء في البحث والتقصي (٢). (١) هذه من آداب طالب العلم: تقييد الفوائد الفرائد وكتابتها، فإن الإنسان تمر به حال دراسته مسائل في غير مظانها، وتمر به مسائل وفوائد لا يتوقع مرورها عليه في ذلك الموضع، وكذلك تمر على الإنسان معلومات غرائب، بحيث تلفت ذهنه لفتًا، وتجر نفسه إلى تذكرها ومعرفتها، والإنسان ينسى، فحينئذ يحسن به أن يقيد هذه الفوائد، سواء كانت قريبة عليه أو عزيزة لديه، أو كانت في غير مواطن بحثها، بحيث يسهل عليه مراجعتها، والكتابة للعلم جاءت به الشريعة فقد قال النبي ﷺ : (اكتبوا لأبي شاهٍ) [¬١]، ويدل على هذا أن الله قد كتب ما هو كائن إلى قيام الساعة، ولم يكتف في ذلك بكونه محفوظًا، وجاء في الحديث: (أنه لما قضى الله الخلق، كتب عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي) [¬٢]، وقد أثرت كتابة عدد من الأحاديث عن جماعة من صحابة النبي ﷺ في عهد النبوة بإقراره ﷺ . (٢) قوله: "ومن أجل فوائده أنه عند كبر سنه .. "، إذا تقرر هذا فإن الكتابة تفيد إبعاد النسيان عن الإنسان، وتذكيره بأدنى لفتة فيما كان يعرضه في الوقت السابق، وتُعِينُه حال كبره وكثرة نسيانه، فإن الإنسان عند كبر سنه إذا كان قد وضع مادة علمية تختصر له المعلومات فإنه بذلك يتمكن من مراجعة هذا الجزء فيكون حافظًا لعلمه.

стр. 128

ولذا فاجعل لك (كُنَاشًا) أو (مذكرة) لتقييد الفوائد والفرائد والأبحاث المنثورة في غير مظانها، وإن استعملت غلاف الكتاب لتقييد ما فيه من ذلك، فحسن، ثم تنقل ما يجتمع لك بعد في مذكرة مرتبًا له على الموضوعات، مقيدًا رأس المسألة، واسم الكتاب، ورقم الصفحة والمجلد، ثم اكتب على ما قيدته: "نقل"، حتى لا يختلط بما لم ينقل كما تكتب: "بلغ صفحة كذا" فيما وصلتَ إليه من قراءة الكتاب حتى لا يفوتك ما تبلغه قراءة (١). وللعلماء مؤلفات عدة في هذا، منها: "بدائع الفوائد" لابن القيم، و"خبايا الزوايا" للزركشي، ومنها: كتاب "الإغفال" و"بقايا الخبايا" وغيرها (٢). (١) قوله: "ولذا فاجعل لك كناشًا .. "، ومن هنا أمر المؤلف بوضع مذكرة لتقييد الفوائد والفرائد والمسائل التي تبحث في غير مظانها، ومن أنواع ذلك: أن يكتب الإنسان هذه الكتب في أول الكتاب التي تقرأ عليه، وينبغي به أن يقيد رأس المسألة في أول هذه الفائدة، ثم ما نقل منه من كتاب ورقم صفحته وجزئه، ثم بعد ذلك إذا نقَلَ هذه المعلومات التي في أول الكتاب وفي غلاف الكتاب إلى دفتره الأصلي بَيَّن أنها قد نقلت إلى ذلك الدفتر؛ حتى لا يختلط ما نقل بما لم ينقل. (٢) قوله: "وللعلماء مؤلفات عدة في هذا … "، ذكر المؤلف أن هذه الطريقة استخدمها بعض أهل العلم، فكانت سببًا في شهرة كتبهم، ومن ذلك كتاب "بدائع الفوائد" لابن القيم ﵀، إذ فيه فوائد متنوعة بعضها بلاغية، وبعضها حديثية، وبعضها نحوية، وبعضها عقدية في هذا الكتاب وفي خبايا الزوايا اعتنى الزركشي بالمسائل الفقهية التي تبحث في غير مظانها.

стр. 129

وعليه فقيِّد العلم بالكتاب، لاسيما بدائع الفوائد في غير مظانها، وخبايا الزوايا في غير مساقها، ودررًا منثورة تراها وتسمعها تخشى فواتها .. وهكذا، فإن الحفظ يضعف، والنسيان يَعْرضُ. قال الشعبي: "إذا سمعت شيئًا فاكتبه، ولو في الحائط" رواه خيثمة (١). وإذا اجتمع لديك ما شاء الله أن يجتمع فرتبه في تذكرة، أو كناش على الموضوعات، فإنه يُسْعِفُكَ في أضيق الأوقات التي قد يعجز عن الإدراك فيها كبار الأثبات. ٢٨) حفظ الرعاية (٢): ابذل الوسع في حفظ العلم (حفظ رعاية) بالعمل والاتباع، قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى: "ويجب على طالب الحديث أن يخلص نيته في طلبه، ويكون قصده وجه الله سبحانه" [¬١]. * قوله: "فإن الحفظ يضعف، والنسيان يعرض قال الشعبي: (إذا سمعت شيئًا فاكتبه، ولو في الحائط) [¬٢] "، ذكر المؤلف هذا القول للشعبي، وكان الشعبي من أكثر الناس حفظًا، وكان له قوة غريبة في الحفظ، ومع ذلك أمر بالكتابة. * الأدب الثامن والعشرون من آداب طالب العلم: أن يحفظ الطالب العلم من خلال رعايته، ورعاية العلم على أنواع: أولها: أن يرعاه بالعمل؛ بحيث كلما علم مسألة عمل بها فهذا يكون قد عمل بعلمه، وتَرْكُ العمل بالعلم من أسباب غضب الله تعالى، كما في سورة الفاتحة، وقد جاء في =

стр. 130

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الحديث، أن النبي ﷺ قال: (يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أيْ فلانُ ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه) [¬١]. وكثير من أهل العلم قد حذر من هذا، روى جندب ﵁ مرفوعًا: (إن مثل الذي يعلِّم الناس ولا يعمل بعلمه كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه) [¬٢]. الطريقة الثانية لرعاية العلم: أن يكون مقصد الإنسان وجه الله والدار الآخرة، فإنك إذا قصدت ذلك بارك الله في علمك وجعلك تحفظه، ويبقى في ذهنك، أما من قصد الدنيا، فإن الدنيا زائلة، وما عُمل لله يبقى، وما كان لغيره يفنى. الطريقة الثالثة: الدعوة إلى ما لديك من العلم، فإن هذا يبقي العلم عندك، فمتى كنت تدعو الناس وتدرِّسهم وتعلِّمهم، بقي العلم لديك، ومتى أهملت ما لديك من العلم، فلم تراع فيه ذلك، ولم تدع إليه فإنه مع مرور الزمن ستنساه ولن يبقى عندك. الأمر الرابع: مما يحصل به رعاية العلم وحفظه: ترك المفاخرة به؛ فإن من فاخر بالعلم عاقبه الله بزوال ذلك العلم منه، وكثير من الناس فاخر بما لديه من العلم فكان ذلك سببًا من أسباب زوال العلم عنه؛ لأن الله - جل وعلا - جعل من سمة العلماء التواضع، فمن فاخر بالعلم وترفع به، وقال: علمي أحسن من علم غيري وضعه الله - جل وعلا -، وانظر: في قصة موسى لما قيل له: (هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ قال موسى: لا، فأوحى الله إلى موسى: بلي، عبدنا خضر) [¬٣].

стр. 131

وليحذر أن يجعله سبيلًا إلى نيل الأعراض، وطريقًا إلى أخذ الأعواض، فقد جاء الوعيد لمن ابتغى ذلك بعلمه. وليتق المفاخرة والمباهاة به، وأن يكون قصده في طلب الحديث نيل الرئاسة، واتخاذ الأتباع، وعقد المجالس، فإن الآفة الداخلة على العلماء أكثرها من هذا الوجه (١). (١) قوله: "وليتق المفاخرة والمباهاة به"، يعني: وصف النفس بالعلو لكونها قد اتصفت بالعلم، ولا يكن قصده في طلب الحديث الرياء، وإنما ينوي بطلبه للحديث رضا رب العالمين، ودخول الجنة. ولا ينوي الأعراض كالجاه والرئاسة والعلو والسمعة بأنه أخذ الشهادة، ولا يقصد الأعواض كالمرتبات وأجر المحاماة ونحوها. الطريقة الخامسة: عدم الاستهزاء بالجهال، والضحك على تصرفاتهم، فإن الإنسان متى استهزأ بالآخرين لكونهم لا يعلمون عاقبه الله بسلب العلم منه، وقد جاء في الحديث: (لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك) [¬١]. كذلك من طرائق حفظ العلم ورعايته: حفظ مكانة أهل العلم، فإنك عندما تنتقص غيرك من العلماء فإن ذلك يكون سببًا في عدم تمكينك من تحصيل العلم؛ فإن الله - جل وعلا - جعل حملة العلم لهم مكانة وحرمة، وجعل المعتدي عليهم بالأذية يعاقب بالعقوبات الدنيوية والأخروية، كما في جاء في الحديث: (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب) [¬٢]، ولذلك يحفظ الإنسان لسانه من الكلام في علماء الشريعة.

стр. 132

وليجعل حفظه للحديث حفظ رعاية لا حفظ رواية (١)، فإن رواة العلوم كثر، ورعاتها قليل، ورب (٢) حاضر كالغائب (٣)، وعالم كالجاهل، وحامل للحديث ليس معه منه شيء، إذا كان في اطِّرَاحه لحكمه (٤) بمنزلة الذاهب عن معرفته وعلمه (٥). (١) قوله: وليجعل حفظه للحديث حفظ رعاية .. "، وهذه وسيلة أخرى من وسائل حفظ العلم بالرعاية، ألا وهي: التأمل والتدبر والتفكر في العلم الذي تعلمته؛ لتستفيد منه، وتستخرج منه الفوائد، فإن من يحفظ العلوم كثر، لكن من يستفيد منها ويأخذ منها الفوائد قليل، ولذلك قال النبي ﷺ : (فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه) [¬١]. (٢) قوله: "ورُبَّ"، يعني: يمكن أن يوجد. (٣) قوله "حاضر كالغائب"، بل قد يكون الغائب أكثر فهمًا وحفظًا ومعرفة وإدراكًا من الحاضر، وفي مرات يكون هناك من يحفظ المرويات، وتكون منزلته بمنزلة الجاهل لا يستفيد من ذلك العلم، بل قد تكون منزلته أدنى من منزلة الجاهل. (٤) وقوله: "ورب حامل للحديث ليس معه منه شيء إذ كان في اطراحه لحكمه"، يعني في تركه حكم الحديث، والعمل به والدعوة إليه. (٥) وقوله: "منزلة الذاهب عن معرفته وعلمه يكون كالذاهب، ونقول: الصواب أن حامل العلم الذي لا يعمل به أقل درجة من الشخص الذي لا يحْمِلُ ذلك العلم؛ لأنه إذا كان عندك عينان تتمكن من الإبصار بهما، ثم بعد ذلك تغلق عينيك، وتكون ممن يضرب في الأعمدة والجدران فإن حال من كان كذلك أقل من الأعمى الذي يضرب في الأعمدة والجدران لعجزه عن الرؤية.

стр. 133

وينبغي لطالب الحديث أن يتميز في عامة أموره عن طرائق العوام باستعمال آثار رسول الله ﷺ ما أمكنه (١)، وتوظيف السنن على نفسه (٢)، فإن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] ا. هـ. ٢٩) تعاهد المحفوظات (٣): تعاهد علمك من وقت إلى آخر؛ فإن عدم التعاهد عنوان الذهاب للعلم مهما كان. (١) قوله: "وينبغي لطالب الحديث أن يتميز في عامة أموره عن طرائق العوام باستعمال آثار رسول الله ﷺ ما أمكنه وتوظيف السنن على نفسه، فإن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] "، ما أثر عن النبي ﷺ إما عبادة يجمل بنا أن نقتدي به فيها، وإما جبلة وعادة فلا يشرع أن نتقرب الله بفعلها. (٢) وقوله: "وتوظيف السنن .. "، أي: تطبيقها. (٣) هذا هو الأدب التاسع والعشرون من آداب طالب العلم: "تعاهُد المحفوظات"، بحيث يكرر الإنسان ما يحفظه من وقت لآخر، سواء كان هذا المحفوظ من كتاب الله الذي ينبغي لطالب العلم أن يجعل له وردًا يوميًا من كتاب الله، ولا ينبغي أن يقل ورده عن جزء في اليوم ليختم في كل شهر، وهكذا يتعاهد ما يحفظه من سنة رسول الله ﷺ ليكون بذلك قد تمكن من حفظ هذه الأحاديث، وتمكن بذلك أن يكون داعيًا إلى الله منطلقًا في دعوته من النصوص الشرعية كتابًا وسنة.

стр. 134

عن ابن عمر ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت) [¬١]. رواه الشيخان، ومالك في "الموطأ" (١). = وهكذا يتعاهد ما يحفظه من فنون أهل العلم ومتونهم، فإنك إذا لم تتعاهد هذه المحفوظات فإنها ستذهب، فإذا كان القرآن مع عظمته ومع كونه ميسِّرًا للذكر، كما قال - جل وعلا -: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠]، إلا أنه مع ذلك إذا لم يتعاهده المرء فإنه يفوت ويُنْسى، فإن الله - جل وعلا - يغار على قلب العبد، فإذا فرَّغ العبد قلبه لتذكر محفوظاته ومن أولاها كتاب الله فإنه حينئذٍ يبقى هذا المحفوظ، وإذا كان القلب لا يشتغل بذكر الله، ولا بقراءة كتابه غار الله على كتابه، فلم يجعله باقيًا في قلب ذلك العبد، دلَّ على هذا المعنى قول النبي ﷺ : (تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتًا من الإبل في عُقُلها) [¬٢]. (١) وحديث ابن عمر: (إنما مثل صاحب القرآن - أي: حافظ القرآن - كمثل صاحب الإبل المعلقة - يعني المربوطة الأقدام - إن عاهد عليها - يعني: تفقد هذا الرباط - تمكن من إمساكها، وإن أطلقها)، ولم يربطها ولم يعلقها فإن هذه الإبل ستذهب، وستكون من الإبل الشوارد.

стр. 135

قال الحافظ ابن عبد البر (١) ﵀: "وفي الحديث دليل على أن من لم يتعاهد علمه، ذهب عنه (٢)، أي من كان، لأن علمهم كان ذلك الوقت القرآن لا غير (٣)، وإذا كان القرآن الميَسَّر للذكر يذهب إن لم يتعاهد، فما ظنك بغيره من العلوم المعهودة؟. وخير العلوم ما ضبُط أصلُه، واستذكر فرعه، وقاد إلى الله تعالى، ودل على ما يرضاه" [¬١] ا. هـ. (١) قوله: "قال الحافظ .. "، نقل المؤلف كلام الحافظ ابن عبد البر؛ وهو هو مكانةً ومنزلة وعلمًا وفضلًا. (٢) قوله: "وفي هذا الحديث دليل على أن من لم يتعاهد علمه … "، أي: لم يكرره ولم يعده مرة بعد أخرى، سواء كانت الإعادة بقراءته، أو بتكرار تدريسه، أو بقراءة الناس عليه ذلك العلم. (٣) قوله: "من لم يتعاهد علمه ذهب عنه، أي من كان؛ لأن علمهم كان ذلك الوقت القرآن لا غير"، لأنه أساس العلوم. ويبدو أن السنة أيضًا كانت كذلك، لكن السنة قد يعتبرها البعض تابِعَة أو مفسرة، وقد يعتبرها بعضهم دليلًا مستقلًا، وإذا كان القرآن الميسر للذكر يذهب إن لم يُتَعَاهد فما ظنك بغيره من العلوم؟! والعلوم لها أصول: متى ضبطتَ الأصل ضبطتَ ما يترتب عليه من الفروع، فاضبط الأصل واحفظه حفظًا كاملًا، وبذلك تكون قد عرفت تلك الفروع وعرفت الرابط بينها، ومن ضبط الأصل واستذكر الفرع بنيَّة التَّقرب الله حصل حينئذٍ على رضا رب العالمين.

стр. 136

وقال بعضهم: "كل عز لم يؤكد بعلم، فإلى دُلٍّ مصيره" (١) [¬١] ا. هـ. (١) قوله: وقال بعضهم: (كل عز لم يؤكد بعلم، فإلى ذل مصيره) "، ذكر قول حكيم العرب الأحنف، وذلك أن أيّ عزٍّ إذا لم يكن معه علم يقيّد تصرفات صاحب ذلك العز بقيود الشريعة فإن الله - جل وعلا - يعاقبه بسلب تلك النعمة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]. وسأضرب لذلك أمثلة: أولها: عز المال، من كان عنده مال عَزَّ به، فإن سار به على موجب الشريعة وعلى طرائقها فإنه حينئذ ستستمر تلك النعمة، ويبقى عزه، أما إذا لم يؤكدها بعلم وأصبح يتصرف فيها خبط عشواء، فإنه حينئذ سيزول عنه ذلك المال عما قريب مهما كان صاحبه. المثال الثاني: من كان عنده عز متعلق بمكانة وجاه، فإن كان يصرفها بعلم بَقِيَتْ هذه النعمة، وإن لم يكن له علم فإنها سَتُسْلَب منه هذه النعمة، وسيصيرُ إلى الذل، وهكذا في بقية الأسباب المؤدِّية إلى العز، فإن لم تؤكد بعلم فإنها ستؤول بالإنسان إلى ذُل، وأنتم تشاهدون هذا في زمانكم، تأملوا تجدوه واضحًا جليًا، انظر من كان عنده مال فعمل فيه بالشرع، وأنفق منه في الخير؛ بارك الله له في ماله وأبقى عزه، ومن أفسده ماله، ثم أصبح يخبط به خبط عشواء فإنه عما قريب سيفتقر، وكم من إنسان شاهدتموه كان صاحب مال وعز ومكانة، ثم بعد ذلك افتقر وذلَّ؟! وشاهِدُ ذلك في كتاب الله: قصة قارون. وهكذا أيضًا من كان عِزّه بوظيفة أو بعمل أو بجاه، سواء كان بمكانة أو بمنزلة أو بغير ذلك من الأسباب التي يعز الإنسان بها، إذا لم يُؤَكّد ذلك العز بعلم فإنه عما قريب سيصير إلى ذُلٍّ.

стр. 137

٣٠) التفقه بتخريج الفروع على الأصول (١): (١) الأدب الثلاثون من آداب طالب العلم: التفقه في تخريج الفروع على الأصول، فالمراد بالفقه: الفهم الدقيق الذي يُمكنك من استخراج الأحكام من الأدلة، هذا هو الفقه، وهو من أجلِّ العبادات، وحاجة الأمة إليه من أعظم الحاجات، وقد رغَّب الله في ذلك في قوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]. وأمر الله بالرجوع إلى هذا الصنف، وهم الفقهاء الذين يستنبطون الأحكام من الأدلة، لقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، يعني: يستخرجون الحكم من الأدلة، وهذا هو الفقه. جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من يُرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) [¬١]، ولفظة الفقه تطلق على اصطلاحات متعددة: أولها: الاصطلاح الشرعي، حيث يُرَادُ بالفقه: معرفة الأحكام والقدرة على استخراجها من الأدلة، سواء كانت أحكامًا عقدية، أو أحكامًا عَمَليَّة، بحيث يشمل العقيدة، ويشمل علم الفروع، ويشمل التفسير، ويشمل فهم الحديث، فإن هذا كله يسمى فقهًا في الاصطلاح الشرعي. الثاني: من إطلاقات الفقه القدرة على استخراج الأحكام من الأدلة التي يسمونها الملكة. الثالث: إطلاق اسم الفقه على الأحكام العملية، وهذا هو الغالب على عمل المؤلفين، إذا قالوا: كتب الفقه، فالمراد بها الأحكام العملية، وهناك طائفة خصوه بالأحكام.

стр. 138

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الاجتهادية غير ما يُعْلَم من الدين بالضرورة، كما فعل الرّازي وغيره [¬١]، لكن الاصطلاح المشهور هو الثاني، أما الاصطلاح والاستعمال الشرعي فهو الأول، كما في الحديث: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) [¬٢]، وهو الذي كان عليه علماء الشريعة في الزمان الأول، ولذلك كان الإمام أبو حنيفة يقول: "الفقه هو معرفة النفس ما لها وما عليها". - فقول المؤلف في الأدب الثلاثين: "بتخريج الفروع على الأصول"، المراد بالفروع: المسائل التي تبنى على غيرها، وتعرف أحكامها من خلال غيرها، والفرع في اللغة هو الجزء المستخرج، وبعضهم يقول: هو ما يُبنى على غيره، والأصول: جمع أصل، والأصول يراد بها أحد ثلاثة اصطلاحات: الأول: الأدلة الشرعية؛ فالقرآن والسنة هما أصول الأحكام، وهي الأصل في تخريج الفروع على الأصول، وحينئذ نحتاج مع هذه الأصول إلى علم أصول الفقه بقواعد الاستنباط، وأنواع دلالات الألفاظ الذي هو: تخريج، أو تفقه. والمصطلح الثاني: أن يراد بالأصول القواعد الفقهية، فإنها قواعد يُحكم بها على فروع كثيرة، وتشتمل على دليل المسألة وعلى مآخذها. والمصطلح الثالث: أن يراد بالأصول الضوابط الفقهية لكل باب، وهذه الضوابط اعتنى العلماء بكتابتها في مؤلفاتهم الفقهية، وخصوصًا المختصرات؛ ك (زاد المستقنع)، ونحوه، وحينئذ نجد أن الناس الذين يستخرجون الأحكام على ثلاثة أنواع: الأول: من يقيس المسائل الجديدة على المسائل التي تكلم فيها الأئمة، وهولاء يسمون أهل التخريج. =

стр. 139

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الثاني: من إذا وردت إليه مسألة عرف حكمها من القواعد الفقهية التي عنده، فعندما تواجهه مسألة ما كمسألة أحكام ركوب الطائرات مع وجود الضيق فيها؟ يستخرجه من قواعد المشقة والضرر: المشقة تجلب التيسير، أو قول بعضهم: العسر سبب لليسر، فهذه الرتبة أعلى من الرتبة السابقة؛ لأنها تعتمد على العلل وعلى مآخذ الأدلة، أما الأولى فتعتمد على أقوال الفقهاء. الثالث: من يعتمد على الأصول الشرعية كتابًا وسنة وكلما وردت إليه مسألة نظر في كتاب الله، وفي سنة نبيِّه بالقواعد الأصولية، فاستخرج الحكم منها، من الكتاب والسنة، وهؤلاء كالكبريت الأحمر، ووجودهم في الأمة قليل نادر، ولو يوجد في الزمان مئة من هؤلاء لكفوا الأمة، أسأل الله - جل وعلا - أن يكثر من هذا الصنف في أمة محمد إلى قيام الساعة، وأن يجعلكم من هذا الصنف. إذا تقرر هذا فإن الكتاب والسنة فيهما نص على جميع المسائل؛ إما بذكر المسألة باسمها، أو بالإتيان بحكم عام يشمل مسائل متعددة كثيرة، ولذلك ما من مسألة إلا وفي كتاب الله حكمها، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، لكن قد يخفى النص في بعض المواطن على بعض الفقهاء، فيحتاج إلى إعمال القياس. بعد ذلك اعتنى أهل العلم بالتأليف في فن يسمونه: تخريج الفروع على الأصول، بحيث يرجعون المسائل الفقهية الفرعية، إلى القواعد الأصولية، ولعل هذا ليس مراد المؤلف، فالأصول عنده إما القواعد أو النصوص، وقد ألَّف جماعات في تخريج الفروع على الأصول، وممن ألف في ذلك "الزنجاني" الشافعي المتوفى سنة ٦٥٦ هـ، كتابه: "تخريج الفروع على الأصول"، و"ابن التلمساني" المالكي في "مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على =

стр. 140

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الأصول"، وممن ألَّفَ أيضًا "ابن اللحام" الحنبلي في كتابه "القواعد والفوائد الأصولية"، وممن ألَّفَ في هذا "التمرتاشي" الحنفي، وألَّفَ جماعة في هذا الباب. ولكن يلاحظ عليهم أمور: أولها: أن المسألة الفقهية تُبْنَى على أدلة كثيرة، فعند حصر المسألة الفقهية في دليل واحد يكون ذلك جورًا على بقية الأدلة الواردة في المسألة، ومثال ذلك: عندنا مسألة فقهية بنيت من قبل بعض العلماء، على دليل من شرع من قبلنا، وبينما المسألة فيها دليل آخر من الكتاب ودليل من السنة، فعندما تحصر المسألة الفقهية في شرع من قبلنا يكون كلامًا خاطئًا. الأمر الثاني: أن كثيرًا من أهل العلم يُخرِّج المسائل أو الكلام الفقهي على الكلام الفقهي، أو يخرِّج ألفاظ الناس على الكلام الفقهي، فعندك مثلًا إذا قال الزوج: زوجتي طالق، فهنا هل تطلق جميع الزوجات، أو لا تطلق إلا زوجة واحدة؟ موطن خلاف، ذكر بعض العلماء أنها مخرجة على قاعدة: المفرد المضاف إلى معرفة هل يَعُمّ أو لا؟ حينئذ نقول: نحن لا نعتني أصالة في علم تخريج الفروع على الأصول بتخريج كلام الناس على الأصول، وإنما نعتني بتخريج المسائل الفقهية الشرعية على الأصول. الأمر الثالث: أن كثيرًا منهم يخرِّج المسألة المتعلقة بالشروط على أصل التقعيد وإن كانت متفرعة على بعض شروط المسألة الأصولية، مثال هذا: عندنا مسألة: الأمر هل يفيد الوجوب أو لا؟ يأتي فقيه ويخرّج عليها مسألة الإشهاد في البيع، لقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وفي الحقيقة هذه المسألة لا تخرَّج على قاعدة الأمر يفيد الوجوب، وإنما تخرَّج على قاعدة: هل وُجِدَت قرينة تصرف هذا الأمر عن أصله الذي هو الوجوب أم لا؟ والأولى في التخريج ربط المسائل بالأدلة، فالأصل أن تخرج المسائل الفقهية على النصوص، فإن عجز الإنسان عن ذلك خرَّجها على العلل والقواعد الفقهية.

стр. 141

من وراء الفقه (١): التفقه، ومعتمله هو الذي يعلق الأحكام بمداركها الشرعية. وفي حديث ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (نَضَّر الله امرأً سمع مقالتي فحفظها، ووعاها، فأدَّاها كما سمعها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) [¬١]. قال ابن خير رحمه الله تعالى في فقه الحديث: "وفيه بيان أن الفقه هو الاستنباط والاستدراك في معاني الكلام من طريق التفهم، وفي ضمنه بيان وجوب التفقه، والبحث على معاني الحديث، واستخراج المكنون من سرِّه" [¬٢]. وللشيخين؛ شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية رحمهما الله تعالى، في ذلك القدح المعلى، ومن نظر في كتب هذين الإمامين، سلك به النظر فيها إلى التفقه طريقًا مستقيمًا (٢). (١) فقول المؤلف: "من وراء الفقه التفقه، فمنشأ حصول الفقه عندك هو التفقه، والتفقه والفقه هو الذي يجعلك تعلق الأحكام الشرعية بأدلتها وبعللها، وهو هذا الفقه الذي هو تعليق الحكم بدليله، وهو الداخل في قول النبي ﷺ : (رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، فالفقه هو الاستنباط، يعني: استخراج الحكم من الدليل، وهو التدقيق في معاني الكلام والفهم، يعني استخراج الفوائد من الكلام، وفي ضمن هذا الحديث أن التفقه واجب للحاجة إليه، والتفقه يكون بالبحث في معاني الحديث كتابًا وسنة، مما يدخل في التفقه، فمن معاني التفقه استنباط الفوائد، واستخراج الأحكام من الأدلة. (٢) قوله: "وللشيخين في ذلك القدح المعلى"، ما هو القدح؟ السهم الذي يُدْرك محل السبق، وبعضهم يقول: هو الريش التي تكون في السهم أو في مقدمته. =

стр. 142

ومن مليح كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قوله في مجلس للتفقه: "أما بعد: فقد كنا في مجلس التفقه في الدين، والنظر في مدارك الأحكام المشروعة (١)، تصويرًا (٢)، وتقريرًا وتأصيلًا، وتفصيلًا، فوقع الكلام في … فأقول لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا مبني على أصل وفصلين .... ". واعلم أرشدك الله أن بين يدي التفقه (التفكر) (٣)؛ فإن الله دعا عباده في غير آية من كتابه إلى التحرك بإحالة النظر العميق في (التفكر) في = ومن نظر في كتب هذين الإمامين - شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم - فإنه يستنبط منهما فوائد كثيرة؛ تقول: كيف فتح الله عليهم بهذه الفوائد؟!. (١) قوله: "قال ابن تيمية: (أما بعد: فقد كنا في مجلس التفقه في الدين والنظر في مدارك الأحكام) "، المدارك التي هي العلل والمعاني، وهي التي يُرْبَطُ الحكم بها. (٢) قوله: "تصويرًا .. "، يعني معرفة صورة المسألة، وهذا أول ما تبدأ به، ثم بعد ذلك تبحث المسألة تقريرًا: أي تقرر هذه المسألة، ثم تأصيلًا: معرفة الأصل الذي ترجع إليه ومعرفة كيف انْبَنَتْ هذه المسألة على أصلها ثم تفصيلًا، أي تفرع المسائل على ذلك الأصل، فهذه أربع مراحل لفقه المسائل العلمية. (٣) قوله: "بين التفقه (التفكر) "، (التفكر)، هو التأمل، فإنك قبل أن تحصل لك رتبة الفقه لا بد أن يسبقها تفكر، والله - جل وعلا - قد أمر عباده بالتفكر، سواء التفكر في الآيات الشرعية كتابًا وسنة، أو التفكر في الآيات الكونية. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١]، والمراد بآياته في هذه الآية: الآيات الشرعية؛ لأن البيان وُجد في الكتاب والسنة، وحينئذٍ نعلم أن التفكر طريق للتفقه، لكن التفقه أعمق، فالتفكر وسيلة، والتفقه نتيجة، وقد عاب الله المنافقين بأنهم: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨]، ومن هنا فالتفقه مبني على الأدلة والبراهين، لكنه إذا حصل هناك هوى وتشهٍّ فإن الإنسان لن يفقه، فالتشهي والهوى مما يصد العقل عن التفقه.

стр. 143

ملكوت السماوات والأرض، وإلى أن يمعن المرء النظر في نفسه، وما حوله، فتحًا للقوى العقلية على مصراعيها، وحتى يصل إلى تقوية الإيمان وتعميق الأحكام، والانتصار العلمي: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٢]، ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠]. وعليه فإنه "التفقه" أبعد مدى من "التفكر" إذ هو حصيلته وإنتاجه، وإلا ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨]. لكن هذه التفقه محجوز بالبرهان محجور عن التشهي والهوى ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠]. فيا أيها الطالب! تحلَّ بالنظر والتفكر، والفقه والتفقه، لعلك أن تتجاوز من مرحلة الفقيه إلى فقيه النفس كما يقول الفقهاء، وهو الذي يعلِّق الأحكام بمداركها الشرعية، أو فقيه البدن كما في اصطلاح المحدثين (١). (١) قوله: "فيا أيها الطالب، تحَلَّ بالنظر والتفكر، والفقه والتفقه"، وحينئذ تصل إلى مرحلة فقيه النفس، والناظر في الأحكام الشرعية يجد أن الفقهاء على ثلاثة أنواع: النوع الأول: الفقيه الذي ينظر في جزئيات المسائل ويتقنها، فمِثْلُ هذا قد يسمونه بالفقيه، ولكنه لا يجوز له استنباط الأحكام من الأدلة. والنوع الثاني: من يتجاوز الجزئيات إلى الكلِّيات، فيُحَصِّل كليات الشريعة، فهذا يتمكن من التخريج والتفقه، ولكن قد يخطئ كثيرًا؛ لأنه يَغْفَل عن جزئيات تُرَتَّب عليها كُلِّيَّات. الثالث: من أدرك الجزئيات والكليات، وهذا هو فقيه الناس.

стр. 144

فأجِلِ النظرَ عند الواردات بتخريج الفروع على الأصول، وتمام العناية بالقواعد والضوابط (١). وأجمع النظر في فرع ما بين تتبعه وإفراغه في قالب الشريعة العام من قواعدها وأصولها المطردة، كقواعد المصالح، ودفع الضرر والمشقة، وجلب التيسير، وسد باب الحيل، وسد الذرائع (٢). = قال المؤلف في تفسير التفكير "هو التحرك بإجالة النظر"، يعني تقليب النظر الذي يجعل العقل يجول؛ ليصل إلى المكان العميق في التفكر. (١) قوله: "فأجل النظر عند الواردات"، يعني المسائل الجديدة. "بتخريج"، هذه الواردات على أصولها، ومما يُعِينُك على ذلك: ضبطك للقواعد الفقهية والضوابط. (٢) وذكر المؤلف شيئًا من الكليات، ومنها: "المصالح، ودفع الضرر والمشقة، وجلب التيسير، وسد باب الحيل، وسد الذرائع"، هذه كلها من القواعد الكلية، والمراد بالمصالح المعتبرة، وسبق أن ذكرنا أن الشرع ينقسم إلى كليات وجزئيات، من حَصَّلَ الجزئيات ولم يحصِّل الكليات لا يجوز له أن يجتهد، وليس مؤهلًا للاجتهاد والفتوى. والثاني: من تجاوز الجزئيات إلى معرفة الكليات لكنه لم يُحِط بالجزئيات، فهذا يجوز له الاجتهاد، لكن كثيرًا ما يخطئ؛ لأنه يَخْفَى عليه بعض الجزئيات التي تخالف تأصيله، مثال هذا: ما هي المعاني في باب صلاة الجمعة، وما مقصد الشارع من هذا الباب؟ مقصد الشارع من اجتماع الناس، فقد يأتيك فقيه فيقول: قد نؤخِّر صلاة الجمعة عن أول الوقت، فالمستَحَبّ أن يؤخر صلاة الجمعة عن أول الوقت إذا كان هناك عَمَل، أو كان هناك شغل، فحينئذٍ نقول: هذا اجتهاد جيد، لكن مرة قد يوجد من نظر إلى المعنى الكلي، وغفل عن المعاني الجزئية فيقول: الناس لا يتمكنون من الاجتماع يوم الجمعة في دول =

стр. 145

وهكذا هديت لرشدك أبدًا، فإن هذا يسعفك في مواطن المضايق. وعليك بالتفقه - كما أسلفت - في نصوص الشرع، والتبصر فيما يَحُفّ أحوال التشريع، والتأمل في مقاصد الشريعة (١)، فإن خلا فهمك من هذا أو نبا سمعك فإن وقتك ضائع، وإن اسم الجهل عليك لواقع (٢). = الغرب لانشغالهم بالوظائف، ويوم الإجازة هو يوم الأحد، فمراعاة لمقصد الشريعة الكلي في اجتماع الناس نجعل صلاة الجمعة يوم الأحد، فهنا وقعنا في خطأ؛ لأننا راعينا الكلي ولم نلحظ الجزئي. وهكذا أيضًا فيما يتعلق بدفع الضرر، أو بجلب التيسير، أو بالحيل أو الذرائع، لابد من ملاحظة الأمرين معًا، الكلي والجزئي، إن لاحظنا الجزئي وقعنا في الغلط، وصادمنا كليات الشريعة، وإن لاحظنا الكلي وحده قد نقع في خطأ؛ لأننا قد لا نلتفت إلى جزئي حضر فيه كلي آخر، لأننا لو جعلنا صلاة الجمعة يوم الأحد لأدى ذلك إلى تغيير مراتب الشرع، وانطماس الشريعة بالكلية، وكلما كانت هناك مسألة ذهبنا نغير في الشرع من أجل هذه المسألة، صحيح إننا التفتنا إلى كلي، لكن غفلنا عن كلي أهم وأولى منه، وما ذاك إلا لأننا غفلنا عن الجزئيات. (١) في هذا الباب دعا المؤلف إلى التفقه في نصوص الشرع، وهذا أعلى من التفقه في القواعد، وأعلى من التفقه في المقاصد والكليات الشرعية. (٢) قوله: "فإن خلا فهمك من هذا أو نبا سمعك"، يعني انتقل وتركك، "فإن وقتك ضائع"، هذه المعاني؛ وهي تخريج الفروع على الأصول والتفقه هي التي تعطيك التمييز الدقيق، يعني الفصل بين المسائل المختلفة باختلاف عللها ومداركها، وهو الذي يعطيك المعيار الصحيح الذي تحكم به على المسائل، وعلى المتكلمين في الحكم.
следующие страницы →