وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢] (١).
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١].
فأمامك أمور لا بد من مراعاتها في كل فَنٍّ تَطْلُبه:
(١) حفظ مختصر فيه (٢).
(٢) ضبطه على شيخ متقن (٣).
(١) ثم جاء بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]، هنا لم يؤت في مقابلة أنزل وقيد بقوله: جملة واحدة ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ هذه هي الفائدة الأولى: أن يثبت العلم في قلب المتعلم ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾.
ذكر المؤلف عددًا من الوسائل في التعلُّم:
(٢) أولها: "حفظ مختصر في العلم"؛ فإنه يبقي ذلك العِلْم في القلب.
(٣) وثانيها: "ضبط العلم"؛ أي: ضبط مصطلحاته وضبط ألفاظه ومعانيها، وضبط أساليبه وضبط أبوابه، والمراد بالضبط الحفظ التام، والضبط يكون للعلم، ويكون لكتبه، فيضبط ما ألف فيه من مؤلفات، ويضبط أيضًا مواطن بحث المسائل التي تبحث، أين يبحث أهل العلم هذه المسألة؟ لأن كثيرًا من المسائل تبحث في غير مظانها، يبحث الإنسان عنها في باب وهي في باب آخر، مثال هذا حديث: (أن النبي ﷺ نهي أن توصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج) [¬١]، رواه مسلم. وجعله في آخر باب صلاة الجمعة؛ فهذا ليس مظنة له، إذن لا بد أن نعرف مواطن بحث المسائل، ومن أمثلة ذلك: خبر صلاة ابن عمر خلف الحجاج، أخرجه البخاري في باب التهجير بالرواح =
стр. 72
(٣) عدم الاشتغال بالمطولات وتفاريق المصنفات قبل الضبط والإتقان لأصله (١).
(٤) لا تنتقل من مختصر إلى آخر بلا موجب، فهذا من باب الضجر (٢).
(٥) اقتناص الفوائد والضوابط العلمية (٣).
(٦) جمع النفس للطلب والترقي فيه، والاهتمام والتحرق للتحصيل (٤)
= يوم عرفة [¬١]؛ من كتاب الحج، ولذا قال بعضهم: لم يروه البخاري؛ عندك مثلًا: مسائل متعلقة بالمسابقة أين تُبْحَث؟ فإن بعض أهل العلم يبحثها في كتاب القضاء، في باب الشهادات، وبعض أهل العلم يبحثها في كتاب الجهاد، وبعض أهل العلم يبحثها في كتاب المعاملات في باب الإجارة، إلى غير ذلك من طرائق أهل العلم، فعندما يتعلم الإنسان العلم على شيخ، وفي فن معين، وعلى مذهب معين يعرف أين تبحث هذه المسائل.
(١) ثالثها: كذلك لا ينتقل الإنسان إلى الكتاب المطول حتى يتقن المتون الأولى في ذلك العلم.
(٢) رابعها: لا يترك مختصرًا وهو لم يكمله إلى مختصر آخر.
(٣) خامسها: ينبغي أن نقتنص الفوائد كلما وجدنا فائدة علمية، وضابطًا حرصنا على تقييده، ليرسخ الفهم، ويكون ذلك سببًا من أسباب انتفاع الإنسان بهذا العلم.
(٤) وسادسها: الحرص على جعل النفس تلتفت إلى التعلم ولا تلتفت إلى غيره، بحيث يُجمع العبد نفسه في الطلب وفي الترقي من درجة إلى درجة، ويكون في نفسه حرقة ورغبة شديدة في التعلم.
стр. 73
والبلوغ إلى ما فوقه حتى تفيض إلى المطولات بسابلة موثقة (١).
وكان من رأي ابن العربي المالكي أن لا يخلط الطالب في التعليم بين عِلْمَيْن، وأن يقدم تعليم العربية والشعر والحساب، ثم ينتقل منه إلى القرآن.
لكن تعقبه ابن خلدون بأن العوائد لا تساعد على هذا، وأن المقدَّم هو دراسة القرآن الكريم وحفظه، لأن الولد ما دام في الحجر؛ ينقاد للحكم، فإذا تجاوز البلوغ، صعب جبره (٢).
(١) قوله: "والبلوغ إلى ما فوقه حتى تفيض إلى المطولات بسابلة موثقة"، يقال: فاض الماء بحيث امتلأ المكان الأول فانتقل بعضه إلى مكان آخر، فاض الماء فهو يفيض، فينتقل من المختصرات إلى المطولات، وقوله: "بسابلة" السابلة السحاب القَوِي الذي فيه مطر كثير، "موثقة" ما يكون متوثقًا من علمه.
(٢) ذكر المؤلف خلافًا بين ابن العربي المالكي وبين ابن خلدون فيما يتدرج فيه من التعلم، فابن العربي يرى تقديم العربية والشعر والحساب، ثم ينتقل إلى القرآن، وابن خلدون يرى أن المقدَّم هو القرآن وحفظه، وعلى كل فإن معرفة العربية لغة كان الناس يحرصون عليها؛ وذلك لأن الصبي في أول تكلمه إذا عُلِّمَ العربية نطقًا وأسلوبًا تكون العربية سليقة له، فهذا يكون أول ما يتعلمه الإنسان، وأما تعلم العربية كقواعد، وتعلم أنواع علوم العربية فيكون بعد إتقان القرآن؛ لأن تعلم القرآن وحفظه يعين على معرفة العربية، ومعرفة العربية تعين على فهم القرآن، فهو يبتدئ أولًا بحفظ القرآن، ثم يتعلم العربية فينطلق من العربية إلى فهم القرآن.
стр. 74
أما الخلط في التعليم بين عِلْمَيْن فأكثر؛ فهذا يختلف باختلاف المتعلمين في الفهم والنشاط.
وكان من أهل العلم من يدرس الفقه الحنبلي في "زاد المستقنع" للمبتدئين، "والمقنع" لمن بعدهم للخلاف المذهبي، ثم "المغني" للخلاف العالي، ولا يسمح بالطبقة الأولى أن تجلس في درس الثانية .. وهكذا؛ دفعًا للتشويش.
واعلم أن ذكر المختصرات والمطولات التي يؤسس عليها الطلب والتلقي لدى المشايخ تختلف غالبًا من قطر إلى قطر باختلاف المذاهب، وما نشأ عليه علماء ذلك القطر من إتقان هذا المختصر والتمرس فيه دون غيره (١).
(١) ذكر المؤلف التدرج في التعلم، وذكر أنه كان من شأن أهل العلم أن لا يخلطوا بين المتعلمين، فيكون لطائفة التعلم في أول الفنون والمتون بالعلم، ثم بعد ذلك من أتقنه انتقل إلى المرحلة الأخرى، وأما إذا خُلط الطلاب بعضهم مع بعض فإنه يؤدي إلى التخبط؛ وذلك أن المبتدئ يسأل سؤالًا يناسب حاله، فيضجر منه من هو أعلى درجة منه، ويمل من طلب العلم في ذلك المجلس، وإذا سأل المتمكن والمتوصل سؤالًا قد لا يفهمه المبتدئ، فيكون ذلك سببًا لخلط العلوم في ذهنه، وإدخال بعضها في بعض، ولذلك كان من الشأن المحمود تقسيم طلبة العلم بحسب درجاتهم، أما بالنسبة لاختيار المتون فيختلف - كما تقدم - من بلد إلى بلد، ومن أهل مذهب إلى أهل مذهب، وحينئذ يختار الشيخ لطلابه ما يناسبهم من المتون ويتوافق مع أحوالهم.
стр. 75
والحال هنا تختلف من طالب إلى آخر باختلاف القرائح والفهوم، وقوة الاستعداد وضعفه، وبرودة الذهن وتوقده (١).
وقد كان الطالب في قطرنا بعد مرحلة الكتاتيب والأخذ بحفظ القرآن الكريم يمر بمراحل ثلاث لدى المشايخ في دروس المساجد: للمبتدئين، ثم المتوسطين، ثم المتمكنين.
ففي التوحيد: "ثلاثة الأصول وأدلتها"، و "القواعد الأربع"، ثم "كشف الشبهات"، ثم "كتاب التوحيد"، أربعتها للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، هذا في توحيد العبادة (٢).
(١) قوله: "والحال هنا تختلف من طالب إلى آخر .. "، أي: الطلاب يختلفون من حيث جودة الفهم، ومن حيث ما لديهم من صفات تؤهلهم لحفظ العلم، وما لديهم من رغبة في التعلم؛ وما لديهم من قوة الذهن وضعفه، ولذلك فيُنتقى لكل مجموعة ما يناسبهم من الكتب، ذكر المؤلف حال علماء هذه البلاد، وكيف كانوا يتدرجون في اختيار المتون، وابتدأ بعلم المعتقد والتوحيد؛ لأن التوحيد يُقدَّم على غيره من الفنون، وذلك لأنه أصل الأصول، ولأن النبي ﷺ يعلم من جاءه أول ما يعلمه إفراد الله بالعبادة؛ ولأن هذا هو الذي يجعل الإنسان من أهل دين الإسلام، ولأن النبي ﷺ إذا أرسل المعلمين يأمرهم بأن يبتدئوا بهذا الأصل، قال: (يا معاذ، إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله)، وفي رواية: (إلى شهادة أن لا إله إلا الله) [¬١].
(٢) ذكر المؤلف الكتب المؤلفة في أنواع الفنون، وهي كتب نافعة قيمة، وكثير منها محلّ عناية أهل العلم في كثير من الأقطار.
стр. 76
وفي توحيد الأسماء والصفات: "العقيدة الواسطية"، ثم "الحموية"، و "التدمرية"، ثلاثتها لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فـ "الطحاوية" مع شرحها.
وفي النحو: "الآجرومية" ثم "ملحة الإعراب" للحريري، ثم "قطر الندى" لابن هشام، و "ألفية ابن مالك" مع شرحها لابن عقيل.
وفي الحديث: "الأربعين" للنووي، ثم "عمدة الأحكام" للمقدسي، ثم "بلوغ المرام" لابن حجر، و "المنتقى" للمجد بن تيمية، رحمهم الله تعالى، فالدخول في قراءة الأمات الست وغيرها.
وفي المصطلح: "نخبة الفكر" لابن حجر، ثم "ألفية العراقي" رحمه الله تعالى.
وفي الفقه مثلًا: "آداب المشي إلى الصلاة" للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ثم "زاد المستقنع" للحجاوي رحمه الله تعالى، أو "عمدة الفقه"، ثم "المقنع" للخلاف المذهبي، "والمغني" للخلاف العالي، ثلاثتها لابن قدامة رحمه الله تعالى.
وفي أصول الفقه: "الورقات" للجويني رحمه الله تعالى، ثم "روضة الناظر" لابن قدامة رحمه الله تعالى.
وفي الفرائض "الرحبية"، مع شروحها، و "الفوائد الجلية".
وفي التفسير: "تفسير ابن كثير" رحمه الله تعالى.
وفي أصول التفسير: "المقدمة" لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وفي السيرة النبوية: "مختصرها" للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأصلها لابن هشام، وفيه "زاد المعاد" لابن القيم رحمه الله تعالى.
стр. 77
وفي لسان العرب: العناية بأشعارها، وكـ "المعلقات السبع"، والقراءة في "القاموس" للفيروز آبادي رحمه الله تعالى … وهكذا من مراحل الطلب في الفنون.
وكانوا مع ذلك يأخذون بجرد المطولات، مثل "تاريخ ابن جرير"، وابن كثير، وتفسيرهما، ويركزون على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى، وكتب أئمة الدعوة وفتاواهم، لاسيما محرراتهم في الاعتقاد (١).
(١) قوله: "وكانوا مع ذلك … "، يعني: مع دراستهم للمتون وتفهمها (يأخذون بجرد المطولات)، يعني: بقراءتها بدون شرحها، وقد يعلقون تعليقًا خفيفًا على شيء من هذه المطولات، وأدركنا ممن يقرأ المطولات، وتجرد في مجالسهم الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀.
ومَثَّل المؤلف بالكتب التي كانت تُجْرَد بتاريخ ابن جرير، وتفسير ابن جرير، وتاريخ ابن كثير، وتفسير ابن كثير، وكُتُب شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فإنهم كانوا يحرصون على قراءتها، ويبذلون من أوقاتهم من أجل تعلمها، "وكتب أئمة الدعوة وفتاواهم، لاسيما محرراتهم في الاعتقاد"، وأعطيكم فائدة متعلقة بهذا، وهي أن أهل العقيدة الصحيحة يبارك الله لهم في أذهانهم وفهومهم، ولذلك تجد عندهم من الفوائد ما لا تجده عند غيرهم، ويكون عندهم من الاختصار في اللفظ ما ليس عند غيرهم، فالأقوال القليلة عندهم تدل على المعاني الكثيرة، وذلك أنهم لما جرَّدوا عبادتهم لله، وجرَّدوا مقاصدهم لله بارك الله في علومهم، وبارك الله في أقوالهم؛ ولذلك كلما كان الإنسان صاحب معتقد صحيح فإن الله - جل وعلا - يجعلك تستفيد منه أكثر من الاستفادة من غيره، ولهذا انظر إلى كتب الشيخ محمد، ألفاظ =
стр. 78
وهكذا كانت الأوقات عامرة في الطلب، ومجالس العلم، فبعد صلاة الفجر إلى ارتفاع الضحى، ثم تكون القيلولة قبيل صلاة الظهر، وفي أعقاب جميع الصلوات الخمس تُعْقَد الدروس (١)، وكانوا في أدب جم، وتقدير بعزة نفس من الطرفين على منهج السلف (٢)
= مختصرة تدل على معانٍ كثيرة، وهذا من بركة ما آتاه الله لذلك الإمام غفر الله له؛ ينبهك إلى جزئيات تكون منطلقًا لك في حياتك كلها، وهكذا امتاز أصحاب المعتقد الصحيح الصحابة فمن تبعهم بكلام سهل يسير لا تجد مثل هذه التنبيهات عند غيرهم، بل عند غيرهم تجد الكلام طويلًا كثيرًا وفائدته قليلة، ولذلك كان من فضل الله - جل وعلا - على هذه البلاد أن جاءنا فيها من العلماء من يكون محلّ ثقة عند العالم الإسلامي ككل؛ وذلك لأنهم ينطلقون في علمهم من معتقد صحيح، ويُؤسسون علمهم على أصول صحيحة، وقواعد للتعلم صحيحة، وكذلك يستندون ويعتمدون في كلامهم على أدلة شرعية واضحة من القرآن والسنة، ونحمد الله على ذلك.
(١) قوله: "وهكذا كانت الأوقات عامرة في الطلب … "، ذكر المؤلف كيف كان أولئك يشغلون جميع أوقاتهم بالتعلم، فكانت الأوقات كلها عامرة في الطلب ومجالس العلم، ذكر المؤلف صفتهم في هذا، والناظر في تراجمهم يجد هذا واضحًا جليًا، فحينئذ لا ينبغي للإنسان أن يلتفت إلى هذه المشغلات التي تشغله من أنواع الألعاب، أو أنواع المجالس، أو أنواع الأحاديث الجانبية في غير العلم الشرعي، أو الكلام في تفاصيل الوقائع والحوادث السياسية.
(٢) قوله: "وكانوا في أدب جم وتقدير .. "، ذكر ما هم عليه في هذه الحلقات من أدب جم، وتقدير فيما بينهم، وعزة نفس للإنسان بحيث لا يذهب إلى سفاسف الأمور، مع =
стр. 79
الصالح رحمهم الله تعالى، ولذا أدركوا، وصار منهم في عداد الأئمة في العلم جمع غفير، والحمد لله رب العالمين.
فهل من عودة إلى أصالة الطلب في دراسة المختصرات المعتمدة، لا على المذكرات، وفي حفظها لا الاعتماد على الفهم فحسب (١)، حتى ضاع
= انسجامهم بطريقة المتحابين ونهج سلفنا الصالح، ولذلك أدركوا وصار منهم في عداد الأئمة في العلم جمع غفير، ولذلك لا زال أهل العلم يستندون إلى أقوال علماء هذه البلاد ويرجعون إليهم، وهذا من فضل الله - جل وعلا -.
(١) قوله: "فهل من عودة إلى إصالة الطلب … "، طالب المؤلف بالعودة إلى أصالة الطلب في دراسة المختصرات المعتمدة، وبالرجوع إلى كتب أهل العلم.
أما الكلام الوعظي والحديث السياسي والمحاضرات العامة والتي ليس لها أساس ومنهج فإنها لا تنضبط، وبالتالي ينبغي في دروسنا أن نرجع إلى المتون العلمية حتى نضبط العلوم ونعرفها، وأما الكلام الذي يكون بدون رجوع إلى كتب أهل العلم فإنه لا ينضبط، ولا يؤسس طالبًا للعلم؛ لأنه يحفظ ما في هذه المذكرات وينساها بعد مرور أوقات الاختبار فيها، أو بعد مضي زمن، ثم بعد ذلك يصبح هو والعامي في مرتبة واحدة، ولكن من ضبط العلم بمراجعة متونه وأصوله فإنه حينئذ يتمكن بذلك من ضبط العلم، وبذلك أيضًا نعرف مواطن بحث المسائل في الكتب، ومن هنا ينبغي أن لا يعتمد على مجرد الفهم، وينبغي أن يكون لنا طريقة في حفظ الأصول الشرعية، كتابًا وسنةً ومتون أهل العلم، فإنه بمضي الوقت يضيع الفهم ويبقى الحفظ، فالحفظ إذا بقي أمكن الفهم، لأن الآلة عندك موجودة، لكن إذا كان عندك فهم ولم يكن عندك الأصل فإن المفهوم يضيع، وتكون عندك الآلة، لكن ليس عندك الأصل الذي ترجع إليه في الفهم.
стр. 80
الطلاب فلا حفظ ولا فهم! وفي خلو التلقين من الزغل والشوائب والكدر سير على منهاج السلف … والله المستعان (١).
وقال الحافظ عثمان بن خُرَّزَاد (م سنة ٢٨٢ هـ) رحمه الله تعالى: "يحتاج صاحب الحديث إلى خمس، فإن عُدِمت واحدة، فهي نقص، يحتاج إلى عقل جيد، ودين، وضبط، وحذاقة بالصناعة، مع أمانة تعرف منه" (٢).
(١) قوله: "وفي خلو التلقين من الزغل والشوائب والكدر سير على منهاج السلف"، الزغل: ما يكون من الشوائب في أنواع الأقمشة والقطن ونحوها، والشوائب: ما يدخل في أنواع الحبوب إما السنبل أو القشرة فهذه كلها شوائب، والكدر غالبًا يكون في المياه الشيء غير الصافي، فينبغي أن تكون المتون والكتب التي نقرؤها خالية من مثل هذا، لتتابع الناس على مراجعتها، بخلاف المذكرات الدراسية التي قالها إنسان وتكلم بها، لكنه مرات يتكلم بكلمة ويتعب ذهنه فيريد أن يتكلم بكلمة فتخرج منه كلمة أخرى، وتجدون هذا عند كثير من المعلمين والمدرسين، بينما الكتب حرص أصحابها على ضبطها، ثم بعد ذلك وُجد أناسٌ كثر يتدارسونها وينبهون على ما فيها من مثل هذا، بخلاف هذه المذكرات فإنها لا تشتمل على ذلك، ولا زال سلفنا وأئمتنا يسيرون على هذه الطريقة بمراجعة المتون العلمية، فحينئذ لا ينبغي أن تغرنا مثل هذه الدعايات التي تُنَفِّر من كتب أهل العلم المتقدمين.
(٢) قوله: "قال الحافظ عثمان بن خرزاد .. "، ذكر صفات راوي الحديث وصاحب الحديث:
أولها: العقل الجيِّد الذي يعرف به عواقب الأمور، ويميز به بين المتشابهات.
ثانيها: دين وورع بحيث لا يعتمد على الظنة، أو يكون شاذًا في حديثه، أو يعتمد على رواية من لا يصح أن يعتمد على روايته. =
стр. 81
قلت - أي الذهبي -: "الأمانة جزء من الدين (١)، والضبط داخل في الحِذْقِ، فالذي يحتاج إليه الحافظ أن يكون: تقيًا، ذكيًا، نحويًا، لغويًا، حييًا، سلفيًا، يكفيه أن يكتب بيديه مائتي مجلد، ويحصل من الدواوين المعتبرة خمس مائة مجلد، وأن لا يَفْتُرَ من طلب العلم إلى الممات بنية خالصة، وتواضع (٢)،
= ثالثها: يحتاج إلى الضبط وهو تمام الحفظ بحيث يروي كما سمع.
رابعها: يحتاج إلى حذاقة في الصناعة، معرفة القواعد التي يُصَار عليها في التعلم.
خامسها: وجود الأمانة لئلا يُدْخِلَ في العلم ما ليس منه، وينبغي أن يُعرَف بذلك حتى يوثق بكلامه، من لم يُعرَف بأنه أمين لم يُعْتَمَد على قوله.
* وذكر المؤلف أيضًا كلام الذهبي، فقال: "الأمانة جزء من الدين .. "، بحيث يرجع بعض هذه الصفات السابقة الخمس إلى بعضها، فالأمانة رجعت إلى الدين، والضبط رجع إلى الحفظ، وحينئذ قال: "ينبغي أن يكون تقيًا"، والتقوى: الإقدام على الطاعة، والهرب من المعصية تقربًا لله، من أجل الآخرة، وأن يكون ذكيًا يعرف حقائق الأمور وبواطنها، نحويًا: يعرف قواعد ضبط أواخر الكلمات، لُغَويًا: يفهم معاني الكلام، زكيًا: يعني: طاهرًا ليس في نفسه خبث ولا طوية غير محمودة، حييًا: يستحيي مما لا يليق به، سلفيا: سائرا على نهج سلفنا الصالح، يبتعد عن البدع.
* قوله: "يكفيه أن يكتب بيديه مائتي مجلد .. "، يعني أن طالب العلم حتى يصل يحسن أن يكتب بيديه مائتي مجلد من الفوائد، ومن أنواع العلم (ويُحَصل من الدواوين المعتبرة خمسمائة مجلد)، فإذا قرأ خمسمائة مجلد، وكتب مائتي مجلد من الفوائد فقد أحرز العلم.
стр. 82
وإلا فلا يتعنَّ" (١). ا. هـ.
وعليه أيضًا ألا يفتر من طلب العلم، ولا يتوقَّف، بل يستمر ولا يمل إلى الممات، فإنه إذا توقف وظن أنه قد علم أصبح ينتقل إلى الجهل، ولا بد أن يكون ذلك بنية خالصة لله، لا يريد دنيا، ولا يريد مراءاة الخلق، ولا يريد أن يكون له سمعة عندهم (وتواضع) بحيث لا يترفع ولا يتكبر.
(١) قوله: "وإلا فلا يتعنَّ"، في نفسي من هذه الكلمة ما فيها؛ وذلك أن طلب العلم قربة وعبادة، فلو فرضنا أن إنسانًا كان بليد الذهن، أو كان حفظه ضعيفًا، لا ينبغي أن يكون ذلك صادًا له عن التعلم؛ لأن كل حرف يتعلمه يؤجر به عند الله - جل وعلا -، فحينئذ كيف يُفَوِّت على نفسه هذا الأجر، (ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله به طريقًا إلى الجنة) [¬١]، ولا يشترط في هذا أن يكون صاحب عقل جيد، ولا أن يكون صاحب حفظ وضبط، ولا أن يكون حاذقًا في الصناعة، بمجرد تعلّمه يُؤْجَر، ولو لم يكن قادرًا على الحفظ، فحينئذٍ هذه الصفات ينبغي أن نحرص على تحصيلها، وإذا لم نتمكن من تحصيلها كاملة، فلا يعني أن يكون ذلك صارفًا لنا عن التعلم.
وقد ذكر الشيخ ترتيبًا جيدًا للكتب في أكثر الفنون، وهو ترتيب جيد في الجملة، لكن يحتاج إلى تكميل في بعض جزئياته، ففي الأصول هناك مرتبة وسطى بين الورقات وروضة الناظر، يحسن أن تكون مختصر ابن اللحام؛ وفي التفسير يمكن أن تكون المرحلة الأولى في تيسير الكريم المنان لابن سعدي، ويذكر أحد شروح كتاب التوحيد في آخر المراحل.
стр. 83
(١٧) تلقي العلم عن الأشياخ (١):
الأصل في الطلب أن يكون بطريق التلقين والتلقي عن الأسانيد،
(١) ذكر المؤلف هاهنا الأدب السابع عشر من آداب طالب العلم: وهو أن يتلقى طالب العِلْمِ العلمَ عن الأشياخ، ذلك أن هذا العلم ينقله سلف الأمة إلى خَلَفِها بالنقل والرواية، ولذلك فإن من أدب طلب العلم أخذه من العلماء والأشياخ، لا تلقيه من الكتب؛ وذلك لعدد من الأمور:
الأمر الأول: أن ما يُكْتَب في الكتب تختلف قدرات الناس في معرفة كيفية تشكيله وقراءته، فإذا درسه على مُعَلِّم نبَّه إلى الأخطاء التي تقع في طريقة نطق هذه الكلمات، ومثال هذا عند قراءتنا لهذا الكتاب، نجد أننا نخطئ في طريقة نطق بعض الكلمات، فيأتي الشيخ وينبه عليها، سواء نبَّه عليها مباشرة، أو أعاد نطقها مرة أخرى، بحيث تستقر الكلمة على طريقة نُطْقِ الشيخ، وضربنا لذلك أمثلة.
الأمر الثاني: التمييز بين أنواع الروايات؛ فإن الروايات منها ما هو صحيح، ومنها ما ليس كذلك.
الأمر الثالث: متعلِّق بالقدرة على فهم التراكيب من الكلام؛ فإن المرء إذا قرأ الكتاب وحده قد يُدخِل جملة في جملة، فمن ثم ينقلب عليه المعنى الذي ذكره المؤلف.
الأمر الرابع: أن الطالب إذا تلقَّى العلم عن شيخه استفاد من سَمْتِه ومن هَدْيه، وبالتالي أثَّر في سلوكه.
الأمر الخامس: أن الطالب قد يُشْكِل عليه مسائل، فإذا كان الشيخ عنده سأله عن تلك المسائل المشكلة، وإذا لم يكن عنده شيخ فإنه حينئذٍ لن يتمكن من إتقان جميع الكتب، وتبقى الإشكالات في ذهنه، وكم من مرة وجدنا أخطاء مطبعية في الكتب، فإذا كان عند =
стр. 84
الأصل (١) في الطلب أن يكون بطريق التلقين والتلقي عن الأسانيد (٢) والمثافنة للأشياخ (٣)، والأخذ من أفواه الرجال لا من الصحف (٤) وبطون الكتب، والأول (٥) من باب أخذ النسيب عن النسيب الناطق، وهو المعلم (٦)، أما الثاني عن الكتاب، فهو جماد، فأنى له اتصال النسب؟ (٧).
= الإنسان شيخ أرشده إلى الخطأ في ذلك الكتاب، وإذا لم يكن عنده شيخ فإنه قد يظن أن ما في الكتاب صواب، وهو من الأخطاء الإملائية أو الطباعية.
الأمر السادس: أن هناك مصطلحات تختلف ما بين موطن وموطن آخر، فإذا قرأ الإنسان العلم على شيخ بيَّن له معاني تلك المصطلحات.
(١) قوله: "الأصل في الطلب .. "، الأصل يراد به القاعدة المستمرة.
(٢) "أن يكون بطريق التلقين والتلقي عن الأساتيذ"، جمع أستاذ.
(٣) "والمثافنة للأشياخ"، يعني: يأتي عندهم قريبًا منهم حتى يكون ثفنه قريبًا من ثفنه، والثفن في الأصل: الجسم البارز في صدر البعير.
(٤) "قال: والأخذ من أفواه الرجال لا من الصحف"، جمع صحيفة.
(٥) "وبطون الكتب، والأول"، الذي هو التلقي على الأشياخ.
(٦) "من باب أخذ النسيب عن النسيب الناطق وهو المعلم"، لأن الحي إذا أخذ عن حي استفاد منه حياته.
(٧) "أما الثاني"، فهو أخذ "عن الكتاب فهو جماد"، ومن ثم لا يكون هناك اتصال بالنسب، والمراد بالنسب هنا سلسلة الرواية والإسناد؛ لأنك إذا أخذت الكتاب بالرواية اتصل الإسناد حتى يصل إلى الشيخ الأعلى.
стр. 85
وقد قيل: "من دخل في العلم وحده، خرج وحده"، أي: من دخل في طلب العلم بلا شيخ؛ خرج منه بلا علم، إذ العلم صنعة، وكل صنعة تحتاج إلى صانع، فلا بد إذًا لتعلمها من معلمها الحاذق (١).
وهذا يكاد يكون محلّ إجماع كلمة من أهل العلم؛ إلا من شذَّ مثل: علي بن رضوان المصري الطبيب (م سنة ٤٥٣ هـ)، وقد رد عليه علماء عصره ومَنْ بعدهم.
قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في ترجمته له: "ولم يكن له شيخ، بل اشتغل بالأخذ عن الكتب، وصنَّف كتابًا في تحصيل الصناعة من الكتب، وأنها أوفق من المعلمين، وهذا غلط" (٢).
(١) قوله: "قال: (من دخل في العلم وحده - أي بلا شيخ - خرج وحده - أي بلا علم) "، فإذا دخلت في المطبخ وأنت لا تحسن الطبخ، ووجدت أنواع ما يجهز به الطعام، حينئذٍ لن تتمكن من الطبخ إلا أن يكون عندك طباخ ماهر يرشدك إلى كيفية الطبخ، هكذا في العلم، عندك مؤلفات، وعندك كتابات متنوعة ما هو الأنسب لك؟ وكيف تتعلم؟ وما الكتب المناسبة لك؟ وما هي مبادئ العلم التي يحسن أن تبتدئ بها؟ لا يمكن أن تعرفه بنفسك.
(٢) قوله: "وقال الحافظ في ترجمة له .. " ابن رضوان: عالم من علماء مصر، طبيب، يقول: بأنه يرغب في تحصيل العلم من الكتب فقط، ولذلك رد العلماء عليه، ومن هنا قال عنه الذهبي: "لم يكن له شيخ، صنَّف كتابًا في تحصيل الصناعة من الكتب، وأنها أوفق من المعلمين"، وهذه الطريقة غلط، ولعل مثل ذلك إنما يكون في أصحاب المهن والعلوم الأخرى، فابن رضوان هذا طبيب، ولذلك ظن أنه يحصل العلم الشرعي بطريق القراءة من الكتب.
стр. 86
وقد بسط الصفدي في "الوافي "الرد عليه، وعند الزبيدي في "شرح الإحياء" عن عدد من العلماء مُعَللين له بعدة علل، منها ما قله ابن بطلان في الرد عليه: "السادسة: يوجد في الكتاب أشياء تَصُدّ عن العلم (١)، وهي معدومة عند المعلم، وهي التصحيف العارض من اشتباه الحروف مع عدم اللفظ والغلط بزوغان البصر، وقلة الخبرة بالإعراب، أو فساد الموجود منه، وإصلاح الكتاب، وكتابة ما لا يقرأ، وقراءة ما لا يكتب، ومذهب صاحب الكتاب، وسقم النسخ، ورداءة النقل، وإدماج القارئ مواضع المقاطع، وخلط مبادئ التعليم، وذكر ألفاظ مصطلح عليها في تلك الصناعة، وألفاظ
(١) قوله: "وعند الزبيدي في "شرح الإحياء" عن عدد من العلماء معللين له بعدة علل .. "، محمد مرتضى الزبيدي من علماء اليمن شرح الإحياء، وله تحقيقات وكتب كبيرة، قال: "في الكتاب أشياء تصد عن العلم"، من مثل الأخطاء المطبعية وأخطاء النساخ، واشتباه الحروف بعضها مع بعض، واحتمالية زوغان البصر، تجد الإنسان يقرأ ثم يترك سطرًا من زوغان بصره، وقد يكون يقرأ ويجد كلمة فينتقل إلى نفس الكلمة في السطر الذي بعده، ومن ثم يؤدي إلى معنى مغاير للمعنى الذي يريده المؤلف، وكذلك القارئ مقلد، فإن مذهب صاحب الكتاب سيتبعه المقلد القارئ بدون أن يعرف هل هو مذهب صواب أو مذهب خطأ، وقد يكون في النقولات شيء من الملحوظات، فكم من عالم ومؤلف وفقيه أراد أن ينقل من غيره فحصل تغييرٌ فيما ينقل، وكذلك قد يدمج القارئ مواضع المقاطع فيدخل جملة في جملة، ويخلط في مبادئ التأليف، وذكر أيضًا الخطأ في فهم المصطلحات التي يمكن أن تكون خاصة بفن، ويجهلها القارئ فيكون ذلك صادًا له عن الاستمرار في التعلم، بينما من كان عنده معلم فإنه لا تنطلي عليه هذه الأمور.
стр. 87
يونانية لم يخرجها الناقل من اللغة، كالنوروس، فهذه كلها معوقة عن العلم، وقد استراح المتعلم من تكلفها عند قراءته على المعلم، وإذا كان الأمر على هذه الصورة فالقراءة على العلماء أجدى وأفضل من قراءة الإنسان لنفسه، وهو ما أردنا بيانه .. قال الصفدي: ولهذا قال العلماء: لا تأخذ العلم من صحفي ولا من مصحفي، يعني: لا تقرأ القرآن على من قرأ من المصحف ولا الحديث وغيره على من أخذ ذلك من الصحف .. " (١).
والدليل المادي القائم على بطلان نظرة ابن رضوان: أنك ترى آلاف التراجم والسير على اختلاف الأزمان ومر الأعصار وتنوع المعارف مشحونة بتسمية الشيوخ والتلاميذ، ومستقل من ذلك ومستكثر، وانظر شذرة من المكثرين عن الشيوخ حتى بلغ بعضهم الألوف كما في العُزَّاب من الإسفار لراقمه.
(١) قوله: "قال الصفدي: ولهذا قال العلماء: (لا تأخذ العِلْم من صحفي ولا مُصْحَفي)، الصُّحفي من أخذ علمه من الصحف، والمصحفي من أخذ قراءته من المصحف، فلا بد من شيخ يقرأ الإنسان عليه، ولذلك تواتر عن علماء الأمة أن الإنسان يبحث عن أشياخ له، وقد ألف جماعات كثر مؤلفات في معاجم شيوخهم، وقد أوصل بعضهم شيوخه إلى ألف شيخ، فكون العلم في الكتب جعل غير المتأهلين يدخلون في الحديث عن مسائل العلم ويتخبطون فيها، وهذا مشاهد خصوصًا في عصرنا، فلما وُجدت هذه الأشرطة، وهذا الضواغط التي تضغط المكتبات العلمية في أشرطة اكتفى أناس بها، ولم يطلبوا العلم على العلماء، فكان ذلك سببًا من أسباب وُلُوج غير المؤهلين في الكلام عن علوم الشرع، فخبطوا وجاءوا بكلام لا يستسيغه صاحب دين، أو صاحب عقل.
стр. 88
وكان أبو حيان محمد يوسف الأندلسي (م سنة ٧٤٥ هـ) إذا ذُكِر عنده ابن مالك يقول: "أين شيوخه؟ ".
وقال الوليد: "كان الأوزاعي يقول: كان هذا العلم كريمًا يتلاقَّاه الرجال بينهم، فلما دخل في الكتب، دخل فيه غير أهله.
وروى مثلها ابن المبارك عن الأوزاعي.
ولا ريب أن الأخذ من الصحف وبالإجازة يقع فيه خلل (١)، ولا سيما في ذلك العصر، حيث لم يكن بَعْدُ نقط ولا شكل (٢)، فتتصحف الكلمة بما
(١) قوله: "ولا ريب أن الأخذ من الصحف وبالإجازة يقع فيه خلل"، الرواية بالإجازة نوع من أنواع الرواية، فالرواية لها مراتب:
المرتبة الأولى: أن يقرأ الشيخ والتلميذ يسمع عنه، وهذه يُقَال لها قراءة الشيخ.
المرتبة الثانية: أن يقرأ التلميذ والشيخ يسمع، فيُثْبِت سماعه أو يسكت، وهذه يُقَال لها القراءة على الشيخ، ويسميها بعضهم: العرض.
المرتبة الثالثة: الإجازة، بأن يَرْوِي عن كتبه التي أجاز له الرواية عنها، يقول: أُجِيزُ لك أن تروي عني الحديث الفلاني، فهذه الإجازة لم يسمع بها جميع الحديث، لا بقراءة الشيخ، ولا بقراءة التلميذ.
(٢) قوله: "ولا سيما في ذلك العصر؛ حيث لم يكن بَعْدُ نَقْط ولا شكل"، فإذا لم يتخذ الإنسان له شيخًا، فقد يقع في أخطاء بسبب تغير النقط أو بتغير التشكيل، فتَتَصَحَّف الكلمة بما يُحِيْلُ المعنى، ومن نماذج هذا، قرأ بعضهم: المؤمن كِيْسُ قُطْن، وصوابه: كَيِّس فَطِن، وقرأ الآخر: الحيَّة السوداء دواء من كُلّ داء، وصوابه: الحبة، من أين وقع؟ وقع الخطأ من عدم اختيار الشيخ الذي يُقْرَأ عليه.
стр. 89
يحيل المعنى، ولا يقع مثل ذلك في الأخذ من أفواه الرجال، وكذلك التحديث من الحفاظ يقع فيه الوهم، بخلاف الرواية من كتاب محرر" ا. هـ.
ولابن خلدون مبحث نفيس في هذا، كما في "المقدمة" له.
ولبعضهم (١):
مَنْ لَمْ يُشَافِهِ عالمًا بأصولِه … فيقينُه في المشكلاتِ ظُنُونُ
وكان أبو حيان كثيرًا ما ينشد:
يظن الغَمْرُ أنَّ الكتب تَهْدي … أخا فهم لإدراكِ العلوم
وما يدري الجهولُ بأن فيها … غوامض حيَّرت عقل الفهيم
إذا رُمت العُلُومَ بغير شيخٍ … ضَللتَ عن الصراط المستقيم
وتلتبسُ الأمورُ عليك حتَّى … تصيرَ أضلَّ من (تُومَا الحكيم)
* * * *
(١) ثم ذكر المؤلف أشعارًا لبعضهم تدل على نفس المعنى.
стр. 90
الفصل الثالث أدب الطالب مع شيخه
(١٨) رعاية حُرْمَةِ الشيخ (١):
بما أن العِلْمَ لا يؤخذ ابتداءً من الكتب، بل لا بد من شيخ تُتْقِنُ عليه مفاتيح الطلب؛ لتأمن مِنَ العَثَار والزَّلَل، فعليك إذن بالتحلي برعاية حرمته، فإن ذلك عنوان النجاح والفلاح والتحصيل والتوفيق، فليكن شيخك محلّ إجلال منك (٢) وإكرام وتقدير وتلطف (٣)، فخذ بمجامع
(١) هذا نوع آخر من آداب طالب العلم، وهو من أدب الطالب مع شيخه، وقد تقدم معنا قسمان: أدب الطالب فيما يتعلق بنفسه، والثاني الآداب المتعلقة بكيفية الطلب والتلقي، الأول من آداب الطالب مع شيخه، حسن اختيار الشيخ؛ ويختار الإنسان الشيخ المتقن؛ ليَأمَن مِنَ العثَار، ويأمن من الزَّلل، ولا بد لطالب العلم من شيخ يتعلم منه الأدب الحسن والسمت الصالح، ويفتح له أبواب العلم بذكر مآخذ المسائل وعللها، ويزيل الشبهات، ويجيب عما يشكل، ويتعلم منه طريقة التدريس، وكيفية نطق المصطلحات العلمية، والأدب الثاني من آداب الطالب مع شيخه: رعاية حرمة الشيخ؛ وذلك لأن الله - جل وعلا - رفع من شأن المعلمين، وهذا معلِّم، ثم إنه يعلمك، فقد استفدت منه علمًا، فهو صاحب فضل عليك، فمن لم يشكر الناس لم يشكر الله، ثم الأمر الآخر أن الشيخ يبث العلم، فعندما تحفظ حرمته وتراعى يكون ذلك سببًا من أسباب تلقي العلم عنه، فإذا لم تراعَ حرمته، وتم احتقاره أو إهماله لم يعرفه الناس، ولم يأخذوا من علمه.
(٢) قوله: "فليكن شيخك محلّ إجلال منك"، يعني تقدير واحترام.
(٣) قوله: "وإكرام وتقدير وتلطف"، التقدير معرفة المقدار، والتلطف يعني تسهيل النَّفْس عند مقابلته، ويكون هذا في طريقة الجلوس، وفي طريقة الحديث، وفي اختيار =
стр. 91
الآداب مع شيخك في جلوسك معه، والتحدث إليه، وحسن السؤال والاستماع، وحسن الأدب في تصفح الكتاب أمامه ومع الكتاب، وترك التطاول والمماراة أمامه، وعدم التقدم عليه بكلام أو مسير، أو إكثار الكلام عنده، أو مداخلته في حديثه ودرسه بكلام منك، أو الإلحاح عليه في جواب، متجنبًا الإكثار من السؤال، ولا سيما مع شهود الملأ، فإن هذا يوجب لك الغرور وله الملل (١).
= الأسئلة، وفي حسن الأدب عند تصفح الكتاب أمامه، وفي ترك التطاول، أي: اعتقاد أن للنفس فضلًا على الآخرين، يستدعي ترفعها عليهم، وترك الماراة أيضًا، وهو الحديث العقيم، والمناقشة غير الهادفة.
(١) قوله: "وعدم التقدم عليه بكلام … "، أي الثالث من آداب التلميذ مع شيخه، إذا جاءت مسألة ينتظر الطالب فلا يتكلم حتى يتكلم شيخه، وإذا بدأ في المجلس يبتدئ الشيخ قبل تلميذه، وهكذا أيضًا في المسير؛ فلا يتقدم عليه في السَّير، ولا يكثر الكلام عند شيخه؛ لئلا يشوش عليه، ولئلا يكون كلامه صارفًا لذهنه عن فهم كلام شيخه.
فقوله: "عدم التقدم عليه" يشمل أيضًا عدم معارضته والرد عليه، أو الإلحاح عليه في جواب، وإذا سأل شيخه فسكت فإنه يحفظ الأدب معه فلا يسأل مرة أخرى، ويتجنب الإكثار من السؤال، لعله أن يأتي في كلام شيخه ما يجيب عن سؤاله، خصوصًا إذا كان هناك جماعة يشاهدون الموقف، فإنه حينئذ يكون حفظ الأدب مع الشيخ أولى.
وإذا لم يحافظ الإنسان على هذه الآداب؛ بحيث كان الطالب يتقدم على شيخه في الجواب، فإنه سيجعل الطالب يعتقد أنه أفضل من شيخه، وأنه عنده علم ليس عند شيخه، فيورثه ذلك الغرور، ويورث شيخه الملل منه، وهكذا ينادي الطالب شيخه بما يكون أحب إلى نفسه من الأسماء التي فيها إجلال له، ومعرفة لحقه.
стр. 92
ولا تناده باسمه مجردًا، أو مع لقبه كقولك: يا شيخ فلان! بل قل: يا شيخي! أو يا شيخنا! فلا تسمه، فإنه أرفع في الأدب، ولا تخاطبه بتاء الخطاب، أو تناديه من بُعْدٍ من غير اضطرار (١).
وانظر ما ذكره الله تعالى من الدلالة على الأدب مع معلم الناس الخير ﷺ في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣].
وكما لا يليق أن تقول لوالدك ذي الأبوة الطينية: (يا فلان) أو (يا والدي فلان)، فلا يجمل بك مع شيخك.
والتزم توقير المجلس، وإظهار السرور من الدرس والإفادة به (٢).
(١) قوله: "ولا تنادله باسمه مجردًا، .. " أي: يجتنب الطالب النداء على شيخه من مكان بعيد، فإذا كان الشيخ بعيدًا فلا تناده حتى تقرب منه، فتكلمه فتناديه؛ ذلك لأنه إذا كان بعيدًا فناديته قد يكون ذلك سببًا من أسباب جرأة الناس عليه.
وهكذا أيضًا إذا خاطبه الإنسان عن بعد فإنه سيتطلب منه أن يرفع صوته بالجواب، وهذا من الأمور غير المستحسنة عند العرب.
هكذا أيضًا لا تناده باسمه، كما أنه لا يحسن أن تنادي والدك باسمه، فهكذا الأب من التعلم.
(٢) قوله: "والتزم توقير المجلس .. "، أي مجلس الشيخ يحفظ الطالبُ الأدبَ فيه، ويُوقِّر المجلس، ويظهر للشيخ ولغيره أنه قد استفاد من هذا الدرس، وأنه فرح به.
стр. 93
وإذا بدا لك خطأ من الشيخ، أو وهم فلا يسقطه ذلك من عينك، فإنه سبب لحرمانك من علمه، ومن ذا الذي ينجو من الخطأ سالمًا؟ (١) واحذر أن تمارس معه ما يضجره، ومنه ما يسميه المولدون: (حرب الأعصاب)، بمعنى: امتحان الشيخ على القدرة العلمية والتحمل (٢).
(١) قوله: "وإذا بدأ لك خطأ من الشيخ … "، أي: إذا وقع من الشيخ خطأ؛ - لأن الشيخ غير معصوم، فحينئذٍ لا ينبغي للطالب أن يُشَهِّرَ به، ولا أن يسقط الشيخ من عينه؛ لأن ذلك سبب من أسباب الحرمان من العلم؛ لأنه ما من أحد إلا وقد يقع في زلل.
وهكذا أيضًا يجتنب طالب العلم ما يؤدي إلى نفرة الشيخ منه، أو عدم تقبله الكلام منه، ولهذا صور:
الصورة الأولى: مطالبة الشيخ بأن يتحدث في مسائل لم يجتهد فيها، والإلحاح عليه في ذلك.
الصورة الثانية: تكرار السؤال على الشيخ ليتحدث في أمور يرى الشيخ عدم الجواب فيها، من باب السياسة الشرعية.
الصورة الثالثة: إذا كان الشيخ يخشى من مآلات كلامه وآثاره، قد لا يتكلم فيما له عاقبة سيئة على الناس، أو يُوجد خصومة بينهم، فالشيخ سيترك ذلك، فعندما تلح في طلب الحديث منه فإنك تُحرجه في مثل ذلك.
(٢) مما ذكره الشيخ هنا من الأمور المذمومة: أن يقوم التلاميذ بامتحان شيخهم؛ ليعرفوا قدرته على التحمل، هل يصبر أو لا يصبر؟ فهذا أيضًا يخالف الأدب، فإن قال قائل: قد وُجِد اختبارات للمحدثين فيما مضى، قيل: تلك الاختبارات ليست من تلميذ للشيخ، ثم إن تلك الامتحانات لفائدة، وهي معرفة الصادق المتقن الضابط في الرواية من غيره، فهذه الاختبارات توصل طالب العلم إلى درجة التلقي من الشيخ، وأما من ثبتت أهليته قبل ذلك، فلا يحسن أن تطرح عليه هذه المسائل المشْكِلَة.
стр. 94
وإذا بدا لك الانتقال إلى شيخ آخر، فاستأذنه بذلك؛ فإنه أدعى لحرمته، وأملك لقلبه في محبتك والعطف عليك (١).
إلى آخر جملة من الأدب يعرفها بالطبع كل موفق مبارك، وفاءً لحق شيخك في "أبوته الدينية"، أو ما تسميه بعض القوانين باسم "الرضاع الأدبي" وتسمية بعض العلماء له "الأبوة الدينية" أليق، وتركه أنسب (٢).
واعلم أنه بقدر رعاية حرمته يكون النجاح والفلاح، وبقدر الفوت يكون من علامات الإخفاق (٣).
تنبيه مهم: أعيذك بالله من صنيع الأعاجم والطرُقِيّة، والمبتدعة الخلفية، من الخضوع الخارج عن آداب الشرع، من لحس الأيدي، وتقبيل الأكتاف، والقبض على اليمين باليمين والشمال عند السلام، كحال تودد الكبار للأطفال، والانحناء عند السلام، واستعمال الألفاظ الرخوة المتخاذلة: سيدي، مولاي، ونحوها من ألفاظ الخدم والعبيد (٤).
(١) قوله: "وإذا بدا لك الانتقال إلى شيخ آخر فاستأذنه بذلك"،، أي: وإذا بدأ لك الانتقال من شيخ إلى شيخ آخر فاستأذن الشيخ الأول؛ حفاظًا لحرمته، ولتبقى المودة بينك وبين شيخك، ويستمر في العطف عليك.
(٢) قوله: "وفاء الحق شيخك في أبوته الدينية .. "، ذكر المؤلف ماذا يُسَمَّى المعلم؟ بعضهم يقول: أبوك من الرضاعة الأدبية، وبعضهم يقول: هذه الأبوة الدينية.
(٣) قوله: "واعلم أنه بقدر .. "، اعلم أنه بقدر رعايتك لحرمة الشيخ يكون نجاحك وفلاحك، وكلما تركت حرمة الشيخ أدى بك ذلك إلى الإخفاق وعدم الاستفادة، فهناك ثلاثة إن لم يُكْرَمُوا لم يُعطوا، منهم المعلم.
(٤) قوله: "تنبيه مهم"، أي: وانتبه، فإن كونك تحفظ الأدب مع الشيخ لا يعني أن تغلو فيه، من مثل لحس يده، أو تقبيل الكتف، فهذه كلها ليست مشروعة، ولا يقال بأن =
стр. 95
وانظر ما يقول العلامة السلفي محمد البشير الإبراهيمي الجزائري رحمه الله تعالى (م سنة ١٣٨٠ هـ) في "البصائر"؛ فإنه فائق السياق.
(١٩) رأس مالك - أيها الطالب - من شيخك (١):
القدرة بصالح أخلاقه وكريم شمائله، أما التلقي والتلقين فهو ربح زائد، لكن لا يأخذك الاندفاع في محبة شيخك فتقع في الشناعة من حيث لا تدري، وكل من ينظر إليك يدري، فلا تُقَلِّده بصوت ونغمة، ولا مشية وحركة وهيئة، فإنه إنما صار شيخًا جليلًا بتلك، فلا تسقط أنت بالتبعية له في هذه.
= هذا من التلقي على المشايخ؛ لأن هذه الأفعال غير محمودة في الشرع، ومثله أيضًا الانحناء عند السلام، والتخضع في الكلام.
والغلو المذموم يكون برفع الإنسان عن منزلته، والتجاوز به للحدود الشرعية، والغلو مذموم شرعًا قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [الأنعام: ٧٧]، وقد نهي عن الغلو في الأنبياء ﵈.
(١) هذه هي الصفة التاسعة عشرة من صفات طالب العلم؛ أن يستفيد الطالب من أخلاق شيخه، فإذا عرف الطالب أن شيخه هو الذي استفاد منه العلم، هكذا يستفيد من أخلاقه فيقتدي به فيها، لكن يجب على الطالب أن يقتلع الشناعة في محبة شيخه، وأن لا يقدم على أمور مخالفة بناء على أنها من محبته، ومن أمثلة ذلك:
الأمر الأول: الحديث في بقية الشيوخ بالقدح؛ لأنهم ليسوا شيوخًا لك، ولأنك تظن أنهم ينافسون شيخك، هذا حرام ولا يجوز؛ لأن عمل العلماء والمشايخ مبنيٌّ على التعاون، وبالتالي كل منهم يعاون الآخر، فعندما يطعن بعضهم في بعض، أو يريد إلغاء قدرته في ذلك، فإنه يخالف الشرع. =
стр. 96
(٢٠) نشاط الشيخ في درسه (١):
يكون على قدر مدارك الطالب في استماعه، وجمع نفسه، وتفاعل أحاسيسه مع شيخه في درسه، ولهذا فاحذر أن تكون وسيلة قطع لعلمه بالكسل والفتور والاتكاء، وانصراف الذهن وفتوره.
= الأمر الثاني: استبعاد وقوعه في الخطأ، فإنه مما يلاحظ في هذا أن محبة الشيخ أمر مطلوب؛ لأنه صاحب فضل عليك، فتتقرب إلى الله بمحبته محبة زائدة عن محبتك لأفراد المؤمنين، لكن لا تجعلك محبته تظن عصمته، ولا مانع من أن تحب من تظن أنه يخطئ.
الأمر الثالث: أن تلاحظ ألا توصلك هذه المحبة إلى تقليده في نغمة الصوت، أو أسلوب الحديث وطريقة الكلام.
الأمر الرابع: أن لا تقلده في ملابسه أو سيارته، فإن التقليد يكون في العلم والتعلم والتعليم والعمل به، وأما الصورة الظاهرة فإنه لا يُقَلَّد فيها، فإنه إنما صار شيخًا بعلمه وعمله وتعلمه وتعليمه، فيُقْتَدَى به في ذلك، وأما طريقة مشيته وطريقة كتابته وحركة يديه عند الدرس، فهذه لم تجعله شيخًا، إنما الذي جعله شيخًا هو العلم.
(١) هذه من صفات المعلم، بحيث يلاحظ أحوال الطلاب، ويلاحظ تفاعلهم معه، فيجعل ما يلقيه من المعلومات على مقدار ذلك، وفي ثنايا هذا النهي عما يُشغل الشيخ حال الدرس، فإذا كانت كثرة حركتك تشغله عن الدرس وإكماله فاجتنبها، وهكذا نوم الإنسان في درسه قد يؤدي إلى فتور شيخه، وبالتالي يجب عليه أن يحاول ما يستطيع ألا يأتيه النوم أثناء درسه بأن يأخذ ليلًا كفايته من النوم، وهكذا يحاول الطالب اجتناب شرود الذهن؛ فإن شرود ذهن الطالب يجعل المعلم لا يتقن تعليمه؛ لأن الطالب سيشتغل بما في ذهنه، وسيشتغل المدرس بمحاولة إعادته إلى درسه.
стр. 97
قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى: "حق الفائدة أن لا تساق إلا إلى مبتغيها، ولا تعرض إلا على الراغب فيها (١)، فإذا رأى المحدث بعض الفتور من المستمع، فليسكت، فإن بعض الأدباء قال: نشاط القائل على قدر فهم المستمع" [¬١].
ثم ساق بسند عن زيد بن وهب، قال: "قال عبد الله: حَدَّثِ القَوْم ما رمقوك بأبصارهم، فإذا رأيت منهم فترة فانزع" (٢) ا. هـ.
٢١) الكتابة عن الشيخ حال الدرس والمذاكرة (٣):
وهي تختلف من شيخ إلى آخر، فافهم (٤).
(١) بقى هنا مسألة، وهي أن من جاءك للتعلم، فأنت تبذله له، لأنه راغب مقبلٌ عليه، لكن من لم يأتك هل تقبل عليه فتعلّمه، إن كان في التعلم فلا يبذل إلا لراغب فإن كان في الدعوة فلا بأس أن يدعى، فقد كان النبي ﷺ يغشى الناس في منازلهم.
(٢) قوله: "فإذا رأى المحدث بعض الفتور"، وهو الانقطاع والعجز "من المستمع فليسكت" الشيخ؛ لأنه إذا كان الطالب متعبًا فقد يفهم من كلام شيخه ما لا يريده الشيخ.
(٣) هذا هو الأدب الحادي والعشرون من آداب طالب العلم: الكتابة عن الشيخ حال الدرس والمذاكرة، وذلك لأنك إذا كتبت مع الشيخ اشتغلت يدك بالكتابة، واشتغلت عينك بالمشاهدة، واشتغلت أذنك بالسماع، فكان ذلك مؤديًا إلى حفظ ما يلقيه الشيخ؛ لأنك قد استخدمت فيه جوارح مختلفة.
(٤) قوله: "وهي تختلف من شيخ إلى آخر"، أي: يختلف باختلاف حال الشيخ، فمنهم من لا يعلِّق على الكتاب، وبالتالي لا تتمكن من الكتابة، ومنهم من يكون تعليقه على المواطن المشكلة، ومنهم من يزيد إلى الأماكن الغامضة، وهكذا، ولذلك لا يمكن إعطاء حكم واحد يشمل الجميع فيما يكتبه التلاميذ عن شيخهم حال الدرس.
стр. 98
ولهذا أدب وشرط:
أما الأدب: فينبغي لك أن تُعْلِمَ شيخك أنك ستكتب، أو كتبت ما سمعته مذاكرة (١).
وأما الشرط: فتشير إلى أنك كتبته من سماعه من درسه (٢).
٢٢) التلقي عن المبتدع (٣):
(١) قوله: "وأما الأدب فينبغي لك أن تعلم شيخك أنك ستكتب .. "، أي: عند الكتابة ينبغي للطالب أن يخبر الأستاذ، فيقول: أستأذنك في الكتابة، وهذا من الآداب المستحبة.
(٢) قوله: "وأما الشرط فتشير إلى أنك كتبته من سماعه من دروسه"، فتقول: أنا سمعته يقوله حفظًا، وأنا سمعته يقوله من كتابه، فيبين أحوال الشيخ حال الرواية؛ لأن الراوي عندما يعلم بأنه يكتب عنه يتحفظ في كلامه غاية التحفظ؛ لأن ما سيقوله سيبقى.
(٣) هذا فصل مهم من فصول هذه الرسالة: هجر المبتدع وعدم التلقي عنه، والمؤلف له رسالة في باب هجر المبتدع.
نشير إلى شيء من القواعد المتعلقة بهذا الأدب:
القاعدة الأولى: أن البدعة تؤثر على ذهن الإنسان، فلا يتمكن من التمييز والفهم كما يتمكن صاحب السنة وصاحب المعتقد الصحيح؛ وذلك لأمور:
الأمر الأول: أن الفهم والعلم فيه إمداد من الله لبعض عباده، فالله - جل وعلا - يزيد بعض العباد فهمًا وعلمًا على غيرهم، وكلما قرب الإنسان من السنة وابتعد عن البدعة كان فهمه أكثر.
الأمر الثاني: أن أهل السنة عندهم طمأنينة وسكون، وبالتالي فاضطراب النفس ليس موجودًا عندهم، واضطراب النفس يؤثر على قدرة الإنسان على العلم والتعلم، ولذلك فنحن نختار أهل السنة؛ لما لديهم من اليقين والطمأنينة والسكينة. =
стр. 99
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الأمر الثالث: أن العلوم يرتبط بعضها ببعض، والمسائل يرتبط بعضها ببعض، فعندما تأتي للمبتدع قد لا يثير عندك البدعة، لكنه يتحدث في أثر من آثارها، وبالتالي تظن انقطاع الصلة بين هذه المسألة ومسألة البدعة، بينما في حقيقة الأمر بينهما ترابط، أضرب لهذا مثلًا: في أصول الفقه عندما يأتيك ويبحث لك مسألة: هل الأمر بالشيء نهي عن ضده؟ فيأتيك المعتزلي ويقول: الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده. ولا يذكر منشأ مخالفته، وهو أنهم يقولون بأن الأمر تشترط له الإرادة - يعني الإرادة الكونية - بناءً على مذهبهم في القدر بنفي خلق الله لأفعال العباد، ويأتيك الأشعري في هذه المسألة ويقول: الأمر بالشيء نهي عن ضده من جهة اللفظ بناءً على بدعتهم في قولهم: الكلام هو المعاني النفسية بينما مذهب أهل السنة والجماعة: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده من طريق المعنى وليس من طريق اللفظ، فعندما تذهب إلى العالم المبتدع فتدرس عليه هذه المسألة لا يشير إلى الأساس العقدي لها، فمن ثم سينطلي عليك الباطل في هذه المسألة.
هكذا أيضًا في مبحث النحو، هناك مسائل نحوية لها علاقة بمباحث عقدية، فعندما تأتي إلى نحوي مبتدع قد يأتيك بأثر البدعة، وتنطلي عليك، ولا يذكر لك أساس البدعة، ومن هنا لا تربط بين الأساس والأثر، والنحو فيه مسائل كثيرة مبنية على أمور عقدية، مثال ذلك: يقول القائل: حرف (لن) يدل على النفي المؤبد، ويكرر لك هذا الأمر، ويمثل يقوله تعالى: مثلًا: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]، ويقول: هذا للنفي المؤبد، فتنطلي عليك وتستقر في نفسك، حتى إذا جاءك قول الله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، نفيت الرؤية في الدنيا والآخرة، من أين نشأ هذا القول الفاسد بنفي رؤية المؤمنين الله في الآخرة؟ نشأ هذا القول من استقرار هذه المعلومة في ذهنك: (أن لن للنفي (المؤبد) التي أخذتها من هذا المبتدع.
الأمر الرابع: أن في أخذ الناس عن المبتدع رفعًا لشأنه عندهم، ومن ثم يقبل الناس عليه فيأخذون ما لديه من غث وثمين، صحيح أنت لم تدرس عنده إلا النحو، لكنك بدراستك عنده وضعت له مكانة، فأقبل الناس عليه، فدَرَسُوا المعتقد والأصول والفقه والنحو عنده، وحينئذٍ تكون سببًا في ضلال غيرك لأخذه من هذا المبتدع. =
стр. 100
احذر (أبا الجهل) المبتدع (١)، الذي مَسَّهُ زيغ العقيدة (٢)،
= الأمر الخامس: أن ارتباطك بالمبتدع ودراستك عليه يجعل الناس ينسبونك إلى تلك البدعة التي عند هذا المعلِّم، صحيح أنت لم تدرس عنده إلا هذا العلم، لكن الناس شاهدوك عنده، وشاهدوك تتعلم منه، فحينئذ قد ينفرون منك؛ لأنهم يظنون أن البدعة التي عند الشيخ انتقلت إليك.
والبدعة أخف من الشرك، فإذا كان هذا التحذير من المبتدع، فالتحذير من أهل الشرك من باب أولى، فإذا وُجِد من يعرف النحو لكنه يصرف العبادة لغير الله، ويذهب إلى الولي فيدعوه من دون الله فهذا أولى بالهرب منه، ولا يصح أن يُجْعَل له مكانة ومنزلة.
والبدعة هي الطريقة المخترعة في الدين بأن ينسب إلى الدين ما ليس منه، وقد تكون البدعة في المعتقد وهي أشد، وقد تكون في العمل ..
(١) فقوله: "احذر أبا الجهل المبتدع" لأن المبتدع إنما نشأ ابتداعه من أمور من الجهالات؛ إما بتأخير النصوص وعدم تحكيمها، أو لكونه يتحكم في الأخذ من النصوص بما يراه، فهو ينتقي من النصوص ما يوافق بدعته، ولا يجعل اعتقاده تابعًا للنص، ثم هو أيضا ثالثًا يحرِّف دلالات النصوص لتتوافق مع بدعته، وهذا كله جهل؛ إما جهل بسيط أو جهل مركب، والجهل البسيط ألا يكون لديك معلومة لا بإثبات ولا بنفي، فعندما أسألك: هل زيد خلف الجدار؟ تقول: لا أعلم، هذا جهل بسيط، والجهل المركب أن يكون علمك مخالفًا للواقع، كما لو قلت: زيد خلف الجدار؟ فقال: نعم خلف الجدار، وهو ليس كذلك، هذا جهل مركب. والمبتدعة لا يخلون من أحد هذين الجهلين.
(٢) فقوله: "مسه زيغ العقيدة" الزيغ هو الميلان، قال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧].
стр. 101
وغشيته سحب الخرافة (١)، يُحكِّمُ الهوى ويُسَمِّيه العقلَ، ويعدل عن النص، وهل العقل إلا في النص؟! ويستمسك بالضعيف، ويبعد عن الصحيح، ويقال لهم أيضًا: (أهل الشبهات)، و (أهل الأهواء)، ولذا كان ابن المبارك رحمه الله تعالى يسمى المبتدعة: (الأصاغر) (٢).
وقال الذهبي رحمه الله تعالى: "إذا رأيت المتكلم المبتدع يقول: دعنا من الكتاب والأحاديث وهاتِ (العقل)، فاعلم أنه أبو جهل (٣)،
(١) قوله: "وغشيته سحب الخرافة"، الخرافة هي الكلام المتخيل غير الواقع، ومنه الأدلة غير الصحيحة، ويقولون أن منشأ الخرافة رجل بهذا الاسم، كان يحدث أن الجن أخذوه، ووقع بينه وبينهم ما وقع من حوادث ووقائع، فكان يروي أحوالهم ووقائعهم، فسمي كل كلام غير مقبول بهذا الاسم، يقال: حديث خرافة.
(٢) قوله: "يحكم الهوى … "، يعني يُقدِّم ما ترغبُه نفسه، أو ما يراه بعقله، ويُسمي هذا الهوى الذي في قلبه العقل، وهو ليس من العقل في شيء، ويعدل عن النص، والعقلُ في النص، من جاء بكلام يقول بأنه مقتضى العقل يخالف النص، فإن كلامه جهل وليس بعقل، ولذلك صاحب الهوى إذا ورد عليه الدليل الضعيف الذي يوافق هواه أخذ به، وإذا ورد عليه الدليل القوي الذي يخالف هواه تركه وأوَّله وحرَّفه، وهؤلاء يقال لهم أهل الشبهات؛ لأن الشياطين ألقوا في قلوبهم شبهات ظنوها معقولات، فجعلتهم يتركون النصوص من أجلها، وأهل السنة يسمّون هؤلاء: أهل الأهواء؛ لأنهم يقدمون هواهم على مدلول النصوص، ولذلك كان ابن المبارك يُسمِّيهم (الأصاغر).
(٣) قوله: "وقال الذهبي: إذا رأيت المتكلم المبتدع يقول: دعنا من الكتاب والأحاديث … "، ذكر أن الناس منهم من يقول: الحجة في المطالب العقدية العقل،=
стр. 102
وإذا رأيت السالك التوحيدي يقول: دعنا من النقل ومن العقل، وهات الذوق والوجد، فاعلم أنه إبليس قد ظهر بصورة بشر، أو قد حَلَّ فيه، إن جبنت (جبنت يعني ضعفت، وخفت) منه فاهرب، وإلا فاصْرَعْهُ، وابرك على صدره واقرأ عليه آية الكرسي واخنقه" (١) [¬١] ا. هـ.
= ويقصد ما يراه بعقل نفسه، فهذا مبتدع، وليقولن قائل: كيف تردون دلالة العقل، فنقول له: لأننا لا نرد دلالة العقل الصحيحة، وإنما المخالف يريد أن يجعل قناعاته هي العقل، بينما عقله يمكن أن يكون فيه شبهة أوْرَدَتْهُ للخطأ في المعتقد، ويمكن أن تكون الشياطين ألقت في عقله وساوس جعلته يبتعد عن الحق، ويمكن أن يكون قد خفي عليه بعض وجه الحق الخفاء دليله، فظن أن ما لديه هو العقل.
* قوله: "وإذا رأيت السالك التوحيدي يقول: دعنا من النقل والعقل .. " مثل ذلك ما إذا جاءك أهل التصوف، وقالوا نسير على الذوق والوجد والإلهام، وما يلقيه الله في قلوبنا، فهؤلاء أيضًا مبتدعة؛ لأن الشياطين تُلْقِي في قلوبهم وساوس يظنونها إلهامًا، وقد يأتيهم الشيطان، ويقول: أنا ملك، فيأخذون منه، وحينئذٍ احذر من عدوك الشيطان؛ لأنه قد يلقي في قلبك وفي عقلك وساوس تظنها أدلة عقلية ويقينية، وما هي إلا جهالات، ومن هنا ينبغي أن تتخذ الأسباب التي تجعلك لا تستجيب لوساوس الشيطان؛ ومن ذلك: أن تكثر من قراءة القرآن، وأن تكثر من التهليل، وأن تكثر من ذكر الله؛ لئلا يلقي الشيطان في قلبك هذه الشبهات فتكون من المبتدعين.
стр. 103
وقال أيضًا رحمه الله تعالى: "وقرأت بخط الشيخ الموفق قال: سمعنا درسه - أي ابن أبي عصرون - مع أخي أبي عمر وانقطعنا، فسمعت أخي يقول: دخلت عليه بعد فقال: لِمَ انقطعتم عني؟ قلت: إن أناسًا يقولون: إنك أشعري، فقال والله ما أنا أشعري. هذا معنى الحكاية" (١) [¬١].
وعن مالك رحمه الله تعالى قال: "لا يؤخذ العلم عن أربعة: سفيه يعلن السفه وإن كان أروى الناس، وصاحب بدعة يدعو إلى هواه، ومن يكذب في حديث الناس، وإن كنت لا أتهمه في الحديث، وصالح عابد فاضل إذا كان لا يحفظ ما يحدث به" (٢) [¬٢].
(١) قوله: "وقال أيضًا: وقرأت بخط الشيخ الموفق .. " ذكر المؤلف حادثة الموفق مع أخيه أبي عمر والد صاحب الشرح الكبير، وذكر أنهم قابلوا شيخهم بعد انقطاع، فقال لهم: لِمَ انقطعتم عني؟ قالوا: قد قيل إنك أشعري، فلما قيل لهم إنه أشعري تركوه ودرسه.
(٢) قوله: "وعن مالك رحمه الله تعالى قال: .. "، الإمام مالك يقول: أربعة لا يؤخذ العلم عنهم: أولهم: سفيه، وهو الذي يتصرف بتصرفات غير محسوبة النتائج، ولا يفكر في عواقب تصرفاته، وإن كان أروى الناس. وكذلك لا يؤخذ العلم عن صاحب بدعة يدعو إلى هواه؛ إذ قد يلتصق بنفسك ما عنده من بدعة. وكذلك لا يؤخذ العلم من الكذاب الذي يكذب في حديث الناس، وإن كان لا يكذب في الحديث النبوي أو في العلم، لأن من تجرأ على الكذب على الناس فإنه قد يتجرأ على الكذب في الأحكام الشرعية. وكذلك من كان سيء الحفظ فإنه لا يؤخذ منه، ولو كان عابدًا فاضلًا صالحًا.
стр. 104
فيا أيها الطالب إذا كنت في السعة والاختيار؛ فلا تأخذ عن مبتدع: رافضي، أو خارجي، أو مرجئ، أو قدري، أو قُبُوري .. وهكذا، فإنك لن تبلغ مبلغ الرجال - صحيح العقد في الدين متين الاتصال بالله، صحيح النظر، تقفو الأثر - إلا بهجر المبتدعة وبدعهم (١).
وكتب السير والاعتصام بالسنة حافلة بإجهاز أهل السنة على البدعة، ومنابذة المبتدعة، والابتعاد عنهم، كما يبتعد السليم عن الأجرب المريض، ولهم قصص وواقعات يطول شرحها، لكن يطيب لي الإشارة إلى رؤوس المقيدات فيها.
فقد كان السلف رحمهم الله تعالى يحتسبون الاستخفاف بهم، وتحقيرهم ورفض المبتدع، وبدعته، ويحذرون من مخالطتهم، ومشاورتهم، ومؤاكلتهم، فلا تتوارى نار سني ومبتدع.
وكان من السلف من لا يصلي على جنازة مبتدع، فينصرف، وقد شوهد من العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى (م سنة ١٣٨٩ هـ) انصرافه عن الصلاة على مبتدع (٢).
(١) قوله: "فيا أيها الطالب .. ". قال المؤلف: طلبة العلم على صنفين:
الصنف الأول: من كان يختار مشايخه فهذا يُوصَى بأن لا يأخذ العلم عن مبتدع، واستند المؤلف في هذا إلى كلام الأئمة في التحذير من المبتدعة، والتحذير من الاقتراب منهم، والتوجيه بمنابذتهم، والابتعاد عنهم، وكان السلف يحتسبون تحقير أهل البدع، ويحذرون من مخالطتهم ومؤاكلتهم.
(٢) قوله: "وكان من السلف من لا يصلي على جنازة مبتدع"، ذكر أن الشيخ محمد بن إبراهيم ترك الصلاة على مبتدع، والصلاة على أصحاب الكبائر والذنوب والبدع يُشْرَع =
стр. 105
وكان من السلف من ينهى عن الصلاة خلفهم، وينهى عن حكاية بدعهم؛ لأن القلوب ضعيفة، والشبه خطَّافة.
وكان سهل بن عبد الله التستري لا يرى إباحة الأكل من الميتة للمبتدع عند الاضطرار؛ لأنه باغ، لقول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ﴾ [البقرة: ١٧٣]، فهو باغ ببدعته (١) [¬١].
وكانوا يطردونهم من مجالسهم، كما في قصة الإمام مالك رحمه الله تعالى مع من سأله عن كيفية الاستواء، وفيه بعد جوابه المشهور: "أظنك صاحب بدعة"، وأمر به فأُخْرِجَ (٢) [¬٢].
وأخبار السلف متكاثرة في النفرة من المبتدعة وهجرهم،
= أن يتركها أهل الفضل والمكانة، من أجل أن يحذر الناس مما لدى هؤلاء من المعاصي والبدع، فقد ترك النبي ﷺ الصلاة على قاتل نفسه، وعلى الغال، وعلى من عليه دين، وأذن لأصحابه بأن يصلوا عليه، من أجل أن يحذر الناس من فعل هؤلاء.
(١) قوله: "وكان سهل بن عبد الله"، ذكر المؤلف رأي سهل بن عبد الله في أكل المضطر المبتدع من الميتة، وهذا اجتهاد منه ﵀، وقد لا يوافقه غيره في هذا.
(٢) قوله: "وكانوا يطردونهم من مجالسهم .. "، وقد أمر الإمام مالك بإخراج من سأل عن كيفية الاستواء.
стр. 106
حذرًا من شرهم، وتحجيمًا لانتشار بدعهم، وكسرًا لنفوسهم حتى تضعف عن نشر البدع، ولأن في معاشرة السني للمبتدع تزكية له لدى المبتدئ والعامي، والعامي: مشتق من العمى، فهو بيد من يقوده غالبًا (١).
ونرى في كتب المصطلح، وآداب الطالب، وأحكام الجرح والتعديل: الأخبار في هذا.
فيا أيها الطالب، كن سلفيًا على الجادة، واحذر المبتدعة أن يفتنوك، فإنهم يوظفون للاقتناص والمخاتلة سبلًا (٢) يفتعلون تعبيدها بالكلام المعسول - وهو (عسل) مقلوب - (٣) وهطول الدمعة، وحسن البزة،
(١) قوله: "حذرًا من شرهم": أي: الفائدة من هجر أهل البدع هي:
أولًا: لئلا يقع في نفسك شيء من بدعهم، بدون أن تشعر.
وثانيًا: تحجيم لانتشار بدعهم؛ لأن الناس إذا رفعوا شأن المبتدع بدءوا يأخذون منه في بقية العلوم، فانتشرت البدع التي لديهم.
ثالثًا: كسر لنفوسهم، بحيث لا يصبح لهم مكانة ولا منزلة، فمن ثم لا يتمكنون من نشر البدع.
ورابعًا: هرب من تزكية المبتدعة خصوصًا عند المبتدئين.
(٢) قوله: "كن سلفيًّا على الجادة، واحذر المبتدعة أن يفتنوك؛ فإنهم يوظفون بالاقتناص والمخاتلة سبلًا"، فالمبتدعة يريدون أخذ طلاب العلم، وإبعادهم عن طريق السلف، وبالتالي قد تجد عندهم كلامًا طيبًا لينًا سهلًا؛ من أجل اقتناص الطلاب.
(٣) قوله: "وهو عسل مقلوب"، يعني لَسْع كلامه عسل في الظاهر، لكن في حقيقته مقلوب عسل، يعني لسع، وقد يظهرون لك هطول الدمعة وحسن الثياب والإغراء بالكلام البلاغي، وقد ينقلون روايات عن الكرامات ونحو ذلك، فلا تغتر بهؤلاء.
стр. 107
والإغراء بالخيالات، والإدهاش بالكرامات، ولحس الأيدي، وتقبيل الأكتاف، وما وراء ذلك إلا وحم البدعة ورهج الفتنة، يغرسها في فؤادك، ويعتملك في شراكه، فوالله لا يصلح الأعمى لقيادة العميان وإرشادهم.
أما الأخذ عن علماء السنة، فالعق العسل ولا تَسَل (١).
وفقك الله لرشدك، لتنهل من ميراث النبوة صافيًا، وإلا فليبك على الدين من كان باكيًا.
وما ذكرته لك هو في حالة السَّعة، والاختيار، أما إن كنت في دراسة نظامية لا خيار لك، فاحذر منه مع الاستعاذة من شرِّه باليقظة من دسائسه على حد قولهم: "اجْنِ الثمار وأَلْقِ الخَشَبَةَ في النار"، ولا تتخاذل عن الطلب، فأخشى أن يكون هذا من التولي يوم الزحف، فما عليك إلا أن تتبين أمره، وتتقي شره، وتكشف ستره (٢).
(١) قوله: "أما الأخذ عن علماء السنة فالعق العسل ولا تَسَلْ"، لأن عندهم ميراث النبوة قد أخذوه، وعندهم السنة والتوحيد.
(٢) قوله: "وما ذكرته لك هو في حالة السعة والاختيار": أي ما سبق في القسم الأول: وهو من يختار شيوخه.
القسم الثاني: من كان في دراسة نظامية، وبالتالي يُلْزَم بأن يدرس على هذا المبتدع، فحينئذ يدرس الإنسان عليه وينتقي معلوماته، ويقارنها، ويتيقظ من دسائسه، ولا يقول الإنسان: سأتوقف عن التعلم من أجل هذا المبتدع، والمؤلف يخشى أن يكون هذا من التولي يوم الزحف.
стр. 108
ومن النتف الطريفة أن أبا عبد الرحمن المقرئ حدث عن مرجئ، فقيل له: لِمَ تحدث عن مُرْجئٍ؟ فقال: "أبيعكم اللحم بالعظام" (١).
فالمقرئ رحمه الله تعالى حدث بلا غرر ولا جهالة؛ إذ بين فقال: "وكان مرجئًا".
وما سطرته لك هنا هو من قواعد معتقدك، عقيدة أهل السنة والجماعة، ومنه ما في "العقيدة السلفية" لشيخ الإسلام أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (م سنة ٤٤٦ هـ)، قال رحمه الله تعالى: "ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين، ولا يناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالأذان وقرت في القلوب ضرَّت وجرَّت إليها من الوساوس والخطرات الفاسدة ما جرَّت، وفيه أنزل الله قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] " (٢) ا. هـ.
وعن سليمان بن يسار: (أن رجلًا يقال له: صبيغ قدم المدينة، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر ﵁، وقد أعد له عراجين
(١) قوله: "ولم تحدث عن المرجئي؟ "، أي ما يتعلق بالحديث عن المرجئ، قيل لأبي عبد الرحمن المقرئ: "لِمَ تحدث عن المرجئ؟ قال: أبيعكم اللحم بالعظام"، يعني أترك اللحم الذي تستفيدون منه، ثم أحدثكم بالعظام، أي أنني أوضح حاله وأكشف بدعته.
(٢) قوله: "ويبغضون أهل البدع .. "، ذكر المؤلف نقلًا عن الصابوني فيما يتعلق بمعتقد أهل السنة والجماعة في مثل هذا، وجماعة من الصحابة والتابعين.
стр. 109
النخل، فقال: من أنت؟ قال أنا عبد الله صبيغ، فأخذ عرجونًا من تلك العراجين، فضربه حتى دمي رأسه، ثم تركه حتى برأ، ثم عاد، ثم تركه حتى برأ، فدعي به ليعود، فقال: إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلًا جميلًا، فأذن له إلى أرضه، وكتب إلى أبي موسى الأشعري باليمن: لا يجالسه أحد من المسلمين) [¬١].
وقيل: كان متهمًا برأي الخوارج.
والنووي رحمه الله تعالى قال في كتب "الأذكار": "باب: التبري من أهل البدع والمعاصي" [¬٢].
وذكر حديث أبي موسى ﵁: (أن رسول الله ﷺ برئ من الصَّالِقَة، والحالِقة، والشَّاقَّة) [¬٣]، متفق عليه، وعن ابن عمر براءته من القدرية، رواه مسلم.
والأمر في هجر المبتدع ينبني على مراعاة المصالح وتكثيرها، ودفع المفاسد وتقليلها، وعلى هذا تتنزل المشروعية من عدمها، كما حرَّرَه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مواضع.
والمبتدعة إنما يكثرون ويظهرون إذا قلَّ العلم، وفشا الجهل (١)،
(١) قوله: "والمبتدعة إنما يكثرون ويظهرون إذا قلَّ العلم وفشا الجهل"، فلذلك علينا أن نحتسب الأجر في بث العلم، وتعليم الناس من أجل أن ننفي هذه البدع.
стр. 110
وفيهم يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فإن هذا الصنف يكثرون ويظهرون إذا كثرت الجاهلية وأهلها، ولم يكن هناك من أهل العلم بالنبوة والمتابعة لها من يظهر أنوارها الماحية لظلمة الضلال، ويكشف ما في خلافها من الإفك والشرك والمحال" (١). ا. هـ.
فإذا اشتد ساعدك في العلم فاقمع المبتدع وبدعته بلسان الحجة والبيان، والسَّلامُ (٢).
(١) قوله: "يقول شيخ الإسلام (فإن هذا الصنف - يعني أهل البدع - يكثُرُون ويظهرون إذا كثرت الجاهلية وأهلها، ولم يكن هناك من أهل العلم بالنبوة والمتابعة لها من يظهر أنوارها الماحية لظلمة الضلال، فيكشف ما في خلافها من الإفك والشرك والمحال) "ا. هـ.
(٢) قوله: "في إذا اشتد ساعدك في العلم"، أي: إذا استفدت العلم فقم بقمع البدع، وبيان مخالفتها للشرع، وإذا أمكن ألا تقيم للمبتدع وزنًا بعدم ذكر اسمه فهو أولى وأحسن؛ لأن ذكر الموحِّد للمبتدع يرفع من شأنه هل تعرفون حفص الفرد؟ هل تعرفون بشرًا المريسي؟ هؤلاء مبتدعة، ذكر الأئمة أسماءهم فعُرِفت واشتهرت، حتى لو بحثت عن ترجمة هؤلاء فإنك لا تجد لهم ترجمة، هناك مبتدعة كثر لم يلتفت إليهم، ولم يتكلم الأئمة بأسمائهم، فلم يكن لهم ذكر ولا تاريخ، ولذلك إذا كان المبتدع يمكن إهماله وعدم ذكر اسمه فهو أولى، نأخذ ما لديه من البدع، فنكشفها ونبين زيفها، ونبين المعتقد الصحيح في مثل ذلك، وبذلك نكون قد رددنا الهدف الذي يقصده، وكم من شخص يتكلم بالبدعة من أجل أن يشتهر ويُعْرَف، فعامله بنقيض قصده، بإهماله وعدم ذكر اسمه.