← Тафсир

Тафсир · id 30623

الأمالي الشارحة لمفردات الفاتحة

الرافعي

Полный текст (469 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ولم يُخَرِّجِ البخاري من روايته شيئًا، وروى الحديث أو بعضه عن أبي أمامة: لقمان بن عامر، وعن عكرمة: أبو الوليد الطيالسي، وروي عن شداد عن عمرو من غير توسيط أبي أمامة. وعمرو: هو ابن عَبَسَة بن عامر بن خالد بن غاضرة بن عتاب أبو نجيح السلمي، من السابقين الأولين من أصحاب رسول الله ﷺ كان يقال له: ربع الإسلام، لأنه رابع من أسلم، نزل الشام. روى عنه: أبو أمامة الباهلي، ومعدان بن أبي طلحة، وعدي بن أرطاة. وفي الحديث بيان بعض حاله (١). وأبو أمامة: هو صُدَيُّ بْنُ عَجْلَانَ بن وهب بن عمرو بن عامر الباهلي، من الصحابة المشهورين. روى عنه: خالد بن معدان، وأبو سلام مَمْطُورٌ، وشداد. سكن مصر ومات بالشام سنة ست وثمانين، وهو ابن إحدى وتسعين (٢). وشداد بن عبد الله: أبو عمار القرشي الأموي الدمشقي مولى معاوية بن أبي سفيان. سمع: وَاثِلَةَ بن الأَسْقَعِ، وعبد الله بن فَرُّوخَ. روى عنه: الأوزاعي، وعكرمة بن عمار (٣). يحيى بن أبي كثير: أبو نصر اليماني الطائي من أهل البصرة، سكن اليمامة،

стр. 107

ويقال: إن اسم أبي كثير صالح بن المتوكل. رأى أنسًا، وسمع: أبا قِلابة، وأبا سلمة بن عبد الرحمن. روى عنه: حُسَيْنُ الْمُعَلِّمُ، وهشام الدَّسْتُوَائِيُّ، وأيوب. مات سنة تسع وعشرين ومائة، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين (١). وعكرمة بن عمار أبو عمار العجلي اليامي. سمع: أبا زُمَيْلٍ سِماكًا، وإياس بن سلمة، وسالم بن عبد الله، ويحيى بن أبي كثير. روى عنه: مصعب بن المقدام، وعبد الرحمن بن مهدي، وابن المبارك، وزيد بن الحباب، ونصر بن محمد (٢). والنَّضْرُ: هو أبو محمد بن محمد بن موسي الجرشي اليمامي. سمع: صخر بن جويرية. وروى عنه: شجاع بن الوليد، وعباس العنبري، وأحمد بن يوسف السلمي (٣). وأحمد بن جعفر: هو المَعْقِري ويقال: الْمعقَري. سمع: نضر بن محمد. وروي عنه: مسلم وهو من أفراده، وكذلك عكرمة، وشداد (٤). وأبو الحسين: هو الإمام المشهور مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري

стр. 108

النيسابوري صاحب "الصحيح". سمع: أحمد بن حنبل، وعبيد الله القواريري، وغير واحدٍ. وله سوى "المسند الصحيح": "المسند الكبير" على الرجال، و "الجامع الكبير" على الأبواب، وكتاب "الأسماء والكني" ومصنفات كثيرة، وكان يقول العلماء في عصره من أقرانه وممن هو أكبر منه: لن نعدم الخير ما أبقى الله أبا الحسين للمسلمين. توفي سنة إحدى وستين ومائتين (١). وأبو إسحاق: هو إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه النيسابوري. كان من العُبَّادِ المجتهدين، يقال: كان مجاب الدعوة. لازم مُسْلِمًا، وسمع أيضًا: محمد بن رافع، ومحمد بن مقاتل، ومحمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ. توفي سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة (٢). ومحمد بن عيسي: هو أبو أحمد بن عيسي بن محمد بن عبد الرحمن، الصوفي الزاهد ويشتهر بِالْجُلُودِيِّ بضمِّ الجيم، ومنهم من فتح الجيم ولا اعتماد عليه. صحب أبا حفص والمشايخ وكان يورق ويأكل من كسب يده، وكان ينتحل مذهب سفيان الثوري. سمع: عبد الله بن شيرويه، وابن خزيمة، وغيرهما.

стр. 109

روى عنه: الحاكم أبو عبد الله. توفي سنة ثمان وستين وثلاثمائة (١). وعبد الغافر: هو أبو الحسين عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر بن أحمد بن محمد بن سعيد الفارسي. من أهلِ الحديثِ والعلمِ، وكانَ قليلَ السَّماعِ، لكنَّ اللَّه تعالى بارك في سماعه وروايته، وصار راوية "صحيح مسلم" و "غريب الخطابي". سمع: بِشْرَ بن أحمد الإسفراييني، وأبا العباس الْمِيكَالِيَّ، وأبا عمرو بن حَمْدَانَ. توفي سنة ثمان وأربعين وأربعمائة في شوالها (٢). ومحمد بن الفضل: هو أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد الصاعدي الْفُرَاوِيُّ. فقيهٌ مناظرٌ محدثٌ واعظٌ، رُزِقَ السماعات والإجازات العالية، وأدرك الأئمة الكبار كَالصَّابُونِيِّ والبيهقي والأستاذ أبي القاسم، ولازم درس إمام الحرمين أبي المعالي ما عاش، ويقال: إن الإمام لما حضر الموت سئل عمن يراجَع من أصحابه في المشكلات فأشار إلى الْفُرَاوِيِّ. ولد سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، وتوفي سنة ثلاثين وخمسمائة في شوالها (٣). وشيخي ﵀: هو أحمد بن إسماعيل بن يوسف بن محمد بن العباس الطَّالْقَانِيُّ ثُمَّ الْقَزْوِينِيُّ أبو الخير.

стр. 110

إمامٌ كثيرٌ الخيرِ، موفر الحظ من علوم الشرع حفظًا وجمعًا ونشرًا بالتعليم والتذكير والتصنيف، وكان لا يزال لسانه رطبًا من ذكر الله تعالى ومن تلاوة القرآن، وربما قرئ عليه الحديث وهو يصلي ويصغي إلى القارئ وينبهه إذا زَلَّ، واجتمع له مع ذلك القبول التام عند الخواص والعوام، والصيت المنتشر، والجاه والرفعة، وتولى تدريس النظامية ببغداد مدة، محترمًا في حريم الخلافة مرجوعًا إليه، ثم آثر العود إلى الوطن واغتنم الناس رجوعه إليهم واستفادتهم من علمه، وتبركوا بأيامه. وسمع الكثير من الْفُرَاوِيِّ، وزاهر، وفهرست مسموعاته متداول، ومما سمع من الْفُرَاوِيِّ بقراءة تاج الإسلام أبي سعد السمعاني، ومن خطة نقلت سماعه: "دلائل النبوة" وكتاب "البعث والنشور" وكتاب "الأسماء والصفات" وكتاب "الاعتقاد" للبيهقي، وبقراءة الحافظ عبد الرزاق الطَّبَسِيِّ: "التفسير الوجيز" للواحِدِيِّ، وبقراءة الحافظ أبي القاسم الدمشقي "جزء من حديث يحيي بن يحيى" وغيره، وذلك في سنتي تسع وعشرين وثلاثين وخمسمائة. وكان يعقد المجلس للعامة في الأسبوع ثلاث مرات: إحداها: صبيحة يوم الجمعة فتكلم على عادته يوم الجمعة الثاني عشر من المحرم سنة تسعين وخمسمائة في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُو﴾ (١) وذكر أنَّها من أواخر ما نزل من القرآن، وعدَّ الآيات المنزلة أجزاء منها: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٢)، ومنها سورة النصر، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى

стр. 111

اللَّهِ﴾ (١). وَذُكِرَ أنَّ رسول الله ﷺ ما عاش بعد نزول هذه الآية إلا سبعة أيام. ولما نزل من المنبرِ حُمَّ وانتقل إلى جوار رحمة الله تعالى في الجمعة الأخرى، ولم يعش بعد ذلك المجلس إلَّا سبعة أيام، وهذا من عجيب الاتفاقات، وكأنه أُعْلِمَ بالحال، وبأنه حان وقت الارتحال، ودُفن يوم السبت، ولقد خرجت من الدار بكرة ذلك اليوم على قصد التعزية، وأنا في شأنه متفكرٌ، وما أصاب متكسرٌ؛ إذ وقع في خلدي من غير نيةٍ وفكرٍ ورويةٍ: [كامل] بَكَتِ الْعُلُومُ بِوَيْلِهَا وَعَوِيلِهَا … لِوَفَاةِ أَحْمَدِهَا بْنِ إِسْمَاعِيلِهَا كأنَّ أحدًا يكلمني بذلك ثم أضفت إليه حينئذٍ بالروية أبياتًا ذهبت عنِّي. وكانت ولادته سنة اثنتي عشرة وخمسمائة وهو ﵀ خال والدتي وأبوها من الرضاع (٢). الفصل الثاني قوله: "أَظُنُّ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَلَالَةٍ" يجوز أن يحمل على المشهور بمعنى الظن ويجوز أن يحمل على اليقين، وقد يرد الظن بمعنى اليقين كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ (٣). وقوله: "يُخْبِرُ أَخْبَارًا" يعني أخبارًا تناسب ما ظننته من ضلالة عُبَّادِ الأوثان، فارتحلت إليه لأبحث عما عنده.

стр. 112

وقوله: "فإذا رَسُولُ الله ﷺ مُسْتَخْفِيًا" أي: صادفته أو ما أشبه ذلك، وَالْمُسْتَخْفِي: المُتَوَارِي، وَالاخْتِفَاءُ: الإِخْرَاجُ. وقوله: "جُرَآءُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ" أي: غالبون متسلطون غير هائبين له، جمع جَرِيءٍ وهو الْجَسُورُ. وقوله: "إِنِّي مُتَّبِعُكَ" أي مصاحب وملازم لك، وليس المراد الاتباع إيمانًا، ولو أراد ذلك لما أَخَّرَهُ ولما قال: "لا تَسْتَطِيعُ ذلك يَوْمَكَ هَذَا". وقوله: "قَدْ ظَهَرْتُ" يجوز أن يُحْمَلَ على البروز؛ لأن قد سبق ذكر الاستخفاء، ويجوز أن يحمل على الغلبة والعلو يقال: ظَهَرَ على الرجل أي: غلبه، وظَهَرَ على السطح أي: علاه وظهره أيضًا. وقوله: "أَتَحَيَّنُ الأَخْبَارَ" أي: أرقب حينها، يقال: تَحَيَّنَ طعامه أي: وقت أكله. وقوله: "مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ" يمكن أن يُجْعَلَ قوله: "من أهل الْمَدِينَةِ" بدلًا وتفسيرًا لأهل يثرب، ويمكن أن يقدر أن لسانه سبق إلى لفظ يثرب ثم أعرض عنه لما روي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ غير الاسم لما فيه من التَّثْرِيبِ وسماها (طابةً) (١) فتداركهـ باللفظة الأخرى (٢). وقوله: "ثُمَّ أَقْصِرْ عن الصَّلَاةِ" أي: أَمْسِكْ، يقال: أَقْصِرْ عن الشيء أي: كُفَّ، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ (٣) والمقصود الصلاة التي تكره في أوقات الكراهة لا كل صلاة على ما هو مبينٌ في المذهب.

стр. 113

وقوله: "حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ" أي: عند الطلوع إلى الارتفاع وهذا أحد أوقات الكراهة، وفي بعض الروايات وتنسب إلى الْجُلُودِيِّ: "حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ" وهو صحيح المعنى أيضًا أي: أقصر بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس بل حتى ترتفع، ويشتمل ذلك وقتين من أوقات الكراهة. وقوله: "بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ" قيل: قَرَنَاهُ: نَاحِيتَا رَأْسِهِ، ويذكر أنه يدني رأسه حينئذٍ من الشمس ليكون الساجد لها ساجدًا له، وقيل: الْقَرْنُ: الْقُوَّةُ، أي: تطلع حين يقوي الشيطان ويتسلط، وذلك لنفوذ وسوسته وإغوائه عابديها. وقوله: "مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ" أي: تحضرها الملائكة ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (١). وقوله: "حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ" أي: حتى يتراجع الظل ويتناهي نقصانه ويقل. وقوله: "تُسْجَّرُ جَهَنَّمُ" الأغلب في اللفظ التشديد، ويروى "تُسْجَرُ" بالتخفيف، يقال: سَجَرَ التَّنُّور يَسْجُرُهُ أي: أحماه، وكأن التشديد للتكثير، ويقال: المعنى أنها تملأ نارًا كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ (٢): ملئت. وقوله: "فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ" أي: أقبل من جهة المغرب إلى المشرق وتحول إليه. والْوَضُوءُ بفتح الواو: الماءُ الذي يتوضأ به. وقوه: "فَيَنْتَثِرُ" يقال: نَثَرَ وانْتَثَرَ واسْتَنْثَرَ إذا حرك النَّثْرَة وهي طرف الأنف؛

стр. 114

وذلك لاستخراج ما فيه، وفي اللفظ دليل على أن الاستنثار غير الاستنشاق خلافًا لقول من فَسَّر الاستنثار بالاستنشاق. وقوله: "إِلَّا خَرَّتْ" أي: سقطت فذهبت، ويروي "جَرَتْ" بالجيم وتخفيف الراء أي: جرت مع الماء، وجاء في غير هذا الحديث: "خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مَعَ المَاءِ". وقول أبي أمامة لعمرو: "انْظُرْ مَا تَقُولُ" ليس على وجه الاتهام لكنه توكيد واستثبات منه. وَقَدِ اشْتَمَلَ الْحَدِيثُ على ثَلَاثِ جُمَلٍ: إحداها: بيان ابتداء شأن الرسول ﷺ . والثانية: بيان أوقات الكراهة. والثالثة: بيان الوضوء وثوابه. وأورده الحافظ أبو نعيم الحداد في "الجمع بين الصحيحين" كذلك مفرقًا في الأبواب الثلاثة. الفصل الثالث كان عمرو بن عَبَسَةَ ﵁ قد آمن أولًا، فلما انتهى إلى حضرة النبوة ثانيًا سأل عن الصلاة؛ لأنَّ الصلاة تلو الإيمان، ولم يسأل بقوله: "أَخْبِرْنِي عَنِ الصَّلَاةِ" عن كيفيتها ولو سأل عنها لم يكن الجواب مطابقًا، فكأنه كان قد بلغته الكيفية وعرف أن الصلاة خير موضوع فمن شاء استقلَّ منه ومن شاء استكثر، فأراد أن يعرف وقت فعلها فقال: "أَخْبِرْنِي عَنِ الصَّلَاةِ" أي: عن شأنها فيما يرجع إلى وقت الفعل والترك، والجواب يشمل الأوقات الخمسة المكروهة على رواية من روي: "حَتَّي تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ" ثم سأل بعد الصلاة عن الوضوء، وإن كان الوضوء

стр. 115

وسيلة إلى الصلاة؛ لأنَّ المقصود هو الذي يخطر أولًا ثم يقع النظر في المقدمات والوسائل، ولذلك قيل: أول الفكر آخر العمل. والحديث يَدُلُّ على أن الوضوء في نفسه عبادة يُثَابُ عَلَيْهَا، وأنه لِلذَّنْبِ مُكَفِّرٌ كما أنه لِلْحَدَثِ مُطَهِّرٌ، وإذا وُصِلَ به الصلاة زَادَ الثَّوَابُ وَالدَّرَجَاتُ. أنبا والدي سَمَاعًا وَإِجَازَةً، أنبا سَعْدُ الخير، أنبا أبو بكر التَّمَّارُ، أنبا أبو الْقَاسِمِ السِّمْسَارُ، أنبا حمزه الدِّهْقَانُ، أنبا عبد الْكَرِيمِ بن الْهَيْثَمِ، ثنا عبد الله بن جَعْفَرٍ، ثنا عُبَيْدُ الله بن عَمْرٍو، عن زَيْدِ بن أبي أُنَيْسَةَ، عن عَدِيِّ بن ثَابِتٍ، عن أبي حَازِمٍ الْأَشْجَعِيِّ، عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ تَطَهَّرَ في بيته ثُمَّ مَشَى إلى بَيْتٍ من بُيُوتِ الله لِيُؤَدِّيَ فريضة الله عليه فَخَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةُ والأخرى تَرْفَعُ دَرَجَةً" (١). وإذا وَقَعَ الوضوء كَامِلًا كما أَمَرَ الله تعالي به وَنَدَبَ إليه كَانَتِ الصلاة الْمُؤَدَّاةُ به أَبْلَغَ في جَلْبِ الْحَسَنَاتِ وَتَكْفِيرِ السِّيِّئَاتِ. قَرَأْتُ على عبد الْوَاحِدِ بن عَلِيِّ بن محمد قال: أَنَبَا محمد بن الْحَسَنِ الطُّوسِيُّ قال: أَنَبَا عبد الْوَاحِدِ بن الْفَضْلِ، أنبا محمد بن أحمد الْحَدَّادِيُّ، ثنا محمد بن عبد الْوَاحِدِ السِّمْنَانِيُّ، أنبا عُبَيْدُ الله بن محمد، ثَنَا أبو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، ثنا عَلِيُّ بن الجَعْدِ، ثنا شُعْبَةُ، عن جَامِعِ بن شَدَّادٍ قال: سَمِعْتُ حُمْرَانَ يُحَدِّثُ أبا بُرْدَةَ في مسجد الْبَصْرَةِ وأنا قَائِمٌ معه، أنه سَمِعَ عُثْمَانَ بن عفان ﵁ يُحَدِّثُ عن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَتَمَّ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ الله تعالى فَالصَّلَوَاتُ الخَمْسُ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ" (٢).

стр. 116

وكانوا كما يَحْتَاطُونَ في الوضوء الذي هو مُقَدِّمَةُ الصلاة وَيُرَاعُونَ مَأْمُورَاتِهِ يَحْتَاطُونَ في تَحْصِيلِ الْمَاءِ الَّذي هو مُقَدِّمَةُ الْوُضُوءِ وَيَتَوَخَّوْنَ الإِخْلَاصَ وَالاجْتِهَادَ فِيهِ. قَرَأْتُ على عَلِيِّ بن عبيد الله قال: أنبا محمد بن عبد العزيز الزَّعْفَرَانِيُّ إِجَازَةً قال: أنبا الْقَاضِي أبو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بن عَلِيٍّ الصَّفَّارُ، ثنا أبو عبد الله الْحُسَيْنُ بن جَعْفَرٍ الْجِرْجَانِيُّ قال: ثنا أبو بكر أحمد بن محمد الْحَدَّادُ بِتِنِّيسَ وَمُسْلِمُ بن الْفَضْلِ الآدَمِيُّ بِمِصْرَ قالا: ثنا محمد بن عُثْمَانَ قال: ثنا عبد الله بن عُمَرَ بن أَبَانَ قال: ثنا النَّضْرُ بن مَنْصُورٍ، عن أبي الْجَنُوبِ (١) قال: رأيت عَلِيًّا ﵁ يَسْتَسْقِي الْمَاءَ لِطُهُورِهِ فَبَادَرْتُ أَسْتَسْقِي له فقال: مَهْ يا أبا الْجَنُوبِ فإني رَأَيْتُ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ ﵁ يَسْتَسْقِي الماء للوضوء فَبَادَرْتُ أَسْتَسْقِي له فقال: مَهْ يا أبا الْحَسَنِ فإني رَأَيْتُ رسول الله ﷺ يَسْتَسْقِي الْمَاءَ لَوُضُوئِهِ فَبَادَرْتُ أَسْتَسْقِي له فقال: "مَهْ يا عُمَر أو يا ابن الخَطَّابِ فَإِنِّي لا أُرِيدُ أن يُعِينَنِي على صَلَاتِي أَحَدٌ" (٢).

стр. 117

وقوله: "وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ" كلمةٌ سهلةٌ في المعتاد ومعناه صعبُ المنالِ، وتفريغ القلب لله تعالى هو إحضاره الذي هو سِرُّ الصلاة وتصفية الوقت والإخلاص الذي هو روح العبادات، ويروي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إِنَّ الْعَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ وَلَا يُكْتَبُ لَهُ سُدْسُهَا وَلَا عُشْرُهَا، وَإِنَّمَا يُكْتَبُ لِلْعَبْدِ مِنْ صَلَاتِهِ مَا عَقَلَ مِنْهَا" (١). وما لَمْ يفرغ القلب لله تعالى لا يتمكن فيه تعظيم الله تعالى، والالتذاذ بذكره، واتباع أمره، ولا يمتلئ من رجائه وخوفه فما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، وقال قائلهم: [طويل] أَتَانِي هَوَاهَا قَبْلَ أَنْ أَعْرِفَ الْهَوَى … فَصَادَفَ قَلْبًا فَارِغًا فَتَمَكَّنَا والمقصود من التفريغ مِمَّا سواه أن يمتلئَ بِهِ. ذُكر أنَّ الله تعالى أوحي إلى موسي ﵇: "فرغ لي (بيتًا) (٢) أسكنه" وأراد به قلبه.

стр. 118

وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ (١) فارغًا إلَّا من ذكر موسي كأنَّه لامتلائه بذكره لم يسع غيره. واللَّام الدَّاخلة في قوله: "لِلَّهِ" قد تكون بمعنى الملك والاستحقاق كقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ (٢)، وقول الواحد مِنَّا: الحمد لله، وقد تكون لام العلة كقول المصلي: أُصلي لله أي: لأمره أو طلبًا لرضاه. ويمكن تنزيل قوله: "وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لله" على الوجهين أما على الأول فالمعنى أنه فَرَّغَهُ ليصير لله أو جعله خالصًا لله، وأما على الثاني فالمعنى أنه فرغه لأمر الله تعالى بذلك وطلب به رضاه ورحمته، وعلى المصلي الاجتهاد في دفع الشواغل ما أمكنه، فإن لم يتيسر التفريغ في جميع الصلاة فلا ينبغي أن تخلو عنه جميع الصلاة، وحقٌّ على مَنْ عرف مِنْ ربه أن بيده الخير وله الخلق والأمر لا غير أن يفزع إليه في الحاجات ويفرغ له القلب في المناجاة ولا أن يعتز بمن سواه ويعتز به وبما أولاه. وقد أنبأنا أحمد بن إسماعيل، أنبا أبو زيد الْفَزَارِيُّ (٣) سَمَاعًا أو إِجَازَةً، أنبا عَلِيُّ بن مُحَمَّدٍ، أنبا عبد الرحمن بن محمد الْفَامِيُّ، أنبا الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ محمد بن حَبِيبٍ قال: أَنْشَدَنِي أبو سَعِيدٍ محمد بن سَعِيدٍ الْقَزْوِينِيُّ الصُّوفِيُّ ﵀: [وافر]

стр. 119

أَلَا بِالله جَاهِي وَاعْتِرَازِي … وَمَا أَحَدٌ سِوَاهُ بِهِ أُبَاهِي وَفِي عِصْيَانِهِ ذُلِّي وَجُبْنِي … وَعِزِّيِ فِي مُجَانَبَةِ الْمَنَاهِي وَأُنْشِدُكُمْ هذه الرُّبَاعِيَّةَ وليست هي بِسَمَاعِيَّة: يَا مَنْ هُوَ لِلْحَقِّ وَدُوْدٌ وَوَصُولُ … الْعارِفُ فِي السُّلُوكِ بالله يَصُولُ وَاسْتَغْنِ بِهِ وَكُنْ لَهُ وَارْضَ وَثِقْ … بِالله فَمَا لِمَنْ سِوَاهُ مَحْصُولُ آخر المجلس السادس، والحمد لله رب العالمين وصلواته على نبيه محمد وآله وصحبه * * * * *

стр. 120

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وما توفيقي إلا بالله المجلس السابع من أماليه ﵀ أملاه يوم الثلاثاء الثامن عشر من رمضان سنة إحدى عشرة وستمائة حدثنا ﵀ إِمْلَاءً من لفظه قال: قَرَأْتُ عَلَى عَلِيِّ بن عُبَيْدِ الله، أَنَبَا ابن الْحَصِينِ كِتَابَةً قال: أَنَبَا أبو طَالِبٍ الْبَزَّازُ قال: أَنَبَا أبو بكر الشَّافِعِيُّ قال: ثنا جَعْفَرُ بن محمد قال: ثنا قُتَيْبَةُ، ثنا اللَّيْثُ، عن يَزِيدَ بن عبد الله، عن محمد بن إبراهيم، عن عَامِرٍ، عن الْعَبَّاسِ ﵁ أنه سَمِعَ رسول الله ﷺ يَقُولُ: "ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بالله رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا". في الشرح فصول هذا حديثٌ صحيحٌ أخرجه مسلم (١) عن ابن أبي عمر، عن عبد العزيز الدَّرَاوَرْدِيِّ، عن يزيد، واللفظ: "وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا". وأخرج مسلم (٢) والترمذي (٣) وأبو داود (٤) وابن ماجه (٥) والنسائي (٦) من رواية حُكَيْمٍ بضم الحاء وفتح الكاف، عن عَامِرِ بن سَعْدٍ، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "من قال حين يَسْمَعُ المُؤَذِّنَ: وأنا أَشْهَدُ أن لا إله إلا الله وَحْدَهُ لا

стр. 121

شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ رَضِيتُ بِالله رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ". والعبَّاسُ: هو عمُّ رسولِ الله ﷺ أبو الفضل بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ﵁. روى عنه: عبد الله بن الحارث بن نوفل، ونافع بن جبير، ومالك بن أوس، وابنه كثير. وكان الْعَبَّاسُ أَسَنَّ من النبي ﷺ بِثَلَاثِ سِنِينَ. وعن أبي رِزيَن أنه قيل لِلْعَبَّاسِ: أنت أَكْبَرُ أو رَسُولُ الله ﷺ ؟ قال: هو أَكْبَرُ مِنِّي وَوُلِدْتُ أَنَا قَبْلَهُ (١). وَاسْتَسْقَي عُمَرُ ﵁ بِالْعَبَّاسِ عام الرَّمَادَةِ (٢) فقال: اللَّهُمَّ إن هؤلاء عَبِادُكَ وَبَنُوا إِمَائِكَ أَتَوْكَ راغبين مُتَوَسِّلِينَ إليك بعم نَبِيِّكَ، اللهم إنا نَسْتَسْقِيكَ بِعَمِّ نَبِيِّكَ، وَنَسْتَشْفِعُ إليك بِشَيْبَتِهِ فَسُقُوا (٣). وفي ذلك يقول بعض بني هاشم في أبياتٍ له:

стр. 122

بِعَمِّي سَقَى اللهُ الْحِجَازَ وَأَهْلَهُ … عَشِيَّةَ يَسْتَسْقِي بِشَيْبَتِهِ عُمَرْ (١) توفي فيما حكي عن الواقدي سنة اثنتين وثلاثين وهو ابن ثمان وثمانين (٢). وعامر: هو ابن سعد بن أبي وقاص مالك بن وهيب أو أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة الزهري القرشي المدني. سمع: أباه، والعباس بن عبد المطلب، وأبا سعيد الخدري، وأسامة بن زيد. روى عنه: الزهري، وسعيد بن المسيب، وسعد بن إبراهيم، ومحمد بن المنكدر، وعطاء بن يسار، وغيرهم. مات سنة أربع ومائة بالمدينة (٣). ومحمد بن إبراهيم: هو أبو عبد الله بن إبراهيم بن الحارث بن خالد بن صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرَّةَ بن كعب التيمي القرشي المدني. روي عن: ابن عمر، وأنس، وعلقمة بن وقاص، وأبي سلمة، وعروة بن الزبير، وعامر بن سعد. روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن أبي كثير، وهشام بن عروة، وعمارة بن غزية، والأوزاعي. مات سنة عشرين ومائة، وأبوه وجده صحابيان معدودان في المهاجرين (٤). ويزيد: هو ابن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المدني.

стр. 123

سمع: عبد الله بن دينار، وأبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، والزهري، ومحمد بن إبراهيم التيمي. روى عنه: عبد العزيز الدَّرَاوَرْدِيُّ، وابن عيينة، وحَيْوةُ بن شُريح، ومالك، وغيرهم. مات سنة تسع وثلاثين ومائة (١). واللَّيث: هو أبو الحارث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، مولاهم المصري من أئمة الأمة. سمع: الزهري، ونافعًا مولى ابن عمر، وسعيدًا المقبري، ويزيد بن الهاد. روى عنه: أحمد بن يونس، وأبو الوليد الطيالسي، والخلق الكثير. وكان يُضْرب به المثل في الْجُودِ، وظهرت آثار أفضاله على كثير من علماء عصره منهم مالك، وابن لهيعة، ومنصور بن عمار؛ أعطى كل واحد منهم ألف دينار، ويقال: أنه كان يستغلّ في كل سنة خمسين ألفًا ويحول الحول وعليه دَين. مات سنة اثنتين وسبعين ومائة، وكان أصله من أصفهان (٢). وقتيبة: هو أبو رجاء بن سعيد بن جميل بن طريف بن عبد الله الثقفي مولاهم البغلاني. سمع: ابن عيينة، وحماد بن زيد، ومالكًا، وجرير بن عبد الحميد، والليث. روى عنه: البخاري، ومسلم، وأصحاب الجوامع.

стр. 124

مات في شهر رمضان سنة أربعين ومائتين (١). وجعفر: هو أبو بكر جعفر بن محمد بن الحسن بن المستفاض الْفِرْيَابِيُّ القاضي. مُحَدِّثٌ أمينٌ معروفٌ بالمعرفةِ والرحلةِ الواسعةِ وحسنِ الفهمِ والتصنيفِ. روي عن: محمد بن أبي عمر، وأبي مصعب، وهشام بن عمار، وعلي بن المديني، وأبي كريب، ومحمد بن بشار، وإسحاق بن إبراهيم، وعمرو بن زرارة. توطن بغداد وسمع منه بها من لا يحصى كثرة. حَدَّثَ أبو بكر الخطيب عن أحمد بن محمد، عن أبي الفضل الزهري قال: لما سمعت من جعفر كان في مجلسه من أصحاب المحابر حدود عشرة آلاف سوي من كان لا يكتب. توفي ببغداد سنة إحدى وثلاثمائة (٢). وأبو بكر الشافعي: هو محمد بن عبد الله بن إبراهيم البزاز، من كبار شيوخ بغداد. سمع: محمد بن الجهم، ومحمد بن الفرج الأزرق، والباغندي، والفريابي، وكان كثير الحديث، يقال: انتقي عليه عمر بن جعفر البصري عشرين جزءًا فكمَّلها الدارقطني مائة. روى عنه: الدارقطني، وابن شاهين، والحاكم أبو عبد الله، وأبو سعيد النَّقَّاش، ووثقوه. ويذكر أنه لما منعت الديلم من ذكر فضائل الصحابة ببغداد

стр. 125

كان الشافعي يتعمد إملاء الفضائل في جامع المدينة وفي مسجده حِسْبَةً. مات سنة أربع وخمسين وثلاثمائة (١). وأبو طالب: هو محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان بن عبد الله بن غيلان البزاز. سمع: أبا إسحاق إبراهيم بن محمد الْمُزَكِّي، وأبا بكر الشافعي. قال أبو بكر الخطيب: كتبنا عنه وكان صدوقًا. مات سنة أربعين وأربعمائة (٢). وَابنُ الْحَصِينِ: هو الرئيس أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن الحصين مشهور من شيوخ بغداد. سَمَّعه أبوه من: ابن غيلان، وابن الْمُذْهِبِ، وأبي القاسم التَّنُّوخِيّ، والقاضي أبي الطيب، وأملي في جامع القصر مجالس خرجها له محمد بن ناصر. وتوفي سنة خمس وعشرين وخمسمائة (٣). والشيخ الذي قرأت عليه: هو أبو الحسن علي بن عبيد الله بن الحسن بن الحسين بن بابويه الرازي، ويكنى أبوه (بالقاسم) (٤) وجده (بعبد الله) (٥) ولهما رواية. كان مُكثرًا شديدَ الحرص على جمع الحديث وكتابته وسماعه، واجتمع عنده

стр. 126

من الكتب والأجزاء المتفرقة من هذا الفن شيء كثير، وسمع من العدد الجم على قلة الرحلة، وأدرك الإجازات العالية، وممن أجاز له: ابن الحصين، ومحمد بن عبد الباقي الأنصاري، وهبة الله الواسطي، والحريري، وعبد الوهاب الأنماطي، وأبو جعفر الحافظ الهمداني، والحسين الخلال، وفاطمة الجوزدانية، وأئمة البلاد المتباعدة. وكان له حفظٌ ومعرفةٌ بطرق الحديث وأسماء الرجال والتواريخ، وكان يُسَوِّدُ "تاريخ الري" في أجزاء كبيرة وكثيرة، ولم يتفق له نقله إلى البياض، وسمع منه أهل بلده والغرباء. وروى عنه الحافظ أبو موسى المديني في بعض أماليه. لقيته بالرّي غير مرة و كثرت استفادتي من مكتوباته وتعاليقه. وكان ولادته سنة أربع وخمسمائة، وتوفي قريبًا من سنة تسعين وخمسمائة (١). الفصل الأول رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ: مَالِكُهُ، وفي الحديث: "أَرَبُّ إِبِلٍ أنت أم رَبُّ غَنَمٍ" (٢). وَالرَّبُّ: السَّيِّدُ، وَعَلَيْهِ يُحْمَل قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (٣). وَالرَّبُّ: الرَّئِيسُ قَالَهُ الْخَلِيلُ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ السَّيِّدِ، يُقَالُ: رَبَبْتُ الْقَوْمَ أَيْ: سُسْتُهُمْ وَكُنْتُ فَوْقَهُمْ. وَالرَّبُّ: المُرَبِّي، يُقَالُ: رَبَّ فُلَانٌ وَلَدَهُ يَرُبُّه ربًّا ورِبَابَةً،

стр. 127

وربَّبَهُ وتَرَبَّبَهُ ورَبَّاهُ كُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنى وَاحِدٍ. وَالرَّابُّ: زَوْجُ الْأُمِّ، وَالرّابَّةُ: زَوْجَةُ الْأَبِ، وَرَبِيبُ الرَّجُلِ: ابْنُ امْرَأَتِهِ من غيره وهو بمعني مَرْبُوبٍ، والأنثى رَبِيْبَةٌ، والرَّبِيْبَةُ أيضًا من الْغَنَمِ: التي تُرَبِّيهَا الناس في البيوت، ويقال: رَبَّ الضَّيْعَةَ أَيْ: أصْلَحَهَا وَأَتَمَّهَا، وَرَبَبْتُ الْحَبَّ بِالْقَارِ: أَصْلَحْتُهُ به، وَتَقُولُ العرب: أَسْدَيْتَ إِلَىَّ نِعْمَةٌ فَرَبَّهَا أي: لا تَقْطَعْهَا. وفي ديوان الأدب: فُلَانٌ يَرُبُّ النَّاسَ أي: يَجْمَعُهُمْ، وَأَرَبَّتْ الْإِبِلُ بمكان كذا أَيْ: لَزِمَتْهُ وَأَقَامَتْ به، وَأَرَبَّتْ الْجَنُوبُ: دَامَتْ. وفي التفاسير أنَّ رَبَّ وأَرَبَّ لغتان في معني دام وثبت. "والرَّبُّ" من أسماء الله تعالى، ولا يطلق في حق غيره إلا بالإضافة، وكانوا ربما أطلقوه في الجاهلية على الملك، ومعناه أنه تعالى مالك الأشياء وخالقها وسيدها، وأيضًا فهو رَبٌّ بمعنى أنه المُرّبِّي، وبمعنى أنه المصلح لشأن الخلق، وبمعنى أنه مُتِمُّ النعمة عليهم، ويسمى المُربِّي والمُصْلِح رَبًّا ورابًّا كما يقال: برّ وبار، وإلى هذا يرجع ما ذكر الْحَلِيمِيُّ في معنى الرَّبُّ أنه الذي يبلغ ما أبدعه حدّ كماله المقدر له كالنطفة يجعلها علقة ثم مضغة إلى أن تصير خلقًا سويًّا وإنسانًا ينطق ويفهم ويعمل الأعاجيب. ويجوز أن يقال أنه ربٌّ بمعنى أنه يجمع الناس بخلقهم في الدنيا وبالبعث والحشر في العقبي، فهو جامع الناس ليوم لا ريب فيه. وعن الحسين بن الفضل أنه رَبٌّ بمعنى أنه دائمٌ ثابتٌ من غيرِ إثباتِ أحدٍ، من قولهم: ربَّ بالمكان وأَرَبَّ. الفصل الثاني

стр. 128

قوله ﷺ : "ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ" فيه دليلٌ على جواز التوسع باستعمال الاستعارات إذ ليس للإيمان في الحقيقة طعمٌ يذاق، وهو كناية عن إدراك لذَّةِ الإيمان والإحساس بها، ويقرب منه قوله: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ" (١). وقوله "رَضِيَ بالله رَبًّا" يقال: رضيتُ فلانًا صاحبًا وبه صاحبًا أي: حمدت صحبته، ووافقني أمره، والمعنى مَنْ رضي بالله مالكًا وسيدًا قاهرًا فلم يعترض على حكم من لا يضام ولم يجزع ولم يضطرب مما أجرى من الأحكام، أو رضي بالله مُرَبِّيًا ومبلغًا النعمة حدَّ التمام، وجامعًا للناس وباقيًا بعد فناء الأنام، وحقيق بمن رضي به مالكًا وسيدًا وَمُرَبِّيًا ومتمًّا للنعمة أن يعرض عن تصرفه وتدبيره، ولا يعترض على حكمه وتدبيره، والرضا بما أُمِرَ العبدُ بالرضا به من قضاء الله تعالى أصل عظيم في الدين. أَنْبَأَنَا والدي، عن أبي أَسْعَدٍ الْقُشَيْرِيِّ قال: ثنا محمد بن أحمد الطَّبَسِيُّ قال: ثَنَا أبو سَعِيدٍ قال: أنبا عبد الرحمن قال: أنبا أبو يَحْيَى الْبَزَّازُ. قال: ثَنَا أحمد بن حَفْصٍ قال: حَدَّثَنِي إبراهيم بن سَالِمٍ، ثَنَا هِشَامٌ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابن عَبَّاسٍ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أَوَّلَ شَيْءٍ كَتَبَهُ الله في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ: بسم الله الرحمن الرحيم إنه من اسْتَسْلَمَ لِقَضَائِي ورضي بِحُكْمِي وَصَبَرَ على بَلَائِي؛ كَتَبْتُهُ صديقا وَبَعَثْتُهُ مع الصديقين" (٢).

стр. 129

وقالت المشايخ ﵏: الرضا بالقضاء باب الله الأعظم. وفسَّرَهُ الأستاذ أبو القاسم القشيريُّ بأنَّ من أُكْرِمَ بالرضا فقد لُقِيَ بالتَّرحيب الأوفي، وَشُرِّفَ بالتَّقريب الأعلى. ويجوز أن يُفَسَّرَ أنَّ الباب الأعظم من أبواب الوصول يدخل منه الخواص المكرمون بالقبول؛ ولذلك قال الأستاذ أبو علي الدقاق: طريق السالكين أطول وهو طريق الرياضة، وطريق الخواص أقرب لكنه أشق وهو العمل بالرضا والرضا بالقضاء. وَاعْلَمْ أن الناس في الرِّضَا بِالْقَضَاءِ ثَلَاثَةُ أصناف: فَقَوْمٌ يُحِسُّون بالبلاء وَيَكْرَهُونَهُ لكنهم يَصْبِرُونَ على حُكْمِهِ، وَيَتْرُكُونَ تَدْبِيرَهُمْ وَنَظَرَهُمْ حبا لله تعالى؛ لأن تدبير العقل لا يَنْطَبِقُ على رُسُومِ الْمَحَبَّةِ والهوى، قال قَائِلُهُمْ: لَنْ يَضْبِطَ الْعَقْلُ إِلَّا مَا يُدَبِّرُهُ … وَلَا تَرَى لِلْهَوَى فِي العَقْلِ تَدْبِيرَا كُنْ مُحْسِنًا أَوْ مُسِيْئًا وَابْقَ لِي أَبَدًا … فَكُنْ لَدَيَّ عَلَى الْحَالَيْنِ مَشْكُورَا (١) وَفِرْقَةٌ ثانية يَضُمُّونَ إلى سكون الظاهر سُكُونَ القلب بالاجتهاد والرياضة وإن أَتَى الْبَلَاءُ على أنفسهم بل: [بسيط] يَسْتَعْذِبُونَ بَلَايَاهُمْ كَأَنَّهُمُ … لَا يَيْأَسْونَ مِنَ الدُّنْيَا إِذَا قُتِلُوا ولذلك قال ذُو النُّونِ: الرضا سُرُورُ القلب بِمُرُورِ القضاء. وقالت رَابِعَةُ: إنما يَكُونُ العبد رَاضِيًا إذا سَرَّتْهُ الْبَلِيَّةُ كما سَرَّتْهُ النِّعْمَةُ.

стр. 130

وطائفة ثالثة يَتْرُكُونَ الاختيار وَيُوَافِقُونَ الأَقْدَارَ فلا يَبْقَى لها تَلَذُّذٌ (١) ولا اسْتِعْذَابٌ ولا رَاحَةٌ ولا عَذَابٌ، وَتَقْضِي بهم دَوَاعِي الْمُوَافَقَةُ والْمُسَاعَدَةُ. قال أبو الشِّيصِ وأحسن: [كامل] وَقَفَ الْهَوَي بِي حَيْثُ أَنْتَ فَلَيْسَ لِي … مُتَأَخَّرٌ عَنْهُ وَلَا مُتَقَدَّمُ أَجِدُ الْمَلَامَةَ فِي هَوَاكَ لَذِيذَةً … حُبًّا لِذِكْرِكَ فَلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ أَشْبَهْتَ أَعْدَائِي فَصِرْتُ أُحِبُّهُمْ … إِذْ كَانَ حَظِّي مِنْكَ حَظِّي مِنْهُمُ وَأَهَنْتَنِي فَأَهَنْتُ نَفْسِي صَاغِرًا … مَا مَنْ يَهُونُ عَلَيْكَ مِمَّنْ أُكْرِمُ قَرَأْتُ على والدي ﵀ قال: أَنَبَا أبو الأَسْعَدِ قال: أَنَبَا الصَّفَّارُ قال: أنبا السُّلَمِيُّ قال: سُئِلَ الْمُرْتَعِشُ (٢): بماذا تُنَالُ المَحَبَّةُ؟ فقال: بِمُوَالَاةِ أَوْلِيَاءِ الله وَمُعَادَاةِ أعدائه، وأصله المُوَافَقَةُ، ثُمَّ نَظَرَ إلى بعض جُلَسَائِهِ فقال: أَنْشِدْنِي الْأَبْيَاتَ التي كنت تُنْشِدُهَا (٣). فأنشده البيتين الأخيرين من القطعة. وَأُنْشِدُكُمْ لِنَفْسِي: [سريع]

стр. 131

إِلَى رِضَا الرَّبِّ نَسُوقُ الرِّضَا … بِالله رَبًّا فَارْضَ فِيمَا قَضَى وَلَا تَكُنْ عَنْ شَأْنِهِ غَافِلًا … فَالْوَقْتُ سَيْفٌ صَارِمٌ مُنْتَضَى (١) آخر المجلس السابع، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه محمد وآله وصحبه * * * * *

стр. 132

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وما توفيقي إلا بالله المجلس الثامن من أماليه ﵀ في يوم الجمعة ثامن عشرين من شهر رمضان المبارك سنة إحدى عشرة وستمائة قال: أنبا الْحَافِظُ أبو مَنْصُورٍ الدَّيْلَمِيُّ في كتابه أنه قَرَأَ على أبي الْقَاسِمِ الْبُرْجِيِّ قال: أنبا أبو نُعَيْمٍ (١) قال: أَنَبَا عبد الله بن جَعْفَرٍ قال: أَنَبَا يُونُسُ قال: أنبا أبو دَاوُدَ (٢) قال: ثنا عبد الرحمن بن بُدَيْلٍ، عن أبيه، عن أبي الْجَوْزَاءِ، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصلاة بالتكبير والقراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فإذا رَكَعَ لم يُشْخِصْ رأسه ولم يَخْفِضْهُ ولكن بين ذلك، فإذا رَفَعَ رأسه لم يَسْجُدْ حتى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، وإذا سَجَدَ فَرَفَعَ رأسه لم يَسْجُدْ حتى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا، وكان يَفْرُشُ قدمه اليسري قدمه اليمنى، وكان يَقُولُ في كل ركعتين التَّحِيَّات، وكان يَنْهَى عن عَقِبِ الشيطان، وعن افْتِرَاشٍ كَافْتِرَاشِ السبع أو الكلب، وكان يَخْتِمُ الصلاة بِالتَّسْلِيمِ. في الشرح فصول

стр. 133

الفصل الأول هذا حديثٌ صحيحٌ عالٍ: أخرجه مسلم (١) عن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبي خالد الأحمر. وعن إسحاق بن إبراهيم عن عيسى بن يونس، بروايتهما عن حسين المعلم، عن بُدَيْلٍ، لكن قال: "وَلَمْ يُصَوِّبْهُ" بدل "وَلَمْ يَخْفِضْهُ" وقال في إحدى الروايتين: "عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ" بدل "عَقِبِ الشَّيْطَانِ" وقال: "وكان يَنْهَي عن أن يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ". وليس لأَبِي الْجَوْزَاءِ في كتابِ مسلمٍ إلَّا هذا الحديث، وله في كتاب البخاري حديثٌ واحدٌ أيضًا عن ابن عباسٍ. وروى الحديث أبو داود (٢) عن مسدد عن عبد الوارث بن سعيد عن حسين المعلم. وابن ماجه (٣) مفرقًا في مواضع عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن المعلم. فعبد الله بن جعفر في درجة مسلم وأبي داود وابن ماجه. وعائشة ﵂ بنت الصديق ﵁ وأم المؤمنين، وكانت تكني أم عبد الله بابن أختها عبد الله بن الزبير، وقيل: غيره. وكانت أحبَّ أزواجِ رسول الله ﷺ إليه وأفصحهنَّ لسانًا، وأكثرهنَّ علمًا، وتزوجها بكرًا ولم يتزوج بكرًا غيرها، وَبَنَى بها وهي بنت تسع، وكانت في صُحْبَتِهِ

стр. 134

ﷺ تسعًا. روى عنها كثير من الصحابة والتابعين، فمن الصحابة: أبو هريرة، وابن عمر، وابن الزبير، ومن التابعين: عروة، ومسروق، وغير واحد. توفيت سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة سبع، وأوصت بأن تدفن بالبقيع (١). وَأَبُو الْجَوْزَاءِ: هو أوس بن عبد الله ويقال: أوس بن خالد الربعي البصري -منسوب إلى رَبَعَة وقد تسكن الباء- ابن الغطريف الأصغر بن عبد الله بن الغطريف الأكبر وهو بطن من الأزد. روي عن: ابن عباس، وعائشة، وأبي هريرة. وروي عنه: أبو الأشهب، وعمرو بن مالك النُّكْرِيِّ، وَبُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ (٢). ويشتبه أبو الْجَوْزَاءِ بأَبِي الْحَوْرَاءِ بالحاء والراء وهو تابعي أيضًا واسمه ربيعة بن شيبان (٣). وَبُدَيْلٌ: هو ابن مَيْسَرَةَ العقيلي بصريٌّ. روي عن أنس بن مالك، وأبي العالية، وحماد بن زيد، وقتادة. روى عنه: إسماعيل بن أبي خالد، وليث بن أبي سليم، وحسين المعلم، وابنه عبد الرحمن مات سنة ثلاثين ومائة، وقيل: سنة خمس وعشرين (٤). وابنه عبد الرحمن. روي عنه: عبد الواحد بن واصل، وأبو داود الطيالسي،

стр. 135

وَلَمَّا روى عنه هذا الحديث قال: بصريٌّ ثقةٌ صدوقٌ، وله أخ يقال له: عبد الله، يروي عن أبيه بُدَيْلٍ أيضًا (١). وأبو داود: هو سليمان بن داود بن الجارود الطَّيَّالِسِيُّ القرشي مولى آل الزبير بن العوام. سمع: شعبة، وهشامًا الدستوائي، وأبا عوانة، وإبراهيم بن سعد. روى عنه: المحمدان ابن بشار وابن المثنى، والأحمدان ابن حنبل والدورقي (٢)، وأبو بكر وعثمان ابن أبي شيبة. وهو إمامٌ معروفٌ. عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: أبو داود أصدقُ النَّاسِ. وعن ابن المديني أنَّهُ قال: ما رأيت أحفظ من أبي داود، ويقال: كتب عنه بأصبهان أربعون ألف حديث وليس معه كتاب. مات سنة أربع ومائتين وهو ابن إحدى وسبعين (٣). ويونس: هو أبو بشر بن حبيب بن عبد القاهر بن عبد العزيز بن عمر بن قيس العجلي. من ثقاتِ مشايخِ أصبهان سمع: بكر بن بكار، وأبا داود الطَّيَالِسِيَّ. روى عنه: أبو بكر بن أبي داود، وعبد الرحمن بن أبي حاتم.

стр. 136

توفي سنة سبع وستين ومائتين (١). وعبد الله بن جعفر: هو أبو محمد بن جعفر بن فارس بن الفرج الأصبهاني. ثقةٌ موصوفٌ بالزُّهدِ. سمع: أبا مسعود الرازي، وأحمد بن عصام، ويونس بن حبيب. روى عنه: أبو عبد الله ابن منده، و أبو سعيد النَّقَّاشُ. وعن أبي جعفر الخيَّاط قال: كُنَّا جلوسًا عند عبد الله بن جعفر وقد احتضر، فقال: هذا ملك الموت قد جاء، ثم قال له: اقبض روحي كما تقبض روح رجل يقول سبعين سنة: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ذكره بالفارسية. توفي سنة ست وأربعين وثلاثمائة، وقيل: سنة خمس (٢). وأبو نُعيمٍ: هو الحافظُ المشهورُ أحمد بن عبد الله بن إسحاق بن مهران الأصبهاني. كثيرُ التَّصنيفِ والإفادةِ. سمع بأصبهان وبغداد والكوفة والبصرة ومكة وجرجان ونيسابور، وعُمِّرَ فعظم الانتفاع بعلمه ومصنفاته. وُلِدَ سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، ومات سنة (ثلاثين) (٣) وأربعمائة (٤). وَالْبُرْجِيُّ: هو أبو القاسم غانم بن محمد بن عبيد الله بن عمر بن أيوب بن

стр. 137

زياد الأصبهاني. من أصحاب أبي نعيمٍ مُكثرٌ عنه وعن غيره، وكان يُعْرف بالصَّالِحِ الْبَكَّاء لكثرة عبادتهِ وبكائهِ من خشية الله تعالى. مات سنة إحدى عشرة وخمسمائة (١). وأبو منصور الدَّيْلَمِيُّ: هو الحافظ شهردار بن شيرويه بن فناخسروا الهمداني. متقنٌ حسنُ (الخطِّ) (٢) والحديث. سمع: أبا بكر الزَّنْجُوِيَّ (٣)، وعبد الغفار بن طاهر، والسلار مكي بن منصور، وأبا علي الحداد، وأبا محمد الدُّونِيُّ، وغانمًا الْبُرْجِيَّ. وله الجامع الكبير المعروف بـ "مسند الفردوس". توفي سنة ستين وخمسمائة (٤). الفصل الثاني قوله: "يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ" الاستفتاح يستعمل في الأكثر بمعنى الاستنصار (٥)، ويقال أيضًا: استفتح الباب ففتح، وقد يوضع موضع الافتتاح وهو المقصود ها هنا، ويمكن أن يحمل على استفتاح باب الصلاة ويجعل التكبير كالمفتاح لها، ومفتاح الشيء قد يعدُّ من ذلك الشيء، ألا ترى أن مفتاح الدار يدخل في بيع الدار على الأصح.

стр. 138

وقوله: "وَالْقِرَاءَةَ بِ الْحَمْدِ لله رب الْعَالِمَينَ" قولنا: (الْحَمْدِ لله رب الْعَالِمَينَ) أربع كلمات قد تكلمنا في الثلاث الأول منها في المجالس السابقة. وأما العالم: فعن قُطْرب أن فيه لغتين: عألم بالهمزة وعالم بلا همزة كطائع وخاتم، والعالمين جمع عالم. ثم عن أحمد بن يحيى ثعلب: إن العالم صنف من الناس، يقال: العرب عالم، والعجم عالم، ثم مضر من العرب عالم، وربيعة عالم. ويقرب منه قول النضر بن شميل: إنَّ هذه كلمة تكلمت بها العرب للجمع الكثير. عن أبي معاذ النحوي أنَّ العالمين بنو آدم. وعن أبيِّ بن كعبٍ ﵁ أنَّ العالمين الملائكة. وعن الأخفش وغيره أنَّ العالمين الجن والإنس. وعن أبي عبيدة أنَّ العالمين الذين يعقلون وهم أربع أمم: الملائكة والإنس والجن والشياطين. وذكر على هذا أنَّ اللفظ مأخوذ من العلم. ويقال: كلّ ذي روح، ويروى نحوه عن ابن عباس ﵄. ويقال: العالمون المخلوقون، وذكر على هذا أنَّ اللَّفظَ مأخوذٌ من العَلَمِ والعلامة؛ لأنَّ كلَّ مخلوقٍ عَلَمٌ ودليلٌ على الصَّانعِ المدبر، ويحكي هذا عن الحسن وقتادة ومجاهد، ويوافقه قول المتكلمين أن العالمين عبارة عن كل مُحْدَثٍ. ثُمَّ استدلَّ مُستدلُّون بقوله: "وَالْقِرَاءَةَ بِ الْحَمْدِ لله رب الْعَالِمَينَ" على ترك

стр. 139

الجهر بالتسمية تارة، وعلى ترك أصلها أخرى. وَحَمَلَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ ذلك فيما نقله أبو عيسى الترمذي وغيره على التعبير عن السورة بذكر أولها بعد آية التسمية المشتركة كما يقال: قرأت طه ويس. ثم هذا الاستدلالُ لا يتضح على قول من يذهب إلى أنَّ التسمية في أوائل السور ليست من القرآن؛ لأنَّ المراد من قوله: "يستفتح القراءة": قراءة القرآن لا مطلق القراءة، وحينئذٍ فالافتتاح بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لا ينافي قراءة التسمية أَوَّلًا كما لا ينافي قراءة التعوذ ودعاء الاستفتاح. وقوله: "لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ" أي: لم يرفعه، ومنه قولهم: شَخَصَ شُخُوْصًا أي: ارتفع، وشَخَصَ من البلد أي: ذهب، وأَشْخَصَ الرامي إِذا جَازَ سَهْمُه الغَرَضَ من أَعْلاه. "وَلَمْ يُصَوِّبْهُ" في بعض الروايات بمعنى "لَمْ يَخْفِضْهُ" أيضًا، يقال: صَعَّد النظر إذا صَوَّبَهُ أي: رفعه وخفضه. وقوله: "بَيْنَ ذَلِكَ" أي: بين الأشخاص والخفض، وكلمة: "بَيْنَ" تستدعي شيئين لكنها تدخل على اللفظة الواحدة المتناولة لشيئين، كما يقال: جلس بين القوم، وعلى ذلك حمل قول امرئ القيس: بَيْنَ الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ (١) وقيل: الدخول مواضيع مختلفة وليس المراد بين الدخول وبين حومل. والمقصود أنه يستحب في الركوع تسوية الرأس والظهر، يروى عن وَابِصَةَ بْنِ

стр. 140

مَعْبَدٍ قال: رأيت رسول ﷺ يُصَلِّي فكان إذا رَكَعَ سوى ظَهْرَهُ حتى لو صُبَّ عليه الْمَاءُ لَاسْتَقَرَّ (١). وقوله: "كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ … " إلى آخره يبين أنه ينبغي أن يراعى في الاعتدال عن الركوع الانتهاء إلى حدِّ القيام، وفي رفع الرأس من السجود الانتهاء إلى حدِّ الجلوس. وقوله: "وَكَان يَفْرُشُ" يقال: فَرَشَ وافْتَرَشَ ذراعيه أي: بسطها، وافْتَرَشَ لسانه: إذا تكلم كيف شاء كأنه بسطه بالكلام، وافْتَرَشَ الشيء: انبسط أيضًا؛ وأما مستقبل "فَرَشَ" فاللفظة في "ديوان الأدب" وغيره من أصول اللغة في باب فَعَلَ يَفْعُلُ، وذكر بعض من شرح الحديث: "يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى" بفتح الياء وكسر الراء وهذا أكثر استعمالًا في الفقه، ويمكن أن تكون فيه لغتان. وقوله: "رِجْلُهُ الْيُسْرَى بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى" هكذا يوجد اللفظ في "سنن الطيالسي" (٢) ونقل بعضهم: "وَرِجْلُهُ الْيُمْنَى" وقد تحذف الواو تخفيفًا واقتصارًا على إفهام المقصود كما يقال: فلان يعطي زيدًا يعطي عمرًا ويراد العطف، وحينئذٍ

стр. 141

المعنى أنه يفرش كل واحد منهما. وعلى هذا فيمكن حمله على ما رُوِيَ عن أنس أن النبي ﷺ قال: "إذا رَفَعْتَ رَأْسَكَ من السُّجُودِ فلا تُقْعِ كَمَا يُقْعِي الكلب ضَعْ أَلْيَتَيْكَ بين قَدَمَيْكَ وَأَلْزِقْ ظاهر قَدَمَيْكَ بالأرض" (١). ويمكن أن يُحمل على ما يقع في هيئة الافتراش من البسط في أطراف أصابع اليمنى وحرف القدم، ولو رُوِيَ "وكان يُفرش قدمه اليسرى اليمني" لكان وجهًا، أي: يجعل رجله اليسرى فَرْشًا لليمني؛ لأن أطراف اليمني قد تقع على اليسرى في هيئة الافتراش من تفرش الدار وهو تبليطها، وفي "الجمع بين الصحيحين" للحافظ الحميدي في هذا الحديث: "وكان يَفْرِشُ رجله الْيُسْرَي ويَنْصِبُ الْيُمْنَى" (٢) وهذا يزيح كل إشكال والمقصود من اللفظ هيئة الجلوس بين السجدتين. وقوله: "وكان يَقُولُ في كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّات" أي: يقرأ التشهد في كل ركعتين إذا زادت الصلاة على ركعتين. وقوله: "وكان يَنْهَى عن عَقِبِ الشيطان أو عُقْبَةِ الشيطان" فَسَّره أبو عبيد

стр. 142

وغيره بأن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين والقدمان منصوبتان (١). وذلك مما يفعله المستعجل، وهذا أحد الوجوه في تفسير الإقعاء المنهي عنه. والْعُقْبَةُ في الأَصْلِ: النَّوْبةُ، والجمع الْعُقَبُ، وكأنَّ المراد به نوبة من نوب الجلوس، ويجوز أن تؤخذ اللفظة من عُقْبَةِ الطائر: وهي ما بين ارتفاعه وَانْحِطَاطِهِ؛ لأن في هذه الْهيئةِ ارتفاعًا. وأما النسبة إلى الشيطان فسببها أن الشيطان يأمر بمكروه الشرع ويدعو إليه ويفرح به، ويقرب منه ما رُوِيَ أنه ﷺ قال: "إذا تَوَضَّأْتُمْ فلا تَنْفُضُوا أَيْدِيَكُمْ فإنها مَرَاوِحُ الشيطان" (٢). وقوله: "عَنْ افْتِرَاشٍ كَافْتِرَاشِ السَّبُعِ" قال في "الغريبين": هو أن يبسط ذراعيه ولا يُقِلَّهُمَا عن الأرض مُخَوِّيًا إذا سجد كما يفترش الذئب ذراعيه. وقوله: "السَّبُعِ أو الْكَلْبِ" يجوز أن يكون شكًّا من بعض الرواة، ويجوز أن يريد بالسبع ما يتوحش وبالكلب هذا الألوف. وقوله: "وكان يَخْتِمُ الصَّلاةَ بِالتَّسْليِمِ" يبين أنه ﷺ كان يسلم في آخر الصلاة، وقد روي أنه قال: "صَلُّوا كما رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" (٣) فقد يحتج بذلك

стр. 143

لوجوب السلام. وَقَدِ اشْتَمَلَ الْخَبَرُ عَلَى جُمَلٍ من وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ وآدابها التي بها تمامها، وفيه بيان ما به الدخول في الصلاة والخروج منها، والقراءة المرعية في القيام، والهيئة المحبوبة في الركوع والاعتدال والسجود والجلوس بين السجدتين، والتشهد في كل ركعتين. والصلاة المَقْبُولَةُ عند رب الأَرْبَابِ هي التَّامَّة بِتَمَامِ الأركانِ والآداب: أُنْبِئْنَا عن أبي محمد الْحَافِظِ السَّمَرْقَنْدِيِّ قال: أنبا أبو بكر بن أبي زَكَرِيَّا الْبَلْخِيُّ بها، قال: ثَنَا أبو إسحاق المُسْتَمِلِيُّ قال: ثنا عُثْمَانُ بن إسماعيل السُّكَّرِيُّ قال: ثنا عبد الله بن شَبِيبٍ قال: ثَنَا الوليد بن عَطَاءٍ، عن عبد الله بن عبد الْعَزِيزِ، عن يَحْيَى بن سَعِيدٍ، عن سَعِيدِ بن الْمُسَيَّبِ، عن عمر بن الخَطَّاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مُصَلٍّ إلا وَمَلَكٌ عن يمينه وَمَلَكٌ عن يَسَارِهِ، فإن أَتَمَّهَا عَرَجَا بِهَا، وإن لم يُتِمَّهَا ضَرَبَا بها وجهه" (١). وعن حُذَيْفَةَ ﵁ أنه رَأَى رجلًا لا يُتِمُّ الركوع والسُّجود فقال: مُنْذُ كَمْ تُصَلِّي بهذه الصَّلاة؟ فقال: مُنْذُ أربعين سنة. قال: ما صَلَّيْتَ، ولو مُتَّ على غير الفِطرَةِ التي فَطَرَ الله عليها محمدًا ﷺ (٢).

стр. 144

وعن أبي ذَرٍّ ﵁ قال: نَهَانِي رسول الله ﷺ عن ثَلَاثٍ يعْني في الصلاة: عن إِقْعَاءِ الْقِرْدِ وَتَلَفُّتِ الثَّعْلَبِ ونَقْرَةِ الْغُرَابِ (١). الفصل الثالث لما كان العبادُ مأمورين بإقامة العبادات تعظيمًا للمعبود، وكانت الصلاة أفضل العبادات وأكثرها تكررًا، دُعُوا إليها أولًا باللفظة الدالة على الكبرياء والعظمة فقال لهم المؤذنون: الله أكبر الله أكبر، ثم أمروا بالدخول فيها بكلمة التكبير، وقرر أمرها بأن يأتوا بها في انتقالات الصلاة على التكرير لعلهم ينتبهوا لمعناها مرة فيوفّوا حق الطاعة بحسب الاستطاعة، ويأتوا بواجب التعظيم على قدر الطاقة التي تمتد إليها أيدي أولي الضعف والفاقة، ثم أمروا بعد الدخول في الصلاة بأن يفتتحوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إشارة إلى شكر نعمة الله تعالى حيث أهَّلَهُم لمناجاته وتلاوة آياته وأذن لهم في الثناء عليه والقيام بين يديه. وفي كلمة: "رب العالمين" ثناءٌ كاملٌ وبيان أنَّ الكلَّ في تربيته قائمون به ومحتاجون إلى نِعَمِهِ، وأنه الوافي ميعاده والقاهر فوق عباده. ويُروي عن شعر عبد الله بن رواحة الأنصاري ﵁: [وافر] شَهِدْتُ بِأَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ … وأنَّ النَّارَ مَثْوَى الكَافِرينَا وَأَنَّ العَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ طَافٍ … وَفَوقَ العَرْشِ رَبُّ العَالِمَينَا

стр. 145

وَتَحْمِلُهُ مَلَائِكَةٌ شِدَادٌ … مَلائِكَةُ الْإِلَهِ مُسَوَّمِينَا (١) وهذه الفوقيَّةُ هي فوقيَّةُ العظمة والاستغناء في مقابلة ضعة الموسومين بِسِمَةِ العجز والفناء (٢)، فالخليقة على اختلاف الأحوال خاضعون له بلسان الحال أو المقال، والعابدون عن حقِّ عبادته قاصرون، والشاكرون في واجب شكره مُقَصِّرون. وفي هذا المَعْنَى أَقُولُ: [كامل] الْعَالَمُونَ ضَعِيفُهُمْ وَقَوِيُّهُمْ … لِجَلَالِ عِزَّتِهِ سُجُودٌ رُكَّعُ لَوْ كُلِّفُوا أَنْ يَعْبُدُوهُ عُمْرَهُمْ … حَقَّ الْعِبَادَةِ لَحْظَةً لَتَكَعْكَعُوا (٣) وإن شِئْتَ قُلْتَ: خُضَّعٌ وَتَضَعْضَعُوا هذا آخر المجلس الثامن من أماليه والحمد لله رب العالمين والصلاة على نبيه محمد وآله وصحبه أجمعين * * * * *
следующие страницы →