← Тафсир

Тафсир · id 30623

الأمالي الشارحة لمفردات الفاتحة

الرافعي

Полный текст (469 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المعنى أنه يفرش كل واحد منهما. وعلى هذا فيمكن حمله على ما رُوِيَ عن أنس أن النبي ﷺ قال: "إذا رَفَعْتَ رَأْسَكَ من السُّجُودِ فلا تُقْعِ كَمَا يُقْعِي الكلب ضَعْ أَلْيَتَيْكَ بين قَدَمَيْكَ وَأَلْزِقْ ظاهر قَدَمَيْكَ بالأرض" (١). ويمكن أن يُحمل على ما يقع في هيئة الافتراش من البسط في أطراف أصابع اليمنى وحرف القدم، ولو رُوِيَ "وكان يُفرش قدمه اليسرى اليمني" لكان وجهًا، أي: يجعل رجله اليسرى فَرْشًا لليمني؛ لأن أطراف اليمني قد تقع على اليسرى في هيئة الافتراش من تفرش الدار وهو تبليطها، وفي "الجمع بين الصحيحين" للحافظ الحميدي في هذا الحديث: "وكان يَفْرِشُ رجله الْيُسْرَي ويَنْصِبُ الْيُمْنَى" (٢) وهذا يزيح كل إشكال والمقصود من اللفظ هيئة الجلوس بين السجدتين. وقوله: "وكان يَقُولُ في كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّات" أي: يقرأ التشهد في كل ركعتين إذا زادت الصلاة على ركعتين. وقوله: "وكان يَنْهَى عن عَقِبِ الشيطان أو عُقْبَةِ الشيطان" فَسَّره أبو عبيد

стр. 142

وغيره بأن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين والقدمان منصوبتان (١). وذلك مما يفعله المستعجل، وهذا أحد الوجوه في تفسير الإقعاء المنهي عنه. والْعُقْبَةُ في الأَصْلِ: النَّوْبةُ، والجمع الْعُقَبُ، وكأنَّ المراد به نوبة من نوب الجلوس، ويجوز أن تؤخذ اللفظة من عُقْبَةِ الطائر: وهي ما بين ارتفاعه وَانْحِطَاطِهِ؛ لأن في هذه الْهيئةِ ارتفاعًا. وأما النسبة إلى الشيطان فسببها أن الشيطان يأمر بمكروه الشرع ويدعو إليه ويفرح به، ويقرب منه ما رُوِيَ أنه ﷺ قال: "إذا تَوَضَّأْتُمْ فلا تَنْفُضُوا أَيْدِيَكُمْ فإنها مَرَاوِحُ الشيطان" (٢). وقوله: "عَنْ افْتِرَاشٍ كَافْتِرَاشِ السَّبُعِ" قال في "الغريبين": هو أن يبسط ذراعيه ولا يُقِلَّهُمَا عن الأرض مُخَوِّيًا إذا سجد كما يفترش الذئب ذراعيه. وقوله: "السَّبُعِ أو الْكَلْبِ" يجوز أن يكون شكًّا من بعض الرواة، ويجوز أن يريد بالسبع ما يتوحش وبالكلب هذا الألوف. وقوله: "وكان يَخْتِمُ الصَّلاةَ بِالتَّسْليِمِ" يبين أنه ﷺ كان يسلم في آخر الصلاة، وقد روي أنه قال: "صَلُّوا كما رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" (٣) فقد يحتج بذلك

стр. 143

لوجوب السلام. وَقَدِ اشْتَمَلَ الْخَبَرُ عَلَى جُمَلٍ من وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ وآدابها التي بها تمامها، وفيه بيان ما به الدخول في الصلاة والخروج منها، والقراءة المرعية في القيام، والهيئة المحبوبة في الركوع والاعتدال والسجود والجلوس بين السجدتين، والتشهد في كل ركعتين. والصلاة المَقْبُولَةُ عند رب الأَرْبَابِ هي التَّامَّة بِتَمَامِ الأركانِ والآداب: أُنْبِئْنَا عن أبي محمد الْحَافِظِ السَّمَرْقَنْدِيِّ قال: أنبا أبو بكر بن أبي زَكَرِيَّا الْبَلْخِيُّ بها، قال: ثَنَا أبو إسحاق المُسْتَمِلِيُّ قال: ثنا عُثْمَانُ بن إسماعيل السُّكَّرِيُّ قال: ثنا عبد الله بن شَبِيبٍ قال: ثَنَا الوليد بن عَطَاءٍ، عن عبد الله بن عبد الْعَزِيزِ، عن يَحْيَى بن سَعِيدٍ، عن سَعِيدِ بن الْمُسَيَّبِ، عن عمر بن الخَطَّاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مُصَلٍّ إلا وَمَلَكٌ عن يمينه وَمَلَكٌ عن يَسَارِهِ، فإن أَتَمَّهَا عَرَجَا بِهَا، وإن لم يُتِمَّهَا ضَرَبَا بها وجهه" (١). وعن حُذَيْفَةَ ﵁ أنه رَأَى رجلًا لا يُتِمُّ الركوع والسُّجود فقال: مُنْذُ كَمْ تُصَلِّي بهذه الصَّلاة؟ فقال: مُنْذُ أربعين سنة. قال: ما صَلَّيْتَ، ولو مُتَّ على غير الفِطرَةِ التي فَطَرَ الله عليها محمدًا ﷺ (٢).

стр. 144

وعن أبي ذَرٍّ ﵁ قال: نَهَانِي رسول الله ﷺ عن ثَلَاثٍ يعْني في الصلاة: عن إِقْعَاءِ الْقِرْدِ وَتَلَفُّتِ الثَّعْلَبِ ونَقْرَةِ الْغُرَابِ (١). الفصل الثالث لما كان العبادُ مأمورين بإقامة العبادات تعظيمًا للمعبود، وكانت الصلاة أفضل العبادات وأكثرها تكررًا، دُعُوا إليها أولًا باللفظة الدالة على الكبرياء والعظمة فقال لهم المؤذنون: الله أكبر الله أكبر، ثم أمروا بالدخول فيها بكلمة التكبير، وقرر أمرها بأن يأتوا بها في انتقالات الصلاة على التكرير لعلهم ينتبهوا لمعناها مرة فيوفّوا حق الطاعة بحسب الاستطاعة، ويأتوا بواجب التعظيم على قدر الطاقة التي تمتد إليها أيدي أولي الضعف والفاقة، ثم أمروا بعد الدخول في الصلاة بأن يفتتحوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إشارة إلى شكر نعمة الله تعالى حيث أهَّلَهُم لمناجاته وتلاوة آياته وأذن لهم في الثناء عليه والقيام بين يديه. وفي كلمة: "رب العالمين" ثناءٌ كاملٌ وبيان أنَّ الكلَّ في تربيته قائمون به ومحتاجون إلى نِعَمِهِ، وأنه الوافي ميعاده والقاهر فوق عباده. ويُروي عن شعر عبد الله بن رواحة الأنصاري ﵁: [وافر] شَهِدْتُ بِأَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ … وأنَّ النَّارَ مَثْوَى الكَافِرينَا وَأَنَّ العَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ طَافٍ … وَفَوقَ العَرْشِ رَبُّ العَالِمَينَا

стр. 145

وَتَحْمِلُهُ مَلَائِكَةٌ شِدَادٌ … مَلائِكَةُ الْإِلَهِ مُسَوَّمِينَا (١) وهذه الفوقيَّةُ هي فوقيَّةُ العظمة والاستغناء في مقابلة ضعة الموسومين بِسِمَةِ العجز والفناء (٢)، فالخليقة على اختلاف الأحوال خاضعون له بلسان الحال أو المقال، والعابدون عن حقِّ عبادته قاصرون، والشاكرون في واجب شكره مُقَصِّرون. وفي هذا المَعْنَى أَقُولُ: [كامل] الْعَالَمُونَ ضَعِيفُهُمْ وَقَوِيُّهُمْ … لِجَلَالِ عِزَّتِهِ سُجُودٌ رُكَّعُ لَوْ كُلِّفُوا أَنْ يَعْبُدُوهُ عُمْرَهُمْ … حَقَّ الْعِبَادَةِ لَحْظَةً لَتَكَعْكَعُوا (٣) وإن شِئْتَ قُلْتَ: خُضَّعٌ وَتَضَعْضَعُوا هذا آخر المجلس الثامن من أماليه والحمد لله رب العالمين والصلاة على نبيه محمد وآله وصحبه أجمعين * * * * *

стр. 146

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وما توفيقي إلا بالله المجلس التاسع من أماليه ﵀ أملاه يوم الثلاثاء التاسع من شوال المبارك سنة إحدى عشرة وستمائة حَدَّثَنَا مولانا إِمَامُ الْمِلَّةِ والدِّين حُجَّةُ الإسلام والمسلمين أبو الْقَاسِمِ الرَّافِعِيُّ قال: أنبا أحمد بن حَسْنُوَيْهِ ومحمد بن أبي طالبٍ - أمَّا أحمد فَإِجَازَةً، وأما محمدٌ فَسَمَاعًا بقراءة والدي ﵏ قالا: أنبا إسماعيل بن محمدٍ قال: أنبا سعد بن الْحَسَنِ قال: أنبا أبو الْقَاسِمِ الْبَزَّازُ قال: أنبا ابن أبي زَكَرِيَّا قال: أنبا عَلِيُّ بن صالحٍ قال: أنبا سَهْلُ بن زَنْجَلَةَ قال: ثنا الوَليد بن مسلم قال: ثنا عبد الرحمن بن يزيد، حَدَّثَنيِ بُسْرٌ الْحَضْرَمِيُّ قال: حَدَّثَنِي أبو إِدْرِيسَ؛ أنهُ سمع النَّوَّاسَ بن سَمْعَانَ ﵁ يقول: إنه سَمِعَ رسول الله ﷺ يقول: "ما من قَلْبٍ إلا وهو بين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابعِ الرَّحْمَنِ إن شاء أن يُقِيمَهُ أَقَامَهُ وإن شاء أن يُزِيغَهُ أَزَاغَهُ". وكان يقول ﷺ : "يا مُثَبِّتَ القلوب ثَبِّتْ قلبي على دينك". قال: "والميزان بيد الرحمن يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ". في الشرح فصول: الفصل الأول هذا حديثٌ حسنٌ رواتُهُ أثباتٌ مشهورون. وأنْبَأَنَا به عَالِيًا غير وَاحِدٍ عن أبي بكرٍ الشِّيرُويِيُّ قال: أنبا محمد بن موسى الصَّيْرَفِيُّ قال: أنَبَا الأَصَمُّ قال: ثنا مُحَمَّدُ بن عبد الله بن عبد الْحَكَمِ قال: ثنا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ، عن ابن جَابِرٍ، عن بُسْرٍ، وقال في آخره: "يَرْفَعُ أَقْوَامًا وَيَضَعُ آخرين إلى يوم

стр. 147

الْقِيَامَةِ" (١). قال ابن عبد الْحَكَم: وَثَنَا الْمُقْرِئُ، ثَنَا حَيْوةُ، أنَبَا أبُو هَانِيءٍ، أنهُ سَمِعَ أبا عبد الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ يقول: إنَّه سَمِعَ عبد الله بن عَمْروٍ يقول: إنه سَمِعَ رسول الله ﷺ … الحديث، وَلَفْظُ الدُّعَاءِ: "يَا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا إلى طَاعَتِكَ" (٢). ورواه الوليد بن (سليمان) (٣) عن بُسْر، والوليد بن مزيد عن ابن جابر، عن بُسْر. والدُّعاءُ من الحديث مرويٌّ عن رسول الله ﷺ برواية جابر بن عبد الله أيضًا (٤). وأول الحديث برواية أبي هريرة ﵁ (٥). وراويه الأول: هو النَّوَّاسُ بن سَمعان الكلابي الأنصاري من أصحاب رسول الله ﷺ سكن الشام. روى عنه: جُبير بن نُفير، وأبو إدريس الْخَوْلَانِيُّ (٦).

стр. 148

وأبو إدريس: هو عائذ الله بن عبد الله بن عمرو الْخَوْلَانِيُّ الدمشقي، قاضي دمشق من كبار التابعين. سمع: عبادة بن الصامت، وأبا ذر، وأبا هريرة، وأبا الدرداء، وأبا ثعلبة، وَوَاثِلَةَ. روى عنه: الزهري، وربيعة بن يزيد، وبُسْر، وغيرهم (١). وبُسر: هو ابن عبيد الله الحضرمي الشامي. سمع: وَاثِلَةَ. روى عنه: عبد الله بن العلاء بن زَبْر، وزيد بن واقد، وعبد الرحمن بن يزيد (٢). وعبد الرحمن: هو ابن يزيد بن جابر الأزدي الشامي. روى عن: عُمير بن هانئ، والقاسم بن مُخَيْمِرَةَ. روى عنه: ابن المبارك، وابنه عبد الله بن عبد الرحمن. مات سنة ثلاث وخمسين ومائة (٣). والوليد بن مسلم: هو أبو العباس القرشي الأموي مولاهم الدمشقي سمع: ابن جابر، والأوزاعي، وابن أبي ذئب، وسعيد بن عبد العزيز. روى عنه: داود بن رشيد، ومحمد بن المثنى. مات سنة خمس وتسعين ومائة مُنْصَرَفَهُ من الحج قبل أن يصل إلى دمشق (٤).

стр. 149

وآخر يقال له الوليد بن مسلم: وهو أبو بشر العنبري بصري (١). وسهل: هو ابن أبي سهل أبو عمرو الخياط الرازي، يقال له: سهل بن زنجلة. ثقةٌ معروفٌ. سمع: جرير بن عبد الحميد بالري، وسفيان بن عيينة بالحجاز، ووكيع بن الجراح بالكوفة، ويحيى القطان بالبصرة، وأقران هؤلاء بهذه البلاد وغيرها. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد ابن ماجه (٢). وأبو صالح: هو علي بن صالح بن أبي صالح المعدل الكرابيسي. روى عن: الحارث بن عبد الله، وسلمة بن شبيب، وحميد بن زنجويه، وعبد العزيز بن يحيي، وابن زنجلة. وابن أبي زكريا: هو أبو بكر محمد بن يحيى بن أحمد بن يحيى بن النعمان الهمذاني. كان فقيهًا بارعًا من أصحاب ابن سُريج، ويقال: إنه أول من أظهر مذهب الشافعي ﵁ بهمذان، وله مصنفات عزيزة منها كتاب "السنن" ذكر الأئمة أنه ما سبق إلى مثله. سمع: أبا خليفة، وأبا يعلى، وأبا بكر بن أبي داود. روى عنه: ابن لَال، وابن تُركان، وغيرهما. مات سنة سبع وأربعين وثلاثمائة (٣).

стр. 150

وأبو القاسم البزاز: هو علي بن إبراهيم بن محمد بن حامد. شيخ همذاني وبها سمع: ابن أبي زكريا، وغيره. وسعد: هو أبو الوفاء بن الحسن بن محمد بن الحسين القصري. سمع: البزاز. وكان إمام الجامع بأسد أباذ. وإسماعيل: هو أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن حمزة بن الربيع المخلدي القزويني. يوصف بالحفظ والمعرفة، وله مجموعات كما يكون للإخباريين. سمع بقزوين: محمد بن إبراهيم الْكَرْخِيَّ، وهبة الله بن زاذان، والأستاذ الشافعي، وبهمذان: الْقَصْرِيَّ، وأبا بكر محمد بن الحسين بن فَنْجُوَيْهِ الدِّيْنَوَرِيَّ (١). وأما شيخاي رحمة الله عليهما: فأحمد: هو الإمام أبو سليمان أحمد بن حسنويه بن حاجي بن حسنويه بن القاسم بن عبد الرحمن بن سهل بن السري بن سليمان بن عباد بن عبد الملك بن يحيي بن عباد بن عبد الله بن الزبير بن العوام الزبيري. ومن خَطِّهِ نقلتُ هذا النسبَ. شريفٌ، أديبٌ، فقيهٌ، مناظرٌ، وفي كلِّ فنٍّ من علوم الشرع ناظرٌ، وبِحَظٍّ صالحٍ منها آخذٌ، وله في أكثرها قريحةٌ (٢) جيدةٌ وبصرٌ نافذٌ. سمع: أباه، وإسماعيل المَخْلَدِيَّ، وغيرهما، وله الإجازة المطلقة من أبي

стр. 151

منصور المُقَوِّمِيّ، ومن جده لأمه الواقد بن الخليل الحافظ، سمعت منه جزءًا من الحديث. توفي سنة أربع وستين وخمسمائة وهو ابن ست وثمانين (١). ومحمد: هو الأستاذ محمد بن أبي طالب أو طالب بن ملكويه بن أبي طالب الضرير، أبو بكر المقرئ الجصاصي. كان مُتَعَبِّدًا حَسَنَ الطَّرِيقَةِ، قَنُوعًا، عَالِمًا بالقراءات بَحُوثًا عن طُرُقِهَا، أَقْرَأَ الناس مُدَّةً طويلةً. سمع: الأستاذ الشافعي، وَذَا الفَقَارِ الْحَسَنِىَّ، وإسماعيل الْمَخْلَدِيَّ، وغيرهم. توفي سنة أربع وسبعين وخمسمائة (٢). الفصل الثاني "الْقَلْبُ" الْعُضْوُ الْمَعْرُوفُ، وقد يُعَبَّرُ به عن العقل لأنه محله، وذكر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ (٣) أي: فهم وعقل. وَالْأُصْبعُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وفيه لغات: إِصْبَعُ وأُصْبَعٌ، وقد تتبع الكسرة الكسرة (٤) فيقال: إِصبعٌ، والضَّمة الضَّمة فيقال: أُصْبُعٌ، ويقال: أَصْبعٌ أيضًا، وصَبَعْتَ على فلان وبه صَبْعَا إذا أشرت نحوه بأصبعك، وصَبَعْتَ الإناء إذا وضعت أصبعك عليه ليسيل ما فيه في إناءٍ آخر، ويقال للرَّاعي ماشيته إِصْبَع أي:

стр. 152

أثرٌ حسنٌ. وننشد: ضَعِيفُ العَصَا بَادِي الْعُرُوقِ تَرَي لَهُ … عَلَيْهَا إِذَا ما أَجْدَبَ النَّاسُ إِصْبَعًا (١) أي: أثرًا حسنًا، وكَنَّي بِضَعْفِ العصا عن قلة ضربه للمواشي شفقةً عليها. وقوله: "بَادِي الْعُرُوقِ" أي: بدت عروقه من التَّعب وكثرة التردد في رعيها. وقوله ﷺ : "بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ" اختلف المئولون فيه بحسب اختلاف معنى الأصبع: فقال قائلون: هو كناية عن غاية القوة والاستيلاء، يعني: إن القلوب في قبضته نافذة عليها قدرته، يقال: فلان في يد فلان، وبين أصبعيه أي: يقلبه كيف يشاء؛ وذلك لأنَّ أقدر ما يكون الرجل على الشيء إذا كان في يديه وبين أصابعه؛ لسهولة تحريك الأصابع للطفها لا كتحريك اليد من الساعد أو من العضد؛ ولأن البطش التام في الأصابع دون الكف وما فوقها. واعلم أنَّ قدرة الله تعالى واحدة، والتثنية والجمع في الحديث على هذا راجعان إلى أنَّ تلك القدرة تتعلق بكل مقدور فتعمل عمل القُدَر المتعددة. وقال آخرون: "بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ" أي: بين نعمتين وأثرين من آثار صنعه، وجعل بعضهم قوله: "إِنْ شَاءَ أَنْ يُقِيمَهُ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُزِيغَهُ أَزَاغَهُ" تفسيرًا للأصبعين (٢).

стр. 153

ثم منهم من يقول: المقصود الشخص، وإنما خُصَّ القلب بالذكر؛ لأنه أمير الجسد والجوارح الظاهرة، والإدراكات الباطنة، والجنود المسخرة له، صلاحها في صلاحه وفسادها في فساده. أنبأنا غير واحد، عن أبي عَلِيٍّ المُقْرِئِ، عن الخليل الْحَافِظِ قَالَ: أَنَبَا عَبْد الله بن مُحَمَّد الْفَارِسِيُّ قَالَ: ثَنَا مُحَمَّد بن عَبْد الله بن بكار قَالَ: ثَنَا عُثْمَانَ بن خُرَّزَاذ، ثَنَا سُوَيْدُ بن سَعِيدٍ قَالَ: حدثني الْحَكَمُ بْنُ الْفَصِيلِ (١) الْعُبَيْدِيُّ، عَنْ عَطِّيَةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رِسُولُ الله ﷺ : "الْيَدَانِ جَنَاحَانِ، وَللرِّجْلَانِ بَريدَانِ، والأُذُنَانِ قِمْعَانِ، وَالْعَيْنَانِ دَلِيلَانِ، واللِّسَانُ تَرْجُمَان، وَالْكَبِدُ رَحْمَةٌ، والْقَلْبُ مَلِكٌ، فَإِذِا فَسَدَ الْقَلْبُ فَسَدَ سَائِرُهُ" ويروي: "فَإِذِا فَسَدَ المَلِكُ فَسَدَ جُنُودُهُ، وَإِذَا صَلَحَ صَلَحَ جُنُودُهُ" (٢). ومنهم من قال وهو الظَّاهر: المقصود القلب خاصة لسرعة تقلبه وتغيّره وخطور الخواطر المختلفة له بحسب الجواذب والبواعث، فيجذبه الملك تارة فيلتفت إليه، والشيطان أخرى فيلتفت إليه، ويقع أخرى في تجاذب ملكين يدعوه

стр. 154

هذا إلى خير وهذا إلى آخر، وفي تجاذب شيطانين أو ملك وشيطان، ولسرعة تقلبه كان رسول الله ﷺ يقول في حلفه: "لَا وَمُقَلِّبُ الْقُلُوبِ" (١). وَيُرْوَى أَنَّه ﷺ قَالَ: "مَثَلُ الْقَلْبِ فِي تَقَلُّبِهِ مَثَلُ الْقِدْرِ إِذَا اسْتَجْمَعَتْ غَلَيَانًا" (٢). وعَن أَبِي مُوسَى الأَشْعَريِّ عَنِ النَّبِيّ ﷺ : "إِنَّ مَثَلُ الْقَلْبِ كَرِيشَةٍ بِأَرْضِ فَلَاةٍ تُقَلِّبُهَا الرِّيَاحُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ" (٣). وقوله: "وَالْمِيزَانُ بِيَدِ الرَّحْمَنِ" الميزان أصله مِوْزَان قلبت الواو ياءً لكسر ما قبلها كميلاد وميعاد. واليدُ أصلها يدي لسكون عينها، والجمع أيدٍ كفلسٍ وأفلس، ومنهم من يقول في يد: يَدّي كرحًى، ويقول في تثنيتها: يديان. ولليد الجارحة المعلومة معان في "الغريبين" اليد: النعمة، واليد: القدرة والقوة، واليد: الملك، واليد: الطاعة والاستسلام، ومنه قول عثمان لعمار ﵄: "هذه يدي لعمار" (٤) أي: أنا مستسلمٌ له منقادٌ، واليد: الحفظ والوقاية. ومعنى قوله: "الْمِيزَانُ بِيَدِ الرَّحْمَنِ" أنه الذي يمنح القلوب الأخلاق والجسوم الأعمال، ويمنعها من شاء، وهو القابض الباسط في مقاديرها فيزيد وينقص كما

стр. 155

يريد، ويبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، ويرفع من يشاء ويخفض (١). وليس غرض الحديث الميزان الذي يوضع في القيامة لوزن الأعمال، ألا تراه قال في الرواية الأخرى: "يَرْفَعُ أَقْوَامًا وَيَضَعُ آخَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". الفصل الثالث حَقُّ على من عرفَ سرعةَ تقلُّب القلبِ وتبدُّلِ أحواله، وتَحَقَّقَ تفاوت حظِّهِ من الأخلاقِ الحسنةِ والسيئةِ، وتَيَقَّنَ أنَّ ذلك كلَّهُ من تدبيرِ اللَّطيف الخبيرِ، وأنَّ بيد الرحمن ميزان ما شان وما زان؛ أن يُكْثِرَ الالتجاء إليه، ويطلب السعادة والخير مما عنده ولديه، على ما قال ﷺ إثر ذكر القلب: "يَا مُثَبِّتَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ" وأن ينقِّيَ قلبه عن الشَّهوات الداثرة، وعن طلب الدنيا بعمل الآخرة. روي عن عمر ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ (٢) أذهب عنها الشهوات. وعن الحسن: إن طلب الدنيا بعمل الآخرة موت القلب، وإذا صفي القلب انفتح بصره الذي يدعي البصيرة وصار كالمرآة يتمثل فيه كل شيء (٣). عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ أَنَّهُ قَالَ: في وجه الإنسان عينان يُبْصِرُ بهما أمر دُنْيَاهُ، وفي قلبه عينان يُبْصِرُ بهما أَمْرَ آخِرَتِهِ، فإذا أراد الله بِعَبْدٍ خيرًا فَتَحَ عَيْنَيْهِ التي في قلبه،

стр. 156

وإذا أَرَادَ به غير ذلك لم يَفْتَحْهَا، ثُمَّ قَرَأ: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (١). وكَمَا أَنَّ صَاحِبَ الْبَصَرِ الظَّاهِرِ إذا لَمْ يَفْتَحْ أَجْفَانَهُ أو ذهب عُمْرُهُ في ظُلْمَةٍ ضَاعَتْ عَيْنُهُ وَنُورُهَا، فَصَاحِبُ الْبَصِيرَةِ الْبَاطِنَةِ إذَا لَمْ تَنْفَتِحْ أَجْفَانُ بَصِيرَتِهِ ضَاعَ قَلْبُهُ وبَطَلَتْ فائِدَتُهُ، وَسَبِيلُ مَنْ أَشْرَفَ قَلبُهُ وَنُورُ بَصِيرَتِهِ على الضَّيَاعِ أَنْ يَسْتَغِثَ بِالرَّحْمَنِ رَجاء أَن يَتَدارَكَ أَمْرَهُ بِالرَّحْمَةِ والاِصْطِنَاعِ، وَيَتَضَرَّعَ بِمَا أَنْشَدَ عَبْد اللهِ بْنُ الْحَسَنِ الْفَقِيرُ: [بسيط] لَوْ شِئْتَ دَاوَيْتَ قَلْبًا أَنْتَ مُسْقِمُهُ … وَفِي يَدَيْكَ مِنَ الْبَلْوَى سَلَامَتُهُ إِنْ كَانَ يُجْهَلُ مَا فِي الْقَلْبِ مِنْ حُرَقٍ … فَدَمْعُ عَيْنِي عَلَى خَدِّي عَلَامَتُهُ وَقَرَأْتُ على والدي ﵀ قَالَ: أَنَبَا هِبَةُ الرَّحْمن قَالَ: أَنَبَا أبو سَعِيدٍ قَالَ: أنَبَا السُّلَمِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أبَا نَصْرٍ الطُّوسِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أبَا الطَّيِّب الْعَكِّيَّ يقُولُ: ذُكِرَ لي أَنَّ سَمْنُونَ كان جَالِسًا على الشَّطِّ وَبِيَدِهِ قَضِيبٌ يَضْرِبُ به فَخِذَهُ وَسَاقَهُ حَتَّى تَبَدَّدَ لَحْمُهُ وَهُوَ يَقُولُ: [مديد] كَانَ لِي قَلْبٌ أَعِيشُ بِهِ … ضَاعَ مِنِّي فِي تَقَلُّبِهِ رَبِّ فَارْدُدْهُ عَلَيَّ فَقَدْ … ضَاقَ صَدْرِي فِي تَطَلُّبِهِ وأَغِثْ مَا دَامَ بِي رَمَقٌ … يَا غِيَاثَ الْمُسْتَغيثِ بِهِ (٢) وَمَن الْتَجَأَ إِلَيْهِ فَلَمْ يُقْبَلْ ولَمْ يُفْتَح لَه البَابُ فَقَد قَضَى عَلَيْهِ ما عَلَيْهِ، ولم يَلُمْ نَفْسَهُ إذَا استْقبَلَهُ مَا بَينَ يَدَيْهِ.

стр. 157

عَلَى المَرْءِ أَنْ يَسْعَي وَيَبْذُلَ جُهْدَهُ … وَيَقْضِي لَهُ الرَّحْمَنُ مَا كَان قَاضِيَا (١) على أنَّه أَكْرَمُ من أنْ يُخَيِّبُ الَّذي رجَاهُ ولا يُجِيبَ الَّذِي دَعَاهُ، فَاصْدُقْ فِي الاِسْتِعَانَةِ وَالْإِنَابَةِ وَلَا تَرْتَبْ فِي الْإِغَاثَةِ وَالْإِجَابَةَ. ونَظَمتُ في خِلالِ تَلفيقِ الفَصْلَيْنِ الأَخِيرَينِ اليَومَ: [خفيف] رَبَّنَا لَا تُزِغْ وَلَا تَخْذُلْ … قَلْبَنَا الْمُطْمَئِنَّ بِالْإِيمَانْ وَأَقِلْنَا عِثَارَنَا كَرَمًا … وَاصْطَنِعْنَا بِرَحْمَةٍ وَأَمَانْ رُبَّ قَلْبٍ أُزِيغَ بَعْدَ هُدًى … الْأَمَانَ الأَمَانَ يَا رَحْمَنْ آخر المجلس التاسع، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه محمد وآله وصحبه وسلم * * * * *

стр. 158

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وما توفيقي إلا بالله المجلس العاشر من أماليه رحمة الله عليه أملاه يوم الثلاثاء بكرةً السادس عشر من شوال سنة إحدى عشرة وستمائة حَدَّثَنَا ﵀ إِمْلَاءً من لَفْظِهِ الشَّريفِ قَالَ: قَرَأْتُ على والدي رحمة الله عَلَيْه: حدَّثَكُمْ أبو عُثْمَانَ العَصَائِدِيُّ قَالَ: أبنَا إسماعيل النَّوْقَانِيُّ قَالَ: أنَبَا أبو الْحُسَيْنِ بن بِشْرَانَ قَالَ: أَنَبَا أبو عَلِيٍّ الصَّفَّارُ قَالَ: ثَنَا سَعْدَانُ بن نَصْرٍ قَالَ: ثَنَا أبي قَالَ: ثَنَا حَفْصُ بن سُلَيْمَان قَالَ: حَدَّثَنَا عَلقَمَةُ بن مَرْثَدٍ، عن أبي عَبْد الرَّحْمَنِ، عن عُثْمَانَ بنْ عَفَّانَ ﵁ قَالَ: مَرِضْتُ مَرَضًا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي فَعَوَّذَنِي يَوْمًا فَقَالَ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (أَعوذُ بِكَ) (١) بِالْأَحَدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد مِنْ شَرِّ مَا تَجِد". فَبَرَأْتُ فَشَفَانِي الله، فَلَمَّا شُفِيتُ قَالَ لي: "يَا عُثْمَانُ، تَعَوَّذْ بِهِنَّ فَمَا تَعَوَّذْتُمْ بِمِثْلِهِنَّ". في الشرح فصول: الفصل الأول هذا حديثٌ عزيزٌ من رواية أمير المؤمنين عثمان ﵁، أورده الحافظ

стр. 159

أبو بكر البيهقي في "الدعوات الكبير" (١) عن عبد الله بن يوسف، عن أبي سعيد بن الأعرابي، عن سعدان. وعثمان (٢) ﵁ أبو عمرو، وقيل: أبو عبد الله بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصَي الأموي القرشي. صاحب رسول الله ﷺ وختنه على ابنتيه رقية وأم كلثوم. ولم يتَّفق لأحد من لدن آدم ﵇ نكاح بنتي نبيٍّ إلَّا لعثمان ﵁، وبذلك لُقب بذي النُّورين في قول بعضهم. وأُمُّهُ أَرْوَي بنت كُرَيز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، يقال: إنها أسلمت، وَأُمُّ أُمُّهِ (٣) عَمَّةُ رسولِ الله ﷺ وهي البيضاء بنت عبد المطلب توءمة عَبْد الله. وفضائلُ عثمانَ ورسوخُ قَدَمِهِ في صُحبةِ رسول الله ﷺ تغني شُهرتها عن بَسطها ولا تَفِي مجالسُ بضبطها. قُتِلَ شهيدًا صائمًا في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وهو ابن ست وثمانين، وقيل: ابن ثمان، وقيل: ابن تسعين، وقيل غير ذلك. وكانت مدة خلافته اثني عشر سنة، ويقال: إلا اثنتي عشرة يومًا. وَدُفِنَ بِالبَقِيعِ. وأبو عبد الرحمن: هو عبد الله بن حبيب السُّلَمِيُّ الكوفي.

стр. 160

من كبار التَّابعين فقهًا وقراءة وعربية، أقرأ الناس من زمن عثمان ﵁ إلى زمن الحجاج. سمع: عثمان، وعليًّا، وابن مسعود، وأبا موسى الأشعري، وحُذيفة. روى عنه: أبو إسحاق الهمداني، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وسعد بن عبيدة، وعاصم بن بَهْدَلَةَ. ولأبيه حبيبٍ صحبة. توفي سنة أربع وسبعين، وقيل: سنة اثنتين (١). وعَلْقمةُ بن مَرْثَدٍ: هو أبو الحارث الحضرمي الكوفي. سمع: طارق بن شهاب، وأبا عبد الرحمن السُّلَمِيَّ وربما روي عن سعد بن عبيدة عنه. وسمع أيضًا: الشعبي، ومجاهدًا، وسليمان بن بريدة. روى عنه: الثوري، وشعبة، ومسعر (٢). وحفص بن سليمان: هو أبو عمر الأسدي الكوفي القارئ، ويقال له: حفص بن أبي داود. روي عن: عاصم، وعلقمة بن مرثد (٣). وآخر يقال له: حفص بن سليمان، بصري منقري. روي عن: الحسن. وعنه: حماد بن زيد (٤).

стр. 161

وآخر يقال له: حفص بن سليمان، بصري أيضًا. سمع: معاوية بن قرة، وربما قيل: سليمان بن حفص (١). وآخر يقال له: حفص بن سليمان (الأزدي) (٢). روى عنه: خليد بن حسان. ونصر والد سَعدان: هو نصر بن منصور الثقفي. روى عنه: ابنه (٣). وسَعْدان: هو أبو عثمان الثقفي المخرمي البزاز من أهل بغداد، وكان اسمه سعيدًا فغلب عليه سَعدان. روي عن: سفيان بن عيينة، ومعاذ بن معاذ، وأبي معاوية. سمع منه: عبد الرحمن، وأبوه أبو حاتم ووثَّقه (٤)، وأثنى عليه الدارقطني أيضًا (٥). توفي سنة خمس وستين ومائتين (٦). وأبو عليٍّ الصَّفَّارُ: هو إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن صالح بن عبد الرحمن النحوي من أهل بغداد، صاحب المبرد. سمع: الحسن بن عرفة، وزكريا بن يحيى المروزي، وأحمد بن منصور

стр. 162

الرَّمادي، وسعدان بن نصر. روى عنه: أبو الحسين بن المظفر، وأبو بكر الجوزقي، والدارقطني ووثقه. توفي سنة إحدى (وأربعين) (١) وثلاثمائة (٢). وأبو الحسين: هو علي بن محمد بن عبد الله بن (بشران) (٣) بن محمد بن بشر -أو بشران- بن مهران السُّكَّرِيُّ الأموي مولاهم. من مُحَدِّثي بغداد، أخو أبي القاسم بن بشران المذكور في المجلس الثاني وكان أكبر منه وتوفي قبله. روى عنه: أبو بكر البيهقي، والأئمة (٤). وإسماعيل النُّوقَانِيُّ: هو أبو القاسم بن زاهر بن محمد بن عَبْد الله بن محمد بن على (المعقلي) (٥). ثقةٌ صدوقٌ من أهل نيسابور، فَقِيهٌ، تفقه على أبي بكر الطوسي، ودرس بنيسابور مدة، وكان قد خرج في عنفوان الشباب إلى الحجاز في رفقة فيها الأئمة: أبو محمد الجُويني، وأبو القاسم القُشيري، وأبو بكر البيهقي. فسمع ببغداد: محمد بن الحسين القطان، وأبا الحسين بن بشران، وبالكوفة: جناح بن نذير، وبمكة: ابن نظيف المصري، وأملي في المدرسة النِّظامية سنين، وكان قد سمع عبد الله بن يوسف وأبا طاهر الزِّيادي أيضًا.

стр. 163

توفي سنة تسع وسبعين وأربعمائة (١). وأبو عثمان الْعَصَائِدِيُّ: هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد. كان شيخًا من أهل نيسابور، بَهِيًّا صاحبَ ثروةٍ ومروءةٍ وحديثٍ ومعرفةٍ، لقي المشايخ وأملى الكثير. توفي سنة تسع وأربعين وخمسمائة (٢). ووالدي ﵀ مذكور في المجلس الأول وغيره. وسمعت عبد الرحيم بن الحسين المؤذن -وكان رجلًا صالحًا يؤذن في مسجده- يحكي أنَّ الوالد ﵀ خرج في ليلةٍ مظلمةٍ لصلاةِ العشاءِ قال: وأنا على باب المسجد أنتظره، فحسبت أن في يده سراجًا وتعجبت منه؛ لأنه لم يكن من عادته استصحاب السراج، فلما بلغ المسجد لم أجد السراج فدهشت، وذكرت له ذلك من الغد فلم يعجبه وقوفي على الحال، وقال: أقبل على شأنك (٣). الفصل الثاني يُقَالُ: عَادَ المَرِيضَ يَعُودُه إِذَا زَارَهُ وتَفَقَّدَهُ عَوْدًا وَعِيَادَةً، والياء واو منقلبة، وَعَادَ إِلَى الشَّيْءِ يَعُودُ عَوْدًا وَعَوْدَةً، وَذُكِرَ أَنَّ الْعِيَادَةَ سُمَّيَتْ عِيَادَةً لِلْعَوْدِ إِلَى الْمَرِيضِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى. وَيُقَالُ: أَعَذْتُ فُلَانًا بِكَذَا وَعَوَّذْتُهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَعُذْتُ بِفُلَانٍ وَاسْتَعَذْتُ بِهِ: أي لَجَأْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ عِيَاذِي، وَالْعُوَّدُ: النَّبْتُ فِي الْمَكَانِ الْحَزْنِ أَوْ أَصْلِ الشَّوْكِ لَا تَنَالُهُ السَّائِمَةُ كَأَنَّهُ عَاذَ بِهِ، وَيُقَالُ: أَطْيَبُ اللَّحْمِ عُوَّذُهُ وَهُوَ مَا عَاذَ بِالْعَظْمِ وَلَزِمَهُ.

стр. 164

و"الْأَحَدُ" مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى: قِيلَ: هو مختصٌّ بالله تعالى بخلاف الواحدِ، فلا يقال: رجل أحد وإن كان يقال: واحد، نعم يستعمل في النفي فيقال: ما في الدار أحد، ومضافًا فيقال: أحد القوم. وَقِيلَ: هما بِمعنى واحد، وهو الَّذي لا شبيه له ولا شريك. وَقِيلَ: الواحدُ المنفردُ بالذَّاتِ، والأحدُ المنفردُ بالمعاني والصِّفات، وأصل أَحَدَ وَحَدَ. و"الصَّمَدُ" هو السَّيِّدُ الَّذي يُصْمَدُ إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ، أيْ: يُقْصَدُ، يقال: صَمَدَه يَصْمِدُه بِالضَّمِّ إِذَا قَصَدَهُ، وهو فعل بمعنى مفعول كقبض بمعني مقبوض. وَقِيلَ: الصَّمَدُ: الدَّائِمُ. وَقِيلَ: الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ، ويقرب منه قول من قال: الذي لا يطعم. وَقِيلَ: الَّذِي لَا عَيْبَ فِيهِ. وَقِيلَ: الْكَامِلُ في صِفَاتِهِ. وفي "الكُفْؤ" لغات: كُفُؤٌ بضم الكاف والفاء، وكُفْؤٌ بضم الكاف وتسكين الفاء، والكلمة مهموزة في اللغتين، وكُفُؤٌ الكاف والفاء وإبدال الهمزة بالواو، وورد بها القراءة في سورة الإخلاص، وَكُفْؤٌ كَحُلْو، وكِفَاءً بكسر الكاف والمد، قال حسان ﵁: وُرُوْحُ الْقُدُسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ (١) وكَفِيءٌ على فعيل: وهو المثل والنظير.

стр. 165

وَيُقَالُ: بَرَأْتُ مِنَ الْمَرَضِ بَرْءًا بالفتح، وَبَرِثْتُ بُرْءًا فَأَنَا بَارِئٌ، وقد يُسهل فيقال: بَرِيتُ، وحكي بُرْءًا بالضم أيضًا، وأَبْرَأَنِي الله مِنَ الْمَرَضِ وَيُقَالُ: بَرِئْتُ من الدَّين بَرَاءَةً وليس فيه إِلَّا الكسر، وَبَرَأَ الله الْخَلْقَ بَرْءًا وليس فيه إِلَّا الفتح. وَيُقَالُ: شَفَاهُ اللهُ مِنْ مَرَضِهِ شِفَاءً، وَاسْتَشْفَى: طَلَبَ الشِّفَاءَ، وَأَشْفَاهُ اللهُ عَسَلًا: أي جَعَلَ لَهُ شِفَاءً. الفصل الثالث قوله: "وكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي فَعَوَّذَنِي يَوْمًا" فيه إشعارٌ ظاهرٌ بأنَّهُ عاده مرة بعد مرة، والعيادةُ من سنن رسول الله ﷺ وآدابه التي أمرَ بها. قَرَأْتُ عَلَى أَحْمَد بن الْحُسَيْنِ الْعَطَّارِ، أَنَبَا أَبُو بَكْرٍ الدَّاغُونِيُّ، أَنَبَا مُحَمَّد بن أَبِي نَصْرٍ الْحُمَيْديُّ. وأَبَنَا مُحَمَّد بن عَبْد الْبَاقِي، عن الْحُمَيْدِيِّ، أَنَبَا أبو الْقَاسِم عَبْد الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُظَفَّرِ، أَنَبَا أَحْمَد بن مُحَمَّدٍ الذَّارعُ، ثَنَا أبو بِشْرٍ الدُّولَابِيُّ، ثَنَا مُحَمَّد بن بشَّارٍ، ثَنَا مُحَمَّد بن جَعْفَرٍ، ثَنَا شُعْبَةُ، عن الأَشْعَثِ، عَن مُعَاوِيَةَ بن سُوَيْدِ بنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بن عَازِبٍ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ بِسَبْعٍ: أَمَرَنَا باتِّباع الْجَنَائِزِ، وَعِيَادَةِ الْمَرْضَي، وتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعي، ونُصْرَةِ المَظْلُومِ، وَإِبْرَارِ الْمُقْسِم، وَرَدِّ السَّلَامِ (١). وَيُسْتَحَبُّ لِلْعَائِدِ أَنْ يَتَلَطَّفَ وَيَرْفُقُ بِالْمَرِيضِ بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهِ والسُّؤَالِ عَنْ

стр. 166

حَالِهِ وَتَطْيِيبِ نَفْسِهِ: فَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مِنْ تَمَامِ الْعِيَادَةِ أَنْ تَضَعَ عَلَى المَرِيضِ يَدَكَ فَتَقُولُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ كَيْفَ أَمْسَيْتَ؟ " (١). وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى مَرِيضٍ فَنَفِّسُوا فِي أَجَلِهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَهُوَ يُطَيِّبُ نَفْسَهُ" (٢). وقوله: "أَعُوذُ بِكَ" الباء في "بِكَ" باء التعدية، والمعنى: أعوذك أو أعيذك، وبلفظة "أُعِيذُكَ" روي أبو بكر السُّنِّي الحديث في "يوم وليلة" (٣) والحافظ

стр. 167

البيهقي (١). والباء في قوله: "بِالْأَحَدِ" صلة العياذ. وقوله: "فَبَرِأْتُ فَشَفَانِيَ اللَّهُ" يشبه أن يريد بالبرء مبادئ الصحة والقوة، وبالشفاء نهايتها، ويمكن أن يقال: البُرْءُ نعمة محبوبة، وليس في قوله: "بَرَأْتُ" ذكر المنعم، فلما قال: "فَبَرأْتُ"، قَالَ: "فَشَفَانِيَ اللَّهُ" ليضيف النعمة إلى المنعم وذلك نوع من الشكر. وكتب بعضهم "فَقَرَأْتُ" بدل "فَبَرِأْتُ" وهذا إن كان عَنْ تَثَبُّتٍ فقوله: "فَعَوَّذَنِي" أي ألقى عليَّ الكلمات لأَتَعَوَّذَ بِهَا، كما رُوِيَ أنَّ عثمان بن أبي العاص الثَّقَفِيَّ شَكَا إلى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَعًا يَجِدُهُ، قَالَ: "ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي يَأْلَمُ مِنْ جَسَدِكَ وَقُلْ بِاسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِاللَّهِ وَقُدْرَتِهِ" وَيُرْوَي: "بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ" (٢). وقوله: "تَعَوَّذْ بِهِنَّ فَمَا تَعَوَّذْتُمْ بِمِثْلِهِنَّ" يدل على فضيلة هذه العُوذَةِ. وَوَرَدَتْ كَلِمَاتٌ أُخَر يُعَاذُ بِهَا الْمَرِيضُ: فَعَن رِوَايَةِ عَائِشَةَ (٣) وأَنَسٍ (٤) ﵄: "اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ (أَذْهِبِ) (٥) البَاسَ اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شَافَي إِلَّا أَنْتَ، اشْفِ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سُقْمًا". وَعَنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَسْأَلُ اللهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ

стр. 168

يَشْفِيَكَ" (١). وَعَن رِوَايَةِ سَلْمَانَ: "شَفَى اللَّهُ سُقَمَكَ وَغَفَرَ ذَنْبَكَ وَعَافَاكَ فِي دِيْنِكَ وَجِسْمِكَ إِلَى مُدَّةِ أجَلِك" (٢). وَعَن رِوَايَةِ عَبْد الله بن عَمْرٍو: "اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ يَنْكَأُ لَكَ عَدُوًّا أَوْ يَمْشِي لَكَ إِلَى صَلَاةِ" (٣). وفي افتتاحِ العُوذةِ بالتَّسْمِيَةِ تَيَمُّنٌ وَتَبَرُّكٌ بِهَا، وإشارةٌ إلى أنَّهُ يحسن لمن طلب كشف الكروب في الدنيا وغفران الذنوب في العقبي أن يدعو ربه على التعظيم باسميه الرحمن الرحيم ليكشف عنه بالرحمة ما أصابه من الغمة، ومن عهد ذكره اليوم واتخذ عند الرحمن عهدًا، فسيحشر غدًا في المتقين إليه وفدًا إذا عُرِضَ عليه

стр. 169

وأتاه يوم القيامة فردًا فسيجعل له من فضله وُدًّا. وفي التَّفاسير أنَّ فارعة أخت أمية بنت أبي الصلت أنشدت رسول الله ﷺ من شعر أخيها فيما أنشدت: [خفيف] عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ تُعْرَضُونَ عَلَيهِ … يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَالسِّرَارَ الْخَفِيَّا يَوْمَ يَأْتِي الرَّحْمَنُ وَهُوَ رَحِيمٌ … إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيَّا يَوْمَ تَأْتِيهِ مِثْلَ مَا قَالَ فَرْدًا … ثُمَّ لَا بُدَّ رَاشِدًا أَوْ غَوِيَّا رَبِّ إِنْ تَعْفُ فَالْمُعَافَاةُ ظَنِّي … أَوْ تُعَاقِبْ فَلَمْ تُعَاقِبْ بَرِيَّا وهذه الباء الواقعة في أول التسمية تسمى باء الإلصاق لإلصاقها الفعل بالمفعول، والفعل محذوف فيها، وكأن حذف الفعل للتنبيه على أن كل فعل ينبغي أن يكون بالله ولله، ولا يختص ذلك ببعض الأفعال حتى تخصص بالذكر، وكأنَّ الذاكر إذا استغرق في الذكر يقول: بك أتمسك، وبذكرك أتبرك، وعليك أتوكل، وبأسمائك أتوسل، وذكرك أُديم، وعلى بابك أُقيم. وَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِمَا أَنْشَدْتُكُم لِنَفْسِي: [طويل] أَقِيمَا عَلَى بَابِ الرَّحِيم أَقِيمَا … وَلَا تَنِيَا في ذِكْرهِ فَتَهِيمَا وَللِنَّفَحَاتِ الطَّيِّبَاتِ تَعَرَّضَا … لَعَلَّكُمَا تَسْتَنْشِقَانِ نَسِيمَا هُوَ الرَّبُّ مَنْ يَقْرَعْ عَلَى الصِّدْقِ بَابَهُ … يَجِدْهُ رَءُوفًا بِالْعِبَادِ رَحِيمًا (١) آخر المجلس العاشر بحمد الله ومنه وفضله، والحمد لله وحده، وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وآله وسلم

стр. 170

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ المجلس الحادي عشر من أماليه قَدَّسَ الله روحه أملاه يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من شوال سنة إحدى عشر وستمائة حدثَنَا ﵀ إِمْلَاءً مِنْ لَفْظِه الشَّرِيفِ قَالَ: أَنَبَا عَبْد الْعَزِيزِ (بْنُ الْخَلِيلِ) (١) بِقِرَاءَتِي عَلَيْه قَالَ: أَنَبَا الشَّافِعِيُّ بْنُ دَاوُدَ، أَنَبَا إِبْرَاهِيمُ الْعِجْلِيُّ، أَنَبَا مُحَمَّدُ بن الْمَكِّيُّ، أَنَبَا مُحَمَّد بن يُوسُفَ، أنَبَا مُحَمَّد بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُقَدَّمُ بْنُ مُحَمَّدِ، ثَنَا عَمِّي، عن عُبَيْد اللهِ، عَن نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْبِضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الأَرْضَ وَتَكُونُ السَّمَاوَاتُ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا المَلِكُ". في الشرح فصول: الفصل الأول هذا حديثٌ صحيحٌ: أخرجه البخاري (٢) هكذا، ورواه أيضًا مُعَلَّقًا فقال: وَقَالَ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ، سَمِعْتُ سَالِمًا، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا (٣). وأخرجه مسلم (٤) من حديث عمر بن حمزة، عن سالِمٍ واللفظ: "يَطْوِي اللهُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ يَقُولُ أَنَا المَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ أَيْنَ المُتَكَبِّرُونَ". وأخرجه أيضًا من حديث عبيد الله بن مقسم وغيره، عن ابن

стр. 171

عمر (١). ورواه عنِ النَّبِيِّ ﷺ : ابن مسعود (٢)، وأبو هريرة (٣) وزِيد في رواية أبي هريرة بعد قوله: "أَنَا الْمَلِكُ": "أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ". وابن عمر (٤) ﵄: هو عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبدٍ العزى، أبو عبد الرحمن العدوي، وأمه زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب بن حذيفة أخت عثمان بن مظعون. وُلِدَ قبل الوحي بسنة وهاجر مع أبيه، وأولُ مشاهدِهِ مع النَّبِيِّ ﷺ الخندق، وهو من مشاهير علماء الصحابة وكان عابدًا ناصحًا للأُمَّةِ متحرزًا عن الفتنة كثيرَ البرِّ والصَّدقةِ. يُروي عن سفيان الثوري أنَّهُ كان يقول: اقتدوا بعمر في الجماعة، وابن عمر في الفتنة. وعن سالم بن أبي الجعد قال: ما رأيت أحدًا إلَّا وقد مالت به الدنيا غير ابن عمر (٥). وعن مَيمون بن مِهْرَانَ أنَّ ابن عمر أتاه اثنان وعشرون ألف دينار في مجلسٍ

стр. 172

فلم يقم حتى فرقها (١). وعن نافع أنه ما مات حتى أعتق ألف نسمة أو زاد (٢). توفي بمكة سنة ثلاث وسبعين، ويقال: سنة أربع. ونافع (٣) أبو عبد الله مولاه من أهل المدينة أعتقه بعدما كان يُعْطَى به عشرة آلالف درهم فلم يقبلها. روي عن: ابن عمر، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وعائشة ﵃. وروي عنه: الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأيوب، ومالك، والأوزاعي، والكبار. وكان سالم يقدمه على نفسه في الفتوى. توفي سنة تسع عشرة ومائة. وعبيد الله (٤): هو أبو عثمان، وقيل: أبو عمرو بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري العدوي، من أكابر علماء المدينة. سمع: نافعًا، وسالمًا، والقاسم بن محمد، والزهري، وأبا الزناد. روى عنه: أيوب، وابن جريج، ويحيى بن سعيد القطان، والثوري، وشعبة، وأخوه عبد الله. وعن أحمد بن حنبل أنه أثبت في نافع من مالك. توفي سنة خمس وأربعين ومائة. وَعَمُّ مُقَدَّمٍ: هو القاسم بن يحيى بن عطاء بن مُقَدَّمٍ، أبو محمد الهلالي

стр. 173

الواسطيُّ. سمع: عبيد الله بن عمر. توفي سنة سبع وتسعين ومائة أو نحو ذلك (١). وَمُقَدَّمُ (٢): هو ابن محمد بن يحيى بن عطاء بن مُقَدَّمٍ الهلالي الواسطي. سمع: عمه. وهو وعمه من أفراد البخاري، وهما قليلا الذكر والرواية. ومحمد بن إسماعيل (٣): هو صاحب الصحيح الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه الجعفي البخاري، أشهر من أن يعرف بشيخ أو تلميذ. يروى عن إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة أنه قال: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله ﷺ ولا أحفظ له من محمد بن إسماعيل. وعن أحمد بن حنبل أنه قال: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل. وعن محمد بن الفضل البلخي أن محمد بن إسماعيل كان قد ذهب بصره في صباه وكانت له والدة متعبدة فرأت إبراهيم الخليل ﵇ في المنام فقال لها: إن الله قد ردَّ بصر ابنك بكثرة دعائك وبكائك، فأصبحت وقد ردَّ الله عليه بصره. وعن البخاري أنه قال: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف غير صحيح.

стр. 174

وجامعه الصحيح أعظمُ مَرجوعٍ إليه في سُنَّةِ رسول الله ﷺ ، يروى عنه أنَّهُ قال: أخرجت الصحيح من زهاء ستمائة ألف حديث. صنَّفه في ست عشرة سنة. ويقال: إنه ما وضع في الصحيح حديثًا إلَّا اغتسل قبله وصلى ركعتين، وأنه صنفه أو أكثره في المسجد الحرام، وأنه ترجم الأبواب بين قبرِ النَّبِيِّ ﷺ وبين مِنْبَرِهِ، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين، وذكر أنَّ أحاديث الصَّحيح سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون، وأنشد لأبي عامر الْجُرْجَانِيُّ: [متقارب] صَحِيْحُ الْبُخَارِيِّ لَوْ أَنْصَفُوا … لَقَدْ كَتَبُوهُ بِمَاءِ الذَّهَبْ أَسَانِيدُ مِثْلُ نُجُومِ السَّمَاءِ … أَمَامَ مُتُونٍ كَمِثْلِ الشُّهُبْ وَسِتْرٌ رَقِيقٌ إِلَى الْمُصطَفَى … وَنُورٌ مُبِينٌ لِكَشْفِ الرِّيَبْ فَيَا عَالِمًا أَجْمَعَ الْقَائِلُونَ … عَلَى فَضْلِ رُتْبَتِهِ فِي الرُّتَبْ نَفَيْتَ السَّقِيمَ مِنَ النَّاقِلِينَ … وَمَنْ كانَ مُتَّهَمًا بِالْكَذِبْ وَأَثَبْتَّ مَنْ عَدَّلَتْهُ الرُّوَاةُ … وَصَحَّتْ رِوَايِتُهُ فِي الْكُتُبْ فَأَعْطَاكَ رَبُّكَ خَيْرَ الْعَطَاءِ … وَأَجْزَلَ حَظَّكَ فِيمَا يَهَبْ وُلد في شوال سنة أربع وتسعين ومائة، وتوفي سنة ست وخمسين ومائتين ليلة الفطر، ودُفن بخَرْتَنْك قرية من قرى سمرقند على فرسخين منها، وقبره معروف يُزار. رَأَيْتُ بِخَطِّ الشَّيْخِ أَبِي الْفَتْحِ المُحْسِنُ بْنُ الْحُسَيْنِ الرَّاشِدِيُّ: أَنْشَدَنَا أَبُو سَعْدٍ

стр. 175

الْإِدْرِيِسِيُّ الْحَافِظُ عِنْدَ قَبْرِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ﵀ بِخَرْتَنْك (١) يُخَاطِبُهُ وَيَرْثِيهِ: [طويل] أَلَا أَيُّهَا الْحَبْرُ الْإِمَامُ المُفَضَّلُ … وَعَالِمُ قَوْلِ المُصْطَفَى ومُحَصِّلُ لِأَخْبَارِهِ إِذْ قَدْ جَمَعْتُ صِحَاحَهَا … لِعِلْمِكَ بالتَّصْدِيقِ مِمَّنْ تَحَمَّلُوا عَنِ المُصْطَفَى وَالتَّابِعِينَ وَبَعْدَهُمْ … كَأَنَّهُمُ فِي نُصْبِ عَيْنِكَ مُثِّلُوا كِتَابُكَ قَدْ فَاقَ الْجَوَامِعَ كَلَّهَا … وَمَا هُوَ إِلَّا حَاكِمٌ أَو مُعَدِّلُ جُزِيتَ عَنِ الإِسْلَامِ خُلْدًا وَجَنَّةً … وَأُعْطِيتَ مَا قَدْ كُنْتَ تَهْوَى وَتْأمَلُ في أبياتٍ هذه أجودها. ومحمد بن يوسف (٢): هو أبو عبد الله بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الْفِرَبْرِيُّ ومنهم من يفتح الفاء. سمع: علي بن خَشْرَمٍ، وحاشد بن إسماعيل، ومحمد بن إسماعيل. وهو راوية الصحيح وبروايته اشتهر. يروى عنه أنه قال: سمع الصحيح من البخاري تسعون ألفًا فما بقي من يرويه غيري، ويقال: إنه سمع الكتاب مرتين مرة بفربر، ومرة ببخاري، وفي تاريخ السماعين اختلاف رواية، توفي سنة عشرين وثلاثمائة. ومحمد بن المكي (٣): هو أبو الهيثم بن المكي بن محمد بن زَرَّاع الْكُشْمِيهَنِيُّ.

стр. 176

الفقيهُ الأديبُ. سمع: محمد بن يوسف، وأبوي العباس الدَّغُولِيَّ والأصمَّ، وإسماعيل الصفار، وأبا سعيد بن الأعرابي. ويقال: إنه آخر من روى الصحيح عن الْفَرَبْرِيِّ. وعن الشيخ عبد بن أحمد الهروي أنه قال: أملى علينا الْكُشْمِيهَنِيُّ عند ختم الصحيح: الحمد لله حمدًا حمد معترف بذنبه، ومستأنس بربه، جعل فاقته إليه، واعتمد بالعفو عليه، بره يعتقه، وذنوبه تقلقه، رَوَّح قلبه بذكره، وطاش عقله من جُرمه، لا يوجد في أحواله إلا قلقًا، وطائر القلب فرقًا خوفًا من النار وفضيحة العار، وغضب الملك الجبار، إذا ميَّز الأخبار والأشرار، وجيء بالجنة والنار، وبدلت الأرض وانشقت السماوات، وتناثر النجوم الزاهرات، وانتظر المحشورون ما يكون في ذلك اليوم، يوم يفزع من هوله المحسنون، ويغرق في بحاره المسيئون، يومٌ تلاحقت أوجاله، وترادفت أهواله، ونادي المنادي باسمك تدعى إلى الحساب، وإلى قراءة ما حصلته في ذلك الكتاب، إما مغفور لك فصرت إلى الجنة مسرورًا، وإما مسخوط عليك فصرت إلى النار مأسورًا، نعوذ بالله من النار ونسأله البعد منها فإنه ملك كريم. وهذه خطبةٌ حسنهُ اللَّفْظِ متينةٌ المعنى تدلُّ على فضله، ولها مناسبة مع متن الحديث من جهة تبديل الأرض وانشقاق السماوات على ما سنذكر في معنى قبض الأرض وطي السماء. توفي الْكُشْمِيهَنِيُّ سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة يوم عرفة. وإبراهيم العجلي: هو القاضي أبو إسحاق بن حمير بن الحسن بن حمير

стр. 177

الحميري الخيارجي القزويني. رحل وجمع وسمع الكثير، وله في التذكير وغيره مجموعات. سمع: الْكُشْمِيهَنِيَّ، وأبا بكر بن عاصم، وأبا سعيد السمان، وأبوي الحسن: ابن زرقويه ومحمد بن القاسم الفارسي. روى عنه: هبة الله بن زاذان، وأبو علي بن أحمد بن طاهر الْقُومَسَانِيُّ (١). والشَّافعي (٢): هو الأستاذ أبو عمرو بن داود بن المختار بن العباس التميمي القزويني. سمع: أحمد بن الحضر، وإبراهيم بن حمير وغيرهما، وكان عالمًا بالقراءات وعلوم القرآن، وفي سلفه وخلفه قراء وفقهاء مبرزون، وكان طول عمره في التعبد والقراءة والإقراء، عاش خضوعًا بعيدًا من الإعجاب ومات بعد التعمير والإنجاب. وذكر شيخنا أبو محمد النجار في عرض كلام له في رسالة صنفها في حرف "ما" فقال: سيما أستاذي الأشهر، وإمامي الأكبر، الشافعي بن أبي سليمان أعلى الله درجته وأوضح محجته، وهو الإمام الذي تعقد له الخناصر، ويقصده البادي والحاضر، قد قارب المائة فما اختل له حسٌّ ولا فات عنه درس، وقرأ في شرخ شبابه على أبيه، وكان أستاذ العالم وشيخ المشايخ، واسع الفضل، غزير العلم، بادي الزهد، صنف كتابه "الأنوار في القراءات" فجاء فيها بآية من الآيات، وأخذ العلم والقراءة عن أبي الفضل بن أحمد الرازي وغيره، هذا كله كلام أبي محمد

стр. 178

النجار. وعبد العزيز (١) الذي رَوَيْتُ عنه: هو ابن الخليل بن أحمد بن الواقد بن الخليل بن عبد الله الخليلي أبو بكر، من أسباط الخليل الحافظ. شيخٌ كانَ لهُ هيئةٌ ووقارٌ وعبادةٌ، وكان يحفظُ طرفًا من الأمثالِ والأشعارِ ويوردها في محاوراته. سمع الأستاذ الشافعي وغيره، وكان له إجازة أبي بكرٍ الشَّيرُويِيِّ. الفصل الثاني يُقَالُ: قَبَضَ الشَّيْءَ قَبْضًا: أَخَذَهُ، وَالْقَبْضُ خِلَاف الْبَسْطِ، وقَبَّضَ الشَّيْءَ تَقْبيضًا: جَمَعَهُ. وقبضه أيضًا، وَالْقَبْضُ: الْمَالُ الْمَقْبُوضُ، وَالْقَبْضَةُ وَالْقَبْضَةُ: مَا قَبَضْتَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ كَفِّكَ، وَالْقَبْضُ: السُّوقُ السَّرِيعُ، وَالقَبْضُ: الإسْرَاعُ، وَمِنْهُ قَوله تعالى: ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ (٢) وقُبِضَ فُلَانٌ أَيْ مَاتَ كَأَنَّهُ قُبِضَ رُوحُهُ كَمَا يُقَالَ تُوُفِّيَ. وَالْيَمِينُ: يَمِينُ الإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ، وَالْيَمِينُ: الْقُوَّةُ، قَالَ الشَّمَّاخُ: إِذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ … تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ (٣) وَالْيَمِينُ: القَسَمُ، وَالْجَمْعُ: أَيْمُنٌ وأيْمانٌ، وَيُقَالُ: سُمِّيَ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُمْ عِنْدَ التَّحَالُفِ كَانَ يَضْرِبُ بَعْضُهُمْ يَمِينَ بَعْضٍ. وَفُلَانٌ مَلْكٌ ومَلِكٌ ومالِكٌ ومليكٌ، ويذكر أن مَلْكًا تخفيف مَلِكٍ، وأن مَلِكًا

стр. 179

مقصور من مالِكٍ أو مليك، وجمع مَلِكٍ: ملوك وأملاك، وجمع مَلْكٍ: أَمْلُكٌ، وجمع مَالِكٍ: مَالِكُونَ ومُلَّاك ومُلَّكٌ، وَجَمْعُ مَلِيكٍ: مُلَكَاءٌ. والمصدر من الملك: المُلْكُ بالضَّمِّ، يقال: مَلِكٌ عَظِيمُ الْمُلْكِ، وَمِنَ الْمَالِكِ الْمِلك بالكسر، يقال: مَالِكٌ صَحِيحُ المُلْكِ، ومَلَكَ الشَّيْءَ مُلكًا ومِلكًا، ومَلَكَ العَجِينَ يَمْلِكُهُ مَلْكًا: شَدَّ عَجْنَهُ وَأَجَادَهُ، ومِلْك الطَّرِيقِ: وَسَطُه، وهذا مِلْكُ يَمِينِي ومَلْكُ يَمِينِي. وَالْإِمْلَاكُ: التَّزْوِيجُ، يُقَالُ: أمْلَكْنَا فُلَانًا فُلَانَةً، وموضع الْمُلك مملكة، ويقال: فلان عبد مَمْلَكَةٍ إذا مُلِكَ ولم يُمْلَك أبواه، والقِنُّ الذي مُلِكَ ومُلِكَ أبواه كذلك روي عن الكسائي. وَفُلَانٌ حَسَنُ الْمَلَكَةِ: إِذَا كَانَ يُحْسِنُ الصَّنِيعَ إِلَى مَمَالِيكِهِ، وَمِلَاكُ الأَمْرِ وَمَلَاكُهُ: مَا يَقُومُ بِهِ، وَمَا لَهُ مِلَاكٌ أي: تَمَاسُكٌ، وما تَمَالَكَ: أي ما تَمَاسَكَ. الفصل الثالث قوله: "يَقْبِضُ اللهُ الأَرْضَ" قيل: يأخذها إمَّا بإبطال دعوى المدعين أو بإفنائها، فالإيجاد نوع بسط، والإفناء قبض، وقد يُجْعل من قولهم: قُبض فلان أي: مات. وقيل: يجمعها بنسف الجبال وتبديل هيئتها، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١) أي: في ملكه واستيلائه، يقال: ناحية كذا في قبضة فلان أي: يملكها. وقوله: "وَتَكُونُ السَّمَاوَاتُ بِيَمِينِهِ" أي مطوية بيمينه، كما قال: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ

стр. 180

مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (١) وكما قال في الرواية الأخرى: "يَطْوِي السَّمَاوَاتِ بِيَمِينِهِ". وللطيّ وراء إدراج القرطاس ونحوه معاني: "الإخفاء" يقال: اطو هذا الحديث عنه أي: استره. "والإعراض" يقال: طويت عن فلان أي: ولَّيت ظهري عنه. "والإفناء" يقال: طويته بالسيف أي: أفنيته. والمعنى أن السماوات مدرجات ومبدلات أي مصنوعات (٢) أو مُفْنَيَات. وقوله: "بِيَمِينِهِ" من الأصحاب من لا يأوِّل اليد واليمين ونحوهما ويسميها صفات خبرية، وذلك بعد التنزيه والتحرز عن التشبيه وهذا قول الشيخ أبي الحسن الأشعري. والمأولون منهم من حمل على القدرة والقوة، ويقال: سميت القوة يمينًا؛ لأن اليمينَ مخصوصةٌ بمزيد القوة، ومنهم من حمل اليمين ها هنا على القسم وقال: يفنيها بموجب قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٣) كأنَّه حكمَ به وأقسمَ به، وقد ذكر القولان في قوله تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ (٤) قيل: بالقوة، وقيل: بقسمه حيث قال: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ (٥). وهناك قول ثالثٌ: وهو الحمل على الجارحة.
следующие страницы →