← Тафсир

Тафсир · id 30623

الأمالي الشارحة لمفردات الفاتحة

الرافعي

Полный текст (469 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الفقيهُ الأديبُ. سمع: محمد بن يوسف، وأبوي العباس الدَّغُولِيَّ والأصمَّ، وإسماعيل الصفار، وأبا سعيد بن الأعرابي. ويقال: إنه آخر من روى الصحيح عن الْفَرَبْرِيِّ. وعن الشيخ عبد بن أحمد الهروي أنه قال: أملى علينا الْكُشْمِيهَنِيُّ عند ختم الصحيح: الحمد لله حمدًا حمد معترف بذنبه، ومستأنس بربه، جعل فاقته إليه، واعتمد بالعفو عليه، بره يعتقه، وذنوبه تقلقه، رَوَّح قلبه بذكره، وطاش عقله من جُرمه، لا يوجد في أحواله إلا قلقًا، وطائر القلب فرقًا خوفًا من النار وفضيحة العار، وغضب الملك الجبار، إذا ميَّز الأخبار والأشرار، وجيء بالجنة والنار، وبدلت الأرض وانشقت السماوات، وتناثر النجوم الزاهرات، وانتظر المحشورون ما يكون في ذلك اليوم، يوم يفزع من هوله المحسنون، ويغرق في بحاره المسيئون، يومٌ تلاحقت أوجاله، وترادفت أهواله، ونادي المنادي باسمك تدعى إلى الحساب، وإلى قراءة ما حصلته في ذلك الكتاب، إما مغفور لك فصرت إلى الجنة مسرورًا، وإما مسخوط عليك فصرت إلى النار مأسورًا، نعوذ بالله من النار ونسأله البعد منها فإنه ملك كريم. وهذه خطبةٌ حسنهُ اللَّفْظِ متينةٌ المعنى تدلُّ على فضله، ولها مناسبة مع متن الحديث من جهة تبديل الأرض وانشقاق السماوات على ما سنذكر في معنى قبض الأرض وطي السماء. توفي الْكُشْمِيهَنِيُّ سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة يوم عرفة. وإبراهيم العجلي: هو القاضي أبو إسحاق بن حمير بن الحسن بن حمير

стр. 177

الحميري الخيارجي القزويني. رحل وجمع وسمع الكثير، وله في التذكير وغيره مجموعات. سمع: الْكُشْمِيهَنِيَّ، وأبا بكر بن عاصم، وأبا سعيد السمان، وأبوي الحسن: ابن زرقويه ومحمد بن القاسم الفارسي. روى عنه: هبة الله بن زاذان، وأبو علي بن أحمد بن طاهر الْقُومَسَانِيُّ (١). والشَّافعي (٢): هو الأستاذ أبو عمرو بن داود بن المختار بن العباس التميمي القزويني. سمع: أحمد بن الحضر، وإبراهيم بن حمير وغيرهما، وكان عالمًا بالقراءات وعلوم القرآن، وفي سلفه وخلفه قراء وفقهاء مبرزون، وكان طول عمره في التعبد والقراءة والإقراء، عاش خضوعًا بعيدًا من الإعجاب ومات بعد التعمير والإنجاب. وذكر شيخنا أبو محمد النجار في عرض كلام له في رسالة صنفها في حرف "ما" فقال: سيما أستاذي الأشهر، وإمامي الأكبر، الشافعي بن أبي سليمان أعلى الله درجته وأوضح محجته، وهو الإمام الذي تعقد له الخناصر، ويقصده البادي والحاضر، قد قارب المائة فما اختل له حسٌّ ولا فات عنه درس، وقرأ في شرخ شبابه على أبيه، وكان أستاذ العالم وشيخ المشايخ، واسع الفضل، غزير العلم، بادي الزهد، صنف كتابه "الأنوار في القراءات" فجاء فيها بآية من الآيات، وأخذ العلم والقراءة عن أبي الفضل بن أحمد الرازي وغيره، هذا كله كلام أبي محمد

стр. 178

النجار. وعبد العزيز (١) الذي رَوَيْتُ عنه: هو ابن الخليل بن أحمد بن الواقد بن الخليل بن عبد الله الخليلي أبو بكر، من أسباط الخليل الحافظ. شيخٌ كانَ لهُ هيئةٌ ووقارٌ وعبادةٌ، وكان يحفظُ طرفًا من الأمثالِ والأشعارِ ويوردها في محاوراته. سمع الأستاذ الشافعي وغيره، وكان له إجازة أبي بكرٍ الشَّيرُويِيِّ. الفصل الثاني يُقَالُ: قَبَضَ الشَّيْءَ قَبْضًا: أَخَذَهُ، وَالْقَبْضُ خِلَاف الْبَسْطِ، وقَبَّضَ الشَّيْءَ تَقْبيضًا: جَمَعَهُ. وقبضه أيضًا، وَالْقَبْضُ: الْمَالُ الْمَقْبُوضُ، وَالْقَبْضَةُ وَالْقَبْضَةُ: مَا قَبَضْتَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ كَفِّكَ، وَالْقَبْضُ: السُّوقُ السَّرِيعُ، وَالقَبْضُ: الإسْرَاعُ، وَمِنْهُ قَوله تعالى: ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ (٢) وقُبِضَ فُلَانٌ أَيْ مَاتَ كَأَنَّهُ قُبِضَ رُوحُهُ كَمَا يُقَالَ تُوُفِّيَ. وَالْيَمِينُ: يَمِينُ الإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ، وَالْيَمِينُ: الْقُوَّةُ، قَالَ الشَّمَّاخُ: إِذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ … تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ (٣) وَالْيَمِينُ: القَسَمُ، وَالْجَمْعُ: أَيْمُنٌ وأيْمانٌ، وَيُقَالُ: سُمِّيَ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُمْ عِنْدَ التَّحَالُفِ كَانَ يَضْرِبُ بَعْضُهُمْ يَمِينَ بَعْضٍ. وَفُلَانٌ مَلْكٌ ومَلِكٌ ومالِكٌ ومليكٌ، ويذكر أن مَلْكًا تخفيف مَلِكٍ، وأن مَلِكًا

стр. 179

مقصور من مالِكٍ أو مليك، وجمع مَلِكٍ: ملوك وأملاك، وجمع مَلْكٍ: أَمْلُكٌ، وجمع مَالِكٍ: مَالِكُونَ ومُلَّاك ومُلَّكٌ، وَجَمْعُ مَلِيكٍ: مُلَكَاءٌ. والمصدر من الملك: المُلْكُ بالضَّمِّ، يقال: مَلِكٌ عَظِيمُ الْمُلْكِ، وَمِنَ الْمَالِكِ الْمِلك بالكسر، يقال: مَالِكٌ صَحِيحُ المُلْكِ، ومَلَكَ الشَّيْءَ مُلكًا ومِلكًا، ومَلَكَ العَجِينَ يَمْلِكُهُ مَلْكًا: شَدَّ عَجْنَهُ وَأَجَادَهُ، ومِلْك الطَّرِيقِ: وَسَطُه، وهذا مِلْكُ يَمِينِي ومَلْكُ يَمِينِي. وَالْإِمْلَاكُ: التَّزْوِيجُ، يُقَالُ: أمْلَكْنَا فُلَانًا فُلَانَةً، وموضع الْمُلك مملكة، ويقال: فلان عبد مَمْلَكَةٍ إذا مُلِكَ ولم يُمْلَك أبواه، والقِنُّ الذي مُلِكَ ومُلِكَ أبواه كذلك روي عن الكسائي. وَفُلَانٌ حَسَنُ الْمَلَكَةِ: إِذَا كَانَ يُحْسِنُ الصَّنِيعَ إِلَى مَمَالِيكِهِ، وَمِلَاكُ الأَمْرِ وَمَلَاكُهُ: مَا يَقُومُ بِهِ، وَمَا لَهُ مِلَاكٌ أي: تَمَاسُكٌ، وما تَمَالَكَ: أي ما تَمَاسَكَ. الفصل الثالث قوله: "يَقْبِضُ اللهُ الأَرْضَ" قيل: يأخذها إمَّا بإبطال دعوى المدعين أو بإفنائها، فالإيجاد نوع بسط، والإفناء قبض، وقد يُجْعل من قولهم: قُبض فلان أي: مات. وقيل: يجمعها بنسف الجبال وتبديل هيئتها، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١) أي: في ملكه واستيلائه، يقال: ناحية كذا في قبضة فلان أي: يملكها. وقوله: "وَتَكُونُ السَّمَاوَاتُ بِيَمِينِهِ" أي مطوية بيمينه، كما قال: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ

стр. 180

مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (١) وكما قال في الرواية الأخرى: "يَطْوِي السَّمَاوَاتِ بِيَمِينِهِ". وللطيّ وراء إدراج القرطاس ونحوه معاني: "الإخفاء" يقال: اطو هذا الحديث عنه أي: استره. "والإعراض" يقال: طويت عن فلان أي: ولَّيت ظهري عنه. "والإفناء" يقال: طويته بالسيف أي: أفنيته. والمعنى أن السماوات مدرجات ومبدلات أي مصنوعات (٢) أو مُفْنَيَات. وقوله: "بِيَمِينِهِ" من الأصحاب من لا يأوِّل اليد واليمين ونحوهما ويسميها صفات خبرية، وذلك بعد التنزيه والتحرز عن التشبيه وهذا قول الشيخ أبي الحسن الأشعري. والمأولون منهم من حمل على القدرة والقوة، ويقال: سميت القوة يمينًا؛ لأن اليمينَ مخصوصةٌ بمزيد القوة، ومنهم من حمل اليمين ها هنا على القسم وقال: يفنيها بموجب قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٣) كأنَّه حكمَ به وأقسمَ به، وقد ذكر القولان في قوله تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ (٤) قيل: بالقوة، وقيل: بقسمه حيث قال: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ (٥). وهناك قول ثالثٌ: وهو الحمل على الجارحة.

стр. 181

وأمّا معنى "المَلِك" في أسماء الله تعالى: فقد قال أهلُ الأصولِ: المَلِكُ: ذو المُلْك، والمْلِك: هو القدرة على الإبداع، ولا مَلِكْ في الحقيقة إلَّا الله تعالى. وقال الْحَلِيمِيُّ: الملك: استحقاق السياسة وذلك فيما بيننا، يصغر ويكبر بحسب قدر المسُوس وقدر السَّائس، وأما مُلك الباري تعالى فلا يتوهم ملك يدانيه، ولا يخشى أن ينزع منه فهو الملك حقًّا. وقال الإمام الغزالي ﵀: معناه أنه يستغني عن كل شيءٍ ويحتاج إليه كل شيءٍ، والملك: الاستغناء؛ فإذا انضم إليه حاجة ما سواه فلا غاية وراءه. وقوله بعد قبضِ الأرضِ وطيِّ السماوات: "أَنَا المَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ" يشير إلى أن ملكه (لا يبسط) (١) بوجود المخلوقات وانتظامها، ولا (يقبض) (٢) بفنائها وانخرامها، ويبين أن ملكه دائم وملك غيره داقر (٣) وسبيله سبيل قوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٦). وَفِي جُزْءِ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ وَقَدْ أَذِنَ لَنَا فِي رِوَايَتِهِ جَمَاعَةً مِنْهُمْ عَلِيُّ بِنْ أَبِي سَعْدٍ

стр. 182

الْخَبَّازُ، عَنِ ابْنِ بَيَانِ الرَّزَّارِ (١)، عَنِ ابْنِ مَخْلَدٍ الْبَزَّازِ (٢) قال: أَنْبَا أَبُو عَلِيٍّ الصَّفَّار، عَنِ الْحَسَنِ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ قال: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: رَأيْتُ رَسُول الله ﷺ قَائِمًا عَلَى المِنْبَرِ وَهُوَ يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ تعالى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَالأَرَضيِن السَّبْعِ فِي قَبْضَتِهِ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا وَشَدَّ قَبْضَتَهُ ثُمَّ بَسَطَهَا ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا اللهُ أَنَا الرَّحْمَنُ، أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْقُدُّوسُ، أَنَا السَّلامُ، أَنَا الْمُؤْمِنُ، أَنَا الْمُهَيْمِنُ، أَنَا الْعَزِيزُ، أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَنَا الَّذِي بَدَأْتُ الدُّنْيَا وَلَمْ تَكُنْ شَيْئًا، أَنَا الَّذِي أَعِيدُهَا، أَيْنَ الْمُلُوكُ؟ أَيْنَ الْجَبَابِرَةُ؟ " (٣). وَأَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنَ ثَابِتٍ الْبَقَّالُ، عَن أَبِيهِ قَالَ: أَنَبَا عُبَيْدُ اللَّهُ الأَزْهَرِيُّ، أَنَبَا الدَّارَقُطْنِيُّ، ثَنَا يُوسُف بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ بُهْلُولٍ، حَدَثَنِي جَدِّى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ زِيَادٍ مِنْ بَنِي سَامَةَ بْنِ لُؤَيٍّ، عَن شَبِيبِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ الأَهْتَمِ قَالَ: أوفدني يوسف بن عمر إلى هشام بن عبد الملك في وفد العراق فقدمت عليه وقد خرج متبديّا بأهله وَغَاشِيَتِهِ (٤) من جُلسائه فنزل في قاع أفيح في عام قد بكّر

стр. 183

وسميُّه (١) وتتابع وَلَيُّهُ (٢) وأخذت الأرض من أنواع (زينتها) (٣) من نَور ربيع مونق وقد ضرب له سرداق حبرة، وأخذ الناس مجالسهم، فنظر إليّ شبه المستنطق لي، فقلت: أتم الله عليك يا أمير المؤمنين من نعمته، ولا كدر عليك ما صفي، ولا خالط مسروره الردي، وما أجد يا أمير المؤمنين شيئًا هو أبلغ من قضاء حقك، وتوقير مجلسك ممن أذكرك نِعَم الله عليك، وأنبهك لشكرها، ولا أجد شيئًا أبلغ من حديث من سلف من قبلك من الملوك، فإن أذن لي أمير المؤمنين أخبرته عنه، فاستوى جالسًا وكان متكئًا فقال: هات يا ابن الأهتم. فقلت: إن ملكًا من الملوك قبلك خرج في عام مثل عامنا هذا إلى الخورنق والسدير، وكان قد أعطي فتاء السن من الغلبة والقهر، فقال لجلسائه: هل رأيتم مثل ما أنا فيه وهل أعطي أحد مثل ما أُعطيت؟ قال: وكان عنده رجل من بقايا حملة الحجة والمضيّ على أدب الحق ومنهاجه، فقال: أيها الملك قد سألت أفتأذن في الجواب؟ قال: نعم. قال: أرأيت ما أنت فيه أشيء لم تزل فيه أم شيء صار إليك ميراثًا عن غيرك وهو صائر إلى غيرك؟ فقال: هو ميراث لي وصائر إلى غيري. قال: فقد أعجبت بشيء يسير تكون فيه قليلًا وتغيب عنه طويلًا، وتكون غدًا بحسابه مرتهنًا. قال: ويحك فأين المهرب وأين المطلب؟ فقال: إما أن تقيم في ملكك تعمل فيه بطاعة ربك على ما ساءك وسرَّك

стр. 184

ومضّك وأرمضك، وإما أن تضع تاجك وتلبس أطبارك وتعبد ربك في هذا الجبل حتى يأتيك أجلك؛ فوضع الملك من سَحَرِ الغد تاجه ولبس أمساحه وتهيأ للسياحة ولزم مع الذي وعظه الجبل حتى أتاهما أجلهما. وفيه يقول أخو تميم عدي بن سالم المرائي: [خفيف] أَيُّهَا الشَّامِتُ الْمُعَيِّرُ بِالدَّهُـ … ــرِ أَأَنْتَ الْمُبَرَّأُ المَوْفورُ أَمْ لَدَيْكَ الْعَهدُ الْوَثِيقُ مِنَ الْـ … أَيَّامِ بَلْ أَنْتَ جَاهِلٌ مَغْرُورُ مَنْ رَأيْتَ المَنُونَ خَلَّدْنَ (١) أَمْ مَنْ … ذَا لَدَيْهِ مِنْ أَنْ يُضَامَ خَفِيرُ أَيْنَ كِسْرَى كِسْرَى المُلُوكِ أَبُو سَا … سَانُ أَمْ قَبْلَهُ سَابُورُ وَبَنُو الأَصْفَرِ الْكِرَامُ مُلوكُ الرُّ … ومِ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمُ مَذْكُورُ وَأَخُو الحَضْرِ إِذْ بَنَاهُ وَإِذْ دِجْـ … ـلَةُ تُجْبَى إِلَيْهِ وَالخَابُورُ شاده مَرْمَرًا وَجَلَّلَهُ كِلْـ … ـسًا فَلِلطَّيْرِ في ذُرَاهُ وُكورُ لم يَهَبْهُ رَيْبُ المَنُونِ فَبادَ الْـ … مُلْكُ عَنْهُ فَبَابُهُ مَهْجُورُ وَتَذَكَّرْ رَبُّ الْخَوَرْنَقِ إِذْ أَشْـ … ـرَفَ يَوْمًا وَلِلْهُدى تَفْكِيرُ سَرَّهُ مَالُهُ وكَثْرَةُ مَا يَمْـ … ــلِكُ والبَحْرُ معرضٌ والسَّدِيرُ فَارْعَوى قَلْبُهُ فَقَالَ وَمَا غِبطَةُ … حَيٍّ إلى المَمَاتِ يَصِيرُ ثُمَّ أَضْحَوْا كَأَنّهُمْ وَرَقٌ جَفَّ (٢) … فَأَلْوَتْ به الصَّبَا والدُّبُورُ ثُمَّ بَعَّدَ الفَلَاحِ وَالمُلْكِ … وَالْإِمَّةِ (٣) وارْتَهَمَ هُنَاكَ الْقُبُورُ

стр. 185

قال: فبكى هشام حتى اخْضَلَّتْ لحيته، وفي الحكاية طول اقتصرت على مقصودها (١). الفصل الرابع لاختصاص الملك الحقيقي بالله تعالى، وقصور ملك العبد يحسن به رعاية أمرين: أحدهما: أن يُحْسِنَ المملوكية إذا لم يأت منه المالكية ولم تكمل له الملكية. حَدَّثَ الشَّرِيفُ أَبُو السَّعَادَاتِ هِبَةُ اللهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ الْعَلَوِيُّ قَالَ: أَنْشَدَنِي الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْمُنْشِئُ لِنَفْسِهِ: [وافر] إِذَا لَمْ تَكُنْ مَلِكًا مُطَاعًا … فَكُنْ عَبْدًا لِمَالِكِهِ مُطِيعَا وَإِذْ لَمْ تَمْلِكِ الدُّنْيَا جَمِيعًا … كَمَا تَهْوَاهُ فَاتْرُكْهَا جَمِيعَا هُمَا سَبَبَانِ مِنْ مُلْكٍ وَنُسْكٍ … يُنِيلَانِ الفَتَى الشَّرَفَ الرَّفِيعَا فَمَنْ يَقْنَعْ مِنَ الدُّنْيَا بِشَيْءٍ … سِوَى هَذَينِ يَحْيَى بِهَا وَضِيعَا والثاني: أن يحترزَ عن المناوأة وعن ما لا يليق به من الأسماء والسمات. رُوِيَ في "الصحيح" عن أبي هريرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ أَخْنَعَ الأَسْمَاءِ عِنْدَ اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِك الأَمْلَاكِ" (٢). قال سفيان بن عيينة: هو شاها نشاه (٣).

стр. 186

قوله: "أَخْنَعَ" أي: أذل، والخانع: الذليل، ويروى: "أَخْنَى" أي: أفحش، والخنا: الفحش. وَأَخْبَرَنَا وَالِدِي قِرَاءَةً عَلَيْهِ قَالَ: أَنَبَا أَبُو الْفَتْحِ الصَّابُونِيُّ، أَنَبَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْقَادِرِ، أَنَبَا ابْنُ بِشْرَانَ، أَنَبَا أبو عَلِيٍّ بْنُ صَفْوَانَ، أَنَبَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ مَسْرُورٍ الْخَادِمِ قَالَ: أَمَرَنِي هَارُونُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا احْتُضِرَ أَنْ آتِيَهُ بِأَكْفَانِهِ فَأَتَيْتُهُ بِهَا، ثُمَّ أَمَرَنِي فَحَفَرْتُ قَبْرَهُ، ثُمَّ أَمَرَ فَحُمِلَ إِلَيه فَجَعَلَ يَتَأَمَّلُهُ وَيَقُولُ: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩)﴾ (الحاقة) (١). وعَنْ بَعْضِ الْخُلَفَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَمَّا احْتُضِرَ: يَا مَنْ لَا يَزُولُ مُلْكُهُ ارْحَمْ مَنْ قَدْ زَالَ مُلْكُهُ. وَأُنْشِدُكُمْ لِنَفْسِي: [كامل] المُلْكُ لله الَّذي عَنَتِ الْوُجُو … هُ لَهُ وَذَلَّتْ عِنْدَهُ الْأَرْبَابُ مُتَفَرِّدٌ بِالْمُلْكِ والسُّلْطَانِ قَدْ … خَسِرَ الَّذِينَ تَجَاذَبُوهُ وَخَابُوا دَعْهُمْ وَزُعْمَ الْمُلْكِ يَوْمَ غُرُورِهِمْ … فَسَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذَّابُ (٢) آخر المجلس الحادي عشر بِمَنِّهِ وفضله، والحمد لله رب العالمين وصلواته على محمد وآله وصحبه. * * * *

стр. 187

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المجلس الثاني عشر من أماليه قدس الله روحه أملاه يوم الجمعة بعد الصلاة الثالث من ذي القعدة سنة إحدى عشرة وستمائة حَدَّثَنَا ﵀ قَالَ: أَنَبَا كِتَابَةً طَاهِرُ بن مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَبَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَيْسَابُورَ، وَلِطَاهِرٍ إِجَازَةٌ عَن أَحْمَدَ. وقَرَأْتُ على عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدِ الله، أَنَبَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بن عَلِيٍّ، ثَنَا مُحَمَّدٌ وَهُو والِدُ طَاهِرٍ، أَنَبَا أَحْمَد، أَنَبَا أبو عَبْد الله الْحَافِظُ، أخبرني أبو الْوَلِيدِ، ثَنَا إبراهيمُ بن مَحْمُودٍ، ثَنَا دَاوُدُ بن عَلِيٍّ، ثَنَا عَمْرُو بن مَرْزُوقٍ، ثَنَا شُعْبَةُ، عن عَمْرِو بن مُرَّةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، سَمِعَ الْأَغَرَّ ﵁ يُحَدِّثُ ابْنَ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيِّ ﷺ ، يَقُول: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى رَبِّكُمْ فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى رَبِّي كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ". وبالطريقين عن والد طَاهِرٍ قَالَ: أَنَبَا أبو الْحُسَيْنِ الْبَزَّازُ، أنَبَا مُحَمَّد بن عَبْد اللهِ الدَّقَّاقُ، ثنا الْبَغَويُّ، ثَنَا أبو نَصْرٍ التَّمَّارُ، ثنا حَمَّادٌ يعني ابن زَيْدٍ، عن ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ، يُحَدِّثُ عَنِ الْأَغَرِّ المُزَنِيِّ، قَال: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ". في الشرح فصول: الفصل الأول هذا حديثٌ صحيحٌ أخرجه مسلم في "صحيحه" (١) من طريق شعبة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن جعفر، عنه. وعن محمد بن المثنى، عن أبي داود

стр. 188

الطيالسي وعبد الرحمن بن مهدي، كليهما عن شعبة (١). ومن رواية ثابت: عن أبي الربيع الزهراني، عن حماد بن زيد، عنه (٢). وليس للأغرِّ في كتاب مسلمٍ إلا هذا الحديث، ولم يخرِّج البخاري عنه في "صحيحه" شيئًا. ويُروى الحديثُ عن النبي ﷺ برواية حُذيفة بن اليمان (٣)، وأبي موسى الأشعري (٤) وأبي هريرة، وهو من رواية أبي هريرة متفق عليه (٥). وأما رواية الأغرِّ فقد قال الحافظ الدارقطني: لم يروه عن الأغرِّ غير أبي بُردة من وجهٍ يصحُّ مثله (٦). ورواه عن أبي بردة كما رواه عمرو وثابت: حميد بن هلال وزياد بن المنذر، وعن عمرو بن مرة كما رواه شعبة: زيد بن أبي أنيسة وأبو خالد الدالاني عن ثابت، كما رواه حماد بن سلمة وهشام بن حسان. والأغرُّ (٧) ﵁ رجل من أصحاب رسول الله ﷺ يعدُّ من أهل الكوفة. وكان من مُزينةَ كذلك نسبه في الإسناد الثاني كما بيَّنَّا في رواية حماد بن سلمة،

стр. 189

عن ثابت عن الأغرِّ أغر مزينة. وبهذا اللفظ أورد البخاري الحديث في غير "الصحيح" (١). وقال تاج الإسلام أبو بكر السمعاني: هو الأغر بن يسار المزني، ويقال: الجهني. روى عنه: أبو بردة، ومعاوية بن قرة. قال: وهو الذي جاء إلى رسول الله ﷺ يشكو غريمًا له، فبعث معه أبا بكر للاقتضاء، وهذا الذي ذكره يُشْعِرُ بأن الرجل واحد وأنه ابن يسار والاختلاف في كونه من مزينة أو جهينة، لكنَّ الحافظ أبا عبد الله بن منده جعل الأغرَّ بن يسار الجهني رجلًا، والأغرَّ المزني من غير تسميةِ أبيهِ آخر، وذكر أن الجهني روى عنه: أبو بردة، والمزني روى عنه: معاوية بن قرة، وجعل الحديث الذي نحن فيه من رواية الجهني دون المزني، والظاهر أنه من رواية المزني إن كانا اثنين والله أعلم. وأبو بردة (٢): هو عامر بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري، من علماء التابعين كان قاضيًا بالكوفة. سمع: عليًّا، وأباه أبا موسي، وابن عمر. روى عنه: الشعبي، وحميد بن هلال، وأبو إسحاق الشيباني، والهمداني، وابنه سعيد بن أبي بردة، وناقلته يزيد بن عبد الله بن أبي بردة. توفي سنة أربع ومائة، وقيل: سنة ثلاث. وعمرو بن مُرَّةَ: هو أبو عبد الله بن مرة بن عبد الله بن طارق بن الحارث

стр. 190

الجملي المرادي الأعمى، من تابعي الكوفة. سمع: عبد الله بن أبي أَوْفَى، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وسعيد بن المسيب، وأبا بُردة. روى عنه: الأعمش، والثوري، ومِسعر. مات سنة ستٍّ عشرة ومائة، وقيل: سنة ثمان عشرة (١). وشُعبة (٢): هو أبو بسطام بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم واسطي الأصل. سكن البصرة، وجمع بين علم المِصريْنِ الكوفة والبصرة، وهو من أعاظم أئمة الحديث. سأل عنه سفيان الثوري بعضُ أهل البصرة فقال: ما يفعل أستاذنا شعبة؟ وكان كثير العبادة يقال أنه عَبَدَ الله حتى جَفَّ جلده على عظمه. وجرى ذكره عند أبي زيد الأنصاري فقال: هل العلماء إلا شعبة، من رأي شعبة رأي الحسن وابن سيرين. وسمع: قتادة، ويونس بن عبيد، وأيوب، وعمرو بن مرة، ومَنْ لا يُحْصَونَ. روى عنه: السُّفيانان، وشريك، وابن المبارك، ومن لا يُحصون. ولد سنة ثلاث وثمانين، وتوفي بالبصرة سنة ستين ومائة. وعمرو بن مرزوق: هو أبو عثمان البصري مولى باهلة. سمع: عمران القطان، وشعبة.

стр. 191

توفي سنة أربع وعشرين ومائتين (١). وآخر يقال له: عمرو بن مرزوق البصري (٢) الواشحي. سمع: يحيى بن عبد الحميد بن رافع بن خديج. وداود (٣): هو أبو سليمان داود بن علي بن خلف الفقيه. إمامُ أهلِ الظَّاهرِ وكان صاحبَ مذهبٍ وتَبَعٍ، وهو عزيزُ الحديثِ. سمع: سليمان بن حرب، ومُسَدَّدَ بنَ مُسَرْهَدٍ، ومحمد بن كثير، والقَعْنَبِيَّ، وابن مَرزوق، وإسحاق الحنظلي، وأخذ الفقه عنه، وعن أبي ثور. وكان من المتعصبين للشافعي ﵁، وصَنَّفَ في فضائله كتابين. ويُروى عنه أنه قال: دخلت على إسحاق وهو يحتجم فأشار إليَّ فجلست، فرأيت كتب الشافعي ﵁ عنده فتناولت بعضها وجعلت أنظر فيه، فصاح إسحاق: إيش تنظر، قال: فقلت: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ (٤). ويعرف داود بالأصبهاني، لأنَّ أصله من أصبهان، وولد بالكوفة سنة اثنتين ومائتين، ونشأ ببغداد وتوفي بها سنة سبعين ومائتين، وَقَبْرُهُ في الشُّونِيزِيَّةِ (٥). وإبراهيم (٦): هو أبو إسحاق بن محمود بن حمزة المالكي القطَّان نيسابوري.

стр. 192

كان يُدَرِّسُ بها للمالكية ولم يكن بعده لهم مدرس بها، تفقه بمصر على عبد الله بن عبد الحكم. وسمع: هارون بن إسحاق، وأحمد بن مَنِيعٍ، ومحمد بن رافع، ويوسف بن مسلم. توفي سنة تسع وتسعين ومائتين. وأبو الوليد (١): هو حسَّان بن محمد بن أحمد بن هارون بن حسان بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عنبسة الأموي الفقيه. أَخَذَ الفقهَ عن ابن سُريج، وسمع: أبا عبد الله العبدي، وأبا بكر الإسماعيلي، والحسن بن سفيان. قال الحاكم أبو عبد الله: سمعت الأستاذ أبا الوليد يقول: حكت لي والدتي قالت: كنت حاملًا بِكَ فحضرت مجلس العباس بن حمزة، فقام في آخر المجلس والناس معه فأخذ في الدعاء فقلت: اللهم هَبْ لي ابنًا عالمًا، فرأيت تلك الليلة في منامي رجلًا يقول لي: أبشري فقد استجاب دعوتك يعيش ابنك كما عاش أبوك. قالت: وكان أبي قد عاش اثنتين وسبعين سنة، قال الأستاذ: وقد تمت لي اثنتان وسبعون سنة، وعاش بعد هذه الحكاية أربعة أيام. توفي سنة تسع وأربعين وثلاثمائة. روى عنه: الحاكم، وأبو عبد الرحمن السلمي، والأئمة. وأبو عبد الله الحافظ: هو محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم الضبي النيسابوري.

стр. 193

كان يعرف بابن البَيِّع. زعيمٌ عظيمٌ، وقدوةٌ لأهلِ الحديثِ في عصرهِ وبعدهِ، مليءٌ بالعلمِ والدِّيانةِ، كثيرُ الإفادةِ والتصنيفِ. ويقال: إنَّه شربَ ماء زمزم لتجيء مصنفاته حسنة مهذبة فجاءت كذلك، وأنه تفقه على أبي الوليد، وأبي سهل الصعلوكي، وبالعراق على ابن أبي هريرة، وأملى الحديث بالعراق، وخراسان، وما وراء النهر. ورأيت في "المنثور في الحكايات" مِنْ جَمْعِ أبي الفضل المقدسي: سألت أبا القاسم سعد بن علي الحافظ عن أربعة من الحفاظ تعاصروا: الدارقطني ببغداد، وعبد الغني بمصر، وأبو عبد الله بن مندة بأصفهان، والحاكم أبو عبد الله بنيسابور، فامتنع من الجواب فألححت عليه فقال: أما الدارقطني فأعلمهم بالعلل، وأما عبد الغني فأعلمهم بالأنساب، وأما ابن مندة فأكثرهم حديثًا مع معرفة تامة، وأما الحاكم فأكثرهم تصنيفًا. وُلِدَ سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، ومات سنة خمس وأربعمائة (١). وأحمد (٢) الذي روى عن الحافظ أبي عبد الله مذكور في المجلس الأول: وهو أبو بكر أحمد بن علي بن عبد الله بن عمر بن خلف الأديب الصوفي. كانَ عارفًا بالأدبِ والحديثِ، سَمَّعه أبوه من مشايخ عصره، ثم عُمِّرَ فروي الكثير، قال أبو الحسن الفارسي: لم أر في المشايخ الذي سمعنا منهم أكثر إتقانًا ولا أضبط في الرواية منه.

стр. 194

سمع: حمزة بن يوسف السهمي الحافظ، والأستاذ أبا سعيد الخركوشي، والسيد ظفرًا، وغيرهم. ومحمد والد طاهر (١): هو الحافظ أبو الفضل بن طاهر بن محمد بن علي المقدسي، من متأخري الحفاظ المتقنين، المكثرين للجموع والتَّصانيف، المجيدين فيها. وذكر أنه كان داودي المذهب، وُلد ببيت المقدس سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، وتوفي ببغداد سنة سبع وخمسمائة ودُفن بالجانب الغربي. وابنه طاهر (٢): هو أبو زرعة المقدسي. شيخٌ صالحٌ صحيحُ السَّمَاعِ، رُزِقَ الإجازات العالية من مشايخ بغداد وأصبهان ونيسابور بتحصيل والده ورفقائه. وسمع: السلار مكي بن منصور، وأبا منصور المُقَوِّمِيّ، وأبا القاسم بن بيان، وغيرهم. وُلد سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وتوفي سنة ثمان وستين وخمسمائة. الفصل الثاني التَّوْبَةُ: الرُّجُوعُ، وتشهر في الرُّجوعِ من الذنب، يقال: تَابَ إِلَى اللهِ تِوْبَةً وَمَتَابًا، والتَّوْبُ كَالتَّوْبَةِ، وَقِيلَ: التَّوْبُ جَمْعُ تَوْبَةٍ، وَتَابَ اللهُ عَلَيْهِ: وَفَّقَه لِلتَّوْبَةِ، واسْتَتَابَهُ: سَأَلَهُ أَنْ يَتُوبَ. والْيَوْمُ معروفٌ وجمعه أيامُ وأصلهُ أَيْوامٌ.

стр. 195

وحكي شيخنا أبو محمد النجار أنه قد قيل: إنَّ أصلَ اليومِ: أليم وأنَّ اللفظتين قريبتان من الذَّيم والذَّمّ سُمِّيا به لما يشتركان فيه من الامتداد؛ فإن للنهر امتدادًا واليوم أيضًا مُدّة لها امتداد، وأصل الكلمتين الامتداد، وكذلك النهر والنهار يتقاربان في اللفظ ويشتركان في السّعة والامتداد، وقد يعبر باليوم عن الشّدة، ونحو ذلك يفسر قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ (١). ويقال: غَانَ الْهَمُّ الْقَلبَ غَيْنًا أي: غَشِيَهُ وغَطَّاهُ، وغَانَ السَّحَابُ السماءَ، وغِينَتِ السَّمَاءُ، وغِينَ عَلَى كَذَا: أي غُطِّي عَلَيْهِ، وَالْغَيْنُ لُغَةٌ في الْغَيْمِ، وَيُقَالُ: السَّحَابُ الرَّقيقُ، وأغَانَ الْغَيمُ السَّمَاءَ أي: أَلبَسَهَا وَغَطَّاهَا، وَالْغَيْنُ: الْعَطَشُ أَيْضًا، تَقُولُ مِنْهُ: غِنْتُ أَغِينُ. الفصل الثالث ذكر أبو أحمد العسكري في "التصحيف والتحريف" أنَّ كلمة "لَيُغَانُ" مما صَحّفَ فيه مصحفون، فرواه بعضهم "يغار" بالراء، وبعضهم "يعان" بالعين، والصواب: الغين والنون كما سبقت الرواية (٢). ثُمَّ يجوز أن يجعل قوله: "لَيُغَانُ" من "غِين" وهو أكثر استعمالًا عند أهل اللُّغة، ويجوز أن يجعل من "أغين" والإغانة أكثر دورانًا في لسان المشايخ. وكتب الشيخ أبو عبد الرحمن السُّلمي في شرح الحديث أوراقًا و سمَّاها "مسألة الإغانة". وَمِمَّ كاَن يَتُوبُ النَّبِيُّ ﷺ وَعَلَامَ يُحْمَلُ الْغَيْنُ فِي قَلْبِهِ؟

стр. 196

النَّاس فِيهِ فِرْقَتَانِ: فرقةٌ أنكرت الحديثَ من أصله واستعظمت أن يغانَ قلبُ رسول الله ﷺ حتى يستغفر مما أصابه، وعلى ذلك جرى أبو نصر السراج صاحب كتاب "اللمع في التصوف" فروى الحديث وقال عقيبه: هذا حديثٌ منكرٌ. وهذا مذهبٌ مهجورٌ، وأنكر علماء الحديث استنكار السراج وقالوا: الحديث صحيح، وكان من حقِّه أن لا يتكلمَ فيما لا يعلم. والمُصَحِّحُونَ له تَحزَّبُوا: فتَحَرَّج من تفسيره مُتَحَرِّجُون. وعن شعبة أنه قال: سألت الأصمعيَّ فقلت: ما معنى قوله: "إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلبِي"؟ فقال: عَمَّن يروي ذلك؟ قلت: عن النَّبيِّ ﷺ . قال: لو كان غير قلب النَّبِيِّ ﷺ فَسَّرْتُ لك، وأما قلب النَّبيِّ ﷺ فلا أدري، فكان شعبة يتعجب منه. وعن الجنيد أنه قال: لولا أنه حال النَّبِيِّ ﷺ لتكلمت فيه، ولا يتكلم في حالٍ إلَّا من كان مشرفًا عليها، وجَلَّت حاله عن أن يشرف على نهايتها أحدٌ من الخلق، وتَمنَّي الصديق ﵁ مع علوِّ رتبته أن يشرف عليها فروي عنه أنه قال: ليتني شهدت ما استغفر منه رسول الله ﷺ . فهذه طريقة للمصححين (١). وتكلم فيه آخرون على حسب ما انتهى إليه فهمهم، ولهم منهاجان: أحدهما: حملُ الغينِ على حالةٍ جيملةٍ ومرتبةٍ عاليةٍ اختصّ بها الرسولُ ﷺ

стр. 197

والمراد من استغفاره: خضوعُهُ وإظهارُ حاجته وافتقاره إلى ربه أو ملازمتُهُ للعبودية والعبادة إقامة لشكر النعمة التي أعطيها على ما قال: "أَفَلَا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا" (١). ومن هؤلاء من نَزَّل الغينَ على السَّكينةِ والاطمئنانِ التي نزلت على قلبه المطهر، على ما قال تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ (٢). وعن أبي سعيد الخرَّاز أنَّ الغينَ شيءٌ لا يجده إلَّا الأنبياء وأكابر الأولياء، وذلك بصفاء الأسرار ومدد الذكر، وهو كالغيم الرَّقيق الذي لا يدوم، وقد يُفْهم من هذا أنَّ الغيم نعمة جسيمة، وقد يعرض لعزتها عوارض تطرق إليها ضربًا من الفترة، فيستغفر الله لتعود كما كان وتزول فترتها. وعن الخرَّاز أيضًا أنَّ الغين هو رؤية التقصير في الشكر والعبادة، والاستغفار: الخضوع وإبداء العجز عن القيام بواجب الحق. والمنهج الثاني: حَمْل الغينِ على عارضٍ يطرأ وغيره أكمل وأليق به، فيبادر إلى الاستغفار إعراضًا وتبرءًا عنها، وعلى هذا كثرة التنزيلات والتعبيرات، وفي هذا القسم يقع أكثر ما أورده السُّلَمِيُّ: فقيل: كان سبب الغين النظر في حال الأمة واطلاعه على ما يكون منهم، فكان يستغفر لهم. وقيل: السبب ما كان يحتاج إليه من التبليغ ومشاهدة الخلق فيستغفر منه؛ ليصل إلى صفاء وقته مع الله تعالى.

стр. 198

وقيل: السبب ما كان يشغله من تمادي قريش وطغيانهم. وقيل: ما كان يجد في نفسه من محبة إسلام أبي طالب والله يريد غيره. وقيل: ما اطمأنَّ إلى أصحابه في بعض مغازيه بقوله: "لَنْ تُغْلَبُوا الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ". وقيل: لم يزل رسول الله ﷺ مترقيًا من رتبةٍ إلى رتبةٍ فإذا انتهى إلى درجةٍ عاليةٍ والتفت في عروجه إلى الدرجة تحتها بمرتبة أو مراتب؛ وجد منها وحشة لقصورها بالإضافة إلى التي انتهى إليها، وذلك هو الغين، فيستغفر منها، ويشكر الله تعالى على ما أعطاه من قوة الرقي، وهذا ما كان يستحسنه والدي ﵀ ويقرره، ويمثله بحال من انفتحت عينه في فنٍّ هو مشغول به فإنه إذا التفت إلى ما كان يتخيل ويتوهم في مبدأ الأمر استنكف منه وخجل. وقوله: "مِائَةَ مَرَّةٍ" الظاهر أنه ليس على سبيل التقدير بل المقصود المبالغة في كثرة استغفاره، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (١). وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عن ابن عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قال: كُنَّا نَعُدُّ لِرَسُولِ الله ﷺ في المجلس الواحد مِائَةَ مَرَّةٍ قَبلَ أَن يَقُومَ أن يَقُولَ: "رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" (٢).

стр. 199

ومن المعلوم أنه كان يتفق له في اليوم الواحد مجالس. وفي الحديث نَدْبٌ ودعاءٌ إلى التَّوْبَةِ، وإلى الإكثار منها يومًا بيومٍ، وإذا كان الغَدرُ سَجِيَّةٌ ونكث العهد طبيعة في البشر كان الاحتياط للمتيقظ أن يكرر الاستغفار والتوبة كل يوم، فلا يكتفي بتوبة الأمس لما يعلم من العوارض الناقضة لها، ولا يؤخر التوبة إلى الغد حذرًا من أن يعوق عنها عائق، بل ينتهز الفرصة ساعة بعد ساعة. وقد قال بعض البلغاء: أمس قد مات وأيس منه، وغدًا لم يولد ولعلك لا تشهد ولاده، واليوم الذي أنت فيه في النزع فبادر قبل أن يموت. وكما أنَّ ذكر المائة جارٍ على التقريب فذكر اليوم كذلك، فلا يختص استحباب التوبة والاستغفار بالنهار، ألا ترى الله تعالى أثني على المستغفرين بالأسحار، وإذا داوم العبد على الذكر وهو لربه مراقب ولنفسه محاسب استنار قلبه فصار ليله كنهاره وسره كجهاره، وعلى ضده إذا استمرت الغفلة والإعراض ودام النكوص والانقباض، سال بصاحب الواقعة السيل، وصار نهاره مظلمًا كالليل، فلم يتوقع لليله صباح، ولا لارتجاج بابه انفتاح، ومدار الأمر نورًا وظلمة وأُنسًا ووحشة على أن يُقَرِّب الربُّ عبده ويجذبه رحمته، وبه يحصل التهذيب، أو يُبعده ويُبعد عنه حفظًا وعنايةً، ومنه يجيء التعذيب، وقد أجاد من قال: [بسيط] والله مَا سَهَرِي إِلَّا لِبُعْدِهِمُ … وَلَوْ أَقَامُوا لَمَا عذِّبْتُ بِالسَّهَرِ عَهْدِي بِهِمْ وَرِدَاءُ الْوَصْلِ يَشْمَلُنَا … وَاللَّيُلُ أَطْوَلُهُ كَاللَّمْحِ فِي البَصَرِ وَالآنَ لَيلِيَ إِذْ ضنَّوا بِرُؤْيَتِهِمْ … لَيْلُ الضَّرِيرِ فَنَومِي غَيْرُ مُنْتَظَرِ (١)

стр. 200

وَأُنْشِدُكُمْ لِنَفْسِي: [طويل] تَنَبَّهْ فَحَقٌّ أَنْ يَطُول بِحَسْرَةٍ … تَلَهُّفُ مَنْ يَسْتَغْرِقُ العُمْرَ نَوْمُهُ لَقَدْ نِمْتَ فِي لَيلِ الشَّبِيبَةِ غاَفِلًا … فَهُبَّ لِصُبْحِ الشَّيْبِ إذْ جَاءَ يَوْمُهُ (١) وَأَيْضًا في مَعْنَاهُ: [متقارب] سَوَادُ الشَّبَابِ كَلَيْلٍ مَضَي … وَقَدْ نِمْتَ فِيهِ لَقىً غَافِلًا وَصُبْحُ المَشِيبِ بَدَا فَانْتَبِهْ … فَعَمَّا قَلِيلٍ تُرَى آفِلًا (٢) آخر المجلس الثاني عشر والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليمًا * * * * *

стр. 201

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وما توفيقي إلا بالله المجلس الثالث عشر من أماليه ﵀ أملاه يوم الجمعة بعد الصلاة العاشر من ذي القعدة سنة إحدى عشرة وستمائة قال: أَنَبا والِدِي ﵀ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، أنَبَا ملكداد بنُ عَلِيٍّ، أَنَبَا المُقَوِّمِيُّ وأَنْبَأَنَا عَالِيًا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: أَبُو مَنصُورِ الدَّيْلَمِيُّ، عن المُقوِّمِيِّ، أَنَبَا أبُو طَلحَة، أَنَبَا عَلِيٌّ القطَّانُ، أَنَبَا مُحَمَّدٌ، ثنَا أَبُو كُرَيْبٍ، ثَنَا عبدُ الرَّحْمَنِ المُحَاربِيُّ وجَعفرُ بنُ عونٍ، عن الأَفْرِيقِيِّ، عن عبد الله بن يَزِيدَ، عن عَبْدِ الله بن عَمْرٍو ﵄ قال: قَالَ رسُولُ الله ﷺ : "لَا تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ لِحُسْنِهِنَّ فَعَسَي حُسْنُهُنُّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ، ولَا تَزَوَّجُوهُنَّ لأَمْوَالِهنَّ عَسَى أَمْوَالُهنَّ أن تُطْغِيهُنَّ، ولكن تَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ، وَلأَمَةٌ خَرْمَاءُ سَوْدَاءُ ذاتُ دينٍ أَفْضَلُ". في الشرح فصول: الفصل الأول هذا حديثٌ ثابتٌ أخرجه ابن ماجه (١) هكذا. وأخرجه محمد بن أسلم في "مسنده" عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الرحمن بن زيادٍ وهو الأَفْرِيقيُّ. ومقصودُ الحديثِ ومعناه متفقٌ عليه في "الصحيحين" من رواية جابرٍ واللَّفْظُ: "إِنَّ المرأَةَ تُنْكَحُ على دِيِنِهِا ومَالِهَا وجَمَالِهَا فَعَلَيْكَ بذاتِ الدِّين تَرِبَتْ

стр. 202

يَدَاكَ" (١). وعبد الله بن عمرو مذكور في المجلس الثالث، ولنذكر مكانه حال جابر ﵁ المتفق على روايته لئلَّا يخلو مجلسٌ عن ذكرِ صحابيٍّ وبعض أحواله. وهو أبو عبد الله (٢) وقيل: أبو محمد جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن عمرو بن سواد بن سلمة الأنصاري الخزرجي. شَهِدَ بدرًا وغيره (٣). وهو من مشاهير الصحابة المكثرين عن رسول الله ﷺ . وروي عن: عمر بن الخطاب، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وأبي حميد الساعدي، وغيرهم. روى عنه: أبو سلمة، وعمرو بن دينار، ومحمد بن المنكدر، وغيرهم. ويروى أنه استغفر رسول الله ﷺ لجابرٍ في ليلة واحدةٍ سبعًا وعشرين

стр. 203

مرة (١). توفي مكفوفًا سنة أربع أو سبع أو ثمان أو تسع وسبعين بالمدينة، ويروى أنه آخر من مات بها من الصحابة (٢). وعبد الله بن يزيد: هو أبو عبد الرحمن الحُبُلِيُّ يعدُّ في المصريين. روي عن: عبد الله بن عمرو، وعقبة بن عامر، وأبي أيوب، وجابر، وأبي عبد الله الصُّنَابجِيِّ. روى عنه: عقبة بن مسلم، وشرحبيل بن شريك، وأبو هانئ الخولاني (٣). وَالْأَفْرِيقِيُّ (٤): هو عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، أبو خالد الشعباني. سمع: أباه، وبكر بن سوادة، وأبا عبد الرحمن الْحُبُلِىَّ. وذكر أنه أول مولود في الإسلام بإفريقية وتولى القضاء بها، وأنه كان عابدًا قوالًا بالحق، وأنه ورد بغداد على أبي جعفر المنصور وشكي عماله وخشَّن له القول. وغَمَزَهُ بعضهم في الحديث، لكن وثَّقَهُ أحمد بن صالح المصري وآخرون.

стр. 204

توفي سنة ست وخمسين ومائة. وجعفر (١): هو أبو عون بن عون بن جعفر بن عمرو بن حريث المخزومي القرشي الكوفي. سمع: أبا العُميس، ومِسعرًا، والثوري، والأعمش. روى عنه: إسحاق الكوسج، وإسحاق الحنظلي، وعبد بن حميد، وأبو كريب. مات منصرفًا من الحج سنة سبع ومائتين. وعبد الرحمن (٢) الذي شاركه في الرواية: هو أبو محمد بن محمد المحاربي الكوفي. سمع: فُضيل بن غَزْوان، وصالح بن حيان الهمداني. روى عنه: محمد بن سلام، وأبو سعيد الأشج، وأبو كريب. مات سنة خمس وتسعين ومائة. وأبو كريب (٣): هو محمد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي. سمع: ابن المبارك، وأبا أسامة، ومحمد بن فضيل. روى عنه: البخاري، ومسلم، وأصحاب المسانيد. مات سنة ثمان وأربعين ومائتين.

стр. 205

ومحمد (١): هو أبو عبد الله بن يزيد القزويني، ويعرف يزيد بماجه. إمامٌ من أئمة الحديث المعتبرين الموثوق بقولهم وكتابهم. صنَّفَ "التفسير"، و "التاريخ"، و"جامع السنن"، ويقرن كتابه الجامع بالجوامع المشهورة وهي: الصحيحان، وسنن أبي داود، وجامع الترمذي، ونحوها. سمع بقزوين: عليًّا الطَّنَافِسِيَّ، وعمرو بن رافع، وبالعراق: ابن أبي شيبة، وبالشام: هشام بن عمار، وابن المُصَفَّى، وبمصر: محمد بن رُمح، وبالرَّيِّ: محمد بن حميد، وبنيسابور: محمد بن يحيي. روى عنه: ابن سَمُّوَيْهِ (٢)، ومحمد بن عيسى الصفار، وإسحاق بن محمد؛ وسليمان بن يزيد الْفَامِيُّ، وميسرة بن علي. وُلد سنة تسع ومائتين، ومات سنة ثلاث وسبعين ومائتين، وصلى عليه أخوه أبو بكر، ودفنه هو وأخوه الآخر أبو محمد الحسن وابنه عبد الله. ورثاه يحيي بن زكريا الطرائقي بأبياتٍ منها: [وافر] أَيَا قَبْرَ ابنِ مَاجَةَ غُثَّ قَطْرًا … مُلِثًّا بِالْغَدَاةِ وبِالْعَشِيِّ ومنها: [وافر] فَقِيْهٌ كَانَ مِنْ سُفْيَانَ أَوْسٌ … وَمَا النُّعْمَانُ كَانَ لَهُ بِشَيْءٍ وعلي القطَّان (٣): هو أبو الحسن بن إبراهيم بن سلمة بن بحر القزويني

стр. 206

الفقيه. مُتَفَتِّنٌ صاحبُ قراءةٍ وفقهٍ وتفسيرٍ وحديثٍ وتاريخٍ ولغةٍ. سمع بقزوين: يحيى بن عبد الأعظم، وعمرو بن سلمة الجعفي، وكثير بن شهاب، وموسي بن هارون بن حيان، وابن ماجه، وغيرهم من البلدين والغرباء الطارئين، وبالري: أبا حاتم، وبهمدان: ابن ديزيل، وبنهاوند: إبراهيم بن نصر، وبحلوان: محمد بن موسى الدقيقي، وببغداد: محمد بن الفرج الأزرق، والحارث بن أبي أسامة، وبمكة: علي بن عبد العزيز، وبصنعاء: إسحاق بن إبراهيم الدبري. وسمع وروى عنه الجمُّ الغفيرُ. وكتب وألَّف ما يعظم وقعه حجمًا من جهة الصورة، وقدرًا من جهة المعني، ومما جمعه الطوالات من الأحاديث والمغازي وقصص الوفود تقع في مجلدات كثيرة. ويقال: إنه صام خمسًا وأربعين سنة وفطوره الخبز والملح البحت في الأغلب، وأنه اجتمع معه أبو موسى الحياني، وعلي بن عمر الصيدلاني، وسليمان بن يزيد الْفَامِيُّ، فقالوا: تعالوا نتمنّ، فتمنى الحياني الرئاسة، والصيدلاني العدالة، و الْفَامِيُّ الرواية، وأبو الحسن السلامة والمغفرة، فبلغ الثلاثة ما تمنوه، والظن القوي أنَّ أبا الحسن لا يُحرم أمنيته من بينهم، ومثل هذه الحكاية تحكي عن بني الزُّبير بن العوام ﵃. وُلد أبو الحسن سنة أربع وخمسين ومائتين، ومات سنة خمس وأربعين وثلاثمائة. ورثاه بعضهم فقال في قصيدةٍ: [طويل]

стр. 207

خَلِيليَّ إِنِّي مُشْتَكٍ مَا أَلَمَّ بِي … أَظَلُّ شَبِيه الوَالِدِ (١) الْمُتَلَدِّدِ إلى أن قَالَ: سَلَامٌ عَلَى قَزْوِينَ مِنْ بَعْدِ شَيْخِهَا … أَبِي الْحَسَنِ القَطَّانِ حِلْفِ التَّعَبُّدِ قَرِيعِ بَنِي الدُّنَيا وَوَاحِدِ عَصْرِهِ … وَوَارِثِ أَخْبَارِ النَّبِيِّ مُحَمَّدِ (٢) وأبو طلحة (٣): هو القاسم بن أبي المنذر محمد بن أحمد بن منصور القطان الخطيب القزويني. سمع: علي بن أحمد البغدادي، وأبا الحسن القطان. روى عنه: علي بن أحمد بن المرزبان بن منجويه، ومحمد بن الحسين بن عبد الملك البزاز، ومحمد بن أحمد بن زيتارة. وأبوه أبو المنذر وعَمَّاه أبو منصور وأبو الزبير فقهاء مُحَدِّثُون كبار، وأبو منصور أشهرهم وأفقههم. صَنَّفَ وأملى الكثير وكان يقال له أسد السنة، وأبوهم أحمد خال أبي الحسن القطان. توفي أبو طلحة سنة عشر وأربعمائة. وَالْمُقَوِّمِيُّ (٤): هو أبو منصور محمد بن الحسين بن أحمد بن الهيثم الهيثمي القزويني.

стр. 208

شيخٌ مكثرٌ، عارفٌ بالحديثِ والأدبِ والأشعارِ والأمثالِ مشغوفٌ بجمعها وتسويدها. سمع: أبا الفتح الرَّاشِدِيَّ، والزُّبير بن محمد، وعبد الرحمن بن أحمد الصُّوفي، وأبا الحسن بن إدريس. وسمع عنه: شيرويه بن شهردار، ومحمد بن الفضل المقدسي، والمثني بن إسحاق القرشي القاضي، والأئمة. توفي سنة سبع أو ثمان وثمانين وأربعمائة. وملكداد (١): هو أبو بكر بن علي بن أبي عمرو بن إلياس العمركي الخباز القزويني، وربما سمى نفسه عبد الله، رأيت في مواضع بخطه وكتب عبد الله بن علي القزويني. إمامٌ خطيرٌ قنوعٌ ورعٌ ملازمٌ لسيرةِ السلفِ الصالحين وهديهم، وأفتى بقزوين سنتين على الصواب. وذكره الإمام أبو سعد السمعاني في التاريخ فقال: مفتٍ ورعٌ حسنُ السِّيرةِ. سمع بنيسابور: أبا بكر بن خلف، وبهراة: أبا عطاء المليحي، وبأصفهان أبا علي الحداد، وببغداد البَانِيَاسِيَّ. كتب لي بجميع مَسموعاته، وسمعت أبا الحسن علي بن محمد بن جعفر الكاتب يقول: كان إذا أراد أن يكتب الفتوي استخار الله تعالى وقرأ آيات من القرآن وسأل الإصابة، هذا كلام السمعاني. ويشبه ما حكاه من حسن سيرته وعقيدته أنه كان يكتب في كل صفحة على

стр. 209

الحاشية العليا: "رب يسر" لا يُغْفل ذلك على كثرة ما كتب من تعاليقه في الأصول والفروع مذهبًا وخلافًا، ومن كتب الحديث واللغة وغيرها. ومات ابنه محمد بن ملكداد في عنفوان الشباب قبله، وهو فاضل حسن المنظر والمخبر فبلغني من قوة الشيخ وتسليمه أنه حضر الجامع بكرةً على عادته لإلقاء الدروس على أصحابه -وابنه الشاب الواجد لما به- فأتته زليخا بنت القاضي أبي سعد الطالقاني وهي جدتي أم أمي وكانت تحته حينئذٍ، فأخبرته بوفاته فأمرها بالقيام بتجهيزه ولم يذكر الحال للحاضرين حتى فرغ من درسه ثم قال: إن محمدنا قد دعي فأجاب، فمن أراد فليحضر الصلاة عليه. تفقه على محيي السنة صاحب "التهذيب" وعلَّق مجموعه عليه بعبارة أبسط مما يوجد في التصنيف وبزيادة فروع ومسائل، وتفقه أيضًا على القاضي أبي سعد الهروي، وكان مُحَصِّلًا طول عمره حافظًا كثيرَ البركةِ، تخرَّج به جماعةٌ من أهل البلد وغيرهم. ومدحه محمد بن أبي الربيع الغرناطي الأندلسي بقصيدة قال فيها: [طويل] إِذَا مَا تَلَا التَّنْزِيلَ أَذْعَنَ حَاسِدٌ … لِحَبْرٍ إِمَامٍ لَا يَنُوهُ بِالدَّعْوَي وَإِنْ أَسْنَدَ الْأَخْبَارَ عَنْ سَيِّد الوَرَى … يَقُولُ لهُ الإِسْلَامُ فَخْرًا كَذَا يُروَي وَإِنْ قَامَ في مِحْرَابِهِ بَادِيَ الضَّنَا … وَطَوَّلَ قُلْتَ الغُصْنَ جَفَّ فَمَا يُلوَي يَمُدُّ يَديهِ شَاكِيًا سُوءَ مَا جَنَي … إِلَى خَيرِ مَرْفُوعٍ إِلَيهِ يَدُ الشَّكْوَى يَقُولُ إِلَهِي هَبْ لي الْآنَ زَلَّتِي … وَمَا اسْتَدْرَجَ الشَّيطَانُ مِنِّيَ وَمَا اسْتَهَوي فَذَاكَ الفَتَي كُلُّ الفَتَي لَيْسَ عِنْدَهُ … يسُودُ لَدَى التَّحصِيلِ إِلَّا فَتىَ التَّقوَى

стр. 210

توفي ﵀ سنة (١) خمس وثلاثين وخمسمائة. وكان والدي ﵀ يديم ذكره والثناء عليه والدعاء له ويقول: إنه رباني كما يري الوالد الشفيق ولده، وكان أستاذه في الأدب وجميع السير في الأخلاق، كما كان أستاذه في الفقه والحديث، ولم يسافر مدة حياته احترامًا له وتبركًا بأنفاسه. ووالدي ﵀ مذكور في المجلس الأول وبعده. وكتب سعد بن الحسن الْكِرْمَانِيُّ إليه رحمها الله وكان سعدٌ من أهل الفضل والبيوتات الشريفة: [خفيف] يَا أَبَا الفَضْلِ قَدْ تَأَخَّرْتَ عَنَّا … فَأَسَأْنَا بِحُسْنِ عَهْدِكَ ظَنَّا كَمْ تَمَنَّتْ نَفْسِي صَدِيْقًا صَدُوقًا … فَإِذَا أَنْتَ ذَلِكَ الْمُتَمَنَّى فَبِغُصْنِ الشَّبَابِ لَمَّا تَثَنَّى … وَبعَهدِ الصِّبَا وَإِنَ بَانَ عَنَّا كُنْ جَوَابِي إِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي … لَا تَقُلْ لِلرَّسُوِل كَانَ وَكُنَّا فَبُلِّغْتُ أنه كان جوابه (٢). الفصل الثاني يقال: تزوجت امرأة، وعن الفراء أنَّ "تزوجت بها" لغة في أزد شنوءة، ومنهم من أنكر ذلك وحمل قوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ (٣) على قرنائهم، وقد يسمى القرين زوجًا. وأَرْدَاهُ: أَهْلَكَهُ، ورَدِيَ يَرْدَى رَدىً: هَلَكَ، ورَدَي الصَّبِيُّ يردى إذا رفع

стр. 211

إحدى رجليه وقفز بالأخرى. ويقال: ما أَدْرِي أين رَدَى أي: أين ذهب، ورَدَيْتُ على كذا سَنَة وأَرْدَيْتُ أي: زِدْتُ، وَتَرَدَّى إِذَا سَقَطَ فِي بِئْرٍ أَوْ مِنْ جَبَلٍ. وطَغَى يَطْغُو أو يَطْغَى طُغْيانًا أي: جَاوَزَ الْحَدَّ، وَطَغَي الْبَحْرُ: هَاجَ مَوْجُهُ، وَطَغَى الدَّمُ: تَبَيَّغَ. والطغوان والطغوى كالطغيان. والدِّينُ: الْجَزَاءُ، يُقَالُ: دِنْتُهُ بِمَا فَعَلَ أي: جَازَيْتُهُ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ (١) أي: مجزيون، وقوله: ﴿يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ (٢) أي: جزاءهم الواجب، وقوله: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ (٣). وأيضًا الحساب، ومنه قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (٤) أي: الحساب المستقيم. وأيضًا الملة، ومنه قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ (٥)، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٦) ويقال منه: دان دينًا أي: اتخذ. وأيضًا الدِّينُ اسم لجميع ما تعبَّد الله به خلقه، وقد يحمل عليه قوله تعالى:

стр. 212

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١). وأيضًا الدِّينُ: الطاعة والخضوع، ومنه: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) ويقال منه: دَانَ لَهُ أي: أطاعه. وأيضًا: الحكم ومنه قوله: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ (٣) أي: حكمه. وأيضًا: الملك وقد قيل كل منهما في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ (٤). وأيضًا: القهر والغلبة، يقال: دَانَ فلانٌ قومَ كذا دينًا أي: أذلهم وقهرهم. وأيضًا: الدأب والعادة يقال: ما زال ذلك دينه وهجيراه أي: عادته وعمله المعهود. وكلٌّ منها محتملٌ في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٥) وقد قيل بأكثرها، أما الجزاء والحساب وما في معناهما فظاهرة؛ وأما الملَّة فعلى معنى أنه اليوم الذي لا ينفع فيه إلا الدِّين الحق؛ وأما الطَّاعة والخضوع فعلى معنى أن النجاة فيه بالطاعة والعمل الصالح، أو على معنى أنه يطيع فيه كل عاصٍ ويخضع كل عاتٍ؛ وكذلك معنى القهر فإن الكلَّ مقهورون يومئذٍ؛ وأما العادة والعمل المعهود فعلى معنى أنه تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا، وقد ورد أن الرجل يموت على ما عاش

стр. 213

عليه ويحشر على ما مات عليه. وتَرِبَ الشَّيْءُ: أَصَابَهُ التَّرَابُ، وتَرِبَ الرَّجُلُ: افْتَقَرَ كأنه لصق بالتراب، وَرَجُلٌ تَرِبٌ: فَقِيرٌ، وتَرِبَتْ يَدُكَ: دُعَاءٌ على الرَّجُلِ أي: افْتَقَرَ ولا أصاب خَيْرًا، وتَرَّبْتُ الشَّيْءَ تَتْرِيبًا فَتَتَرَّبَ أي تَلَطَّخَ بالتراب، وأَتْرَبْتُهُ: أي جعلت عليه التُّرَابَ، وأَتْرَبَ الرَّجُلُ أي اسْتَغْنَى كأنه كَثُرَ مَالُهُ كَالتُّرَابِ. وَيُقَالُ: خَرَمْتُهُ أخْرِمهُ: إذا قَطَعْتُهُ وَنَقَضْتُهُ، وما خَرمَ عن الطريق أي ما عَدَلَ، وَرَجُلٌ أَخْرَمٌ: الذي قُطِعَ طرف أَنْفِهِ، والمرأة خَرْمَاء. الفصل الثالث يُرَغَبُ فِي النِّكَاحِ لفوائده الدينية والدنيوية، والفوائد المتعلقة بمطلق النكاح تحصل بنكاح أية امرأة كانت، ثم نكاح المرأة المعينة يرغب فيه تارة لتعيّنها بحكم الحال، وتارة لأسباب تمتاز بها عن غيرها، فمن الدعاوي القوية الغالبة الحسن، وقد نهى الحديث عن تزوج المرأة لحسنها، وليس المراد النهي عن رعاية الجمال على الإطلاق؛ ألا ترى أنه يستحب النظر إلى المخطوبة ليكون النكاح عن موافقة الطبع، ولكنه محمول على أحد وجهين: الأول: أن يكون مجرد القصد إلى الحسن ويكتفى به عن سائر الخصال ولا يبالي بها حصولًا وفواتًا. والثاني: الحسن التام والجمال البارع؛ لأنه يخاف بسببه أمور محذورة: منها: الإفراط في الدلال الذي يورث الوحشة ويبطل البلغة. ومنها: بلوى المنازعة والأطماع الفاسدة، فالمشرب العذب مظنَّةُ الزَّحمة، وقال قائلهم:

стр. 214

وَلَنْ تُصَادِفَ مَرْعًى مُمْرَعًا أَبَدًا … إِلَّا وَجَدْتَ بِهِ آثَارَ مَأْكُولِ (١) ومنها: شدَّة الصبوة والميل، ولا يؤمن منها تولد أمور: أحدها: أن تتحكم عليه وتلتمس منه ما يوقعه في مداخل السوء. وثانيها: أن تنجرَّ به شدَّة الميل إلى الإغضاء في غير موضعه. وثالثها: أنها تشغله عن صرف الأوقات إلى العبادات، أو عن استغراب القلب فيها بالله تعالى. ويقال: إنَّ بعضهم رأى صيَّادًا يُكلَّم امرأة فقال له: يا صياد احذر أن تصاد. ومن الدَّواعي الغالبة: المال، وإذا كان الداعي إلى النكاح تحصيل المال، والمال غادٍ ورائح، لم يوثق بدوام الألفة عند فناء المال سيما إذا قلَّ الوفاء، وقد قيل: من أَعْظَمَكَ لاستقلالك استَقَلَّك عند إقلالك. وقوله: "وَتَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ" أي: على ابتغاء الدين أو للدين، وهذه الحروف يقام بعضها مقام بعض، والدين ها هنا يمكن أن يحمل على الملة والتوحيد أي: ارغبوا عن نكاح الكتابيات فهو مكروه، والأظهر حمله على الطاعات والأعمال الصالحة والعفة التي هي من مواجب الملة، وهذا ما يعنيه الفقهاء بقولهم: "إن الدين من خصال الكفاءة". ونظمها الْبَنْدَنِيجِيُّ منهم فقال: [طويل] نَسَبٌ وَدِينٌ ثُمَّ حُرٌّ وَصَنْعَةٌ … سَلَامَةُ عَيْبٍ وَالْيَسَارُ خِلَافِي فَمَا تِيكهَا سِتُّ شُرُوطِ كَفَاءةٍ … شُرُوطُ ابْنِ إِدْرِيسَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ

стр. 215

وَإِذَا كَانَ أَقْوَمُ الدَّوَاعِي الدِّينُ كَانَ العَقْدُ أَدْوَمُ وَعَاقِبَتُه أَحْمَدُ. وقوله: "وَلَأَمَةٌ سَوْدَاءُ خَرْمَاءُ" إلى آخره أي: أفضل من حرَّةٍ سليمة ليست ذات دين، فحذف لفهم المقصود، ثم يجوز أن يريد أن الأمة على نقصانها رقًّا وخلقةً إذا كانت ذات دين أفضل من الحرة السليمة إذا لم تكن ذات دين، لأن الكرم التقوى، ويجوز أن يريد أنَّ تسريها أفضل من نكاح الحرة، أو أن نكاحها لمن له نكاح الأمة أكثر بركة. وقوله في الرواية الأخرى: "تَرِبَتْ يَدَاكَ" قيل: هو دعاء (١). آخر المجلس الثالث عشر، والحمد لله وحده، وصلواته على محمد وآله وصحبه وسلم * * * * *
следующие страницы →