← Тафсир

Тафсир · id 30623

الأمالي الشارحة لمفردات الفاتحة

الرافعي

Полный текст (469 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

إحدى رجليه وقفز بالأخرى. ويقال: ما أَدْرِي أين رَدَى أي: أين ذهب، ورَدَيْتُ على كذا سَنَة وأَرْدَيْتُ أي: زِدْتُ، وَتَرَدَّى إِذَا سَقَطَ فِي بِئْرٍ أَوْ مِنْ جَبَلٍ. وطَغَى يَطْغُو أو يَطْغَى طُغْيانًا أي: جَاوَزَ الْحَدَّ، وَطَغَي الْبَحْرُ: هَاجَ مَوْجُهُ، وَطَغَى الدَّمُ: تَبَيَّغَ. والطغوان والطغوى كالطغيان. والدِّينُ: الْجَزَاءُ، يُقَالُ: دِنْتُهُ بِمَا فَعَلَ أي: جَازَيْتُهُ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ (١) أي: مجزيون، وقوله: ﴿يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ (٢) أي: جزاءهم الواجب، وقوله: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ (٣). وأيضًا الحساب، ومنه قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (٤) أي: الحساب المستقيم. وأيضًا الملة، ومنه قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ (٥)، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٦) ويقال منه: دان دينًا أي: اتخذ. وأيضًا الدِّينُ اسم لجميع ما تعبَّد الله به خلقه، وقد يحمل عليه قوله تعالى:

стр. 212

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١). وأيضًا الدِّينُ: الطاعة والخضوع، ومنه: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) ويقال منه: دَانَ لَهُ أي: أطاعه. وأيضًا: الحكم ومنه قوله: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ (٣) أي: حكمه. وأيضًا: الملك وقد قيل كل منهما في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ (٤). وأيضًا: القهر والغلبة، يقال: دَانَ فلانٌ قومَ كذا دينًا أي: أذلهم وقهرهم. وأيضًا: الدأب والعادة يقال: ما زال ذلك دينه وهجيراه أي: عادته وعمله المعهود. وكلٌّ منها محتملٌ في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٥) وقد قيل بأكثرها، أما الجزاء والحساب وما في معناهما فظاهرة؛ وأما الملَّة فعلى معنى أنه اليوم الذي لا ينفع فيه إلا الدِّين الحق؛ وأما الطَّاعة والخضوع فعلى معنى أن النجاة فيه بالطاعة والعمل الصالح، أو على معنى أنه يطيع فيه كل عاصٍ ويخضع كل عاتٍ؛ وكذلك معنى القهر فإن الكلَّ مقهورون يومئذٍ؛ وأما العادة والعمل المعهود فعلى معنى أنه تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا، وقد ورد أن الرجل يموت على ما عاش

стр. 213

عليه ويحشر على ما مات عليه. وتَرِبَ الشَّيْءُ: أَصَابَهُ التَّرَابُ، وتَرِبَ الرَّجُلُ: افْتَقَرَ كأنه لصق بالتراب، وَرَجُلٌ تَرِبٌ: فَقِيرٌ، وتَرِبَتْ يَدُكَ: دُعَاءٌ على الرَّجُلِ أي: افْتَقَرَ ولا أصاب خَيْرًا، وتَرَّبْتُ الشَّيْءَ تَتْرِيبًا فَتَتَرَّبَ أي تَلَطَّخَ بالتراب، وأَتْرَبْتُهُ: أي جعلت عليه التُّرَابَ، وأَتْرَبَ الرَّجُلُ أي اسْتَغْنَى كأنه كَثُرَ مَالُهُ كَالتُّرَابِ. وَيُقَالُ: خَرَمْتُهُ أخْرِمهُ: إذا قَطَعْتُهُ وَنَقَضْتُهُ، وما خَرمَ عن الطريق أي ما عَدَلَ، وَرَجُلٌ أَخْرَمٌ: الذي قُطِعَ طرف أَنْفِهِ، والمرأة خَرْمَاء. الفصل الثالث يُرَغَبُ فِي النِّكَاحِ لفوائده الدينية والدنيوية، والفوائد المتعلقة بمطلق النكاح تحصل بنكاح أية امرأة كانت، ثم نكاح المرأة المعينة يرغب فيه تارة لتعيّنها بحكم الحال، وتارة لأسباب تمتاز بها عن غيرها، فمن الدعاوي القوية الغالبة الحسن، وقد نهى الحديث عن تزوج المرأة لحسنها، وليس المراد النهي عن رعاية الجمال على الإطلاق؛ ألا ترى أنه يستحب النظر إلى المخطوبة ليكون النكاح عن موافقة الطبع، ولكنه محمول على أحد وجهين: الأول: أن يكون مجرد القصد إلى الحسن ويكتفى به عن سائر الخصال ولا يبالي بها حصولًا وفواتًا. والثاني: الحسن التام والجمال البارع؛ لأنه يخاف بسببه أمور محذورة: منها: الإفراط في الدلال الذي يورث الوحشة ويبطل البلغة. ومنها: بلوى المنازعة والأطماع الفاسدة، فالمشرب العذب مظنَّةُ الزَّحمة، وقال قائلهم:

стр. 214

وَلَنْ تُصَادِفَ مَرْعًى مُمْرَعًا أَبَدًا … إِلَّا وَجَدْتَ بِهِ آثَارَ مَأْكُولِ (١) ومنها: شدَّة الصبوة والميل، ولا يؤمن منها تولد أمور: أحدها: أن تتحكم عليه وتلتمس منه ما يوقعه في مداخل السوء. وثانيها: أن تنجرَّ به شدَّة الميل إلى الإغضاء في غير موضعه. وثالثها: أنها تشغله عن صرف الأوقات إلى العبادات، أو عن استغراب القلب فيها بالله تعالى. ويقال: إنَّ بعضهم رأى صيَّادًا يُكلَّم امرأة فقال له: يا صياد احذر أن تصاد. ومن الدَّواعي الغالبة: المال، وإذا كان الداعي إلى النكاح تحصيل المال، والمال غادٍ ورائح، لم يوثق بدوام الألفة عند فناء المال سيما إذا قلَّ الوفاء، وقد قيل: من أَعْظَمَكَ لاستقلالك استَقَلَّك عند إقلالك. وقوله: "وَتَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ" أي: على ابتغاء الدين أو للدين، وهذه الحروف يقام بعضها مقام بعض، والدين ها هنا يمكن أن يحمل على الملة والتوحيد أي: ارغبوا عن نكاح الكتابيات فهو مكروه، والأظهر حمله على الطاعات والأعمال الصالحة والعفة التي هي من مواجب الملة، وهذا ما يعنيه الفقهاء بقولهم: "إن الدين من خصال الكفاءة". ونظمها الْبَنْدَنِيجِيُّ منهم فقال: [طويل] نَسَبٌ وَدِينٌ ثُمَّ حُرٌّ وَصَنْعَةٌ … سَلَامَةُ عَيْبٍ وَالْيَسَارُ خِلَافِي فَمَا تِيكهَا سِتُّ شُرُوطِ كَفَاءةٍ … شُرُوطُ ابْنِ إِدْرِيسَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ

стр. 215

وَإِذَا كَانَ أَقْوَمُ الدَّوَاعِي الدِّينُ كَانَ العَقْدُ أَدْوَمُ وَعَاقِبَتُه أَحْمَدُ. وقوله: "وَلَأَمَةٌ سَوْدَاءُ خَرْمَاءُ" إلى آخره أي: أفضل من حرَّةٍ سليمة ليست ذات دين، فحذف لفهم المقصود، ثم يجوز أن يريد أن الأمة على نقصانها رقًّا وخلقةً إذا كانت ذات دين أفضل من الحرة السليمة إذا لم تكن ذات دين، لأن الكرم التقوى، ويجوز أن يريد أنَّ تسريها أفضل من نكاح الحرة، أو أن نكاحها لمن له نكاح الأمة أكثر بركة. وقوله في الرواية الأخرى: "تَرِبَتْ يَدَاكَ" قيل: هو دعاء (١). آخر المجلس الثالث عشر، والحمد لله وحده، وصلواته على محمد وآله وصحبه وسلم * * * * *

стр. 216

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وما توفيقي إلا بالله المجلس الرابع عشر من أماليه رحمة الله عليه أملاه يوم الثلاثاء بعد الصلاة السابع عشر من ذي القعدة سنة إحدى عشرة وستمائة حَدَّثَنَا إِمْلَاءً مِنْ لَفْظِهِ الشَّرِيفِ قَالَ: أَنَبَا أَبُو زُرْعَةَ الْمَقْدِسِيُّ وَغَيْرُهُ وَفِي كِتَابِهِمَا عَنْ نَصْرِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ، أَنَبَا أَحْمَدُ بْنُ (الْحَسَنِ) (١) ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثَنَا أَبُو عُتْبَةَ، ثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ بَحِيرِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ الْعِرْبَاضِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَظَهُمْ يَوْمًا بَعْدَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا ? قال: "أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّهَا ضَلَالَةٌ، وإنَّ مَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاِء الرَّاشِدِينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ". في الشرح فصول: الفصل الأول هذا حديثٌ عالٍ حسنٌ، صحيحٌ معناه ومقصوده من رواية ابن مسعود وغيره من الصحابة. ورواه عن العِرباض سوى عبد الرحمن بن عمرو: حُجر بن حُجر، ومُهَاصِرُ

стр. 217

بن حبيب، وعبد الرحمن بن أبي بلال الخزاعي، ويحيى بن أبي المطاع القرشي. وعن عبد الرحمن سوى خالد: ضمرة بن حبيب. وعن خالد سوى بحير: ثور بن يزيد. وعن بحير سوى بقية: إسماعيل بن عياش. وعن بقية سوى أبي عتبة: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وعلي بن حُجر، وحيوة بن شريح. أخرجه الترمذيُّ في "الجامع" (١) عن بقية. والسجستاني في "سننه" (٢) عن أحمد بن حنبل، عن الوليد بن مسلم، عن ثور. وابن ماجه في "سننه" عن إسحاق بن إبراهيم (السواق) (٣) وغيره عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية، عن صالح، عن ضمرة بن حبيب، عن عبد الرحمن بن عمرو (٤). وعن عبد الله بن أحمد بن ذكوان، عن الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن العلاء، عن يحيى بن أبي المطاع عن العرباض (٥). ومحمد بن أسلم عن حفص، عن خارجة، عن ثور بن يزيد. ورواه بعضهم عن بَحِير، عن خالد، عن العرباض من غير توسيط عبد الرحمن (٦).

стр. 218

والعِربَاضُ (١): هو أبو نجيح بن سارية السلمي من بني سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن غيلان من أصحاب رسول الله ﷺ لا سَمِيّ له فيهم، وله في الرواية سَميٌّ يقال له: عرباض القرشي. وهو معدودٌ من أصحاب الصُّفَّةِ، ومن الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ (٢). نزل الشام وتوفي بها على كبر السنِّ سنة خمس وسبعين. روى عنه سوى من ذكرنا: جبير بن نفير، وأبو رُهم السماعي، وابنته أم حبيبة بنت العرباض. وعبد الرحمن بن عمرو (٣): هو السلمي. من ثقات التابعين بالشام مات سنة عشر ومائة. وخالد بن مَعدان (٤) تابعي أيضًا حمصي وكنيته أبو عبد الله. سمع: أبا أمامة، وأبا هريرة، وواثلة بن الأسقع، ومن التابعين جبير بن نفير، وكثير بن مرة. ويقال: إنه أدرك سبعين من أصحاب النَّبِيِّ ﷺ ، وأنه كان يسبِّحُ في اليوم أربعين ألف تسبيحة، وأنه لما وُضع على المغتسل كان يحرك أصبعه كما كان يعتاد تحريكها عند تسبيحه.

стр. 219

توفي بطرسوس سنة ثلاث ومائة، وقيل: سنة أربع، وقيل: سنة ثمان. وبَحير أبو خالد بن سعد حمصي (١) أيضًا. روى عنه: معاوية بن صالح، وإسماعيل بن عياش، وثور بن يزيد. أَثْنَى عليه أحمد بن حنبل والأئمة. وبقية (٢): هو أبو محمد بن الوليد الحمصي، مشهور من أهل الحديث. سمع: محمد بن زياد الْأَلْهَانِيَّ، والأوزاعي، وعبيد الله بن عمر العُمَريّ. روى عنه: شعبة، وحماد بن زيد، وابن المبارك، ومن بعدهم. قال الأئمة: وكان ثِقَةً إلَّا أنه كان يكتب ويروي عن كلِّ أحدٍ. مات سنة تسع أو سبع وتسعين ومائة. وأبو عتبة (٣): هو أحمد بن الفرج بن سليمان الكندي الحمصي ويعرف بالحجازي. روى عن: بقية، وضمرة بن ربيعة، ومحمد بن إسماعيل بن أبي فديك. روى عنه: عبد الله بن أحمد بن حنبل، ومحمد بن عبد الله الحضرمي، ومحمد بن جرير الطبري، والبغوي، وابن صاعد، وعبد الرحمن بن أبي حاتم وأثنى عليه. توفي بحمص سنة إحدى وسبعين ومائتين. ومحمد بن يعقوب (٤): هو أبو العباس بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان بن عبد الله الأموي مولاهم الأصم النيسابوري.

стр. 220

مَرْحُولٌ إليه من الأقطار. سمع ببلده أصبهان، وبغداد، والكوفة، ومصر، ودمشق، وبيروت، ودمياط، وعسقلان، والرقة. وروى عنه الكبار كأبي عمرو الْحِيرِيِّ، وأبي بكرٍ الصِّبْغِيِّ، وأبويّ على الثّقَفِيّ والحافظ، وعبد الله بن عليٍّ الجُرْجَانِيِّ. وعُمِّرَ، سمع منه ناسٌ بطنًا بعد بطنٍ، وألحق الأحفاد بالأجداد. ولد في عهد صاحبي "الصحيحين" وتوفي سنة ست وأربعين وثلاثمائة. وعن روايته اشتهرت كتب الشافعي ﵁ بخراسان كـ "الأم" و "المسند" سمعها من الربيع بن سليمان. وذكر الحاكم أبو عبد الله أنه رؤي الأصمُّ في المنام فسئل عن حاله، فقال: نحن في جوار محمد بن إدريس الشافعي ﵁ نحضر كلَّ يومٍ ضيافته. وأحمد بن الحسن (١): هو القاضي أبو بكر بن الحسن بن أحمد بن محمد بن أحمد بن حفص الْحَرَشِيُّ الْحِيرِيُّ. من فقهاء أصحاب الشافعي ﵁. تَفَقَّهَ على أبي الوليد، وتولى قضاء نيسابور مُدَّةً، وسمع بها: أبا علي الْمَيْدَانِيَّ، والأصم، وببغداد: أبا بكر الشافعي، وأبا سهل بن زياد، وبالكوفة أبا بكر بن أبي دارم، وابن دحيم، وبمكة بكيرًا الحداد. تُوفي سنة إحدى وعشرين وأربعمائة. ونصر الله: هو أبو علي بن أحمد بن عثمان بن محمد بن خشنام الْخُشْنَامِيُّ

стр. 221

النيسابوري. مُحَدِّثٌ فقيهٌ أديبٌ. سمع: القاضي أبا بكر الْحِيرِيّ، وأبا سعيد محمد بن موسى الصَّيْرَفِيَّ، وأبا الحسن علي بن أحمد بن عبد الله الْأَهْوَازِيَّ، وأباه أبا مسعود، وكان أفضل منه. توفي سنة ثمان وتسعين وأربعمائة (١). وأبو زرعة مذكور في المجلس الثاني عشر. الفصل الثاني المَوْعِظَةُ: ما يُوعَظُ به، والْمَصْدَرُ: الْوَعْظُ والْعِظَةُ. وَذَرَفَ الدَّمْعُ يَذْرِفُ ذَرْفًا وَذَرَفانّا: سَالَ، ويُقَالُ أيضًا: ذَرَفَتْ عَيْنُهُ إذا انْصَبَّ دَمْعُهَا، وَالذَّرَفَانُ: الْمَشْيُ الضَّعِيفُ، وَذَرَّفَ عَلَى الْمِائَةِ أَيْ زَادَ. وَالوَجَلُ: الْخَوْفُ، يُقَالُ منه: وجل وجلًا وموجلًا، والْمَوْجِلُ بالكسر: الْمَوْضِعُ، والأمر منه إِيْجَلْ، وَرَجُلٌ أَوْجَلُ، ولا يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ وَجْلَاءُ لكن وَجِلَةٌ. وَيُقَالُ: عَهِدْتُ إليه أي أَوْصَيْتُ، وَالْعَهْدُ: الأَمَانُ وَالْيمِينُ والحفاظ والزمان وَالْوَصِيَّةُ، وَعَهِدْتُ فُلَانًا بمكان كذا أي لَقِيتُهُ، وَالتَّعَهُّدُ: التَّحَفُّظُ بالشيء وَرِعَايَتُهُ. ويقال في التحذير: "إيَّاك والأسد" وهو بدلٌ من فعلٍ كأنك تقول: احذره أو تباعد منه. وهيَّاك لغة، وربما قالوا: إيَّاك الأسد بلا واو، وإنما يذكر ذلك عند الخطاب، ووَردَ نادرًا في غير الخطاب كما يروى عن عمر ﵁: "إيَّاي ونَعَم ابن عفان" (٢).

стр. 222

و"إِيَّا" أيضًا لفظة تخصص بوصف في المضمرات التي هي في موضع النصب تقول: إيَّاك، وإيَّاه، وإيَّاي، وإيَّانا، وجُعِلَتْ الكاف والهاء بيانًا يُعلمُ به المخاطب من الغائب عند بعضهم مع ما بعده كالشيء الواحد. ومنهم من قال: "إيَّا" مضافة إلى ما بعده، واستدلَّ عليه بما روي عنهم: "إذا بلغَ الرجلُ السِّتِّينَ فَإِيَّاهُ وَإِيَّا الشَّوابِّ" فأضافوها إلى الشَّوابِّ وَخَفَضُوا. وقيل: الكاف والهاء والياء والنون هي الأسماء و "إيَّا" عماد لها؛ لأنها لا تقوم بنفسها وتتأخر تقول: ضربك وضربه، وإذا قدَّمت الكاف والهاء وصلتهما بـ "إيَّا" ولا يجوز أن يقال: ضربت إيَّاك؛ لأن الكاف تتصل بالفعل فلا حاجة إلى "إِيَّا" نَعَمْ لو وقعت فاصلة بين الفعل وبين الكاف جاز، كما تقول: ما ضربت إلا إيَّاك، ويجوز أن يقال: ضربتك إيَّاك؛ لأنَّ الكاف الأولى اتصلت بالفعل فإذا أعدتها احتاجت إلى عماد. والمُحْدَثُ والْحَدَثُ فِي الدِّينِ: الْبِدْعَةُ. وَالسُّنَّةُ: السِّيرَةُ وَالطَّرِيقَةُ، قَالَ الْهُذَلِيُّ: فَلَا تَجْزَعَنْ مِنْ سِيرَةٍ أَنْتَ سِرْتَهَا … فَأَوَّلُ رَاضٍ سُنَّةً مَنْ يَسِيرُهَا (١) أي: جَعَلْتَهَا سَائِرَةً فِي النَّاسِ. يُقَالُ: سَارَتِ الدَّابَّةُ وَسَارَهَا صَاحِبُهَا أي سَيَّرَهَا، لازمٌ ومتعدٍّ. ويقال: عَضَّهُ، وَعَضَّ به، وَعَضَّ عليه، وعضِضتُ بِاللُّقْمَةِ أَعَضُّ، وَعَضَضْتُ لُغَةٌ أيضا، وَعَضَّ الرَّجُلُ بِصَاحِبِهِ يَعَضُّ عَضِيضًا أي لَزِمَهُ، وما لنا في هذا الأمر مَعَضٌّ أي مُسْتَمْسكٌ.

стр. 223

وَالنَّاجِذُ: آخِرُ الْأَضْرَاسِ، وللإنسان في أقصى الأسنان أربعة نواجذ وتسمي ضرس العقل؛ لأنها تنبت بعد البلوغ وكمال العقل، ويقال: النَّوَاجِذُ: الْأَضْرَاسُ وَالْأَنْيَابُ. الفصل الثالث قوله: "بَعْدَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ" يشير إلى أنَّه يستحسن تحري ذلك الوقت للوعظ؛ لحدَّة الذِّهن وصفاء الخاطر حينئذٍ. وقوله: "ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ" يُبَيِّنُ حسنَ فكرهم ونظرهم، وتأثرَ قلوبهم بالموعظة البليغة حتى تصاعدت بخارات (١) الأحزان والأفكار المقطرة للدموع. قال أبو بكر الْآجُرِّيُّ: ولم يقل صرخنا من موعظته، ولا زعقنا، ولا زفنَّا، ولو كان ذلك محمودًا لكانوا أولى الناس به؛ لأنهم أرق قلوبًا، والرسول ﷺ أصدق الخلق موعظة وأنصح للأمة. وقول الرجل: "هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ" كأنه جرى فيها ما يفهم التوديع إما من جهة اللفظ أو المبالغة في النُّصح والوعظ، ولما فهم ذلك أخذ بالحزم وبحث عمَّا يوصيهم به ليراعوه. وقوله ﷺ : "أُوصِيكُمْ بِتَقْوى اللَّهِ" يدلُّ على أنَّ أهمَّ ما يحافظ عليه المؤمن التقوى؛ وذلك بأداء الفرائض واجتناب المحارم، ولا يتأتَّى ذلك إلا بالعلم، ثم أمرهم بالسمع والطاعة لمن يلي أمرهم كيف كان؛ لتتفق الكلمة ويجتمع الشمل. قال الإمام أبو سليمان الخطابيُّ: وقوله: "وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا" يعني الذي

стр. 224

ينصِّبه الإمام لا أن يكون الإمام عبدًا حبشيًّا، فالأئمة من قريش على أنه قد يضرب المثل عند المبالغة بما لا يكاد يوجد كقوله ﷺ : "مَنْ بَنَى لِلَّه مَسْجِدًا وَلَوْ مِثْلَ مَفْحَصِ قَطَاةٍ بَنَى اللهُ له بَيْتًا في الجَنَّة" (١) وفي ذلك القدر لا يصلح مسجدًا للناس (٢). وقد يُفْهَمُ مِنَ الْأَمْرِ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلْوَالِي أن قول الرَّجُلِ: "مَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ " كان بَحْثًا عَمَّنْ يلي الْأَمْرَ بَعْدَهُ فلم يُعَيِّنْهُ وَلَكِنْ قال: "مَنْ وَلِيَ الْأَمْرَ فَأَطِيعُوهُ". وقوله: "مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا" عُدَّ من دلالات نُبُوَّتِهِ حيث عرف ما يكون بعده فأخبر عنه. وقوله ﷺ : "وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ" تحذيرٌ عن الأخذ بالبدع واتباعها، وهي مردودةٌ على ما وردت به الأحاديث الصِّحاح. قَرَأْتُ على الإمام أحمد بن إسماعيل، أَنَبَا أبو الْفُتُوحِ الزَّيْنَبِيُّ، ثَنَا أبو بكرٍ الْأَدِيبُ، أَنَبَا الحَاكِمُ أبو عبد الله، أَنَبَا أبو الْعَبَّاسِ السَّيَّارِيُّ، ثَنَا أبو الْمُوَجِّهِ، ثَنَا عَبْدَانُ، عن إبراهيم بن سَعْدٍ، عن أبيه، عن الْقَاسِمِ، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَحْدَثَ فِي دِينِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ" (٣). وهذا في غالب ما يقع عليه اسم البدع والمحدثات، وقد تكون البدعة

стр. 225

مستحسنة كما ورد في التراويح، قال عليٌّ: "هذه بدعة حسنة". وكلّ مُحدث هو مستندٌ إلى أصلٍ من أصول الدين أو مقيسٌ به فليس بمردودٍ. وقوله: "مَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ" يعني: الاختلاف والمحدثات. وقوله: "وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ" المراد من الخلفاء الراشدين على ما اشتهر عند الخاصة والعامة الأربعة الذين ولوا الأمر بعد رسول الله ﷺ ورضي عنهم. واستدلَّ بالحديث على جواز إطلاق اسم السنة على طريقتهم كإطلاقه على طريقة النَّبِيِّ ﷺ ، وعلى الفضيلة التامة لهم حيث سماهم خلفاء ووصفهم بكونهم راشدين، وعلى أنَّ الواحد منهم إذا قال قولًا وخالفه غيره من الصحابة كان المصير إلى قول الخليفة أولى، وعلى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان عالمًا بأنَّهم الذين يلون الأمر بعده، وقد يستدلُّ به على أنَّ قولهم وطريقتهم حجةٌ مأخوذٌ بها؛ وذلك لأنَّ قوله: "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ" ليس المراد منه أن يكون الشيء الواحد سنته وسنتهم؛ لأنَّ سُنَّتَهُ وحدها حجةٌ مأخوذٌ بها، فأشعر بأنَّ سُنَّتَهُم أيضًا كذلك. وقوله: "عَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّوَاجِذِ" ندبٌ إلى التَّمَسُّكِ الشَّديد كما يعضُّ الإنسان بأسنانه على الشيء احتياطًا وتحرزًا من أن يضيع، والعضُّ بالأضراس أبلغ في المنع من الانتزاع فإنَّ المأخوذ بمقاديم الأسنان أسهل تناولًا. قال الخطابي: وقد يكون معناه الأمر بالصبر على ما يصيب من المضض عند مشاهدة العدول عن أمر الله تعالى واتباع سنة رسوله ﷺ ، كما يفعله المتألم بما يصيبه من الوجع (١). واعلم أنَّ اتباعَ سُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ جالبٌ لِمَحَبَّةِ الله تعالى على ما قال تعالى:

стр. 226

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (١). وبالسمع والطاعة تحصل السلامة عن الفتن، والتحرز عن الآفات، وبتقوى الله تحصل النَّجاة في الدَّارين عن الهلكات، فاشتمل ما أوصاهم به على بيان أهم المهمات. وأنشد الحافظ عبد الخالق بن أحمد بن عبد القادر بن يوسف -وقد أجاز لنا غير واحد ممن أجاز لهم- قال قرأت على أبي محمد جعفر بن أحمد السراج قوله من كتابه: [سريع] يَا خَاطِبَ الدُّنْيَا إِلَى نَفْسِه … إِيَّاكَ أَنْ تَمْنَحَهَا نَظْرَهْ سِيقَ إِلَى الْخُلْدِ الَّذِينَ اتَّقَوا … تَتْبَعُ مِنْهُمْ زُمْرَةٌ زُمْرَهْ وَسِيقَ لِلنَّارِ فَرِيقٌ عَصَوْا … خَالِقِهَمْ إِذْ خَالَفُوا أَمْرَهْ ولله درُّ من قَصَرَ بصرَه ونظرَه على من ليس منه بدٌّ، ولا لحكمه ردٌّ، ولا ينفع منه جدٌّ، ولا يحويه قُطرٌ ولا حدٌّ، وقطع همه عما سواه، ولم يطلب إلا إياه. حَدَّثَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ فِي "أسامي الأولياء" عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ مَطَرٍ قَالَ: ثَنَا مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ الصَّفَّارُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّازِ، عَنْ خَلَفٍ الْبَزَّازِ قَالَ: رَأَيْتُ شَيْبَانَ الرَّاعِي ذَاتَ لَيْلَةٍ صَلَّى ثَلَاثَمِائَةِ رَكْعَةٍ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: مِنْكَ أَهْرَبُ، وَإِيَّاكَ أَطْلُبُ، وَلَيْسَ لِي مِنْكَ بُدٌّ.

стр. 227

وَأُنْشِدُكُمْ لِنَفْسِي هذه الرباعية: مَا أَطْلُبُ مَا حَيِيْتُ إِلَّا إِيَّاكَ … إِيَّاكَ وَإِنْ تَقْطَعْ عَنِّي رَيَّاكَ رَيَّاكَ وَإِنْ بَلِيتُ تُحْيِي رِمَّتِي … حَيَّاكَ اللهُ مِنْ مُسَبِّحٍ حَيَّاكَ آخر المجلس الرابع عشر والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين * * * * *

стр. 228

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وما توفيقي إلا بالله المجلس الخامس عشر من أماليه ﵀ أملاه يوم الجمعة بعد الصلاة الرابع والعشرين من ذي قعدة سنة إحدى عشرة وستمائة حَدَّثَنَا ﵀ إِمْلَاءٌ مِنْ لَفْظِهِ الشَّرِيفِ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى وَالِدِي وَعَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي الْفُتُوحِ رَحِمَهُمَا اللهُ لِتَارِيخَيْنِ قَالَا: أَنَبَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَبَا أَبُو عَلِيٍّ الْخُشْنَامِيُّ، أَنَبَا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، أَنَبَا الْأَصَمُّ، أَنَبَا الرَّبِيعُ، أَنَبَا الشَّافِعِيُّ، أَنَبَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الله بْنَ الزُّبَيْرِ ﵄ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ يَقُولُ بِصَوْتِهِ الْأَعْلَى: "لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَالْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ لَا إِلَهَ إِلَّا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" (١). في الشرح فصول: الفصل الأول هذا حديثٌ صحيحٌ أخرجه مسلم (٢) عن محمد بن سَلَمَةَ المُرَادِيِّ، عن ابن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم، عن موسى بن عقبة.

стр. 229

ورواه عن أبي الزبير أيضًا: حجاج بن (أبي) (١) عثمان الصَّوَّافُ، وأخرج مسلم (٢) الحديث من روايته أيضًا. ورواه أحمد بن حنبل (٣) عن إسماعيل بن عُلَيَّةَ، عن حَجَّاجٍ، واللَّفْظُ حَدَّثَنِي أبو الزُّبَيْرِ قال: سَمِعْتُ عبد الله بن الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ على هذا الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: كان رَسُولُ الله ﷺ إذا سَلَّمَ في دُبُرِ الصَّلَاةِ أو الصَّلَوَاتِ يَقُولُ: "لَا إِلَهَ إلا الله … " إِلَى آخِرِهِ إلَّا أنه قَالَ: "أَهْلُ النِّعْمَةِ وَالْفَضْلِ وَالثَّنَاءِ الْحَسَنِ". وعبد الله بن الزُّبَيْرِ (٤): أبو بكر -ويقال: أبو خبيب، ويقال: أبو بكير- بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي الأسدي القرشي. أبوه الزُّبَيْرُ حَوارِيّ رسول الله ﷺ ، وَأُمُّهُ أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄. سمع: النَّبِيَّ ﷺ وأباه، وعمر بن الخطاب، وعائشة ﵃. وروي عنه: ابنه عامر، وأخوه عروة، وغيرهما. وُلد بعد الهجرة، وذُكر أنه أول مولود للمهاجرين بالمدينة، وحُمل إلى النبي ﷺ فحنَّكه بتمرةٍ مضغها وليَّنها له بريقه ﷺ . قتل سنة ثلاث وسبعين. وأبو الزبير (٥): هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي القرشي مولى حكيم بن

стр. 230

حِزام من علماء التابعين. سمع: جابرًا، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير. روى عنه: هشام بن عروة، والزهري، وسلمة بن كهيل، والثوري، وابن عيينة، ومالك. روى عنه ولم يحتج به البخاري؛ لكن مسلمًا احتج به وأكثر عنه، وأثنى عليه يحيى بن معين والأئمة. توفي سنة ثمانٍ وعشرين ومائة. وموسى بن عقبة (١): هو أبو محمد بن عقبة بن أبي عياش الأسدي مولى الزبير بن العوام تابعي. سمع: أم خالد وهي صحابية، وأدرك ابن عمر، وسهل بن سعد، وسمع نافعًا، وكريبًا، وأبا الزبير. روى عنه: أنس بن عياض، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، وابن المبارك، والثوري، وشجاع بن الوليد. مات سنة إحدى وأربعين ومائة وكان له أخوان من أهل الرواية وهما: محمد وإبراهيم ابنا عقبة وهم مدنيون. وإبراهيم بن محمد (٢): هو أبو إسحاق بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي المدني. تَكَلَّمَ فيه مالك بن أنس وغيره، فروى عنه الشافعي ﵁ وَزَكَّاهُ في الرِّوايةِ. وفي أهل ذلك العصر آخر يقال له: أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن العباس

стр. 231

بن عثمان الشافعي (١) ابنُ عمِّ الشافعي ﵁ لَحًّا (٢). روى الأسلمي عن: أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وعمارة بن غزية، ومحمد بن عجلان. روي عن ابن عمِّ الشافعيِّ: أحمد بن (عمرو) (٣) بن أبي عاصم النبيل. والشافعي (٤) إمام الأئمة أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب المطلبي القرشي. ابنُ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ ، وابنُ عَمَّتِه، وأفضل علماء أُمَّتِهِ علمًا ونسبًا وورعًا وأدبًا. أمَّا أنَّه ابن عمه فلأنَّ رسول الله ﷺ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، فيلتقي مع الرسول في عبد مناف والمطلب بن عبد مناف عم عبد المطلب الذي هو جدّ رسول الله ﷺ . وأمَّا أنَّه ابن عَمَّتِه فلأن أم عبد يزيد بن هاشم بن المطلب أخت عبد المطلب الذي هو جدّ رسول الله ﷺ وَلِهَذَا يقال: إنَّ الشافعيَّ ولده الهاشمان: هاشم بن عبد مناف، وهاشم بن المطلب. ونظمتُ نسبَ الشَّافعيِّ إلى عبد مناف ليسهل حفظه على من يريد حفظ

стр. 232

نسب صاحب مذهبه فقلت: مُحَمَّدٌ إِدْرِيسُ عَبَّاسٌ وَمِنْ … بَعْدِهِمُ عُثْمَانُ ثُمَّ شَافِعْ وَسَائِبٌ ثُمَّ (١) عُبَيدٌ سَابِعٌ … عَبْدُ يَزِيدَ ثَامِنٌ والتاسِعْ هَاشِمٌ المَولَودُ ابنُ الْمُطَّلِبْ … عَبْدُ مَنَافٍ لِلْجَمِيع تَابِعْ (٢) والكلامُ في فضائل الشَّافعيِّ ﵁ لا يهون الخطب فيه، وقد صنَّف في مناقبه المتقدمون والمتأخرون من المحدثين والفقهاء كتبًا مطوَّلة ومختصرة منهم: داود بن علي الأصبهاني، وزكريا بن يحيى الساجي، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، ومحمد بن إبراهيم العبدي، ومحمد بن الحسين السجستاني، وأبو عبد الله الحاكم، وأحمد بن الحسين البيهقي الحافظ، وأبو سعيد النقاش، وانتقى من فضائله مختصرًا: أبو علي الحسن بن أحمد المعروف بابن البناء، والحافظ أبو عبد الله محمد بن أبي النصر الحميدي بالشركة. وقد انتشر علمه في أقطار الأرض ذات الطول والعرض، واعترف بفضله وسبقه كلُّ مفارقٍ وموافقٍ، واستفاد من علمه كلُّ مخالفٍ ومحالفٍ، وأثنى عليه علماء عصره من أترابه، ومن كان أقدم سنًّا منه. فعن مالك بن أنس أنه كان يتعجب من فصاحته وذكائه وحسن إعرابه، ولا يملّ من قراءته. وعن ابن عيينة: أنه كان إذا جاء شيء من التفسير والفقه التفت إلى الشافعيِّ

стр. 233

وقال: سلوا هذا. وعن يحيى بن سعيد القطان أنه قال: أنا أدعو الله للشافعي في كل صلاة منذ أربع سنين. وعن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: ما أصلي صلاة إلا وأدعو للشافعي فيها. وعن يحيى بن حسان أنه قال: ما رأيت مثل الشافعي. وعن أبي عبيد القاسم بن سلامٍ: ما رأيت رجلًا أعقل ولا أورع ولا أفصح ولا أنبل رأيًا من الشافعي. وعن أحمد بن حنبل أنه قال لإسحاق بن راهويه: تعالى حتى أريك رجلًا لم تر عيناك مثله، فذهب إلى الشافعي. وعنه أنه قال: إني لأدعو الله للشافعي في كلِّ صلاة منذ أربعين سنة. وعن أبي إسحاق أنه قال: الشافعيُّ خطيب العلماء. وعن مسلم بن خالد الزَّنْجِيِّ أنه قال للشافعيِّ: أَفْتِ فقد آن لك أن تفتي، وله يومئذٍ خمس عشرة سنة. وسئل الفراء أبو زكريا: أيؤخذ بما ذكره الشافعي من اللغة ولا يعرف الآلة؟! فقال: هو قرشيٌّ مطلبيٌّ فقيهٌ، واللغة من مثله أوثق لعلمه وفصاحته وصراحة نسبه. ويروى عن ورعه أنه قال: ما شبعت منذ ستة عشر سنة إلا شبعة ثم أدخلت يدي فتقيأت. وضبط الحافظ الدارقطني من روى الشافعي عنه، ومن روى عن الشافعي في عددٍ كثيرٍ.

стр. 234

وُلد ﵁ بغزَّة، وقيل: بعسقلان سنة خمسين ومائة، وحُمل إلى مكة وهو ابن سنتين فنشأ بالحجاز، وحفظ القرآن وهو ابن سبع و "الموطأ" وهو ابن عشر، وورد العراق وأقام بها مدة، ومات بمصر سنة أربع ومائتين في آخر يوم من رجب. وأنشد منصور بن إسماعيل الفقيه التميمي (١) لنفسه فيه: إِنِّي أُمِرتُ بِنُصْحِ المُسْلِمِينَ فَمِنْ … نُصْحِي لَهُمْ وَاتِّبَاعي مَا أَمَرْتُ بِهِ أَمْرِي لَهُمْ بِاتِّبَاعِ الشَّافِعِيِّ … فَقَدْ أَتَاهُمْ بِبَيَانٍ غَيْرِ مُشْتَبِهِ وَحَدَّثَ الحافظ حمزة بن يوسف السهمي قال: حضرت يومًا باب دكَّة الإمام أبي بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، فخرج وبيده جزء وهو مستبشرٌ، فقال: أنشدني ابني أبو سعد: "إِنِّي ذَخَرْتُ لِيَوْمِ مَنِيَّتِي" كذا وجدته، والأولى أن يقال: إِنِّي جَعَلْتُ الذُّخْرَ يَوْمَ مَنِيَّتِي … أَوْ نَحْوَهُ عِنْدَ الْإِلَهِ مِنَ الْأُمُورِ خَطِيرًا وَهُوَ الْيَقِينُ بِأَنَّهُ الْأَحَدُ الَّذِي … مَا زِلْتَ مِنْهُ بِفَضْلِهِ مَغْمُورَا وَشَهَادَتِي أَنَّ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا … كَانَ الرَّسُولَ مُبَشِّرًا وَنَذِيرَا وَمَحَبَّتِي آلَ النَّبِيِّ وَصَحْبَهُ … كُلًّا أَرَاهُ بِالْجَمِيلِ جَدِيرَا وَتَمَثُّلِي بِالشَّافِعيِّ وَعِلْمِهِ … ذَاكَ الَّذِي فَتَقَ الْعُلَومَ بُحُورَا وَجَمِيلُ ظَنِّي بِالإِلَهِ لِمَا جَنَتْ … نَفْسِي وَإِنْ جَرَّتْ عَلَيَّ شُرُورَا إِنَّ الظَّلُومَ لِنَفْسِهِ إِنْ يَأْتِهِ … مُسْتَغْفِرًا يَجِدِ الْإِلَهَ غَفُورَا فَاشْهَدْ إِلَهِي أَنَّنِي مُسْتَغْفِرٌ … لَا أَسْتَطِيعُ لِمَا مَنَنْتَ شُكُورَا هَذَا الَّذِي أَعْدَدْتُهُ لِشَدَائِدِي … وَكَفَى بِرَبِّي هَادِيًا وَنَصِيرَا

стр. 235

قال: ثم أنشدناها الإمام أبو سعد بعدما أنشدنا والده عنه. والربيع (١): هو أبو محمد بن سليمان بن كامل وكامل لقب واسمه عبد الرحمن المرادي المصري المؤذن. صاحب الشافعي والقائم بخدمته، وبرواية كتبه الجديدة، وكان الشافعيُّ ﵁ يكرمه. ويُذكر أنه قال: لو استطعت أن ألقملك العلم لقمة لفعلته. سمع: الشافعي، وعبد الله بن وهب، وبشر بن (بكر) (٢)، وأيوب بن سويد، وغيرهم. روى عنه: أبو عبد الرحمن النسائي، وابن خزيمة، وأبو نعيم بن عدي، وابن أبي حاتم، والأصم. توفي سنة سبعين ومائتين في شوال. والأصم، وأبو بكر الْحِيرِيُّ، وأبو علي الْخُشْنَامِيُّ مذكورون في المجلس التالي له هذا المجلس. وعمر بن أحمد (٣): هو أبو حفص بن أحمد بن منصور بن محمد بن القاسم بن حبيب بن عبدوس الصفار، من أهل نيسابور. مشهورٌ بالفقه والحديث ومنجبٌ فيهما، وتفقه على أبي نصر القشيري، وروى الحديث عنه وعن غيره، وسمع منه حين حجَّ ببغداد وغيرها.

стр. 236

وُلد سنة سبع وسبعين وأربعمائة وتوفي يوم عيد الأضحى سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة. وعبد الله بن أبي الفتوح ذكرته في المجلس الثالث. ووالدي ﵀ مذكور في غير موضعٍ، وكتب إليه الإمام أبو سليمان الزُّبَيْرِيُّ رحمة الله عليه حين عزم للسفر للتفقه: [متقارب] أَبَا الفَضْلِ هَجْرُكَ لَا يُحْمَلُ … وَلَسْتَ مَلُومًا بِمَا تَفْعَلُ وَإِنَّكَ مِنْ حَسَنَاتِ الزَّمَانِ … وَقدَمًا عَلَيْنَا بِهَا يَبْخَلُ الفصل الثاني تقول: جاءني فلان وحده، ورأيته وَحْدَهُ وهو منصوب عند بعضهم على الظَّرف وعند الآخرين على المصدر، كأنه أَوْحَدَ نفسه بالمجيء، أو أَوْحَدتُهُ بالرؤية إيحادًا. وقيل: المعنى جاءني أو رأيته منفردًا انفرادًا، ثم وضعت "وَحْدَهُ" موضعه. ولا يضاف إلَّا في قولهم: نَسِيجُ وَحْدِهِ، وَجُحَيْشُ وَحْدِهِ، وَعُيَيْرُ وَحْدِهِ أي: مُعْجَبٌ بِرَأْيِهِ، الأول مدحٌ، والآخران ذمٌّ. وربما قالوا أيضًا: رُجَيْلُ وَحْدِهِ. ويقال: وَحَّدَهُ وأَحَّدَهُ، وَرَجُلٌ وَحَدٌ وَوَحِيدٌ أي: مُنْفَرِدٌ، وهو وَاحِدُ دهرِهِ، وَأَوْحَدُ أَهْلِ زمانِهِ، والجمع: أُحْدَانٌ كأسود وسُودان، والأصل وُحْدَانٌ. وَأَعْطِ كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ أي: عَلَى حِيالِهِ وَاسْتِقْلَالِهِ. وَالْحَوْلُ: الْقُوَّةُ، وأيضًا الْحَرَكَةُ، يقال: حَالَ الشَّخْصُ إِذَا تَحَرَّكَ، واسْتَحلَّهُ أي انْظُرْ أَتَحَرَّكَ أَمْ لَا، وأيضًا الْحِيلةُ والْمَحَالةُ والْحَيْلُ: الْحِيلةُ أيضًا، وَفُلَانٌ أَحْوَلُ مِنْكَ

стр. 237

وَأَحْيَلُ أي أَكْثَرُ حِيلَةً. والأولى أن يحملَ الْحَوْل في قولنا: "لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ" على الحركة أي: لا حركة ولا استطاعة إلا به، أو على الحيلة فيكون المعنى: لا حيلة في دفع المكروه ولا قوة على جلب المطلوب إلا بتيسير الله تعالى، ويروى: لَا حَيْل وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ. وَالْعِبَادَةُ: الْخُضُوعُ والطَّاعَةُ، يُقَالُ: عَبَدْتُ فُلَانًا أي خَضَعْتُ له، وَعَبَّدْتُهُ: ذَلَّلْتُهُ وَقَهَرْتُهُ، وَطَرِيقٌ مُعَبَّدٌ: مُذَلَّلٌ بِكَثْرةِ الْوَطْءِ، وَبَعِيرٌ مُعَبَّدٌ: مَطْلِيٌّ بِالْقَطِرَانِ وَمُذَلَّلٌ بالعمل، وَقَدْ يُقَالُ: بَعِيرٌ مُعَبَّدٌ بمعنى مُكَرَّم، وعَبْدٌ بَيِّنُ الْعُبُودَةِ والْعَبْودِيِة، وَأَصْلُهُ التَّذْلِيلُ. الفصل الثالث الدُّعَاءُ عُقَيبِ الصَّلَاةِ مُسْتَحَبٌّ، ويكره أن يثبَ المصلي من موضعه كما يسلِّم فيكون كالبعير المعقول يُحلّ أو المحبوس يطلق. وفي الأدعية والأذكار المروية عن رسول الله ﷺ في أدبار الصلوات المكتوبة كثرة: فَعَنْ رواية المُغِيرَةِ بن شُعْبَةَ ﵁ أنَّه ﷺ كان يَقُولُ: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الْمُلْكُ، وله الْحَمْدُ، وهو على كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ، اللَّهُمَّ لا مانع لما أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لما مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذا الْجَدِّ منك الْجَدُّ" (١). وَعَنْ رِوَايَةِ ثَوْبَانَ ﵁ "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا

стр. 238

الجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ" (١). وعن رواية زَيْدِ بن أَرْقَمَ ﵁: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا ورب كُلِّ شَيْءٍ أنا شَهِيدٌ أَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ وَحْدَكَ لا شريك لك، اللَّهُمَّ أنت رَبُّنَا وَرَبُّ كل شيء أنا شَهِيدٌ أن مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، اللَّهُمَّ ربنا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ أنا شَهِيدٌ أن الْعِبَادَ كُلَّهُمْ إِخْوَةٌ، اللَّهُمَّ ربنا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ اجْعَلْنِي مُخْلِصًا لك وَأَهْلِي في كُلِّ سَاعَةٍ في الدُّنْيَا والآخرة يا ذا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ" (٢). وعن رواية صُهَيْبٍ ﵁: "اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لي دِينِي الذي جَعَلْتَهُ عِصْمَةً لي، وَأَصْلِحْ لي دُنْيَايَ التي جعلت فيها مَعَاشِي، اللَّهُمَّ إني أَعُوذُ بِرِضَاكَ من سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِعَفْوِكَ من نِقْمَتِكَ، وَأَعُوذُ بك منك لا مانع لما أَعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لما مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ" (٣). وعن رواية سَعْدِ بن أبي وَقَّاصٍ ﵁: "اللَّهُمَّ إني أَعُوذُ بك من البخْلِ، وأَعُوذُ بك من الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بك من أن أُرَدَّ إلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بك من فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بك من عَذَابِ الْقَبْرِ" (٤). وعن رواية مُسْلِمِ بن الحارث التَّمِيمِيِّ في دُبُرِ صلاة الصُّبْحِ والْمَغْرِبِ: "اللَّهُمَّ أَجِرْنيِ من النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ" (٥).

стр. 239

وَعَنْ رِوَايَةِ عائشة ﵂ "اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ أَعْذْنِي مِنْ حَرِّ النَّارِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ" (١). وعن رواية أبي هُرَيْرَةَ ﵁ "سُبحانَ الله ثلاثًا وثلاثين مرة، والله أكبرُ مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، وَتَمَامُ الْمِائَةِ لا إله إلا الله وحده لا شَرِيكَ له له الْمُلْكُ وله الْحَمْدُ وهو على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (٢). ولو أوردنا أسانيد هذه الأذكار أو استوعبنا ما ورد في هذا الباب لَأَطَلْنَا، ولم يكن رسول الله ﷺ يجمع بينها جميعًا، ولكن كان يأتي بهذا وقتًا وبهذا وقتًا، واتباعه في الجميع حسنٌ، وحسنٌ أن يختار منها ما يليق بالوقت. وفي قوله: "بِصَوْتِهِ الأَعْلَى" بيان أنه يستحب للإمام رفع الصوت بالدعاء ليسمع القوم فيتنبَّهوا ويوافقوه فتجتمع الهمم ويزداد رجاء الإجابة، وليُحمل قوله: "بِصَوْتِهِ الأَعْلَى" على العلى أو على الأعلى مما كان يأتي به، فالإسراف في رفع الصوت مكروهٌ خاصة عند الدعاء. وقوله: "لَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ" أي: لا نخضع إلا له، ولا نطيع أو لا نوحِّد إلا إياه، كما قيل في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (٣). "وَالثَّنَاءُ الْحَسَنُ" يُمكن حمله على الثَّنَاءِ البليغ في اللَّفظ والكامل في المعنى، وعلى الثَّنَاءِ الكثير، وعلى الثَّنَاءِ الصَّادر عن الإخلاص وحضور القلب، والمعنى: أنه مستحق لذلك.

стр. 240

وقوله: "لَا إِلَهَ إِلَّا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ" أي نقول: لا إله إلا الله مخلصين، والدِّينُ يصحُّ حمله على الملة وعلى الطاعة وغيرها. واعلم أنَّ الكلمات المذكورة تشتمل على التوحيد ونفي الشركة، وعلى تخصيص الملك والحمد به، وعلى وصفه بالقدرة على الممكنات، وعلى التبرؤ من الحول والقوة، والاعتراف بأنَّ الكلَّ بتيسير الله وتقديره، وعلى تخصيصه بالخضوع والطاعة له، وعلى الإقرار بالنِّعمة الأخروية والفضل في الدنيا منه، وعلى أنه المستحق للشكر والثَّناء، وعلى إظهار الإخلاص في جميع ذلك على مراغمة الكافرين والجاحدين، وصاحب الكلمات إذا لم يأت بها عن قلبٍ لاهٍ ووافق قوله حاله وَرَّثه هذا الذِّكْرُ السُّكون والطمأنينة وصار من الذين تطمئنُّ قلوبهم بذكر الله وتستأنس، فالمحبُّ يستأنس بأن يُذكر له محبوبه أو يُذكر بين يديه، كان قيسٌ المجنون إذا ذُكِرت له ليلى سكن وانتظم كلامه، وإذا سئل عن غيرها اضطرب وخُولط في عقله، ثم إذا استحكمت المحبة ارتفعت المباينة، وسقطت المفارقة، وقام المحبُّ بصفات المحبوب، وفني عن صفات نفسه. يروى أن قيسًا سئل: أتحب ليلى؟ فقال: لا. قيل: ولم؟ قال: لأنَّ المحبَّةَ ذريعة الْوُصْلَةِ، وقد حَصَلَتِ الْوُصْلَهُ، وسقطت الذَّريعةُ، فأنا ليلى وليلى أنا، وأنشد له: [كامل] وَلَقَدْ هَمَمْتُ بِقَتْلِهَا مِنْ أَجْلِهَا … كَيْ مَا تَكُونَ خَصِيمَتِي في الْمَحْشَرِ حَتَّى يَطُولَ عَلَى الصِّرَاطِ وَقُوفُنَا … فَتَلذُّ عَينِي مِنْ فُنُونِ الْمَنْظَرِ ثُمَّ ارْتَجَعْتُ فَقُلْتُ رُوحِي رُوحُهَا … فَإِذَا هَمَمْتُ بقِتْلِهَا لَمْ أَقْدِرِ

стр. 241

وإذا حَصَلَتِ الْوُصْلَةُ استمرَّ ذكرُ القلب ومناجاته وإن عجز اللسان وانقطعت عباراته، ودامت العبادة وأنوارها وإن فترت الحواس وظهرت آثارها، وفي مثل ذلك يقال: نوم العالم عبادة، وآية ذلك أن يعود إلى الذِّكر والعبادة وينشط له على عادته المعتادة، إذا ارتفع الكلال وحصل الاستقلال، فيقول كُلَّما انتبهَ: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور، ثم لا يزال ذاكرًا وحامدًا وشاكرًا. وقد ورد أنَّ أولَّ من يدخل الجنَّةَ الحمَّادون اللهَ على كلِّ حالٍ (١). وَقُلْتُ مُنْذُ مُدَّةٍ: الْحَمْدُ للهِ الَّذي بِتَعَالِيهِ أَشْهَدُ … اللهُ مَنْ بِرَحْمَتِهِ الْعَبْدُ يَسْعَدُ رَبُّ الْأَنَامِ مَالِكُهُمْ يَومَ دِيْنِهِمْ … إِيَّاهُ نَسْتَعِينُ وَإيَّاهُ نَعْبُدُ رَبِّ اهْدِنَا الصِّرَاطَ صِرَاطَ الَّذِيَن هُمْ … رُبُّوا بِنِعَمِهِ وَعَلَى الْحَقِّ سُدِّدُوا غَير الَّذِين غَضَبتُكَ اسْتَدْرَجَتْهُمْ … وَالْفِرْقَةِ الَّتِي بِضَلَالَاتِهَا رَدُوا آخر المجلس الخامس عشر بمنه وفضله والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبيه محمدٍ وآله وصحبه وسلم * * * * *

стр. 242

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المجلس السادس عشر من أماليه ﵀ أملاه يوم الجمعة بعد الصلاة غرة شهر الله الحرام ذي الحجة حجة إحدى عشرة وستمائة حَدَّثَنَا ﵀ إِمْلَاءً مِنْ لَفْظِهِ الشَّرِيفِ قَالَ: أَنَبَا وَالِدِي ﵀، أَنَبَا الْحَافِظُ أحمد بن محمد، أَنَبَا عبد الْوَهَّابِ بن محمد، أَنَبَا والدي، أنبا أحمد بن إسماعيل، أنبا يُونُسُ بن عبد الأعلى؛ أنبا عبد الله بن وهب، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عن بُكَيْرِ بن عبد الله، عن بُسْرِ بن سَعِيدٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لَا يُنجِي أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ". فَقَالَ رَجُلٌ: وَلَا إِيَّاكَ؟ فَقَالَ: "وَلَا إِيَّايَ إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ الله تَعَالَي بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ" (١). في الشرح فصول: الفصل الأول هذا حديثٌ صحيحٌ عن رسول الله ﷺ برواية أبي هريرة، ورواه جابر أيضًا (٢). اتفق الإمامان على إيراده في الكتابين من رواية أبي هريرة ﵁ التي أوردناها:

стр. 243

فأخرجه مسلم (١) عن يونس بن عبد الأعلى. والبخاري (٢) من حديث سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ واللَّفْظُ: "لَنْ يُنْجِيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ". قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بَرَحْمَتِهِ"، وزاد: "سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلُجةِ، الْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا". ورواه ابن ماجه (٣) من حديث الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁. وأبو هريرة (٤) من المشهورين بِصُحْبَةِ رسول الله ﷺ وشدَّةِ ملازمته وكثرة الرواية عنه وحفظ حديثه. وَيُرْوَى أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بَكَي، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: بُعْدُ الْمَفَازَةِ وَقِلَّهُ الزَّادِ وَعَقَبَةٌ كَؤودٌ يُهْبَطُ مِنْهَا إِلَى الجَنَّةِ أَوْ إِلَى النَّارِ (٥). وقد تقدم ذكر بعض أحواله في المجلس الأول وأنه كان دوسيًّا أبًا وأمًّا وأمُّه تسمي أمية. وفي "صحيح مسلم" عَنْ أَبِي كَثِيرٍ يَزِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُذَيْنَةَ السُّحَيْمِيِّ

стр. 244

الْغُبَرِيِّ قال: حَدَّثَنَا أبو هُرَيْرَةَ ﵁ قال: كنت أَدْعُو أُمِّي إلى الإسلام وهي مُشْرِكَةٌ فَدَعَوْتُهَا يوما فَأَسْمَعَتْنِي في رسول الله ﷺ ما أَكْرَهُ فَأَتَيْتُهُ وأنا أَبْكِي فَذَكَرْتُ له ذلك وَقُلْتُ: ادْعُ الله أن يَهْدِيَ أُمَّ أبي هُرَيْرَةَ، فقال ﷺ : "اللَّهُمَّ اهْدِ أم أبي هُرَيْرَةَ" فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَتِهِ فلما صِرْتُ إلى الباب إذا هو مُجَافٍ، فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قدمي فقالت: مَكَانَكَ يا أبا هُرَيْرَةَ، وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الماء. قال: فَاغْتَسَلَتْ وَلَبِسَتْ درعها وَعَجِلَتْ عن خِمَارِهَا فَفَتَحَتِ الباب ثُمَّ قَالَتْ يا أبا هُرَيْرَةَ أَشْهَدُ أن لا إله إلا الله وَأَشْهَدُ أن محمدا رسول الله فَرَجَعْتُ إلى رسول الله ﷺ وأنا أَبْكِي من الْفَرَحِ، فَقُلْتُ: يا رسول الله أَبْشِرْ فقد اسْتَجَابَ الله دَعْوَتَكَ وَهَدَى أم أبي هُرَيْرَةَ؛ فَحَمِدَ الله وَقَالَ خَيْرًا. فَقُلْتُ: يا رسول الله ادْعُ الله أن يُحَبِّبَنِي وَأُمِّي إلى عَبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَيُحَبِّبَهُمْ إِلَيْنَا. فَقَالَ رسول الله ﷺ : "اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا وَأُمَّهُ إلى عِبَادِكَ المُؤْمِنِينَ وَحَبِّبْ إِلَيْهِمَا المُؤْمِنِينَ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمَا خُلِقَ مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بِي وَلَا يَرَانِي إِلَّا أَحَبَّنِي (١). قوله: "مُجَافٍ" أي: مردود. والْخَشْفُ وَالْخَشْفَةُ: صَوْتُ حَرَكَةٍ ليس بالشَّدِيدِ، وقيل: الْخَشْفُ: الصَّوْتُ، والْخَشَفُ بالتحريك: الْحَرَكَةُ، ويُقَالُ: الْخَشْفَةُ: الْحِسُّ وَالإِدْرَاكُ، وَيُقَالُ: خَشَفَ فِي الْأَرْضِ يَخْشِفُ أي: ذَهَبَ. والْخَضْخَضَةُ: التَّحْرِيكُ، المعني: سَمِعْتُ خَضْخَضَتَهَا الْمَاءَ. وبُسْرُ بن سعيد: هو المدني مولى ابن الحضرمي كان من المتعبدين.

стр. 245

سمع: زيد بن خالد، وزيد بن ثابت، وأبا هريرة، وعبد الله بن عمرو، وسعد (١) بن أبي وقاص، وأبا سعيد الخدري. روى عنه: أبو سلمة بن عبد الرحمن، وزيد بن أسلم، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي. مات سنة مائة (٢). وبُكير (٣): هو ابن عبد الله بن الأشجّ، أبو عبد الله ويقال: أبو يوسف الأشجعي مولاهم، ويقال: المخزومي، ويقال: الزهري. كان من صلحاء أهل المدينة. سمع: نافعًا، وسليمان بن يسار، وكُريبًا، وحُمران مولى عثمان، وأبا سلمة، وأبا بُردة، وابن المسيب، وبُسْر بن سعيد. روى عنه: الليث، ومحمد بن عجلان، وابنه مخرمة. مات سنة سبع عشرة ومائة، وقيل: عشرين، وقيل: اثنتين وعشرين وهو أخو يعقوب بن عبد الله بن الأشج. وعمرو (٤): هو ابن الحارث بن يعقوب الأنصاري مولاهم أبو أمية (المصري) (٥) المؤدب. سمع: هشام بن عروة، وعبد ربه بن سعيد، وبُكيرًا. روى عنه: بكر بن مُضَرَ، وموسي بن أَعْيَنَ.

стр. 246

مات سنة ثمان أو تسع وأربعين ومائة. وعبد الله (١): هو ابن وهب بن مسلم أبو محمد المصري ويقال: القرشي الفهري مولاهم. سمع: يونس بن يزيد، ومالكًا، والثوري، وعمرو بن الحارث. روى عنه: سعيد بن كثير (٢) بن عُفَيْرٍ، وسعيد بن أبي مريم، وأحمد بن صالح. مات سنة تسع أو سبع وتسعين ومائة. ويونس (٣): هو ابن عبد الأعلى بن ميسرة الصدفي المصري أبو موسي. سمع: الشافعي، وابن وهب. روى عنه: مسلم، وابن ماجه، وبكر بن أحمد الشعراني، ومحمد بن الربيع بن سليمان الجيزي. وأحمد بن إسماعيل: هو العسكري من شيوخ مصر، وبها سمع منه أبو عبد الله بن منده، والأئمة (٤). ومحمد والد عبد الوهاب (٥): هو الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده، واسمه (٦) إبراهيم بن الوليد العبدي الأصبهاني. مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْحُفَّاظِ المَعْرُوفِينَ، كَثِيرُ الْحَدِيثِ وَالشُّيُوخِ وَالرِّحْلَةِ وَالتَّصْنِيفِ،

стр. 247

وكان عريقًا في العلمِ والحديثِ، فأبوه إسحاق حافظٌ. وجدُّه محمد بن يحيى بن منده. من كبار الحفاظ سمع منه: عبد الرحمن بن أبي حاتم، وإسحاق بن محمد القزويني. وعمُّ أبيه عبد الرحمن بن يحيى بن منده. سمع: يونس بن حبيب. وإبراهيم بن محمد بن يحيى بن منده عمه. سمع: أباه، وأبا زكريا الساجي. وجده الأعلى يحيى بن منده. سمع: النعمان بن عبد السلام. وأخو يحيى محمد بن منده. سمع: الحسين بن حفص، وبكر بن بكار. وكان في نسله حُفَّاظٌ ومُحدِّثون أيضًا. ويحكي عن أبي عبد الله أنه قال: كتبت صحيح مسلم بقلمٍ واحدٍ لم أصلحه. وعن أبي بكر بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن موسي الخطيب نافجان قال: رأيت في المنام رسول الله ﷺ وكنت في دهشةٍ من أمر المذهب فظننت أنه عرف ما بي. فقال ﷺ : عليك بأبي عبد الله وأبي عبد الله وأبي عبد الله وأبي عبد الله وأبي عبد الله. قلت: يا رسول الله من الخامس؟ فقال: أبو عبد الله بن منده. والأربعة الأولون: مالك والثوري والشافعي وأحمد بن حنبل. مات أبو عبد الله بن منده سنة خمس وتسعين وثلاثمائة. وابنه عبد الوهاب (١) كنيته أبو عمرو. سمع مشايخ أصبهان ونيسابور ومكة، وتفرَّد في آخر عمره بروايات كان

стр. 248

يُرحل لها إليه. توفي سنة أربع أو خمس وسبعين وأربعمائة. وأحمد بن محمد (١): هو المعروف بابن البغدادي الحافظ أبو سعد بن محمد بن أبي سعد بن الحسن بن علي. كان من الرُّواة المتقنين، وسمع الكثير وحجَّ إحدى عشرة حجة وأملي بمكة والمدينة وغيرهما، وكان بغدادي الأصل أصبهاني المولد. وُلد سنة ثلاث وستين وأربعمائة، ومات بِنَهَاوَنْد مُنصرفًا من بغداد إلى أصبهان سنة أربعين وخمسائة، وحُمِل إلى أصبهان ودُفن بها وفي هذه السَّنة كان سماع والدي رحمهما الله وإيانا. ووالدي لحرصه على العلم والاستفادة كثيرًا ما يعلق على ظهور الكتب والأجزاء الفوائد التي يشافهه شيوخه بها، فمِمَّا رأيته في معلقاته وسمعته منه أنَّ الإمام عبد الرحمن الإكاف سأله بعضهم فقال: قلت للإمام أبي نصر الأَرْغَيَانِيِّ: أعرف الله تعالى كما تعرفه؟ فقال: نعم. فقلت: وأعرفه وتعرفه كما عرفه رسول الله ﷺ ؟ فقال: نعم. فيما تقول في هذا؟ فقال عبد الرحمن: بلغني أن أبا سعيد بن أبي الخير سُئل عن المعرفة فقال: مرَّت غير المعرفة بِخبْرَان وكانت مَيْهَنةً تُسمي بِخبْرَان فطرق سمع أبي سعيد

стр. 249

صوت جرس فهو نصيبه من المعرفة. ثم قال عبد الرحمن: الذي يدعيه أهل الأصول من تساوي الأقدام في المعرفة، وتقوله المشايخ من التفاوت صحيحان باعتبارين، وهو في المثال كما يقول العامّي: أعرف الشافعي كما يعرفه المزني، وهو صحيح بمعنى أنه أعرفه بالفضل والتقدم في الاجتهاد كما يعرفه المزني بذلك، ولو قيل المزني أَعْرَفُ بالشافعي من العامّي فهو صحيح على معنى أنَّ اطلاعه على ما استنبطه من الدقائق والتفاريع أتمّ، وهذا التحقيق مشهورٌ في كلام الإمام الغزالي. الفصل الثاني تَقُولُ: نَجَوْتُ من المكروه أَنْجُو نَجَاءً وَنَجَاةً أي: خَلَصْتُ، وَنَجَّيْتُهُ وَأَنْجَيْتُهُ: خَلَّصْتُهُ، وَنَجَوْتُ الْجِلْدَ عنه إذا سَلَخْتَهُ كَأَنَّكَ خَلَّصْتَهُ منه، وَنَجَوْتُ غُصُونَ الشَّجَرَةِ: قَطَعْتُهَا، وَنَجَوْتُ نَجَاءً: أَسْرَعْتُ وَسَبَقْتُ، وقد يُقْصر. وَالنَّجَاةُ: النَّاقَةُ السَّرِيعَةُ تَنْجُو بِمَنْ رَكِبَهَا، ويمكن ردّ الأول إلى هذا كأنَّ النَّاجي سبق المكروه وفاته. وقوله: "إلا إِيَّاكَ" (١) قد تكلمنا في كلمة "إِيَّاكَ" من قبل. ويقال: تَغَمَّدَنِي الله بِرَحْمَتِهِ أي: سَتَرَنِي بِهَا وَأَلْبَسَنِيهَا. قال في "الغريبين" (٢): كأنَّه من غِمْدِ السَّيْفِ لأنَّه يستره ويصونه. يقال: غَمَدْتُ السَّيْفَ وَأَغْمَدْتُهُ فَهُوَ مَغْمُودٌ وَمُغْمَدٌ. وَتَغَمَّدْتُ فُلَانًا: سَتَرْتُ مَا كَانَ مِنْهُ. وَاغْتَمَدَ فُلَانٌ الليلَ: دخل فيه كأنَّه صار كالغمد له.

стр. 250

وقوله: "سَدِّدُوا" أي: اقصدوا السَّدَادَ، والسَّدادُ والسِّدادُ: الصَّوابُ والاستقامةُ. وأمرٌ سَدِيدٌ: قاصدٌ مستقيمٌ، واسْتَدَّ: اسْتقامَ، وسَدَّهَ: وَفَّقَهُ للسَّدادِ. وقوله: "وقَارِبُوا" أي: اقربوا من السداد ولا تغلوا، والْمُقَارَبةُ: القصدُ في الأمور وترك الغلوِّ والتقصير، وشيءٌ مُقارِبٌ: أي بين الجيد والرديء. والرَّوحةُ: من زوال الشمس إلى الغروب. والغَدْوَةُ: من أوَّل النَّهار إلى الزوال. والدُّلْجَةُ بضم الدال وقد تفتح اللام مع فتح الدال: وهي سيرُ الليل، ويقال: سَارَ دُلْجَةً من اللَّيلِ أي: ساعةً من اللَّيلِ. ويقال: أَدْلَجَ وادَّلَج، قيل معناهما: سار ليلًا، وقال أكثرهم: أَدْلَجَ: سَارَ من أوَّلِ اللَّيلِ، وادَّلَج: سَارَ من آخر اللَّيلِ. وَالْقَصْدُ: الاِعْتِدَالُ وَالاِسْتِقَامَةُ، يقال: فُلَانٌ مُقْتَصِدٌ فِي النَّفَقَةِ أي لَا يُسْرِفُ وَلَا يُقَتِّرُ، والمُقْتَصِدُ بين السَّابِقِ والظَّالِمِ. وفي الحديث: "كَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا" (١) أي: لم تكونا قصيرتين بِمرَّةٍ ولا طويلتين بِمَرَّةٍ. الفصل الثالث في الحديث بيان أنَّ العامل ينبغي أن لا يتكل على عمله في ابتغاء النَّجاة ونيل الدرجات؛ لأنَّه إنَّما عمل الطاعة بتوفيق الله، وإنَّما ترك المعصية بعصمة الله، وهما من فضله ورحمته فبهما ينال ما ينال، والسعي في العمل لامتثال الأمر وكلٌّ يعمل
следующие страницы →