مات سنة ثمان أو تسع وأربعين ومائة.
وعبد الله (١): هو ابن وهب بن مسلم أبو محمد المصري ويقال: القرشي الفهري مولاهم.
سمع: يونس بن يزيد، ومالكًا، والثوري، وعمرو بن الحارث.
روى عنه: سعيد بن كثير (٢) بن عُفَيْرٍ، وسعيد بن أبي مريم، وأحمد بن صالح.
مات سنة تسع أو سبع وتسعين ومائة.
ويونس (٣): هو ابن عبد الأعلى بن ميسرة الصدفي المصري أبو موسي.
سمع: الشافعي، وابن وهب.
روى عنه: مسلم، وابن ماجه، وبكر بن أحمد الشعراني، ومحمد بن الربيع بن سليمان الجيزي.
وأحمد بن إسماعيل: هو العسكري من شيوخ مصر، وبها سمع منه أبو عبد الله بن منده، والأئمة (٤).
ومحمد والد عبد الوهاب (٥): هو الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده، واسمه (٦) إبراهيم بن الوليد العبدي الأصبهاني.
مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْحُفَّاظِ المَعْرُوفِينَ، كَثِيرُ الْحَدِيثِ وَالشُّيُوخِ وَالرِّحْلَةِ وَالتَّصْنِيفِ،
стр. 247
وكان عريقًا في العلمِ والحديثِ، فأبوه إسحاق حافظٌ.
وجدُّه محمد بن يحيى بن منده. من كبار الحفاظ سمع منه: عبد الرحمن بن أبي حاتم، وإسحاق بن محمد القزويني.
وعمُّ أبيه عبد الرحمن بن يحيى بن منده. سمع: يونس بن حبيب.
وإبراهيم بن محمد بن يحيى بن منده عمه. سمع: أباه، وأبا زكريا الساجي.
وجده الأعلى يحيى بن منده. سمع: النعمان بن عبد السلام.
وأخو يحيى محمد بن منده. سمع: الحسين بن حفص، وبكر بن بكار.
وكان في نسله حُفَّاظٌ ومُحدِّثون أيضًا.
ويحكي عن أبي عبد الله أنه قال: كتبت صحيح مسلم بقلمٍ واحدٍ لم أصلحه.
وعن أبي بكر بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن موسي الخطيب نافجان قال: رأيت في المنام رسول الله ﷺ وكنت في دهشةٍ من أمر المذهب فظننت أنه عرف ما بي.
فقال ﷺ : عليك بأبي عبد الله وأبي عبد الله وأبي عبد الله وأبي عبد الله وأبي عبد الله.
قلت: يا رسول الله من الخامس؟ فقال: أبو عبد الله بن منده.
والأربعة الأولون: مالك والثوري والشافعي وأحمد بن حنبل.
مات أبو عبد الله بن منده سنة خمس وتسعين وثلاثمائة.
وابنه عبد الوهاب (١) كنيته أبو عمرو.
سمع مشايخ أصبهان ونيسابور ومكة، وتفرَّد في آخر عمره بروايات كان
стр. 248
يُرحل لها إليه.
توفي سنة أربع أو خمس وسبعين وأربعمائة.
وأحمد بن محمد (١): هو المعروف بابن البغدادي الحافظ أبو سعد بن محمد بن أبي سعد بن الحسن بن علي.
كان من الرُّواة المتقنين، وسمع الكثير وحجَّ إحدى عشرة حجة وأملي بمكة والمدينة وغيرهما، وكان بغدادي الأصل أصبهاني المولد.
وُلد سنة ثلاث وستين وأربعمائة، ومات بِنَهَاوَنْد مُنصرفًا من بغداد إلى أصبهان سنة أربعين وخمسائة، وحُمِل إلى أصبهان ودُفن بها وفي هذه السَّنة كان سماع والدي رحمهما الله وإيانا.
ووالدي لحرصه على العلم والاستفادة كثيرًا ما يعلق على ظهور الكتب والأجزاء الفوائد التي يشافهه شيوخه بها، فمِمَّا رأيته في معلقاته وسمعته منه أنَّ الإمام عبد الرحمن الإكاف سأله بعضهم فقال: قلت للإمام أبي نصر الأَرْغَيَانِيِّ: أعرف الله تعالى كما تعرفه؟
فقال: نعم.
فقلت: وأعرفه وتعرفه كما عرفه رسول الله ﷺ ؟
فقال: نعم.
فيما تقول في هذا؟
فقال عبد الرحمن: بلغني أن أبا سعيد بن أبي الخير سُئل عن المعرفة فقال: مرَّت غير المعرفة بِخبْرَان وكانت مَيْهَنةً تُسمي بِخبْرَان فطرق سمع أبي سعيد
стр. 249
صوت جرس فهو نصيبه من المعرفة.
ثم قال عبد الرحمن: الذي يدعيه أهل الأصول من تساوي الأقدام في المعرفة، وتقوله المشايخ من التفاوت صحيحان باعتبارين، وهو في المثال كما يقول العامّي: أعرف الشافعي كما يعرفه المزني، وهو صحيح بمعنى أنه أعرفه بالفضل والتقدم في الاجتهاد كما يعرفه المزني بذلك، ولو قيل المزني أَعْرَفُ بالشافعي من العامّي فهو صحيح على معنى أنَّ اطلاعه على ما استنبطه من الدقائق والتفاريع أتمّ، وهذا التحقيق مشهورٌ في كلام الإمام الغزالي.
الفصل الثاني
تَقُولُ: نَجَوْتُ من المكروه أَنْجُو نَجَاءً وَنَجَاةً أي: خَلَصْتُ، وَنَجَّيْتُهُ وَأَنْجَيْتُهُ: خَلَّصْتُهُ، وَنَجَوْتُ الْجِلْدَ عنه إذا سَلَخْتَهُ كَأَنَّكَ خَلَّصْتَهُ منه، وَنَجَوْتُ غُصُونَ الشَّجَرَةِ: قَطَعْتُهَا، وَنَجَوْتُ نَجَاءً: أَسْرَعْتُ وَسَبَقْتُ، وقد يُقْصر.
وَالنَّجَاةُ: النَّاقَةُ السَّرِيعَةُ تَنْجُو بِمَنْ رَكِبَهَا، ويمكن ردّ الأول إلى هذا كأنَّ النَّاجي سبق المكروه وفاته.
وقوله: "إلا إِيَّاكَ" (١) قد تكلمنا في كلمة "إِيَّاكَ" من قبل.
ويقال: تَغَمَّدَنِي الله بِرَحْمَتِهِ أي: سَتَرَنِي بِهَا وَأَلْبَسَنِيهَا.
قال في "الغريبين" (٢): كأنَّه من غِمْدِ السَّيْفِ لأنَّه يستره ويصونه. يقال: غَمَدْتُ السَّيْفَ وَأَغْمَدْتُهُ فَهُوَ مَغْمُودٌ وَمُغْمَدٌ. وَتَغَمَّدْتُ فُلَانًا: سَتَرْتُ مَا كَانَ مِنْهُ. وَاغْتَمَدَ فُلَانٌ الليلَ: دخل فيه كأنَّه صار كالغمد له.
стр. 250
وقوله: "سَدِّدُوا" أي: اقصدوا السَّدَادَ، والسَّدادُ والسِّدادُ: الصَّوابُ والاستقامةُ. وأمرٌ سَدِيدٌ: قاصدٌ مستقيمٌ، واسْتَدَّ: اسْتقامَ، وسَدَّهَ: وَفَّقَهُ للسَّدادِ.
وقوله: "وقَارِبُوا" أي: اقربوا من السداد ولا تغلوا، والْمُقَارَبةُ: القصدُ في الأمور وترك الغلوِّ والتقصير، وشيءٌ مُقارِبٌ: أي بين الجيد والرديء.
والرَّوحةُ: من زوال الشمس إلى الغروب.
والغَدْوَةُ: من أوَّل النَّهار إلى الزوال.
والدُّلْجَةُ بضم الدال وقد تفتح اللام مع فتح الدال: وهي سيرُ الليل، ويقال: سَارَ دُلْجَةً من اللَّيلِ أي: ساعةً من اللَّيلِ.
ويقال: أَدْلَجَ وادَّلَج، قيل معناهما: سار ليلًا، وقال أكثرهم: أَدْلَجَ: سَارَ من أوَّلِ اللَّيلِ، وادَّلَج: سَارَ من آخر اللَّيلِ.
وَالْقَصْدُ: الاِعْتِدَالُ وَالاِسْتِقَامَةُ، يقال: فُلَانٌ مُقْتَصِدٌ فِي النَّفَقَةِ أي لَا يُسْرِفُ وَلَا يُقَتِّرُ، والمُقْتَصِدُ بين السَّابِقِ والظَّالِمِ.
وفي الحديث: "كَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا" (١) أي: لم تكونا قصيرتين بِمرَّةٍ ولا طويلتين بِمَرَّةٍ.
الفصل الثالث
في الحديث بيان أنَّ العامل ينبغي أن لا يتكل على عمله في ابتغاء النَّجاة ونيل الدرجات؛ لأنَّه إنَّما عمل الطاعة بتوفيق الله، وإنَّما ترك المعصية بعصمة الله، وهما من فضله ورحمته فبهما ينال ما ينال، والسعي في العمل لامتثال الأمر وكلٌّ يعمل
стр. 251
ما يُسِّرَ لَهُ، ولما كان اجتهاد رسول الله ﷺ في الطَّاعة أعظم وسعيه وعمله أقوم وأدوم قيل له: "وَلَا إِيَّاكَ"؟
أي: لا ينجيك عملك.
قال: "لَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِرَحْمَتِهِ".
وَخَتَمَ الحافظُ أبو بكر البيهقي كتاب "الآداب" المضاف إلى "مختصر السنن" بهذا الحديث، فقال (١): من وفقه الله تعالى لاعتقاد ما ذكرنا في كتاب "الاعتقاد" وأعانه على عبادته بما ذكرنا في "مختصر السنن" ثم على استعمال (الآداب) (٢) المذكورة في هذا الكتاب كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (٣) فالله نسأل عونه على عبادته وإليه نرغب في حسن توفيقه، ولا وصول إلى معرفته وطاعته إلا بفضله ورحمته على ما قال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٤) ونسأله الجنة ونعوذ به من النار، فلا سبيل إلى الفوز بِجَنَّتِهِ والنَّجَاةِ مِنْ عُقُوبَتِهِ إِلَّا بِسِعَةِ رَحْمَتِهِ ثم ساق الحديث.
ورأيت بِخَطِّ والدي ﵀ أنَّ عبد الرحمن الإكاف رحمهما الله سُئل عن علامة قبول العمل فقال: أما القبول الأدني فعلامته أن يشتغل كُلَّمَا فَرَغَ من عملٍ بآخر، وأما القبول الأعلى فعلامته أن يستنكف من عمله كما يستنكف من الكفر.
стр. 252
وقوله: "سَدِّدُوا وَقَارِبُوا" أي: اجتنبوا التَّفْريَط والغُلوَّ واعملوا بالسَّدادِ.
وقوله: "وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ" أي: خَصِّصوا الوقتين بالجدِّ والعمل وخفِّفوا عن أنفسكم فيما بينهما.
وقوله: "وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ" أي: لا تعملوا الليل كلَّه ولا تغفلوا في كلِّه وسيروا في طرفٍ منه ولا أقول استوعبوه، وعليكم بالقصد والاعتدال تبلغوا المقصد.
وَالاِعْتِدَالُ مَحْمُودٌ فِي كُلِّ بَابٍ.
يُروي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنَّه سئل عن الإزار، فقال: سَدِّدْ وَقَارِبْ (١).
أي: لا تُرخِ إزاركَ فتفرط في إسباله ولا تقلِّصه فتفرط في تشميره ولكن بين ذلك.
وَالْعُدُولُ عَنِ الاِعْتْدَالِ إِلَى الْغُلُوِّ وَالْإِفْرَاطِ يُفرَضُ مِنْ وُجُوهٍ وَرَدَ الْمَنْعُ مِنْ جِمِيعِهِا:
منها الْإِسْرَافُ فِي الْقَدْرِ:
عن جابر ﵁ قال قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : "إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ وَلَا تُبغِضْ إِلَى نَفْسِك عِبَادَةَ اللهِ فَإِنَّ المَنْبَتَ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا
стр. 253
أَبْقَى" (١).
ومنها المُبالَغَةُ في تَرْكِ اللَّذَّاتِ وَقَطْعِ آلات الشَّهَوَاتِ:
أَتَي عُثْمَانُ بن مَظْعُونٍ ﵁ رسول الله ﷺ فقال: أُرِيدُ أن أخْصِي نَفْسِي.
فقال: "مَهْلًا يا عُثْمَانُ خِصَاءُ أُمَّتِي الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ".
قال: أُرِيدُ أَلَّا أمس الطِّيبَ.
قال: "مَهْلًا يا عُثْمَانُ فإن جِبْرِيلَ أَمَرَنِي بِالطِّيبِ غبًّا وفي كُلِّ جمعة، إن الله تعالى بَعَثَنِي بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ ننام وَنَقُومُ وَنَأْكُلُ وَنَشْرَبُ وَنَضْحَكُ وَنَبْكِي وَنَأْتِي النساء، يا عُثْمَانُ لا تَرْغَبْ عن سُنَّتِي، فإن مَنْ رَغِبَ عن سُنَّتِي صَرَفَتِ الْمَلَائِكَةُ وَجْهَهُ عن حَوْضِي" (٢).
ومنها تَرْكُ التَّرَخُّصِ في مَظَنَّةِ الْحَاجَةِ:
стр. 254
رَأَى رسول الله ﷺ في بَعْضِ أَسْفَارِهِ رَجُلًا ازْدَحَمَ عَلَيْهِ نَاسٌ يَرُشُّونَ عليه الْمَاءَ وقد ظَلَّلُوا فَوْقَهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ فَقِيلَ: إِنَّهُ صَائِمٌ.
فَقَالَ: "إن الله غَنِيٌّ عن تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ إِنَّ الله يُحِبُّ أن تُؤْتَي رُخَصَهُ (١).
والأمرُ المهمُّ أن يكون العبد مصروف الهمِّ إلى الله تعالي مشغول القلب به، فأما البدن فيستعمل في العبادة تارة ويرفَّهُ فيما أحلّ ورخّص فيه أخرى.
أَنَبَا محمد بن أبي طالب الْبَصِيرُ، أَنَبَا إسماعيل بن محمد، ثنا سَعْدُ بن الْحَسَنِ، أَنَبَا أبو الْقَاسِمِ الْبَزَّارُ، أَنَبَا محمد بن يَحْيَي، ثنا الْحَسَنُ (الخشاب) (٢) ثَنَا هَارُونُ بن عبد الله، ثَنَا سَيَّارٌ، عن جَعْفَرٍ، عن الْجُرَيْرِيِّ، عن أبي عُثْمَانَ، عن حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ أَنَّهُ مَرَّ بأبي بكر ﵄ وَهُوَ يَبْكِي، فَقَالَ: ما لك يا حَنْظَلَةُ؟
قَالَ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يا أبا بكر نَكُونُ عند رسول الله ﷺ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ كأنا نُعَايِنُهَا، فإذا رَجَعْنَا عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالضَّيْعَةِ وَنَسِينَا كَثِيرًا.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: والله إِنَّا (لَنَلْقَى) (٣) ذلك، انْطَلِقْ بنا إلى رسول الله ﷺ فَانْطَلَقْنَا فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ.
فقال له رسول الله ﷺ : "لَوْ تَدُومُونَ على الحال الَّتِي تَقُومُونَ بها من عندي لَصَافَحَتْكُمُ المَلَائِكَةُ في مَجَالِسِكُمْ وعلى فُرُشِكُمْ، ولكن يا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً سَاعَةً وَسَاعَةً سَاعَةً وَسَاعَةً" (٤).
أَمَا لَكُمْ في وَجْهِهِ بَسْمَةٌ … رُوحِي فدًا لِثَنَايَاكُمْ
أمَا لَكُمْ في شَأنِهِ رَحْمَةٌ … يَرْحَمُنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ
هذا آخر المجلس السادس عشر بمنه وفضله والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
* * * * *
стр. 257
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وما توفيقي إلا بالله
المجلس السابع عشر أملاه في يوم الجمعة عرفة سنة إحدى عشرة وستمائة
ثَنَا مَوْلَانَا حُجَّةُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّافِعِيُّ رحمة الله عليه قَالَ: أَنَبَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْمُقْرِئُ بِقِرَاءَةِ وَالِدِي عَلَيْهِ رحمهما الله قَالَ: أَنَبَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَنَبَا سَعْدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَنَبَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّازُ، أَنَبَا ابْنُ أَبِي زَكَرِيَّا قَالَ: ثَنَا أَبُو يَعْلَى المَوْصِلِيُّ قَالَ: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَزْرَةَ قَالَ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ مَيْمُونٍ، ثَنَا عَلَيُّ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيد ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ لاِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄:
"يَا غُلَيِّمُ يَا غُلَامُ أَوْ يَا غُلَامُ يا غُلَيِّمُ احْفَظْ عَنِّي كَلِمَاتٍ لَعَلَّ الله أنْ يَنْفَعَكَ بِهِنَّ: احْفَظِ الله يَحْفَظْكَ احَفَظِ الله تَجِدْهُ أَمَامَكَ، احَفَظْ الله فِي الرَّخَاء يَحْفَظْكَ فِي الشِّدِّةِ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ الله وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ باللهِ، جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلَوْ جَهدَ الخَلَائِقُ أَنْ يُعْطُوكَ شَيْئًا لَمْ يُقَدِّرْهُ اللهُ لَكَ مَا اسْتَطَاعُوا ذَلِكَ، أَوْ يَمْنَعُوكَ شَيْئًا قَدَّرَهُ اللهُ لَكَ مَا اسْتَطَاعُوا ذَلِكَ، اعْمَلْ بِالْيَقِينِ مَعَ الرِّضَا، وَاعْلَمْ أنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" (١).
في الشرح فصول: الفصل الأول
هذا حديثٌ مشهورُ المتنِ ومحفوظٌ في مسندِ ابن عباسٍ ﵄ بروايات متَّصلةٍ
стр. 258
وغير متَّصلةٍ (١)، ومستغربٌ في مسند أبي سعيد الخدري (٢)، ويروى في مسند سهل
بن سعد أيضًا.
أَخْبَرَنَا بِهِ مِنَ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الإمام أحمد بن إسماعيل بِقِرَاءَتِي عليه قال: أَنَبَا الْفُرَاوِيُّ إِجَازَةً، عن أبي بكر الْبَيْهَقِيِّ قال: أَنَبَا أبو الْحُسَيْنِ بن بِشْرَانَ قال: ثَنَا أبو عَلِيِّ بن صَفْوَانَ قال: أَنَبَا عبد الله بن محمد قال: ثَنَا عَلِىُّ بن الجَعْدِ قال: أَخْبَرَنِي عبد الْوَاحِدِ بن (سُلَيْمٍ) (٣) قال: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بن أبي رَبَاحٍ، عن عبد الله بن عَبَّاسٍ قال: بينا أنا رِدْفٌ لرسول الله ﷺ إذ قال لي: "احْفَظِ يا غُلَامُ: احْفَظِ الله يَحفَظْكَ احْفَظِ الله تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إذا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ الله وإذا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بالله، جَفَّتِ الْأَقْلَامُ وَرُفِعَتِ الصُّحُفُ، والذي نفسي بِيَدِهِ لو جَهدَتِ الْأُمَّةُ لِتَنْفَعَكَ بِغَيْرِ ما كَتَبَ الله لك لمَا اسْتَطَاعَتْ، وَلَوْ أَرَادَتْ أن تَضُرَّكَ بِغَيْرِ ما قُدِّرَ لك لما اسْتَطَاعُوا" (٤).
وَرَوَاهُ عن ابن عَبَّاسٍ: عبد المَلِكِ بن عُمَيْرٍ أَيْضًا وَزَادَ في أَوَّلِهِ: أُهْدِي إلى النبي ﷺ بَغْلَةً أَهْدَاهَا كِسْرَى فَرَكِبَهَا بِحَبْلٍ من شَعْرٍ ثم أَرْدَفَنِي خَلْفَهُ ثم سَارَ مَلِيًّا
стр. 259
ثُمَّ الْتَفَتَ فقال: "يَا غُلَامُ".
فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ يا رسول الله.
فَقَالَ: "احْفَظِ الله … ". وَقَالَ في آخِرِهِ بعدما ذَكَرَ عَجْزَ النَّاسِ عن النَّفْعِ وَالضُّرِّ بما لم يُقَدِّرْهُ الله: "فإن اسْتَطَعْتَ أن تَعْمَل بِالصَّبْرِ مع الْيَقِينِ فَاعْمَلْ، فإن لم تَسْتَطِعْ فَاصْبِرْ، فإن في الصَّبْرِ على ما تَكْرَه خَيْرًا كَثِيرًا، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ مع الْكَرْبِ الْفَرَجَ، وَأَنَّ مع الْعُسْرِ الْيُسْرَ" (١).
وَأَمَّا رِوَايَةُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ (٢):
فَأَنَبَا أبو مَنْصُورٍ الدَّيْلَمِيُّ، عن طِرَادٍ الزَّيْنَبِيِّ، قال: أَنَبَا ابن بِشْرَانَ، قال: أَنَبَا ابن صَفْوَانَ قال: أَنَبَا ابن أبي الدُّنْيَا قَالَ: ثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمَدِينِيُّ قال: ثَنَا أبو بكر بن شَيْبَةَ الْحِزَامِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي محمد بن إبراهيم بن المُطَّلِبِ بن أبي وَدَاعَةَ قال: حَدَّثَنِي زُهْرَةُ بن عَمْرٍو، عن أبي حَازِمٍ، عن سَهْلِ بن سَعْدٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ قَالَ لعبد الله بن عَبَّاس: "يَا غُلَامُ أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تَنْتَفِعْ بِهِنَّ"؟
قَالَ: بَلَى يا رسول الله. قَالَ: "احْفَظِ الله … " (٣).
وذكر قريبًا من رواية عبد الملك بن عمير عن ابن عباس.
وروى بعض الحديث والدي ﵀ عن رسول الله ﷺ في المنام، سمعته يقول ورأيت بخطِّهِ في وُرَيْقَةٍ أثبت فيها عدَّةَ مناماتٍ له رأيت رسول الله ﷺ في المنام وأنا بنيسابور أقبل عليَّ وقال: "احْفَظِ الله يَحْفَظْكَ احْفَظِ الله تَجِدْهُ أَمَامَكَ،
стр. 260
تَعَرَّفْ إِلَى الله فِي الرَّخَاءِ يَعرِفكَ فِي الشِّدَّةِ" (١).
ولفظتا: "تَعَرَّفْ" و "يَعْرِفكَ" مرويتان في كثير من الروايات.
وأبو سعيد (٢) ﵁: هو الخدري سعد بن مالك بن سنان، وقيل: مالك بن الشهيد بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر، وهو خدرة بن عوف بن مالك بن الحارث بن الخزرج، وخُدرة وخَدارة بطنان من الأنصار، وهو من مشاهير الصحابة.
روى عنه: جابر بن عبد الله، وأبو سلمة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وحميد بن عبد الرحمن، وعطاء بن يزيد، وأبو المتوكل الناجي، وأبو الودّاك، وسعيد بن المسيب، وأبو عثمان النهدي، وكثير من التابعين.
توفي سنة أربع وسبعين.
وأبو نضرة (٣): هو المنذر بن مالك بن قطعة الْعَوَقِيُّ العبدي البصري، والعوقة بطن من عبد القيس.
سمع: أبا سعيد الخدري، وابن عمر، وجابرًا، وابن عباس.
روى عنه: قتادة، وأبو الأشهب، وسليمان التيمي، وغير واحد.
مات قبل الحسن بقليل، وأوصى أن يصلي عليه الحسن فصلى عليه.
وعلي بن زيد (٤): هو أبو الحسن بن زيد بن عبد الله بن جُدْعَانَ التيمي القرشي الأعمى سكن البصرة.
стр. 261
سمع: أنس بن مالك، وأبا عثمان، وأبا نضرة.
سمع منه: حماد بن سلمة، والثوري، وعبيد الله بن عمر، ويحيي بن ميمون.
رأيت في بعض أسانيد هذا الحديث الرواية عن أحمد بن زيد بن هارون، عن عبد الأعلى بن حماد قال: ثَنَا يحيى بن ميمون بن عطاء، قال: ثَنَا علي بن زيد بن جدعان.
وفي التواريخ ذكر ثلاثة رجال من متقدمي الرواة قيل لهم يحيي بن ميمون:
أولهم: يحيى بن ميمون الحضرمي (١) قاضي مصر.
سمع: سهل بن سعد، ووداعة. روى عنه: عمرو بن الحارث، وعياش بن عقبة.
والثاني: يحيي بن ميمون أبو المعلى (٢) العطار سمع: سعيد بن جبير.
والثالث: يحيي بن ميمون التمار (٣) مصري. عن: عبد الله بن المثنى.
تكلَّموا فيه.
ويشبه أن يكون راوي الحديث: الأوسط (٤) والله أعلم.
стр. 262
وإبراهيم بن عَزْرَةَ يقال له: السَّامي. روى عنه: أبو يعلى الموصلي (١).
وَعَزْرَةُ في الأسماء ويشتبه بغرزة وعزرة أكثر، فمن المسمين بِعَزْرَةَ:
عَزْرَهُ بن تميم. يروي عن: أبي هريرة.
وَعَزْرَةُ بن قيس البجلي. سمع: خالد بن الوليد.
وَعَزْرَةُ بن قيس. سمع: أمَّ الفَيضِ.
وَأَبُو يَعْلَى المَوْصلِيُّ (٢): هو أحمد بن علي بن المثنَّي.
قال الخليل الحافظ: ثقةٌ متفقٌ عليه صاحب "المسند" و "المعجم" رضيه الحفاظ وأخرجوا له في صحاحهم: أبو بكر الإسماعيلي، وأبو علي الحافظ النيسابوري، وأبو منصور الفقيه القزويني، وابن عدي الجرجاني.
مات سنة ست وثلاثمائة (٣).
وسائر الرواة مذكورون في المجلس التاسع.
الفصل الثاني
يقال للصَّبيِّ من وقت ولادته إلى أن يبلغ غُلامًا وللأنثي غُلامة وهو من الغُلُومَةِ والغُلُوميَّةِ، وتصغير غُلَامٍ غُلَيِّمٌ وجمعه غِلْمانٌ وغِلْمَةٌ، وتصغير غِلْمة أُغَيْلمَةٌ على غير مكبرة كأنهم صغَّروا أَغْلِمَة وإن لم يقولوا أَغْلِمَة، ويقال للرجل
стр. 263
المستحكم القوة غُلامٌ أيضًا.
والرَّخَاءُ ضِدُّ الشِّدَّةِ، يقال: رَجُلٌ رَخِيُّ الْبَالِ أي: وَاسِعُ الْحَالِ، وَشَيْءٌ رَخْوٌ أي: هَشٌّ، وَفَرَسٌ رِخْوَةٌ أي: مُسْتَرْسِلَةٌ، والإِرخَاءُ: أن تُخَلِّيَهَا وشهوتها في العَدْوِ من غير إتعابٍ، ويمكن رد الجميع إلى شيءٍ واحدٍ.
واسْتَعَانَ بِفُلَانٍ واسْتَعَانَه يستعينُ فَأَعَانَه وعَاوَنَهُ، وَتَعَاوَنَ القَوْمُ وَاعْتَوَنُوا إذا عَاوَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَرَجُلٌ مِعْوَانٌ: كَثِيرُ الْمَعُونِةِ للنَّاسِ، وَالْمَعُونَةُ: الْإِعَانَةُ، يقال: ما عِنْدَكَ مَعُونَةٌ وَمَعَانَةٌ وَعَوْنٌ، وقيل معون أيضًا، ويقال: مَعُونٌ جمع معُونة، والعَوْنُ: الظَّهِيرُ، والجمع الأَعْوانُ، وَاسْتَعَانَ أيضَا: حَلَقَ عَانَتَهُ.
وَيُقَالُ: جَهَد الرَّجُلُ في كذا إذا جَدَّ فيه وَبَالَغَ، وعن الفرَّاء أن الْجُهْدُ: الطَّاقَةُ، وَالْجَهْدُ بالفتح مِنْ قَوْلِكَ: اجْهَد جَهْدَك (فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ) (١) أي: ابْلُغْ غَايَتَكَ. وَجَهِدَ عَيْشُهُ بالكسر أي: اشْتَدَّ، والاِجْتِهَادُ وَالتَّجَاهُدُ: بَذْلُ الْوُسْعِ والْمَجْهُودِ.
وَسَارَ مليًّا أي: سَاعةً طَويلةً، يقال: مَضَى مَلِيٌّ مِنَ النَّهار، وَأقَامَ مَليًّا من الدَّهْرِ أي: حِينًا، وقال تعالى: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ (٢) أي: طَوِيلًا.
وَيُقَالُ: تَعرَّفْ إليه أي: توصَّل بما أمكنك حتى يعرفك، وكذلك اسْتَعْرِفْ إليه حتى يَعْرِفَكَ، ويقال أيضًا: تَعَرَّفْتُ ما عند فلان أي: تَطَلَّبْتُ حتى عرفت.
الفصل الثالث
قوله: "احْفَظِ الله" أي: احْفَظْ حُقُوقَهُ وَأَوَامِرَهُ كَقَوْلِهِ: "احْفَظُونِي فِي
стр. 264
أَصْحَابِي" (١)، وقوله: "احْفَظُونِي فِي عِتْرَتِي" (٢) أي: احفظوا حَقِّي فيهم، وقد كرَّرَ الأمرَ بالحفظِ، وذكر في كلِّ مرةٍ جزاءً فيُحتمل أن يقال: المأمور به واحدٌ ورتب عليه شيئين:
أحدهما: أن يحفظ الله تعالى العبدَ بحفظه حقوقه عن آفات الدنيا وعقوبات الآخرة.
والثاني: أن يعينه ويغيثه إذا تضيق عليه الأمر فيجده عنده بالإجابة والإغاثة إذا دعاه.
وأحسن بعضهم فحمل الحفظ الأول على حفظ الحدود والأوامر بأن لا يجاوزها ولا يقصر فيها، وهو المراد في قوله تعالى: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ (٣) وجزاؤه المرتب عليه حفظ الله إياه من آفات النَّفس والشَّيطان حتى لا يُعْجب بعمله ولا يفسده بالقصود الفاسدة المحبطة له، وحمل الحفظ الثاني على حفظ العبد سريرته ومراقبته ربه حتى يعبده كأنَّه يراه وجزاؤه أن يجد الله قبلة قلبه ويُعْصَم عن الافتتان بغيره حتى لا ينظر في شيءٍ إلا ويرى الله فيه أي: ويرى الله قِبَله، وأنشد: [طويل]
لَئِنْ حَالَتِ الْأَسْفَارُ دُونَ لِقَائِنَا … فَنَحْنُ بِعَيْنِ الْفِكْرِ مَلْتَقِيَانِ
تَصَوَّرْتَ فِي قَلْبِي لِفَرْطِ صَبَابَتِي … كَأَنَّكَ ليِ نُصْبٌ بِكُلِّ مَكَانِ
стр. 265
وقوله: "احْفَظِ الله فِي الرَّخَاءِ يَحْفَظْكَ فِي الشِّدَّةِ" أو "تَعَرَّفْ يَعْرِفكَ"
أي: تقرب إليه بأعمال البرِّ والمعروف في أوقات الدِّعة والأمن بحسن الطَّاعة وصدق الالتجاء إليه ليراعيك في نوبة الشِّدَّةِ والخوف ويعرف لك ما قدَّمت في الرخاء فيكشف عنك وينجيك.
قال تعالى في قِصَّةِ ذي النُّونِ ﵇: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ (١) قيل معناه: فلولا أنه كان من المسبحين قبل نزول البلاء والتقام الحوت إياه ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٢).
ولذلك كان من آداب الاستسقاءِ أن يذكرَ كلُّ أحدٍ في نفسه ما عَمِلَ من خيرٍ فيجعله شافعًا.
فَأَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ في كُتُبِهِمْ مِنْهُمْ: أبو الْفَتْحِ محمد بن عبد الْبَاقِي بن سُلَيْمَانَ، عن أبي عَلِيٍّ الْحَدَّادٍ قال: ثَنَا أبو نُعَيْمٍ، ثَنَا أبو عَمْرٍو الْحِيرِيُّ، ثَنَا عبد الله بن محمد، ثنا إِسْحَاقُ بن إبراهيم، أَنَبَا النَّضْرُ بن شُمَيْلٍ، ثَنَا حماد بن سَلَمَةَ، عن سِمَاكِ بن حَرْبٍ، عن النُّعْمَانِ بن بَشِيرٍ ﵁ موقوفًا أو مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ أنَّ ثلاثة نفر ممن كان قبلكم ساروا في يومٍ فاشتدَّ عليهم الحرُّ فانطلقوا إلى غارٍ فانهدم الجبل فسدَّ عليهم باب الغار، قال: فقالوا: إنه قد نزل بكم أمرٌ عظيم فليخبر كل واحدٍ منكم بخيرِ عَملِه.
فقال أحدهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان وولد وامرأة ولي غنم، فكنت أبدأ بأبويَّ ثم أسقي امرأتي وولديّ فأعْتَمْتُ الغنم ذات ليلة حتي نام
стр. 266
أبواي فجئت فقمت على رءوسها وكرهت أن أوقظهما وولدي وامرأتي يقولون: اسقنا، فأبيت عليهم، فلم أزل كذلك حتى طلع الفجر فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك فافرُج عنا ففرج عنهم حتى أبصروا الشمس.
فقال الآخر لصاحبه: ما عملت، أخبر بخير عمل عملته.
فقال: اللهم إنك تعلم أني كان لي حائط فيه عنب وشجر فانهدم الحائط فجعلت الوحوش والسباع تأكله فأخذت أربعين أجيرًا كل أجير بأربعين درهمًا على أن يرفعوه في السماء كذا وكذا وأجعل يعني المال صررًا وأسميهم وأوفيهم، وكان فيهم رجل يعمل عمل رجلين، فقال: كنت أعمل عمل رجلين فيما أنا بآخذٍ هذه، فقلت: ما أنا بمعطيك غيرها فذهب فاشتريت بها بقرة فركبها الفحل فولدت بقرًا كثيرًا، ثم جاء الرجل يسأل أجره، فقلت له: خذها جميعًا فإنما أخذتها بدراهمك فأعطيتها إياه، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا من خشيتك فافرج عنا ففرج عنهم حتى جعل الرجل يخرج رأسه.
ثم قالا لصاحبهما: أخبر بخير عمل عملته.
قال: اللهم إنك تعلم أن أبي مات وترك مالًا ولي أخ فاحتوى على المال وتزوج امرأة جميلة وأنفق عليها فانطلقت أبتغي الخير وتوفي أخي واحتاجت امرأته فرجعت فجاءت، فقالت: إني قد احتجت فأنفق عليَّ وعلى بني أخيك، فقلت: إن أخي ذهب بمالي وماله ولست بمنفق عليك حتى تبذلي نفسك لي، فقالت: فائتني، قال: فبينما هي قاعدة عند السراج إذا هي ترعد، فقلت لها: ما يرعدك؟! فقالت: إن هذا العمل لولا الشقاء ما عملته.
فقال الرجل: أفلا أدعه أنا ولست أُكرَهُ عليه فتركتها، فإن كنت تعلم أني
стр. 267
فعلت هذا من خشيتك فافرج عنا ففرج عنهم حتى خرجوا (١).
وإنَّما قال: "إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ الله" لأنه لا معطي ولا مانع سواه، ويجيب المضطرَّ إذا دعاه، وما يفتح للناس من رحمةٍ فلا مُمسك لها وما يُمسك فلا مُرسل له من بعده، وأيضًا فلأنَّه أمَرَهُ بالسَّؤال ويغضب إذا لم يسأل.
أَنْبَأَنَا أبو الْفَتْحِ بْنُ سَلْمَانَ، عن الْقَاسِمِ بن الْمُفَضِّلِ الثَّقَفِيِّ قال: أَنَبَا محمد بن عبد الله قال: أَنَبَا أبو سُلَيْمَانَ بن الْخَطَّابِيِّ قال: أَنْشَدَنَا الْخُزَيْمِيُّ: [كامل]
اللهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ … وَبُنَيَّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ
وينسب هذا البيت إلى عبد الله بن المبارك.
وأنشد: [رجز]
ارْفُضِ النَّاسَ فَكُلٌّ مُشْغِلهْ
قَدْ بَخِلَ النَّاسُ بمِثْلِ الْخَرْدَلَهْ
لَا تَسّأَلِ النَّاسَ وَسَلْ مَنْ أَنْتَ لَهْ
وإنما قال: "وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بالله" لأنَّه إنَّما استعان بالقادر الغنيِّ دون العاجز الفقير، فعليه التعويل، والاعتمادُ على غيره عدولٌ عن سواء السبيل.
أنشد الحافظ أبو عبد الله محمد بن علي الصوري لنفسه: [كامل]
يَا مَنْ إِلَيْهِ بِجُودِهِ أَتَوَسَّلُ … وَعَلَيْه فِي كُلِّ الْأُمُورِ أُعَوِّلُ
أَدْعُوكَ رَبِّ تَضَرُّعًا وَتَذَلُّلًا … فَإِذَا رَدَدْتَ يَدِي فَمَنْ ذَا أَسْألُ
قَدْ قَادَني أمَلِي إِلَيْكَ وَدَلَّنِي … فَقْرٌ عَليْكَ وَفَاقَةٌ وَتَذَلُّلُ
وَعَلِمْتُ أَنَّكَ لَا تُخِّيبُ آمِلًا … أَضْحَى لِفَضْلِكَ يَا كَرِيمُ يُؤَمِّلُ
стр. 268
وقوله: "جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ" أي: نفذت الأقضية، وقُدِّرت المقدَّرات، وهو تمثيلٌ بما نعهده فإنَّا إذا كتبنا الشيء منه بقي القلم جافًا لا مداد عليه، وما قُدِّرَ لا يَقْدر الخلق على تغييره تيسيرًا أو تعسيرًا، وعليهم الصَّبر والرِّضا كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ (١) ولذلك قال بعده: "اعْمَلْ بِالْيَقِينِ مَعَ الرِّضَا" أي: مستيقنًا بقدره راضيًا بقضائه.
وقوله: "وَاعْلَمْ أَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" يُبَشِّرُ بالفرجِ بعد الشِّدَّةِ، وانتظار الفرج عبادةٌ كما ورد في الحديث (٢)، وقد يمنُّ الله تعالى على النَّاس عند أشدِّ البأسِ وأتمِّ اليأسِ، وأنشد: [وافر]
إذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى الْيَأْسِ الْقُلُوبُ … وَضَاقَ لِمَا بِهَا الصَّدْرُ الرَّحِيبُ
أَتَاكَ عَلَى قُنُوطٍ مِنْكُ غَوْثٌ … يَمُنُّ بِهِ اللَّطِيفُ الْمُسْتَجِيبُ
وُكُلُّ الْحَادِثَاتِ إِذَا تَنَاهَتْ … فَمَوْصُولٌ بِهَا فَرَجٌ قَرِيبُ
وفي الحديثِ إشارةٌ إلى حَدَاثَةِ سنِّ ابن عبَّاسٍ حيث قال: "يَا غُلَامُ يَا غُلَيِّمُ" وكانت ولادته قبل هجرة رسول الله ﷺ بسنتين وقيل: بثلاث، وكان ابن ثلاث عشرة سنة حين توفي رسول الله ﷺ هذا هو الأصح وقيل غيره.
وذكر إردافه في بعض الروايات يُبَيِّنُ حُسن خلقه ﷺ ومواساته مع الناس وتواضعه في الإرداف.
стр. 269
وقد يستفادُ من الحديث أنَّه يحسن أن يحدِّث الرفقاءُ في السَّفر بعضهم بعضًا ترفيهًا وتنشيطًا، وأنَّ الأحسن أن يكونَ التحديثُ بما هو فائدة ونصيحة يقضي فيها حق المرافقة.
وقد يستدلُّ بما اختلفت به الروايات في الخبر على أنَّه يجوز نقل الخبر بالمعنى، وعلى أنَّه يسوغ رواية بعض جمل الحديث دون بعضٍ.
حَفَّظَنِي والدي ﵀ أيام صباي في قصيدة أبي الفتح البستي الكاتب المعروفة التي أولها: [بسيط]
زِيَادَةُ المَرْءِ فِي دُنْيَاهُ نُقْصَانُ … وَرِبْحُهُ غَيْرَ مَحْضِ الْخَيْرِ خُسْرَانُ
مَنْ كَانَ لِلْخَيْرِ مَنَّاعًا فَلَيْسَ لَهُ … عَلَى الْحَقِيقَة إخْوَانٌ وَأَخْدَانُ
مَنِ اسْتَعَاَنَ بغَيْرِ اللهِ فِي طَلَبٍ … فَإنَّ نَاصِرَهُ عَجْزٌ وَخُذْلَانُ
وَأنُشِدُكُم لِنَفْسِي: [متقارب]
مَنْ يَسْتَعِنْ باللهِ سُبْحَانَهُ ..... وَيَطْلُبُ الْعُوذَةَ مِمَّا يُعِينْ
يُعِنْهُ بالْفَضْلِ عَلَى مَا بهِ … يَقَرُّ عَيْنًا وَيَفِرُّ اللَّعِينْ
فَحَسْبُنَا اللهُ لِمَا نَابَنَا … إيَّاهُ نَرْجُو وَبِهِ نَسْتَعِينْ (١)
هذا آخر المجلس السابع عشر من أماليه رحمة الله عليه والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
* * * * *
стр. 270
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وما توفيقي إلا بالله
المجلس الثامن عشر من أماليه ﵀ أملاه من لفظه يوم الجمعة بعد الصلاة سادس عشر ذي الحجة سنة إحدى عشرة وستمائة
حَدَّثَنَا مولانا إِمَامُ الدِّينِ حُجَّةُ الإسلام أبو الْقَاسِمِ الرَّافِعِيُّ قال: كَتَبَ إِلَيْنَا طَائِفَةٌ غير يَسِيرَةٍ ممن سَمِعَ "مسند الإمام أحمد بن حنبل" من الرَّئِيس ابن الْحَصِينِ الشَّيْبَانِيِّ منهم: الْحَافِظُ أبو الْعَلَاءِ الْعَطَّارُ قال: أَخْبَرَنَا أبو عَلِيٍّ بن الْمُذْهِبِ، أَنَبَا أبو بَكْرٍ القَطِيعِيُّ، أنبا عبد الله بن أحمد، عن أبيه، ثَنَا أَبُو نُوحٍ قُرَادٌ، ثَنَا عِكْرِمَةُ بن عَمَّارٍ، ثَنَا أَبُو زُمَيْلٍ قال: حَدَّثَنِي ابن العباس ﵁ قال: حَدَّثَنِي عمر بن الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ:
لَمَّا كان يَوْمُ بَدْرٍ نظر النبي ﷺ إلى أَصْحَابِهِ وَهُمْ ثَلَاثُ مائة وَنَيِّفٌ وَنَظَرَ إلى الْمُشْرِكِينَ فإذا هُمْ أَلْفٌ وَزِيَادَةٌ، فَاسْتَقْبَلَ النبي ﷺ الْقِبْلَةَ ثم مَدَّ يَدَيْهِ وعليه رِدَاؤُهُ وَإِزَارُهُ ثُمَّ قال: "اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لي ما وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ إِنَّكَ إن تُهْلِكْ هذه الْعِصَابَةَ من أَهْلِ الْإِسْلَامِ لا تُعْبَدْ في الأَرْضِ أَبَدًا".
قال: فما زَالَ يَسْتَغِيثُ ربه وَيَدْعُوهُ حتى سَقَطَ رِدَاؤُهُ فَأَتَاهُ أبو بكر ﵁ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَرَدَّاهُ ثم الْتَزَمَهُ من وَرَائِهِ ثُمَّ قال: يا نَبِيَّ الله كفاك مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ فإنه سَيُنْجِزُ لك ما وَعَدَكَ وأَنْزَلَ الله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ (الأنفال).
فَلَمَّا كان يَوْمُئِذٍ والْتَقَواْ فَهَزَمَ الله الْمُشْرِكِينَ فَقُتِلَ منهم سَبْعُونَ رَجُلًا وأُسِرَ
стр. 271
منهم سَبْعُونَ رَجُلًا، اسْتَشَارَ رسول الله ﷺ أبا بكر وَعَلِيًّا وَعُمَرَ.
فَقَالَ أبو بكر: يا نَبِيَّ الله هؤلاء بنو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةُ وَالِإخْوَانُ وَإِنِّي أرى أن تَأْخُذَ منهم الْفِدْيَةَ فَيَكُونُ ما أَخَذْنَا منهم قُوَّةٌ لنا على الْكُفَّارِ، وَعَسَى الله أن يَهْدِيَهُمْ فَيَكُونُونَ لنا عَضُدًا
فقال رسول الله ﷺ : "مَا تَرَى يا ابن الخَطَّابِ؟ ".
قال: قُلْتُ: والله ما أَرَى ما رَأَى أبو بكر ولكني أرى أن تُمَكَّنَنِي من فُلَانٍ قَرِيبًا لِعُمَرَ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنَ عَلِيًّا من عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنَ حَمْزَةَ من فُلَانٍ أَخِيهِ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ؛ حتى يَعْلَمَ الله أنه لَيْسَتْ في قُلُوبِنَا هَوَادَةُ لِلْمُشْرِكِينَ هؤلاء صَنَادِيدُهُمْ وَأَئِمَّتُهُمْ وَقَادَتُهُمْ.
فَهَوِيَ رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يَهْوَ ما قُلْتُ فَأَخَذَ منهم الْفِدَاءَ.
فَلَمَّا كان من الْغَدِ قال عُمَرُ: غَدَوْتُ إلى النبي ﷺ فإذا هو قَاعِدٌ وأبو بكر يَبْكِيَانِ فَقُلْتُ: يا رسول الله أَخْبِرْنِي ماذا يُبْكِيكَ أنت وَصَاحِبَكَ فإن وَجَدْتُ بُكَاءٌ بَكَيْتُ وإن لم أَجِدْ بُكَاءٌ تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا.
قال (فَقَالَ) (١) النبي ﷺ : "أَبْكِي للَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ من الْفِدَاءِ، لقد عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُكُمْ أَدْنَي من هذه الشَّجَرَةِ لِشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ، وَأَنْزَلَ الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ … ﴾ (الأنفال: ٦٧ - ٦٨) الآيات (٢)
في الشرح فصول
стр. 272
الأول
هذا حديثٌ شريفٌ لرواية صحابِيٍّ عن صحابِيٍّ، وصحيح أخرجه مسلم في "كتابه" عن هناد بن السري عن ابن المبارك، عن عكرمة (١).
وعمر (٢) ﵁ أمير المؤمنين أبو حفص: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب العدوي القرشي.
يلتقي مع رسول الله ﷺ في كعب بن لؤي.
وأمه حنتمة بنت هشام بن المغيرة أخت أبي جهل (٣).
بَشَّرَه رسول الله ﷺ بالجنَّةِ، وأعزَّ الله به الدين، واستبشرت الملائكة بإسلامه، وهو أول من سُمِّي أمير المؤمنين، وبه تَمَّ المؤمنون أربعين (٤) وأنزل الله
стр. 273
تعالى: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).
والأربعون على ما روي عن ابن عباس ﵁ هم:
أبو بكر، عمر، عثمان، علي، طلحة، الزُّبير، سعد، سعيد، عبد الرحمن، أبو عُبيدة، حمزة بن عبد المطلب، عبيدة بن الحارث، جعفر بن أبي طالب، مصعب بن عمير، ابن مسعود، عياش بن أبي ربيعة، أبو ذر، أخوه أنيس، أبو سلمة بن عبد الأسد، عثمان بن مَظْعون، ابنه السَّائب، زيد بن حارثة، بلال، خَبَّاب، المقداد، صهيب، عمار، عمرو بن عَبَسَةَ، نعيم بن عبد الله بن النَّحَّام، حاطب بن الحارث، خالد بن سعيد، خالد بن بكير، عبد الله بن جحش، أبو أحمد بن جحش، عامر بن بكير، عُتْبة بن غَزوان، الأرقم بن أبي الأرقم، واقد بن عبد الله، عامر بن ربيعة، عامر بن فُهيرة ﵃.
بقي في الخلافة عمر ﵁ عشر سنين وأشهرًا، قتله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة لأربع ليالٍ بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وصلَّى عليه صهيب ﵁.
واختلف في سِنَّةِ يوم استشهد أكان ابن خمس وخمسين، أو ستٍّ وخمسين، أو ستين، أو إحدى وستين، أو ثلاث وستين، أو ستٍّ وستين، أو ثمان، أو تسع؟
وبِكُلٍّ قال القائلون.
وكان قد سأل الله الشهادة في المدينة فقال: اللهمَّ قتلًا في سبيلك ووفاةً في بلدِ نبيك (٢).
стр. 274
فاستجابَ اللهُ لهُ.
وكان ابن مسعود ﵁ يقول: كان إسلامُ ﵁ عمر فتحًا، وإمارته رحمةً، وما كُنَّا نستطيع أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر ﵁ (١).
روى عنه: ابنه عبد الله، وابن عباس، وابن الزبير، وأكابر التابعين.
وابن عباس (٢): هو أبو العباس عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، ابنُ عمِّ النَّبِيِّ ﷺ وأمُّه لُبَابة بنت الحارث الهلالية.
حَنَّكَهُ رسول الله ﷺ بِرِيقِهِ، ودعا له بالحكمة وعلم التَّأْويلِ، وسُمِّيَ حَبْرَ الأمَّةِ لتسمية جبريل ﵇ إياه بذلك، ويقال له: البحر أيضًا، وترجمان القرآن.
توفي بالطَّائف سنة ثمان وستين وقيل غيره.
وعن ميمون بن مِهران قال: شهدت جنازة ابن عباس بالطَّائف فلمَّا أرادوا الصلاة عليه جاء طائرٌ أبيض فدخل في أكفانه فالتمس فلم يوجد وسمعنا عند دفنه صوتًا ولا نرى شخصًا: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ … ﴾ (٣) الآية (٤).
روى عنه: السعيدان ابن المسيب وابن جُبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، والقاسم بن محمد بن أبي بكر.
وأبو زُميل: هو سماك بن الوليد الحنفي اليمامي. سمع: ابن عباس.
стр. 275
روى عنه: عكرمة بن عمار، وغيره، وهو من أفراد مسلم (١).
وعكرمة مذكور في المجلس السادس.
وقُرَّادٌ أبو نوح ابن غزوان يقال له: البغدادي وهو مولى نصر بن مالك الخزاعي.
وذكر الدَّراقطنيُّ وغيره أن اسمه عبد الرحمن وقراد لقب، وأن له ابنًا يقال له: محمد بن قراد.
روى أبو نوح عن: مالك بن أنس، وعكرمة بن عمار (٢).
وأحمد (٣): هو الإمام أبو عبد الله ابن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس الشيباني الذهلي.
أحد الأئمة المقدمين، مروزي الأصل بغدادي المولد، يقال: إنَّ أمه دخلت بغداد وهي حاملٌ به.
سمع: مُعتمر بن سليمان، ومحمد بن جعفر، وابن عيينة، وإبراهيم بن سعد الزهري.
روى عنه: البخاري، ومسلم، وابناه صالح وعبد الله، وابن عمه حنبل بن إسحاق، وأئمة الدنيا.
يحكى عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أنه قال: أحمد بن حنبل حُجَّةٌ بين الله وبين عباده (٤).
стр. 276
وأنه كان يصلي في كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة، ويختم القرآن في كل سبعة أيامٍ.
وعن قتيبة بن سعيدٍ: لو أدرك أحمدُ عصر الثوري ومالك والأوزاعي والليث بن سعد لكان هو المقدَّمُ.
وعن عبد الله بن أحمد أنه قال: ما حدَّث به الشافعيُّ ﵁ في كتابه، فقال: حدَّثني الثِّقة، فإنما يريد به أبي (١).
وهذا في الكتب القديمة أكثر.
ولد أحمد سنة أربع وستين ومائة، ومات سنة إحدى وأربعين ومائتين.
ويقال أنه لما جاءَ عليَّ بن حُجْرٍ نعيُ أحمدَ ذكر أبياتًا منها: [طويل]
سَلَامٌ عَدِيدُ الْقَطْرِ وَالنَّجْمِ وَالثَّرَى … عَلَى أَحْمَدَ الْبرِّ التَّقيِّ بْنِ حَنْبَلِ
إِمَامٍ عَلَى قَصْدِ السَّبِيلِ وَسَّنة النْـ … ـنَّبِيِّ أمِينِ اللهِ آخِرِ مُرسَلِ
أَلَا فَتَأَهَّبْ لِلْمَنَايَا فَإِنَّمَا الْـ … بَقَاءُ قَلِيلٌ بَعْدَ ذَلِكَ أيْ عَلِي (٢)
وقد أفردت في مناقب أحمد كتبٌ.
وابنه أبو عبد الرحمن: عبد الله بن أحمد من أكابر أهل الحديث.
سمع: أباه، وعبد الأعلى بن حماد، ويحيى بن معين، وأبا بكر وعثمان ابني أبي شيبة. روى عنه: أبو القاسم البغوي، ويحيى بن محمد بن صاعد، وسليمان الطبراني، والكبار.
وشهدوا له بمعرفة علوم الحديث والتقدم فيها.
стр. 277
ولد سنة ثلاث عشرة ومائتين ومات سنة ستين ومائتين (١).
وأبو بكر القَطِيعِيُّ (٢): هو أحمد بن جعفر بن حَمْدَانَ بن مالك بن شبيب بن عبد الله.
يُنسب إلى قطيعة الدقيق؛ لأنه كان يسكنها (٣).
سمع: إبراهيم بن إسحاق الحربي، وبشر بن موسى الأسدي، وأبا مسلم الكجّي، وعبد الله بن أحمد.
روى عنه: "المسند"، و "الزهد"، و "التاريخ"، وغيرها.
وحَسَّنَ حاله: أبو بكر الْبَرْقَانِيُّ، والحاكم أبو عبد الله.
قال أبو بكر الخطيب: ولم نر أحدًا امتنع من الرواية عنه ولا ترك الاحتجاج به (٤).
روى عنه: الدَّارقطنيُّ، وابن شاهين، وأبو نعيم الحافظ، ومحمد بن أبي الفوارس، وعبد الملك بن محمد بن بِشران، وغيرهم.
توفي سنة ثمان وستين وثلاثمائة.
وابنُ الْمُذْهِبِ (٥): هو أبو علي الحسن بن علي الواعظ التميمي.
شيخ معروف وبروايته يشهر "مسند أحمد".
سمعه منه: أبو طالب عبد القادر بن محمد بن عبد القادر اليوسفي، وابن
стр. 278
الحصين، وغيرهما.
توفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة.
وابنُ الْحَصِينِ: هو هبة الله بن عبد الواحد أبو القاسم سبق ذكره في المجلس السابع.
والحافظ أبو العلاء (١): هو الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد العطار الهمذاني.
غزيرُ العلمِ، مشهورٌ في الآفاق بعلمِ القرآن والحديث والتواريخ والأنساب والعربية، وممن يعزُّ في المتأخرين مثله روايةً ودرايةً وجمعًا وتصنيفًا.
ولد سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وتوفي سنة تسع وستين وخمسمائة.
الثاني
"بَدْرٌ" يُذكر ويؤنث وهو اسم موضع، ويقال: اسم ماء، ويقال: اسم بئرٍ كانت لرجل يُسَمَّى بدرًا، وذُكر أنَّ الرجلَ كان من غفار رهط أبي ذر ﵁ (٢).
النَّيْفُ: الزِّيَادَةُ، يُقَالُ: عشرة ونَيْفٌ، ومائة ونَيْفٌ، وما زَادَ على عَقْدٍ فهو نَيْفٌ حتى يَبْلُغَ عَقْدًا آخر، وقد يُشَدَّدُ فيقال: نَيِّفٌ، ونَيَّفَ فُلَانٌ على السَّبْعِينَ أي: زَادَ، وَأَنَافَتِ الدَّرَاهِمُ على المائة: زَادَتْ.
وَالْعِصَابَةُ: الْجَمَاعَةُ من الناس يَتَعَصَّبُ بعضهم لبعض، وَيُقَالُ لِلْجَمَاعَةِ من الْخَيْلِ وَالطَّيْرِ عِصَابَةٌ أيضًا، وَالْعُصْبَةُ من الناس ما بين العشرة إلى الأربعين، وقيل:
стр. 279
كُلُّ جَمَاعَةٍ عُصْبَةٌ إذا كَانُوا قطعًا قطعًا.
وَالتَّرْدِيَةُ: إِلبَاسُ الرِّدَاءِ وأيضًا جَعْلُ الشَّيْءِ رِدَاءً أَوْ كَالرِّدَاءِ، ومنه أزَّرَتْنِي بنصف خِمَارِهَا وَرَدَّتنِي بِنِصْفِهِ، وارْتَدَى وَتَرَدَّى: لَبِسَ الرِّدَاءَ.
والالْتِزَامُ: الضَّمُّ والاِعْتِنَاقُ.
وَيُقَالُ: نَشْدتُكَ الله وَنَاشَدْتُكَ وَأَنْشَدْتُكَ أي: سَأَلْتُكَ بالله، وقيل: ذَكَّرْتُكَ بالله، وقيل: سَأَلْتُ الله برفع صوتي، وَالنَّشِيدُ: الصَّوْتُ، وَإِنْشَادُ الشِّعْرِ سُمِّيَ إِنْشَادًا لما فيه من رَفْعِ الصَّوْتِ، وَنَشَدْتُ فُلَانًا أَنْشُدُهُ نَشْدًا: إذا قلت له نَشَدتُكَ الله، وَأَنْشَدَ الضَّالَّةَ: عَرَّفَهَا، وَنَشَدَهَا: طَلَبَهَا.
وَالْهُدَى: الرَّشَادُ والدلالة، يؤنث ويذكر، يُقَالُ: هَدَاهُ الله للِديِّنِ هُدًى، وَهَدَيْتُهُ الطَّرِيقَ وَالْبَيْتَ أي: عَرَّفْتُهُ، ومنهم من يقول: هَدَيْتُهُ إلى الطَّرِيقِ والْبَيْتِ.
وَهَدَى قد تَكُونُ بمعنى اهْتَدَى، وتقول: هُدِيَتِ الْمَرْأَةَ إلى زَوْجِهَا هِدَاءً فَهِيَ مَهْدِيَّةٌ وَهَدِيٌّ، وأَهْدَيْتُ له وإليه وهي الْهَدِيَّةُ، وَالْمِهْدَاءُ الذي يُهْدِي كَثِيرًا، والْمِهْدَي: الظَّرفُ الذي يُهْدَى فيه، والْهَدِيُّ: ما يُهْدَى إلى الْحرم وكذا الهدْي الْوَاحِدُ هَدِيَّةٌ وهَدْيَةٌ، ويقال للأسير: هَدِيٌّ أيضًا، والْهَدْيَةُ والْهِدْيَةُ: السِّيرَةُ، والجمع: الْهَدْيُ كَتَمْرَةٍ وَتَمْرٍ.
وَالْهَوَادَةُ: المُحَابَاةُ وَالمُسَامَحَةُ وَالمَيْلُ، وأصلها التَّهْوِيدُ: وهو المَشْيُ في تُؤَدَةٍ وسُكُونٍ. وَمَنْطِقٌ مُهَوَّدٌ، وغناء مُهَوَّدٌ: سَاكِنٌ، والتَّهْوِيدُ: النَّوْمُ أيضًا، وَتَصْيِيرُ الإِنْسَانِ يَهُودِيًّا، والْهَوَدَةُ بالتحريك: السَّنَامُ، والجمع هَوَدٌ. ويمكن أن يُرَدَّ ذلك إلى الأَوَّلِ لما فِيهِ من المَيْلِ.
وَالصَّنَادِيدُ: الْعُظَمَاءُ وَالسَّادَةُ، الْوَاحِدُ: صِنْدِيدٌ، وَالصَّنَادِيدُ أَيْضًا: الدَّوَاهِي،
стр. 280
وغَيْثٌ صِنْديدٌ: عَظِيمٌ.
وقوله: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (١) أي: يكثر الإيقاع بالعدو، ويبالغ فيه، ويقال: أثْخَنَهُ المَرَضُ أي: اشْتَدَّ عليه وكذلك أَثْخَنَتْهُ الْجِرَاحُ.
الفصل الثالث
المشهورُ أنَّ المؤمنين يوم بدر كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر، والنَّيِّفُ المبهمُ ذِكرهُ ثلاثة عشر:
قَرَأْتُ على والدي ﵀ قَالَ: قَرَأْتُ على عبد الملك بن أبي الْقَاسِمِ، عن أبي عَامِرٍ، عن أبي محمد، عن أبي الْعَبَّاسٍ، عن أبي عيسى قَالَ: ثَنَا واصل بن عبد الأعلى قال: ثَنَا أبو بكر بن عَيَّاشٍ، عن أبي إِسْحَاقَ، عن الْبَرَاءِ ﵁ قال: كُنَّا نَتَحَدّثُ أن أَصْحَابَ بَدْرٍ كانوا كَعِدَّةِ أصحاب طَالُوتَ ثلاث مِائَةٍ وثلاثة عشر (٢).
ويروي عن ابن عباس ﵄ أيضًا.
وفي "صحيح مسلم" (٣) في هذا الحديث: "وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا".
ويروى "تِسْعَةَ عَشَرْ" (٤) والله أعلم.
وكأنَّهم ذكروا ما ذكروا على التَّقريبِ، وأما المشركون ففي الخبر أنهم كانوا ألفًا وزيادة، ووراءه قولان:
أحدهما: أنَّهم كانوا ألفًا أوَّلًا فردَّ الأخنس ثلاثمائة من بني زهرة وبقي
стр. 281
سبعمائة، وهذا ما أورده مقاتل في "التفسير" (١).
والثاني: في المغازي أنَّهم كانوا دون الألف وفوق تسعمائة.
ولعلَّ بعضهم عدَّ المقاتلة وبعضهم عدَّ الجميع، وبالجملة فلما نظر رسول الله ﷺ إلى قلَّةِ عِدَّةِ المسلمين وعُدَّتهم، وكثرة عِدَّةِ المشركين وعُدَّتهم؛ اغتمَّ لذلك فالتجأ إلى الله تعالى وتضرَّع ليكشف الغُمَّةَ بأن يؤيدَ المؤمنين بنصره، ويتمَّ النِّعمة بأن يخذلَ الكافرين بقهره، وهكذا ينبغي أن يفعلَ المؤمنُ إذا نابه ما يحزنه ويخاف منه.
وفيه ما يدلُّ على أنَّه يستحبُّ استقبال القبلة عند الدُّعاء ورفع اليد والإلحاح فيه.
وقد رُوِيَ أن الطُّفَيْلَ بن عَمْرو الدَّوْسِيِّ قدم على رسول الله ﷺ فقال: إن دَوْسًا عَصَتْ وَأَبَتْ فَادْعُ الله؛ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وقال: "اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ" ثَلَاثًا (٢).
وعن سَلْمَانَ ﵁ قال: قال النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ الله يَسْتَحْيِي مِنَ الْعَبْدِ أن يَرْفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ فَيَرُدَّهُمَا خَائِبَتَيْنِ" (٣).
وانتهت مُبَالَغَةُ رسول الله ﷺ في القصَّةِ في رفعِ اليد وإطالةِ الدعاءِ إلى أن
стр. 282
سقطَ الرداءُ من منكبهِ.
وفي حديث أَنَسٍ أن رسول الله ﷺ كان يَرْفَعُ يَدَيْهِ في الدُّعَاءِ حتى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ (١).
والتزامُ أبي بكر ﵁ كأنَّه كان إشفاقًا منه أو لِرَقَّةِ أخذته حين شاهد جدَّ رسول الله ﷺ واجتهاده وتضرُّعه، وتفرَّس آثار الإجابة علمًا منه بأنَّه أكرم على الله من أن لا يجيبه، وقد انتهى اجتهاده إلى ذلك الحدِّ فقال: أجيب لك يا رسول الله فدع الإلحاح والمناشدة.
وفي "صحيح البخاري" من رواية ابن عَبَّاسٍ أن أبا بَكْرٍ أَخَذَ بِيَدِهِ وقال: حَسْبُكَ يا رسول الله فقد أَلْحَحْتَ على رَبِّكَ (٢).
ورأيت في بعض الأجزاء: "كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ" (في الحديث بدل كذلك) (٣) وهو صحيحُ المعني.
ولَمَّا فرغَ رسول الله ﷺ منَ الدُّعاءِ وما كانَ مُستغرقًا بهِ منَ الإلحاحِ عرفَ الإجابةَ كما تفرَّسَ أبو بكرٍ فخرجَ منْ قُبَّتهِ وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (٤)، وأنزل الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ (٥).
والنَّاظرُ إلى اللَّاعبِ بالشطرنج قد يرى ما لا يراه اللَّاعبُ لتعمُّقِهِ وإعمالِهِ الفكر فيه.
стр. 283
وقوله: "اسْتَشَارَ رَسُولُ الله ﷺ " يعني: في شأنِ الأُسَراءِ، فمالَ رأيُ أبي بكرٍ إلى التخفيفِ لداعية الرحمة، ورأيُ عمرَ إلى التشديد لداعية الغيرة، وشبههما النَّبِيُّ ﷺ في اختلاف رأييهما وقوليهما بمثله فيما بين الأنبياء.
فَأَخْبَرَنَا الإمام أحمد بن إسماعيل سَمَاعًا أو إِجَازَةً، عن عبد الْجَبَّار الْخُوَارِيُّ، عن عَلِيِّ بن أحمد (١) قال: أَنَبَا أبو بكر الْحِيرِيُّ، ثنا حَاجِبُ بن أحمد، ثنا محمد بن حَمَّادٍ، ثنا أبو مُعَاوِيَةَ، عن الْأَعْمَشِ، عن عَمْرِو بن مُرَّةَ، عن أبي عُبَيْدَةَ، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ يوم بَدْرٍ: "مَا تَقُولُونَ في هَؤُلَاءِ الْأَسْرَى؟ ".
فقال أبو بكر: قَوْمُكَ (وَأَصْلُكَ) (٢) اسْتَبْقِهِمْ واسْتَأْنِ بِهِمْ لَعَلَّ الله يَتُوبُ عَلَيْهِمْ.
وقال عُمَرُ: كَذَّبُوكَ وَأَخْرَجُوكَ قَدِّمْهُمْ واضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ.
وقال ابن رَوَاحَةَ: انْظُرُوا وَادِيًا كثير الْحَطَبِ فَأَدْخِلْهُمْ فيه ثُمَّ أَضْرِمْ عليهم النَّارَ.
فَسَكَتَ رسول الله ﷺ ولم يُجِبْهُمْ.
فقال نَاسٌ: نَأْخُذُ بقول أبي بكر، وقال نَاسٌ: نَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ، ثم خَرَجَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ:
"إن مَثَلَكَ يا أبا بكر كَمَثَلِ إبراهيم قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (إبراهيم ٣٦)، وَكَمَثَلِ عيسى قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (المائدة ١١٨).
стр. 284
وإن مَثَلَكَ يا عُمَرُ كَمَثَلِ مُوسَى قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ (يونس ٨٨) الآية، وَكَمَثَلِ نُوحٍ قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾ (نوح). ثُمَّ أَمَرَ بِأَخْذِ الْفِدَاءِ (١).
وقوله: "حَتَّى يَعْلَمَ الله" أي: حتى يرى الله، وقيل: حتى يعلم ملائكة الله، وهو مثل قوله تعالى: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ (٢).
ثُمَّ إنَّ الله تعالى عاتبهم على أخذ الفداء ولِمَ عاتب؟
عن الحسن أنَّه عاتب لأنَّه لم يأمر به وإن لم ينه عنه.
وعن ابن عباسٍ وقتادةَ أنَّ هذا كان في مبدأ الأمر وفي المسلمين قلَّة، فلما كثروا واشتدَّ سلطانهم أنزل الله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (٣) والإمام يختار ما يراه أصوب وأليق بالحال.
وفي الحديثِ دلالةٌ ظاهرةٌ على فضيلةِ عمر ﵁، ويروى عن ابن عباس أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: "لَوْ نَزَلَ عَذَابٌ مَا سَلِمَ مِنْهُ إِلَّا عُمَرُ" (٤).
وقوله: "فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ" إلى آخره قولٌ صدرَ عنْ حسنِ الاتباعِ ورعايةِ الأدبِ، يقول: إذا وقفت على سبب بكائكما فإن جاءني البكاء ساعدتكما
стр. 285
وأسعدتكما وإلا حملت نفسي على المساعدة وتشبهت بكما بما قدرت عليه.
وقد ورد "فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا" (١)، و"مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ" (٢).
الفصل الرابع
قول أبي بكرٍ ﵁: "عَسَى الله أَنْ يَهْدِيَهُمْ" أي: يرشدهم ويوفقهم للإيمان، والهداية: قد تكون بمعنى الإرشاد والدلالة كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ (٣) أي: بَيَّنَّا لهم ودللناهم.
وقد تكون بمعنى التوفيق والتسديد، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (٤) ثم قولنا: إنَّه هداه قد يكون بتيسير ابتداء الأمر له، وقد يكون بمعنى الإِدَامَةِ والتَّثْبِيتِ كما في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٥) على قول عامة المفسرين.
واستحقَّ المؤمنُ المواظبةَ على سؤال الهداية بمعنى التثبيت على الاعتقاد الحقِّ والإرشاد إلى الأعمال والأخلاق المحمودة سيما في الصلاة:
فمنها ما يكرره من قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾ (٦) بحسب تكرير الفاتحة.