سبعمائة، وهذا ما أورده مقاتل في "التفسير" (١).
والثاني: في المغازي أنَّهم كانوا دون الألف وفوق تسعمائة.
ولعلَّ بعضهم عدَّ المقاتلة وبعضهم عدَّ الجميع، وبالجملة فلما نظر رسول الله ﷺ إلى قلَّةِ عِدَّةِ المسلمين وعُدَّتهم، وكثرة عِدَّةِ المشركين وعُدَّتهم؛ اغتمَّ لذلك فالتجأ إلى الله تعالى وتضرَّع ليكشف الغُمَّةَ بأن يؤيدَ المؤمنين بنصره، ويتمَّ النِّعمة بأن يخذلَ الكافرين بقهره، وهكذا ينبغي أن يفعلَ المؤمنُ إذا نابه ما يحزنه ويخاف منه.
وفيه ما يدلُّ على أنَّه يستحبُّ استقبال القبلة عند الدُّعاء ورفع اليد والإلحاح فيه.
وقد رُوِيَ أن الطُّفَيْلَ بن عَمْرو الدَّوْسِيِّ قدم على رسول الله ﷺ فقال: إن دَوْسًا عَصَتْ وَأَبَتْ فَادْعُ الله؛ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وقال: "اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ" ثَلَاثًا (٢).
وعن سَلْمَانَ ﵁ قال: قال النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ الله يَسْتَحْيِي مِنَ الْعَبْدِ أن يَرْفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ فَيَرُدَّهُمَا خَائِبَتَيْنِ" (٣).
وانتهت مُبَالَغَةُ رسول الله ﷺ في القصَّةِ في رفعِ اليد وإطالةِ الدعاءِ إلى أن
стр. 282
سقطَ الرداءُ من منكبهِ.
وفي حديث أَنَسٍ أن رسول الله ﷺ كان يَرْفَعُ يَدَيْهِ في الدُّعَاءِ حتى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ (١).
والتزامُ أبي بكر ﵁ كأنَّه كان إشفاقًا منه أو لِرَقَّةِ أخذته حين شاهد جدَّ رسول الله ﷺ واجتهاده وتضرُّعه، وتفرَّس آثار الإجابة علمًا منه بأنَّه أكرم على الله من أن لا يجيبه، وقد انتهى اجتهاده إلى ذلك الحدِّ فقال: أجيب لك يا رسول الله فدع الإلحاح والمناشدة.
وفي "صحيح البخاري" من رواية ابن عَبَّاسٍ أن أبا بَكْرٍ أَخَذَ بِيَدِهِ وقال: حَسْبُكَ يا رسول الله فقد أَلْحَحْتَ على رَبِّكَ (٢).
ورأيت في بعض الأجزاء: "كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ" (في الحديث بدل كذلك) (٣) وهو صحيحُ المعني.
ولَمَّا فرغَ رسول الله ﷺ منَ الدُّعاءِ وما كانَ مُستغرقًا بهِ منَ الإلحاحِ عرفَ الإجابةَ كما تفرَّسَ أبو بكرٍ فخرجَ منْ قُبَّتهِ وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (٤)، وأنزل الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ (٥).
والنَّاظرُ إلى اللَّاعبِ بالشطرنج قد يرى ما لا يراه اللَّاعبُ لتعمُّقِهِ وإعمالِهِ الفكر فيه.
стр. 283
وقوله: "اسْتَشَارَ رَسُولُ الله ﷺ " يعني: في شأنِ الأُسَراءِ، فمالَ رأيُ أبي بكرٍ إلى التخفيفِ لداعية الرحمة، ورأيُ عمرَ إلى التشديد لداعية الغيرة، وشبههما النَّبِيُّ ﷺ في اختلاف رأييهما وقوليهما بمثله فيما بين الأنبياء.
فَأَخْبَرَنَا الإمام أحمد بن إسماعيل سَمَاعًا أو إِجَازَةً، عن عبد الْجَبَّار الْخُوَارِيُّ، عن عَلِيِّ بن أحمد (١) قال: أَنَبَا أبو بكر الْحِيرِيُّ، ثنا حَاجِبُ بن أحمد، ثنا محمد بن حَمَّادٍ، ثنا أبو مُعَاوِيَةَ، عن الْأَعْمَشِ، عن عَمْرِو بن مُرَّةَ، عن أبي عُبَيْدَةَ، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ يوم بَدْرٍ: "مَا تَقُولُونَ في هَؤُلَاءِ الْأَسْرَى؟ ".
فقال أبو بكر: قَوْمُكَ (وَأَصْلُكَ) (٢) اسْتَبْقِهِمْ واسْتَأْنِ بِهِمْ لَعَلَّ الله يَتُوبُ عَلَيْهِمْ.
وقال عُمَرُ: كَذَّبُوكَ وَأَخْرَجُوكَ قَدِّمْهُمْ واضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ.
وقال ابن رَوَاحَةَ: انْظُرُوا وَادِيًا كثير الْحَطَبِ فَأَدْخِلْهُمْ فيه ثُمَّ أَضْرِمْ عليهم النَّارَ.
فَسَكَتَ رسول الله ﷺ ولم يُجِبْهُمْ.
فقال نَاسٌ: نَأْخُذُ بقول أبي بكر، وقال نَاسٌ: نَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ، ثم خَرَجَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ:
"إن مَثَلَكَ يا أبا بكر كَمَثَلِ إبراهيم قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (إبراهيم ٣٦)، وَكَمَثَلِ عيسى قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (المائدة ١١٨).
стр. 284
وإن مَثَلَكَ يا عُمَرُ كَمَثَلِ مُوسَى قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ (يونس ٨٨) الآية، وَكَمَثَلِ نُوحٍ قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾ (نوح). ثُمَّ أَمَرَ بِأَخْذِ الْفِدَاءِ (١).
وقوله: "حَتَّى يَعْلَمَ الله" أي: حتى يرى الله، وقيل: حتى يعلم ملائكة الله، وهو مثل قوله تعالى: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ (٢).
ثُمَّ إنَّ الله تعالى عاتبهم على أخذ الفداء ولِمَ عاتب؟
عن الحسن أنَّه عاتب لأنَّه لم يأمر به وإن لم ينه عنه.
وعن ابن عباسٍ وقتادةَ أنَّ هذا كان في مبدأ الأمر وفي المسلمين قلَّة، فلما كثروا واشتدَّ سلطانهم أنزل الله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (٣) والإمام يختار ما يراه أصوب وأليق بالحال.
وفي الحديثِ دلالةٌ ظاهرةٌ على فضيلةِ عمر ﵁، ويروى عن ابن عباس أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: "لَوْ نَزَلَ عَذَابٌ مَا سَلِمَ مِنْهُ إِلَّا عُمَرُ" (٤).
وقوله: "فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ" إلى آخره قولٌ صدرَ عنْ حسنِ الاتباعِ ورعايةِ الأدبِ، يقول: إذا وقفت على سبب بكائكما فإن جاءني البكاء ساعدتكما
стр. 285
وأسعدتكما وإلا حملت نفسي على المساعدة وتشبهت بكما بما قدرت عليه.
وقد ورد "فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا" (١)، و"مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ" (٢).
الفصل الرابع
قول أبي بكرٍ ﵁: "عَسَى الله أَنْ يَهْدِيَهُمْ" أي: يرشدهم ويوفقهم للإيمان، والهداية: قد تكون بمعنى الإرشاد والدلالة كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ (٣) أي: بَيَّنَّا لهم ودللناهم.
وقد تكون بمعنى التوفيق والتسديد، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (٤) ثم قولنا: إنَّه هداه قد يكون بتيسير ابتداء الأمر له، وقد يكون بمعنى الإِدَامَةِ والتَّثْبِيتِ كما في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٥) على قول عامة المفسرين.
واستحقَّ المؤمنُ المواظبةَ على سؤال الهداية بمعنى التثبيت على الاعتقاد الحقِّ والإرشاد إلى الأعمال والأخلاق المحمودة سيما في الصلاة:
فمنها ما يكرره من قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾ (٦) بحسب تكرير الفاتحة.
стр. 286
ومنها ما وَرَدَ عند اسْتِفْتَاحِ الصلاة برواية عَلِيِّ ﵁ عُقَيْب دُعَاءِ الاسْتِفْتَاحِ: "اللَّهُمَّ أنت المَلِكُ لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لي ذُنُوبِي فإنه لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا أنت، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إلا أنت" (١).
ومنها عن رواية ابن عَبَّاسٍ أن النبي ﷺ كان يَقُولُ بين السَّجْدَتَيْنِ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي" (٢).
وفي دُعَاءِ القُنُوتِ من رواية أبي إِسْحَاقَ، عن بُرَيْدِ بن أبي مَرْيَمَ -بالباء المضمومة والراء- عن أبي الْحَوْرَاءِ -بالحاء المهملة والراء- عن الْحَسَنِ بن عَلِيٍّ ﵁ عن رسول الله ﷺ : "اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ … " (٣) إلى آخره.
وكان ﷺ يَقُولُ في دُعَائِهِ في رواية ابن عَبَّاسٍ: "رَبِّ أَعنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي وَيَسِّرِ الهُدَى لِي" (٤).
وفي رواية ابن مَسْعُودٍ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الهُدَى وَالتُّقَى" (٥).
стр. 287
وفي رواية عَلِيٍّ ﵁: "اللَّهُمَّ اهْدِنِي وَسَدِّدْنِي" (١).
ولا يزالُ العبدُ يرغبُ إليهِ ويسألهُ الهدايةَ حتى يزيد الله الذينَ اهتدوا هدى، وإنَّ الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم، وإنَّ هدى الله هو الهدى، ومن يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وقال أبو يزيد البسطامي: إذا طَلَعَتْ في القلب أَنْوَارُ عِنَايَة، وَانْكَشَفَتْ له أَسْرَارُ الرِّعَايَة، اسْتَحْكَمَتْ فيه قَوَاعِدُ الْهِدَايَة، وَتَوَلَّدَ منه صِدْقُ الْوَلَايَة، وننشد: [طويل]
وَإِنَّكَ لَلنَّجْمُ الَّذِي بِكَ أَهْتَدِي … وَإِنَّكَ لَلْمَوْلَى الَّذِي بِكَ أَقْتَدِي
وَأَنْتَ الَّذِي عَلَّمْتَنِي طُرُقَ الْعُلَى … وَأَنْتَ الَّذِي بَلَّغْتَنِي كُلَّ مَقْصِدِ
وَأَنْتَ الَّذِي بَلَّغْتَنِي كُلَّ رُتْبَةٍ … مَشَيْتُ بِهَا مِنْ فَوْقٍ أَعْنَاقِ حُسَّدِي
أَيَا مُلبِسِي النُّعْمَى الَّتِي جَلَّ قَدْرُهَا … لَقَدْ خَلُقَتْ تِلْكَ الثِّيَابُ فَجَدِّدِ
وتلفقت هذه الكلمات سحرَ اليوم وأنا أتردد بين اليقظة والنوم: [سريع]
وَاقِيةً مِثْلَ الَّتِي قَدْ مَضَتْ … وَنَحْنُ مَقْمُوطُونَ فِي مَهْدِنَا
عَهِدتَ مِنْ قَبْلُ عُهُودًا إِلَى … ذَرَّاتِنَا رَبِّ بِلَا جَهْدنَا
وَأَنْتَ تَدْرِي ضَعْفَنَا رَبَّنا … فَقَوِّنَا نَجْرِي عَلَى عَهْدِنَا
ارْفُقْ بِنَا وامْنُنْ عَلَى عَجْزِنَا … بِرَحْمَةٍ وَاغْفِرْ لَنَا وَاهْدِنَا
آخر المجلس الثامن عشر من أماليه رحمة الله عليه والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وآله وسلامه
стр. 288
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وما توفيقي إلا بالله
المجلس التاسع عشر من أماليه ﵀ أملاه يوم الجمعة بعد الصلاة التاسع عشر من شهر الله الحرام ذي الحجة سنة إحدى عشرة وستمائة
حَدَّثَنَا المَوْلَي الْمُمْلِي ﵀ إِمْلَاءً من لَفْظِهِ الشَّرِيفِ قال: قَرَأْتُ على الإمام أحمد بن إسماعيل، أنَبَا أبو عبد الله الْفُرَاوِيُّ، أنبا أحمد بن الحُسَيْنِ (١)، أنبا أبو عبد الله الحَافِظُ، أنبا محمد بن عَلِيٍّ، ثَنَا الدَّبَرِيُّ، أنبا عبد الرَّزَّاقِ (٢)، أنبا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ.
وَأَنْبَأَنَا عَالِيًا محمد بن عبد الْبَاقِي، عن أبي عَلِيٍّ، أنبا أبو نَعَيْمٍ، ثَنَا سُلَيْمَانُ بن أحمد (٣)، ثَنَا أبو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ، ثَنَا أبو الْيَمَانِ، أَنَبَا شُعَيبٌ، عن الزُّهْرِيِّ -وَالاعْتِنَاءُ بألفاظ هذه الرواية أَكْثَرُ- أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وَعَطَاءُ بن يَزِيدَ؛ أَنَّ أبا هُرَيْرَةَ ﵁ أَخْبَرَهُمَا قال: قَالَ نَاسٌ: يا رسول الله هل نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟
قَالَ: "هَلْ تُضَارُّونَ في رُؤْيَةِ الشَّمْسِ ليس دُونَهَا سَحَابٌ؟ ".
قَالُوا: لا يا رسول الله.
قَالَ: "فَهَلْ تُضَارُّونَ في الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟ ".
стр. 289
قَالُوا: لَا.
قال: "فإنكم تَرَوْنَهُ يوم القيامة كذلك يَجْمَعُ الله الْعِبَادَ يوم القيامة فَيَقُولُ من كان يَعْبُدُ شيئًا فَلْيَتْبَعُهُ؛ فَيَتْبَعُ من كان يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ ومن كان يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ ومن كان يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هذه الأُمَّةُ فيها مُنَافِقُوهَا فَيَأْتِيهِمُ الله تعالى في غير صُورَتِهِ التي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ أنا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونُ: هذا مَكَانُنَا حتى يَأْتِيَنَا ربنا فإذا جاء ربنا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ الله تعالى في صُورَتِهِ التي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ أنا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ أنت رَبُّنَا فَيَتْبَعُونَهُ فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بين ظَهْرَانَيْ جهنَّم، فَأَكُونُ أنا أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَجُوزُ -وفي رِوَايَةٍ تُجِيزُ- ولا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إلا الرُّسُلُ وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ وبه كَلَالِيبُ مثل شَوْكِ السَّعْدَانِ هل رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ "
قَالُوا: نَعَمْ.
قال: "فإنَّها مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ غير أنَّه لا يَدْرِي قَدْرَ عِظَمِهَا إلَّا الله فَيُخْتَطَفُ النَّاسُ بأَعْمَالِهِمْ فَمِنْهُمُ الْمُوبَقُ أو الْمُوثَقُ بعمله ومنهم الْمُخَرْدَلُ وَالْمُجَازَى، فإذا أَرَادَ الله أن يُخْرِجَ من شَاءَ برحمته أمر الملائكة أن يُخْرِجُوا من النَّارِ من لا يُشْرِكُ بالله شَيْئًا ممن أَرَادَ الله أن يَرْحَمَهُ فَيَعْرِفُونَهُمْ في النار بِأَثَرِ السُّجُودِ تَأْكُلُ النار ابن آدم إلا أثر السُّجُودِ، قال: فَيُخْرِجُونَهُمْ (١) من النار قد امْتَحَشُوا فَيُصَبُّ عليهم ماء الحياة فَيَنْبُتُونَ تَحْتَهُ كما تَنْبُتُ الْحِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيْلِ وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلُ بِوَجْهِهِ على النار فَيَقُولُ أي رب اصْرِفْ وجهي عن النار فإنه قد قَشَبَنِي رِيحُهَا وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا فَيَدْعُو الله ما شاء أن يَدْعُو، فَيَقُولُ الله تعالى: هل عَسَيْتَ إن
стр. 290
أَعْطَيْتُكَ ذلك أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ؟
فَيُعْطِي رَبَّهُ ما شَاءَ من عُهُودٍ وَمَواثِيقَ فَيَصْرِفُ الله وَجْهَهُ عن النَّارِ، فَيَسْكُتُ ما شاء الله أن يَسْكُتَ ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ ربِّ قَرِّبْنِي إلى الْجَنَّةِ.
فَيَقُولُ الله: أليس قد أَعْطَيْتَ يعني عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أن لا تَسْأَلَنِي غيره؟ وَيْلَكَ ما أَغْدَرَكَ يا ابن آدم فلا يَزَالُ يَدْعُو حتى يَقُولَ هل عَسَيْتَ إن أَعْطَيْتُكَ ذلك أن تَسْأَلَ غَيْرَهُ؟
فَيَقُولُ: لا وَعِزَّتِكَ لا أَسْأَلُ غَيْرَهُ فَيُقَدِّمُهُ إلى بَابِ الْجَنَّةِ فإذا قَامَ على بَابِ الْجَنَّةِ انْفَهَقَتْ له الْجَنَّةُ فَرَأَى ما فيها من الْخَيْرِ والسُّرُورِ فَيَقوُلُ: أَيْ ربِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ.
فيقول الله تعالى: وَيْلَكَ يا ابن آدم ما أَغْدَرَكَ أَلَيْسَ قدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لا تَسْأَلَنِي غير ما أُعْطِيتَ؟
فَيَقُولُ: يا ربِّ لا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ فلا يَزَالُ يَدْعُو حتى يَضْحَكَ الله منه فإذا ضَحِكَ الله مِنْهُ قال له: ادْخِلَ الْجَنَّةَ فإذا دَخَلَهَا قال الله تعالى لَهُ تَمَنَّ فَيَتَمَنَّى حتى إن الله تعالى لَيُذَكِّرُهُ فَيَقُولُ: وَمِنْ كذا وَمِنْ وكذا فإذا انْقَطَعَ به الأَمَانِيُّ قال الله تعالى: لكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ".
قال أبُو هُرَيْرَةَ ﵁: ذلك الرَّجُلُ من آخِرِ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا.
والحديث أطول من هذا.
في الشرح فصول: الفصل الأول
هذا حديثٌ صحيحٌ باتِّفاقِ أهل النَّقل والنَّقْدِ والحلِّ والعَقْدِ، مُخرَّجٌ في دواوين الدِّينِ:
стр. 291
أخرجه البخاري في الصلاة عن أبي اليمان (١).
وفي التوحيد عن عبد العزيز الأويسي عن إبراهيم بن سعد عن الزهري (٢)، وفي صفة الجنة عن محمود بن غيلان عن عبد الرزاق عن معمر (٣).
ومسلم عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أبي اليمان، وعن زهير عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه (٤).
ويروي الحديث عن رسول الله ﷺ من رواية أبي سعيد الخدري بطرقٍ صحيحة (٥)، وبعضه برواية جابر (٦) وابن مسعود (٧) والمغيرة بن شعبة (٨) كذلك.
وأبو هريرة ﵁ مذكورٌ في المجلس الأول ثُم في السادس عشر.
وعطاء بن يزيد: أبو يزيد الليثي الجندَعي، وقد تُضم الدال أيضًا.
سمع: أبا أيوب، وأبا سعيد، وأبا هريرة، وتميمًا الداري.
روى عنه: الزهري، وأبو صالح ذكوان، وابنه سهيل (٩).
وسعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي المخزومي المديني، أبو محمد من
стр. 292
كبار التابعين.
كان خَتْنَ أبي هريرة على ابنته، وأعلم الناس بحديثه.
سمع: عثمان، وعليًّا، وأباه، وحكيم بن حزام، وأبا سعيد، وسعد بن أبي وقاص، ومعاوية، وعائشة ﵃.
روى عنه: عمرو بن مرة، وقتادة، وطارق بن شهاب، وشريك بن أبي نمر.
ولد لسنتين خَلَتَا من خلافةِ عمر ﵁، ومات سنة ثلاث وتسعين أو أربع أو خمس (١).
والزُّهري (٢): هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب، أبو بكر القرشي المدني من أئمة التابعين.
سمع: أنسًا، ومحمود بن الربيع، وسهل بن سعد، وغير واحدٍ من الصحابة والتابعين.
روى عنه: عمرو بن دينار، وصالح بن كيسان، وعقيل، ومالك، ويونس.
وكان من أحفظ الناس في وقته ومات سنة أربع وعشرين ومائة بالشام.
ثم نذكر رجال أعلى الطريقين:
فشعيب: هو ابن أبي حمزة دينار الأموي مولاهم الحمصي.
سمع: أبا الزناد، ومحمد بن المنكدر، ونافعًا، والزهري.
يروي عنه: علي بن عياش، وابنه بشر.
стр. 293
مات سنة اثنتين وستين ومائة (١).
وأبو اليَمَانِ: هو الحكم بن نافع البهراني الحمصي.
سمع: شعيب بن أبي حمزة.
روى عنه: البخاري، وروى مسلم عن عبد الله الدَّارمي ومحمد بن إسحاق الصغاني وغيرهما، عنه.
ولد سنة ثمان وثلاثين ومائة، ومات سنة إحدى وعشرين ومائتين (٢).
وأبو زرعة الدمشقي: هو عبد الرحمن بن (عمرو) (٣) بن عبد الله بن صفوان. ثقةٌ حافظٌ مصنفٌ كبيرٌ من أهل الشام.
سمع: أبا مسهر، ويحيى بن صالح الوُحاظي، وأحمد بن خالد، وأبا اليمان، وعلي بن عياش الألهاني.
كتب عنه: أبو حاتم الرازي فمن بعده.
توفي سنة إحدى وثمانين ومائتين (٤).
وسليمان (٥): هو أبو القاسم بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الطَّبَرَانِيُّ.
إمامٌ حافظٌ مقدمٌ في الحديث، شاميُّ الأصل سكن أصفهان ونشر بها العلم ستين سنة على الاتفاق، وصنَّف كتبًا مشهورةً، ومات بها سنة ستين وثلاثمائة، ويقال: إنه وُلد سنة ستين ومائتين وقد استوفي مائة سنة.
стр. 294
سمع: أبا زرعة الدمشقي، وأبا يزيد القراطيسي، وبشر بن موسى، ومن لا يحصون.
وأبو نعيم هو أحمد بن عبد الله الحافظ سبق ذكره في المجلس الثامن.
وأبو علي: هو الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن مهرة الحداد المقرئ الأصفهاني.
شيخٌ ثقةٌ صدوقٌ، قرأ القرآن بروايات.
وسمع: أبا نعيم، وأبا بكر بن ريذة، وأبا أحمد محمد بن علي المكفوف، وأبا طاهر محمد بن أحمد بن عبد الرحيم الكاتب، وغيرهم.
وعُمّر حتى ارتحل طلبة الحديث إليه وسمعوا منه الكثير.
ولد سنة تسع عشرة وأربعمائة، وتوفي سنة خمس عشرة وخمسمائة، وقال الإمام أبو سعد السمعاني: سنة ست عشرة (١).
ومحمد بن عبد الباقي: هو أبو الفتح بن عبد الباقي بن أحمد بن سلمان المعروف بابن البَطِّي.
شيخٌ مكثرٌ صحيحُ السَّماعِ، تفرَّد في وقته بالرواية عن جماعةٍ من الشيوخ.
سمع: البَانِيَاسِيَّ، وحمدًا الحداد، وابن الْبَطِرِ، وأبا طاهر الباقلاني، وأجاز له الرئيس أبو عبد الله الثقفي، وأبو مطيع المصري وأقرانهما. وُلِدَ سنة سبع وسبعين وأربعمائة، وتوفي سنة أربع وستين وخمسمائة. والله أعلم (٢).
стр. 295
الفصل الثاني
قوله: "هَلْ تُضَارُّونَ" روي بتشديد الراء مع رفع التاء وفتحها:
أمَّا على الرفع فهو من المضارّة، وأصله تُضارِرُون أو تُضارَرُون في إبصار بعضكم بعضًا بالزَّحمة على الرؤية كما يكون عند رؤية الهلال. وقيل: لا يجادل بعضكم بعضًا ولا يخالف، يقال: ضَارَرْتُه مضارة: إذا خالفته وضايقته.
وأما على الفتح فهو من التَّضارّ والأصل تتضارون فحذفت إحدى التاءين.
ويروى بتخفيف الراء ورفع التاء من الضير.
ويروى بدل اللَّفظة: "لَا تُضَامُّونَ" برفع التاء ونصبها أيضًا والميم مشددة من الضَّمِّ أي: ينضمُّ بعضكم إلى بعضٍ للرؤية كما يُفعل عند رؤية الهلال، وقد تخفف الميم والتاء مرفوعة من الضَّيْم وهو الظلم والنقص أي: لا ينالكم في رؤيته ضيمٌ بأن يراه بعضكم دون بعضٍ بل تستوون في ذلك.
وقوله: "فَإنَّكُمْ تَرَوْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ" أي: بلا شبهة كما ترون الشمس والقمر بلا شبهةٍ، فالمقصود تشبيه الرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي.
وقوله: "مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتْبَعُهُ" مقصوده أنَّ كلَّ عابدٍ يحال على معبوده ليأيس من عَبَدَ غير الله من رحمته ويعلم أنَّ عبادة غيره تودي به إلى الهلاك مع الهالكين، ويروى في الحديث من بعض الروايات أنه لا يبقى من كان يعبد غير الله أحدٌ إلَّا تساقط (١) أي: في النار.
والطَّوَاغِيتُ جمع طَاغُوتٍ وهي الأصنام، ويقال: الطَّاغُوتُ: الشَّيطان والكاهن وكُلُّ رأسٍ في الضَّلال، ويقال: الطَّاغُوتُ: كلُّ ما عُبِدَ من دون الله.
стр. 296
وقوله: "وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا" يدلُّ على أنَّ المنافقين في القيامة يتبعون الأمة ويخلطون أنفسهم بهم إلى أن يُحرَموا، كما كانوا يُظهرون في الدنيا الاتباع والموافقة إلى أن فُضحوا.
وقوله: "فَيَأْتِيهِمُ الله" ولفظ الصورة والضحك في الحديثِ من المتشابهات التي يمتنع طائفةٌ من علماء الأصول وغيرهم من تأويلها بعد التنزيه والتحرز عن التشبيه، ويَكِلون علمها إلى الله تعالى (١).
ومنهم من يذهب إلى التأويل ويقول: قد تطلق الصورة بمعنى الصفة كما يقال: صورة الحال والمسألة كذا، والمعنى أنه يُظهر لهم شدَّةَ بَأْسِهِ وقُوَّةَ قهره ومؤاخذته، وقد عرفوه سَتَّارًا حليمًا فيقولون: ما عهدنا من ربِّنا إلا السّتر والرّحمة فنثبت في مكاننا رجاء أن يظهر لنا ما عرفناه وعهدناه، فيأتيهم بالعفو والمغفرة، فيقولون: هذا ما عرفنا به ربنا.
ومنهم من قال: يأتيهم الله في صورة أي بصورة؛ وذلك أنَّ عابدي الصور والأجسام أحيلوا على ما عبدوها، فتوجه كلُّ واحدٍ منهم وجهة كان هو موليها، وبقي الذين عبدوا الله منزهين له عن تماثل الصور والأجسام، فأراد الله تعالى أن يُظْهر صحَّةَ إيمانهم لملائكته أو لعبَدَةِ الطَّواغيتِ فأراهم صورة أبدأها وأبداها لهم وأجرى على لسان تلك الصورة أني ربكم فتنفَّروا وقالوا: كنَّا نعبدُ من يَجِلُّ عن الصُّور والأشكال فلا نبرح حتى نراه فإذا تجلى لهم ورأوه كما علموه قالوا: أنت ربنا.
стр. 297
ويروى في الحديث أنه يقال لهم: أوَتعرفونه إذا رأيتموه؟
فيقولون: نعم. فيقال: وبماذا تعرفونه؟
فيقولون: بيننا وبينه علامة إذا رأيناها عرفناه.
قيل: تلك العلامة تنزهه عن مشابهة المخلوقات (١).
وقوله: "فَيَتْبَعُونَهُ" أي: يتبعون أمره أو الطريق الذي يهديهم فيه إليه إلى الجنَّةِ.
وقوله: "فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ" الصراط والسراط والزراط: الطريق، قال الشاعر: [الوافر]
شَحَنَّا أَرْضَهُمْ بِالْخَيْلِ حَتَّى … تَرَكْنَاهُم أَذَلَّ مِنَ الصِّرَاطِ
وقيَّدَ بعضهم فقال: الصِّرَاطُ: الطَّرِيقُ الوَاضِحُ، وقرئ قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾ باللُّغات الثَّلاث، ويذكر أنَّ أصلها السراط بالسين وأن الكلمة من الاستراط كأنَّ الطريق تسترط المارة أي: تبتلعهم.
وقوله: "بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ" ويروى: "بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ" يقال: نزلت بين ظَهْري القوم وظَهْرانَيْهم أي: بينهم وبين أظهرهم، وقد يضع العرب الاثنين موضع الجمع ويقال: لقيته بين الظَّهْرانَيْنِ والظَّهْرَيْن أي: في اليومين والأيام مرة.
وقوله: "فَأَكُونُ أَنَا أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَجُوزُ" أي: أنا وأمتي، أو أنا بقومي أول من يقطع الصِّراط، وجاز وأجاز يقال: هما لغتان، وعن الأصمعي أنه يقال: جازَ الوادي أي: مشى فيه، وَأَجَازَهُ: قطعه.
قوله: "وَدَعْوىَ الرُّسُلِ" أي: دعاؤهم، وكذا هو في بعض الروايات،
стр. 298
والغرض أنَّ الرسل مع ما لهم من الفضل لما يلاقون من الأهوال يسألون السلامة ويخافون.
وقوله: "وَبهِ كَلَالِيبُ" أي: بالصِّراط، ويروي: "فِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ" والكَلَاليبُ جمع كَلُّوبُ: وهو الحديدة المُعَقَّفةُ الأطرافِ يعلَّقُ عليها اللَّحمُ، فإن كانت مستقيمة فهي سَفُّودٌ، ويقال للكلُّوب كلَّاب أيضًا، والكُلّابُ: الْمِهْمَازُ أيضًا.
والسَّعْدَانُ: نبتٌ له شوكٌ عظيمٌ يقال له: حَسَكُ السَّعْدَانِ، وقد يُشبَّهُ به حَلَمَةُ الثَّدي فيقال: سَعْدَانَةُ الثَّدْيِ، ويشبه أن يكون تشبيه الْحَلَمَةِ له من جهة استدارتها وانبجاس اللَّبن من ثُقْبِهَا كاستدارة الْحَسَكِ وانشعاب طاقات الشوك منه وأن يكون تشبيه الكَلُّوبِ به من جهة كثرة معاقفه ككثرة شعب الشَّوك ومن جهة تعلقه بمن يلاقيه كتعلق الشَّوك.
والسَّعْدَانُ مع عظم شوكهـ تحبُّه الإبل وتَسْمَنُ عليه وهو من أفضل ما تَرْعَى، ولذلك يقال في المثل: مَرْعَي ولا كالسَّعْدان.
وَالمُوبَقُ: المُهْلَكُ، يقال: وَبِقَ يَوْبَقُ وَوَبِقَ يَبِقُ، وأوبقه غيره، والموثق: المشدود.
وَالمُخَرْدَلُ قيل: هو المطروح المصروع، والأشهر أنه المقطع يقال: خَرْدَلْتُ اللَّحْمَ أي: قَطَعْتُهُ، وخَرْذَلْتُهُ بالذال كذلك، والمعنى أنَّ كلاليبَ الصِّراطِ تقطعه حتى تتساقط القطع في النار. ويروى "الْمُجَردَلُ" بدل "الْمُخَرْدَلُ" ويذكر أنَّ الْجَرْدَلَةَ: الإشرافُ على السُّقُوطِ.
و"امْتَحَشُوا" أي: اسْوَدُّوا واحْتَرَقُوا، يقال: مَحَشَتْهُ النَّارُ فامتحش، وعن الليث أنَّ الْمَحْشَ تَنَاوُلٌ من اللَّهَبِ يَحْرِقُ الْجِلْدَ وَيُبْدِي الْعَظْمَ، وروى بعضهم:
стр. 299
"وَامْتُحِشُوا" وجعل الِامْتِحَاشَ كالمَحْشِ.
و"مَاءُ الْحَيَاةِ" يُصَبُّ عليهم من الجنَّةِ سُمِّيَ ماء الحياة لأنَّهم يَحْيَوْنَ بِهِ.
و"الْحِبَّةُ" بُذُورُ البُقُولِ، ويقال: حبُّ الرياحين، وأما الحنطة ونحوها، فيقال لها: الْحَبُّ والْحَبَّةُ، وشبه نباتهم بنبات الْحِبَّةِ إشارة إلى سرعته فإنَّ الْحِبَّةَ يسرع نباتها لارتوائها من الماء وتهيؤها للنبات إذا صادفت التُّراب.
و"الْحَمِيلُ" ما احتمله السيل من غُثاءٍ وطينٍ وغيرهما، فعيل بمعنى مفعول.
وقوله: "قَشَبَنِي رِيحُهَا" الأشهر من معناه: سَمَّنِي، وكُلُّ مَسْمُومٍ قَشِيبٌ ومُقَشَّبٌ. والقِشْبُ: السُّمُّ، والقَشْبُ: خَلْطُ السُّمِّ بِالطَّعَامِ.
وقوله: "وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا" هكذا يروى في الأكثر بالفتح والمد وهو قضية صورة الخط؛ لأنَّهم أثبتوا بعد الألف واوًا، والذي يصحُّ في اللغة من شِدَّةِ حَرِّ النَّارِ وتوقدها القصر، يقال: ذَكَتِ النَّارُ تَذْكُو ذَكًا وذُكُوًّا، والذَّكاء بالمد: تمامُ السِّنِّ وبُلوغُ كُلِّ شيءٍ مُنتهاه، وأيضًا ذكاء القلب وحدّة الخاطر، فإن ثبت رواية القصر فذاك وحق الواو أن تُطرح وإلَّا فيمكن أن يراد به تمام الاشتعال ونهايته، وقد يُرد إلى ذلك ذكاء الخاطر أيضًا.
وقوله: "انْفَهَقَتْ لهُ" أي: انْفَتَحَتْ وَاتَّسَعَتْ، يقال: أَفْهَقْتُ الْإِنَاءَ فَفَهِقَ فَهَقًا، وهو الِامْتِلَاءُ، وبئرٌ مِفْهَاقٌ: كَثِيرُ الْمَاءِ، ومنه الثَّرْثَارُونَ المُتَفَيْهِقُون: وهم الذين يتوسعون في الكلام ويفتحون به الأفواه.
وفي بعض الروايات بدل "الْخَيْرِ وَالسُّرُورِ": "الْحَبْرَةِ وَالسُّرُورِ".
وقوله: "حَتَّى يَضْحَكَ الله مِنْهُ" أي: يظهر له الرضا والقبول، يقال للراضي المستبشر: ضَاحِكٌ، ويزاد في الاستعارة فيقال الانبساط والانجلاء والظهور:
стр. 300
ضَحِكٌ، يقال طَرِيقٌ ضَاحِكٌ أي: ظَاهِرٌ، وفي الحديث: "يُبْعَثُ السَّحَابُ فيضحك أحسن الضحك" (١) جعل انجلاءه عن البرق ضَحِكًا على الِاسْتعارةِ. وقال الشاعر:
كُلَّ يَومٍ بِأُقْحُوانٍ جَدِيدٍ … تَضْحَكُ الْأَرْضُ مِنْ بُكَاءِ السَّمَاءِ (٢)
الثالث
الحديثٌ أصلٌ في إثباتِ رؤية الله تعالى في الآخرة ومن هذه الجهة أورده البخاري في باب: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (٣) من كتاب التوحيد (٤)، وأصلٌ في إثبات الصِّرَاطِ ومن هذه الجهة أورده البخاري في باب عقيب صفة الجنة والنار (٥)، واللفظ "وَيُضْرَبُ جِسْرُ جَهَنَّمَ" وكذلك وردَ في رواية أبي سعيد الخدري وفي روايته زيادات يتَّضح بها معنى الحديث:
حَدَّثَ البخاري في "الصحيح" عن يحيى بن (بُكَيْرٍ) (٦) عن اللَّيْثِ بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هِلالٍ، عن زَيْدٍ وهو ابن أَسْلَمَ، عن عَطَاءِ بن
стр. 301
يَسَارٍ، عن أبي سعيد ﵁ قال: قُلْنَا: يا رسول الله هل نري ربنا؟
فقال: "هل تُضَارُّونَ في رُؤْيَةِ الشمس إذا (١) كانت صَحْوًا؟ ".
قُلْنَا: لَا.
قال: "فإنكم لا تُضَارُّونَ في رُؤْيَةِ ربكم يومئذٍ إلا كما تُضَارُّونَ في رؤْيَتِهِمَا" ثم قال: "يُنَادِي مُنَادٍ ليذهب كُلُّ قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم وأصحاب الأوثان مع أوثانهم وأصحاب كُلِّ آلِهَةٍ مع آلِهَتِهِمْ حتى يبقى من كان يعبد الله من بَرٍّ أو فَاجِرٍ وغُبَّرَاتٌ من أهل الكتاب ثم يُؤْتَى بجهنم تُعْرَضُ كأنها السراب، فيُقَالُ لليهود: ما كنتم تَعْبُدُونَ؟
قالوا: كُنَّا نعبد عُزَيْرَ ابن الله، فيقال: كذبتم ليس لله صاحبه ولا ولدٌ فما تُرِيدُونَ؟
قالوا: نُرِيدُ أن تَسْقِيَنَا، فَيُقَالُ: اشربوا. فيتساقطون في جهنم.
ثم يُقَالُ للنصارى: ما كُنْتُم تَعْبُدُونَ؟
فَيَقُولُونَ: كُنَّا نَعْبُدُ المسيح ابن الله، فَيُقَالُ: كذبتم لم يكن لله صاحِبَةٌ ولا وَلَدٌ فما تُرِيدُونُ؟
فَيَقُولُون: نُرِيدُ أن تَسْقِيَنَا، فَيُقَالُ: اشربوا.
فيتساقطون في جهنم حتى يبقى من كان يعبد الله من برٍّ أو فَاجِرٍ، فيُقَالُ لَهُمْ: ما يُجْلِسُكُمْ (٢) وقد ذهب الناس؟
فَيَقُولُونَ: إنَّا سمعنا مُنَادِيّا يُنَادِي لِيَلْحَقْ كُلُّ قوم بما كانوا يَعْبُدُونَ وَإِنَّا نَنْتَظِرُ
стр. 302
رَبَّنَا.
فَيُقَالُ: هل بينكم وبينه آية تَعْرِفُونَهَا؟
فَيَقُولُونَ: السَّاقُ.
فَيَكْشِفُ عن ساقه فيسجد له كُلُّ مؤمن ويبقى من كان يسجد لله رِيَاءً وسُمْعَةً يعود ظهره طَبَقًا وَاحِدًا، ثم يُؤْتَى بِالْجَسْرِ فَيُجْعَلُ بين ظَهْرَيْ جهنم.
قُلْنَا: يا رسول الله وما الْجَسْرُ؟
قال: مَدْحَضَةٌ مَزَلَّةٌ عليه خَطَاطِيفُ وكَلَالِيبُ وَحَسَكٌ مُفَلْطَحَةٌ لها شَوْكَةٌ عقيقةٌ تكون بِنَجْدٍ يُقَالُ لها السَّعْدَانُ يَمُرُّ المؤمن عليها كَالطَّرْفِ وكالبرق وكالريح وَكَأَجَاوِيدِ الخيل والركاب فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ ومَكْدُوسٌ في نار جهنم … " (١) وذكر باقي الحديث.
وَالغُبَّرَاتُ: البقايا، وكذلك الغُبَّر.
والسَّاقُ (٢): الشِّدَّةُ على ما هو مبينٌ في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ (٣).
والإضافة في قوله: "عَنْ سَاقِهِ" كإضافةِ العرش والبيت والنَّاقةِ إليه.
وقوله: "فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا" أي: فَقَارَةٌ وَاحِدَةٌ حتى لا يقدر على الاِنْحِنَاءِ والسُّجودِ.
стр. 303
و"مَدْحَضَةٌ" من الدَّحضِ وهو الزَّلق.
و"مَزَلَّةٌ" بمعناه بفتح الزاي وكسرها من الزَّلل.
و"الْخَطَاطِيفُ" جمع خطاف وهو الكُلَّاب أو نوع منه.
و"الْحَسَكُ" الشَّوك الصلب الحديد.
و "المُفَلْطَحَةُ" الموسعة وقد يوجد في الرواية: "الْمُفَلْحَطَةُ" بتقديم الحاء ولا يعرفه أهل اللغة.
و "أَجَاوِيدُ الْخَيْلِ" جمع الأجواد، والأجواد جمع الجواد، قال أبو سليمان الخطابي: إلا أنه يقال في جماعة الخيلِ الجيادُ وفي جماعةِ النَّاسِ الأجوادُ.
و "الْمَكْدُوشُ" المطروح، ويقال: الْكَدْشُ: السَّوْقُ.
وفي الحديث بيان فضل السجود إذ قال: "تَأْكُلُ النَّارُ ابْنَ آدَمَ إِلَّا أَثَر السُّجُودِ" فتعرفهم الملائكة بِسِيماهم في وجوههم من أثر السجود، ومن هذه الجهة أوردهُ البخاري في كتاب الصلاة (١).
وفيه بيانُ شدَّة أحوالِ القيامةِ وأهوالها، وغير الرسل لا يتكلمون من الخوف والحيرة والرسل يسألون السلامة، وبيان فضل الله ولطفه بذلك العبد في إجابته إلى ما سأل ثم في تطميعه فيما فوقه ثم في تذكيره ما يتمنَّاه، ثم في تضعيف غاية أمنيته.
وكان أبو سعيد الخدري حاضرًا حتي روي أبو هريرة ﵄ الحديث فقال: شهد أني حفظت من رسول الله ﷺ قوله: "ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ".
وفيه بيانُ سعةِ الجنةِ حيث يُعطى آخرُ أهلِ الجنَّةِ دُخولًا الجنَّةِ جميعَ ذلكَ.
стр. 304
الفصل الرابع
قال العلماء: الصِّراطُ صِراطانِ: حِسِّيٌّ وَعِلْمِيٌّ، وإن شئت قلت: صُوري ومعنوي.
فالأول: الجسر الممدود على مَتْنِ جهنَّم الموصوف في الخبر بأنه أَحَدُّ من السيف وأدقُّ من الشعر يلجأ النَّاسُ في القيامة إلى المرور عليه، ويوقفون للحساب لديه، والمارُّون مختلفون بحسب أعمالهم وأحوالهم، فمن مَارٍّ كالبرق الخاطف، وآخر كالجواد المضمر، ومن ساعٍ وزاحفٍ، ومن هاوٍ في النَّار لا انتعاش له بعد العثار، وهذا الصراط هو المراد في الحديث.
والثاني: جسرٌ ممدودٌ على متن الكفر وأنواع البدع والأهواء، وهو الدين القيم دين الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١).
وَيُرْوَى أَنَّهُ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الله تعالى بَعَثَنِي عَلَى طَرِيقٍ كَحَدِّ السَّيْفِ إِنْ زُغْتُ (عنه) (٢) هَلَكْتُ" (٣).
وهذا الثاني هو المراد بقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ في أشهر الأقوال، وبه قال جابر بن عبد الله، وشهر بن حوشب، والضحاك، والسُّدِّي، وغيرهم.
وَوَرَدَ به الحديث: أجاز لنا علي بن المختار بن عبد الواحد الغَزْنَوِيُّ لفظا في غَالِبِ الظَّنِّ، عن عبد القاهر بن شَاهفور، عن محمد بن سعيد، عن أحمد بن محمد
стр. 305
قال: أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد، حدثني أبي، ثنا محمد بن إسحاق السَّرَّاجُ، ثنا أبو كُرَيْبٍ، عن بَقِيَّةَ بن الوليد، عن (بَحِيرِ بن سعد) (١) عن خالد بن معدان، عن النَّوَّاسِ بن سَمْعَانَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ضرب الله مثلا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وعلى كَنَفَيِ الصراط سُورٌ فيه أبواب مُفَتَّحَةٌ وعلى تلك الأبواب سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وعلى رأس الصراط دَاعٍ يدعو ويقول: ادْخُلُوا الصراط ولا تعْوَجُّوا، فالصراط المُسْتَقِيمُ هو الإسلام، وَالسُّورُ حدود الله تعالى، والأبواب المُفَتَحَةُ مَحَارِمُ الله، والدَّاعِي القرآن" (٢).
وَأَحْسَنَ وَصْفَ الصِّراطين شيخنا أبو محمد النجار ﵀ في مناجاةٍ له فقال: سبحان من جعل بين القلب والقالب ارتباطًا، وجعل لكلِّ واحدٍ منهما صراطًا، فصراط القلب خطٌّ مُستوٍ مُمتدٌّ بين الشِّرك والإيمان، وصراط القالب جِسْرٌ مَمدودٌ على متن النِّيرانِ، وكلاهما أدقُّ من الشعر، وأحدُّ من حدِّ السَّيفِ الذكر، والمرور عليهما من أعظم الخطر، فمن اعتاد المرور في دنياه على صراط الإسلام هان عليه المرور في أخراه على صراط الأقدام، ومن نكب عنه في هذه الدار كُبَّ هناك في الدَّار، إلهي (أَجْرِنَا على) (٣) هذين الصراطين ولا تُزِلَّ أقدامنا في البَين يا دليل المتحيرين ومالك يوم الدين.
ومن خشي طول الوقوف غدًا على الصِّراط سلك اليوم طريق الاحتياط، حتى يسامح بحقه طلبًا لِخِفَّةِ الحساب عن نفسه وغيره، ورغبًا في حُسْنِ الْمُنقلبِ
стр. 306
والمآب، وطمعًا في خيره، وينشد: [طويل]
لَئِنْ رِفْقَةٌ مِنْ نَحْوِ نَجْدٍ أتَتْكُمُ … وَفِيهَا لِسُؤْلِي صُحْبَةٌ وَكِتَابُ
فَقُولُوا أَسِيرُ الشَّوْقِ فيكُمْ مُسَلَّمٌ … وَهَلْ لِسَلَامِ الْعَاشِقِينَ جَوَابُ
أَبَحْتُ لَهُمْ قَتْلِي مَخَافَةَ أَنْ أُرَى … وَلِي مَعَهُمْ عِنْدَ الصِّرَاطِ حِسَابُ
وأنشدكم هذه الأبيات وقد انتظمت عقيب وصف الصراطين على تشعبٍ وتشعثٍ في البال والله المحمود على الأحوال:
خَلَقْتَ فِي أَحْسَنِ التَّقْوِيمِ رَبِّ … وَبِالْإِحْسَانِ وَالْفَضْلِ قَدْ رَبَّتَ تَرْبِيتَا
حَتَّى تبَلَّغَ أَقْصَى العُمْرِ مُرْتَزَقًا … مَنْ لَمْ يَجِدْ دَهْرَهُ فِي بَيْتِهِ بِيتَا
كَمَا هَدَيْتَ إِلَى النَّجْدَينِ فَاقْضِ لَنَا … عَلَى الصِّرَاطَيْنِ تَقْوِيمًا وَتَثْبِيتَا
هذا آخر المجلس التاسع عشر بحمد الله وحسن توفيقه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
стр. 307
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المجلس العشرون من أماليه ﵀ أملاه يوم الثلاثاء الرابع من الشهر الحرام المحرم سنة اثنتي عشرة وستمائة
حدثنا المَوْلى المُمْلِي ﵀ إِمْلَاءً من لفظه الشريف قال: روى لنا الإمام والدي ﵀ قال: أنبا هبة الرحمن بن عبد الواحد، أنبا جدي الأستاذ أبو القاسم، أنبا محمد بن الحسن، ثنا عبد الله بن جعفر، ثنا يونس، ثنا أبو داود، ثنا شعبة، عن الأَعْمَشِ، عن سالم، عن ثَوْبَانَ ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا وَاعْلَمُوا أن خير دينكم الصلاة ولا يُحَافِظُ على الوضوء إلا مؤمن". وَيُرْوَى: "أن خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصلاة" (١).
في الشرح فصول: الفصل الأول
هذا حديثُ ثابتُ مرويٌّ عن النبي ﷺ برواية جماعةٍ من الصحابة منهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عَمرو (٢)، وأبو أمامة (٣).
ومشهورٌ من رواية ثوبان ﵁ روي عنه (٤) سوي سالم: أبو كبشة (٥)، ورواه
стр. 308
عن سالم سوى الأعمش: منصور، وعن الأعمش سوي شعبة: أبو معاوية ووكيع بن الجراح.
أخرجه أبو داود الطيالسي كما رويناه (١)، وابن ماجه من رواية منصور عن سالم (٢).
وثوبان ﵁ (٣): هو ابن بُجدد ويقال: ابن جحدر، من أصحاب رسول الله ﷺ ومواليه وأصله من اليمن من حمير، ويقال: كان من السراة موضع بين مكة واليمن.
روى عنه: شداد بن أوس، وأبو أسماء الرَّحَبِىُّ، وجُبير بن نُفير، ومَعدان بن أبي طلحة أو طلحة.
سكن حمص ومات سنة أربع وخمسين بها.
وَيُرْوَى عن ثَوْبَانَ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من يَتَكَفَّلُ لي بِوَاحِدَةٍ أَتَقَبَّلُ أو أَتَكَفَّلُ له بِالجَنَّةِ"؟
قال ثَوْبَانُ: فقلت: أنا يا رسول الله. فقال: "لا تَسْأَلِ أَحَدًا شَيْئًا".
فَيُقَالُ: كان ثَوْبَانُ ربما وقع سَوْطُهُ فينزل حتى يتناوله (٤).
стр. 309
وسالم: هو ابن أبي الجعد رافع الغطفاني الأشجعي مولاهم الكوفي.
وله إخوة: عبيد وزياد وعبد الله بنو أبي الجعد، ولجميعهم رواية.
سمع سالم: جابر بن عبد الله، والنعمان بن بشير، وأنس بن مالك، وابن عمر.
روى عنه: قتادة، وعمرو بن مُرَّة، ومنصور، وغيرهم.
مات سنة سبع أو ثمان وتسعين (١).
والأعمش: هو سليمان بن مِهران الكاهلي أبو محمد الأسدي مولاهم الكوفي، يقال: أصله من طبرستان وولد بدنباوند (٢) وحمل إلى الكوفة فاشتراه رجل من بني كاهل من بني أسد فأعتقه.
إمامٌ في القرآن والحديث.
رأى أنس بن مالك بمكة وعبد الله بن أبي أَوْفَى بالكوفة، وسمع: أبا صالح، وأبا وائل، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، والجمّ الغفير.
روى عنه: شعبة، والثَّوري، وابن عيينة، وأبو معاوية، وحفص بن غِياث، والخلق العظيم.
ولد سنة إحدى وستين، ومات سنة ثمان وأربعين ومائة.
وعن عبد الله بن داود قال: مات الأعمش يوم مات ولم يُخلق في الناس أعبد منه.
وعن وكيع بن الجرَّاح قال: إنَّ الأعمش لم يفته التكبيرة الأولى قريبًا من
стр. 310
سبعين سنة.
وعن يحيى بن سعيد القطان قال: الأعمش عَلَّامَةُ الإسلام (١).
وشعبة مذكور في المجلس الثاني عشر.
ويحكى من زهده ونصحه عن أبي نوح قُرَّادٍ قال: رأي شعبة عليَّ قميصًا فقال: بكم اشتريت هذا؟
قلت: بثمانية دراهم.
فقال: أما تتق الله، هلَّا ابتعت قميصًا بأربعة وتصدقت بأربعة وكان خيرًا لك مما صنعت (٢).
وأبو داود ويونس وعبد الله مذكورون في المجلس الثامن.
ومحمد بن الحسن: هو الأستاذ أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني الأديب، الواعظ المتكلم.
أقام بالعراق مدَّةً وسمع الحديث من عبد الله بن جعفر الأصفهاني، وسمع ببغداد والبصرة، وورد نيسابور وبُني له بها الدار والمدرسة ونشر بها العلوم سيما علم الأصول.
وله المصنفات الكثيرة منها: المدخل إلى علم الكلام، والمختصر، وأوائل الأدلة، والنقض على إسماعيل بن عباد، والنقض على عبد الجبار بن أحمد فيها اعتراض به على اللمع، وشرح اللمع ومقالات الشيخ أبي الحسن، والمدخل إلى أصول الفقه، وتفسير القرآن، ومناهج السالكين وطرق القاصدين للتوجه إلى رب
стр. 311
العالمين.
وبلغني أنه حضر مجلس الأستاذ أبي علي الدقَّاق يومًا فذكر الأستاذ الحاضرين ودعا لهم ولم يذكره فقيل له: نسيت فلانًا؟
فقال: ما نسيته ولكن أيُّ حاجةٍ به إلى دعائي وقد أقسمت بإيمانه على الله تعالى أن يشفي علتي وكان بي وجعٌ شديدٌ البارحة فشفاني.
توفي سنة ستٍّ وأربعين وأربعمائة، ويقال: إنه سمَّ (١).
والأستاذ أبو القاسم: هو عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة بن محمد القشيري.
وصفه أبو الحسن الفارسي فقال: إمامٌ مفسرٌ فقيهٌ متكلمٌ أصوليٌّ أديبٌ شاعرٌ صوفيٌّ، كان لسان عصره وسيد وقته وسرَّ الله في خلقه ومقدم الطائفة، جمع بين علمي الشريعة والحقيقة.
وكان من ناحية أُسْتُوا (٢) من العرب الذين سكنوا خراسان، وقدم نيسابور بعد أن تعلَّم الأدب والخطَّ والحساب ليصون ضَيعَتَه بناحيته عن الخراج والمؤن فحضر مجلس الأستاذ أبي علي الدقاق مُغَافَصَةً (٣) فتعلَّق قلبه بكلامه وسلك طريق الإرادة؛ فأشار عليه الأستاذ بتعلم العلم فدرس الفقه على أبي بكر محمد بن بكر الطوسي والأصول على الأستاذ أبي بكر بن فورك ثم على الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني.
стр. 312
وكان يحضر مجالس الأستاذ أبي عليٍّ ويتردَّدُ إليه وارتقت حاله إلى أن زوَّجه الأستاذ أبو علي ابنته فاطمة فرُزق منها أولادًا نجباء أئمة.
صنَّف الكثير في علم الصُّوفية وغيرها وأملى الحديث مذنبًا مجالس أماليه بأشعاره، وسمع الحديث بنيسابور وبغداد والكوفة ومكة.
روى عنه: أبو بكر الخطيب، والكبار.
ولد سنة ستٍّ وسبعين وثلاثمائة في ربيعها الأول، وتوفي سنة خمسٍ وستين وأربعمائة في ربيعها الآخر، ودُفِنَ عند شيخه الأستاذ أبي علي في خانقاه (١).
وسبطه: هبة الرحمن (٢) بن عبد الواحد بن عبد الكريم أبو الأسعد، وكان يعرف بأسعد القشيري.
من شيوخ الشَّريعة والحقيقة، وكان يتولى الخطابة بنيسابور، وأملى الحديث الكثير.
ولد سنة ستين وأربعمائة، وتوفي سنة ستٍّ وأربعين وخمسمائة (٣).
وقد أنبأنا والدي عنه رحمها الله عن جده الأستاذ أنه أنشد لنفسه: [مخلع البسيط]
الْقَلْبُ وَالْعَهْدُ وَالْوِدَادُ … كَالصَّخْرِ وَالصَّدِّ وَالْبُعَادِ
والْوَجْهُ والثَّغْرُ والتَّلَاقِي … كَالْبَدْرِ وَالدُّرِّ وَالرُّقَادِ
يَا أُنْسَ قَلْبِي مَلَكْتَ رِقِّي … قُدْنِي عَلَى مُقْتَضَى المُرَادِ
стр. 313
ووالدي ﵀ مذكورٌ في مجالس.
وقد أنبأنا سماعا أو إِجَازَةً قال: أنبا سعيد بن محمد قال: أنبا أحمد بن عبد القادر، أنبا أبو محمد الْخَلَّالُ، أنبا عُمَرُ بن أحمد بن عثمان، ثنا إبراهيم بن عبد الصمد، ثنا الحسين بن الحسن المَرْوَزِيُّ، ثنا ابن المُبَارَكِ (ثنا حَيْوَةُ بن شُرَيْحٍ) (١) ثنا الوليد بن أبي الوليد، عن عبد الله بن ديِنَارٍ، عن ابن عُمَرَ ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ الأَبُ" (٢).
وَيُرْوَى الحديث من رواية أنس ﵁ واللفظ: "إن أَبَرَّ الْبِرَّ أَنْ تَصِلَ صَدِيقَ أَبِيكَ وابْن صَدِيقِ أَبِيكَ" (٣).
فأردت بموجب هذا الخبرِ أن أبرَّ والدي ﵀ بِصِلَةِ من كان الفرد الباقي من أصدقائه وأهل ودّه وشركائه الذي لقي في هذه الأيام ربَّهُ وَقَضَى نَحْبَهُ:
وهو الشيخ الإمام: أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن المعالي بن منصور بن الحسين بن أحمد الواريني القزويني (٤).
стр. 314
بإثباتِ كلماتٍ تشرحُ بعض أحواله فأقول:
كان له ﵀ حظٌّ موفورٌ من العربية والتفسير والفقه والفرائض والشّروط والشِّعر والترسُّل وغيرها، وعبارة وكتابة جيدتان، وطبع مستقيم، وقريحة صائبة، وهِمَّةٌ وعِزَّةُ نفسٍ يحفظ بهما علمه وجاهه، ووقعٌ فيما بين الناس، ورأيٌ يستمدُّ منه في المشاورات، وكان يجيد كتابة الوثائق، ويؤدي فيها المعاني الكثيرة في ألفاظٍ مختصرةٍ وقريبةٍ من الأفهام، وعلم الشروط كان (فنه وفن) (١) أبيه، وكان محمودَ الأثرِ فيما يكتبه، وعلى قلمه في شبابه و كهولته اعتماد معارف البلد والقضاة.
ولما انقرض أقرانه في سماع الحديث وغيره وبقي بعدهم سنين صالحة؛ سمع منه البلديون والغرباء وترددوا إليه، وراجعه الخواص والعوام في الفتاوى وغيرها إلا أنه ضَعُفَ في آخر العهد أعوامًا وفترت حواسه فصار لا يخرج من بيته ولا يُنتفع به، وكان قد رُزِقَ كفافًا فقنع به ولم يطمع في غيره، ولم يشرع قطُّ فيما لا يليق بأهل العلم.
فسمع: الإمام أبا بكر ملكداد بن علي وهو آخر من روى عنه، وأبا خليفة الفضل بن إسماعيل بن عبد الجبار بن مالك وأقرانها بقزوين، وأبا مسعود المعروف بكوتاه بأصبهان، وكانت له إجازة الْفُرَاوِيِّ، وأبي نصر الأَرْغَيَانِيِّ، وهبة الله السَّيِّدِيِّ وغيرهم من مشايخ خراسان، وهذه إجازات يعزُّ وجودها اليوم.
وُلِدَ في المحرم سنة عشرين وخمسمائة، ومات آخر يوم من سنة إحدى عشرة وستمائة.
وكان فيما بُلِّغْتُ رطب اللسان بذكر الله تعالى إلى أن بَرَدَ، وقلت فيه: [طويل]
стр. 315
تَفَجَّعْ بِمَنْ فِي الْعِلْمِ أَنْفَقَ عُمْرَهُ … فَغَادَرَهُ رَيَبُ الْمَنُونِ مُجَدَّلَا
وَكَانَ كَرِيمَ الْخُلقِ سَهْلًا مُوَقَّرًا … وَفِي الْعِلْمِ مِقْدَامًا أَغَرَّ مُحَجَّلَا
وَصَارَ صَرِيعًا إثْرَ طُولِ انْتِعَاشِهِ … وَعَادَ لَقًى مِنْ بَعْدِ مَا كَانَ حُوَّلَا
وَمِنْ فَضْلِ أَهْلِ الْفَضْلِ يَا رَبِّ إِنَّهُمْ … رَأَوْا فَضْلَكَ الْمَأْمُولَ كَهْفًا ومَوْئِلَا
فَمُنَّ عَلَى الشَّيْخِ الضَّعِيفِ بِرَحْمَةٍ … وأوْسِعْهُ إِحْسَانًا وَزِدْهُ تَطَوُّلَا
الفصل الثاني
الاِسْتِقَامَةُ: الإِعْتِدَالُ، يُقَالُ: اسْتَقَامَ الْأَمْرُ وَقَوَّمْتُهُ فَهُوَ مُسْتَقِيمٌ وَقَوِيمٌ، وأصل مستقيم مستقوم، واستقمت السلعة أيضًا وقومتها بمعنى، وأقام بمكان كذا وأقامه من موضعه، وَأَقَامَ الشيء: أَدَامَهُ، وَقَامَ: وقف وثبت، والْمَقَامُ والْمُقَامُ اسمان لموضع القيام ثم توسعوا فاستعملوهما استعمال المكان والمجلس، قال تعالى: ﴿خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ (١) ثم زادوا في التوسع فسموا الجالسين في المقامة مَقَامة، قال الشاعر:
وَفِيهِمْ مقَامَاتٍ حِسَانٌ وُجُوهُهُمْ
ثم زادوا في التوسع فسموا ما يقام به في الْمُقَامَةِ من خطبةٍ وموعظةٍ ونحوهما مَقَامة كما سَمَّوهُ مجلسًا، وعلى هذا يقال: مَقَامَاتُ فلان ومجالس فلان.
والمُقَامُ: الْإِقَامَةُ، والْمُقَامُ: المَوْضِعُ أيضًا، وربما حُمل على قوله تعالى: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ (٢).
стр. 316
وَالْقَوَامُ: الْعَدْلُ، وَقَوَامُ الرَّجُلِ: قَامَتُهُ، وَقِوَامُ الْأَمْرِ: عِمَادُهُ، وفلان قِوامُ بيته وقِيامُهم أي: الذي يقيم شأنهم.
وَأَحْصَيْتُ الشَّيْءَ: عَدَدْتُهُ، ونحن أكثر منهم حصًى أي عدَدًا، وَالْحَصَاةُ وَاحِدَةُ الْحَصَى، وِأَحْصَى الشَّيْءَ: أَطَاقَهُ.
وَالصَّلَاةُ: الدُّعَاءُ، قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (١) والصلاة من الله: الرَّحْمَةُ، والصلاة واحدة الصلوات المفروضة، وتوضع موضع المصدر وإن كانت اسمًا فيقال: صَلَّى صَلَاةً، ولا يقال: تَصْلِيَةً، والأشهر أنَّها سُمِّيَتْ صَلَاةً من الدُّعَاءِ، ويقال: هي من الصَّلَوَيْنِ وهما عظمان يَنْحَنِيَانِ في الرُّكوعِ، ويسمى التالي من الخيل السَّابِقِ مُصَلِّيًا؛ لأنَّ رأسه يكون عند صَلَوَي (٢) السَّابِقِ.
ويقال: سُمِّيَتْ صَلَاةً؛ لأنَّ المأموم فيها يتبع الإمام كما يتبع المُصَلِّي من الخيل السابق.
ويقال: سُمِّيَتْ صَلَاةً لما فيها من الرحمة.
وقولنا: "الصَّلَوَاتُ لله" أي: يتقرب بها إلى الله.
وقيل: معناه أنَّ الرحمةَ لله تعالى ومنه وهو المتفضل بها.
الفصل الثالث
قوله: "اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا" قيل: معناهُ ولن تطيقوا القيام بشرطِ الاستقامة ورعاية حدودها؛ وذلك لدقَّةِ أمرها وعسر المحافظة عليها.
стр. 317
أُخْبِرْنَا كِتَابَةً عَنْ أَبِي الْأَسْعَدِ الْقُشَيْرِيِّ وَغَيْرِهِ، عَنْ أَبِي الْفَضْلِ الطَّبَسِيِّ قال: أَنَبَا أَحْمَدُ بن محمد التَّمِيمِيُّ، أَنَبَا أَبُو عَبْدِ الله بن مَنْدَه، ثَنَا عبد بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فَارِسٍ الْبَلْخِيُّ، ثَنَا حَاتِمٌ الْأَصَمُّ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَلْخِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَوْ صَلَّيْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالحَنَايَا، وَصُمْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالْأَوْتَارِ، ثُمَّ كَانَ الاثْنَانِ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ الْوَاحِدِ لَمْ تَبْلُغُوا حَدَّ الاسْتِقَامَةِ" (١).
الْحَنِيَّةُ: الْقَوْسُ.
وقيل: "وَلَنْ تُحْصُوا" أي: لن تعدُّوا ولن تحيطوا علمًا بما تجدون من ثواب الاستقامة؛ وذلك لعظم خطرها ووفور فضلها:
عَنْ ثَوْبَانَ أَنَّ رَسُول الله ﷺ قال: "اسْتَقِيمُوا تُفْلِحُوا" (٢).
وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ أَنَّهُ أَرَادَ سَفَرًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله أَوْصِنِي.
стр. 318
فقال: "اسْتَقِمْ وَلْيَحْسُنْ خُلُقُكَ" (١).
وقوله: "وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ دِينِكُمُ الصَّلَاةَ" يبيِّنُ شرفَ هذه العبادة وكونها أفضل الطاعات.
وقوله: "وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ" يتوجه للمحافظة معانٍ:
أحدها: مراقبة أوقاته حتى لا يقع فيه إهمال كما قيل في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ (٢).
والثاني: إدامته بالاستئناف مهما عرض ناقض.
والثالث: إسباغهُ والاعتناءُ بآدابه.
وقد يُشعِرُ ذكرَ الصَّلاة والوضوء عقيب الأمر بالاستقامة بأنَّ الاستقامةَ بالمحافظة عليهما تتمُّ.
وقد قيل: إنَّ لفظ الصَّلاة مأخوذٌ من الاستقامة، يقال: صلَّيت العود إذا قومته بالتليين والتثقيف.
وَالاِسْتِقَامَةُ مِنْ أَرْفَعِ الدَّرَجَاتِ وَالمَرَاتِبِ:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (٣).
وقال: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ (٤).
стр. 319
والسين فيها سين الموافاة والمطاوعة، كما يقال: أرخيته فاسترخى.
وعن الأستاذ أبي بكر بن فورك أنَّ سينها سين الطلب والمعنى أنَّهم طلبوا من الله أن يقيمهم على التوحيد وحفظ الحدود.
وَالْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ فِي فَضَائِلِ الاسْتِقَامَةِ لَا تُحْصَى:
أَنَبَا السَّيِّدُ أَبُو الْكَرَمِ الْهَاشِمِيُّ، أَنَبَا إسماعيل بن أحمد بن عبد المَلِكِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَبَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، أَنَبَا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، ثنا إبراهيم بن عَلِيٍّ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، عن عبد الرَّحْمَنِ بن أبي الزِّنَادِ، عن أبيه، عن عُرْوَةَ قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عبد الله الثَّقَفِيُّ لِلنَّبِيِّ ﷺ : قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أسأل فيه أحدًا بعدك.
قال: "قُلْ آمَنْتُ بالله ثُمَّ اسْتَقِمْ" (١).
وعن أبي عبد الرحمن السَّلَمِيِّ قال: سَمِعْتُ أَبَا عَلِيِّ الشَّبُّوِيَّ يقول: رأيتُ رَسُولَ الله ﷺ في المنام فقلت له: رُوِيَ عنك أنك قلت: شيبتني هود فما الذي شيبك منها قصص الأنبياء وهلاك الأمم؟
قال: لا ولكن قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (هود ١١٢) (٢).
وعن الضَّحَّاك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ
стр. 320
صَالِحًا﴾ (١) قال: استقام.
ويروى أنَّه قيل لابن المبارك: بِمَ ارتفع ابن عون؟ قال: بالاستقامة.
وعن يوسف بن الحسين الرازي أنه قال: بقدر الاستقامة على الحقِّ تُنال الهيبة عند الخلق.
وقال شيخ الإسلام عبد الله الأنصاري: الاستقامة روح تحيى بها الأحوال، ولها درجات:
الأولى: الاستقامة على الاجتهاد في الاقتصاد لا عاديًا رسم العلم، ولا متجوزًا حدَّ الإخلاص، ولا مخالفًا نهج السنة.
والثانية: استقامة الأحوال، وهي شهود الحقيقة ورفض الدعوى والبقاء مع نور اليقظة.
والثالثة: الاستقامة بترك رؤية الاستقامة، وبالغيبة عن تطلب الاستقامة بشهود إقامة الحق وتقويمه (٢).
ثُمَّ الرُّكنُ الأعظمُ في الاستقامةِ استقامةُ القلبِ واللسان؛ ففي الخبر أَنَّهُ "لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ" (٣).
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا: "إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ قَالَتْ أَعْضَاؤُهُ لِلِّسَانِ: اتَّقِ الله فِينَا فَإِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا" (٤).