وَالْقَوَامُ: الْعَدْلُ، وَقَوَامُ الرَّجُلِ: قَامَتُهُ، وَقِوَامُ الْأَمْرِ: عِمَادُهُ، وفلان قِوامُ بيته وقِيامُهم أي: الذي يقيم شأنهم.
وَأَحْصَيْتُ الشَّيْءَ: عَدَدْتُهُ، ونحن أكثر منهم حصًى أي عدَدًا، وَالْحَصَاةُ وَاحِدَةُ الْحَصَى، وِأَحْصَى الشَّيْءَ: أَطَاقَهُ.
وَالصَّلَاةُ: الدُّعَاءُ، قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (١) والصلاة من الله: الرَّحْمَةُ، والصلاة واحدة الصلوات المفروضة، وتوضع موضع المصدر وإن كانت اسمًا فيقال: صَلَّى صَلَاةً، ولا يقال: تَصْلِيَةً، والأشهر أنَّها سُمِّيَتْ صَلَاةً من الدُّعَاءِ، ويقال: هي من الصَّلَوَيْنِ وهما عظمان يَنْحَنِيَانِ في الرُّكوعِ، ويسمى التالي من الخيل السَّابِقِ مُصَلِّيًا؛ لأنَّ رأسه يكون عند صَلَوَي (٢) السَّابِقِ.
ويقال: سُمِّيَتْ صَلَاةً؛ لأنَّ المأموم فيها يتبع الإمام كما يتبع المُصَلِّي من الخيل السابق.
ويقال: سُمِّيَتْ صَلَاةً لما فيها من الرحمة.
وقولنا: "الصَّلَوَاتُ لله" أي: يتقرب بها إلى الله.
وقيل: معناه أنَّ الرحمةَ لله تعالى ومنه وهو المتفضل بها.
الفصل الثالث
قوله: "اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا" قيل: معناهُ ولن تطيقوا القيام بشرطِ الاستقامة ورعاية حدودها؛ وذلك لدقَّةِ أمرها وعسر المحافظة عليها.
стр. 317
أُخْبِرْنَا كِتَابَةً عَنْ أَبِي الْأَسْعَدِ الْقُشَيْرِيِّ وَغَيْرِهِ، عَنْ أَبِي الْفَضْلِ الطَّبَسِيِّ قال: أَنَبَا أَحْمَدُ بن محمد التَّمِيمِيُّ، أَنَبَا أَبُو عَبْدِ الله بن مَنْدَه، ثَنَا عبد بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فَارِسٍ الْبَلْخِيُّ، ثَنَا حَاتِمٌ الْأَصَمُّ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَلْخِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَوْ صَلَّيْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالحَنَايَا، وَصُمْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالْأَوْتَارِ، ثُمَّ كَانَ الاثْنَانِ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ الْوَاحِدِ لَمْ تَبْلُغُوا حَدَّ الاسْتِقَامَةِ" (١).
الْحَنِيَّةُ: الْقَوْسُ.
وقيل: "وَلَنْ تُحْصُوا" أي: لن تعدُّوا ولن تحيطوا علمًا بما تجدون من ثواب الاستقامة؛ وذلك لعظم خطرها ووفور فضلها:
عَنْ ثَوْبَانَ أَنَّ رَسُول الله ﷺ قال: "اسْتَقِيمُوا تُفْلِحُوا" (٢).
وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ أَنَّهُ أَرَادَ سَفَرًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله أَوْصِنِي.
стр. 318
فقال: "اسْتَقِمْ وَلْيَحْسُنْ خُلُقُكَ" (١).
وقوله: "وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ دِينِكُمُ الصَّلَاةَ" يبيِّنُ شرفَ هذه العبادة وكونها أفضل الطاعات.
وقوله: "وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ" يتوجه للمحافظة معانٍ:
أحدها: مراقبة أوقاته حتى لا يقع فيه إهمال كما قيل في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ (٢).
والثاني: إدامته بالاستئناف مهما عرض ناقض.
والثالث: إسباغهُ والاعتناءُ بآدابه.
وقد يُشعِرُ ذكرَ الصَّلاة والوضوء عقيب الأمر بالاستقامة بأنَّ الاستقامةَ بالمحافظة عليهما تتمُّ.
وقد قيل: إنَّ لفظ الصَّلاة مأخوذٌ من الاستقامة، يقال: صلَّيت العود إذا قومته بالتليين والتثقيف.
وَالاِسْتِقَامَةُ مِنْ أَرْفَعِ الدَّرَجَاتِ وَالمَرَاتِبِ:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (٣).
وقال: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ (٤).
стр. 319
والسين فيها سين الموافاة والمطاوعة، كما يقال: أرخيته فاسترخى.
وعن الأستاذ أبي بكر بن فورك أنَّ سينها سين الطلب والمعنى أنَّهم طلبوا من الله أن يقيمهم على التوحيد وحفظ الحدود.
وَالْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ فِي فَضَائِلِ الاسْتِقَامَةِ لَا تُحْصَى:
أَنَبَا السَّيِّدُ أَبُو الْكَرَمِ الْهَاشِمِيُّ، أَنَبَا إسماعيل بن أحمد بن عبد المَلِكِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَبَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، أَنَبَا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، ثنا إبراهيم بن عَلِيٍّ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، عن عبد الرَّحْمَنِ بن أبي الزِّنَادِ، عن أبيه، عن عُرْوَةَ قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عبد الله الثَّقَفِيُّ لِلنَّبِيِّ ﷺ : قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أسأل فيه أحدًا بعدك.
قال: "قُلْ آمَنْتُ بالله ثُمَّ اسْتَقِمْ" (١).
وعن أبي عبد الرحمن السَّلَمِيِّ قال: سَمِعْتُ أَبَا عَلِيِّ الشَّبُّوِيَّ يقول: رأيتُ رَسُولَ الله ﷺ في المنام فقلت له: رُوِيَ عنك أنك قلت: شيبتني هود فما الذي شيبك منها قصص الأنبياء وهلاك الأمم؟
قال: لا ولكن قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (هود ١١٢) (٢).
وعن الضَّحَّاك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ
стр. 320
صَالِحًا﴾ (١) قال: استقام.
ويروى أنَّه قيل لابن المبارك: بِمَ ارتفع ابن عون؟ قال: بالاستقامة.
وعن يوسف بن الحسين الرازي أنه قال: بقدر الاستقامة على الحقِّ تُنال الهيبة عند الخلق.
وقال شيخ الإسلام عبد الله الأنصاري: الاستقامة روح تحيى بها الأحوال، ولها درجات:
الأولى: الاستقامة على الاجتهاد في الاقتصاد لا عاديًا رسم العلم، ولا متجوزًا حدَّ الإخلاص، ولا مخالفًا نهج السنة.
والثانية: استقامة الأحوال، وهي شهود الحقيقة ورفض الدعوى والبقاء مع نور اليقظة.
والثالثة: الاستقامة بترك رؤية الاستقامة، وبالغيبة عن تطلب الاستقامة بشهود إقامة الحق وتقويمه (٢).
ثُمَّ الرُّكنُ الأعظمُ في الاستقامةِ استقامةُ القلبِ واللسان؛ ففي الخبر أَنَّهُ "لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ" (٣).
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا: "إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ قَالَتْ أَعْضَاؤُهُ لِلِّسَانِ: اتَّقِ الله فِينَا فَإِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا" (٤).
стр. 321
واعلم أنَّ الدنيا وأحوالها سريعة التقلب، بعيدة عن الاستقامة والاستقرار، قريبة من الزوال والبوار، وأنَّ الآخرة هي دار القرار، وأنت لا تزال تتقلب في دنياك من طور إلى طور، ويعتريك حور بعد كور، وكور بعد حور، وماضيها ومستقبلها في نقصان اللَّذَّةِ والفائدة قريبان من السَّواء، فالماضي بطلت منفعته وتنغصت لذته بالانقضاء، والمستقبل بين وحشة الانتظار وخطر الفناء، وجودها مشوب بالعدم، ولذاتها مستعقبة للنَّدم. وأنشد لبعضهم:
عَجِبْتُ لِبُرْدٍ لِلشَّبَابِ قَشِيبِ … وَلَوْنِ شَبَابٍ بَالْمَشِيبِ مَشُوبِ
وَلَمْ يَسْتَقِمْ فِي الخَدِّ خَطُّ شَبِيبَتِي … إِلَى أَنْ بَدَا فِي الحَطِّ وَخَطُّ مَشِيبِ
وإذا تحققت ذلك فعدِّ عنها، ولا تملأ عينك وقلبك منها، واسلك سبيل الاستقامة المفيدة للكرامة يوم القيامة.
وَتَأَمَّلْ عَنْ رَويَّةِ وَأَنَاةٍ فِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي قُلْتُهَا: [رمل]
لَيْسَ لِلدُّنْيَا اسْتَقامَهْ … وَلِمَنْ فِيْهَا إِقَامَهْ
هِيَ إلْمَامَةُ طَيْفٍ … وَانْتِشَاءٌ مِنْ مُدَامَهْ
هِيَ مِثْلُ الْبَرْقِ يَبْدُو … مِنْ تَجَاوِيفِ غَمَامَهْ
نَائِلٌ مَا أَنْتَ فِيهِ … مِنْ هَوَانٍ وَكَرَامَهْ
حَاصِلُ الْمَأْمُولِ مِنْهَا … تَبِعَاتٌ وَغَرَامَهْ
تَعَبٌ فِي الْحَالِ صَعْبٌ … ثُمَّ فِي العُقْبَى نَدَامَهْ
جَافِ عَنْهَا الْجَنْبَ صَفْحًا … تَنْجُ مِنْهَا بِسَلَامَهْ
آخر المجلس والحمد لله رب العالمين
* * * * *
стр. 322
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وما توفيقي إلا بالله
المجلس الحادي والعشرون من أماليه ﵀ ابتدأ بإملائه يوم الجمعة التاسع عشر من المحرم سنة اثنتي عشرة وستمائة
ثَنَا المَوْلَى المُمْلِى أَبُو الْقَاسِمِ الرَّافِعِيُّ ﵀ إِمْلَاءً مِنْ لَفْظِهِ الشَّرِيفِ قال: أَنَبَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْخَلِيلِ، أَنَبَا الشَّافِعِيُّ بْنُ عَمْرٍو، أَنَبَا الْقَاضِي إِبْرَاهِيمُ، أَنَبَا محمد بْنُ الْمَكِّيِّ، أَنَبَا محمد بْنُ يُوسُفَ قَالَ: ثَنَا الْبُخَارِيُّ قَالَ: ثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: ثَنَا الْوَلِيدُ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِى عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ قَالَ: حَدَّثَنِي جُنَادَةُ بْنُ أَبِى أُمَيَّةَ قال: حَدَّثَنِي عُبَادَةُ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الحَمْدُ لله وَسُبْحَانَ الله والله أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله. ثُمَّ قال: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ودَعَا اسْتُجِيبَ له، فَإِنْ تَوَضَّأَ قُبِلَتْ صَلَاتُهُ".
ثُمَّ قال الْبُخَارِيُّ: قال لنا محمد بْنُ يُوسُفَ: أَجْرَيْتُ لَيْلَةَ هَذَا الدُّعَاءَ عَلَى لِسَانِي عِنْدَ انْتِبَاهِي مِنَ النَّوْمِ ثُمَّ جَاءَنِي جَاءٍ يَعْنِي فِي النَّوْمِ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ (الحج: ٢٤).
في الشرح فصول: الفصل الأول
стр. 323
هذا حديثٌ صحيحٌ، أخرجه البخاري هكذا (١).
ورواه عليُّ بن عبد الله المديني، عن الوليد وقال: "سُبْحَانَ الله وَالْحَمْدُ لله وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله والله أَكْبَرُ" فزاد التَّهليل، وقال في آخره: "فَإِنْ هُوَ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ" (٢).
وكذلك رواه أبو عيسى التِّرمذي عن محمد بن عبد العزيز بن أبي رِزْمَةَ (٣)، وابن ماجه (٤) عن عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي بروايتهما، عن الوليد، عن الأوزاعي.
ولم يورد مسلمٌ الحديثَ ولكن احتجَّ بهذا الإسناد وأورد به غير هذا الحديث.
وعبادة ﵁: هو أبو الوليد عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري.
شهد بدرًا وكان عقبيًّا، وهو أخو أوس بن الصامت وابن أخت عبد الله بن رواحة.
روى عنه: محمود بن الربيع، وأبو أدريس الخولاني، وابنه الوليد بن عبادة، وأبو الأشعث الصنعاني، وحِطَّان بن عبد الله.
سكن الشَّامَ ومات سنة أربع وثلاثين وهو ابن اثنين وسبعين سنة، قيل: مات بالرَّملة من الشام، وقيل: بِقُبْرُسَ وهو الأشهر، وكان واليًا عليها من قبل عمر (٥).
стр. 324
وجُنادة بن أبي أمية يقال له: الدَّوسيُّ، واسم أبيه (كبير) (١).
أكثر حديثه في المصريين والشاميين.
سمع: عمارة. وروى عنه: بُسر بن سعيد وغيره.
توفي سنة سبع وستين (٢).
وعُمير (٣) بن هانئ: أبو الوليد العنسي الشامي الدمشقي.
سمع: ابن عمر، ومعاوية بن أبي سفيان، وجُنادة، ويقال أنه أدرك ثلاثين من أصحاب النَّبِيِّ ﷺ .
روى عنه: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وغيره.
وعمل لعمر بن عبد العزيز في بعض النواحي.
وَأُخْبِرْنَا عن أبي الفتح الْهَرَوِيِّ، عن أبي عَامِرٍ الْأَزْدِيِّ، عن الْجَرَّاحِيِّ، عن المَحْبُوبِيِّ، عن محمد بن عيسى قال: ثنا عَلِىُّ بن حُجْرٍ قال: ثنا مَسْلَمَةُ بن عَمْرٍو قال: كان عُمَيْرُ بن هَانِئٍ يُصَلِّى كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ سَجْدَةٍ وَيُسَبِّحُ مائة أَلْفِ تَسْبِيحَةٍ (٤).
والأوزاعيُّ: هو عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو الشامي.
إمامُ أهلِ الشَّامِ وفقيههم، واختلف في الأوزاع فقيل: الأوزاع قوم من حمير، وقيل: قرية بدمشق على باب الفراديس، وقيل له: الأوزاعي؛ لأنه من أوزاع القبائل.
стр. 325
سمع: الزهري، وعمير بن هانئ. وروى عنه: عبد الله بن المبارك، وغير واحد. مات سنة سبع وخمسين ومائة (١).
والوليد: هو ابن مسلم القرشي الأموي، مولاهم الدمشقي أبو العباس.
سمع: محمد بن مطرف، وابن أبي ذئب، وبكر بن مُضر، والأوزاعي.
روى عنه: داود بن رُشَيد، ومحمد بن المثنَّى، وغيرهما. مات سنة خمس وتسعين ومائة منصرفه من الحج قبل أن ينتهي إلى دمشق (٢).
وآخر يقال له الوليد بن مسلم أبو بشر العنبري البصري.
سمع: أبا الصديق، وحمران بن أبان. وروى عنه: خالد الحذاء (٣).
وآخر يقال له الوليد بن مسلم مولى آل أبي ذباب.
روى عن: المطلب بن عبد الله بن حنطب (٤).
وصدقة بن الفضل: هو أبو الفضل المروزي.
سمع: ابن عيينة، ويحيى القطان، والوليد بن مسلم.
روى عنه: البخاري، وهو من أفراده. مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين (٥).
والبُخَارِيُّ: هو الإمام محمد بن إسماعيل الجعفي، مذكور في المجلس الحادي عشر مع سائر الرواة.
وأنبئنا عن أبي بكر بن خلف قال: أَنَبَا أبو طاهر أحمد بن عبد الله بن مهرويه
стр. 326
الفارسي قال: أَنَبَا أحمد بن عبد الله بن محمد بن يوسف الْفَرَبْرِيُّ قال: ثَنَا جدي قال: سمعت محمد بن أبي حاتم البخاري قال: سمعت حاشد بن إسماعيل وآخر يقولان: كان أبو عبد الله يعنيان محمد بن إسماعيل يختلف معنا إلى مشايخ البصرة وهو غلامٌ فلا يكتب حتى أتى على ذلك أيام، فكنا نقول له: إنك تختلف معنا ولا تكتب فما معناك فيما تصنع؟
فقال لنا بعد ستة عشر يومًا: إنكما قد أكثرتما عليَّ وألححتها فاعرضا عليَّ ما كتبتما، فأخرجنا ما كان عندنا فزاد على خمسة عشر ألف حديث، فقرأها عن ظهر القلب حتى جعلنا نُحكم كتبنا من حفظه، فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد (١).
وعن بعضهم قال: كنت عند محمد بن سلام البِيكندي فقال: لو جئت قبل لرأيت صبيًّا يحفظ سبعين ألف حديث يعني محمد بن إسماعيل. قال: فخرجت في طلبه فلحقته فقلت: أنت الذي تحفظ سبعين ألف حديث؟
قال: نعم وأكثر، ولا أجيئك بحديث من الصَّحابة والتَّابعين إلَّا وأعرف مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم (٢).
ويشتهر أنَّ أهل بغداد كتبوا إلى محمد بن إسماعيل رحمة الله عليه: [بسيط]
المُسْلِمُونَ بِخَيْرٍ مَا بَقِيتَ لَهُمْ … وَلَيْسَ بَعْدَكَ خَيْرٌ حِينَ تُفْتَقَدُ
الفصل الثاني
عن ثعلب حكاية اختلاف في معنى "تَعَارَّ":
فقيل: انْتَبَهَ، وقيل: تَكَلَّمَ، وقيل: تَمَطَّى، وأنَّ كما يعتاده النَّائِمُ عند الاستيقاظ.
стр. 327
ويقال: "تَعَارَّ": سهر وتقلب في فراشه.
ويذكر أنَّ التعارَّ لا يكون إلا مع كلامٍ ورفع صوتٍ وأنَّه من عِرَارِ الظَّلِيمِ وهو صَوْتُهُ، يقال: عَرَّ الظَّلِيمُ يَعِرَّ عِرارًا: أي صَاحَ.
ومنهم من لا يجوز إلَّا "عَار" ويقال: عَرَّهُ يَعُرُّهُ بِمَعْنَى عَرَاهُ يَعْرُوهُ وَاعْتَرَاهُ يَعْتَرِيهِ: أي أَتَاهُ.
وفي الحديث: مَا عَرَّنا بِكَ أَيُّهَا الشَّيْخُ أي: مَا جاءَنَا بِكَ.
ويمكن أن يُجعل التَّعَارُّ منه.
وَعَرَّهُ: سَاءَهُ، وَعَرَّهُ بِشَرٍّ: لَطَخَهُ بِهِ، وَعَرَّ أَرْضَهُ: (سَمَّدَهَا) (١). والمستقبل في ثلاثيها يَعُرُّ أيضًا.
وَعَرَّ الْبَعِيرُ مِنْ بَابِ فَعِلَ يَفْعَلُ فهو أَعَرّه: وهو الذي لا يطول سنامه.
وَالْعَرُّ: الْجَرَبُ تقول منه: عَرَّتِ الْإِبِلُ تَعِرُّ فهي عَارَّةٌ.
وَالْعُرُّ: قُرُوحٌ تَخْرُجُ بِهَا مفترقة في مَنَاخِرِهَا وَمَشَافِرِهَا يسيل منها ماءٌ أصفر، يقال منه: عُرَّتِ الإِبِلُ فهي مَعْرُورةٌ، وتكوى الصِّحَاحُ منها لِئلَّا (تعديها المراض) (٢)، قال النَّابِغَةُ:
فَحَمَّلْتَنِي ذَنْبَ امْرِئٍ وَتَرَكْتَهُ … كَذِي العُرِّ يُكْوَى غَيْرُهُ وَهْوَ رَاتِعُ (٣)
الفصل الثالث
في الحديثِ دليلٌ على استحبابِ ذِكرِ الله تعالى عند الانتباهِ منِ النَّوْمِ،
стр. 328
واستحسانِ المبادرةِ إلى الذِّكر حينئذٍ.
وأخبرنا والدي ﵀ قِرَاءَةٌ عليه قال: أنَبَا سَعْدُ الْخَيْرِ المَغْرِبِيُّ قال: أَنَبَا أَبُو محمد (الدُّونِيُّ) (١) ح.
وَأَنْبَأَنَا أبو مَنْصُورٍ الدَّيْلَمِيُّ، عن (الدُّونِيِّ) (٢) قال: أَنَبَا أحمد بن (الْحُسَيْنِ) (٣) عن أبي بكر السُّنِّيِّ قال: حَدَّثَنِي أحمد بن هشامٍ الْبَعْلَبَكِّيُّ، ثنا سليمان بن عبد الرَّحْمَنِ الْحَرَّانِيُّ، ثنا يعقوب بن الْجَهْمِ، عن عمرو بن جرير، عن عبد العزيز بن صُهَيْبٍ، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا نام العبد على فراشه فَتَقَلَّبَ في لَيْلَتِهِ على جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ أو جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يُحْيِي وَيُمِيتُ وهو حَيٌّ لا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخير وهو على كل شيء قدير، يقول الله تعالى لِمَلَائِكَتِهِ انْظُرُوا إلى عبدي هذا لم يَنْسَنِي في هذا الوقت، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قد رَحِمْتُهُ وَغَفَرْتُ له" (٤).
وفي الحديث ثلاثةُ أذكارٍ ضُمَّ بعضها إلى بعضٍ، وكلُّ واحدٍ منها مذكورٌ بالفضلِ الكثيرِ والثَّوابِ الغزيرِ:
أحدها: "لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ" إلى قوله: "قَدِير".
стр. 329
وفي الصِّحَاحِ عن رواية المُغِيرَةِ بن شُعْبَةَ أن النبي ﷺ كان إذا قَضَى صَلَاتَهُ قال: "لا إله إلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له … " (١) إلى آخره.
وفي رواية أبي هُرَيْرَةَ أن النبي ﷺ قال: من قَالَهُ عَشْرَ مَرَّاتٍ حين يُصْبِحُ، كُتِبَتْ له بها مِائَةُ حَسَنَةٍ وَحُفِظَ بها يَوْمَهُ (٢).
والثاني: "سُبْحَانَ الله وَالْحَمْدُ لله وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله والله أَكْبَرُ" (٣).
والأحاديث في فضلها كثيرة، وفُسِّر بها قوله تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ (الكهف ٤٦).
وعن أبي هُرَيْرَةَ أن رسول الله ﷺ قال: "خُذُوا جُنَّتَكُمْ".
قُلْنَا: يا رَسُول الله مِنْ عَدُوٍّ حَضَرَ؟
قال: "لا، ولكن خُذُوا جُنَّتَكُمْ مِنَ النَّارِ قُولُوا: سُبْحَان الله والحَمْدُ لله ولا إِلَه إِلَّا الله والله أكبر، وَهُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ" (٤).
والثالث: "لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بالله".
واشتهر في الخبر أنَّ هذه الكلمة كنزٌ من كنوز الجنَّةِ (٥).
وَوَرَدَ عند التَّعَارِّ أذكارٌ أُخَر سِوى مَا فِي الحديث:
стр. 330
فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ اللَّهُمَّ زِدْنِي عِلْمًا وَلَا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ" (١).
وَعَنْ رِوَايَتِهَا أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ" (٢).
وقد تُشْعِرُ الأذكار المختلفة بأنَّ المقصدَ أن لا تغفل عن الله تعالى، ولا تخلو عن ذكره، وكلٌّ منها مؤدٍ لهذا الغرض، ثم يُؤثر ويختار في كلِّ وقتٍ ما هو أليق به.
قوله: "ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ليِ ودَعَا" فيه ترغيبٌ في الدُّعاءِ والِاستغفارِ عقيب ذكر الله تعالى والثَّناء عليه.
وَيُرْوَي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا رَدَّ اللهُ إِلَى الْعَبْدِ المُسْلِمِ نَفَسَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَسَبَّحَهُ وَاسْتغْفَرَهُ وَدَعَاهُ؛ تُقُبِّلَ مِنْهُ" (٣).
وقوله: "فإِنْ تَوَضَّأَ قُبِلَتْ صَلَاتُهُ" يعني وصَلَّي، على ما هو مبينٌ في الروايات الأخر، واكتفى ها هنا بدلالة قوله: "قُبِلَتْ صَلَاتُهُ".
ومحمد بن يوسف صاحب الرؤيا، أحد شيوخ البخاري، وهو أبو أحمد الْبِيكَنْدِيُّ.
стр. 331
سمع: ابن عيينة، وأبا أسامة، وعبد الأعلى بن مُسهر (١).
والرُّؤيا دالةٌ على أنَّ الأذكارَ الواردةَ في الحديث من القول الطَّيِّبِ، وأنَّها من صراط الله تعالى الذي هو كناية عن الأعمال الصالحة والأقوال الصادقة.
وعن ابن عباسٍ تفسير القول الطيب بكلمتي: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَالْحَمْدُ للهِ". وزاد بعضهم التكبير.
وفُسِّر ﴿صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ (٢) بدين الإسلام وشرائعه.
واعلم أنَّ هذا الصراط قد يُنسَبُ إلى العبد باعتبار أنه يسلكه أو أنه مأمورٌ بسلوكهـ كما قال تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.
وقد يُنسَبُ إلى الله تعالى باعتبار أنَّهُ الشَّارع والآمر بسلوكه، كما قال: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾، وقال: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٣).
وقد يوصف الربُّ تعالى بكونه على الصِّراط المستقيم، كما حكي في مقالة هود ﵇ لقوله: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٤).
وَقَرَأْتُ على اللَّيْثِ بن سَعدٍ الكثبيني (٥) الْهَمْدَانيِّ -وَكَانَ رَجُلًا يَجْمَعُ بَيْنَ التِّجَارةِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ وَسَمَاعِ الْحَدِيثِ، وَيُحِبُّ الْعِلْمَ وَأَهْلَهُ وَقَدْ حَصَّلَ طَرَفًا مِنْهُ،
стр. 332
وَسَافرَ إلى خُرَاسَانَ وَمَا وَرَاءِ النَّهْرِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَسَمِعَ مَشَايِخَهُمَا- قال: أنَبا حمَّادُ بنُ إبراهيم قال: ثنا إسماعيلُ بن محمدٍ، ثنا مُحمَّدُ بن عبد العزيز، ثنا الخليلُ بنُ أحمَدَ، ثنا أبو الْقَاسِمِ المَنِيعِيُّ، ثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ الأَغْلَبِ بْنِ تَمِيمٍ، عنِ الْحَجَّاجِ بنِ فَرَافِصَةَ، عن طَلْقِ بنِ حَبِيبٍ قال: جَاءَ رجُلٌ إلى أبي الدَّرْدَاءِ ﵁ قال: يا أبَا الدَّرْدَاءِ احْتَرَقَ بَيْتُكَ.
قال: ما احْتَرَقَ.
ثُمَّ جاء آخَرُ فقال: انْبَعَثَتِ النَّارُ فلما انْتَهَتْ إلى بَيْتِكَ طُفِئَتْ.
فقال: قد عَلِمْتُ أنَّ الله لم يَكُنْ لِيَفْعَلْ.
قالوا: يا أبا الدَّرْدَاءِ ما نَدْرِي أيّ كَلَامَيْكَ أَعْجَبُ: قَوْلُكَ: ما احْتَرَقَ، أو قَوْلُكَ: إنَّ اللهَ لم يَكُنْ لِيَفْعَلْ؟
قال: ذلك بكلِمَاتٍ سَمِعْتُهُنَّ من رسولِ اللهِ ﷺ يقُولُ: "مَن قَالَهَا أوَّل النَّهَارِ لَم تُصِبْهُ مُصِيبَةٌ حَتَّى يُمْسِي، وَمَنْ قَالَهَا آخِرَ النَّهَارِ لَمْ تُصِبْهُ مُصِيبَةٌ حَتَّى يُصْبِحَ: اللَّهُمَّ أَنتَ رَبِّي لا إِلَهَ إلَّا أَنتَ عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، مَا شَاءَ اللهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأ لَمْ يَكُنْ، لا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، أَعْلَمُ أنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير، وأنَّ اللهَ قد أَحَاطَ بكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، ومِن شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ إِنَّ رَبِّي على صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" (١).
وقوله: "إنَّ رَبِّي على صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" قيل: معناه أنه وإن كان قادرًا عليهم
стр. 333
فهو لا يظلمهم ولا يلحقهم بقدرته عليهم إلَّا ما يوجب الحقّ وقوعه بهم.
وعن ابن عباس ﵁ أنَّ معناه أنَّ الذي بعثني الله به دين مستقيم - يعني في قول هود ﵇ والمعنى على هذا أنَّ دين ربي على صراط مستقيم.
وقد عرفت من قبل أنَّ الصِّراطَ هو الطريقُ، والصِّراطُ المستقيمُ هو المعبّر عنه بسبيل الله وسبيل رسوله وسبيل الدار الآخرة على ما قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١)، وقال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ (٢)، وقال: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣) وهو الذي يؤدي بصاحبه إلى رحمة الله تعالى.
ويقال: طريقُ طالبِ الدُّنيا المعبّر عنه بسبيل الشيطان وسبيل الطاغوت، قال تعالى: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ (٤) وهذا طريقٌ ينقطع بصاحبه ولا ينتهي فيه إلى بغيته ويصير عظةً لمن (اغترَّ) (٥).
حَدَّثَ عَبدُ السَّلام البَصْرِيُّ، عَنِ ابنِ الْجَرَادِيِّ (٦) عَن أَبي بَكْرِ بْنِ الْأَنْبَارِيِّ، عَن عُمَرَ بنِ عُبَيدِ اللهِ التَّمَّارِ أَنَّهُ أَنشَدَ: [خفيف]
أَيْنَ أَهْلُ الدِّيَارِ من قَومِ نُوحٍ … ثُمَّ عَادٌ من بَعْدِهِمْ وَثَمُودُ
стр. 334
بَيْنَمَا الْقَوْمُ فِي النَّمَارِقِ وَالدِّيبَاجِ … م أَفْضَتْ إِلَى التُّرَابِ الْخُدُودُ
ثُمَّ لَمْ يَنقَضِ الحَدِيثُ ولَكِنْ … بَعْدَ هَذَا الْوَعِيدُ والْمَوْعُودُ
وَأَطِبَّاءُ بَعدَهُم لَحِقُوهُمْ … ضَلَّ (١) عَنْهُمْ سُعُوطُهُم واللّدُودُ
وَصَحِيحٌ أَضْحَى يَعُودُ مَرِيضًا … وهُوَ أدْنَي لِلْمَوْتِ مِمَّنْ يَعُودُ (٢)
وقصدتُ البارحةَ نظم بيتين أو أبيات أختم بها المجلس على المعهود وعرتني فكرة في النياف الخطوب وتشعث الأمور فتخيلت بعد مجاوزة حدِّ اليقظة وقبل استحكام النَّوم كأنِّي في قوم، وكأنَّ منشدًا ينشدهم: [وافر]
عَسَى اللهُ اللَّطِيفُ بِكُمْ وشِيكًا … يُدَاوِي مِنْكُمُ الْقَلْبَ السَّقِيمَا
عَسَاهُ بِمَا يَسُرُّكُمُ جَمِيعًا … يَجِيءُ وَيُولِهُ الدَّهرَ العَقِيمَا
وَيَفْتَحُ فَضْلَهُ فَتْحًا مُبِينًا … وَيَهْدِيكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمَا
وكان في الْخَاطِرِ بعض معناه ولفظه في اليقظة.
آخر المجلس الحادي والعشرين، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
* * * * *
стр. 335
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وما توفيقي إلا بالله
المجلس الثاني والعشرون من أماليه ﵀ ابتدأ بإملائه يوم الجمعة الحادي والعشرين من المحرم سنة اثنتي عشرة وستمائة
حَدَّثَنا ﵀ إِمْلَاءً من لَفظِهِ الشَّرِيفِ قال: كتَبَ إِلَيْنَا مُحمَّد بنُ عَبدِ البَاقِي وغَيرِهِ عن أبِي سَعدٍ الْمُطَرِّزِ قال: أنَبَا أبُو نُعَيْمٍ ح.
وأَنَبَا عَلِيُّ بنُ عُبَيدِ اللهِ بِقِراءَتِي عَلَيْهِ قال: أَنَبَا مُبَشِّرُ بنُ أحمَدَ الصَّحَّافُ قال: أنَبَا عُمرُ بنُ أحمَدَ السِّمْسَارُ قال: ثنَا أبُو بَكرٍ مُحَمَّدُ بنُ أحمَدَ بنِ عبدِ الرَّحمَنِ قالا: ثَنَا فَارُوقٌ الْخَطَّابِيُّ قال: ثَنَا أبو مُسْلِمٍ قَالَ: ثنَا (عبدُ اللهِ) (١) بنُ رَجَاءٍ قال: ثَنَا عَبدُ الحَمِيدِ بنُ بَهْرَامَ، عن شَهرِ بنِ حَوْشَبٍ قال: حدَّثنِي أبو طَيْبَةَ أنَّ شُرَحبِيلَ بنَ السِّمْطِ دَعَا عَمرَو بنَ عَبَسَةَ ﵁ فقَالَ: هَل أنتَ مُحَدِّثِي حدِيثًا سَمِعتَهُ من رسول الله ﷺ ليس فيه تَزَيُّدٌ ولا تَكَذُّبٌ ولا تُحَدِّثْنِي عَن أحَدٍ سَمِعَهُ غَيْركَ؟
قال: سَمِعتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: "قَالَ (٢) اللهُ تَعَالَى: حُقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَحَابُّونَ مِنْ أَجْلِي، وَحُقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَصَافَونَ مِنْ أَجْلِي، وَحُقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَزَاوَرُونَ مِنْ أَجْلِي، وَحُقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَوَاصَلُونَ مِنْ أَجْلِي" (٣).
في الشرح فصول
стр. 336
الفصل الأول
هذا حديثٌ ثابتٌ محفوظٌ عن رسول الله ﷺ من رواية معاذ بن جبلٍ وعبادة بن الصامت، أورده حميد بن زنجويه النسوي والأئمة من روايتهما.
وهو عزيزٌ من الرواية المسوقة، وشريفٌ لاشتمالها على سماع الصَّحابي عن الصَّحابي على الاختلاف في شرحبيل، ورواية التَّابعي عن التَّابعي.
وليس في الإسناد رواية شرحبيل عن عمرو، ولا رواية أبي طيبة عن شرحبيل، وإنَّما الأشبه باللَّفظ رواية أبي طيبة عن عمرو؛ ولذلك قلت: إنَّ الرواية تشتمل على سماع الصَّحابي عن الصَّحابي ورواية التَّابعي عن التَّابعي.
وعمرو بن عَبَسَةَ أبو نجيح السلمي، وربما يقال: عنبسة، من السابقين الأولين من الصَّحابة، ذكرناه في المجلس السادس.
روى عنه: ابنه عبد الرحمن بن عمرو، وغيره، وعدَّهُ أبو سعيد بن الأعرابي في أهل الصُّفَّةِ.
وحَدَّثَ الْحَافِظُ أبُو نُعَيْمٍ الأَصْبَهَانِيُّ في "الْحِلْيَةِ" عَن مُحَمَّدِ بنِ عَلِيِّ بنِ حُبَيْشٍ قال: ثَنَا أَحْمَدُ بنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ قال: ثَنَا سَعِيدُ بنُ سُلَيْمَانَ، عَن عَبَّادِ بْنِ العَوَّامِ، عَن حُصَيْنٍ عَن (١) عِمْرَانَ بْنِ الْحَارِثِ أنَّهُ رَأَى عَمرَو بنَ عَبَسَةَ نَائِمًا فِي بَرِّيَّةٍ (٢) نِصْفَ النَّهَارِ وَقَد أظَلَّتْهُ سَحَابَةٌ مَا فِيهَا فَضْلٌ، قال: فأَيْقَظْتُهُ.
فَقَالَ: إِنَّ هَذَا شَيْءٌ أُتِينَا بِهِ، لَئِنْ عَلِمْتُ أنَّكَ أخْبَرْتَ بِهِ لَا يَكُونُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ
стр. 337
خَيْرٌ.
قال: فَوَاللهِ مَا أَخْبَرْتُ بِهِ حَتَّى مَاتَ (١).
وشُرحبيل (٢) بن السِّمط كندي.
قال أبو عبد الله بن منده: اختُلِفَ في صحبته.
وأطلق الإمام البخاري القول بأنَّ له صحبة، وذكر له رواية عن النَّبِيِّ ﷺ .
وعن حَارثة بن مُضرِّب أنَّ عمر ﵁ أمَّره على الجيش.
وذكر أنه كان أميرًا على حِمْصَ (٣).
روى عنه: عمرو (٤) بن الأسود، وكثير بن مرة.
وأبو طيبة الكلاعي تابعي.
يروي عن: عمرو بن عَبَسَةَ، وأبي أمامة، والمقداد.
روى عنه: محمد بن سعد، وشَهر بن حَوشب.
ويكني أبا طيبة بالطاء وتقديم الياء وهو كنية جماعة، منهم: أبو طيبة الحجام، وأبو طيبة الجرجاني وغيرهما (٥).
وشهر (٦) بن حَوشب أبو عبد الرحمن الأشعري.
روي عن: أم سلمة، وعبد الله بن عمرو، وابن عمر، وابن عباس، وأبي
стр. 338
هريرة.
روى عنه: قتادة، وشمر بن عطية.
وعن يحيى بن معين، وأبي زرعة الرازي توثيق شهر والثناء عليه.
وتكلَّمَ شعبة فيه.
وعن ابن عون أنه قال: إن شهرًا نَزَكُوهُ أي: عَابُوهُ يقال: نَزَكَهُ يَنْزُكُهُ إذا عابه، وأصل النَّزْكِ: الطَّعْنُ بالنَّيْزَكِ وهو أصغر من الرُّمْحِ.
وروى بعضهم "تَرَكُوهُ" وعُدَّ ذلك تصحيفًا وإن كان صحيحًا في المعنى.
وعبد الحميد بن بِهرام: هو المدائني.
سمع: شهر بن حوشب. وسمع منه: ابن المبارك، ومحمد بن يوسف.
وكانوا يقولون: من أراد حديث شهر فعليه بعبد الحميد (١).
وعبد الله: هو أبو عمرو بن رجاء بن المثنَّى الغداني البصري، مولى بني غدانة.
من ثقاتِ مُحَدِّثي البصرة.
سمع: شعبة، وإسرائيل، والمسعودي، وهمام بن يحيى.
روى عنه: محمد بن المثنَّى، وعمرو الناقد، وأبو حاتم الرازي، وأبو مسلم.
وروى البخاري تارةً عنه، وتارةً عن رجل عنه.
توفي سنة تسع عشرة ومائتين في ذي الحجة (٢).
وأبو مسلم: هو إبراهيم بن عبد الله بن مسلم بن ماعز بن المهاجر البصري،
стр. 339
ويعرف بِالْكَجِّيِّ وَبِالْكَشَّيِّ (١). مشهورٌ بالفضلِ والأمانةِ.
سمع: محمد بن عبد الله الأنصاري، وأبا عاصم النبيل، وحجاج بن المنهال، وأبا الوليد الطيالسي، وسليمان بن حرب، والقعنبي.
وروي عنه: أبو القاسم البغوي، وإسماعيل الصفار، وأبو عمرو السَّماك، والطبراني، وأبو عمرو بن نُجيد، وأخرج عنه محمد بن إسحاق السراج في "صحيحه".
ويذكر أنه لما قدم أبو مسلم بغداد وأملى حضر مجلسه الخلق الكثير، حتى كان فيهم سبعة مستملين يُبَلِّغُ كُلُّ واحد منهم صاحبه، وإن طائفة من الناس كانوا يكتبون قيامًا لشدة الزحمة.
ولد سنة مائتين، ومات سنة اثنتين وتسعين ومائتين هذا هو الأشهر.
وذكر الخليل الحافظ أنه نَيَّفَ على المائة (٢).
وتولى أبو مسلم بعض الأعمال بالشام، ومدحه البحتري بأشعارٍ منها قوله في قصيدةٍ: [وافر]
وَلَعَمرِي لَئِنَ دَعَوْتُكَ لِلْجُودِ … لقَدمًا (٣) لَبَّيْتَنِي بِالنَّجَاحِ
خُلُقٌ كَالغَمَامِ لَيْسَ لَهُ بَرْقٌ … سِوَي بِشْرِ وَجْهِكَ الوَضَّاحِ
ارْتَيِاحًا لِلطَّالِبِينَ وَبَذْلَا … وَالْمَعَالِي لِلْبَاذِلِ المُرْتَاحِ (٤)
стр. 340
وفاروق: هو أبو حفص بن عبد الكبير الخطابي البصري، من أئمتها المشهورين.
أكثر عنه أبو نعيم الحافظ.
وروي عنه: أبو زرعة عبد الله بن الحسين الماكي القزويني، وغيرهما.
وهو آخر من روي سنن أبي مسلم (١) عنه بالبصرة (٢).
وأبو نعيم مذكور في المجلس الثامن.
وأبو سعد المُطَرِّزُ: هو محمد بن محمد بن عبد الله الأصبهاني، من مشاهير الرواة والمحدثين بها والمختصين بالرئيس أبي عبد الله الثقفي.
سمع: أبا نعيم، وأبا الحسن بن عبدكويه، وأبا عصمة نوح بن نصر الفرغاني. وُلد سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وتوفي سنة ثلاث وخمسمائة في شوال (٣).
ومحمد بن عبد الباقي مذكور في المجلس التاسع عشر.
الفصل الثاني
التَّزَيُّدُ في الْحَدِيثِ: هُوَ الْكَذِبُ، وَتَزيَّدَ السِّعرُ: غَلَا، والتَّزيُّدُ فِي السَّيْرِ فوق العنَقِ. والتَّكَذُّبُ: تَكلُّفُ الكَذِبِ.
وقوله: "حُقَّتْ مَحَبَّتِي" يجوز أن يُقرأ بضمِّ الحاء، ويجوز أن يُقرأ "حُقَّتْ" بالفتح.
فالضَّمُّ على معنى أنَّ الحبَّ حَقيقٌ بهم: أي خَلِيقٌ، يقال: حَقِيقٌ بك كذا
стр. 341
ومَحْقوقٌ، وحُقَّ لك أن تفعل كذا، وحُقِقْتَ أن تفعله.
والفتح على معنى الوجوب والثبوت. يقال: حَقَّ يَحِقُّ بالكسر: أي وَجَبَ، وأَحْقَقْتُ الشَّيْءَ: أَوجَبْتُهُ، وَاسْتَحْقَقْتُهُ: اسْتَوْجَبْتُهُ، وَأَحْقَقْتُ الرَّجُلَ أيضًا إِذَا تَحَقَّقْتُهُ وَصِرْتُ مِنْهُ علَى يَقِينٍ، وَتَحَقَّقَ عِنْدَهُ الْخَبَرُ: صَحَّ.
والَّذِينَ: جمع الَّذِي وهو اسمٌ مبهمٌ لا يتمُّ إلا بصلةٍ، وأصله "لذي" فأدخل عليه الألف واللام وفيه أربع لغات:
أشهرها: الَّذِي، والثانية: اللَّذْ بإسكان الذال، والثالثة: اللَّذِ بالكسر، والرابعة: الَّذِيّ كالنَّبِيّ.
ويقال في تثنية الَّذِي: اللَّذانِ واللَّذانِّ بتشديد النُّون، والجمع وهو "الَّذِينَ" لا يختلف في موضعِ الرَّفعِ والنَّصب والجرِّ، ومنهم من يقول في موضع الرفع "الذون" وقد تحذف منه النون فيقال: "الذي" يراد به الجمع، قال الشَّاعرُ:
وَإِنَّ الَّذِي حَانَت بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ … هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدِ (١)
وقيل: إنَّه جمع اللَّذِ أو اللَّذْ. وتثنية الَّذِيّ: اللَّذيان، والجمع اللَّذيُون، كالنَّبِيِّ والنَّبِيِّينَ.
وَيُقَالُ: فَعَلْتُ ذَلِكَ مِن أَجْلِ كَذَا وَمِنْ أَجْلِهِ أي مِن جَرَّائِهِ وَسَبَبِهِ، تفتح الهمزة وتكسر.
وتَصَافَيْنَا الْوُدَّ أي: تَخَالَصْنَا، وصَافَيْتُهُ الوُدَّ وَأَصْفَيْتُهُ أي أَخْلَصْتُهُ.
стр. 342
الفصل الثالث
قَوْلُهُ: "أَنَّ شُرَحْبِيلَ دَعَا عَمْرًا" كَأَنَّ دُعَاءَهُ إِيَّاهُ كَانَ لإِمَارَتِهِ وَإِجَابَةُ عَمْرٍو لِبَذلِ الطَّاعَةِ.
وَقَوْلُهُ: "لَيْسَ فِيهِ تَزَيُّدٌ وَلَا تَكَذُّبٌ" لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَوَهَّمَ مِنْهُ نِسْبَةُ عَمرٍو إِلَى التَّسَاهُلِ فِي الْحَدِيثِ وَالْمُجَازَفَةِ بِالزِّيَادَةِ والنُّقْصَانِ، ولَكِنْ يَتَّجِهُ فِيهِ شَيْئَانِ: أحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ حَدِّثْنِي حَدِيثًا بَرِئًا عَنِ التَّزَيُّدِ والتَّكَذُّبِ، كَمَا هُوَ شَأْنُكَ فِيمَا تُحَدِّثُ بِهِ.
وَالثَّانِي: أن يُقَالَ: إِنَّهُ اقْتَرَحَ (١) مِنْهُ مَزِيدَ احْتِيَاطٍ، والْتَمَسَ أَلَّا يُحَدِّثَ بمَا سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِ فِإِنَّ فِيهِ مَجَالَ الزِّيَادَةِ والنُّقْصَانِ مِنَ الْمَسْمُوعِ مِنهُ، بَلْ يُحَدِّثُ بِمَا سَمِعَهُ مِنْ رسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ غَيْرِ واسِطَةٍ.
والجمعُ بين لفظتي التَّزَيُّدِ والتَّكَذُّبِ يُمكن أن يكون على التأكيدِ والمبالغةِ، ويُمكن أن يقال: التَكَذُّبُ يشملُ الزيادةَ والنُّقصانَ فلذلك ضَمَّهُ إلى التَّزَيُّدِ، ويُمكن أن يحملَ التَّزَيُّدُ على الوَهَمِ والغَلَطِ التَّكَذُّبُ على تَعمُّدِ الكَذِبِ وتَكَلُّفِهِ، وَقَدْ يُفْهَمُ ذَلكَ مِمَّا رُويَ لنَا عَنْ أبي الأَسْعَدِ الْقُشَيْرِيِّ، عن أبي الْفَضْلِ الطَّبَسِيِّ قال: أنَبَا أحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ الْكَرَابِيسِيُّ قال: أنَبَا أَبُو سَعِيدٍ الْخَلَّاليُّ (٢) قال: ثنَا أحمَدُ بْنُ خالِدٍ الْحَرَّانِيُّ قال: ثنا عمِّي الوَلِيدُ بنُ عبدِ المَلِكِ، حدَّثَنِي أبي، حَدَّثَنَا أبُو صَخْرٍ الْبَاهِلِيُّ، عَن شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَمرِو بْنِ عَبَسَةَ قَالَ لَهُ شُرَحْبِيلُ: قَالَ: يَا عَمْرو هَلْ
стр. 343
تُحَدِّثَنَا حدِيثًا لَيْسَ فِيهِ وَهَمٌ وَلَا زِيَادَةٌ؟
فقال لهُ عَمْرٌو: واللهِ لَقَدْ كَبُرَ سِنِّي، ودنَا أجَلِي، وإنِّي لَغَنِيٌّ عَنِ الْكَذِبِ عَلَى اللهِ وَرسُولِهِ، ولَقَدْ سَمِعتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ سَبْعَ مَرَّاتٍ سَمِعتُهُ يَقُولُ: "إنَّ اللهَ تعالى يَقُولُ: حُقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى المُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَحُقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى المُتَبَاذِلِينَ فِيَّ، وَحُقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى المُتَصَادِقِينَ فِيَّ، وَحُقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى المُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَحُقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى المُتَنَاصِرِينَ فِيَّ" (١).
وفي هذه الرواية زياداتٌ، وروايةُ شُرَحْبِيلَ عن عمرو، وفائدةٌ أخرى وهي تأكيدُ عمرٍو بالسَّمَاعِ من رسول الله ﷺ مراتٍ، واستبعاده التَّرَخُّصَ بالزِّيادةِ والنُّقصانِ على كِبَرِ السِّنِّ.
وقَولُهُ: "وَلا تُحَدِّثنِي عَن أحَدٍ سَمِعَهُ غَيْركَ" قَدْ يُسْتَأنَسُ بِهِ لِلرَّغْبَةِ فِي عُلُوِّ الْإِسْنَادِ.
وقوله: "حُقَّتْ مَحَبَّتِي" يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ مَعنَاهُ حُقَّتْ مَحَبَّةُ الْعَبْدِ إيَّايَ، ويَجُوزُ أنْ يُقَالَ: المَعنَي حُقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْعَبْدِ.
ولَفْظُ المَحَبَّةِ مَشْهُورٌ في الطَّرَفَينِ، قال اللهُ تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (٢):
أمَّا مَحَبَّةُ العَبدِ للهِ تعالى: فكلُّ مذكورٍ بعلمٍ كاملٍ أو حِذْقٍ في صناعةٍ أو إحسانٍ أو تربيةٍ أو تَنَزُّهٍ عن أخلاقٍ رذيلة محبوبٌ في نفوس ذوي العقول السليمةِ والطِّباعِ المستقيمةِ، ولله تعالى العلم الشامل الذي لا يعزب عنه شيء والقدرة الكاملة التي لا يفوتها ممكن، والإحسان بإسداء النِّعم التي لا ينالها الإحصاء ولا
стр. 344
يحيط بها الاستقصاء، والتَّنَزُّهُ عن الاستواء، والتَّقَدُّسُ عن مُشاكلةِ النظر، فأولى أن يكونَ محبوبًا، ومن عرف جماله وجلاله بقدر ما رُزِقَ أحبه لا محالة، كما قيل:
ومَا كُنْتُ مِمَّن يَدخُلُ العِشْقُ قَلْبَهُ … ولَكِنَّ مَن يُبْصِرْ جُفُونَكِ يَعْشَقِ (١)
أمَّا مَحَبَّةُ اللهِ تعالى الْعَبْدَ: فقد قيل: هي راجعةٌ إلى الثَّوابِ والثَّناءِ.
وقال الإمام الغزالي ﵀: هي تصفيةُ قلبِ العبدِ، ورفعُ الحجابِ عنه حتى يرى بقلبه ربه.
وفي الحديث أنَّ المَحَبَّةَ والمصافاة الباطنة والمزاورة والمداخلة الظاهرة، والمواصلة التي هي أعمّ منها مهما كانت لله تعالى رتبةً عظيمةً وفضيلةً جسيمةً، والأحاديث بذلك متظاهرةٌ والترغيبات متوافرةٌ.
أنَبَا طَاهِرُ بنُ مُحمَّدٍ في كِتَابِهِ، عن أبِيهِ قَالَ: أنَبَا أبو مُحَمَّدٍ بنُ الخَطِيبِ، أنَبا أبو القَاسِمِ، أنَبَا عَبدُ اللهِ بنُ مُحمَّدٍ، ثَنَا عَلِيُّ بنُ الجَعدِ، ثَنَا شُعبَةُ، عَن يَحيَى بنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَن عَمرِو بنِ مَيمُونٍ، عَن أبي هُرَيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَجِدَ طَعْمَ الْإِيمَانِ فَلْيُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ " (٢).
وأنَبَا طَاهِرٌ كَذَلِكَ عَن أبِيهِ قال: أنبا إبراهيمُ بنُ عُثمَان المُعَدَّلُ قال: أنبا أبو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بنُ أحمَدَ الإِسْمَاعِيلِيُّ، أنبا أحمَدُ بنُ عَبدِ اللهِ الْوَرَّاقُ قال: ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ
стр. 345
الْعَزِيزِ قَالَ: ثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: ثَنَا مُعْتْمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنْ حَنْشٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَيُّ عُرَى الْإِسْلَامِ -أَظُنُّهُ قَالَ- أَوْثَقُ؟
قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قال: "المُوَالَاةُ فِي اللهِ، وَالمُعَادَاةُ فِي اللهِ، وَالحُبُّ فِي اللهِ، وَالْبُغْضُ فِي اللهِ" (١).
وَإِنَّمَا أُمِرَ اْمُؤْمِنُ بِأَنْ يُحِبَّ لله وَيُبْغِضَ للهِ؛ ليكون الله هو المحبوب والمقصود، فإنه إن كان الحبُّ لغير الله فإما أن لا يحب لله فقد قصر المحبة على غير الله، وإما أن يحب الله أيضًا فقد جعل له في المحبَّةِ شريكًا، فأما إذا أحبَّ غيرَ اللهِ للهِ يرجع الأمر إلى محبَّةِ اللهِ تعالى فِي الْمحَبَّةِ بِحُبِّ مَا هُوَ بِسَبِيلٍ مِنَ الْمَحْبُوبِ أَوْ لَهُ تَعَلُّقٍ بِهِ، قال خالد بن يزيد: [طويل]
تَجُولُ خَلَاخِيلُ النِّسَاءِ وَلَا أَرَي (٢) … لِرَمْلَةَ خَلْخَالًا يَجُولُ وَلَا قَلْبَا
أُحِبُّ بَنِي العَوَّامِ طُرًّا لِأَجْلِهَا … وَمِنْ أَجْلِهَا أَحْبَبْتُ أَخْوَالَهَا كَلْبَا
فَإِنْ تُسْلِمِي نُسْلِمْ وَإِنْ تَتَنَصَّري … يُعَلِّقْ رِجَالٌ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ صُلْبَا (٣)
стр. 346
وخالد هذا ابن يزيد بن معاوية يقال: كان أفضل بني أمية في زمانه.
ورملة من ولد الزبير بن العوام كان خالد قد تزوجها وأحبَّها حبًّا شديدًا، وأمها الرباب الكلبية.
وقد قيل: يكفي المحبَّ ما يلتذُّ به من هوى المحبوب وذكره وإن لم ينل منه غير ذلك.
وَفِي مَعْنَاهُ أَقُولُ: [بسيط]
أُفْدِي الَّذِينَ سَقَوْنِي كَأْسَ حُبِّهِمُ … وَإِنْ جَفَوْنِي وَإِنْ جَارُوا وَإِنْ غَدَرُوا
أَلَيْسَ قَدْ جَعَلُونِي أهْلَ وُدِّهِمُ … فَفِي فُؤَادِيَ مِنهُ الْوِرْدُ وَالصَّدَرُ
أَلَيْسَ لَمْ يَسْلُبُونِي مَا أَلَذُّ بِهِ … ذِكْرًا وَحُبًّا وَإِضْمَارًا وَقَدْ قَدَرُوا (١)
آخر المجلس الثاني والعشرين، والحمد لله وحده وصلواته على نبيه محمد نبي الرحمة وآله وصحبه أجمعين
* * * * *
رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ (١) وَكَانَ رَسُولُ الله (٢) ﷺ تَبَنَّاهُ وَهُوَ صَغِيرٌ فَلَبِثَ حَتَّى صَارَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ زَيْدُ بِنُ مُحَمَّدٍ فَأَنْزَلَ اللهُ تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ (٣) فُلَانٌ مَوْلَي فُلَانٍ وَفُلَانٌ أَخُو فُلَانٍ ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: أَعْدَلُ عِنْدَ اللهِ.
في الشرح فصول: الفصل الأول
هذا حديثٌ صحيحٌ مقصودهُ ثابتٌ مضمونهُ: أورد محمد بن جرير الطبري في "تفسيره" بعضه من رواية داود عن الشعبي عن عائشة ﵂ هكذا (٤).
والظاهرُ أنَّ رواية الشعبي عن عائشة مرسلة، وقد أخرج الشيخان طرفًا من الحديث في "الصحيحين" (٥) من رواية الشعبي عن مسروق عن عائشة.
وأيضًا فإنَّ الأئمة لَم يذكروا في تعريف حال الشعبي سماعه عن عائشة في جملة الصحابة الذين سمع منهم الشعبي.
وعائشة ﵂ مذكورة في المجلس الثامن وبعده.
وزيد المُسمَّى في الحديث: هو ابن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزي بن زيد بن امرئ القيس، أبو أسامة الكلبي من كلب اليمن.
стр. 349
مولي رسول الله ﷺ وحِبّه.
يُروى عن بُرَيْدَةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ مَنْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأنْعَمْتُ عَلَيْهِ" يعني زيدًا (١).
وكان زيد مع أمه سُعدي بنت ثعلبة في طيء فأغارت عليهم خيل لِبَنِي القَيْنِ فأخذوه وأتوا به مكة، وكانت خديجة بنت خويلد ﵂ أعطت ابن أخيها حكيم بن حزام بن خويلد أربعمائة درهم ليشتري لها غلامًا فاشترى لها زيدًا، ثُمَّ إنَّ رسول الله ﷺ استوهبه منها فقالت: هو لك على أنك إن أعتقته كان ولاؤه لِي فقال ﷺ : لا أحب أن يكون لي فيه شريك فوهبته منه بلا شرط.
ثُمَّ إنَّ أباه وعمَّه عرفا مكانه فأتيا رسول الله ﷺ يريدان فداءه فقال ﷺ : أُخَيِّرُهُ، فإن اختاركما فهو لكما، وإن اختارني فيها كنت بالذي أختار على من يختارني أحدًا. قالا: أنصفتنا. فقال زيد: فإني أختارك. فقالا: تختار الرق على الحرية! وجزِعَا، فلمَّا رأى رسول الله ﷺ جزعهما أخرجه إلى الْحِجر وأشهد النَّاس على إعتاقه.
ولزم رسول الله ﷺ وشهد بدرًا وغيره، واستشهد في حياة رسول الله ﷺ في غزاة مؤتة وهو أمير الجيش، ومُؤْتَة (٢) موضع يُهمز ولا يُهمز.
وباقي أحواله يأتي في شرح متن الحديث (٣).
стр. 350
ومسروق (١) الذي أسند إليه رواية الشعبي: هو ابن الأجدع، والأجدع هو عبد الرحمن بن مالك بن أمية بن عبد الله الهمداني الكوفي، ويكني مسروق بأبي عائشة، رأى أبا بكر وعمر ﵄.
وروي عن: ابن مسعود، وعائشة، وزيد بن ثابت، وكان من أفاضل أصحاب ابن مسعود.
روى عنه: إبراهيم، والشعبي، وأبو الشعثاء، وأبو إسحاق السبيعي.
توفي سنة اثنتين وستين، وقيل: سنة ثلاث.
وكان يقول كثيرًا في كلامه: مَا امْتَلَأَتْ دَارٌ حَبْرَةً إِلَّا امْتَلَأتْ عَبْرَةً (٢).
والشَّعبي (٣): هو عامر بن شراحيل، ويقال: عامر بن عبد الله بن شراحيل، أبو عمرو الكوفي، من كبار فقهاء التابعين.
سمع: جابًرا، وابن عباس، والنعمان بن بشير، وجريرًا، وغيرهم من الصحابة والتابعين.
وروي عنه: منصور، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبو إسحاق السبيعي.
مات أول سنة ست ومائة، وقيل: خمس، وقيل: أربع وهو ابن سبع وسبعين سنة، وَأُخْبِرَ الحسن البصري بِموتهِ فقال: ﵀ إنه كان من الإسلام
стр. 351
لَبِمَكَانٍ (١).
ودواد (٢) بن أبي هند: هو أبو بكر، وقيل: أبو محمد القشيري مولاهم البصري، واسم أبي هند دينار، من المتقنين الأثبات.
سمع: سعيد بن المسيب، والشَّعْبِيَّ، وعاصمًا الأحول، والحسن، وابن سيرين، وأبا عثمان النَّهْدِيَّ.
روى عنه: حماد بن سلمة، وحفص بن غياث، وابن أبي عدي، وإسماعيل بن علية، ويزيد بن زريع.
ويقال: إن داود قد رأى أنس بن مالك ﵁.
وعن الفضل بن موسى السِّينانِي قال: كنت أساير ابن المبارك فدفُعنا إلى ثَلْمَةٍ (٣) فقال لِي: تقدم، فقلت: نعم أتقدم فلي داود بن أبي الهند وليس لك داود. وذلك لعظم رتبته عندهم.
وداود بن الزِّبْرِقَانِ لَم يُعرف إلا بالرواية عن داود بن أبي هند (٤).
وعلي (٥) بن حُجر: هو ابن إياس بن مقاتل بن مُشَمْرَج السَّعدي المروزي.
سمع: إسماعيل بن عُلية، وجرير بن عبد الحميد، وابن المبارك، والفضل بن موسي، وابن عيينة.
روى عنه: البخاري، ومسلم، والأئمة.
стр. 352
توفي سنة أربع وأربعين ومائتين.
ومحمد بن عيسي: هو أبو عيسى الترمذي، أحد أئمة الحديث المرجوع إلى قولهم وكتابهم، ذكرناه في المجلس الثالث، وذكرنا هناك أيضًا أبا العباس المَحْبُوبي، وعبد الجبار بن محمد وهو الْجَرَّاحِي وأبا الفتح الْهَرَوي.
وكانت ولادة الْمَحْبُوبِي سنة تسع وأربعين ومائتين، ووفاته سنة ستٍّ وأربعين وثلاثمائة، وبروايته اشتهر كتاب أبي عيسي.
وابن يَنَال (١): هو أبو إبراهيم إسماعيل بن يَنَال المَحْبُوبِي.
شَيْخٌ مُوَثَّقٌ.
سمع: أبا العباس الْمَحْبُوبِي -وكان يَنَال مولاه- وأحمد بن جعفر القَطِيعِيُّ.
ولد سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وتوفي سنة إحدى وعشرين وأربعمائة.
وعبد العزيز بن محمد (٢): أبو نصر بن محمد بن علي بن إبراهيم بن ثمامة بن داود التِّرْيَاقِيُّ، وَتِرْيَاقُ (٣) من قرى هراة.
ذُكِرَ أنه كانَ ثقةً مكثرًا، وأنه وُلد سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، وتوفي سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة، وقبره بقريته.
وأبو الفتح الحداد (٤): هو أحمد بن محمد بن أحمد بن سعيد بن إبراهيم بن الحسين بن يوسف الأصبهاني التاجر، من مشاهير شيوخ أصبهان المكثرين.
سمع: أبا نعيم، وأبا سعيد النَّقَّاش، وغيرهما.
الفصل الثالث
قول عائشة ﵂: "لَوْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَاتِمًا شَيْئًا مِنَ الْوَحْي لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ" سببه ما فيها من المعاتبة الظَّاهرة، وهو ما يُروى عنها وعن ابن مسعود ﵁ أنه ما نزلت على الرسول آية أشد من هذه.
وقوله: ﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ (١) المراد زيد بن حارثة وكان من سبي الجاهلية، قيل: انتقل من خديجة إلى رسول الله ﷺ كما مرَّ، وقيل: إنه ﷺ اشتراه بسوق عكاظ في الجاهلية.
وكانت تحته زينب بنت جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كثير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة بن حكيم الأسدية، أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ وقد كان خطبها النَّبِيُّ ﷺ لزيد وهي وأخوها عبد الله بن جحش يظنَّان أنما (٢) يخطبها لنفسه، فلما علما الحال كرها ذلك؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٣) فرضيا وسلَّما وزُوجت منه ومكثت عنده حينًا.
ثُمَّ اتفق أنه وقع بصرُ النَّبِيِّ ﷺ عليها ووقعت في قلبه فقال: سبحان مقلب القلوب، وصرف النظر عنها، ثم قيل: إن الله كرهها إلى زيد حتي رغب في طلاقها.
ويروى عنها أنها قالت: لَمَّا وَقَعْتُ فِي قلب رسول الله ﷺ لَم يقدر عليَّ زيدٌ
стр. 355
وما أمتنع منه.
وقيل: إن زيدًا تفطَّن لذلك فأتى النَّبِيَّ ﷺ فقال: إني أريد أن أُطلق زوجتي فإن فيها كِبرًا وإنها تؤذيني بلسانها.
فقال ﷺ : أمسك عليك زوجك واتق الله فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية (١).