لَبِمَكَانٍ (١).
ودواد (٢) بن أبي هند: هو أبو بكر، وقيل: أبو محمد القشيري مولاهم البصري، واسم أبي هند دينار، من المتقنين الأثبات.
سمع: سعيد بن المسيب، والشَّعْبِيَّ، وعاصمًا الأحول، والحسن، وابن سيرين، وأبا عثمان النَّهْدِيَّ.
روى عنه: حماد بن سلمة، وحفص بن غياث، وابن أبي عدي، وإسماعيل بن علية، ويزيد بن زريع.
ويقال: إن داود قد رأى أنس بن مالك ﵁.
وعن الفضل بن موسى السِّينانِي قال: كنت أساير ابن المبارك فدفُعنا إلى ثَلْمَةٍ (٣) فقال لِي: تقدم، فقلت: نعم أتقدم فلي داود بن أبي الهند وليس لك داود. وذلك لعظم رتبته عندهم.
وداود بن الزِّبْرِقَانِ لَم يُعرف إلا بالرواية عن داود بن أبي هند (٤).
وعلي (٥) بن حُجر: هو ابن إياس بن مقاتل بن مُشَمْرَج السَّعدي المروزي.
سمع: إسماعيل بن عُلية، وجرير بن عبد الحميد، وابن المبارك، والفضل بن موسي، وابن عيينة.
روى عنه: البخاري، ومسلم، والأئمة.
стр. 352
توفي سنة أربع وأربعين ومائتين.
ومحمد بن عيسي: هو أبو عيسى الترمذي، أحد أئمة الحديث المرجوع إلى قولهم وكتابهم، ذكرناه في المجلس الثالث، وذكرنا هناك أيضًا أبا العباس المَحْبُوبي، وعبد الجبار بن محمد وهو الْجَرَّاحِي وأبا الفتح الْهَرَوي.
وكانت ولادة الْمَحْبُوبِي سنة تسع وأربعين ومائتين، ووفاته سنة ستٍّ وأربعين وثلاثمائة، وبروايته اشتهر كتاب أبي عيسي.
وابن يَنَال (١): هو أبو إبراهيم إسماعيل بن يَنَال المَحْبُوبِي.
شَيْخٌ مُوَثَّقٌ.
سمع: أبا العباس الْمَحْبُوبِي -وكان يَنَال مولاه- وأحمد بن جعفر القَطِيعِيُّ.
ولد سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وتوفي سنة إحدى وعشرين وأربعمائة.
وعبد العزيز بن محمد (٢): أبو نصر بن محمد بن علي بن إبراهيم بن ثمامة بن داود التِّرْيَاقِيُّ، وَتِرْيَاقُ (٣) من قرى هراة.
ذُكِرَ أنه كانَ ثقةً مكثرًا، وأنه وُلد سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، وتوفي سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة، وقبره بقريته.
وأبو الفتح الحداد (٤): هو أحمد بن محمد بن أحمد بن سعيد بن إبراهيم بن الحسين بن يوسف الأصبهاني التاجر، من مشاهير شيوخ أصبهان المكثرين.
سمع: أبا نعيم، وأبا سعيد النَّقَّاش، وغيرهما.
الفصل الثالث
قول عائشة ﵂: "لَوْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَاتِمًا شَيْئًا مِنَ الْوَحْي لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ" سببه ما فيها من المعاتبة الظَّاهرة، وهو ما يُروى عنها وعن ابن مسعود ﵁ أنه ما نزلت على الرسول آية أشد من هذه.
وقوله: ﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ (١) المراد زيد بن حارثة وكان من سبي الجاهلية، قيل: انتقل من خديجة إلى رسول الله ﷺ كما مرَّ، وقيل: إنه ﷺ اشتراه بسوق عكاظ في الجاهلية.
وكانت تحته زينب بنت جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كثير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة بن حكيم الأسدية، أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ وقد كان خطبها النَّبِيُّ ﷺ لزيد وهي وأخوها عبد الله بن جحش يظنَّان أنما (٢) يخطبها لنفسه، فلما علما الحال كرها ذلك؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٣) فرضيا وسلَّما وزُوجت منه ومكثت عنده حينًا.
ثُمَّ اتفق أنه وقع بصرُ النَّبِيِّ ﷺ عليها ووقعت في قلبه فقال: سبحان مقلب القلوب، وصرف النظر عنها، ثم قيل: إن الله كرهها إلى زيد حتي رغب في طلاقها.
ويروى عنها أنها قالت: لَمَّا وَقَعْتُ فِي قلب رسول الله ﷺ لَم يقدر عليَّ زيدٌ
стр. 355
وما أمتنع منه.
وقيل: إن زيدًا تفطَّن لذلك فأتى النَّبِيَّ ﷺ فقال: إني أريد أن أُطلق زوجتي فإن فيها كِبرًا وإنها تؤذيني بلسانها.
فقال ﷺ : أمسك عليك زوجك واتق الله فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية (١).
стр. 356
في قوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بيان فضيلة زيد وما أوتي من النعمة، ومن خصائصه أنه سمي في القرآن باسمه الخاص من بين سائر الصحابة.
وقوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ﴾ أي: تسرّ وتضمر إرادة تزوجها وما في قلبك منها، وتأمر زيدًا بإمساكها والله مظهر ما تخفيه.
وقوله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ أي: تخاف لائمتهم وأن يقولوا أمر رجلًا بطلاق زوجته ثم نكحها.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ أي: أحقّ بأن تخشى منه في جميع الأحوال، إلا أنه لم يخش في القصة، ولكن لما جرى ذكر الخشية من الناس بيَّن أنَّ الله أحق بأن يخشى من عذابه.
وقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ قيل: فيه إضمار المعني: وطلقها زوجناكها، وقيل: هو كناية عن الطلاق؛ لأن قضاء الوطر من الشيء بلوغ منتهي ما في النفس منه، وإنَّما يُطَلِّقُ الرجلُ زوجته إذا لم يبق له فيها حاجة، ولما انقضت عدَّتُها أعلمها رسول الله ﷺ نزول القرآن في أمرها، ثم جاء ودخل عليها من غير استئذان اكتفاءً بقوله تعالى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾.
واحتجَّ في القصة على استغناء نكاح رسول الله ﷺ عن الولي والشهود.
وكَانَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشِ تَفْخَرُ على أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ بأنَّ الله زَوَّجَهَا؛ حَدَّثَ الْبُخَارِيُّ في "الصحيح" عَنْ خَلَّادِ بْنِ يَحْيَى بْنِ صَفْوَانَ السُّلَمِيِّ الْكُوفِيِّ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَهْمَانَ الْكُوفِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ تَفْخَرُ عَلَى
стр. 357
نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَقُولُ: زَوَّجِنِي اللهُ فِي السَّمَاءِ (١).
ويقال: إنه نكحها سنة ثلاث من الهجرة، ولما نكحها قال المنافقون ومن نَحَي نَحوهم: تزوج بِحليلة ابنه؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان قد تَبَنَّاهُ على ما كانوا يعتادون في الجاهلية، وكان يُدعى زيد بن محمد، ومضت على ذلك مُدَّةٌ حتى أَنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٢) وأنزل: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ (٣).
والدَّعِيُّ الذي يُدْعَي ابْنًا لِغَيْرِ أَبِيهِ؛ حَدَّثَ الْبُخَارِيُّ (٤) عن مُعَلَّى بِنْ أَسَدٍ وَهُوَ أَبُو الْهَيْثَمِ الْعَمِّي، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ المُخْتَارِ وَهُوَ أَبُو إسماعيل البْصْرِيُّ، عن مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عن سَالمٍ، عن ابْنِ عُمَرَ ﵁ أنَّه قَالَ: مَا كُنَّا نَدْعُو زَيْدَ بن حَارِثَةَ إلَّا زَيْدَ بن مُحَمَّدٍ حتى نَزَلَ فِي الْقُرْآنُ ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (٥).
فأبان بالآيتين أنَّ المُتَبَنِّى ليس بابنٍ حتى تحرم حليلته.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أي: فهم إخوانكم ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ قيل: بنوا عمكم. وقيل: أنصاركم وأولياؤكم في الدين.
وكانت زينب بنت جحش عند رسول الله ﷺ إلى أن توفي عنها وهي أول من ماتت بعده من أزواجه، توفيت سنة عشرين في خلافة عمر ﵁.
стр. 358
قال العلماء: ولا مطعنَ فِي القصةِ على النَّبِيِّ ﷺ ؛ فإنَّ النَّظرَ الأول من غير قصدٍ لا مؤاخذة به، ولا بِما يتولد منه من ميل النفس وهواها؛ وإِنَّمَا القبيح السَّعي في التفريق.
وفي قوله ﷺ : "سُبْحَانَ مُقَلِّب الْقُلُوبِ" حينئذٍ كالإشارة إلى أنَّ من ابتلي بشيءٍ من ذلك فَحقُّهُ أن يستعيذَ بالله تعالى؛ ليدفع عنه ما عرض له قبل أن يستحكم ويحول بينه وبين مصالحه وتتركه مبهوتًا ذاهلًا عن مهماته، كما قيل:
وَكُنْتُ أَرَي مِنْ وَجْهِ مَيَّةَ لَمْحَةً … فَأبرقُ مُغْشِيًّا عَلَيَّ مَكَانِيَا
وَأَسْمَعُ مِنْهَا لَفْظَةً فَكَأَنَّمَا … يُصِيبُ بِهَا سَهْمٌ طَرِيرٌ فُؤَادِيَا
هِيَ السِّحْرُ إِلَّا أَنَّ لِلسِّحْرِ رُقْيَةً … وَأَنِّيَ لَا أَلْقَى مِنَ الْحُبِّ رَاقِيَا (١)
وقد شفع رسول الله ﷺ إلى بريرةَ وقد عتقت تحت مغيث لعلها لا تفارقه، حيث قيل له: إن مُغيثًا يتبعها في سكك المدينة ودموعه تسيل على لحيته، وقال للعباس ﵁: "أَمَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيتٍ لِبَرِيرَةَ وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ لِمُغِيثٍ" (٢).
فَصْلٌ
قوله تعالى: ﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ (٣) فسرت عائشة وغيرها إنعامه عليه بالهداية والإسلام، وهو يوافق أظهر الأقوال في قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (٤):
стр. 359
فعن الضحاك أنه قال: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بقول (١): لا إله إلا الله الذي به حُقِنَتِ الدِّمَاءُ.
وعن ابن كيسان: بالهدى. وعن مقاتل: بالدين. وعن السُّدِّي: بالإسلام. وعن عكرمة: بالثبات على الإيمان والاستقامة.
والأقوال متقاربةٌ، ويناظر الآيتين قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ (٢) فقد فسر ذلك بالدين الحق، ويقرب منه قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (٣) فقد فُسِّرَتِ النِّعْمَةُ بأحكام الدين وشرائعه.
والتعرض لنعمة الله على زيد، ونعمة رسوله ﷺ في القصة كالتذكير له والحمل على الشكر على النِّعَمِ والانقياد لحكم الله ورسوله والخضوع لأمرهما.
وقد قيل: إنَّ شكر النعمة تربية لها، وترك الشكر إضاعة.
وقال بعضهم: [طويل]
لَعَمْرُكَ مَا المَعْرُوفُ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ … وَفِي أَهْلِهِ إِلَّا كَبَغْضِ الْوَدَائِعِ
فَمُسْتَوْدَعٌ ضَاعَ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ … وَمُسْتَودَعٌ مَا عِنْدَهُ غَيْرُ ضَائِعِ
وَمَا النَّاسُ فِي شُكْرِ الصَّنِيعَةِ عِنْدَهُمْ … وَفِي كُفْرِهَا إِلَّا كَبَعْضِ الْمَزَارعِ
فَمَزْرَعَةٌ طَابَتْ وَأَضْعَفَ نَبْتُهَا … وَمَزْرَعَةٌ أَكْدَتْ عَلَى كُلِّ زَارعِ (٤)
ويقال: إنَّ الله تعالى أوحي إلى موسي ﵇: ارحم عبادي، المبتلى والمعافي.
стр. 360
قال: فما بال المعافي؟ قال: لقلة شكره على عافيتي إياه.
ومن جسيم نعم الله تعالى ألَّا تقطع النعمة لترك الشكر، ويزيدها بالشكر.
رُئِيَ الحسنُ بْنُ عليٍّ ﵄ وقد التزم الركن وهو يقول: إلهي، نَعَّمْتَنِي فلم تَجدني شاكرًا، وابتليتني فلم تجدني صابرًا، فلا أنت سلبت النعمة بترك الشكر، ولا أنت زدت في البلية بترك الصبر، إلهي ما يكون من الكريم إلا الكرم.
وقرأت على أبي محمد المبارك بن عبد الرحمن قال: أَنَبَا عبد الوهاب بن صالح، أَنَبَا أبو الوفا الهمداني، أَنَبَا أبو صالح المؤذن، أَنَبَا أبو عبد الرحمن السلمي، أَنَبَا علي بن الحسن القطان، ثَنَا علي بن الحسن المحتسب، ثَنَا محمد بن هارون، ثَنَا محمد بن أحمد القيسي، ثَنَا موسي بن سهل، عن الربيع حاجب المنصور قال: لَما استوت الخلافة لأبي جعفر قال: يا ربيع ابعث إلى جعفر بن محمد من يأتيني به.
قال: فتنحيت من بين يديه وقلت: أي بلية تريد أن تفعل به؟ وأوهمته أني أفعل ثم أتيته بعد ساعة فقال: ألمَ أقل لك أن تبعث إلى جعفر بن محمد، وذكر في حقه ما يكره.
فذهبت إليه فقلت: أبا عبد الله أجب أمير المؤمنين، فقام معي، فلما دنونا من الباب قام فحرك شفتيه ثم دخل فسلم فلم يرد عليه، ووقف فلم يُجلسه ثم رفع رأسه فقال: يا جعفر كنت ألَّبت علينا وأكثرت، وحدثني أبي عن أبيه عن جده أنَّ رسول الله ﷺ قال: "يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ" (١).
فقال جعفر بن محمد: وحدثني أبي عن أبيه عن جده أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ بُطْنَانِ الْعَرْشِ: أَلَا فَلْيَقُمْ مَنْ كَانَ أَجْرُهُ عَلَيَّ، فَلَا يَقُومُ
стр. 361
إِلَّا مَنْ عَفَا عَنْ أَخِيهِ" (١).
فما زال يقول معه حتى سكن ما به ولان له فقال: اجلس أبا عبد الله، ارتفع أبا عبد الله، ثم دعا بِمُدْهُنِ (٢) غاليةٍ فجعل يغلفه (٣) بيده، والغالية تقطر من بين أنامل أمير المؤمنين، ثم قال: انصرف أبا عبد الله في حفظ الله وقال لي: يا ربيع أتبع أبا عبد الله جائزته وأضعفه.
قال: فخرجت فقلت: يا أبا عبد الله تعلم محبتي لك؟
قال: نعم، أنت يا ربيع منا.
قلت: شهدت ما لم تشهد، وسمعت ما لَم تسمع، وقد دخلت عليه ورأيتك تحرك شفتيك عند الدخول عليه.
قال: نعم، دعاء كنت أدعو به.
فقلت: دعاء كنت تلقنته عند الدخول عليه أو شيء تأثره عن أبائك الطيبين؟
قال: لا، بل حدثني أبي عن أبيه عن جده أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان إذا حَزَبَهُ أَمْرٌ دعا بهذا الدعاء، وكان يقال له دعاء الفرج: "اللهم احْرُسْنِي بِعَيْنِكَ التي لا تنام، وَاكْنُفْنِي بِرُكْنِكَ الذي لا يُرَامُ، وارحمني بِقُدْرَتِكَ عَلَيَّ، ولا تُهْلِكْنِي وأنت رجائي، فَكَمْ من نعمة أَنْعَمْتَ بها عَلَيَّ قل لك عندها شُكْرِي، وكم من بَلِيَّةٍ ابْتَلَيْتَنِي بها قَلَّ عندها صبري، فيا من قَلَّ عند نعمته شُكْرِي فلم يَحْرِمْنِي، ويا من قَلَّ عند بَلِيَّتِهِ صَبْرِي فلم يَخْذُلْنِي، ويا من رَآنِي على الْخَطَايَا فلم يَفْضَحْنِي، يا ذا المَعْرُوفِ الذي
стр. 362
لا يَنْقَطِعُ أَبَدًا، ويا ذا النِّعْمَةِ التي لا تُحْصَى أَبَدًا، أَسْأَلُكَ أن تُصَلِّي على محمد وعلى آل محمد كما صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ وَرَحِمْتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وأَدْرَأُ بك يا رب في نَحْرِهِ وَأَعُوذُ بك من شَرِّهِ، اللهم أَعِنِّي على دِينِي بِالدُّنْيَا وعلى آخِرَتِي بِالتَّقْوَى، وَاحْفَظْنِي فيما غِبْتُ عنه، ولا تَكِلْنِي إلى نفسي فيما حَضرْتُ، يا من لا تَضُرُّهُ الذنوب ولا تُنْقِصُهُ الْمَغْفِرَةُ هَبْ لي ما لا يَنْقُصُكَ واغْفِرْ ما لا يَضُرُّكَ، اللهم إني أَسْأَلُكَ فَرَجًا قَرِيبًا وَصَبْرًا جَمِيلًا، وَأَسْأَلُكَ العافية من كُلِّ بَلِيَّةٍ، وَأَسْأَلُكَ تَمَامَ الْعَافِيَةِ، وَأَسْأَلُكَ دَوَامَ الْعَافِيَةِ، وَأَسْأَلُكَ الشُّكْرَ عَلَى الْعَافِيَةِ، وَأَسْأَلُكَ الْغِنَى عن الناس، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا بالله الْعَلِيِّ الْعَظيمِ" (١).
قال الربيع: فكتبته من جعفر بن محمد في رقعة وها هو ذا في جيبي (٢).
وذكر مثله كل الرواة لمن رواه له، وأورده أبو صالح المؤذن في "مسلسلاته".
وقوله: "أَلَّبْتَ" يقال: أَلَّبَ الْجَيْشَ أي: جَمَعَهُ.
وَبُطْنَانِ الْعَرْشِ: وَسَطُهُ.
وَحَزَبَهُ أَمْرٌ يَحْزُبُهُ: إِذَا غَشِيَهُ وَعَلَاهُ.
وقوله: "أَدْرَأُ بِكَ" أي: أَدْفَعُ بِكَ، وَكَذلِكَ وَرَدَ فِي أَكْثَرِ الْأَدْعِيَةِ: "أَدْرَأُ بِكَ فِي صُدُورِ أَعْدَائِي" أَدْفَعُ بِكَ لِتَكْفِينِي شَرَّهُمْ، وَالدَّرْءُ: الدَّفْعُ.
وقوله في الدعاء: "يَا ذَا النِّعَمِ الَّتِي لَا تُحْصَى" يوافق قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا
стр. 363
نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (١).
وشكر الخلق على ضعفهم لا يفي ما لا يحصى، بل لا يوجد منهم الشكر إلا بأنْ يوفقهم له وهو نعمة منه أيضًا؛ ولذلك قال الشافعي ﵁ في خطبة الرسالة (٢): الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي لَا يُؤَدَّي شُكْرُ نِعَمِهِ إِلَّا بِنِعْمَةٍ مِنْهُ.
وأنشد المنصور بن إسماعيل الفقيه: [رجز]
شُكْرُ الْإِلَهِ نِعْمَةٌ مُوجِبَةٌ لِشُكْرِهِ
فَكَيْفَ شُكْرِي بِرَّهُ وَشُكْرُهُ مِنْ بِرِّهِ
ومن نعمته أن اكتفى من العبد من شكره بأن يعرف أن النعمة منه وأنه عاجز عن شكرها والقيام بحقها.
روي أنَّ موسى ﵇ قال في مناجاته: خلقت آدم بيدك وأسجدته ملائكتك وفعلت وفعلت فكيف شَكَرَكَ؟
فقال: عرف أن ذلك كله مني فكانت معرفته شكرًا لي.
وبالجملة فلا ينبغي للمتيقظ أن يغفل عن الشكر الذي يأتي منه ويمكنه، فالكفران مؤذن بزوال النعم وحلول النقم. وأنشد: [سريع]
مَنْ جَاوزَ النِّعْمَةَ بِالشُّكْرِ لَمْ … يَخْشَ عَلَى النِّعْمَةِ مُغْتَالَهَا
لَوْ شَكَرُوا النِّعْمَة زَادَتْهُمُ … مَقَالَةُ اللهِ الَّتِي قَالَهَا
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيْدَنَّكُمْ … لَكِنَّمَا كُفْرُكُمْ (٣) غَالَهَا
стр. 364
وَالكُفْرُ بِالنِّعْمَةِ يَدْعُو إِلَى … زَوَالِهَا وَالشُّكْرُ أَبْقَى لَهَا
ورأيتُ في بعضِ كتبِ أقضي القضاة الماوردي ﵀ نسبة هذه الأبيات إلى عليٍّ ﵁.
وَأُنْشِدُكُمْ لِنَفْسِي:
صَافَيْتُكَ لَا تَشُبْ بِمَطْلٍ وَبَلىّ … مِيعَادَكَ وَاحْتَكِمْ بِمَا شِئْتَ عَلَيَّ
أَتْمِمْ نِعَمًا أَنْتَ تَطَوَّلْتَ بِهَا … مِنْكَ الْيَدُ وَالْقُصُورُ مِنِّي وَإِلَيَّ (١)
آخر المجلس الثالث والعشرين، والحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وعلى آله وصحبه وسلم
* * * * *
стр. 365
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وما توفيقي إلا بالله
المجلس الرابع والعشرون من أماليه ﵀ ابتدأ بإملائه يوم الثلاثاء العاشر من صفر سنة اثنتي عشرة وستمائة
ثَنَا الإمام الْمُمْلِي ﵀ وأنا أسمع أَخْبَرَكُمْ ملكدادُ بن عَلِيٍّ (١)، عن محمد بن الْحُسَيْنِ قال: أَنَبَا الْقَاسِمُ بن محمد قال: أخبرنا عَلِيُّ بن إبراهيم قال: أنبا محمد بن يزيد قال: ثَنَا أبو بكر بن أبي شَيْبَةَ قال: ثَنَا يحيي بن آدم، عن عمار بن رُزَيْقٍ، عن أبي إسحاق، عن الْأَغَرِّ أبي مسلم، عن أبي هُرَيْرَةَ وأبي سعيد ﵄ يَشْهَدَانِ على النبي ﷺ أنه قال: "مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا يَذْكُرُونَ الله فِيهِ إِلَّا حَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ وَتَغْشَاهُمُ الرَّحْمَةً وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمُ الله فِيمَنْ عِنْدَهُ" (٢).
في الشرح فصول: الفصل الأول
هذا حديثٌ صحيحٌ أخرجه أبو داود الطيالسي (٣) عن شعبة هكذا، ومسلم في "صحيحه" (٤).
وأخرجه أيضًا في الصحيح من حديث الأعمش، عن أبي صالح ذكوان، عن
стр. 366
أبي هريرة مع زيادةٍ في أوله وزيادة في آخره، واللفظ مع الزيادتين: قال رسول الله ﷺ : "من نَفَّسَ عن مؤمن كُرْبَةً من كُرَبِ الدنيا نَفَّسَ الله عنه كُرْبَةً من كُرَبِ يوم القيامة، ومن يَسَّرَ على معسر يَسَّرَ الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ الله في الدنيا والآخرة، والله في عون الْعَبْدِ ما كان الْعَبْدُ في عَوْنِ أخيه، ومن سَلَكَ طريقا يَلْتَمِسُ فيه عِلْمًا سَهَّلَ الله له طَرِيقًا إلى الجنة، وما اجْتَمَعَ قَوْمٌ في بيت من بُيُوتِ الله يَتْلُونَ كتاب الله وَيَتَدَارَسُونَهُ بينهم إلا نزلت عليهم السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الملائكه، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بَطَّأَ به عَمَلُهُ لم يُسْرِعْ به نَسَبُهُ" (١).
ورُوي الحديث من غير الزيادتين عن أبي إسحاق: معمر (٢) وأبو الأحوص (٣) أيضًا، ومن رواية أبي الأحوص أخرجه أبو عبد الله بن أبي حفص البخاري في جامعه (٤)، ورواه عن شعبة: عبد الرحمن بن مهدي أيضًا (٥).
وأبو هريرة ﵁ مذكورٌ في ثلاثة مجالس منها الأول، وفي "صحيح البخاري" ما يدلُّ على حسن خلقه ومعرفته بقدر نعم الله تعالى وقيامه بشكرها ما روي عن محمد بن سيرين قال: كنا عند أبي هريرة وعليه ثَوْبَانِ مُمَشَّقَانِ من كَتَّانٍ فَتَمَخَّطَ قال بَخْ بَخْ أبو هريرة يَتَمَخَّطُ في الْكَتَّانِ لقد رأيتني وإني لأخِرُّ ما بين مِنْبَرِ رسول الله ﷺ إلى حُجْرَةِ عائشة ﵂ مَغْشِيًّا عَلَيَّ فَيَجِيءُ الْجَائِي فيضع رِجْلَهُ على عُنُقِي
стр. 367
وَيُرَى أَنِّي مَجْنُونٌ وَمَا بِي جُنُونٌ مَا بي إِلَّا الْجُوعُ (١).
المُمَشَّقُ: الْمَصْبُوغُ بِالْمِشْقِ وَهُوَ طِينٌ أَحْمَرٌ، وَيُقَالُ لَهُ: المَغْرَةُ.
وَعَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ: [طويل]
يَا لَيْلَةً مِنْ طُوْلِهَا وَعَنَائِهَا … عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الكُفْرِ نَجَتْ (٢)
الدَّارَةُ أَخَصُّ مِنَ الدَّارِ.
وأبو سعيد الخدري ﵁ مذكورٌ فِي المجلس السابع عشر.
ولأبي هريرة وأبي سعيد بالشركة أحاديث في "الصحيح" سوى هذا، منها: "يُنَادِي مُنَادٍ" يَعْنِي أهْلَ الْجَنَّةِ "إِنَّ لَكُمْ أن تَصِحُّوا فلا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وإنَّ لكم أن تَحْيَوْا فلا تَمُوتُوا أَبَدًا، وإنّ لكم أن تَشِبُّوا فلا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وإِنَّ لكم أن تَنْعَمُوا فلا تَبْأَسُوا أَبَدًا فَذَلِكَ قوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ (الأعراف) (٣).
والأَغَرُّ (٤) كنَّاه بعضهم أبا مسلم كما في الإسناد، وبعضهم يقول: هو أبو عبد الله، وذُكر أنه كان عبدًا مملوكًا لأبي هريرة وأبي سعيد بالشركة فأعتقاه، يُعَدُّ فِي أهل المدينة.
روى عنه: أبو إسحاق. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: وأبو جعفر الفراء،
стр. 368
وعطاء بن السائب سمعت أبي يقول ذلك (١). وعن شعبة أنَّ الأغرَّ كان قاصًّا.
ويقال له: الأغر بن عبد الله، وقيل: الأغر بن سليك، والأظهر أن ابن سليك غيره.
ويروي عن: أبي سعيد وأبي هريرة آخر يقال له: سلمان الأغر (٢)، وقد أوهم كلام بعضهم أنه والأغر الذي روى الحديث واحد، والظاهر أنه غيره، فقد ذكر الأئمة أبا مسلم الأغر في باب الألف، وسلمان في باب السين وذكروا أن سلمان روى عنه: الزهري، وابنه عبيد الله بن سلمان، وعبد الله بن دينار.
وأبو إسحاق: هو السَّبيعي، ذكرناه في المجلس الخامس.
وعمار بن رُزَيق (٣) بتقديم الراء على الزاي التيمي الضَّبِّي الكوفِي.
سمع: الأعمش، ومنصورًا، وأبا إسحاق السَّبيعي.
روى عنه: أَبُو الْجَوَّابِ، وأبو أحمد الزبيري، وأبو الأحوص سلام.
وهو والأغرُّ من أفراد مسلم.
ويحيى بن آدم بن سليمان الكوفي القرشي مولاهم أبو زكريا.
سمع: الثوري، وزهير بن معاوية، وإسرائيل، وعمار بن رزيق.
روى عنه: إسحاق الحنظلي، وعبد الله المُسْنَدِيُّ، وإسحاق بن نصر، ومحمد بن رافع، وأبو كريب، والحسن الحلواني، وابن أبي شيبة (٤).
وأبو بكر بن أبي شيبة: هو عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسي
стр. 369
الكوفي، وأبو شيبة كنية إبراهيم، من أئمة الحديث المشهورين.
سمع: أبا أسامة، وسفيان بن عيينة، وجعفر بن عون، وغيرهم.
روى عنه: البخاري، ومسلم، وأصحاب الجوامع والمسانيد.
توفي سنة خمس وثلاثين ومائتين (١).
ومحمد بن يزيد فمن دونه مذكورون في المجلس الثالث عشر وغيره.
الفصل الثاني
"نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَتَهُ" أي: فَرَّجَهَا، وَالتَّنْفِيسُ: التَّرْفِيهُ، ويمكن تقريب ذلك من قولهم: لفلان في هذا الأمر نُفْسَةٌ: أي مُهْلَةٌ.
وَالْكُرْبَةُ: الْغَمُّ الذي يأخذ بالنفس، وكذلك الْكَرْبُ يقال: منه كَرَبَهُ الْغَمُّ إذا اشتدَّ عليه. وَالْكَرَائِبُ: الشَّدَائِدُ، الواحدة: كَريبَةٌ، وَكَرَبْتُ الْقَيْدُ أي: ضَيَّقْتُهُ عَلَى الْمُقَيَّدِ.
وَحَفُّوا حَوْلَهُ يَحُفُّونَ حَفًّا أي: طَافُوا بِهِ وَاسْتَدَارُوا، وَحَفَّهُ بالشيء يَحُفُّهُ أيضًا وهو مثل ما يُحَفُّ الهودج بالثياب.
"وَنَزَلَتْ عَلَيْهُمْ السَّكِينَةُ" في كلمة "عَلَيْهِمُ" لغات وقراءات في القرآن:
منها "عَلَيْهُمْ" بضم الهاء وجزم الميم، رد الكلمة إلى أصلها فإن الهاء من كلمة "هم" لو ابتدئ بها مضمومة.
ومنها وهي الأشهر "عَلَيْهِمْ" بكسر الهاء وجزم ميم، لاستثقال الضَّمَّةِ بعد الياء الساكنة.
ومنها "عَلَيْهُمُ" بضم الهاء والميم، إبقاء لضمَّةِ الهاء على الأصل وإتباعًا
стр. 370
للضَّمَّةِ الضَّمَّةِ.
ومنها "عَلَيْهُمُو" بإلحاق واو بعد الضَّمَّتين وهي واو الجمع كما وصلوا الكلمة في التثنية بالألف فقالوا "عليهما".
ومنها "عَلَيْهِمِ" بكسرتين واختلاس الثانية، أما الكسرة الأولى فلأنَّ الضَّمَّةَ بعد الياء الساكنة ثقيلة، وأما الثانية فلاتباع الكسرة الكسرة.
ومنها "عَلَيْهِمِي" بإلحاق الياء بعد الكسرتين ليسهل التَّلفظُ بِها.
ومنها "عَلَيْهِمُو" بكسر الهاء وضمِّ الميم وإلحاق الواو.
وذكر المبرد وغيره أنَّ "علا" قد تكون اسمًا وهو بمعنى: فوق، تقول: أتيته من علا، وأخذت الشيء من علا: من فوق.
وقد تكون فعلًا تقول: علا زيدًا ثوبٌ يعلوه عُلوًّا.
وقد تكون حرفًا تقول: على زيد ثوبٌ.
وعن سيبويه أن ألف علا منقلبة عن الواو، وتقلب مع المضمر ياء فتقول: عليك وعليهم، ومن العرب من يتركها بحالها فيقول: علاك وعلاهم بدل عليك وعليهم.
وقال أهل اللغة: على للاستعلاء تقول: على فلان ثوب، وزيد على السطح.
وتَجيء بِمعني "عَنْ" كما قال الشَّاعرُ: [وافر]
إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ … لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا
أي: عَنِّي.
وبِمعنى "فِي" كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ
стр. 371
سُلَيْمَانَ﴾ (١) أي: فِي ملكه.
وبِمعني "مِنْ" كما في قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢)﴾ (المطففين) أي: من النَّاسِ.
وبِمعني "مَعَ" كما يقال: فلانٌ على صغر السن يقول الشعر.
وبِمعنى "العزيمة" تقول: أنا على الْحجِّ العام.
وبِمعنى "الثبات على الأمر" كما يقال: أنا على ما كنت عليه.
وبِمعنى "المخالفة" تقول: زيدٌ على عمرٍو أي: يُخالفه.
وبمعنى "الثبوت والوجوب" يقال: على فلان كذا.
ويمكن رد بعض هذه المعاني إلى بعض.
"والسَّكِينَةُ" الطَّمَأْنِينَةُ والسُّكُونُ.
الفصل الثالث
قوله: "عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وأبي هُرَيْرَةَ يَشْهَدَانِ على النَّبِيِّ ﷺ " يريد: يرويان عنه بلفظ الشهادة، وفيه مزيد تأكيدٍ وتحقيقٍ، وفي غير هذه الرواية أنَّ الأغرَّ قال: أشهد على أبي سعيد وأبي هريرة أنهما قالا: قال رسول الله ﷺ (٢).
وفي الحديث بيانُ فضلِ الذِّكْرِ وَمَجْلِسِ الذِّكْرِ، وقد ورد فِي فضلِ كلِّ واحدٍ منهما غير حديث:
ففي "جامع أبي عيسى الترمذي" عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ مَرْحُومِ بْنِ عبدِ
стр. 372
الْعَزِيزِ الْعَطَّارِ، عن أبي نَعَامَةَ وهو عَمْرُو بن عيسى السَّعْدِيُّ -كذلك ذكره الترمذي، وفي "التاريخ" (١) عن يحيى بن معين أن أبا نَعَامَةَ السَّعْدِيَّ عبد ربه، وعمرو بن عيسى هو أبو نَعَامَةَ الْعَدَوِيُّ والله أعلم-
عن أبي عُثْمَانَ وهو عبد الرحمن بن مُلٍّ النَّهْدِيُّ، عن أبي سعيد الْخُدْرِيِّ قال: خرج مُعَاوِيَةُ ﵁ إلى الْمَسْجِدِ-
وهو أبو عبد الرحمن بن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، كاتب يكتب لرسول الله ﷺ الوحي.
روى عنه: ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وحميد بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيب، وهمام بن منبه، وغيرهم.
استوى له الأمر بتسليم الحسن بن علي ﵄ ومصالحته إياه سنة إحدى وأربعين، ومات سنة ستين (٢).
ويروى أنَّه كان ينشد عند وفاته: [خفيف]
إِنْ تُنَاقِشْ يَكُنْ نِقَاشُكَ يَا رِبِّ … م عَذَابًا لَا طَوْقَ لِي بِالْعَذَابِ
أَوْ تُجَاوزْ فَأَنْتَ رَبٌّ غَفُورٌ … عَنْ مُسِيءٍ ذُنُوبُهُ كَالتُّرَابِ
قال أبو سعيد: فَقَالَ يعني معاوية: مَا يُجْلِسُكُمْ؟
فقالوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ الله تعالى. قال: آلله ما أَجْلَسَكُمْ إلا ذاك؟
قالوا: آلله ما أَجْلَسَنَا إلا ذاك. قال: أما إني لم أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لكم وما كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي من رسول الله ﷺ أَقَلَّ حَدِيثًا عنه مِنِّي إِنَّ رسول الله ﷺ خرج
стр. 373
على حَلْقَةٍ من أَصْحَابِهِ فقال: "ما يُجْلِسُكُمْ"؟
قالوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ الله تعالى وَنَحْمَدُهُ على ما هَدَانَا لِلِإسْلَامِ وَمَنَّ عَلَيْنَا به.
قال: "آلله ما أَجْلَسَكُمْ إلا ذَاكَ"؟
قالوا: آلله ما أَخْرَجَنَا إلا ذَاكَ.
قال: "إني لم أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، إنه أَتَانِي جبريل فَأَخْبَرَنِي أن الله تعالى يُبَاهِي بكم الملائكة" (١).
وفيما يروي لنا عن أبي بكر بن خلف، عن أبي عبد الله الحافظ، ثنا محمد بن يَعْقُوبَ، ثَنَا الرَّبِيعُ، ثَنَا عبد الله بن وَهْبٍ، أخبرني سُلَيْمَانُ بن بِلَالٍ، عن سُهَيْل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من قَوْمٍ جَلَسُوا مَجْلِسًا وَتَفَرَّقُوا منه لم يَذْكُرُوا الله فيه إلا كأنما تَفَرَّقُوا عن جِيفَةِ حِمَارٍ وكان عليهم حَسْرَةً يوم الْقِيَامَةِ" (٢).
وقوله: "إِلَّا حَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ" احتفافُ الملائكة بهم للتبرك بهم والرغبة فيما عندهم، وأيضًا لحفظهم والارتفاق بهم.
ومن مشهور الحديث وقد رَوَاهُ أبو داود الطَّيَالِسِيُّ عن وُهَيْبٍ، عن سُهَيْلٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله تعالى ملائكة سيَّارةً فُضُلًا يَلْتَمِسُونُ مجالس الذِّكْرِ فإذا أَتَوا على قَوْمٍ يَذْكُرُونَ الله جلسوا فَأَظَلُّوهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ ما بينهم وبين سَمَاءِ الدنيا، فإذا قَامُوا عَرَجُوا إلى ربهم فَيَقُولُ الله تعالى
стр. 374
وهو أَعْلَمُ بهم من أين جِئْتُمْ؟
فَيَقُولُونَ: من عند عبادك يُسَبِّحُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيَسْتَجِيرُونَ مِنْ عَذَابِكَ وَيَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ.
فَيَقُولُ الله تعالى: قد أَجَرْتُهُمْ مما اسْتَجَارُوا وأَعْطَيْتُهُمْ ما سَأَلُوا.
فَيُقَالُ: إن فيهم رجلًا مرَّ بهم فَقَعَدَ معهم.
فَيَقُولُ: وله قد غَفَرْتُ هم الْقَوْمُ لا يَشْقَى بهم جَلِيسُهُمْ" (١).
وقوله: "عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ" يُبَيِّنُ أن الذكر سببَ الطمأنينة على ما قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: ٢٨) وإذا اطمأنَّ القلبُ أنس به وزالت عنه الوحشة.
قيل لمحمد بن النضر: كأنك تكره مجالس الناس؟ قال: نعم. قيل: أفما تستوحش؟ قال: فكيف أستوحش وهو يقول: أنا جليس من ذكرني (٢).
وقوله: "وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ" يعني الملائكة المقربين من رحمته المواظبين على طاعته، ويقرب منه ما روي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "يَقُولَ الله تَعَالَى أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ" (٣).
ومن رحمة الله تعالى ولطفه بعباده أن أَذِنَ لَهم في ذِكَرِهِ على ما يعتريهم من الغفلات ويعترض لهم من الحالات؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا
стр. 375
وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ (١).
وعن محمد بن عَلِيٍّ الْكِتَّانِيِّ أنه قال: لولا أن ذِكْرَهُ فَرْضٌ عَلَيَّ ما ذَكَرْتُهُ إِجْلالًا له، مِثْلِي يَذْكُرُهُ ولم يَغْسِلْ فمه بألف تَوْبَةٍ مُتَقَبَّلَةٍ (٢).
وروي لنا عن أبي الأَسْعَدِ القُشَيْرِيِّ قال: أنبا محمد بن أحمد بن أبي جَعْفَرٍ قال: سَمِعْتُ ابن بَاكُويَه قال: ثَنَا نَصْرُ بن أبي نَصْرٍ، ثَنَا الحسين بن محمد التَّمِيمِيُّ، عن الْفَيْضِ بن إسحاق قال: أَنْشَدَنَا ذو النُّونِ:
[طويل]
رِجَالٌ أَطَاعُوا الله فِي السِّرِّ وَالْجَهْرِ … فَمَا بَاشَرُوا اللَّذَّاتِ حِينًا مِنَ الدَّهْرِ
يُرَاعُون نَجْمَ اللَّيلِ مَا يَرْقُدُونَهُ … بِإِدْمَانِ حِفْظٍ لِلتَّعَبُّدِ فِي الضُّرِّ
أُنَاسٌ عَلَيْهِمْ رَحْمَةُ الله أُنْزِلَتْ … فَظَلَّوا سُكُونًا فِي السُّهُولِ وَفِي القَفْرِ
ومن خصائصِ الذِّكْرِ أنَّ الْمحبَّةَ تدعوا إليه، وأنه يُفْضِي إلى الْمحبَّةِ ويزيد فيها، أما الأول فمن أحبَّ شيئًا أكثر ذكره، وأما الثاني فلأنَّ الذِّكْرَ ينبه على قديم إحسانه وجميل صنعه وامتنانه، ثم على كريم جماله وعظيم جلاله، وذلك يزيد في المحبة ويقطع في المحبة لسان الاعتراض وإن عرض لبعض نعمة إعراض.
وَأُنْشِدُكُمْ لِنَفْسِي:
نَفْسِي فِدًا لَهُمُ خَيَّبُوا أَمْ نَوَّلُوا (٣) … تَحَوَّلُوا عَنْ حَالِهِم أَوْ ثَبَتُوا فَخُوِّلُوا
إِنْ حَرَمُوا فَطَالَمَا بِفَضْلِهِمْ تَطَوَّلُوا … فتحت عيني بهم ما عنهم مُحَوّلُ
стр. 376
إِعْرَاضُهُم إِنْ أَعْرَضُوا وَشَدَّدُوُا وهَوَّلُوا … وَعَرَّضُونِي لِلتَّوَي بِمَا (١) عَلَيّ طَوّلُوا
لَيْسَ بِثَانٍ عَنْهُمُ إِنَّ الْحَبِيبَ الْأَوَّلُ … عَلَيهمُ فِي كُلِّ مَا أَقْصُدُهُ الْمعوّلُ (٢)
آخر المجلس الرابع والعشرون، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين
* * * * *
стр. 377
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وما توفيقي إلا بالله
المجلس الخامس والعشرون من أماليه ﵀ ابتدأ بإملائه يوم الجمعة التاسع عشر من صفر سنة اثنتي عشرة وستمائة
حدثنا الإمام المُمْلِي ﵀ إِمْلَاءً من لفظه الشريف قال: قرأت على والدي ﵀ قال: قَرَأْتُ على حامد بن محمود الْخَطِيبِ قال: أنبا محمد بن الْفَضْلِ الصَّاعِدِيُّ.
وكتب إلينا حَامِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عن الصَّاعِدِيِّ قال: أنبا سعيد بن محمد قال: أنبا زَاهِرُ بن أحمد قال: أنبا عبد الله بن محمد قال: ثَنَا مُصْعَبُ بن عبد الله قال: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عن عبد الرحمن بن الْقَاسِمِ، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت:
خَرَجْنَا مع رسول الله ﷺ في بَعْضِ أَسْفَارِهِ حتى إذا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أو بذات الجيش انقطع عِقْدِي فأقام رسول الله ﷺ على الْتِمَاسِهِ وأقام الناس معه وَلَيْسُوا على ماء فَأَتَى الناس أبا بكر ﵁ فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة أَقَامَتْ برسول الله ﷺ وبالناس وَلَيْسُوا على مَاءٍ وليس معهم مَاءٌ فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ على فَخِذِي قد نَامَ فقال: حَبَسْتِ رسول الله ﷺ والناس وَلَيْسُوا على مَاءٍ وليس مَعَهُمْ مَاءٌ.
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَعَاتَبَنِي أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول وجعل يَطْعُنُ بِيَدِهِ في خَاصِرَتِي فلا يَمْنَعُنِي من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فَخِذِي، فَنَامَ رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير مَاءٍ فَأَنْزَلَ الله تعالى آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا.
فَقَالَ أُسَيْدُ بن حُضَيْرٍ ﵁ وهو أَحَدُ النُّقَبَاءِ: ما هي بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يا آل أبي
стр. 378
بَكْرٍ.
قالت: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الذي كنت عليه فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ.
في الشرح فصول: الفصل الأول
هذا حديثٌ صحيحٌ عالٍ متفقٌ عليه مدونٌ في "موطأ مالك" (١)، وفي "صحيح البخاري" بروايته عاليًا في "التفسير" (٢) عن إسماعيل، عن مالك. وفي "الطهارات" (٣) عن عبد الله بن يوسف أبي محمد التنيسي، وفي "فضل أبي بكر" (٤) عن قتيبة بن سعيد بروايتهما عن مالك.
ونازلًا (٥) عن يحيى بن سليمان أبي سعيد الجعفي الكوفي ساكن مصر عن عبد الله بن وهب أبي محمد المصري، عن أبي أمية عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري مولاهم المؤدب، عن (عبد الرحمن بن القاسم) (٦).
وفي "صحيح مسلم" (٧) بروايته عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
ورواه أبو عوانة الحافظ في "مسنده" (٨) عن محمد بن إسماعيل السّلمي، عن
стр. 379
القعنبي، عن مالك.
ورواه أبو داود السجستاني (١)، وابن ماجه (٢) مختصرًا من رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂.
وروى أبو داود (٣) القصة أيضًا من حديث ابن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمار بن ياسر.
وعائشة ﵂ مذكورة في المجلس الثامن و بعده.
وَأُسَيْدُ (٤) المشتمل على ذكره الحديث: هو أبو عيسى وأبو عتيق أو أبو عتيك أو أبو يحيي أو أبو حضير أُسَيْدُ بن حُضَيْرٍ بن سماك بن عتيك بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج الأشهلي الأنصاري.
أحد نُقباء الأنصار، شهد بدرًا وأحدًا وغيرهما.
وتحدث عند رسول الله ﷺ في ليلة ظلماء وبقي عنده حتى ذهب بعض الليل، فلما خرج أضاءت له عصاه فمشى في ضوئها حتى بلغ منزله (٥).
وكان يقال لأبيه: حضير الكتائب.
روي عن أُسَيْد: أنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وعائشة.
стр. 380
مات سنة عشرين، وصلى عليه عمر ﵁ ودفن بالبقيع.
والقاسم: هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق أبو محمد ويقال: أبو عبد الرحمن، من فقهاء المدينة.
سمع: عمته عائشة ﵂، وابن عباس، وصالح بن خوات، وغيرهم.
روى عنه: الزهري، ونافع، وابن أبي مليكة، وأيمن بن نابل، وأبو الزناد. توفي سنة اثنتين ومائة، وقيل: سنة ثمان ومائة، وقيل: سنة اثنتي عشرة (١).
وعبد الرحمن بن القاسم ابنه: أبو محمد، يقال: كان أفضل أهل زمانه.
روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، وعبد العزيز بن أبي سلمة.
مات سنة ستٍّ وعشرين ومائة بالمدينة، وقيل: بالشام (٢).
ومالك (٣): هو إمام أهل المدينة، وأول من صَنَّفَ فِي الإسلام منهم، أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي.
من أئمة المسلمين المقتدي بهم في آفاق الأرض، وكان لا يُحَدِّثُ إلا عن ثقةٍ.
يروى عن الشافعي ﵁ أنَّه قال: إذا وجدت لِمالكٍ حديثًا فشدّ يديك به فإنه حُجَّةٌ.
وأنه قال: لولا مالك ما تفقهت، ولولا ابن عيينة ما سمعت الحديث، ولولا معونة أحمد بن حنبل ما رددت على أهل العراق.
ويقال إن بعض الكبار من أهل المدينة رأى رسول الله ﷺ في المنام كأنه
стр. 381
جالس والناس يقولون له: أعطنا.
فقال لهم: إني كنزت تحت المنبر كنزًا وقد أمرت مالكًا أن يقسمه فيكم فاذهبوا إلى مالك (١).
وعلى مَالِكٍ حَمَلَ حَامِلُونَ ما روى عبد الرَّزَّاقِ، عن سفيان، عن ابن جُرَيْجٍ، عن أبي الزُّبَيْرِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يَضْرِبُ النَّاسُ أَكْبَادَ الإِبِلِ فَلَا يَجِدُونَ عَالِمًا أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ المَدِينَةِ" (٢).
سمع: نافعًا، والزهري، وهشام بن عروة، وغير واحد من التابعين.
وروى عنه: ابن المبارك، وابن مهدي، والقعنبي، ومن لا يحصون.
وقال فيه بعض أهل المدينة: [طويل]
أَلَا إِنَّ فَقْدَ الْعِلْمِ فِي فَقْدِ مَالِكٍ … فَلَا زَالَ فِينَا صَالِحَ الْحَالِ مَالِكُ
يُقِيمُ طَرِيقَ الْحَقِّ وَالْحَقُّ وَاضِحٌ … وَيهْدِي كَمَا تَهْدِي النُّجُومُ الشَّوابِكُ
فَلَوْلَاهُ مَا قَامَتْ حُقُوقٌ كَثِيرَةٌ … وَلَوْلَاهُ لانْسَدَّتْ عَلَيْنَا الْمَسَالِكُ
عَشَوْنَا إِلَيْهِ نَبْتَغِي ضَوْءَ رَأْيِهِ … وَقَدْ لَزِمَ الْغَيَّ اللَّحُوحُ الْمُمَاحِكُ
فَجَاءَ بِرَأْيٍ مِثْلُه يُقْتَدَى بِهِ … كَنَظْمِ جُمَانٍ زَيَّنَتْهُ السَّبَائِكُ
وُلِد مالك سنة ثلاث وتسعين، وقيل: سنة أربع، وقيل: سنة خمس.
وعن الواقدي أنَّ أمه حملت به ثلاث سنين. وتوفي سنة تسع وسبعين ومائة.
ومُصعب: هو مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير
стр. 382
بن العوام الأسدي القرشي.
روي عن: أبيه، وعن عبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَرْدِيِّ، ومالك، وغيرهم.
وهو عَمُّ الزبير بن بكار صاحب كتاب "النسب" وأكثر الزبير الرواية عنه (١).
وعبد الله (٢) هو أبو القاسم ابن محمد بن عبد العزيز بن المرزبان بن سابور بن شاهنشاه الْبَغَوِيُّ.
مُحَدِّثٌ كبيرٌ مشهورٌ، بغدادي المولد والمنشأ، ثقةٌ مُعمر سمع الناس منه قرنًا بعد قرن.
أنبا الإمام أبو سعد السَّمْعَانِيُّ بالإِجَازَةِ الْعَامَّةِ قال: أنبا أبو مَنْصُورٍ عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد الشَّيْبَانِيُّ قال: أنبا أحمد بن عَلِيٍّ الخَطِيبُ، حدثني الحسن بن محمد الدَّرْبَنْدِيُّ، سمعت أبا محمد عَبْدَانُ بن أحمد الْخَطِيبُ ابن بنت أحمد بن عَبْدَانَ الشِّيرَازِيّ يَقُولُ: سمعت جدي يَقُولُ: اجْتَازَ أبو الْقَاسِمِ عبد الله بن مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ بِنَهْرِ طَابَقِ (٣) على باب المسجد قال: فسمع صوت مُسْتَمْلٍ فقال: من هذا؟
فَقَالُوا: ابْنُ صَاعِدٍ. فقال: ذاك الصَّبِيُّ؟! قَالُوا: نَعَمْ.
قال: والله لا أَبْرَحُ من موْضِعِي هذا حَتَّى أُمْلِي ها هنا.
قال: فَصَعِدَ الدّكَّةَ وجلس وَرَآهُ أصحاب الحديث فَتَرَكُوا ابن صَاعِدٍ. ثُمَّ قال: ثَنَا أبو عبد الله أحمد بن حَنْبَلِ الشَّيْبَانِيُّ قبل أن يُولَدَ المُحَدِّثُونَ قال: ثَنَا
стр. 383
طَالُوتُ بن عباد قبل أن يُولَدَ الْمُحَدِّثُونَ، ثَنَا أبو نَصْرٍ التَّمَّارُ قبل أن يُولَدَ الْمُحَدِّثُونَ. فَأَمْلَى سِتَّةَ عشر حَدِيثًا عن سِتَّةِ عشر شَيْخًا ما كان في الدُّنْيَا من يَرْوِي عنهم غَيْرُهُ (١).
وعن الحسن بن عبد الرحمن بن خَلَّادٍ: لا يُعْرَفُ في الإسلام مُحَدِّثٌ يُوَازِي عبد الله بن محمد في قدم السَّمَاعِ؛ فإنا سَمِعْنَاهُ يقول: حَدَّثَنَا إسحاق بن إسماعيل الطَّالْقَانِيُّ سنة خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ (٢).
ومات البغوي سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وقد استتمَّ مائة وثلاث سنين.
وزاهر (٣): هو أبو علي بن أحمد بن محمد بن عيسى السَّرَخْسِيُّ الفقيه.
إمامٌ مشهورٌ في الفقه والحديث.
قرأ القرآن على ابن مجاهد، وتفقه عند أبي إسحاق المروزي، وسمع: أبا لبيد، والبغوي، وابن صاعد، ودَرَسَ الأدب على أبي بكر بن الأنباري.
وحدّث عنه أنَّه أملى عليهم بإسنادٍ له أنَّ زينب بنت علي بن أبي طالب يوم قتل الحسين أخرجت رأسها من الخباء وهي رافعة عَقِيرَتهَا (٤) تقول:
[بسيط]
مَاذَا تَقُولُونَ إِنْ قَالَ النَّبِيُّ لَكُمْ … مَاذَا فَعَلْتُمْ وَأَنْتَمْ آخِرُ الْأُمَمِ
بِعِتْرَتِي وَبِأَهْلِي بَعْدَ مُفْتَقَدِي … مِنْهمْ أُسَارَي وَمِنْهُمْ ضُرِّجُوا بِدَمِ
стр. 384
مَا كَانَ هَذَا جَزَائِي إِذْ نَصَحْتُ لَكُمْ … أَنْ تَخْلُفُونِي بِشَرٍّ في ذَوِي رَحِمِي (١)
وسعيد بن محمد (٢): هو أبو عثمان بن أبي عمرو محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر بن بحير بن نوح الْبَحِيرِيُّ.
من كبار المحدِّثين، ومن بيت العلم والحديث، وفي سلفه وخلفه جماعة من العلماء والصالحين.
سمع: زاهر، وأبا عمرو الْبَحِيرِيّ، وغيرهما.
ومحمد بن الفضل الصاعدي، وحامد الخطيب، ووالدي ﵏ مذكورون من قبل:
أما الصاعدي ففي المجلس السادس، ويقال: إنه كان مُكرمًا للغرباء، صَبُورًا على القراءة، سمع: شيخ الإسلام الصَّابُونِيّ، وأخاه أبا يعلى، وابن مسرور، وَالْبَحِيرِيُّ، ومن لا يُحْصون.
وأما الخطيب ففي المجلس الرابع؛ وأما والدي ففي غير مجلسٍ.
الفصل الثاني
"الْبَيْدَاءُ" موضع بين مكة والمدينة، ويقال: إنه أقرب إلى مكة من ذي الحليفة، وذو الحليفة على عشر مراحل، وعلى ميل من المدينة.
و "ذَاتُ الْجَيْشِ" على بريد من المدينة. و"الْعِقْدُ" القلادة.
و "الطَّعْنُ" يكون باليد والرمح والقول.
و "المكان" الموضع وكذا المكانة قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى
стр. 385
مَكَانَتِهِمْ﴾ (١).
وَالْمَكَانَةُ: المَنْزِلَةُ، يُقَالُ: فُلَانٌ مَكِينٌ: بَيِّنُ المَكَانَةِ، وتُوُهِّمَ الميم أصلية لكثرة لزومها الكلمة فقالوا: تَمَكَّن، كما قالوا من المسكين: تَمَسْكَن.
وأرادت ما يمنعني من التحرك إلا موضع رسول الله ﷺ من فخذي لئلا يستيقظ.
و"غير" كلمة مخالفة والجمع: أغيار، ويوصف بها ويستثني:
فالوصف كما تقول: زيد غير بخيل، وإذا وصفت بها أعربتها بإعراب ما قبلها، ومنه قول تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ أي: اهدنا صراطَ الْمُنْعَمِ عليهم الذين من صفتهم أنهم غير مغضوب عليهم.
ويقال: إنَّ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بدل من ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.
والاستثناء كما تقول: رأيت القوم غير زيد، وإذا كانت للاستثناء خفضت ما بعدها وتُعْربُ هي بإعراب الاسم الواقع بعد "إلا" لو استعملت بدلها "إلا" تقول: ما جاءني غير زيد، كما تقول: "إلا زيد" وما رأيت غير زيد، كما تقول: إلا زيدًا.
وقد ترد بمعني "لا" كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ (٢) أي: لا باغيًا ولا عاديًا.
وقولها: "حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ" يمكن أن يحمل عليه أي: أصبح على منزل بلا ماء، ويمكن أن تقدر صفة، يقال: نزل على ماء وعلى غير ماء، أي: منزل فيه
стр. 386
ماء ومنزل خال عن الماء.
الفصل الثالث
قولها ﵂: "حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الجَيْشِ" يُمكن أن يكون شكًّا من عائشةَ، ويُمكن أن يكون شكًّا من بعض الرواة عنها، وفي بعض الروايات ذكرُ "ذَاتِ الْجَيْشِ" على التَّعيين.
والْعِقْدُ على ما رواه بعضهم كان من جَزْع ظِفَارٍ وهي مدينة باليمن (١)، والكلمة مبنيَّةٌ على الكسر مثل فِطَام، ويحكى أنه كان مستعارًا من أسماء ﵂ وكانوا قد نزلوا في آخر الليل فبقوا على التماس العقد إلى أن أصبحوا.
أَنْبَأَنَا مُنْبِئُونَ عن أبي عمرو المُقْرِئ، عن محمد بن أحمد الْفَقيهِ، عن الْقَاسِمِ بن جَعْفَرِ، عن أبي عَلِيٍّ اللُّؤْلُؤِيُّ، عن أبي داود قال: ثنا محمد بن يحيى في آخرين قالوا: ثنا يعقوب قال (أَخْبَرَنَا) (٢) أبي، عن صَالِحٍ، عن ابن شِهَابٍ قال: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عَمَّارِ بن يَاسِرٍ ﵁ أن النبي ﷺ عَرَّسَ بِأُولَاتِ الجيش ومعه عائشةُ ﵂ فانقطع عِقْدٌ لها مِنْ جَزْعِ ظِفَارِ، فَحُبِسَ الناس ابْتِغَاءَ عِقْدِهَا ذَلِكَ حتى أَضَاءَ الْفَجْرُ وليس مع الناس مَاءٌ فَتَغَيَّظَ عليها أبو بكر ﵁ عليها وقال: حَبَسْتِ الناس وليس معهم مَاءٌ فَأَنْزَلَ الله تعالى رُخْصَةَ التَّيَمُّمِ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ، فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمُ عَلَى الأرض فَمَسَحُوا بها وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ (٣).
стр. 387
ويقال: إنَّهم تيمموا لصلاة الصُّبح أول ما تيمموا
والتَّعْرِيسُ: النُّزولُ في آخرِ الليل للقوم هذا معناه الأشهر، وقد يسمى النُّزولُ عند القائلة تعريسًا أيضًا. وعن الخليل أنَّ كلَّ نزولٍ تعريسٌ، ويمكن أن يكون النزول وقتئذٍ لابتغاء العِقْدِ، ويمكن أن يكون التوقف بعد النزول لذلك.
وقولها: "فَأَقَامَ رسول الله ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ" إضافة الإقامة إليه، لكن إقامته كانت بسؤال عائشة أو لمراقبته إياها لعلمه بتعلق قلبها بالعقد، ولولا ذلك لم يلمها أبو بكر والناس.
وقوله: "حَبَسْتِ النَّاسَ" من قبيل نسبة الفعل إلى المتسبب.
وفي القصَّةِ دليلٌ على أنه يحسن من الزوج رعاية جانب الزوجة واستمالة قلبها وإن كان في الشَّيء الحقير، وأنه لا بأس بأن يُظهر ذلك للنَّاس، وإن لحق الأجانب مشقة في تلك الرعاية، وعلى أنَّ الشيء الضائع يجوز الاهتمام به وتفقده، ولا يمنع منه قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ (١) وعلى أنه يجوز للمرأة التَّزين والتَّحلي في السفر وإن كان السفر مظنة تكشفات يؤدي إليها السير والنزول والركوب، وعلى أنَّه لا منع من استصحاب النِّسوة في الغزوات فإن السفر كان في غزوٍ على ما سيأتي، وعلى أنه يجوز عند النَّوم وضع الرأس على فخذ الغير وإن ثقل الرأس في النَّوم ولم يتحقق وقت الانتباه وقد يُفضي ذلك إلى تألم العضو، وعلى أنَّ للأب تعزير الولد وتأديبه باللِّسان واليد، وعلى أنَّه يرخص في حفظ المال بما يغرر بالعبادة ويفوتها فإنه لو لم تنزل آية التيمم لما صلوا أو لصلوا بلا طهارة.
وفي بعض الروايات أنَّ النبي ﷺ بعث أُسَيْدًا وأُناسًا معه في طلب القِلادة
стр. 388
فحضرت الصلاةُ فصلُّوا بغيرِ وضوءٍ ثمَّ أتوا النبي ﷺ وذكروا ذلك له فنزلت آية التيمم (١).
وقولها: "مَا شَاءَ الله أَنْ يَقُولَ" أشارت به إلى تطويله العتاب أو تخشينه القول.
وفي قولها: "فلا يَمْنَعُنِي من التَّحَرُّكِ إلا مكان رسول الله ﷺ " إشارة إلى أنَّه يطعن طعنًا مؤلِمًا إلَّا أني كنت أثبت نفسي ولا أضطرب.
وقولها: "فَأَنْزَلَ الله تعالى آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا" كلمة: "فَتَيَمَّمُوا" يجوز أن تجعل حكاية عن لفظ القرآن، ويجوز أن تجعل خبرًا عن فعلهم.
وَقَوْلُ أُسَيْدِ بن حُضَيْرٍ يُبَيِّنُ كَثْرَةَ الْبَرَكَةِ واليمن في أبي بكر ﵁ وآله للمسلمين واعْتِرَافَهُمْ له بِالْفَضْلِ وَالتَّقَدُّمِ.
واعلم أن التَّيَمُّمَ رُخْصَةٌ خُصَّتْ بها هذه الْأُمَّةُ على ما بَيَّنَهُ ﷺ بقوله: "جُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ مَسْجِدًا، وَجُعِلَ تُرَابُهَا لَنَا طَهُورًا" (٢).
والأمر بالتَّيمُّمِ ورد في سورة النِّساء وفي سورة المائدة، وبين نزول السورتين مدة فسورة النساء من أوائل ما نزل بالمدينة وسورة المائدة من أواخر ما نزل، بل روي أنه ﷺ قال: "إن سورة المائدة آخر ما نَزَلَ عَلَيَّ من القرآن، فَأَحِلُّوا حَلَالَها وَحَرِّمُوا حَرَامَهَا" (٣).
وإذا كان كذلك فقضية القصة أن يكون استفتاح الرخصة بالآية التي في
стр. 389
النساء وأنها التي وردت في إقامتهم لطلب القلادة.
وفي "تفسير مقاتل" وغيره في سورة المائدة أنَّ الآية نزلت في عائشة ﵂ وكانت مع النبي ﷺ في غزوة بني أنمار حيٍّ من قيس غيلان (١).
ويشبه أن يكون المراد رخصة التيمم من أصلها لا آية المائدة بخصوصها.
وفي القصة بيانُ لطف الله تعالى بِخواص عباده عند اشتداد الأمر بكشف الضُّرِّ وفتح الباب المغلق، وبحسب ذلك يوفقهم لحسن الالتجاء إليه والاعتماد عليه، فلا يطمعون فيمن سواه ولا يحمدون إلا إياه ولا يرون النعمة إلا منه، ألا ترى إلى قول عائشة ﵂ حين برأها الله تعالى مما رماها به أهل الإفك قالت: "بِحَمْدِ الله لَا بِحَمْدِهِ" تريد رسول الله ﷺ .
وفيما يُرْوَي لنا عن عبد الْخَالِقِ بْنِ زَاهِرٍ قال: أَنَبَا أحمد بن علي الأَدِيبُ قال: أنبا الْحَاكِمُ أبو عبد الله قال: أنبا ابن كَامِلٍ الْقَاضِي قال: أَنْشَدَنَا إبراهيم بن عبد الله النَّحْوِيُّ للحسين بن عَلِيٍّ ﵄: [سريع]
اغْنَ عَنِ المَخْلُوقِ بِالْخَالِقِ … تَغْنَ عَنِ الْكَاذِبِ وَالصَّادِقِ
وَاسْتَرْزِقِ الرَّحْمَنَ مِنْ فَضْلِهِ … فَلَيْسَ غَيْرُ الله مِنْ رَازِقِ
مَنْ ظَنَّ أَنَّ النَّاسَ يُغْنُونَهُ … فَلَيْسَ بِالرَّحْمَنِ بِالوَاثِقِ
أَوْ ظَنَّ أَنَّ الْمَالَ مِنْ كَسْبِهِ … زَلَّتْ بِهِ النَّعْلَانِ مِنْ حَالِقِ (٢)
وَخُيِّلَ إِلَيَّ في بعضِ الْغَفَوَاتِ في سنةِ سِتٍّ وستمائة أنَّ رجلًا يُلَقِّنُنِي هاتين
стр. 390
الكلمتين: "أنلني من خيرك ولا تشغلني بغيرك" فَنَقَشْتُهُمَا على خَاتَمٍ، وأقصر من الثانية: وأَمِلني أو أَقِلني مِنْ غيرك.
وَأُنْشِدُكُمْ لنفسي: [متقارب]
تَيَمَّمْتُ بَابَكَ لَا غَيْرَهُ … فَمَا الْخَيْر عِنْدِي سِوَى خَيْرِكُمْ
لَئِنْ لَمْ أُصِبْ مِنْكُمُ وَابِلًا … فَمَا أَرْتَجِي الطَّلَّ مِنْ غَيرِكُمْ (١)
آخر المجلس الخامس والعشرين، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وسلم
* * * * *