← Тафсир

Тафсир · id 30623

الأمالي الشارحة لمفردات الفاتحة

الرافعي

Полный текст (469 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ماء ومنزل خال عن الماء. الفصل الثالث قولها ﵂: "حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الجَيْشِ" يُمكن أن يكون شكًّا من عائشةَ، ويُمكن أن يكون شكًّا من بعض الرواة عنها، وفي بعض الروايات ذكرُ "ذَاتِ الْجَيْشِ" على التَّعيين. والْعِقْدُ على ما رواه بعضهم كان من جَزْع ظِفَارٍ وهي مدينة باليمن (١)، والكلمة مبنيَّةٌ على الكسر مثل فِطَام، ويحكى أنه كان مستعارًا من أسماء ﵂ وكانوا قد نزلوا في آخر الليل فبقوا على التماس العقد إلى أن أصبحوا. أَنْبَأَنَا مُنْبِئُونَ عن أبي عمرو المُقْرِئ، عن محمد بن أحمد الْفَقيهِ، عن الْقَاسِمِ بن جَعْفَرِ، عن أبي عَلِيٍّ اللُّؤْلُؤِيُّ، عن أبي داود قال: ثنا محمد بن يحيى في آخرين قالوا: ثنا يعقوب قال (أَخْبَرَنَا) (٢) أبي، عن صَالِحٍ، عن ابن شِهَابٍ قال: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عَمَّارِ بن يَاسِرٍ ﵁ أن النبي ﷺ عَرَّسَ بِأُولَاتِ الجيش ومعه عائشةُ ﵂ فانقطع عِقْدٌ لها مِنْ جَزْعِ ظِفَارِ، فَحُبِسَ الناس ابْتِغَاءَ عِقْدِهَا ذَلِكَ حتى أَضَاءَ الْفَجْرُ وليس مع الناس مَاءٌ فَتَغَيَّظَ عليها أبو بكر ﵁ عليها وقال: حَبَسْتِ الناس وليس معهم مَاءٌ فَأَنْزَلَ الله تعالى رُخْصَةَ التَّيَمُّمِ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ، فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمُ عَلَى الأرض فَمَسَحُوا بها وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ (٣).

стр. 387

ويقال: إنَّهم تيمموا لصلاة الصُّبح أول ما تيمموا والتَّعْرِيسُ: النُّزولُ في آخرِ الليل للقوم هذا معناه الأشهر، وقد يسمى النُّزولُ عند القائلة تعريسًا أيضًا. وعن الخليل أنَّ كلَّ نزولٍ تعريسٌ، ويمكن أن يكون النزول وقتئذٍ لابتغاء العِقْدِ، ويمكن أن يكون التوقف بعد النزول لذلك. وقولها: "فَأَقَامَ رسول الله ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ" إضافة الإقامة إليه، لكن إقامته كانت بسؤال عائشة أو لمراقبته إياها لعلمه بتعلق قلبها بالعقد، ولولا ذلك لم يلمها أبو بكر والناس. وقوله: "حَبَسْتِ النَّاسَ" من قبيل نسبة الفعل إلى المتسبب. وفي القصَّةِ دليلٌ على أنه يحسن من الزوج رعاية جانب الزوجة واستمالة قلبها وإن كان في الشَّيء الحقير، وأنه لا بأس بأن يُظهر ذلك للنَّاس، وإن لحق الأجانب مشقة في تلك الرعاية، وعلى أنَّ الشيء الضائع يجوز الاهتمام به وتفقده، ولا يمنع منه قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ (١) وعلى أنه يجوز للمرأة التَّزين والتَّحلي في السفر وإن كان السفر مظنة تكشفات يؤدي إليها السير والنزول والركوب، وعلى أنَّه لا منع من استصحاب النِّسوة في الغزوات فإن السفر كان في غزوٍ على ما سيأتي، وعلى أنه يجوز عند النَّوم وضع الرأس على فخذ الغير وإن ثقل الرأس في النَّوم ولم يتحقق وقت الانتباه وقد يُفضي ذلك إلى تألم العضو، وعلى أنَّ للأب تعزير الولد وتأديبه باللِّسان واليد، وعلى أنَّه يرخص في حفظ المال بما يغرر بالعبادة ويفوتها فإنه لو لم تنزل آية التيمم لما صلوا أو لصلوا بلا طهارة. وفي بعض الروايات أنَّ النبي ﷺ بعث أُسَيْدًا وأُناسًا معه في طلب القِلادة

стр. 388

فحضرت الصلاةُ فصلُّوا بغيرِ وضوءٍ ثمَّ أتوا النبي ﷺ وذكروا ذلك له فنزلت آية التيمم (١). وقولها: "مَا شَاءَ الله أَنْ يَقُولَ" أشارت به إلى تطويله العتاب أو تخشينه القول. وفي قولها: "فلا يَمْنَعُنِي من التَّحَرُّكِ إلا مكان رسول الله ﷺ " إشارة إلى أنَّه يطعن طعنًا مؤلِمًا إلَّا أني كنت أثبت نفسي ولا أضطرب. وقولها: "فَأَنْزَلَ الله تعالى آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا" كلمة: "فَتَيَمَّمُوا" يجوز أن تجعل حكاية عن لفظ القرآن، ويجوز أن تجعل خبرًا عن فعلهم. وَقَوْلُ أُسَيْدِ بن حُضَيْرٍ يُبَيِّنُ كَثْرَةَ الْبَرَكَةِ واليمن في أبي بكر ﵁ وآله للمسلمين واعْتِرَافَهُمْ له بِالْفَضْلِ وَالتَّقَدُّمِ. واعلم أن التَّيَمُّمَ رُخْصَةٌ خُصَّتْ بها هذه الْأُمَّةُ على ما بَيَّنَهُ ﷺ بقوله: "جُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ مَسْجِدًا، وَجُعِلَ تُرَابُهَا لَنَا طَهُورًا" (٢). والأمر بالتَّيمُّمِ ورد في سورة النِّساء وفي سورة المائدة، وبين نزول السورتين مدة فسورة النساء من أوائل ما نزل بالمدينة وسورة المائدة من أواخر ما نزل، بل روي أنه ﷺ قال: "إن سورة المائدة آخر ما نَزَلَ عَلَيَّ من القرآن، فَأَحِلُّوا حَلَالَها وَحَرِّمُوا حَرَامَهَا" (٣). وإذا كان كذلك فقضية القصة أن يكون استفتاح الرخصة بالآية التي في

стр. 389

النساء وأنها التي وردت في إقامتهم لطلب القلادة. وفي "تفسير مقاتل" وغيره في سورة المائدة أنَّ الآية نزلت في عائشة ﵂ وكانت مع النبي ﷺ في غزوة بني أنمار حيٍّ من قيس غيلان (١). ويشبه أن يكون المراد رخصة التيمم من أصلها لا آية المائدة بخصوصها. وفي القصة بيانُ لطف الله تعالى بِخواص عباده عند اشتداد الأمر بكشف الضُّرِّ وفتح الباب المغلق، وبحسب ذلك يوفقهم لحسن الالتجاء إليه والاعتماد عليه، فلا يطمعون فيمن سواه ولا يحمدون إلا إياه ولا يرون النعمة إلا منه، ألا ترى إلى قول عائشة ﵂ حين برأها الله تعالى مما رماها به أهل الإفك قالت: "بِحَمْدِ الله لَا بِحَمْدِهِ" تريد رسول الله ﷺ . وفيما يُرْوَي لنا عن عبد الْخَالِقِ بْنِ زَاهِرٍ قال: أَنَبَا أحمد بن علي الأَدِيبُ قال: أنبا الْحَاكِمُ أبو عبد الله قال: أنبا ابن كَامِلٍ الْقَاضِي قال: أَنْشَدَنَا إبراهيم بن عبد الله النَّحْوِيُّ للحسين بن عَلِيٍّ ﵄: [سريع] اغْنَ عَنِ المَخْلُوقِ بِالْخَالِقِ … تَغْنَ عَنِ الْكَاذِبِ وَالصَّادِقِ وَاسْتَرْزِقِ الرَّحْمَنَ مِنْ فَضْلِهِ … فَلَيْسَ غَيْرُ الله مِنْ رَازِقِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ النَّاسَ يُغْنُونَهُ … فَلَيْسَ بِالرَّحْمَنِ بِالوَاثِقِ أَوْ ظَنَّ أَنَّ الْمَالَ مِنْ كَسْبِهِ … زَلَّتْ بِهِ النَّعْلَانِ مِنْ حَالِقِ (٢) وَخُيِّلَ إِلَيَّ في بعضِ الْغَفَوَاتِ في سنةِ سِتٍّ وستمائة أنَّ رجلًا يُلَقِّنُنِي هاتين

стр. 390

الكلمتين: "أنلني من خيرك ولا تشغلني بغيرك" فَنَقَشْتُهُمَا على خَاتَمٍ، وأقصر من الثانية: وأَمِلني أو أَقِلني مِنْ غيرك. وَأُنْشِدُكُمْ لنفسي: [متقارب] تَيَمَّمْتُ بَابَكَ لَا غَيْرَهُ … فَمَا الْخَيْر عِنْدِي سِوَى خَيْرِكُمْ لَئِنْ لَمْ أُصِبْ مِنْكُمُ وَابِلًا … فَمَا أَرْتَجِي الطَّلَّ مِنْ غَيرِكُمْ (١) آخر المجلس الخامس والعشرين، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وسلم * * * * *

стр. 391

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وما توفيقي إلا بالله المجلس السادس والعشرون من أماليه ﵀ ابتدأ بإملائه يوم الجمعة بعد الصلاة السابع والعشرين من صفر سنة اثنتي عشرة وستمائة ثَنَا الإِمَامُ الْكَبِيرُ السعيد المُمْلِي ﵀ إِمْلَاءً من لفظه الشريف قال: أنبا أبو زُرْعَةَ الْمَقْدِسِيُّ في كتابه عن الحسن بن أحمد قال: أنبا أبو عثمان الصَّابُونِيُّ سنة أربع وأربعين وَأَرْبَعِمَائةٍ ومرة أخرى سنة سبع وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمَائةٍ وَأُخْرَى سَنَةَ ثَمَانٍ وأربعين قال: أنبا أبو عليٍّ الْفَقِيهُ قال: أنبا مُحَمَّدُ بن وَكِيعٍ قال: ثنا محمد بن أسلم قال: ثنا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن الْعَلَاءِ بن عبد الرَّحْمَنِ؛ أنه سمع أبا السَّائِبِ يقول: سَمِعْتُ أبا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ فَهِيَ خِدَاجٌ فَهِيَ خِدَاجٌ غَيْرُ تَمَامٍ". فقلت: يا أبا هُرَيْرَةَ إني أكون أَحْيَانًا وَرَاءَ الإِمَامِ. قال: فَغَمَزَ ذِرَاعِي وقال: اقْرَأْ بها يا فَارِسِيُّ في نفسك؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: قَسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فَنِصْفُهَا لي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدي ما سَأَلَ". قال رسول الله ﷺ : "اقْرَءُوا يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يَقُولُ الله تعالى: حَمِدَنِي عَبْدِي. يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يَقُولُ اللهُ تعالى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي. يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يَقُولُ الله تعالى: مَجَّدَنِي عَبْدِي.

стр. 392

يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فهذه بيني وبين عَبْدِي وَلِعَبْدِي ما سَأَلَ. يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فهؤلاء لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ". في الشرح فصول: الفصل الأول هذا حديثٌ صحيحٌ من رواية أبي السائب عن أبي هريرة: أخرجه مالك في "الموطأ" (١)، ومسلم في "الصحيح" (٢) ولم يورده البخاري في "صحيحه" ولكنه أورده في كتاب "وجوب القراءة خلف الإمام" (٣) ورواه عن القعنبي كذلك. وروى الحديث محمد بن إسحاق وابن جريج (٤) عن العلاء كما رواه مالك عنه. ورواه روح بن القاسم، وسفيان بن عيينة، وشعبة، وإسماعيل بن جعفر، والدراوردي عن العلاء "عن أبيه" بدلًا "عن أبي السائب" عن أبي هريرة، وهذا الطريق صحيحٌ أيضًا أخرجه مسلم (٥). وقال أبو عيسى الترمذي: سألت أبا زرعة عن هذا الحديث فصحَّحه بكلا

стр. 393

الطريقين (١). وروى صدر هذا الحديث إسماعيل بن أبي أويس، عن أبيه، عن العلاء بن عبد الرحمن قال: حدثني أبي وأبو السائب عن أبي هريرة فجمع بينهما (٢). وكأنَّ العلاء سمع من أبيه وأبي السائب، فكان يرويه مرة عن هذا ومرة عن هذا ومرة عنهما. ورواه عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة: ابن سمعان - وهو (عبد الله) (٣) بن زياد بن سمعان المديني، فنقص وزاد: أما النقصان فليس في روايته ما قبل قوله: "قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبيْنَ عَبْدي نِصْفَيْنِ" وأمَّا الزيادة فإنَّه روى هذه الكلمة: "فإذا قال العبد: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله تعالى: مجدني عبدي، وإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال: حمدني عبدي … " وساق الحديث. أورد الأستاذ أبو القاسم بن حبيب في "تفسيره" رواية ابن سمعان: عن أبي زكريا العنبري، عن جعفر بن أحمد بن نصر الحافظ، عن أحمد بن نصر المقرئ، عن آدم بن أبي إياس، عن ابن سمعان. ورواها الحاكم أبو عبد الله: عن أحمد بن الخضر أبي الحسن الشافعي، عن جعفر الحافظ (٤). وأوردها الحافظ أبو الحسن الدارقطني في "السنن" عن أبي بكر يوسف بن

стр. 394

يعقوب بن إسحاق بن بهلول (عن جده عن أبيه) (١) عن ابن سمعان (٢). أَنَبَا الإمام أحمد بن إسماعيل قِرَاءَةً عليه، عن عبد الْجَبَّارِ الْبَيْهَقِيِّ وغيره، عن أبي الحسنِ الْوَاحِدِيِّ قال: أنَبَا أبو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بن مُحَمَّدُ الْمَنْصُورِيُّ قال: أنَبَا عليُّ بن عمر وهو الدَّارَقُطْنِيُّ وأبو هريرة ﵁ ذكرنا بعض أحواله من قبل. وأبو السَّائبِ: هو مولى هشام بن زهرة، ويقال: مولى عبد الله بن هشام بن زهرة، وكان من جلساء أبي هريرة من التابعين. روى عنه: العلاء بن عبد الرحمن، وغيره. وله عن أبي هريرة في الصحيح غير هذا الحديث (٣). ووالد العلاء: هو عبد الرحمن بن يعقوب المديني الْحُرَقِيُّ مولى الْحُرَقَةِ، والْحُرَقَةِ من جهينة، يقال: هو الْحُرَقَةِ بن عامر بن مودعة بن جهينة بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة. سمع عبد الرحمن: أبا هريرة، وأبا سعيد. وروى عنه: ابنه العلاء (٤). ويكنى العلاء أبا شبل (٥). سمع: عبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وعباس بن سهل بن سعد، وأبا

стр. 395

السائب. روى عنه: الدَّرَاوَرْدِيُّ، ومالك، وشعبة، وسليمان بن بلال، وغيرهم. مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة. ومالك مذكورٌ في المجلس الذي تلاه هذا المجلس. والقَعْنَبِيُّ (١): هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثي المدني، سكن البصرة. سمع: أباه، وإبراهيم بن سعد، والليث بن سعد، ومالك بن أنس. روى عنه: محمد بن يحيى الذهلي، والبخاري، ومسلم، وروى مسلم أيضًا عن عبد بن حميد عنه. وكان موصوفًا بالفضل والعبادة. توفي بمكة سنة إحدى وعشرين ومائتين. وابن أسلم (٢): هو أبو الحسن محمد بن أسلم بن سالم بن زيد الكندي الطوسي إمام دين ورع، يقال: إنه كان من الأبدال سمع: يحيى بن يحيى، وعبدان، وعبد الله بن يزيد المقرئ، والحميدي، وأبا نعيم، وطلق بن غنام، ويزيد بن هارون. وروي عنه: علي الهلالي، ومحمد بن عبد الوهاب، وإبراهيم بن أبي طالب، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وربما قال في روايته عنه: حدثنا رباني هذه الأمة محمد بن أسلم. وكان محمد بن أسلم شديد الاتباع لِمَا بلغه من سُنَنِ رسول الله ﷺ ، ويذكر

стр. 396

أنه خرج على كبر سِنِّهِ إلى مكة بعد ما حج مرارًا وغرضه أن يطوف بالبيت ويستلم الركن بِمِحْجَنٍ (١) وهو على بعيره، وأنه كان إذا مرض لا يتداوي ولا يُخْبِرُ أحدًا بعِلَّتِهِ. وعن محمد بن عباسٍ السَّلِيطيِّ قال: سمعت مُحَمَّدَ بْنَ أسْلَمَ يُنْشِدُ: [كامل] إِنَّ الطَّبِيبَ بِطِبِّهِ وَدَوَائِهِ … لَا يَسْتَطيعُ دِفَاعَ مَقْدُورٍ أَتَي مَا لِلطَّبِيبِ يَمُوتُ بِالدَّاءِ الَّذِي … قَدْ كَانَ يُبْرِئُ مِثْلَهُ فِيمَا مَضَى هَلَكَ الْمُدَاوَى والْمُدَاوِي وَالَّذِي … جَلَبَ الدَّوَاءَ وَبَاعَهُ وَمَنِ اشْتَرَي (٢) توفي سنة اثنتين وأربعين ومائتين. وابن وكيع (٣): هو محمد بن وكيع بن دواس بن الشرقي الطوسي شيخ من أهل طوس. وروى عن محمد بن أسلم "مسنده" و "الأربعين" له. روى عنه: أبو عليٍّ زاهر السَّرخْسِيُّ، وأحمد بن منصور بن عيسى الزاهد. وزاهر بن أحمد مذكور في المجلس الذي تقدم. وأبو عثمان (٤): هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عامر الصَّابُونِيُّ. من أكابر أئمة نيسابور المشهورين بِالْحَظِّ الوافر من العلوم والقبول التام عند الخاص والعام، وكان يلقب بالأستاذ الإمام شيخ الإسلام. سمع: أبا طاهر بن خزيمة، وأبا نعيم عبد الملك بن محمد، والأستاذين أبا بكر بن مهران، وأبا طاهر الزيادي، وجده أحمد بن إسماعيل، وأبا عبد الله

стр. 397

الحافظ. ونشر العلم إملاءً وتذكيرًا وتصنيفًا، واستفاد منه الناس على اختلاف الطبقات. والحسن بن أحمد (١): هو الحافظ أبو محمد الحسن بن أحمد بن محمد بن القاسم بن جعفر القَاسِمِيُّ السَّمَرَقَنْدِيُّ. من أئمة الحديث المشار إليهم حفظًا وإتقانًا، ولزومًا لطريقة السلف وقناعة وتركًا للتكلف في الطعام واللباس والفراش. سمع: أبا العباس جعفر بن محمد المُسْتَغْفِريَّ، ومنصور بن نصر الْكَاغِدِيُّ، وعبد الله بن محمد بن هارون الوَرَّاقُ. وجمع وكتب وصنف الكثير، ويقال: إنه سمع "صحيح مسلم" على (عبد الغافر) (٢) أكثر من ثلاثين مرة، وأنه صنف كتابًا سماه "بحر الأسانيد" بلغ ثمانمائة جزء بخط دقيق، وأن حجرته كانت مملوءة بالكتب والأجزاء وهو قاعد وسطها ولا يكاد يكنسها لاشتغاله بما هو أهم منه. يذكر أنه قيل لبعضهم وقد تشعثت لحيته: أما تتعهد لحيتك وتسرحها فقال: إني إذًا لفارغ. توفي سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، ويقال: إنه ولد سنة تسع وأربعمائة. وَرَأَيْتُ بِخَطِّهِ ﵀ أنه سمع الأُسْتَاذَ أبَا عثمان الصَّابُونِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ

стр. 398

الْقَاضِي أبا زَيْدٍ عبد الرحمن بن محمد بن حَبِيبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بن مَنْصُورٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أحمد بن سَلَمَةَ يَقُولُ: سَمِعُتُ الدُّورِيُّ يقول: سَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا يَطُوفُ بالكعبة فلما حاذى الْمِيزَابَ رفع طَرْفَهَ فقال: إليك مَدَدْتُ يَدَيْه، وفيما عِنْدَكض عَظُمَتْ رَغْبَتيْه فاقبل تَوْبَتَيْه. وَسَمِعْتُ الْقَاضِي أبا زَيْدٍ قال: أَنْشَدَنِي محمد بن عبد الأعلى، أَنْشَدَنَا لُؤْلُؤٌ (القيصري) (١): [مجتث] مَا أَقرْبَ المَوْتَ منَّا … تَجَاوَزَ اللهُ عَنَّا كَأَنَّه قَدْ سَقَانَا … بِكَأْسِهِ حَيْثُ كُنَّا وأبو زرعة المقدسي ذكرته في المجلس الثاني عشر. الفصل الثاني الْخِدَاجُ: النُّقْصَانُ، يُقَالُ: خَدَجَتِ النَّاقَةُ تَخْدُجُ خِداجًا فَهِيَ خَادِجٌ: إِذَا أَلْقَتْ وَلَدَهَا قَبْلَ تَمَامِ الْأَيَّامِ وَإِنْ كَانَ تَامَّ الْخَلْقِ، وَأَخْدَجَتْ: إذَا جَاءَتْ بِوَلَدِهَا نَاقِصَ الْخَلْقِ وَإِنْ كَانَتْ الْأَيَّامُ تَامَّةً فَهِيَ مُخْدِجٌ وَالْوَلَدُ مُخْدَجٌ. وَفُلَانٌ مُخْدَجُ الْيَدِ أي: نَاقِصُهَا. وَقَوْلُهُ: "فَهِيَ خِدَاجٌ" قيل: أي ذات خِدَاجٍ: أي نُقصان، وقيل: أي مُخْدَجَةٌ، أقيم المصدر مقام الاسم. وَقَوْلُه: "وَرَاءَ الْإِمَامِ" أي: خلفه، والكلمة من الأضداد فقد ترد بمعنى الأمام كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ (الكهف: ٧٩).

стр. 399

وقوله: "غَمَزَ ذِرَاعِي" أي: طعن بإصبعه فيها أو قرصها. وَالتَّمْجِيدُ النِّسْبَةُ إلى المَجْدِ: وهو الْكَرَمُ، وَالمَجِيدُ: الْكَرِيمُ، يُقَالُ: مَجُدَ فهو ماَجِدٌ وَمَجِيدٌ، وَمَاجَدْتُهُ فَمَجَدتُهُ: غَلَبْتُهُ بِالْمَجْدِ، وفي الْمَثَلِ: في كُلِّ شَجَرٍ نَارٌ، واسْتَمْجَدَ الْمَرْخُ (١) والعَفَارُ (٢) أي: يُورِيَانِ سَرِيعًا. (وَيُقَالُ: اسْتمْجَدَ) (٣) لِمَنْ يُكْثِرُ الْعَطَاءَ طَلَبًا لِلْمَجْدِ. وَيُقَالُ غَضِبَ عَلَيْهِ يَغْضَبُ غَضَبًا ومغْضَبَةً، وأَغْضَبَهُ فَتَغَضَّبَ، وَرَجُلٌ غَضْبَانُ وامْرَأَةٌ غَضْبَى، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: غَضْبانَةٌ. وَقَوْمٌ غَضْبَى وغَضَابَى كَسَكْرَى وَسَكَارَى، وَرَجُلٌ غُضبَّةٌ بتشديد الباء: الَّذي يَغْضَبُ سَرِيعًا، وامْرَأةٌ غَضُوبٌ: عَبُوسٌ، وَغَاضِبَةٌ: رَاغِمَةٌ. وَالْغَضْبُ: الأحمر الشَّديدُ الحُمْرَةِ، يقال: أَحْمَرُ غَضْبٌ، وَغَضْبَي: مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ لا تُنَوَّنُ الْكَلِمَةُ ولا يَدْخُلُهَا الأَلِفُ واللَّامُ. الفصل الثالث أمُّ القرآن اسم من أسماء الفاتحة وردت به أحاديث، ولم سميت به؟ قيل: لأن الأم أصل الشيء وهي أصل سائر السور؛ لاشتمالها على شرف الربوبية وإقامة العبودية، وإليهما يرجع مفصل سائر السور. وقيل: لتقدمها على سائر السور في المصحف ولتقدمها بالفضل والشرف كما سُمِّيت مكة أم القرى؛ لشرفها وتقدمها فقد روي أنها خلقت قبل الأرض بأربعين عامًا.

стр. 400

وقيل للراية التي ينصبها العسكر ليفزعوا إليها تسمى أمًّا كأنَّه للتشبيه بالوالدة التي يفزع إليها الصبي، فسميت الفاتحة أم القرآن؛ لأن أهل القرآن يفزعون إليها. وقيل: إنَّ القارئَ يعودُ إليها مرَّة بعد أخرى في الصلاة والاستشفاء واستنجاح سائر الحاجات، فَسُمِّيت أمًّا كما تُسمى الأرضُ أمًّا؛ لأنها معاد الخلق في حياتهم وبعد مماتهم. قال أمية بن أبي الصلت: [كامل] وَالْأَرْضُ مَعْقِلُنَا وَكَانَتْ أُمَّنَا … فِيهَا مَقَابِرُنَا وَفِيهَا نُولَدُ وَقَوْلُه: "فَهِيَ خِدَاجٌ فَهِيَ خِدَاجٌ" تكرار اللفظ للتأكيد، وَقَوْلُه: "غَيْرُ تَمَامٍ" تفسير ومزيد تأكيد، ولما كانت المخدج عبارة عن ناقص اليد أو سائر الأعضاء التي هي أجزاء البدن أشعر اللفظ بأن قراءة الفاتحة أحد الأركان التي هي أجزاء الصلاة. وَقَوْلُه: "إِنِّي أَكُونُ أَحْيَانًا وَرَاءَ الْإِمَامِ" يعني: إذا كنت خلف الإمام كيف أفعل أقرأ أم يكفيني قراءة الإمام، وأشار به إلى قول من يقول إن المأموم لا يقرأ، ويُحْتَجُّ بِمَا رُوِيَ أَنَّه ﷺ قال: "مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ" (١). وَقَوْلُه: "فَغَمَزَ ذِرَاعِي" هو كَالرِّفق والتَّلَطُّفِ بِهِ أو كالتسكيت له ليصغي إلى

стр. 401

قوله ويأخذ بموجب الحديث الذي رواه له. وَقَوْلُه: "اقْرَأْ فِي نَفْسِكَ" أمرٌ له بالإسرارِ بالفاتحةِ كي لا يشوش على الإمام والقوم، وفيه بيان أنه لا بدَّ منها، ويستحب الإصغاء إلى قراءة الإمام في غيرها، وهذا كما روي أَنَّهُ ﷺ قَضَى الصَّلَاةَ يَوْمًا ثُمَّ قَالَ: "أَتَقْرَءُونَ وَالإِمَامُ يَقْرَأُ؟ ". قَالُوا: إنَّا لَنَفْعَلُ. قال: "فلا تفعلوا إلا أن يقرأ أحدكم فاتحة الكتاب في نفسه" (١). وقوله: "يا فارسيُّ" إنَّما قال ذلك لأنَّ أبا السائب كما عرفت لم يكن عربيًا وإنما كان مولى، وقد يروي مثله في رواية العلاء عن أبيه وكان هو أيضًا مولى الْحُرَقَةِ. وقوله: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين" تعليل الأمر بقراءة الفاتحة بما سمعه من رسول الله ﷺ من القسمة، وقد يوجه التعليل به بطريقين: أحدهما: أن يقول أنَّ الفاتحة مشتملةٌ على هذه الفضيلة الجسيمة فلا ينبغي للمأموم أن يرغب عنها ويقنع بقراءة الإمام. والثاني: إنَّ المراد من الصلاة في قوله: "قَسَمْتُ الصَّلَاةَ": الفاتحة على ما بَيَّنَهُ في التفصيل، وهو كما قيل في قوله تعالى: (ولا تجهر بصلاتك) (٢) أي: بقراءتك، وقد قيل: إنَّ الفاتحة لملازمتها الصلاة تسمى صلاة مرة وتسمى الصلاة قرآنًا أخري كما

стр. 402

قال تعالى: (وقرآن الفجر) (١) أي: صلاة الفجر، فكأنَّه يقول اقرأ بها في نفسك فإنَّها سميت صلاة في القسمة المذكورة لملازمتها الصلاة. وقوله: "نِصْفَيْنِ" قيل: أراد بالنصف البعض لا النصف المحقق، وإطلاق التنصيف في مثله لاشتماله على قسمين، وهي ترجع إلى قسمين: حق الله، وحق العبد. وقوله: "يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول الله تعالى: حَمِدَنِي عَبْدِي" فيه إشارةٌ إلى ارتضاء كلمة الحمد منه والثناء عليه بثنائه على الله، وكذلك الحال في الكلمتين بعده. وقوله: "يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فهذه بيني وبين عبدي" أي: يقول الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي، فالعبادة منه سعيٌ في قضاءِ حقي، والإعانة منِّي له هداية إليه وإجابة له. وقوله ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ … ﴾ إلى آخره سؤال وعرض حاجة وهي محض حق العبد. وقوله "فهؤلاء لعبدي" أي: يقول الله هؤلاء الكلمات. واحتجَّ من لم يجعل التسمية آية من الفاتحة بأنَّهُ لم يذكرها في التفصيل وبيان القسمين، وإنَّما افتتح بذكر ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وأجيب عنه بأنَّ المراد أول السورة وآية التسمية منه، كما يقال ابتدأ فلان بالبقرة وآل عمران؛ وبأنَّ التسمية مذكورة في رواية ابن سَمعان على ما سبقت. وقوله "ولعبدي ما سَأَلَ" في مواضع من الحديث بشارة من الله تعالى بإجابةِ

стр. 403

سؤال العبد وبتحقيق مأموله. وذلك في السياق المذكور من أمارات الرضا، وفيه بيان فضيلة الفاتحة، وأنَّ قراءتها سببٌ جالبٌ للرضا مُخْرجٌ للعبد عن حيز المغضوب عليهم. ومن وقف على عظم رتبة الرضا أدام قرع بابها، ولم يَكِعّ (١) عنها بِمكروهٍ، ولم يشتغل عنها بإصابة مطلوبٍ، بل يستقصر في جنب مطلوب الرضا كل مطلوب، ويقوم في نظره كل مكروه جاء من عند المحبوب مقام ألف محبوب. قال الأمير أبو فراسٍ وكان لطيفَ الطَّبْعِ رقيق الكلام ﵀: [طويل] يَعُدُّ عَلَيَّ الْوَاشِيَانِ ذُنُوبَهُ … وَمِنْ أَيْنَ لِلْوَجْهِ المَلِيحِ ذُنُوبُ أَسَاءَ فَزَادَتْهُ الإِسَاءَةُ حُظْوَةً … حَبِيبٌ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ حَبِيبُ فَيَا أَيُّهَا الْجَانِي وَنسْأَلُهُ الرِّضَا … وَيَا أَيُّهَا الْمُخْطِي وَنَحْنُ نَتُوبُ وإذا اشْتَمَّ العبدُ رائحة الرِّضا من الله تعالي ارتوى منها ولم يبال بسخط غيره، وتَمَثَّل بقول من قال: [طويل] إِذَا رَضِيَتْ عَنِّي كِرَامُ عَشِيرَتِي … فَلَا زَالَ غَضْبَانًا عَلَيَّ لِئامُهَا وقال أبو فراس: [طويل] فَلَيْتَكَ تَحْلُو وَالْحَيَاةُ مَرِيرَةٌ … وَلَيْتَكَ تَرْضَى وَالْأنَامُ غِضَابُ وَلَيتَ الَّذِي بيْنِي وَبَيْنَكَ عَامِرٌ … وَبَيْنِي وَبَيْنَ الْعَالِمَينَ خَرَابُ على أنَّ من ﵁ أَرْضَى عنه غيره؛ ففي الْخَبَرِ أنَّ من طَلَبَ رِضَا الله بِسَخَطِ النَّاسِ ﵁ وَأَرْضَى عَنْهُ النَّاسَ (٢).

стр. 404

وأخذ الوزير أبو العلاء حمد بن أحمد الكَاكُويِيُّ ﵀ هذا المعنى فقال في مناقضة بيتي أبي فراس ﵀ وأحسن: [طويل] فَلَوْ كُنْتَ تَحْلُو لِي حَلَا عَيْشِيَ الذَّي … يَمِرُّ وَأَرْضَانِي الَّذي هُو يُغْضِبُ وَلَوْ كَانَ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ عَامِرًا … لَمَا كَانَ مَا بَيْنِي وَغَيْركَ يَخْرَبُ (١) وَأُنْشِدُكُمْ لِنَفْسِي فِيمَا يُقَارِبُ هَذِهِ المَعَانِي: سَلَتْ سُعْدَى مِنَ الْجُفُونِ الغَضْبَى … لَكِنِّي رَاضٍ بِهَوَاهَا خِضْبًا قَدْ أَبْذُلُ فِي نَيْلِ رِضَاهَا مِنَ الْإِبِلِ … لَا يَهْنِئُنِي الْعَيْشُ وُسُعْدَى غْضْبَي آخر المجلس السادس والعشرين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا * * * * *

стр. 405

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وما توفيقي إلا بالله المجلس السابع والعشرون من أماليه ﵀ ابتدأ بإملائه يوم الجمعة بعد الصلاة الرابع من ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وستمائة حدثنا الإمام المُمْلِي ﵀ إملاء من لفظه الشريف قال: قلت لأبي الحسين علي بن عبيد الله بن بابويه: أخبرك أبو بكر البزاز كتابة؟ قال: نعم وأَرَانِي كتابه قال: أبنا إبراهيم بن عمر سنة خمس وأربعين وأربعمائة قال: أَبنَا عبد الله بن إبراهيم سنة ثمان وستين وثلاثمائة قال: أبنا إبراهيم بن عبد الله قال: ثنا الأنصاري قال: ثنا حميد، عن أنس ﵁ أن الربيع بن النضر عمته لَطَمْتُ جارية فكسرت سِنَّهَا، فعرضوا عليهم الأَرْشُ فَأَبَوْا، فطلبوا العفو فأَبَوْا، فَأَتَوُا النبي ﷺ فأمرهم بالقصاص، فجاء أخوها أنس بن النضر فقال: يا رسول الله أَتُكْسَرُ سِنُّ الرُّبَيِّعِ والذي بعثك بالحق لا يُكْسَرُ سِنُّهَا. فقال: "يا أنس كتاب الله القِصَاصُ" فَعَفَا القوم، فقال رسول الله ﷺ : "إن من عباد الله من لو أَقْسَمَ على الله لَأَبَرَّهُ". في الشرح فصول: الفصل الأول هذا حديثٌ صحيحٌ عالٍ، أخرجه البخاري (١) على اختصارٍ عن الأنصاري عن حميد.

стр. 406

وأخرج مسلم (١) القصَّةَ من وجهٍ آخر فروى عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عفان، عن حماد، عن ثابت، عن أنس أن أخت الربيع أم حارثة جرحت إنسانًا فاختصموا إلى النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "الْقِصَاصَ الْقِصَاصَ". فقالت أُمُّ الرَّبِيعِ (٢): يا رسول الله أَيُقْتَصُّ مِنْ فُلَانَةَ والله لا يُقْتَصُّ منها. فقال النبي ﷺ : "سبحان الله يا أُمَّ الرَّبِيعِ القصاص كتاب الله". قالت: لا والله لا يُقْتَصُّ منها أَبَدًا. (قال) (٣): فما زالت حتى قَبِلُوا الدِّيَةَ. فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ من عباد الله من لو أقسم على الله لأَبَرَّهُ". وأنس ﵁ مذكور في المجلس الثاني وفي الرابع. والرُّبَيِّعُ وأنس المذكوران في الحديث عمته وعمه، وهما ولد النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب. والرُّبَيِّعُ (٤) أم حارثة الذي استشهد يوم أحد، وأتت رسول الله ﷺ لما استشهد فقالت: قد علمت مَنْزِلَةَ حَارِثَةَ منِّي يا رسول الله فإن يكن في الجنة صبرت، وإن يكن غير ذلك ترى ما أصْنَعُ؟ فقال رسول الله ﷺ : "جنَّةٌ واحدةٌ! إنها جِناَنٌ كَثِيرةٌ، وإنه في الفِرْدَوُسِ

стр. 407

الْأَعْلَى" (١). وهو حارثة (٢) بن سُراقة بن الحارث من بني عدي بن النجار، ويذكر أنه شهد بدرًا. وأنس بن النَّضْرِ (٣) استشهد يوم أحد أيضًا. وفي "الصحيح" (٤) عن حميد، عن أنس بن مالك؛ أن عمه أنس بن النضر غاب عن قتال بدر فلما قدم قال: غبت عن أول قِتَالٍ قَاتَلَ رسول الله ﷺ لئن أشهدني الله قِتَالًا ليرينَّ ما أصنع، فلما كان يوم أُحُدٍ انكشف النَّاسُ فقال: اللَّهُمَّ إني أَبْرَأُ إليك مما جاء به هؤلاء يعني المشركين وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني المسلمين ثم مشي بسيفه فلقيه سعد بن معاذٍ فقال: أي سعد والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة دون أُحُدٍ وَاهًا لريح الجنة. قال سَعْدٌ: فما استطعت يا رسول الله ما صنع. قال أَنَسٌ: فوجدناه بين القتلى به بِضْعٌ وَثَمَانُونَ جراحة من ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ وطعنة برمح وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ وقد مَثَّلُوا به، قال: وما عَرَفْنَاهُ حتى عَرَفَتْهُ أخته بِبَنَانِهِ. قال أَنَسٌ: فكنا نقول أُنْزِلَتْ هذه الآية ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (٥) فيه وفي أَصْحَابِهِ.

стр. 408

وَحُمَيدٌ (١): هو أبو عبيدة حميد بن أبي حميد الطويل من تابعي البصرة مولى طلحة الخزاعي. واختلف في اسم أبيه فقيل: تيرويه، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: مهران، وَعَدَّ بعضهم تيرويه لقبًا، وقال: اسمه طرخان. وفي أنه لِمَ سُمِّيَ طويلًا؟ فقيل: لطول يديه، وقيل: على الضد؛ لأنه كان قصيرًا. سمع: أنسًا، ويذكر أن جملة ما سمعه منه أربعة وعشرون حديثًا، وسمع من التابعين: عكرمة، وثابتًا البناني، والحسن. روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، والثوري، ويزيد بن زريع، وشعبة. ولد سنة ثمان وستين، وتوفي سنة اثنتين وأربعين ومائة، وقيل: سنة ثلاث. والأنصاري (٢): هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن المثنى بن أنس بن مالك الأنصاري البصري، ولي القضاء بالبصرة. سمع: أباه، وهشام بن حسان، وحميدًا، وابن جريج، وتفقه عند سَوَّار القاضي، وعثمان الْبَتِّيِّ، وزفر بن الهذيل. ولد سنة ثمان عشرة ومائة، وتوفي سنة خمس عشرة ومائتين. وإبراهيم بن عبد الله: هو أبو مسلم الكجي مذكور في المجلس الثاني والعشرين. وعبد الله بن إبراهيم: هو أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن أيوب بن ماسي

стр. 409

البزاز، من أهل بغداد. ثِقَةٌ صَدُوقٌ. وُلِدَ سنة أربع وسبعين ومائتين وتوفي سنة تسع وستين وثلاثمائة (١). وإبراهيم بن عمر (٢): هو أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن مهران الْبَرْمَكِيُّ الحنبلي. من فقهاء الحنابلة ومفتيهم، كان له حلقة في جامع المنصور ويقال له الْبَرْمَكِيُّ؛ لأن سلفه كانوا يسكنون في محلة أو قرية تعرف بالبرمكية (٣). ولد سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وتوفي سنة خمس وأربعين وأربعمائة. وأبو بكر البزاز (٤): هو القاضي أبو بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري الفرضي يذكر أنه من ولد كعب بن مالك الأنصاري أحد الثلاثة الذين تيب عليهم. إمامٌ من أهل بغداد فاضلٌ متقنٌ ماهرٌ في الفرائض والحساب مصنفٌ. بها سمع: الحافظ أبا بكر الخطيب، وجماعة من شيوخه بقراءته، وسمع بمصر: أبا إسحاق الحبَّال الحافظ، وكان آخر من حدث عن أبي إسحاق الْبَرْمَكِيِّ والقاضي أبي الطيب الطبري وأبي طالب الْعُشَارِيِّ وكانت له إجازة أبي القاسم التَّنُّوخِيِّ، ومحمد بن سلامة الْقُضَاعِيُّ. وُلِدَ سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة وسكن النصرية إحدى المحال العربية

стр. 410

ببغداد، وقد يقال له النصري لذلك. وتوفي سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، وأوصى بأن يُكتب على لوح قبره: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)﴾ (١). وأبو الحسن (٢) علي بن عبيد الله هو ابن بابويه ذكرته في المجلس السابع أو غيره. الفصل الثاني اللَّطْمُ: الضرب على الوجه بالراحة وبطون الأصابع، وفي المثل: لوْ ذَاتُ سِوارٍ لَطَمَتْنِي. قالته امرأة لطمتها من لا تُكَافِئُهَا تريد: لو لطمتني ذات سِوارٍ لَهَانَ عَلَيَّ، واللَّطِيمُ من الخيل: الذي سَالَتْ غُرَّتُهُ في أحد شِقَّي وجهه، يقال منه: لطم الفرس على ما لم يُسَمّ فَاعِلُهُ. وَالْجَارِيَةُ: الفتاة، وليس المراد: الرَّقِيقَةُ، يقال جَارِيَةٌ من الْجَرَايَةِ بالفتح، والْجَرَاءُ والْجِرَاءُ بالفتح والكسر، وكان ذلك في أَيَّامِ جرائها أي: صِبَاهَا. وقوله: "فَعَرضُوا عليهم الأَرْشُ" قد تكلمنا من قبل في كلمة "عَلَيْهِمُ" وما فيها من اللغات، وهي ها هنا من صلة العرض كما في قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وقوله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. واعلم أنَّ الحروف إذا كانت جارة يوصل بها الفعل إلى المفعول لا تؤدي معناها إذا لم تقع صلة، فإذا قلنا: "غضب عليه" لَم تُؤَدّ كلمة "عليه" معناها في قولنا: "هو على السطح، أو عليه دين" وإنما هي كالهاء المجردة في قولنا "ضربه".

стр. 411

وَالْأَرْشُ: دية الجراحات. والكتاب معروفٌ وهو مصدرٌ أيضًا، يقال: كتب كتبًا وكِتَابًا وكتابةً، وَالْكِتَابُ أيضًا: الْفَرْضُ وَالحُكْمُ والْقَدَر. قال الْجَعْدِيُّ: [بسيط] يَا بِنْتَ عَمِّي كِتَابُ اللهِ أَخْرَجَنِي … عَنْكُمْ وَهَلْ أَمْنَعَنَّ الله (١) مَا فَعَلَا وَالْقِصَاصُ: الْقَوَدُ، يقال: أقصَّ الأمير فُلَانًا من فلانٍ: إذا اقتصَّ له مِنْهُ، وَاسْتَقَصَّهُ طَلَبَ أَنْ يُقِصَّه. وَأَقْسَمَ: حلف، وَالْقَسَمُ: الْيَمِينُ، وكذلك المُقْسَمُ، والمُقْسَمُ: مَوْضِعُ القسم أيضًا، ويقال: أصل اللفظ من الْقَسَامَةِ: وهي الْأَيْمَانُ تُقْسَمُ على أولياء الدَّم، وَأَبَرَّ قَسَمَهُ أي أَمْضَاهُ (٢) على الْبِرِّ وَصَدَّقَهُ وَبَرَّهُ أيضًا، وَأَبَرَّ الله حَجَّهُ أي قَبِلَهُ، وَبَرَّ الله حَجَّهُ أَيْضًا برًّا، وَحَجٌّ مَبْرُورٌ أي خالص لا تُخَالِطُهُ مَآثِمٌ. الفصل الثالث الرواية التي سقناها تُخالفُ روايةَ مسلمٍ من جهة: أنَّ في هذه الرواية اللَّطْم والكسر منسوبانِ إلَى الرُّبَيِّعِ، وفي تلك الرواية الجراحة منسوبة إلى أختها. وأيضًا ففي هذه الرواية أنس بن النضر هو الذي حلف على أن لا يقتص منها، وفي تلك الرواية أمها هي التي حلفت عليه.

стр. 412

وفي هذه الرواية أُطْلِقَ لفظُ العفوِ، والمذكور في الرواية الأخرى قبولُ الديةِ. وهذه الرواية تعرضت للَّطم وكسرِ السِّنِّ، وفي الرواية الأخرى المذكورة مطلق الجراحة والقصاص. فإن تعددت الواقعة فذاك والجاني والحالف في كل واحدةٍ منها غير الجاني والحالف في الأخرى، وإن اتحدت فيمكن أن يقال: نُسبت الجراحة إلى إحداهما بالمباشرة وإلى الأخرى بالتسبب، ونسب القصاص إلى إحداهما من جهة أنها المباشرة للجناية وإلى الأخرى من جهة تأثرها بالاقتصاص من هذه، فكأنَّ ما نِيلَ منها نِيلَ من أختها، والعفو في هذه الرواية يُحمل على العفو على الدية، وكلُّ واحدٍ من الأخ والأم رُبَّما حلف على أنه لا يُقْتَصَّ منها. وقوله: "كَسَرتْ سِنَّهَا" إلى قوله: "فأمرهم بالقصاص" يقتضي جريان القصاص في كسر السِّنِّ، وفيه وجهان في المذهب: أحدهما: المنع كما لا قصاص في كسر سائر العظام، وعلى هذا فليحمل الكسر على القلع. والثاني: أنه يجب إذا أمكن استيفاء مثله بلا زيادة ولا صدع بالباقي، ويخالف سائر العظام؛ لأنها مستترة والسِّنُّ عظمٌ مشاهدٌ من أكثر الجوانب، ولأهل الصنعة آلاتٌ قَطَّاعَةٌ يعتمد عليها في الضبط. وقوله: "كِتَابُ الله القصاص" أي: حكم الله أو فرض الله أو ما جاء به كتاب الله. وقوله: "إنَّ من عباد الله من لو أقسم على الله لأَبَرَّهُ" أي: أمضى الأمر على الوجه الذي يَبَرُّ به المُقْسِمُ إِكْرَامًا لَهُ.

стр. 413

وفي الحديث دليلٌ على أنَّهُ يجوز الحلف على الأمر المستقبل بالظنِّ. وعلى أنه يجوز استنزال مستحق القصاص والتأخير في التمكين بعرض الدية والحمل على العفو، وفيه فضيلةٌ ظاهرةٌ لأنس بن النضر، وقد ورد مثله في حقِّ غيرِ واحدٍ. روي لنا عن إسماعيل بن أحمد السَّمَرْقَنْدِيِّ قال: أَبَنَا أبو الحسين بن النَّقُورِ، ثنا محمد بن عبد الرحمن المُخَلِّصُ، ثنا عبد الله بن مُحَمَّدِ بن زياد، ثنا محمد بن عُزَيْزٍ، ثنا سلامة بن روح، عن عُقَيْلٍ، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كم من ضعيف مُتَضَعِّفٍ ذي طِمْرَيْنِ (١) لو أقسم على الله لَأَبَرّ قَسَمَهُ منهم البراء بن مالك" (٢) وهو مدفونٌ بِتُسْتُرَ. وعن بعضهم أنه قال: زرت قبر البراء بها وهو في قبة عليها مشبك، وكان قد دخل منه تراب وغبار كثير واجتمع على القبر، فعزمت أن أسد ذلك المشبك، فرأيت البراء في المنام فقال لي: تريد أن تسلبني تاجًا توجنيه رسول الله ﷺ يعني قوله: "رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ لو أَقْسَمَ على الله لَأَبَرَّهُ". وروي لنا عن أبي بكر بن خَلَفٍ، عن أبي عبد الرحمن السُّلَمِيِّ، أَبَنَا محمد بن عبد الله الشَّيْبانِيُّ، ثنا محمد بن الحسين الْخَثْعَمِيُّ، ثنا محمد بن يحيى، ثنا محمد بن إبراهيم السُّلَمِيُّ، ثنا عيسى بن قِرْطَاسٍ، ثنا عمرو بن صُلَيْعٍ قال: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ عن النبي ﷺ قال: "كم من ذي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ له لو أقسم على الله لأَبَرَّهُ

стр. 414

منهم عمار بن ياسر" (١). وعمرو بن صُلَيْعٍ يعدُّ من الصحابة (٢). وسَمَّى النبي ﷺ الذين هم بهذه الصِّقة مُلُوك أهل الجنة: حدثنا والدي ﵀ عن محمد بن جامع، أَبَنَا أحمد بن عليٍّ، عن محمد بن الحسين قال: أَبَنا عبد الله بن محمد بن عليٍّ، ثنا محمد بن إسماعيل بن مهران، ثنا دحيمٌ، ثنا سويد بن عبد العزيز، ثنا زيد بن واقدٍ، عن (بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) (٣) عن أبي إدريس الخَوْلانِيِّ، عن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم عن مُلُوكِ أهل الجنة، كُلُّ ضعيف مُسْتَضْعَفٍ ذي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ له لو أقسم على الله لأَبَرَّهُ" (٤). وروي لنا عن إسماعيل بن أحمد بن عمر الحافظ قال: أَبَنَا محمد بن عليِّ بن الحسين، قال: أَبَنَا أبو بكر بن شاذان، ثَنَا جعفر بن محمد الْخُلْدِيُّ، ثنا أحمد بن محمد وهو أبو العباس بن مَسْرُوقٍ، ثَنَا محمد بن الْحُسَيْنِ، ثنا أبو خالد الأُمَوِيُّ، عن

стр. 415

مسلمة العابد، عن عبد الحميد بن جعفر أن الحسن ﵀ كان يقول: إن لله عبادًا قلوبهم مَحزْوُنَةٌ، وشرورهم مَأْمُونَةٌ، حوائجهم عند الله مَقْضِيَّةٌ ونفوسهم عن الدنيا عَفِيفَةٌ، صبروا أياما قِصَارًا لِعُقْبَى راحةٍ طويلةِ، أما الليل فَصَفُّوا أقدامهم تَسِيلُ دموعهم على خُدُودِهِمْ يَجْأَرُونَ إلى ربهم ربنا ربنا، وأما النهار فعلماء حُلَمَاءُ بَرَرَةٌ أَتْقِيَاءُ (١). وقوله: "حَوَائِجُهُمْ عند الله مَقْضِيَّةٌ" من قبل قوله ﷺ : "من لو أَقْسَمَ على الله لَأَبَرَّهُ". وقوله: "وأنفسهم عن الدنيا عَفِيفَةٌ" يشير إلى قِلَّةِ حرصهم وقصر أملهم علمًا منهم بأنَّ الدار داثرة، وأن دار القرار في الدار الآخرة. رأيتُ بِخَطِّ والدي ﵀ وغالب ظَنِّي أنِّي سمعته منه قال: كنا جلوسًا في المسجد الجامع عند الإمام أبي سليمان الزبيري يوم جمعة بعد العصر فقال لنا: هل لكم في زيارة الشيخ علك بطريق الجوسق؟ فقلنا: نعم. فقام وقمنا وأتينا قبره وزرناه، ثم أتينا قبر الشيخ أبي زيد وزرناه ومَنْ حوله، فوجدنا جفرات (٢) ترتع على قبورهم. فقال أبو سليمان: كم فوقها من جفرات، وتحتها من حسرات، ثم قال ونحن وقوف متفكرون من يجعل هذه الكلمة نظمًا ثم أنشدنا بعد لحظة: [طويل] أَيَا سَعْدُ أَبْصِرْ وَاعْتَبِرْ مُتَعَجِّبًا … قُبُورًا عَلَيْهَا تَرْتَعِي جَفَرَاتُ وَكَمْ تَحْتَهَا مِن أَلْمَعِيٍّ مُطَهَّمٍ … يَحُومُ عَلَيْهِمْ فِي الثَّرَى حَسَرَاتُ

стр. 416

وَأُنْشِدُكُمْ لِنَفْسِي: [مجتث] قُولُوا لَهَمْ ثُمَّ قُولُوا … مَا عَنْهُمُ لِي عُدُولُ أَحَمَّلُونِي أُمُورًا … تَنْهَدُّ مِنْهَا الْعُقُولُ أَوْ نَوَّلُونِي (١) بِخَيْرٍ … يَطُولُ فِيهِ الْفُصُولُ (٢) لَا أَجْعَلُ الْقَلْبَ رَهْنًا … فَالرَّهْنُ مِمَّا يَزُولُ وَقْفٌ عَلَيْهِمْ فُؤَادِي … وَالْوَقْفُ مَا لَا يَحُولُ (٣) هذا آخر المجلس السابع والعشرين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبيِّهِ نبيّ الرحمة وعلى آله الطَّيِّبين * * * * *

стр. 417

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وما توفيقي إلا بالله المجلس الثامن والعشرون من أماليه ﵀ أملاه يوم الجمعة بعد الصلاة الحادي عشر من ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وستمائة حدثنا الإمام المُمْلِي ﵀ إملاء من لفظه الشريف قال: قرأت على الإمام أحمد بن إسماعيل من أول "التاريخ" للحاكم أبي عبد الله إلى ذِكْرِ النَّضْرِ بن شُمَيْلٍ الْمَازِنِيِّ وأجاز لي الباقي، قال: أَبَنَا زَاهِرٌ الشَّحَّامِيُّ، عن أبي بكر الْبَيْهَقِيِّ إِجَازَةً. ح وَأَنْبَأَنَا من رواه عن أبي نصرٍ الْقُشَيْرِيِّ، عن الْبَيْهَقِيِّ سماعًا قال: أَبَنَا الحَاكِمُ، قال: ثنا إبراهيم بن محمد قال: ثنا إِسْحَاقُ بن حمدان قال: ثنا أحمد بن عَنْبَرٍ قال: ثنا مكي بن إبراهيم قال: ثنا أبو حَنِيفَةَ، عن محمد بن الزُّبَيْرِ، عن الْحَسَنِ، عن عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا نَذْرَ في معصية، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ". وفي غير هذا الْخَبَرِ عن رسول الله ﷺ : "لا نَذْرَ في معصية الله، ولا فيما لا يَمْلِكُهُ ابن آدم". في الشرح فصول: الفصل الأول هذا حديثٌ يُؤْثَرُ عن رسولِ الله ﷺ من رواية عمران (١)، وجابر بن عبد

стр. 418

الله (١)، وابن عمر (٢)، وعائشة ﵃. أخرجه أبو عيسى (٣) من حديث عائشة من رواية الزهري عن أبي سلمة عنها. ومن رواية الزهري أيضًا عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عنها. وقال: الطريق الثاني أصح ولم يسمع الزهري هذا الحديث عن أبي سلمة. وأخرج أبو داود (٤) السجستاني حديث عائشة من الطريقين أيضًا. ويروي الحديث عن محمد بن الزبير "عن أبيه" بدلًا "عن الحسن" عن عمران بن الحصين (٥). وعمران (٦): هو أبو نُجَيد بن حصين بن عبيد بن خلف بن عبد نُهم بن سالم بن غاضرة الخزاعي، من مشاهير الصحابة وفقهائهم. نزل البصرة بأَمْرِ عمر بن الخطاب لِيُفَقِّهَ أهلَها ويعلمهم، وابْتُلِيَ ببعض العلل فبقي ثلاثين سنة على سريرٍ مثقوب صابرًا راضيًا بقدر الله، وكانت الملائكة تسلم عليه من زوايا البيت حتى اكتوى قبل وفاته بسنتين ففقد التسليم مدة ثم عاد فكان يقول: اكتوينا فما أفلحنا، يعني المكاوي. روى عنه: أبو رجاء العطاردي، ومطرف

стр. 419

بن الشِّخِّير، والحسن، وابن سيرين. توفي سنة اثنتين وخمسين، وقيل: سنة ثلاث. والحسن (١): هو ابن أبي الحسن يسار البصري، أبو سعيد مولى زيد بن ثابت. من حكماء العلماء الملهمين المخصوصين بالمقامات السنية. روى عن: جُندب بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعبد الرحمن بن سمرة، ومعقل بن يسار، وأبي بكرة، وغيرهم من الصحابة. وروى عنه: يونس بن عبيد، وأيوب السختياني، وقتادة، وجرير بن حازم، ومنصور بن زاذان، وخالد الحذاء. مات سنة عشر ومائة. ومحمد بن الزبير (٢): هو الذي يقال له الحنظلي إن شاء الله. سمع: عمر بن عبد العزيز، وروي عن: أبيه، وعن الحسن. روى عنه: حماد بن زيد، وغيره. وأبو حنيفة (٣): أحد أئمة المسلمين المتبوعين النعمان بن ثابت الكوفي ﵁. وُلِدَ بالكوفة سنة ثمانين، ويعد في التابعين؛ لأنه رأى أنس بن مالك حين نزل الكوفة، ويقال أنه سمع منه، وكذلك حكاه محمد بن عبد الله المعروف بربيب

стр. 420

الوزير، وذكر روايته عن ستَّةِ نفرٍ من الصحابة سوى أنس وهم: عبد الله بن أنيس، وعبد الله بن جَزْءِ الزبيدي، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن أبي أوفي، وواثلة بن الأسقع، وعائشة بنت عجرد ﵃. وسمع: عطاء بن أبي رباح والزهري، وقتادة. عرض عليه المنصور القضاء فامتنع منه، فألحَّ عليه وضربه عليه ثلاثين سوطًا ثم اعتذر منه، وأمر له بثلاثين ألفًا فلم يقبلها. ويروى أنَّه كان في صباه يختلف إلى الخزَّازين فرأى أستاذُهُ في المنام أنَّ أبا حنيفة ينبش القبور حتى أتى قَبْرَ النَّبِيَّ ﷺ فنبشه وأخرجه، فأنهى الرجل رؤياه إلى ابن سيرين فقال: إن عاش هذا الغلام ليبثنَّ علمًا ما يبثُّه أحدٌ، وليحيينَّ سنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ . وأنَّه كان يختم القرآن في كلِّ شهرٍ ثلاثين مرة، وأنه قام ليلة بهذه الآية: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾ (القمر). وأنه كان يُسْمَعُ وقعُ دموعهِ على الحصيرِ وهو يصلي بالليل. وعن عبد الله بن داود الْخُرَيْبِيِّ أنَّه كان يقول: ما يتكلم في أبي حنيفة إلَّا حاسدٌ أو جاهلٌ. وعن خارجة بن مصعب أنه كان يقول: أبو حنيفة قطب العلم عليه تدور الرَّحَا. وعن الشَّافعيِّ ﵁ أنَّه قال: من أراد أن يَتَبَحَّرَ فِي الفقه فهو عيال على أبي حنيفة. وَحَدَّثَ الخطيب أبو بكر الحافظ، عن علي بن أبي علي، عن طلحة بن محمد، قال: حدثني مُكرَم بن أحمد القاضي، ثنا أحمد بن محمد بن المغلس، ثنا سليمان بن أبي الشيخ، حدثني ابن أبي رجاء القاضي قال: سمعت محمويه وكنا نعده من

стр. 421

الأبدال يقول: رأيت محمد بن الحسن في المنام فقلت: يا أبا عبد الله إلى ما صرت؟ قال: قال لي: إني لم أجعلك وعاءً للعلم وأنا (١) أريد أن أعذبك. فقلت: فما فعل أبو يوسف؟ قال: فوقي. قلت: فما فعل أبو حنيفة؟ قال: فوق أبي يوسف بطبقات (٢). توفي سنة خمسين ومائة. وقيل: سنة إحدى وخمسين ببغداد، ويقال: إنَّ مسعرًا لَمَّا بلغه وفاته قال: مات أفقه المسلمين. ويذكر أنَّ أبا حنيفة أنشد لنفسه: [مخلع البسيط] مَنْ طَلَبَ العِلْمَ لِلْمَعَادِ … فَازَ بِفَضْلٍ مِنَ الرَّشَادِ فَيَا لَخُسْرَانَ طَالِبِيهِ … لِنَيْلِ فَضْلٍ منَ العِبَادِ وأنَّه كان ينشدُ كثيرًا: [طويل] كَفَي حَزَنًا أَلَّا حَيَاةَ هَنِيَّةٌ … وَلَا عَمَلٌ يَرْضَي بِهِ الله صَالِحُ ومَكِّي (٣) بن إبراهيم بن (بشير) (٤) أبو السَّكن البلخيُّ الحنظليُّ. سمع: جعفر بن محمد الصادق، ويزيد بن أبي عبيد، وابن جريج، وروى عن: أبي حنيفة. روى عنه: يحيى بن يحيى، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والبخاري. مات سنة أربع عشرة ومائتين.

стр. 422

وأحمد بن عنبر النيسابوري (١). سمع: عصام بن يوسف، ومكي بن إبراهيم. روى عنه: زنجويه بن محمد، وإسحاق بن حمدان. وإسحاق (٢): هو أبو يعقوب بن حمدان بن العباس النيسابوري، سكن بلخ وبها مات. سمع: محمد بن رافع، وإسحاق بن منصور. روى عنه: أبو بكر بن علي الرازي، ويحيى بن منصور، وكتب عنه أبو علي الحافظ ببغداد. وإبراهيم (٣): هو أبو إسحاق بن محمد بن يحيى المزكي. شيخٌ مقدمٌ من مشايخ نيسابور. سمع: أبوي العباس الثقفي وَالْمَاسَرْجِسِيُّ، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، ومحمد بن الربيع الجيزي، والدغولي. وَعُقِدَ له مجلس الإملاء وحضر مجلسه الكبار كأبي العباس الأصم، وأبي عبد الله الصفار. توفي سنة اثنتين وستين وثلاثمائة. والحاكم: هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، مشهور مذكور في المجلس الثاني عشر.

стр. 423

وأبو بكر البيهقيُّ (١): هو الحافظ أحمد بن الحسين بن علي. إمامٌ موفقٌ في تصانيفه الكثيرة المفيدة التي أوضحت السُّبُلَ وأبانتِ المناهجَ، وتَتَبَّعَ نصوصَ الشافعيِّ ﵁ في كتبه القديمة والجديدة فجمع بينها، ونصر مذهبه، وأتي بها لم يأت به من قبل من العلماء جزاه الله أحسن الجزاء. توفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. وأبو نصرٍ القشيريُّ (٢): هو الإمام عبد الرحيم بن الأستاذ أبي القاسم، صاحب الصَّيتِ المنتشر والتَّصانيف الحسان في التفسير والأصول والفقه والتذكير. ووصفه أبو الحسن الفارسي في "الذيل" فقال: كان أبو نصر أشبه الناس بأبيه خلقًا كأنَّهُ شُقَّ منه شقًّا، ربَّاه أحسن تربية، وَزَقَّهُ (٣) العَرَبِيَّةَ في صِبَاهُ زَقًّا حتي برع فيها وكمل في النظم والنثر وحاز فيها قصب السبق، وكان يبث السحر بأقلامه على الرق، استوفي الحظَّ الأوفي من علمي الأصول والتفسير تَلقِّيًا من والده، وَرُزِقَ سُرعةً في الكتابة حتى كان يكتب في اليوم طاقات بلا مشقة، وَحَصَّلَ أنواعًا من العلوم الدقيقة والحساب الذي يُحتاج إليه في علم الشريعة. وانتقل بعد وفاة أبيه إلى مجلس إمام الحرمين، وواظب على درسه ليلًا ونهارًا حتى حَصَّلَ طريقته مذهبًا و خلافًا، وكان الإمام يعتدُّ به ويستفرغ أكثر اليوم معه، ويستفيد منه في الفرائض والدور والوصايا، وخرج إلى الحج فعقد له المجلس

стр. 424

ببغداد، وبدا له من القبول ما لم يُعهد مثله، وعاد والقبول غضٌّ وزائدٌ على ما كان، وكاد التعصب له يؤدي إلى الفتنة، فاستحضره الصاحب نظام الملك من بغداد إلى أصبهان وهو بها، وأكرم مورده لما انتهى إليه، ووصله بصلات سنية، ورد إلى خراسان وكان أكثر صَغْوِهِ (١) في آخر أيامه إلى الحديث وإملائه. توفي في سنة أربع عشرة وخمسمائة في جمادى الآخرة. الفصل الثاني "لا" قد تكون للنهي: إما لنهي الحاضر كقولك "لا تقم" أو الغائب كقولك "لا يقم زيد". وقد تكون جوابًا عن السؤال على مضادة نعم وبلى. وقد تقع زائدة كما في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ (الأعراف:١٢) أي: أن تسجد، وقال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ (الحديد: ٢٩) أي: لأن يعلم. وقد تكون للنفي: وتدخل تارة على الفعل كما يقال: هو يفعل كذا غدًا فنقول: لا تفعل. وتارة على الاسم: وهو إما نكرة كقولك: "لا رجل في الدار" والمقصود نفي الجنس، وتجعل النكرة والحالة هذه مع "لا" كالشيء الواحد، وتبني على الفتح ويحذف منه التنوين كما حذف من خمسة عشر. وإما مضاف كقولك: "لا غلامَ زيد عندك"، "ولا ثوبَ خزٍّ لك" ونصبوا الغلام والثوب بإعمال "لا" فيه تشبيهًا لها بأن؛ لأن "أن" للتحقيق والإثبات، و "لا" للنفي، فحمل النقيض على النقيض، ومعلوم أنك تقول: أن غلام زيد عندك

стр. 425

فَأُجْرِيَ مجراه، وانحذاف التنوين ها هنا على قاعدة الإضافة وإذا كررت "لا" وأدخلتها على نكرةٍ بعد نكرةٍ فلك أن تفتحهما فتقول: "لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله"، وأن ترفعهما فتقول: "لا حولٌ ولا قوةٌ" وأن تفتح الأول وترفع الثاني فتقول: "لا حولَ ولا قوةٌ"، وأن تفتح الأول وتنصب الثاني فتقول: "لا حولَ ولا قوةً" وعلى ذلك أنشد: [رمل] لَا نَسَبَ الْيَوْمَ وَلَا خُلَّةً … اتَّسَعَ الْخَرْقُ عَلَى الرَّاقِعِ وإذا وصفت النكرة فلك أن تنصب فتقول: "لا رجل عالمًا في الدار" وأن تحذف التنوين من الصِّفة فتقول: "لا رجل عالم في الدار" كما حذفت من الموصوف، وأن ترفع فتقول: "لا رجل عالم" حملًا على الموضع؛ لأن موضع "لا" مع ما نفي بها رفع بالابتداء كخمسة عشر إذا ابتدأت به. ولذلك قالوا: إنَّ "لا" مع ما بعدها تفتقر إلى خبر، لكنه قد يحذف الخبر لفهم المقصود بدلالة الحال عليه كما تقول: "لا درهم ولا مال" وتريد لي، ولا يجوز أن يقال: "لا رجل" ويراد: في الدار؛ إذ لم يسبق لها ذكر، وعلى هذا قالوا: قولنا: "لا إله إلا الله" الخبر منه محذوف والتقدير: لا إله لنا إلا الله أو في الوجود، وكذا قولنا: "لا حول ولا قوة إلا بالله" المعنى لا حول ولا قوة لنا إلا بالله. وقد لا تعمل "لا" فيما بعدها وترفع على الابتداء فيقال: "لا رجل في الدار" وعلى هذا فيجوز أن تدخل على المعرفة فيقال: "لا زيدٌ عندي، ولا عمرو، ولا زيدٌ قائم، ولا عمرو خارجٌ" ولم يُجوزوا إعمال "لا" في المعرفة فلا نقول: "لا زيد عندي، ولا عمرو" إلا أن تكرر العلم وتريد: لا أحد عندي يسمى زيدًا. وقد تجعل "لا" عاملة معنى "لا" لفظًا كقولهم: "أمسي ببلدة لا عمٍّ ولا خالٍ"
следующие страницы →