الأبدال يقول:
رأيت محمد بن الحسن في المنام فقلت: يا أبا عبد الله إلى ما صرت؟
قال: قال لي: إني لم أجعلك وعاءً للعلم وأنا (١) أريد أن أعذبك.
فقلت: فما فعل أبو يوسف؟ قال: فوقي.
قلت: فما فعل أبو حنيفة؟ قال: فوق أبي يوسف بطبقات (٢).
توفي سنة خمسين ومائة. وقيل: سنة إحدى وخمسين ببغداد، ويقال: إنَّ مسعرًا لَمَّا بلغه وفاته قال: مات أفقه المسلمين.
ويذكر أنَّ أبا حنيفة أنشد لنفسه: [مخلع البسيط]
مَنْ طَلَبَ العِلْمَ لِلْمَعَادِ … فَازَ بِفَضْلٍ مِنَ الرَّشَادِ
فَيَا لَخُسْرَانَ طَالِبِيهِ … لِنَيْلِ فَضْلٍ منَ العِبَادِ
وأنَّه كان ينشدُ كثيرًا: [طويل]
كَفَي حَزَنًا أَلَّا حَيَاةَ هَنِيَّةٌ … وَلَا عَمَلٌ يَرْضَي بِهِ الله صَالِحُ
ومَكِّي (٣) بن إبراهيم بن (بشير) (٤) أبو السَّكن البلخيُّ الحنظليُّ.
سمع: جعفر بن محمد الصادق، ويزيد بن أبي عبيد، وابن جريج، وروى عن: أبي حنيفة. روى عنه: يحيى بن يحيى، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والبخاري. مات سنة أربع عشرة ومائتين.
стр. 422
وأحمد بن عنبر النيسابوري (١).
سمع: عصام بن يوسف، ومكي بن إبراهيم.
روى عنه: زنجويه بن محمد، وإسحاق بن حمدان.
وإسحاق (٢): هو أبو يعقوب بن حمدان بن العباس النيسابوري، سكن بلخ وبها مات.
سمع: محمد بن رافع، وإسحاق بن منصور.
روى عنه: أبو بكر بن علي الرازي، ويحيى بن منصور، وكتب عنه أبو علي الحافظ ببغداد.
وإبراهيم (٣): هو أبو إسحاق بن محمد بن يحيى المزكي.
شيخٌ مقدمٌ من مشايخ نيسابور.
سمع: أبوي العباس الثقفي وَالْمَاسَرْجِسِيُّ، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، ومحمد بن الربيع الجيزي، والدغولي.
وَعُقِدَ له مجلس الإملاء وحضر مجلسه الكبار كأبي العباس الأصم، وأبي عبد الله الصفار.
توفي سنة اثنتين وستين وثلاثمائة.
والحاكم: هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، مشهور مذكور في المجلس الثاني عشر.
стр. 423
وأبو بكر البيهقيُّ (١): هو الحافظ أحمد بن الحسين بن علي.
إمامٌ موفقٌ في تصانيفه الكثيرة المفيدة التي أوضحت السُّبُلَ وأبانتِ المناهجَ، وتَتَبَّعَ نصوصَ الشافعيِّ ﵁ في كتبه القديمة والجديدة فجمع بينها، ونصر مذهبه، وأتي بها لم يأت به من قبل من العلماء جزاه الله أحسن الجزاء.
توفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة.
وأبو نصرٍ القشيريُّ (٢): هو الإمام عبد الرحيم بن الأستاذ أبي القاسم، صاحب الصَّيتِ المنتشر والتَّصانيف الحسان في التفسير والأصول والفقه والتذكير.
ووصفه أبو الحسن الفارسي في "الذيل" فقال: كان أبو نصر أشبه الناس بأبيه خلقًا كأنَّهُ شُقَّ منه شقًّا، ربَّاه أحسن تربية، وَزَقَّهُ (٣) العَرَبِيَّةَ في صِبَاهُ زَقًّا حتي برع فيها وكمل في النظم والنثر وحاز فيها قصب السبق، وكان يبث السحر بأقلامه على الرق، استوفي الحظَّ الأوفي من علمي الأصول والتفسير تَلقِّيًا من والده، وَرُزِقَ سُرعةً في الكتابة حتى كان يكتب في اليوم طاقات بلا مشقة، وَحَصَّلَ أنواعًا من العلوم الدقيقة والحساب الذي يُحتاج إليه في علم الشريعة.
وانتقل بعد وفاة أبيه إلى مجلس إمام الحرمين، وواظب على درسه ليلًا ونهارًا حتى حَصَّلَ طريقته مذهبًا و خلافًا، وكان الإمام يعتدُّ به ويستفرغ أكثر اليوم معه، ويستفيد منه في الفرائض والدور والوصايا، وخرج إلى الحج فعقد له المجلس
стр. 424
ببغداد، وبدا له من القبول ما لم يُعهد مثله، وعاد والقبول غضٌّ وزائدٌ على ما كان، وكاد التعصب له يؤدي إلى الفتنة، فاستحضره الصاحب نظام الملك من بغداد إلى أصبهان وهو بها، وأكرم مورده لما انتهى إليه، ووصله بصلات سنية، ورد إلى خراسان وكان أكثر صَغْوِهِ (١) في آخر أيامه إلى الحديث وإملائه.
توفي في سنة أربع عشرة وخمسمائة في جمادى الآخرة.
الفصل الثاني
"لا" قد تكون للنهي: إما لنهي الحاضر كقولك "لا تقم" أو الغائب كقولك "لا يقم زيد".
وقد تكون جوابًا عن السؤال على مضادة نعم وبلى.
وقد تقع زائدة كما في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ (الأعراف:١٢) أي: أن تسجد، وقال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ (الحديد: ٢٩) أي: لأن يعلم.
وقد تكون للنفي: وتدخل تارة على الفعل كما يقال: هو يفعل كذا غدًا فنقول: لا تفعل.
وتارة على الاسم: وهو إما نكرة كقولك: "لا رجل في الدار" والمقصود نفي الجنس، وتجعل النكرة والحالة هذه مع "لا" كالشيء الواحد، وتبني على الفتح ويحذف منه التنوين كما حذف من خمسة عشر.
وإما مضاف كقولك: "لا غلامَ زيد عندك"، "ولا ثوبَ خزٍّ لك" ونصبوا الغلام والثوب بإعمال "لا" فيه تشبيهًا لها بأن؛ لأن "أن" للتحقيق والإثبات، و "لا" للنفي، فحمل النقيض على النقيض، ومعلوم أنك تقول: أن غلام زيد عندك
стр. 425
فَأُجْرِيَ مجراه، وانحذاف التنوين ها هنا على قاعدة الإضافة
وإذا كررت "لا" وأدخلتها على نكرةٍ بعد نكرةٍ فلك أن تفتحهما فتقول: "لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله"، وأن ترفعهما فتقول: "لا حولٌ ولا قوةٌ" وأن تفتح الأول وترفع الثاني فتقول: "لا حولَ ولا قوةٌ"، وأن تفتح الأول وتنصب الثاني فتقول: "لا حولَ ولا قوةً" وعلى ذلك أنشد: [رمل]
لَا نَسَبَ الْيَوْمَ وَلَا خُلَّةً … اتَّسَعَ الْخَرْقُ عَلَى الرَّاقِعِ
وإذا وصفت النكرة فلك أن تنصب فتقول: "لا رجل عالمًا في الدار" وأن تحذف التنوين من الصِّفة فتقول: "لا رجل عالم في الدار" كما حذفت من الموصوف، وأن ترفع فتقول: "لا رجل عالم" حملًا على الموضع؛ لأن موضع "لا" مع ما نفي بها رفع بالابتداء كخمسة عشر إذا ابتدأت به.
ولذلك قالوا: إنَّ "لا" مع ما بعدها تفتقر إلى خبر، لكنه قد يحذف الخبر لفهم المقصود بدلالة الحال عليه كما تقول: "لا درهم ولا مال" وتريد لي، ولا يجوز أن يقال: "لا رجل" ويراد: في الدار؛ إذ لم يسبق لها ذكر، وعلى هذا قالوا: قولنا: "لا إله إلا الله" الخبر منه محذوف والتقدير: لا إله لنا إلا الله أو في الوجود، وكذا قولنا: "لا حول ولا قوة إلا بالله" المعنى لا حول ولا قوة لنا إلا بالله.
وقد لا تعمل "لا" فيما بعدها وترفع على الابتداء فيقال: "لا رجل في الدار" وعلى هذا فيجوز أن تدخل على المعرفة فيقال: "لا زيدٌ عندي، ولا عمرو، ولا زيدٌ قائم، ولا عمرو خارجٌ" ولم يُجوزوا إعمال "لا" في المعرفة فلا نقول: "لا زيد عندي، ولا عمرو" إلا أن تكرر العلم وتريد: لا أحد عندي يسمى زيدًا.
وقد تجعل "لا" عاملة معنى "لا" لفظًا كقولهم: "أمسي ببلدة لا عمٍّ ولا خالٍ"
стр. 426
فالعم والخال مجروران بإضافة البلدة إليها، كما تقول: ببلدة عمٍّ وخالٍ، ودخول "لا" كسقوطها في اللفظ لكنها عملت من جهة المعنى فنفت كون البلدة التي هي بلدة عم وخال، ويقال أيضًا: "بلا مالٍ وعشيرةٍ" هما مجروران بالباء، كما لو لم تدخل فيه "لا" إلَّا أنها عملت في المعنى فنفته.
وقد يعد "لا" في مثل قولهم "فلان غير محسن ولا مجمل" تأكيدًا وزيادة، وقد قيل به في قوله تعالى: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ ويقرب منه قول القائل: ما رأيت زيدًا، ولا عمرًا.
وفيه فائدة وهي أن قول القائل: "ما رأيت زيدًا وعمرًا" ويحتمل أن يريد به أنَّ الرؤية ما جمعتهما أو أنَّه ما رآهما معًا، وإدخال "لا" يقطع هذين الاحتمالين.
ويقال: نَذَرتُ لله كذا، ونَذَر على نفسه، ونذر ماله يَنْذِرُ ويَنْذُر نَذْرًا، والإنذار: الإبلاغ، ولا يكون إلا في التخويف، ونَذِرَ القومُ بكسر الذال إذا علموا، وَتَنَاذَرُوا: خَوَّف بعضهم بعضًا.
وَتَكْفِيرُ الْيَمِينِ: الإتيان بيا يَجُبُّ الحنث فيها، والاسم الكفارة، والتكفير في السيئات كالإحباط في الحسنات.
الفصل الثالث
النَّذْرُ نوعان:
نَذْرُ تَبَرُّرٍ: وهو التزام قُرْبَةٍ في مقابلة نيل مطلوبٍ، كشفاء مريضٍ وغيرِهِ.
وَنَذْرُ لَجَاجٍ: وهو أن يمنع نفسه من فعلٍ، أو يَحْمِلَهَا عليه بتعليق التزامِ قُربةٍ، مثل أن يقول: إن فعلت كذا أو لم أفعل فعلي صوم أو صلاة أو عتق.
والمعصية لا يصحُّ التزامها بحالٍ لا مُعَلّقة بشفاء المريض ولا بشيء من
стр. 427
الأفعال.
روت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "من نَذَرَ أن يُطِيعَ الله فَلْيُطِعْهُ ومن نَذَرَ أن يعصي الله فلا يَعْصِهِ" (١) وعليه يحمل قوله ﷺ : "لا نَذْرَ في معصية الله".
وأمَّا تعليق القُربة بالمعصية نفيًا وإثباتًا فيتصور على صورة التَّبَرُّرِ بأن يقول: إن لم أشرب الشهر فلله عَلَيَّ كذا يعني: إن وفقني الله للتَّحَرُّزِ عنه، وهذا نذرٌ صحيحٌ، ويتصور على فعل اللَّجَاجِ بأن يقول: إن شربت فعليَّ كذا، يريد منع نفسه منه، وكذا لو قيل له: لا تشرب، فقال لَجَاجًا: إن لم أشرب فلله عَلَيَّ كذا.
وفيما يلزم في نَذْرِ اللَّجَاجِ على الإطلاق ثلاثة أقوال للشافعي ﵁:
أصحها: أن فيه كفارة اليمين؛ لما رُوِيَ عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: "النَّذْرُ يَمِينٌ وكفارته كفارة يَمِينٍ" (٢) وقد يحمل قوله في الخبر: "وكفارته كفارة يَمِينٍ" على هذا.
والثاني: إنَّ عليه الوفاء بما التزم.
والثالث: يتخير بين الوفاء والكفارة.
وحكى الأصحابُ وجهين فيما إذا التزم ما ليس بقُربةٍ في مقابلة نعمة، أو عَلَّقَهُ بفعلٍ من أفعاله فقال: إن شفي الله مريضي، أو إن دخلت الدار فعليَّ أن آكل الطعام كذا، وكذا لو كان المُلتزم فرضًا أو معصية بأن قال: إن فعلت كذا فعليّ أن
стр. 428
أصلي الظهر، أو أن أشرب الخمر، هل يجعل ذلك يمينًا حتى إذا خالف لزمته الكفارة؟
والأظهر على ما ذكره جماعةٌ أنه يجعل يمينًا.
واعلم أنَّ الوفاء بالنَّذر حسنٌ أثنى الله تعالى على الوافين به فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ (الإنسان: ٧) وأمر بالوفاء بالعهد فقال: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (المائدة: ١) وإذا كان من قضايا الكرم أن لا يجاب السائل بـ "لا" ولم يسبق من المسئول وعدٌ ولا تقدم عهدٌ حتى قال بعضهم يمدح ويصف الممدوح بأنه يمنح: [بسيط]
مَا قَالَ لَا قَطُّ إِلَّا فِي تَشَهُّدِه … لَوْلَا التَّشَهُّدُ لَمْ يُسْمَعْ لَهُ لَا
فَالوَفَاءُ بِالنَّذْرِ بَعْدَ التِزَامِه تَوكيدٌ للعهد وإحكامه أولى بالمحافظة عليه.
وقول جميلٍ: [طويل]
بُثَيْنَ الْزَمِي لَا إنَّ لَا إِنْ لَزِمْتِهِ … عَلَى كَثْرَةِ الْوَاشِينَ خَيْرُ مَعُونِ
لم يقصد به تحقيقُ نفيٍ؛ وإنما قصد نفي ما يشغل ويعوق من صنع الواشين، لتستقرَّ قدمُهُ في المحبة ويوفي حقوقها.
وقد يقصد بالنَّفي سيما إذا تكرر تناول نوعين أو التعرض لطرفين تحقيقُ وسط معتدل وإثباته كما قال تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ (البقرة: ٦٨) ويقرب منه قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فإنَّ المعنى صراط الذين أنعمت عليهم، لا الذين غضبت عليهم، ولا الذين ضلُّوا، وفي ذلك تحقيق النعمة والمنعم عليهم بنفي أضدادها.
ويذكر أنَّ مريضًا أتى ابن سيرين فقال: رأيت في المنام كأنَّ قائلًا يقول لي: إن
стр. 429
شئت الشفاء من مرضك فخذ لا ولا وكله.
فقال ابن سيرين: إنَّما دلك على الزيتون، قال تعالى: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ (النور: ٣٥).
وإذا كنت ترجو الوفاء بوعد الله تعالى وهو مستغنٍ عنك، فبالحري أن تفي بعهده فأنت مفتقرٌ إليه، وإن عَرَضَتْ فَتْرَةٌ في بعض نعمه فعليك أن تلزم الباب مستشعرًا وتثبت وهي بشؤم إعراضٍ منك أو هي بملاطفة من الرب تعالى لئلا تغفل ولا تتكل.
قرأت على والدي ﵀ أبنا أبو الأسعد القُشَيْريُّ، أبنا أبو سعيد الصَّفَّارُ، عن السُّلميِّ قال: سمعت علي بن عبد الله البصري يقول: سمعت الشِّبْلِيِّ يقول: المعارف تبدو فتطمع ثم تخفى فتؤيس فلا سبيل إلى تحصيلها يعني بِمَرَّةٍ، ولا طريق إلى الهرب منها، فإنها تطمع الآيس، وتؤنس الطامع، وأنشأ يقول: [طويل]
أَظَلَّتْ عَلَيْنَا مِنْكَ يَومًا غَمَامَةٌ … أَضَاءَتْ لَنَا بَرْقًا وَأَبْطَا رَشَاشُهَا
فَلَا غَيْمُهَا يَجْلُو فَيَيْأَسَ طَامِعٌ … وَلَا غَيْثُهَا يَأْتِي فَيَرْوَي عِطَاشُهَا
وقلت في أحوال سانحة نرجو من الله كشفها: [رجز]
حِرْتُ وَلَا حَرَاكَ بِي … وَزَادَنِي بَلَابِلَا
إِنْ كُنْتُ أَدْعُوهُ … فَلَا يُجِيبُنِي يَوْمًا بِلَا
وَالْآنَ أَدْعُو فَأَرَى … إِجَابَتِي بَلَابَلَى
آخر المجلس الثامن والعشرين من أماليه والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا
* * * * *
стр. 430
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وما توفيقي إلا بالله
المجلس التاسع والعشرون من أماليه أملاه يوم الجمعة بعد الصلاة السابع عشر من ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وستمائة
أخبرنا الإمام المُمْلِي ﵀ قال: روى لنا رَاوُونَ منهم: محمد بن عبد الْبَاقِي، وحامد الخطيب، عن أبي علي الحداد، عن أبي نُعَيْمٍ قال: كتب إلى أبو بكر الْبَصْرِيُّ قال: أَبَنَا أبو داود قال: ثَنَا مُسَدَّدٌ، ثنا يحيى، عن سفيان قال: حدثني أبو إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي ﵁ قال: قلت للنبي ﷺ : إن عمك الشيخ الضَّالَّ قد مَاتَ.
فَقَالَ: "اذْهَبْ فَوَارِ أَبَاكَ ثُمَّ لَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي" فَذَهَبْتُ فَوَارَيْتُهُ وَجِئْتُهُ فَأَمَرَنِي فَاغْتَسَلْتُ وَدَعَا ليِ (١).
في الشرح فصول: الفصل الأول
هذا حديثٌ ثابتٌ مشهورٌ مدونٌ في التفاسير ودواوين الحديث، أورده أبو داود الطيالسي عن شعبة، عن أبي إسحاق واللفظ: لما تُوُفِّيَ أبي أتيت رسول الله ﷺ فَقُلْتُ: إن عمك قد تُوُفِّيَ. فَقَالَ: "اذهب فَوَارِهِ".
فقلت: إنه مات مُشْرِكًا.
فقال: "اذهب فَوَارِهِ ولا تُحْدِثَنَّ شيئا حتى تَأْتِيَنِي" ففعلت ثم أَتَيْتُهُ فَأَمَرَنِي أن
стр. 431
أغتسل (١).
وأيضًا عن شعبة قال: وأخبرني الفضيل أبو معاذ وهو الفضيل بن مَيْسَرَةَ الأَزْدِيُّ ختن بديل بْنِ ميسرة، عن أبي حَرِيزٍ السِّجِسْتَانِيِّ وهو عبد الله بن الحسين قَاضِيهَا، عن الشَّعْبِيِّ قال: قال عَلِيٌّ ﵁: لما رجعت إلى النَّبِيِّ ﷺ وقد دَفَنْتُهُ قال لي قولا ما أحب أن لي به الدُّنْيَا (٢).
وعليٌّ (٣) ﵁ أمير المؤمنين وَمُبِيرُ (٤) المشركين أبو الحسن بن أبي طالب واسمه عبد مناف بن عبد المطلب واسمه شيبة بن هاشم واسمه عمرو بن عبد مناف واسمه المغيرة بن قصي واسمه زيد بن كلاب.
ابنُ عَمِّ رسول الله ﷺ لَحًّا (٥).
وأمُّهُ فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف وهي أول هاشمية ولدت هاشميًا، وكانت قد أسلمت وهاجرت وتوفيت بالمدينة، فتولَّى رسول الله ﷺ دفنها وألبسها قميصه، واضطجع معها في قبرها وقال:
"أَلْبَسْتُهَا قَمِيصِي لِتَلْبَسَ مِنْ ثِيَاِب الجَنَّةِ، وَاضْطَجَعْتُ مَعَهَا لِأُخَفِّفَ عَنْهَا مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ، وَإِنَّهَا كَانَتْ أَحْسَنَ خَلْقِ الله إِلَيَّ صَنِيعًا بَعْدَ أَبِي طَالِبٍ" (٦).
стр. 432
وكانت سَمَّتْ عليًّا ﵁ حَيْدَرَة، ومشهورة عنه أنه كان يقول في بعض حروبه: [رجز]
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ
كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيهِ الْمَنْظَرهْ
أَكِيلُكُمْ بِالسَّيْفِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ
وكان يكنى بأبِي تراب أيضًا ويحبُّ أن يدعي بهذه الكنية؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ دعاه بها، وقال له النبي ﷺ : "لا يُحِبُّكَ إلا مُؤْمِنٌ، ولا يُبْغِضُكَ إلا مُنَافِقٌ" (١).
وَشَهِدَ له بالجنة، وفضائله أشهر وأكثر من أن تحصي.
استخلف بعد قتل عثمان ﵁ وذلك في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وقتل بالكوفة سنة أربعين صبيحة يوم الجمعة لسبع بقين من رمضان.
ونَاجية (٢) بن كعب هو الأسدي، أخو سلمى بنت كعب، يعدُّ فِي الكوفيين.
روي عن: علي ﵁، وعبد الله.
وروي عنه: أبو إسحاق، وأبو حسان الأعرج.
وأبو إسحاق: هو السَّبِيعِيُّ عمرو بن عبد الله. وسفيان: هو الثوري مذكوران
стр. 433
في المجلس الخامس.
ويحيي (١): هو ابن سعيد بن فروخ القطان، أبو سعيد التميمي البصري.
من أكابر أئمة الحديث المتقدمين.
سمع: هشام بن عروة، وحميد الطويل، ويحيى بن سعيد الأنصاري.
روى عنه: محمد بن المثنى، وَبُنْدَارٌ، وعلي بن المديني، ومحمد بن أبي بكر المُقَدَّمِيُّ، وأبو بكر بن أبي شيبة، وغيرهم.
ولد سنة عشرين ومائة، ومات سنة ثمان وتسعين ومائة.
وَمُسَدَّدٌ (٢): هو ابْنُ مُسَرْهَدٍ بن مُسَرْبَلٍ بن مُغربل بن أرندل بن ماهك أبو الحسن الأسدي البصري.
يقال: إنه ذكر نسبه لأبي نعيم وقال: لو كانت في هذه النسبة بسم الله الرحمن الرحيم لكانت رقية العقرب.
سمع: أبا عوانة، وابن علية، ويزيد بن زريع، وحماد بن زيد، ويحيى القطان. روى عنه: البخاري، والأئمة.
مات سنة ثمان وعشرين ومائتين.
وأبو داود (٣): هو سليمان بن الأشعث السجستاني.
أحد العلماء الكبار المرجوع إلى قولهم وكتابهم، واعتناؤه بالأحاديث التي يبني عليها الأحكام الشرعية أكثر من اعتناء غيره.
стр. 434
سمع بمصر والشام والحجاز والعراق وخراسان.
وعن محمد بن إسحاق الصَّغَانِيُّ أنه كان يقول: لُيِّنَ لأبي داود الحديث كما لُيِّنَ لداود الحديد.
وروى عنه: علان بن عبد الصمد فقال: سمعت أبا داود السجستاني وكان من فرسان هذا الشأن. توفي سنة خمس وسبعين ومائتين بالبصرة.
وأبو بكر البصري (١): هو محمد بن بكر بن محمد بن عبد الرزاق التمار المعروف بِابْنِ دَاسَةَ.
من الثِّقات المرضيِّينَ، وممن اشتهر "سنن أبي داود" بروايته.
روى عنه: الحسن بن داود السمرقندي، وأبو علي الحسين بن محمد الرُّوذْبَارِيُّ، وغيرهما.
ومن بعد هؤلاء في الإسناد مذكورون من قبل.
الفصل الثاني
جَمْعُ الشَّيْخِ: شُيُوخٌ وأَشْيَاخٌ وشِيَخَةٌ وشِيخانٌ ومَشْيَخَةٌ ومَشايخُ ومَشْيُوخاءُ. وَالْمَرْأَةُ شَيْخَةٌ، وشَاخَ يَشِيخُ شَيَخًا بِالتَّحْرِيكِ، وَشَيْخُوخَةً، وشَيَّخَ بِمَعْنَاهُ، وشَيَّخَهُ: دَعَاهُ شَيْخًا تَبْجِيلًا، وَتَصْغِيرُ الشَّيْخِ شُيَيْخٌ بِالْيَاءِ.
وَضَلَّ الشَّيْءُ يَضِلُّ ضَلَالًا: ضَاعَ وَهَلكَ، وَيُسَمَّى الْكَافِرُ ضَالًّا لِهَلَاكِهِ بِالْكُفْرِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧)﴾ (القمر) أي في هلاكٍ. وَضَلَّ الماءُ في اللَّبَنِ أَيْ ضَاعَ. والضَّالَّةُ: ما ضَلَّ مِنَ الْبَهِيمَةِ، وأَضَلَّهُ: أضَاعَهُ وأَهْلَكَهُ.
стр. 435
وَأُضِلَّ المَيِّتُ إِذَا دُفِنَ.
وأضللت بعيري إذا ذهب منك. وَضَلَلْتُ عن المسجد والدار إذا لم تَهْتَدِ إليهما. وتضليل الرجل: نِسْبَتُهُ إلى الضَّلَالِ. ورجل ضليل ومضلل إذا كان كثير التَّتَبُّعِ لِلضَّلَالِ، وأنشد: [وافر]
أَلَمْ تَسْأَلْ تُخَبِّرُكَ الدِّيَارُ … عَنِ الْحَيِّ المُضَلَّلِ أَيْنَ سَارُوا
وَأَرْضٌ مَضِلَّةٌ وَمَضَلَّةٌ: التي يُضَلُّ فيها الطريق كثيرًا. وَضَلِلْتُ أَضَلُّ وَضَلَلْتُ أَضِلُّ لُغَتَانِ.
الفصل الثالث
أبو طالب أحد أعمام النَّبِيِّ ﷺ وكان في حجره حين توفي جده عبد المطلب، ويروى أنَّ عبد الله أباه توفي وهو ابن شهرين، وأنَّ أمه توفيت وهو ابن أربع سنين، وأنَّ جده توفي وهو ابن ثمان، فأوصى به إلى أبي طالب وقال: يا بني قد علمت شدَّةَ حُبِّي لمحمدٍ فانظر كيف تحفظني فيه. فقال أبو طالب: يا أبت لا توصني بمحمدٍ فإنه ابني وابن أخي، فلما مات عبد المطلب كان أبو طالب يؤثره بالنفقة والكسوة وعلى جميع أهله، واستصحبه مع نفسه إلى الشام، وكان يَذُبُّ بعد البعثة عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه، ويشفق عليه ويمنعه عن مشركي قريش. (ومشوا إليه) (١) بعمارة بن الوليد فقالوا له: قد عرفت حال عمارة في قريش، ونحن ندفعه إليك مكان محمد، فادفعه إلينا فمنعهم وقال: [طويل]
كَذَبَتُمْ وَبَيْتِ الله يُبْزَي مُحَمّدٌ … وَلَمَّا نُطَاعِنْ دُوْنَهُ وَنُنَاضِلِ
стр. 436
وَنُسْلِمُهُ حَتَّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ … وَنَذْهَلَ عَنْ أَبْنَائِنَا وَالْحَلَائِلِ
وَيَنْهَضُ قَوْمٌ نَحْوَكُمْ غَيرَ عُزَّلٍ … بِبِيضٍ حَدِيثٍ عَهْدُهَا بِالصَّقَائِلِ
وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالَ الْيَتَامَي عِصْمَةً لِلأرَامِلِ
يُبْزَي أي: يقهر ويغلب، والمعنى أنَّه لا يُبْزَي بلا طعان ولا نضال، ولا نسلمه حتي نُصَرَّعُ. والعزل: جمع أَعْزَلٍ وهو الذي لا سلاح معه.
و "ثِمَالُ القوم": غياثهم وملجأهم.
ومع ذلك لم يُرزق الاهتداء، ويروى أنَّ عليًّا ﵁ كان يصلي مع النَّبِيِّ ﷺ ابتداء الحال وهما يُخْفِيَانِ عبادتهما من أبي طالب، فعثر عليهما يوما فقال: ما هذا الذي أرى؟ فقال النَّبِيُّ ﷺ : "يا عم هذا دينُ الله دينٌ لأبينا إبراهيم ﵇ وبهذا بُعِثْتُ، وأنت يا عم أحق من بَذَلْتُ له النصيحة". فقال: إني لا أستطيع أن أُفَارِقَ دين آبَائِي (١).
وفي "الصحيحين" (٢) من رواية سعيد بن المُسَيَّبِ، عن أبيه المُسَيَّبِ بْنِ حَزْنٍ قال: حضرت أبا طالب الوفاة فجاء رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة فقال: "أي عَمِّ قل لا إله إلا الله كلمة أُحَاجُّ لك بها عند الله". فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: ترغب عن ملة عبد المطلب، فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه وَيَعُودَانِ بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كَلَّمَهُمْ: أنا على ملة عبد المطلب وَأَبَى أن يقول لا إله إلا الله.
стр. 437
فقال رسول الله ﷺ : "والله لَأَسْتَغْفِرَنَّ لك ما لم أُنْه عنك".
فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ (التوبة: ١١٣) وَأَنْزَلَ الله في أبي طَالِبٍ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (القصص: ٥٦).
وكانت وفاة أبي طالب قبل الهجرة بثلاث سنين وأربعة أشهر، ولم يكن حينئذٍ بَعْدُ أَمْرٌ بالقتالِ ولا انقسام الكفار إلى من يقرر ويعقد معه الجزية، وإلى من لا يقرر ويقتل، وكان حكم الكفار جميعًا حكم أهل الذِّمِّةِ والمعاهدين.
وذكر الأصحابُ أنه يجوز للمسلمين غسلَ الكفارِ ذميًّا كان أو حربيًّا، لكن لا يجب.
وفي تَكْفِينِ الذِّمِّيِّ ودفنه وجهين: أظهرهما الوجوب، فكذلك أمر النَّبِيّ ﷺ بمواراته، والحديث صريحٌ في الدلالة على أن أبا طالب مات مشركًا ولذلك رَاجَعَ عليٌّ رسولَ الله ﷺ ليعلمَ ما يفعلُ به، ولم يحضر رسول الله ﷺ دفنه، ولو كان مسلمًا لحضره وشيَّع جنازته كما فعل بأمِّ عليٍّ ﵁ وبل أولى فإنَّه كان أقربَ إليه وأحسنَ صنيعًا منها.
وقد ورد في غير هذه الرواية أنَّه أمره بغسله كما أمره بدفنه، ولذلك أمره بالاغتسال في هذه الرواية.
ومن الأغسال المستحبَّةِ الغسلُ من غسلِ الميتِ؛ رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قال: "مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ" (١).
стр. 438
وقوله: "لَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي" يحتمل معنيين:
أحدهما: أنَّه أراد أن يسرع العود إليه ليأمره بالاغتسال فيبادر إلى هذه السنة، ولم يأمره به في الحال لئلَّا يتأخر دفنه.
والثاني: أنَّه كان يظهر عند دفن المشركين أعاجيب سيِّما في زمان انخراق العادات كما روي أن بعضهم دفن مرارًا فكانت الأرض تقذفه، فأراد أن يُخْبِرَ عن السَّلامة ليشكر الله تعالى على ذلك، وأيضًا فليفرغ قلبُهُ عن أمر دفنه وتكفينه اللذين كانا لازمين، ولم يستحسن أن يقوم بهما بنفسه، والدعاء له عند ذلك كان سببه أنه أحسن إلى من أحسن إليه فكافأه.
وفي القِصَّةِ ما يُذَكِّرُ صاحبَ الفهمِ والاعتبارِ أنَّ اللَّهَ يفعل ما يشاء بالاقتدار، ويحكم ما يريد من العفو والاقتهار، يدني من يشاء ويهديه وإن كره المصطفي المختار كما فعل بوحشيٍّ، ويبعد من يشاء على قرابته منه ويجعله من أهل النار كما فعل بأبي طالب، ليعلم أنَّ الأمرَ إليه، وزمام الخير والشر بيديه.
وفيما أخبرنا به عن أبي بكر الشِّيرُويِيِّ، عن القاضي الْحِيريِّ، ثنا الأَصَمُّ (١) قال: ثنا محمد بن هشام بن ملاسٍ، ثنا مروان بن معاوية، ثنا حُمَيْدٌ، عن أنس بن مالك ﵁ قال: رُمِيَ رسول الله ﷺ يوم أُحُدٍ فكسرت رباعيته، وَأُدْمِيَ وجهه، فجعل يمسح الدم عن وجهه وَيَقُولُ: "كيف يُفْلِحُ قوم خَضَبُوا وَجْهَ نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم" فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ
стр. 439
يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ (آل عمران) (١).
ومن الحكمة في ذلك أن يترك العبد اختياره لاختياره، ويدع إيثاره لإيثاره، ويعرض عن مناه، ولا يتبع هواه قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢).
وفي كلام الكبار: لا بارك الله في الهوى.
قرأت على المبارك بن عبد الرحمن، أخبركم عبد الوهاب بن صالح بن أبي الوفا، عن أبي صالح، أخبرنا أبو سعيد، أَبَنَا أبو نَصْرٍ الْوَزِيرِيُّ، أبنا منصور بن محمد، ثنا سعيد بن صالح قال: سمعت أبا الوليد الْخَزَّازِ قال: أَنْشَدْتُ بين يدي الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه:
[طويل]
وَأَحْوَرُ مَحْمُودٍ (٣) عَلَى حُسْنِ وَجْهِهِ … يَزِيدُ كَمَالًا حِينَ يَبْدُو عَلَى البَدْرِ
دَعَانِي بِعَيْنَيْهِ فَلَمَّا أَجَبْتُهُ … رَمَانِي بِنُشَّابِ الْمَنِيَّةِ وَالْهَجْرِ
وَكَلَّفَنِي صَبْرًا عَلَيْهِ فَلَمْ أُطْقْ … كَمَا لَمْ يُطِقْ مُوسَى اصْطِبَارًا عَلَى الْخَضْرِ
شَكَوْتُ الْهَوَى يَوْمًا إِلَيْهِ فَقَالَ ليِ … مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ جَاءَ مِنَ الْقَبْرِ
أَطَعْتُ الْهَوَى لَا بَارَكَ الله فِي الْهَوَى … فَأَنْزَلَنِي دَارَ الْمَذَلَّةِ وَالصُّغْرِ
стр. 440
فقال أحمد بن حنبل: صدق الشاعر لا بارك الله في الهوى (١).
والواقف على الباب لنيل خيرٍ، أو صرف ضيرٍ، واقف لنفسه غيرٍ قاضٍ حق التعظيم، ولا قائم بعبادة العزيز العليم.
وروي لنا عن أبي نصر القشيريِّ، عن أبيه الأستاذ أبي القاسم أنه قال في عُرْضِ كلام له: ليس كل من يحضر الملك يحضره لماله بل ربما يحضره لمشاهدة جماله وليس كل من يجاور أحدًا يجاوره لطلب رفده وفضله بل ربما يجاوره ليعيش في ظله.
وأنشد: [طويل]
خَلِيَلَيَّ عُوجَا بَارَكَ الله فِيكُمَا … وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَيْلَى لَأرْضِكُمُ قَصْدَا
وَقُولَا لَهَا لَيْسَ الضَّلَالُ (٢) أَجَارَنَا … وَلَكِنَّنَا جُرْنَا لِنَلْقَاكُمُ عَمْدَا
وَبِالْجُمْلَةِ فَمَنْ جَاوَرَهُ سَعِدَ وَجَلَّ، وَمَنْ جَاوَزَهُ بَعُدَ وَضَلَّ، وَمَنْ جَاهَدَ فِيهِ وَلَمْ يِتَعَلَّلْ بِعَسَى وَلَعَلَّ؛ حَلَّ الْمَحلَّ الْأَسْنَي وَاسْتَقَلَّ.
وَأُنْشِدُكُمْ لنفسي: [مجتث]
قَدْ ذَلَّ مَنْ مِنْهُ مَلَّا … وَبعَدَ ذَلِكَ ضَلَّا
وَفَازَ مَنْ فِيِه يَسْعَى … وَخَابَ مَنْ عَنْهُ وِلَّي
مَنِ اسْتَقَلَّ سِوَاهُ … فَفِي هُدَاهُ اسْتَقَلَّا
وَالْمُعْرِضُ المُتَوَانِي … يُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى
стр. 441
وَإِنْ خَضَعْتَ تَرَاهُ … بِفَضْلِهِ يَتَجَلَّى
يَا رَبِّ عَبْدُكَ يَرْجُو … مِنْ ظِلِّ فَضْلِكَ ظِلَّا
وَأَنْتَ رَبٌّ رَحِيمٌ … تُسْدِي الْجَمِيلَ فَهَلَّا (١)
آخر المجلس التاسع والعشرين والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا دائمًا أبدًا.
* * * * *
стр. 442
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت
المجلس الثلاثون من أماليه أملاه يوم الجمعة بعد الصلاة الرابع والعشرين من ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وستمائة
حدثنا الإمام الْمُمْلِي ﵀ إملاء من لَفْظِهِ الشريف قال: قرأت على والدي: الإمام محمد بن عبد الكريم وصفية بنت الإمام أسعد الزَّاكَانِيُّ (١) رحمهما الله كما رَبَّيَانِي صَغِيرًا وَيَسَّرَ لي تَأْدِيَةَ حقوقهما تَيْسِيرًا لتاريخين قديم وجديد قالا: أخبرنا عبد الملك بن عبد الله -أما هو فَسَمَاعًا وَأَمَّا هي فَإِجَازَةً- قال: أَنَبَا أبو بكر التاجر، أنبا أبو محمد الْمَرْوَزِيُّ، أنبا أبو العباس التَّاجِرُ، أنبا محمد بن عيسي، ثنا بُنْدَارٌ، ثنا يحيي بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي قالا: ثنا سفيان، عن ابْنِ كُهَيْلٍ، عن حجر بن عَنْبَسٍ، عن وائل بن حجر ﵁ قال: سمعت النَّبِيِّ- ﷺ قَرَأَ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: "آمِينَ" وَمَدَّ بها صَوْتَهُ (٢).
في الشرح فصول: الفصل الأول
هذا حديثٌ حسنٌ ثابتٌ عن رسول الله ﷺ رواه عنه كما رواه وائل:
عليٌّ ﵁ واللَّفظ: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ إذا قَرَأَ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: "آمِينَ".
стр. 443
رواه سلمة بن كُهَيْلٍ، عن حُجَيَّةَ بْنِ عَدِيٍّ، عن عَلِىٍّ.
وأبو هريرة ولفظه: تَرَكَ الناس التأمين وكان رسول الله ﷺ إذا قال ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: "آمينَ".
ورواه عن وائل سوي حُجْرٍ: ابنه عبد الجبار بن وائل أخرجه ابن ماجه في "كتابه" من رواية عبد الجبار، عن أبيه (١). وأخرجه أيضًا من رواية عليٍّ (٢) وأبي هريرة (٣) ﵄.
وروى الحديث عن ابن كُهيل كما رواه سفيان: العلاء بن صالح الأسدي.
وروي عنه شعبة أيضًا لكن ذكر أبو عيسى الترمذي (٤) عن محمد يعني البخاري وعن أبي زرعة أنَّ حديث سفيان أصحُّ، وأنَّ شعبة أخطأ في مواضع من إسناد الحديث ومتنه فمنها:
قال: "عن حُجْرٍ أَبِي الْعَنْبَسِ"؛ وإنَّما هو "حُجْرُ بنُ الْعَنْبَسِ".
ومنها قال: "عن حُجْرٍ، عن علقمة بن وائل، عن أبيه" وليس فيه علقمة إنما هو "حُجْرٌ عن وائل".
وقال "وخفض بها صوته" وإنما هو "ومدَّ بها صوته".
وروى أبو داود الطيالسي (٥) الحديث من رواية شُعبَةَ، عن سلمة قال: سَمِعْتُ حُجْرًا أبا الْعَنْبَسِ قال: سَمِعْتُ علقمة بن وَائِلٍ، يُحَدِّثُ عن وَائِلٍ وقال:
стр. 444
سَمِعْتُهُ من وائلٍ، أنَّه سمع رسول الله ﷺ فلما قَرَأَ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ: "آمِينَ".
فإن أراد بقوله "وقال سمعته من وائل" حُجْرًا، فهو صريحٌ في أنَّ حُجْرًا سمعه من علقمة عن وائل، وسمعه من وائل أيضًا، ومثل ذلك كثيرًا ما يقع، وأيضًا فالزيادةُ من الثَّقَةِ مقبولةٌ، فليحمل على أنه سمع منهما.
ويجوز أن يكون حُجْرًا أبا الْعَنْبَسِ وابنُ عَنْبَسٍ أيضًا.
ووائل (١) بن حُجْرٍ: هو الكندي الحضرمي يكنى أبا هنيدة من أصحاب رسول الله ﷺ سكن الكوفة.
روى عنه: ابناه علقمة وعبد الجبار، وكليب بن شهاب، وعبد الرحمن اليحصبي.
وكان من أبناء ملوك اليمن، ويروى أنه قدم المدينة حين بلغه ظهور النَّبِيِّ ﷺ وترك ملكًا عظيمًا فلقي أصحاب رسول الله ﷺ قبل أن يلقاه فَقَالُوا: لقد بَشَّرْنَا بك رسول الله ﷺ قبل أن تُقْدِمَ بثلاثة أيام وقال: "قد أَتَاكُمْ وائل بن حُجْرٍ من بلاد بعيدة من حضرموت" قال وَائِلٌ: ثم لَقِيتُهُ فرحب بي وَأَدْنَي مجلسي وَبَسَطَ لي رَدَاءَهُ وَأَجْلَسَنِي عليه وقال: "هذا وَائِلٌ أَتَاكُمْ من حضرموت طَائِعًا في الإسْلامِ غير مُكْرِهٍ، بقيه أبناء الملوك، بارك الله فيك يا وَائِلُ وفي وَلَدِكَ، وفي قومك وفي ولد وَلَدِكَ" ولما أردت الرجوع إلى قومي كتب لي كِتَابًا وأكرمني (٢).
стр. 445
وحُجْرٌ: هو ابن عَنْبَسٍ أبو السكن الكوفي.
وقال شعبة: أبو الْعَنْبسِ. سمع: عليًا، ووائل بن حجر (١).
وابن كُهَيْلٍ (٢): هو سلمة بن كُهيل بن حصين بن كادح بن أسد بن يحيى الحضرمي الكوفي، تابعي
سمع: جُندبًا وأبا جُحيفة، والشعبي، وسويد بن غَفَلَةَ.
وروي عنه: منصور، والأعمش، والثوري، وشعبة، وإسماعيل بن أبي خالد، وحماد بن سلمة.
عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: لَم يكن بالكوفة أثبت من أربعة أحدهم سلمة.
مات سنة إحدى وعشرين ومائة.
وسفيان هو الثوري مذكور في المجلس الخامس.
ويحيى بن سعيد في المجلس السابق.
وعبد الرحمن (٣): هو ابن مهدي بن حسان أبو سعيد البصري الأزدي مولاهم.
من أجلَّةِ العلماء. سمع: الثوري، وشعبة، ومالكًا، والدستوائي.
روى عنه: أبو موسى، وإسحاق الحنظلي، وعمرو بن علي.
وعن علي بن المديني قال: لو حلفت بين الركن والمقام أني لم أر أحدًا أعلم
стр. 446
من ابن مهدي لصدقت.
وكان أبو حاتم يقول: هما الجهبذان يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن.
ولد سنة خمس وثلاثين ومائة، وقيل: سنة ست. ومات سنة ثمان وتسعين ومائة.
وَبُنْدَارٌ (١): هو محمد بن بشار بن عثمان بن داود بن كيسان العبدي البصري أبو بكر، يلقب بندارًا؛ لأنه كان بندارًا في الحديث، وكان بينه وبين محمد بن المثنى أبي موسى تنافس فكان أهل البصرة يقولون: يا مَنْ أَلَّفَ بين الثلج والنار أَلِّفْ بين قلب أبي موسي وَبُنْدَارٍ.
سمع: محمد بن جعفر، وابن أبي عدي، وعبد الوهاب الثقفي.
وروي عنه: البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن والمسانيد.
وُلِدَ سنة سبع وستين ومائة. ومات سنة اثنتين وخمسين ومائتين بالبصرة.
ومحمد بن عيسى هو أبو عيسى الترمذي. وأبو العباس التاجر هو المحبوبي.
وأبو محمد المروزي هو الْجَرَّاحِيُّ. وعبد الملك: هو أبو الفتح الهروي الْكَرُّوخِيُّ. وقد ذكرناهم من قبل.
وأما أبو بكر التاجر (٢): فهو أحمد بن عبد الصمد بن أبي الفضل بن أبي حامد الْغُورَجِيُّ.
ثِقَةٌ صدُوقٌ.
سمع "جامع أبي عيسي" من الْجَرَّاحِيِّ، وكانت وفاته سنة إحدى وثمانين
стр. 447
وأربعمائة.
ووالدتي رحمها الله تروي الحديث عن إجازة جماعةٍ من مشايخ بغداد وأصبهان، ونيسابور عني بتحصيل أكثرها خالها الإمام أحمد بن إسماعيل، ولا أعرف امرأة في البلد كريمة الأطراف في العلم مثلها (١).
فأبوها (٢) كان حافظًا للمذهب والأقوال والوجوه فيه المستقرب منها والمستبعد، ماهرًا في الفتوى مرجوعًا إليه.
وأمُّها زليخا بنت القاضي إسماعيل بن يوسف كانت فقيهة تراجعها النساء فتفتي لهن لفظًا وخطًّا سيما فيما ينوب لهن ويستحيين منه كالحيض والعدة.
وأخواها من معتبري الأئمة المشهورين في البلد درج أكبرهما وأنسأ الله في أجل الآخر.
وزوجها الإمام والدي ﵀ قد أشرت إلى جملٍ من أحواله في مجالس من هذه الأمالي.
وجدها القاضي إسماعيل بن يوسف (٣) من أهل العلم والحديث، والْجِدِّ في العبادة، وكان قد تفقه على القاضي الشهيد أبي المحاسن الروياني وسمع منه الحديث.
стр. 448
وخالها الإمام أحمد بن إسماعيل (١) مشهور في الآفاق.
وابنها المملي لا يخرج عن زمرة أهل العلم، ويحشر فيهم إن شاء الله، وكذلك سائر بنيها.
ثُمَّ هي في نفسها متدينةٌ خائفةٌ، وبما لا بد منه من الفروض عارفة، قارئة لكتاب الله، كثيرة الخير، رقيقة القلب، سليمة الجانب، تحمل الكَلَّ، وترغب في المعروف، وتحسن إلى اليتامى والأيامي، تلي خيرًا وتولي جميلًا ما استطاعت إليهما سبيلًا.
وكانت قد ابتليت بعدة بنات أنفقت واسطة العمر عليهنَّ حتى استكملن أدبهن، ثم مضين لسبيلهن، فتركنها ملهوفة ثكلى بهنَّ، ولله ما أخذ وما أعطى، ولا رادَّ لما حكم وقضى.
وَمَشْهُورٌ من رواية عائشة ﵄ عن النبي ﷺ أنَّه قال: "مَنِ ابْتُلِيَ من هذه البنات بِشَيْءٍ فصبر عَلَيْهِنَّ كُنَّ له حِجَابًا من النَّارِ" (٢).
ومن رواية أبي سعيد الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "لا يكون لأَحَدِكُمْ ثَلَاثُ بناتٍ أو ثلاث أَخَوَاتٍ فَيُحْسِنُ إليهن إلا دَخَل الجنة" (٣).
وفي الحديث الصحيح عن مَالِكٍ، عن ابن شِهَابٍ، عن ابن المُسَيَّبِ، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله- ﷺ قال: "لَا يَمُوتُ لأَحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ
стр. 449
فَتَمَسُّهُ النار إلا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ" (١).
وقد يُبَغِّضُ إلى النفس الحياة فقدان من كان يحببها إليها، ذكر أبو سليمان الخطابي في كتاب "العزلة" (٢) أن ابن الزِّيبَقِيِّ أنشده قال: أَنْشَدَنِي الْكُدَيْمِيُّ قال: أَنْشَدَنِي الْأَصْمَعِيُّ: [وافر]
لَقَدْ زَادَ الْحَيَاةَ إِلَىَّ حُبًّا … بَنَاتِي إنَّهُنَّ مِنَ الضِّعَافِ
مَخَافَةَ أَنْ يَذُقْنَ الْفَقْرَ بَعْدِي … وَأَنْ يَشْرَبْنَ رَنْقًا بَعْدَ صَافِ
الفصل الثاني
في "آمين" لغتان مشهورتان: قصر الألف ومدها.
وعلى لغة القصر قيل:
تَمَنَّيتُمُ مِنَّا الْبِعَادَ لِتَبْعَدُوا … أَمِينَ فَزَادَ الله مَا بَيْنَنَا بُعْدَا
أي: كان لكم ما تمنيتم، ثم أكَّد معنى قوله "أمين" بقوله فزاد الله ما بيننا بعدًا.
وعلى لغة المدِّ قيل: [بسيط]
يَا رَبِّ لَا تَسْلُبَنِّي حُبَّهَا أَبَدًا … وَيَرْحَمُ الله عَبْدًا قَالَ آمِينَا
والأصل القصر؛ لأنه على وزن فعيل، وأما آمين فوزنه فاعيل، وهذا البناء من أبنية العجم كقابيل وهابيل، وكذلك قال عطية العوفي: "آمين" كلمة ليست بعربية، إنما هي عبرية أو سريانية، ومن قال أنها عربية قال: إنَّ الألف متولدة من إشباع فتحة الهمزة.
стр. 450
وعن ثعلب أنَّه أنكر لغة القصر إلَّا في ضرورة الشعر، والميم على اللغتين مخففة هذا هو المشهور.
وعن الحسين بن الفضل في تفسير "آمين": قصدناك بهذا الدعاء فأجبه لنا.
قال الأستاذ أبو القاسم بن حبيب: فعلى هذا الميم تكون مشددة، ويكون اللفظ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ (المائدة: ٢) والنُّون على اللُّغتين مبنيَّةٌ على الفتح كما في كيف وليت.
ويقال: أَمَّنَ الرجلُ تأمينًا إذا قال آمين، كما يقال: سوَّفَ: أي قال: سوف أفعل.
ومعنى الكلمة ليكن كذلك.
وإذا قال الداعي لك: غفر الله لك. قلت: آمين أي: كان ما دعوت كما دعوت. وإذا قلت: تمنيت أني في الجنة فقيل: آمين، فالمعنى كان ما تمنيت.
وتقول العرب: "آمين" و "بَسْلًا" تؤكد بهما الدعاء، ومعنى "بَسْلًا" معني "آمين". وقد يفرد "بَسْلًا" عن "آمين".
قَالَ الطِّرِمَّاحُ: [رجز]
لَا خَابَ مِنْ نَفْعِكَ مَنْ رَجَاكَا
بَسْلًا وَعَادَي اللهُ مَنْ عَادَاكَا
وهو بمعنى "آمين".
الفصل الثالث
في الحديثِ دليلٌ على استحبابِ التَّأمينِ عُقيبِ قراءة الفاتحة، وَرُوِيَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: "لَقَّنَنِي جبريل ﵇ آمين عند فَرَاغِي من فاتحة الْكِتَابِ وَقَالَ: إِنَّه
стр. 451
كالختم على الكتاب" (١).
وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "ما حَسَدَتْكُمُ اليهود على شيء ما حَسَدَتْكُمْ على آمين فأكثروا قول آمين" (٢).
وينبغي أن يفصلَ القارئ بين كلمة "آمين" وبين قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ بسكتة لطيفةٍ تمييزًا للقرآن عمَّا ليس منه.
وقوله: "وَمَدَّ بِهَا صَوْتَهُ" يجوز حمله على أنه تكلم بها على لغة المد دون القصر من جهة اللفظ، ولكن ليس المراد ذلك، وإنما المراد أنه رفع بها صوته؛ ولذلك قال أبو عيسى الترمذي عقيب رواية الحديث: هذا حديث حسن، وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم يرون أن يرفع الرجل صوته بالتأمين ولا يخفيها، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق رضوان الله عليهم (٣).
وقد ورد لفظ الرفع في بعض الروايات.
أَخْبَرَنَا والدي ﵀ أَنَبَا العباس بن محمد، عن محمد بن سعيد، عن أبي إسحاق، أنبا عبد الله بن حامد، أنبا عبدوس بن الحسين، أنبا أبو حاتم الرَّازِيُّ، ثنا ابن كثير، ثنا سُفيان، عن سَلَمَةَ، عن حُجْرٍ أبي الْعَنْبَسِ يعني الْحَضْرَمِيَّ، عن وائل بن حُجْرٍ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: "آمِينَ" ورفع بها صوته.
стр. 452
وأخرجه أبو داود السجستاني عن محمد بن كثير هكذا (١).
وهذه الروايةُ تُقَوِّي قول شعبة في تكنية حُجْرٍ بأبي الْعَنْبَسِ.
وفي بعض الروايات عن وائل أن النبي ﷺ جَهَرَ بِـ "آمِينَ" (٢).
واعلم أن كلمة "آمِينَ" تابعة للفاتحة، ففي الصلاة الجهرية يجهر بها الإمام والمنفرد كما يجهران بالفاتحة، وفي المأموم قولان للشافعي ﵁ أظهرهما أنه يجهر؛ لما روي عن عطاء قال: كنت أسمع الأئمة ابن الزبير وغيره يقولون: آمين، وَيَقُولُ من خَلْفَهُمْ آمين حتى إن للمسجد لَلَجَّةً (٣).
والأحبُّ أن يكون تأمينُ المأمومِ مع تأمينِ الإمام لا قبله ولا بعده؛ ففي الخبر الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا فإنه من وافق تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الملائكة غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذنبه" (٤).
قال العلماء: قوله "إذا أَمَّنَ فَأَمِّنُوا" لا يقتضي تأخير تأمينهم عن تأمينه وإن رَتَّبَهُ عليهم؛ وإنما هو كما يقال: إذا رحل الأمير فارحلوا أي: إذا همَّ بالرحيل فتأهَّبُوا ليكون ارتحالكم مع ارتحاله.
وذكر بعضهم أن قوله: "إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ" أي: إذا دعا بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ … ﴾ إلى آخره.
ويسمّى كلُّ واحدٍ من الداعي والمُؤَمِّنِ داعيًا وَمُؤَمِّنًا، قال تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ
стр. 453
دَعْوَتُكُمَا﴾ (يونس: ٨٩) وكان أحدهما داعيًا والآخر مُؤَمِّنًا.
وقوله: "فإنه من وَافَقَ تَأْمِينُهُ تأمين الملائكة" قيل: أراد موافقة القول القول، وقد روي في بعض الروايات: "إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ أمَّنَتِ المَلَائِكَةُ فَأَمِّنُوا" (١).
وقيل: المراد الموافقة في صفة الخشية والإخلاص.
وقيل: المراد أن يقصد بالدعاء التأمين عامة المؤمنين كالملائكة.
وقيل: معناه من استجيب له كما يستجاب للملائكة.
ولأهل التفسير في معني "آمِينَ" عبارات (٢):
فعن رسول الله ﷺ أنه سُئل عن معني "آمِينَ" فقال: "ربِّ افْعل".
وعن ابن عباس وقتادة كذلك يكون. وقيل: آمنا بخير. وقيل: اللهم استجب دعاءنا. وقيل: لا يقدر على ما سألنا أحد سواك.
وعن مجاهد أنَّ "آمِينَ" اسم من أسماء الله .
وعن عبد الرحمن بن زيد عن أبيه أنه قال: "آمِينَ" كنز من كنوز العرش لا يعلم تأويله أحد إلا الله تعالى.
وبالجملة فكلمة "آمِينَ" قوة للدعاء واستنزال للرحمة.
ومن لطف الله تعالى بعباده أن أذن لهم في الذكر والدعاء واستحب منهم الإلحاح فيه وحثَّهُم عليه، وأكثر لهم البركة في الحاجات التي يكثرون الدعاء لها:
فعن النُّعْمَانِ بن بَشِيرٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الدُّعَاءَ هو العبادة
стр. 454
ثُمَّ قَرَأَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: ٦٠) (١).
وعن جابر أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد بارك الله لِرَجُلٍ في حَاجَةٍ أكثر الدعاء فيها أُعْطِيَهَا أو مُنِعَهَا" (٢).
وعن أَنَسٍ ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تعْجِزُوا في الدُّعَاءِ فإنه لا يَهْلِكُ مع الدُّعَاءِ أَحَدٌ" (٣).
وأنه ﷺ قال: "الدُّعَاءُ سِلَاحُ المُؤْمِنِ" (٤).
فَعَلَيْكُمْ بِالدُّعَاءِ، وَأَنْشَدَ بعضهم: [سريع]
طُوبَى لِمَنْ زَالَتْ مُدَاجَاتُهُ … وَطَال للهِ مَنَاجَاتُهُ
стр. 455
بَاتَ يُنَاجِي رَبَّهُ سَاهِرًا … فَقُوبِلَتْ بِالنُّجْحِ حَاجَاتُهُ
يَا رَبِّ مَنْ أَوْبَقَهُ ذَنْبُهُ … فَفِي مُنَاجَاتِكَ مَنْجَاتُهُ
ثم من لُطْفِهِ أن أَذِنَ لَهُمْ في تأكيد الدعاء بـ "آمِينَ" تَارَةٌ ممن يُصْغِي إلى الدعاء، وَأُخْرَى من الداعي إذا ختم الدعاء، وفي الْخَبَرِ: "إذا دعا أحدكم فَلْيَخْتِمْهُ بِآمِينَ فإنه كالطابع على الصحيفة" (١).
وَيُقَالُ: إن "آمِينَ" أَمَانٌ من الرد، وَبَدْرَقَةٌ (٢) للدعاء إلى مَوْقِعِ الاستجابة.
اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا للدعاء الصالح والتَّأْمِينِ، واجعلهما مُؤَدِّيين إلى الْمَقَامِ الأمين، إنك بالإجابة جَدِيرُ قَمِينٌ، ولعمري إن البعيد عن فنائه، الْمُعْرِضَ عن ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ، مُظْلِمُ الأمر، ضَائِعُ الْعُمْرِ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ (٣).
فَلِمِثْلِهِ يُقَالُ إِذَا عَثَرَ: [بسيط]
فَإِنْ تُصِبْكَ مِنَ الْأَيَّامِ جَائِحَةٌ … لَمْ نَبْكِ مِنْكَ عَلَى دُنْيَا وَلَا دِينِ
وَلَا نَقُولُ إِذَا يَوْمًا نُعِيتَ لَنَا … إِلَّا بِآمِينَ رَبَّ الْعَرْشِ آمِينِ
عن ابن الأنباري أنَّ كسرَ النُّونِ للإضافة (٤).
وقيل: كسرُ النُّونِ للقافية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت
خاتمة لما لي من هذه الأمالي
أحمد الله سبحانه أولًّا وأخيرًا وأستهديه وأستنصره وكفي به هاديًا ونصيرًا، وأصلي على رسوله محمدٍ المبعوث بالحقِّ بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وعلى آله وأصحابه المنتجبين وسلم تسليمًا كثيرًا، وَأُذَنِّبُ هذه المجالس بفصولٍ.
الفصل الأول
إِمْلَاءُ الحديث طَرِيقَةٌ مَسْلُوكَةٌ في القديم والحديث، وفيه نَيْلُ فضيلة التَّبْلِيغ والرواية عن رسول الله ﷺ على ما أَمَرَ به وَنَدَبَ إليه:
كما رَوَى لنا غَيْرُ واحد عن أبي طاهر الصُّوفِيِّ، عن أبي بكر الخَطِيبِ (١) قال: ثنا محمد بن علي، ثنا عمر بن إبراهيم، أنبا عبد الله بن محمد، ثنا أبو خيثمة، أنبا الوليد بن مسلم، ثنا الأَوْزَاعِيُّ، عن حسان بن عَطِيَّةَ، عن أبي كَبْشَةَ، أن عبد الله بن عمرٍو حَدَّثَهُ أَنَّهُ سمع رسول الله ﷺ يَقُولُ: "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عن بني إسرائيل ولا حَرَجَ، ومن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ من النَّارِ" (٢).
وفي الحديث المشهور والذي يعتني أهل الصنعة بجمع طرقه ويروي من رواية السعدين ابن أبي وقاص والخدري، والجابرين ابن عبد الله وابن سمرة، والعبادلة: ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن عمرو، ومعاذ، وأبي الدرداء،
стр. 458
وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وجبير بن مطعم، وأبي هريرة، وأنس وغيرهم، عن النبي ﷺ أنه قال: "نَضَّرَ الله امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَمَلَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقهُ" (١).
وفيه أيضًا فائدةُ تقييد العلم بالكتاب:
وقد قَرَأْتُ على والدي وأنا ابن ثمان سنين قال: أنبا أبو الأَسْوَدِ الْقَشَيْرِيُّ، أنبا السيد أبو الحسن الْبَغْدَادِيُّ، أنبا أبو عَلِىٍّ شَاذَانَ، أنبا أحمد بن محمد بن زياد، ثنا عبد الكريم بن الْهَيْثَمِ الدَّيْرَ عَاقُولِيُّ، ثنا محمد بن الصَّبَّاحِ، ثنا الوليد، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عطاء، عن عبد الله بن عمرٍو (٢) أنه قال: يا رسول الله إنا لنسمع منك أحاديث أَفَتَأْذَنُ أن نَكْتُبَهَا؟ قال: "نَعَمْ" (٣).
وبه عن ابن شَاذَانَ، أنبا أحمد بن إسحاق، ثنا الحسن بن عَلِىِّ بن زِيَادٍ، ثنا سعيد بن سليمان، ثنا عبد الله بن الْمُؤَمَّلِ، ثنا ابن جُرَيْجٍ، عن عَطَاءٍ، عن عبد الله بن عَمْرٍو قال: قال رسول الله ﷺ : "قَيِّدُوا الْعِلْمَ".
قُلْتُ: وما تَقْيِيدُهُ؟ قال: "كِتَابَتُهُ" (٤).
وهاتان الفائدتان الجسيمتان تحصلان في الإملاء متعاونتين، لا كالتبليغ
стр. 459
والسماع بلا كتابة، أو الكتابة بلا سماع.
ثم يختص الإملاء بفوائد أخر:
إحداها وهي العُظْمَى: صِحَّةُ السَّمَاعِ، وبُعْدُهُ عن الخطأ والتَّصْحِيفِ؛ لأن المملي يَتَثَبَّتُ أولًا ويضبط، ثم يتأنَّي عند الإملاء لتنصبَّ الكلمةُ بعد الكلمةِ في آذان السَّامعين ثم ليكتبوها. وأين يبلغ من ذلك سماع ما يُسْرِعُ القارئُ بقراءته فَتَزِلَّ عن لفظه الكلمة أو بعضها أو إعرابها أو عن سمع السامعين أو عنهما جميعًا.
وقد تُصحف فيما يقرأ إما عن جهل أو غلطٍ والتباسٍ أو غفلةٍ وذهولٍ ولا يَتَنَبَّهُ له السامعون من الشيخ وغيره، ولا يتميز موضع التصحيف عن غيره وسواء تميز أو لم يتميز فمن سمعه مصحفًا وروي: فإما أن يروي كما سمع فقد سمع غلطًا وروى غلطًا، وإن روي على الصواب فقد كذب في قوله: أخبرني فلان بكذا، أو سمعت منه كذا، وهذا كله في الرَّاوي والسَّامع اللَّذين لها دراية وتمييز، وإلَّا فلا يدري هذا ما يَسْمَعُ وهذا ما يُسْمِعُ، وما أقل فائدة مثل هذا السماع.
والثانية: إنَّ الإملاء يشتملُ غالبًا بعد رواية الحديث على تصرفٍ إمَّا من جهة جمع طرقه وشواهده، أو ذكر أحوال رواته، أو الفوائد المتعلقة بمتنه، فيكون نشاط النفس لأخذها والانتفاع بها أكثر وأتم.
والثالثة: ما فيه من زِيَادَةِ التَّفْهِيمِ وَالتَّفَهُّمِ للمذاكرة والمراجعة في تَضَاعِيفِ الإملاء والكتابة والْمُقَابَلَةِ، وقد يدعو إليهما التَّأمُّلُ والفكر في تلك الْمُهْلَةِ، وَنُنْشِدُ لِلْحَافِظِ أبي طاهر السِّلَفِيِّ (١):
стр. 460
وَاظِبْ عَلَى كَتْبِ الأَمَالِي جَاهِدًا … مِنْ أَلْسُنِ الحُفَّاظِ وَالْفُضَلَاءِ
فَأَجَلُّ أَنْوَاعِ السَّمَاعِ بِأَسْرِهَا … مَا يَكْتُبُ الْإِنْسَانُ فِي الْإِمْلَاءِ
الفصل الثاني
استحبُّوا لِلْمُمْلِي أن يقرأَ قبل الإملاءِ سورةً خفيفةً من القرآن ويخفيها في نفسه، وأن يكون له مستمل عند الحاجة، وأن يستنصت المستملي الحاضرين قبل الإملاء، وأن يقول بسم الله الرحمن الرحيم ويحمد الله تعالى، ويصلي على نبيه، ثم يقول: من ذكرتَ رحمك الله ولا يقول: من حدثك أو أخبرك أو من سمعت فإنه لا يدري بأية لفظة يبتدئ، وأن يُمْلِيَ الْمُمْلِي ما يراه أنفع وأعمَّ فائدة، وأن يفسر ما يحتاج إلى تفسيره وبيانه، فعن أبي أسامة أن تفسير الحديث ومعرفته خير من سماعه، وأن يختم المجلس بالحكايات والإنشادات الْمُرِقَّةَ، وأن لا يطيل الإملاء إلا إذا عرف أنَّ الحاضرين لا يَتَبَرَّمُونَ به، وأن يدعو ويستغفر عند تمامه سرًّا وجهرًا.
الفصل الثالث
هذه ثلاثون مجلسًا أمليتها مبنية على ثلاثين حديثًا من الصحاح والحسان، تأسِّيًا بالأئمة الأولين، وتَبَرُّكًا بمقالات سيد المرسلين.
ورويتها بالروايات التي حضرتني وقت الإملاء، وفيها ما رويته بالإجازة وهو مسموع لي بطريقٍ آخر، وما رويته بالسماع وهو مسموع بأعلى من ذلك الإسناد، لكني لم أتفرغ للفحص.
وتكلمت في كلِّ حديثٍ من وجوهٍ وقعت في فصولٍ:
أحدها: ما يتعلق بإسناد الحديث وبعض أحوال رواته. وثانيها: فيما يتعلق بالعربية. وثالثها: في الفوائد والمعاني والشواهد والحكايات، وما يناسبها من