يجعلوا ذلك بأذان وإقامة واحدة ويحتجون في ذلك بالرواية الثانية عن ابن عمر صرح بذلك كله الطحاوي في شرحه وقوى ما اختاره بالقياس على الجمع بين الظهر والعصر بعرفة ثم قال:
(والذي رويناه عن جابر من هذا أحب إلينا لما شهد له من النظر)
قال النووي في (شرح مسلم):
(وهذا هو الصحيح من مذهبنا: أنه يستحب الأذان للأولى منهما ويقيم لكل واحدة إقامة فيصليهما بأذان وإقامتين ويتأول حديث (إقامة واحدة) أن كل صلاة لها إقامة ولا بد من هذا الجمع بينه وبين الرواية الأولى (يعني: من حديث ابن عمر) وبينه أيضا وبين رواية جابر)
قلت: ومن الغريب أن علماءنا أخذوا بحديث جابر في الجمع في عرفة بأذان واحد وإقامتين وتركوه في الجمع في مزدلفة بأذان وإقامتين وهذا من عجائب الفقه فلا جرم أن خالفهم الإمام الطحاوي وتبعه الشيخ ابن الهمام ثم أبو الحسنات اللكنوي في (التعليق الممجد) فأصابوا
(١٢ - وكذلك يقيم لكل صلاة من الفوائت المشروعة إقامة واحدة كما فعل رسول الله ﷺ في غزوة الخندق)
وفي الباب عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال:
حبسنا يوم الخندق حتى ذهب هوي من الليل حتى كفينا وذلك قول الله تعالى: ﴿وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا﴾ [الأحزاب / ٢٥]
стр. 247
فدعا رسول الله ﷺ بلالا فأمره فأقام فصلى الظهر. . . . ثم اقام للعصر فصلاها كذلك ثم أقام للمغرب فصلاها كذلك ثم أقام للعشاء فصلاها كذلك. . . الحديث
وهو صحيح الإسناد وقد سبق تخريجه فيما قبل الأذان المسألة (٨) وذكرنا هناك شاهدا من حديث ابن مسعود وسقنا لفظه في الأذان مسألة (٨) نحو حديث أبي سعيد هذا وزاد فيه البيهقي في رواية:
(يتابع بعضها بعضا بإقامة إقامة)
وقد ذهب إلى هذا الشافعية فقالوا: إذا أراد قضاء فوائت دفعة واحدة أقام لكل واحدة بلا خلاف عندهم كما في (المجموع)
(١٣ - وإذا انصرف من الصلاة وخرج من المسجد وقد نسي ركعة أو غيرها مما لا تتم الصلاة إلا به وأراد أن يعود لإتمامها فعليه أن يعيد الإقامة فقد (صلى رسول الله ﷺ يوما فسلم وانصرف وقد بقي من الصلاة ركعة فأدركه رجل فقال: نسيت من الصلاة ركعة فرجع فدخل المسجد وأمر بلالا فأقام الصلاة فصلى بالناس ركعة)
وهذا من حديث معاوية من حديج - بمهملة وجيم مصغرا - أخرجه أحمد: ثنا حجاج قال: ثنا ليث قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب أن سويد بن قيس أخبره عنه أن رسول الله ﷺ صلى يوما. . . إلخ وزاد في آخره: فأخبرت بذلك الناس فقالوا: أتعرف الرجل؟ قلت: لا إلا أن أراه
стр. 248
فمر بي فقلت: هو هذا فقالوا: طلحة بن عبيد الله
وهذا سند صحيح رجاله رجال الشيخين غير سويد بن قيس وهو ثقة كما في (التقريب)
وأخرجه أبوداود والنسائي عن قتيبة بن سعيد
والطحاوي عن شعيب بن الليث والبيهقي عن يحيى ابن بكير ثلاثتهم عن الليث به
وأخرجه الحاكم وعنه البيهقي من طريق وهب بن جرير بن حازم:
ثنا أبي قال: سمعت يحيى بن أيوب يحديث عن يزيد بن أبي حبيب به. وقال:
(صحيح الإسناد) ووافقه الذهبي
وهو كما قالا
وأخرجه ابن خزيمة أيضا كما في (الفتح) وبوب له النسائي: باب (الإقامة لمن نسي ركعة من صلاة)
٨ - وجوب ستر العورة وحدها
(١ - هي فرض من فروض الصلاة بالكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١]. والمراد: ستر العورة بدليل سبب النزول. قال ابن عباس: كانوا [في الجاهلية] يطوفون عراة: الرجال بالنهار والنساء بالليل وكانت المرأة [تطوف بالبيت وهي عريانة] [تخرج صدرها وما هناك] [فتقول: من يعيرني
стр. 249
تطوفا تجعله على فرجها و] تقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله
فقال الله: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾)
وهذا الحديث أخرجه مسلم والنسائي وابن جرير في (تفسيره) والحاكم وعنه البيهقي من طرق عن شعبة عن سلمة بن كهيل عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عنه به. والسياق لابن جرير والزيادة الأولى للحاكم والثانية لمسلم والنسائي والرابعة للبيهقي في رواية والرابعة لمسلم أيضا
وقال هشام بن عروة عن أبيه: كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس - والحمس قريش وما ولدت - كانوا يطوفون عراة إلا أن تعطيهم الحمس ثيابا فيعطي الرجال الرجال والنساء النساء
أخرجه مسلم
وفي طوفهم هذا نزل أيضا قوله تعالى: ﴿وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آبائنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف / ٢٨]. قاله مجاهد كما في (تفسير ابن كثير) فسمى الله تعالى طوافهم عراة: فاحشة. وهو قول أكثر المفسرين كما قال القرطبي وهو مشهور عن ابن عباس كما في (المجموع)
هذا وقولنا والمراد ستر العورة متفق عليه بين العلماء كما نقله ابن حزم
стр. 250
في (المحلى) وأقره الحافظ في (الفتح)
(وأما السنة فمنها قوله ﷺ : (احفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ما ملكت يمينك) وقوله: (لا تمشوا عراة)
الحديث الأول سبق بتمامه مخرجا في (آداب الاغتسال)
والحديث الثاني هو من رواية المسور بن مخرمة ﵁ قال:
أقبلت بحجر أحمله ثقيل وعلي إزار خفيف قال: فانحل إزاري ومعي الحجر لم أستطع أن أضعه حتى بلغت به إلى موضعه فقال رسول الله ﷺ : (ارجع إلى ثوبك فخذه ولا تمشوا عراة)
أخرجه مسلم
ومن طريقه ابن حزم وأبو داود والبيهقي من طريق يحيى بن سعيد الأموي عن عثمان بن حكيم عن أبي أمامة بن سهل عنه
وفي الباب عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره فقال له العباس عمه: يا ابن أخي لو حللت إزارك فجعلته على منكبيك دون الحجارة قال: فحله فجعله على منكبيه فسقط مغشيا عليه فما رؤي بعد ذلك عريانا ﷺ
أخرجه البخاري ومسلم
стр. 251
ومن طريقه ابن حزم والبيهقي وأحمد من طريق زكريا بن إسحاق: ثنا عمرو بن دينار عنه
ثم أخرجه البخاري ومسلم وأحمد عن ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار به نحوه بلفظ:
(فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء ثم قال فقال: إزاري إزاري فشد عليه إزاره)
وكذلك أخرجه البيهقي وابن حزم
وله شاهد من حديث أبي الطفيل وذكر بناء الكعبة في الجاهلية قال:
فهدمتها قريش وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي تحملها قريش على رقابها فرفعوها في السماء عشرين ذراعا فبينا النبي ﷺ يحمل حجارة من أجياد وعليه نمرة فضاقت عليه النمرة فذهب يضع النمرة على عاتقه فيرى عورته من صغر النمرة فنودي: يا محمد خمر عورتك. فلم ير عريانا بعد ذلك
هكذا أخرجه أحمد: ثنا عبد الرزاق: أنا معمر عن ابن خثيم عنه
وهذا سند صحيح رجاله كلهم رجال مسلم
وقد أورده الحافظ في (الفتح) مطولا وقال: أخرجه عبد الرزاق. ومن طريقه الحاكم والطبراني. وهو في (المستدرك) وصححه ووافقه الذهبي
стр. 252
وهذه الأحاديث - وكذا الآية - فيها دليل على وجوب ستر العورة في الصلاة وخارجها:
أما وجوب سترها خارج الصلاة فمتفق عليه وقد نقل الاتفاق هذا ابن رشد في (البداية) ونقل النووي في (المجموع) الإجماع عليه
وأما وجوب سترها في الصلاة فمختلف فيه فالجمهور على وجوب ذلك وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وداود وابن حزم. قال في (البداية):
(وظاهر مذهب مالك أنها من سنن الصلاة)
وإلى هذا ذهب إسماعيل القاضي كما في (تفسير القرطبي) وهذا مذهب ضعيف ترده تلك الأوامر الصريحة بستر العورة والصلاة أحق بذلك كما لا يخفى
هذا ومما ذكرنا تعلم أن قول ابن حزم في مراتب الإجماع: (واتفقوا أن ستر العورة فيها لمن قدر على ثوب مباح لباسه له فرض) ليس بصواب نقل الاتفاق هذا
ثم إن الذين ذهبوا إلى وجوبها في الصلاة جعلو ذلك شرطا من شروط صحة الصلاة فمن صلى عاريا فصلاته باطلة عندهم. قال النووي:
(وقال بعض أصحاب مالك: ستر العورة واجب وليس بشرط فإن صلى مشكوفها صحت صلاته سواء تعمد أو سها)
стр. 253
قلت: وهذا هو الحق إن ذلك واجب غير شرط فإن الشرطية تتطلب دليلا زائدا على مجرد الأمر ولم نجد لمن قال بالشرطية أي دليل اللهم إلا ما ذكره النووي حيث قال:
(دليلنا أنه ثبت وجوب الستر بحديث عائشة: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار). . ويأتي. قال:
(ولا فرق بين الرجل والمرأة بالاتفاق)
وهذا الحديث كما ترى خاص بالنساء لكن النووي قاس عليهن الرجال وهو قياس فاسد الاعتبار لوجود الفرق الواضح بين عورة الرجل وعورة المرأة كما لا يخفى
وقد أجاد في هذا الصدد الشوكاني في (النيل) فإنه بعد أن ذكر ما احتج به الجمهور في إثبات الشرطية من الأحاديث السابقة قال:
(ويجاب عن هذه الأدلة بأن غايتها إفادة الوجوب وأما الشرطية التي يؤثر عدمها في عدم المشروط فلا تصلح للاستدلال بها عليها لأن الشرط حكم وضعي شرعي لا يثبت بمجرد الأوامر نعم يمكن الاستدلال للشرطية بحديث الباب (يعني حديث عائشة) لكن لا يصفو الاستدلال بذلك عن شوب كدر لأنه أولا يقال: نحن نمنع أن نفي القبول يدل على الشرطية لأنه قد نفى القبول عن صلاة الآبق ومن في جوفه الخمر ومن يأتي عرافا مع ثبوت الصحة بالإجماع
стр. 254
وثانيا: بأن غاية ذلك أن الستر شرط لصحة صلاة المرأة وهو أخص من الدعوى وإلحاق الرجال بالنساء لا يصح ههنا لوجود الفارق وهو ما في تكشف المرأة من الفتنة وهذا معنى لا يوجد في عورة الرجل
وثالثا: بحديث سهل بن سعد عند الشيخين وأبي داود والنسائي بلفظ: كان الرجال يصلون مع النبي ﷺ عاقدين أزرهم على أعتاقهم كهيئة الصبيان ويقال للنساء: لا ترفعن رؤوسكن حتى تستوي الرجال جلوسا. زاد أبو داود: من ضيق الأزر. وهذا يدل على عدم وجوب الستر فضلا عن شرطيته
ورابعا: بحديث عمرو بن سلمة وفيه: فكنت أؤمهم وعلي بردة مفتوقة فكنت إذا سجدت تقلصت عني وفي رواية: خرجت استي فقالت امرأة من الحي: ألا تغطوا عنا است قارئكم. . . الحديث أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي
فالحق أن ستر العورة في الصلاة واجب فقط كسائر الحالات لا شرط يقتضي تركه عدم الصحة. وقد احتج القائلون بعدم الشرطية على مطلوبهم بحجج فقهية واهية منها قولهم: لو كان الستر شرطا في الصلاة لاختص بها ولافتقر إلى النية والأول منقوض بالإيمان فهو شرط في الصلاة ولا يختص بها والثاني باستقبال القبلة فإنه غير مفتقر إلى النية والثالث بالعجز عن القراءة والتسبيح فإنه يصلي ساكتا) انتهى كلامه رحمه الله
стр. 255
(٢ - وهي من الرجل السوأتان فقط وعليهما تنصب الأدلة السابقة)
وكون السوأتين من العورة متفق عليه بين العلماء كما في (مراتب الإجماع) لابن حزم. في المجموع:
(قال أهل اللغة: سميت العورة لقبح ظهورها ولغض البصر عنها مأخوذة من العور وهو النقص والعيب والقبح ومنه عور العين والكلمة العوراء: القبيحة)
ومما لا شك فيه أن هذا المعنى لا يتحقق إلا في السوأتين فقط وأما غيرهما من الفخذ والسرة والركبة فلا يتحقق هذا المعنى فيها بوضوح ولذلك اختلف فيها العلماء والحق ما ذكرنا لما يأتي
(وأما الفخذ والركبة والسرة فليست من العورة المحرمة لأن النبي ﷺ تعمد كشفها في مناسبات شتى بمحضر من الناس ولو كانت عورة محرمة لما كشفها. قالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ مضطجعا في بيته كاشفا عن فخذيه فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث ثم استأذن عثمان فجلس النبي ﷺ يسوي ثيابه فدخل فتحدث فلما خرج قالت له عائشة: دخل أبو بكر فلم تجلس ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك فقال: (ألا أستحيي ممن تستحيي منه الملائكة)
وهذا حديث صحيح
стр. 256
أخرجه هكذا الطحاوي في (مشكل الآثار): ثنا يوسف بن يزيد: ثنا حجاج بن إبراهيم: ثنا إسماعيل بن جعفر عن محمد بن أبي حرملة عن عطاء بن يسار وسليمان بن يسار وأبي سلمة بن عبد الرحمن عنها
وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات أفاضل
وقد أخرجه مسلم في (صحيحه) والبيهقي وكذا البخاري في (الأدب المفرد) من طرق عن إسماعيل بن جعفر به نحوه وفيه:
(كاشفا عن فخذيه أو ساقيه) هكذا على الشك
والصواب عندي رواية الطحاوي التي لا شك فيها وذلك لأمور:
أولا: أن الشك ليس بعلم فلا يعارض ما جزم به الثقة
وثانيا وثالثا: أن له طريقا أخرى وشواهد من رواية الطحاوي
أما الطريق فقال أحمد: ثنا مروان قال: أنا عبيد الله بن سيار قال: سمعت عائشة بنت طلحة تذكر عن عائشة أم المؤمنين: أن رسول الله ﷺ كان جالسا كاشفا عن فخذيه فاستأذن أبو بكر فأذن له. . . الحديث نحوه
وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الستة غير عبيد الله بن سيار قال الحسيني: (مجهول) كما في (التعجيل)
وقد رمز الحسيني إلى أنه روى هذا الحديث في (مسند أحمد) فقال الحافظ ابن حجر:
стр. 257
ما رأيته في مسند عائشة ﵂ من مسند أحمد)
كذا قال. وهو في (المسند) كما قال الحسيني وقد عينا لك الصفحة منه. والحديث أشار إليه الحافظ في (الفتح) وسكت عليه كما سيأتي عنه
وأما الشواهد فهي ثلاثة:
الأول: عن حفصة بنت عمر ﵁ قالت: كان رسول الله ﷺ ذات يوم جالسا قد وضع ثوبه بين فخذيه فجاء أبو بكر فاستأذن فاذن له. . . الحديث
أخرجه أحمد والطحاوي في (شرح المعاني) وفي (المشكل) والبيهقي من طريق ابن جريج قال: أخبرني أبو خالد عن عبد الله بن أبي سعيد المديني قال: ثتني حفصة به
ثم أخرجه أحمد والبيهقي من طريق شيبان عن أبي اليعفور عن عبد الله ابن أبي سعيد المزني به
وأخرجه البخاري أيضا في (التاريخ) من الطريقين عن عبد الله هذا
ورجاله ثقات غير عبد الله بن أبي سعيد قال الحسيني:
(لا يدرى من هو)
قال الحافظ في (التعجيل) بعد أن ذكر الحديث من الطريقين عنه:
(وتلخص من هذا أن لعبد الله بن أبي سعيد راويين ولم يجرح ولم يأت
стр. 258
بمتن منكر فهو على قاعدة ثقات ابن حبان لكن لم أر ذكره في النسخة التي عندي) - يعني من ثقات ابن حبان
وبالجملة: فهو إسناد لا بأس به في الشواهد. وقد سكت عليه الحافظ في (الفتح) حيث قال بعد أن ساق حديث عائشة برواية مسلم:
(وهو عند أحمد بلفظ: (كاشفا عن فخذيه) من غير تردد وله من حديث حفصة مثله. وأخرجه الطحاوي والبيهقي)
وقال شيخه الهيثمي في (المجمع):
(رواه أحمد والطبراني في (الكبير) و (الأوسط) وأبو يعلى باختصار كثير وإسناده حسن)
الثاني: عن أنس بن مالك ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ حائطا من حوائط الأنصار فإذا بير في الحائط فجلس على رأسها ودلى رجليه وبعض فخذه مكشوف وأمرني أن أجلس على الباب فلم ألبث أن جاء أبو بكر فأعلمته فقال: ائذن له وبشره بالجنة. . . الحديث نحوه
أخرجه الطحاوي في (المشكل): ثنا فهد بن سليمان: ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس: ثنا أبو معاوية: ثني عمرو بن مسلم صاحب المقصورة عن أنس به وقال في آخره:
فلما رآه النبي ﷺ غطى فخذه قالوا: لم يا رسول الله غطيت فخذك حين جاء عثمان فقال: (إني لأستحيي ممن تستحيي منه الملائكة)
стр. 259
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات غير عمرو بن مسلم هذا أورده في (تهذيب التهذيب) وذكره أنه روى عنه أبو معاوية الضرير وابو علقمة الفروي ثم لم يحك فيه جرحا ولا تعديلا
الثالث: عن أبي سعيد الخدري قال: وقف رسول الله ﷺ بالأسواق وبلال معه فدلى رجليه في البئر وكشف عن فخذيه فجاء أبو بكر يستأذن فقال: يا بلال ائذن له وبشره بالجنة. . . الحديث نحوه. وفيه أن كلا مسسن أبي بكر وعمر وعثمان دلى رجليه في البئر وكشف عن فخذيه
أخرجه الطبراني في (الأوسط) ورجاله موثقون كما في (المجمع) وقال في مكان آخر منه:
(ورجاله رجال الصحيح غير شيخ الطبراني علي بن سعيد وهو حسن الحديث)
وله شاهد رابع من حديث ابن عباس أخرجه الطبراني والبزار ولكن في إسنادهما النضر أبو عمرو وهو متروك كما قال الهيثمي
(وعن أنس أن رسول الله ﷺ غزا خيبر فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس فركب نبي الله ﷺ وركب أبو طلحة وأنا رديف أبي طلحة فأجرى نبي الله ﷺ في زقاق خيبر وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله ﷺ ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ النبي ﷺ . . . . الحديث)
أخرجه البخاري وعنه ابن حزام ومسلم والبيهقي وأحمد عن
стр. 260
إسماعيل بن علية قال: ثنا عبد العزيز بن صهيب عنه به والسياق للبخاري
وقال الآخرون: وانحسر بدل: حسر
وكذلك رواه الطبراني كما في (الفتح) ورواه النسائي باختصار ذكر الحسر
وقد ذهب إلى هذه المسألة - أن العورة السوأتان فقط - الظاهرية وهو رواية عن أحمد ومالك كما في (الفتح) عن النووي وذكره في (شرح مسلم) عن أصحاب مالك. وبه قال أبو سعيد الإصطخري من الشافعية واختاره السيوطي كما يأتي. قال ابن حزم
(وهو قول ابن أبي ذئب وسفيان الثوري وأبي سليمان وبه نأخذ) قال:
(وهو قول جمهور السلف)
ثم روى عن جبير بن الحويرث قال: رأيت أبا بكر الصديق واقفا على قزح يقول: يا أيها الناس أصبحوا وإني لأنظر إلى فخذه قد انكشف
ورواه البخاري عن موسى بن أنس بن مالك فذكر يوم اليمامة فقال: أتى أنس إلى ثابت بن قيس بن الشماس وقد حسر عن فخذيه وهو يتحنط - يعني من الحنوط للموت
وقال عطاء بن السائب: دخلت على أبي جعفر - هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - وهو محموم وقد كشف عن فخذيه. . . . وذكر الخبر
стр. 261
ومن الحجة لهؤلاء حديث عائشة وحديث أنس هذا والاستدلال بالأول ظاهر لأن فيه أنه ﵇ كشف عن فخذيه قصدا وأما حديث أنس فوجه الاستدلال به ظاهر أيضا على رواية البخاري: ثم حسر الإزار. فإن مفاده أنه فعل ذلك أيضا عمدا إلا أن يخرج على هذا رواية الآخرين: وانحسر الإزار فإن ظاهرهما أن الإزار انحسر بنفسه لكن قال الحافظ:
(يمكن الاستدلال على أن الفخذ ليست بعورة من جهة استمراره على ذلك لأنه وإن جاز وقوعه من غير قصد لكن لو كانت عورة لم يقر على ذلك لمكان عصمته ﷺ ولو فرض أن ذلك وقع لبيان التشريع لغير المختار لكان ممكنا لكن فيه نظر من جهة أنه كان يتعين حينئذ البيان عقبه كما في قضية السهو في الصلاة وسياقه عند أبي عوانة والجوزقي من طريق عبد الوارث عن عبد العزيز ظاهر في استمرار ذلك ولفظه: فأجرى رسول الله في زقاق خيبر وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله ﷺ وإني لأرى بياض فخذيه). قال:
(وظاهر قول أنس هذا أن المس كان بدون الحائل ومس العورة بدون الحائل لا يجوز) (١). وقال ابن حزم:
(فصح أن الفخذ ليس عورة ولو كانت عورة لما كشفها الله عن رسوله ﷺ المطهر المعصوم من الناس في حالة النبوة والرسالة ولا أراها أنس ابن مالك ولا غيره وهو تعالى قد عصمه من كشف العورة في حال الصبا
стр. 262
وقبل النبوة) ثم روى من طريق مسلم حديث جابر المتقدم الذي فيه: فما رئي بعد ذلك عريانا
وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن الفخذ عورة واحتجوا بحديث: (الفخذ عورة) وأجابوا عن حديث عائشة بما في رواية مسلم من التردد بين كون المكشوف هو الفخذ أو الساق فقال في (المجموع):
(لا دلالة فيه على أن الفخذ ليس بعورة لأنه مشكوك في المكشوف)
قلت: قد بينا أن سائر الروايات في هذه القصة تقطع بأن المكشوف هو الفخذ فيجب حمل رواية مسلم عليها
ثم قال النووي:
(قال أصحابنا: لو صح الجزم بكشف الفخذ تأولناه على أن المراد كشف بعض ثيابه لا كلها قالوا: ولأنها قضية عين فلا عموم لها ولا حجة فيها)
قلت: الحجة فيها من حيث أن ذلك العمل هو من نبينا ﷺ الذي هو أسوتنا وقدوتنا في كل شيء إلا ما استثناه الدليل لقوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب / ٢١] ولا يصح دليل التخصيص كما يأتي فيبقى دليل الاقتداء به ﷺ في هذا الخصوص عاما شاملا لأمته فيثبت المطلوب
وأما تأويل ذلك بأنه كشف بعض ثيابه. فلا يغني فتيلا لأن فيه التسليم بأنه كشف عن بعض فخذه فإن كان عورة فكيف يجوز الكشف
стр. 263
عن بعضها وإذا كان مراد النووي من ذلك أنه يجوز الكشف عن البعض دون الكل فهو خالف مذهبه حيث قال:
(فإن انكشف شيء من عورة المصلي لم تصح صلاته سواء أكثر المنكشف أم قل ولو كان أدنى جزء وسواء هذا في الرجل والمرأة. . .) إلخ
وأجابوا عن حديث أنس بأن الإزار انكشف بنفسه عن فخذه ﵇ دون قصده كما تفيده رواية مسلم: انحسر. لكن الحديث يفيد جواز الكشف من وجهة أخرى وهي استمراره ﷺ على الكشف كما سبق عن الحافظ وكذلك قول أنس: وإني لأرى بياض فخذيه. يدل على أنه لم يكن من المحرم عندهم النظر إلى الفخذ وإلا لما نظر إليه أنس ﵁ وإذ الأمر كذلك فيدل على أنه ليس بعورة وهو المطلوب
فثبت بما ذكرنا أن كل ما أوردوه على الحديثين غير وارد عند التحقيق
على أنه قد جاءت أحاديث أخرى في الباب لكنها دونهما في الدلالة على المطلوب فمنها حديث أبي العالية البراء قال: إن عبد الله بن الصامت ضرب فخذي وقال: إني سألت أبا ذر فضرب فخذي كما ضرب فخذك وقال: إني سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فضرب فخذي كما ضرب فخذك وقال:
(صل الصلاة لوقتها فإن أدركتك الصلاة معهم فصل ولا تقل: إني قد صليت فلا أصلي)
أخرجه البخاري في (الأدب المفرد) ومسلم وعنه
стр. 264
ابن حزم وقال: فلو كانت الفخذ عورة لما مسها رسول الله ﷺ من أبي ذر اصلا بيده المقدسة ولو كانت الفخذ عند أبي ذر عورة لما ضرب عليها بيده وكذلك عبد الله بن الصامت وأبي العالية - كذا - وما يستحل مسلم أن يضرب بيده على ذكر إنسان على الثياب ولا على حلقة دبر الإنسان على الثياب ولا بدن امرأة أجنبية على الثياب البتة وقد منع رسول الله ﷺ من القود من الكسعة وهي ضرب الإليتين على الثياب بباطن القدم وقال: (دعوها فإنها منتنة)
ومنها حديث زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ أملى عليه: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله﴾ [النساء / ٩٥] قال: فجاءه ابن أم مكتوم وهو يملها علي فقال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت - وكان رجلا أعمى - فأنزل الله ﵎ على رسول الله ﷺ وفخذه على فخذي فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي ثم سري عنه فأنزل الله : ﴿غير أولي الضرر﴾
أخرجه البخاري والنسائي والترمذي وقال: (حسن صحيح) وأحمد عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب قال: ثني سهل بن سعد عن مروان بن الحكم عنه
وكذا رواه الطحاوي في (المشكل) عن صالح
стр. 265
وتابعه عن ابن شهاب: عبد الرحمن بن إسحاق
أخرجه النسائي والطبري كما في (الفتح)
وخالفهما معمر فقال: عن الزهري عن قبيضة بن ذؤيب عن زيد بن ثابت أخرجه أحمد
ولعل الزهري له فيه إسنادان. والله أعلم
وللحديث طريق أخرى عنه. رواه أبو داود والطحاوي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وأحمد عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد عن زيد بن ثابت به
وقد علق البخاري هذا الحديث في باب ما يذكر في الفخذ كما علق فيه حديث أنس السابق الذكر مشيرا بذلك إلى أن الفخذ ليس بعورة ولذلك قال الشيخ محمد أنور الكشميري في (فيض الباري):
(والذي يظهر من صنيع المصنف ﵁ أنه مال إلى مذهب مالك ﵁ وحمل ما ذهب إليه الحنفية على الاحتياط)
وأما حديث: (الفخذ عورة). فحديث ضعيف أشار إلى ضعفه البخاري في (صحيحه) فقال: ويذكر عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش عن النبي ﷺ : (الفخذ عورة)
ولابد هنا من أن نتكلم بتوسع على علل هذا الحديث ليتحقق القارئ
стр. 266
من أنه لا يقوى على معارضة تلك الأحاديث المفيدة بأن الفخذ ليس بعورة فنقول:
أولا: حديث ابن عباس: رواه أبو يحيى القتات عن مجاهد عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (الفخذ عورة)
وعلته أبو يحيى هذا واسمه على الأشهر: دينار وهو ضعيف كما قال ابن حزم في (الملحى) والحافظ في (الفتح)
أخرجه الترمذي والطحاوي في (شرح المعاني) والحاكم والبيهقي وأحمد كلهم عنه
ثانيا: حديث جرهد:
وعلته الجهالة والاضطراب المؤدي إلى عدم الثقة به فقد أخرج أبو داود والطحاوي في (المشكل) والبيهقي والطيالسي وأحمد كلهم عن مالك عن أبي النضر عن زرعة بن عبد الرحمن ابن جرهد عن أبيه عن جرهد
ورواه الدرامي والطحاوي في (شرح المعاني) عن مالك عن أبي النضر عن زرعة بن عبد الرحمن عن أبيه مرفوعا به. فجعله من مسند عبد الرحمن بن جرهد
وأخرجه الترمذي والحاكم وأحمد من طريق سفيان ابن عيينة عن أبي النضر عن زرعة بن مسلم بن جرهد عن جده عن جرهد
стр. 267
وأخرجه الدارقطني عن سفيان به إلا أنه زاد فيه فقال: عن زرعة ابن مسلم عن أبيه عن جده
فقد اختلف فيه على سفيان كما اختلف على مالك واختلف هذان فمالك يقول: زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد وسفيان يقول: زرعة بن مسلم ابن جرهد
وخالفهم أبو الزناد فقال: عن عمه زرعة بن عبد الله بن جرهد عن جده جرهد. فسماه زرعة بن عبد الله
أخرجه الطحاوي في (المشكل) وفي (الشرح) عن. . . . . (١) عنه
ورواه الترمذي وأحمد عن معمر فقال: عن أبي الزناد: أخبرني ابن جرهد عن أبيه به
وفي رواية لأحمد والدارقطني عن سفيان عن أبي الزناد (٢)
ورواه عبد الله بن محمد بن عقيل عن عبد الله بن جرهد عن أبيه
أخرجه الترمذي والطحاوي فيها وأحمد عن الحسن بن صالح عنه وزاد الطحاوي في رواية له فقال: عن عبد الله بن مسلم بن جرهد عن أبيه أن النبي ﷺ قال. . . . فذكره. فجعله من مسند مسلم بن جرهد
стр. 268
فهذا اضطراب شديد لا يهتدى الباحث بسببه إلى ترجيح رواية على أخرى وهو موجب ضعف الحديث لإشعاره بأنه لم يضبط كما ذكر العلماء في (مصطلح الحديث) وقد قال الحافظ في (شرح البخاري):
(وضعفه المصنف في (التاريخ) للاضطراب في إسناده وقد ذكرت كثيرا من طرقه في (تغليق التعليق)
قلت: وكذلك ضعفه ابن القطان ففي (نصب الراية) للزيلعي قال ابن القطان:
(وحديث جرهد له علتان: الاضطراب المؤدي لسقوط الثقة به وذلك أنهم مختلفون فيه فمنهم من يقول زرعة بن عبد الرحمن ومنهم من يقول زرعة بن عبد الله ومنهم من يقول: زرعة بن مسلم. ثم من هؤلاء من يقول: عن أبيه عن النبي ﷺ ومنهم من يقول: عن أبيه عن جرهد عن النبي ﷺ ومنهم من يقول: زرعة عن آل جرهد عن جرهد عن النبي ﷺ
والعلة الثانية: أن زرعة وأباه غير معروفي الحال ولا مشهوري الرواية)
ومنه تعلم أن قول الحاكم:
(إنه حديث صحيح الإسناد)
غير صحيح وإن وافقه الذهبي
ثالثا حديث محمد بن جحش
رواه أبو كثير مولى محمد بن عبد الله بن جحش مرفوعا به
стр. 269
وعلته أبو كثير هذا فإنه مجهول كما قال ابن حزم وقال الحافظ:
(لم أجد فيه تصريحا بتعديل)
أخرجه الطحاوي في (الشرح) وفي (المشكل) والحاكم والبيهقي وأحمد والبخاري أيضا في (التاريخ) كما في (الفتح)
ومن العجيب قول البيهقي - بعد أن ساق هذه الأحاديث الثلاثة بأسانيدها -:
(وهذه أسانيد صحيحة يحتج بها)
مع أنه لا يخفى على المبتدئ في هذا العلم - فضلا عن مثل البيهقي - أنه لا يصح شيء منها كما بينا ولذلك تعقبه ابن التركماني في (الجوهر النقي) بنحو ما ذكرنا من العلل ثم قال:
(وذكر ابن الصلاح أن الثلاثة متقاعدة عن الصحة)
رابعا: حديث علي بن أبي طالب ﵁
رواه ابن جريج عن حبيب بن أبي ثابت عن عاصم بن ضمرة عنه
أخرجه ابن ماجه في الجنائز باب ما جاء في غسل الميت من (سننه) - عن بشر بن آدم والحاكم عن الحارث بن أسامة والبيهقي عن محمد بن سعد العوفي ثلاثتهم عن روح بن عبادة. والطحاوي في (شرح الآثار) وفي (المشكل) عن يحيى بن سعيد والدارقطني عن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد ثلاثتهم عن ابن جريج به
стр. 270
وعلة هذا الإسناد الانقطاع بين ابن جريج وحبيب بن أبي ثابت من جهة وبين حبيب هذا وعاصم بن ضمرة من جهة أخرى
وابن جريج وابن أبي ثابت معروفان بالتدليس على جلالة قدرهما
وقد صرح ابن جريج في رواية عنه بأنه سمعه بالواسطة عن ابن أبي ثابت. فرواه أبو داود ومن طريقه البيهقي عن حجاج عن ابن جريج قال: أخبرت عن حبيب بن أبي ثابت عن عاصم به
ولذلك قال أبو حاتم في (العلل):
(ابن جريج لم يسمع هذا الحديث من حبيب إنما هو من حديث عمرو ابن خالد الواسطي ولا يثبت لحبيب رواية عن عاصم)
وكذا قال ابن معين كما في (التلخيص) أن حبيبا لم يسمعه من عاصم وابن بينهما رجلا ليس بثقة
وبين البزار أن الواسطة بينهما هو عمرو بن خالد الواسطي
قلت: وكأنه من أجل ذلك قال أبو داود بعد (أن) ساق الحديث:
(وهذا الحديث فيه نكارة). ثم قال الحافظ:
(وقع في زيادات المسند وفي الدارقطني ومسند الهيثم بن كليب تصريح ابن جريج بإخبار حبيب له وهو وهم في نقدي وقد تكلمت عليه في الإملاء على أحاديث مختصر ابن الحاجب)
قلت: ونحن نبين ما أشار إليه الحافظ من الوهم فنقول:
стр. 271
قد أخرجه الدارقطني من طريق أحمد بن منصور بن راشد: نا روح ابن عبادة: ثنا أبن جريج: أخبرني حبيب بن أبي ثابت عن عاصم به
وهذه رواية شاذة فقد خالف أحمد بن منصور جميع من رواه من الثقات عن روح بن عبادة فقالوا كلهم: عن رواح: نا ابن جريج عن حبيب كما سبق. فلم يصرحوا بالسماع ورواية هؤلاء مقدمة على رواية أحمد بن منصور هذه الشاذة لا سيما وأن هذا ليس بالمعروف بالحفظ والضبط في الرواية وغاية ما قيل فيه: إنه صدوق كما في (تاريخ بغداد) عن أبي حاتم والصدوق قد يخطئ
وأخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه فقال: ثني عبيد الله بن عمر القواريري: ثني يزيد أبو خالد البيسري القرشي: ثنا ابن جريج: أخبرني حبيب بن أبي ثابت عن عاصم به
وهذا إسناد ضعيف عن ابن جريج فإن أبا خالد هذا قال ابن حزم:
(ولا يدرى من هو) وقال الحافظ في (التعجيل):
(إنه مجهول)
وأما قول الذهبي في (الميزان):
(أورده الذهبي ابن عدي ومشاه فقال: ليس هو بمنكر الحديث) فليس بتوثيق صريح
стр. 272
ويدل على أن الحافظ نقل في (اللسان) قول الذهبي هذا مع أنه قال في (التعجيل): (إنه مجهول) كما سبق. فلا تعارض بين القولين إذن
هذا ولو سلمنا أن تصريح ابن جريج بسماعه من حبيب ثابت فلا يثبت بذلك الحديث فإنه لا تزال فيه العلة الأخرى قائمة وهي الانقطاع أيضا بين حبيب وعاصم كما سبق نقله عن الحافظين ابن معين وأبي حاتم وسواء صح كون الواسطة بينهما هو عمرو بن خالد الواسطي أو لم يصح فالحديث منقطع لا يصح لجهالة الواسطة بينهما
وأما اعتراض الأستاذ أحمد محمد شاكر في تعليقه على المسند بأنه قد ثبت اللقاء بينهما (فانى لنا أن نزعم أنه لم يسمع هذا الحديث منه) فإنما يصح فيما لو لم يكن حبيب بن أبي ثابت مدلسا أما وهو معروف بالتدليس فلا يكتفى حينئذ بالمعاصرة وثبوت اللقاء بل لا بد من تصريح المدلس بسماعه من الذي روى عنه لتكون روايته صحيحة مقبولة. وهذا أمر متفق عليه بين العلماء ولا يخفى ذلك على الأستاذ المشار إليه فلا أدري كيف ذهب هناك إلى تصحيح الاتصال بمجرد المعاصرة مع علمه بأنه يشترط في ذلك أن لا يكون الراوي مدلسا (راجع مقدمة صحيح مسلم فلعله لم يستحضر حين الكتابة كون حبيب هذا مدلسا وقد قال الحافظ في (التقريب) إنه:
(ثقة فقيه جليل وكان كثير الإرسال والتدليس)
стр. 273
فثبت بما ذكرنا صواب قول من أعل الحديث بالانقطاع وأنه ضعيف غير صالح للاحتجاج به فضلا عن معارضته لتلك الأحاديث الصحيحة السابقة في (الصحيحين) وغيرهما
(تنبيه): إنما نصصنا على الباب الذي أخرج فيه ابن ماجه الحديث من (سننه) على خلاف عادتنا فيما نكتب من التخريج: لأني رأيت الأستاذ السابق الذكر يقول في تخريج الحديث:
(ونسبه في (المنتقى) و (ذخائر المواريث) والمنذري فيما نقل شارح أبي داود وابن حجر في التلخيص إلى ابن ماجه بل عين صاحب (الذخائر) أنه في كتاب الجنائز منه ولم أجده بعد طول البحث)
هذا وفي الباب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. ويأتي قريبا
(وعن أبي موسى أن النبي ﷺ كان قاعدا في مكان فيه ماء قد كشف عن ركبتيه أو ركبتيه فلما دخل عثمان غطاها)
أخرجه البخاري والطبراني والبيهقي من طريق سليمان ابن حرب: ثنا حماد بن زيد: ثني علي بن الحكم وعاصم الأحول: أنهما سمعا أبا عثمان يحدث عن أبي موسى به
وفي الباب أحاديث أخرى:
منها عن أبي الدرداء قال: كنت جالسا عند النبي ﷺ إذ أقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبتيه فقال النبي ﷺ : (أما صاحبكم
стр. 274
فقد غامر)
فسلم وقال: يا رسول الله إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه ثم ندمت فسألته أن يغفر لي فأبى علي فأقبلت إليك فقال:: (يغفر الله لك يا أبا بكر (ثلاثا) ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثم أبو بكر؟ فقالوا: لا. فأتى النبي ﷺ فسلم عليه فجعل وجه النبي ﷺ يتمعر حتى اشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه فقال: يا رسول الله والله أنا كنت أظلم (مرتين) فقال النبي ﷺ : (إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت وقال أبو بكر: صدق وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ (مرتين) فما أوذي بعدها
أخرجه البخاري والطحاوي في (المشكل) عنه
ومنها عن عمرو بن الشريد عن أبيه أن النبي ﷺ تبع رجلا من ثقيف حتى هرول في أثره حتى أخذ ثوبه فقال: (ارفع إزارك) قال فكشف الرجل عن ركبتيه فقال: يا رسول الله إني أحنف (الحنف: إقبال القدم بأصابعها على القدم الأخرى) (وتصطك ركبتاي فقال رسول الله ﷺ : (كل خلق الله حسن) قال: ولم ير ذلك الرجل إلا وإزاره إلى أنصاف ساقيه حتى مات
أخرجه أحمد قال: ثنا روح: ثنا زكريا بن إسحاق: ثنا إبراهيم بن ميسرة: أنه سمع عمرو بن الشريد به
وأخرجه الطحاوي في (المشكل): ثنا أبو أمية: ثنا روح بن عبادة به
стр. 275
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين
(فائدة): واسم الرجل صاحب الإزار عمرو بن زرارة كما في رواية للطبراني من حديث أبي أمامة. رواه بأسانيد عنه ورجال أحدها ثقات كما في (المجمع)
ورواه أحمد عن عمرو هذا نفسه لكن سماه عمرو بن فلان الأنصاري
وإسناده صحيح رجاله رجال الستة غير الوليد بن سلمان وهو ثقة كما في (التقريب) وقال الهيثمي:
(ورجاله ثقات)
وفي الباب عن علي بن أبي طالب أن حمزة ﵁ صعد النظر إلى ركبتي النبي ﷺ ثم صعد النظر إلى سرته ويأتي بتمامه قريبا إن شاء الله تعالى
وفي هذه الأحاديث: أن الركبة ليست بعورة وذلك لأمرين:
الأول: أن رسول الله ﷺ كشفها بدون ضرورة
وقول الشوكاني: (إن الاحتجاج بالحديث أن الركبة ليست بعورة لا يتم لأن الكشف كان لعذر الدخول في الماء وأيضا تغطيتها من عثمان مشعر بأنها عورة وإن أمكن تعليل التغطية بغير ذلك فغاية الأمر الاحتمال) مردود
стр. 276
أما أولا: فلأن الحديث ينص على أنه ﵊ كان قاعدا في مكان فيه ماء فكشف عن ركبتيه. وهذا معناه أنه ﷺ كان جالسا مدليا رجليه في الماء وعليه فأي عذر في الكشف عن الركبتين فيما لو كانتا من العورة أليس كان باستطاعة النبي ﷺ أن يكتفي بإدلاء الساقين دون الكشف عن العورة؟
ويدلك على المعنى الذي ذهبت إليه أن الإمام أحمد أخرج الحديث من طريق أخرى عن أبي موسى: أن رسول الله ﷺ كان في حائط بالمدينة على قف البئر (أي: الدكة التي تجعل حولها) مدليا رجليه فدق الباب أبو بكر. . . الحديث
ورواه مسلم نحوه من طريق ثالثة بلفظ: وتوسط قفها وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر
ولا تعارض بين هذه الرواية وبين رواية البخاري المصرح بالكشف عن الركبة لأنها تتضمن الزيادة من ثقة وهي مقبولة اتفاقا كما أنه لا تعارض بين رواية البخاري هذه وبين رواية عائشة وغيرها المصرحة بالكشف عن الفخذ للسبب نفسه وهذا على اعتبار أن القصة واحدة وأما إذا كانت متعددة فلا إشكال
وأما ثانيا: فلأن تغطيتها عن عثمان إنما هي معاملة منه ﷺ خاصة به ﵁ لشدة حيائه كما غطى ﷺ منه فخذيه كما سبق وذلك لا يدل مطلقا على أنه إنما غطاها لأنها عورة كيف ذلك وقد كشفها ﵊ أمام غير عثمان كما هو صريح حديث عائشة وغيرها وكما هو الظاهر
стр. 277
من حديث أبي موسى هذا فإنه يروي القصة شاهد عيان أعني أنه ﵇ لم يغطها من أبي موسى كما غطاها من عثمان. هذا ما ظهر من التعقيب على كلام الشوكاني
ولو افترضنا أن كلامه صحيح فالدليل على أن الركبة ليست بعورة هو الأمر الثاني: وهو كشف أبي بكر عن ركبتيه وكذلك عمرو بن زرارة بحضرته ﵇ ولم ينكر عليهما ولو كان عورة لأنكر ذلك ﷺ كما أنكر على جرهد الاسلمي حين مر عليه وقد انكشف فخذه فقال: ﷺ : (غط فخذك فإن الفخذ عورة) لو صح الحديث ولم يصح كما سبق بيانه ذلك مفصلا فدل سكوته ﵇ على ذلك أن الركبة ليست بعورة ولذلك قال الحافظ في شرح حديث أبي الدرداء:
(وفيه أن الركبة ليست عورة)
وهناك دليل ثالث: وهو أن حمزة ﵁ صعد النظر إلى ركبة النبي ﷺ . ففيه - علاوة عن كشفه ﵇ نظر غيره إلى ركبته ولو كانت عورة لما أطلق حمزة ولا غيره على النظر إليها كما قال ابن حزم مثله في السرة على ما يأتي
فالحق أن هذه قائمة علىأن الركبة ليست بعورة وبهذا قال الشافعي قال النووي:
(وهو المشهور من مذهبنا وبه قال مالك وطائفة ورواية عن أحمد وقال أبو حنيفة وعطاء: إنها عورة)
стр. 278
وهذا قول ضعيف مخالف لتلك الأحاديث الصحيحة
وقد عارضها الطحاوي بما أخرجه في (المشكل) قال: ثنا علي ابن أبي شيبة: ثنا يزيد بن هارون: ثنا حماد بن سلمة عن حكيم الأثرم عن أبي تميمة الهجيمي: سمعت أبا موسى الأشعري يقول:
لا أعرفن أحدا نظر من جارية إلا ما فوق سرتها وأسفل من ركبتها لا أعرفن أحدا فعله إلا عاقبته (١)
قال أبو جعفر:
(فجاز بما قد ذكرنا أن يضاد بهذا الحديث الأحاديث التي ذكرناها قبله المخالفة له)
وأشار بقوله: (بما قد ذكرنا) إلى كلامه الذي قدم به لهذا الحديث وهو قوله:
(ووجدنا أبا موسى الأشعري قد روي عنه من كلامه كلام قد خلطه بوعيد لمن خالفه ممن لا يجوز أن يكون قاله رأيا لأن الوعيد لا يكون فيما قد قيل بالرأي مما قد يجوز لغير قائله أن يقول بخلاف ما قد خالف هذا المعنى)
وهذا كما ترى فإنه يزعم أن الحديث وإن كان موقوفا فله حكم المرفوع لما فيه من الوعيد الذي لا يقال - بزعمه - بالرأي المجرد. وهذا غير لازم في الأحكام بل يجوز الوعيد على أمر وصل إليه المرء باجتهاده وإن كان قد يحتمل أن يكون فيه مخطئا
стр. 279
وبالجملة فالاحتجاج بهذا الحديث على أن الركبة عورة لا يصح لأمور:
أولا: أنه موقوف
ثانيا: أنه معارض لما هو أصح منه
ثالثا: أنه وارد في الأمة فهو أخص من الدعوة. وقد اختلفوا في عورة الأمة على أقوال كثيرة ربما يأتي ذكرها أصحها دليلا أنها كالحرة لا فرق بينهما
وإن صنيع الطحاوي هذا في قياس الرجل الحر وغيره على الأمة في أن الركبة عورة يشبه تماما قياس النووي الرجل أيضا على المرأة في بطلان صلاة مكشوف العورة وقد سبق الرد عليه بما فيه كفاية
ولعله لم يعرج صاحب (الهداية) وغيره من الفقهاء على حديث أبي موسى لما فيه من الأمور التي ذكرنا وإنما احتجوا بحديث: (الركبة عورة). وهذا لو صح لكان دليلا واضحا لهم ولكنه لا يصح بل هو متفق على ضعفه فقد أخرجه الدارقطني من طريق النضر بن منصور الفزاري: أنا أبو الجنوب - واسمه عقبة بن علقمة - قال: سمعت عليا ﵁ يقول. . . فذكر مرفوعا. قال الزيلعي في (نصب الراية):
(قال شيخنا الذهبي في (ميزانه): النضر بن منصور واه قال ابن حبان: لا يحتج به. وعقبة بن علقمة هذا ضعفه الدارقطني وأبو حاتم الرازي وأعاده المصنف في (الكراهية) عن أبي هريرة ولم نجده عنه. وفي (الإمام) قال أبو حاتم الرازي: عقبة ضعيف الحديث والنضر بن منصور مجهول)
стр. 280
وقال الزيلعي أيضا في تخريج أحاديث الكراهية
(قلت: غريب من حديث أبي هريرة وتقدم من حديث علي عند الدارقطني وفيه ضعف)
وقد فاتنا أن نتكلم على إسناد حديث أبي موسى فنقول: إن رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح غير علي بن شيبة وحكيم الأثرم
أما الأول فهو علي بن شيبة بن الصلت بن عصفور أبو الحسن السدوسي مولاهم وهو أو يعقوب بن شيبة بصري سكن بغداد مدة ثم انتقل إلى مصر فسكنها روى عنه عبد العزيز بن أحمد الغافقي وغيره من المصريين أحاديث مستقيمة توفي سنة اثنتين وسبعين ومائتين. كذا في تاريخ بغداد بتصرف
وأما الآخر فقال النسائي:
(ليس به بأس) وذكره ابن حبان في (الثقات) وفي (التقريب):
(فيه لين)
(وعن علي بن أبي طالب ﵁ في حديث له يقول فيه: فنظر حمزة إلى رسول الله ﷺ ثم صعد النظر فنظر إلى ركبتيه ثم صعد النظر فنظر إلى سرته. . . الحديث)
أخرجه البخاري ومسلم وعنه ابن حزم والطحاوي في
стр. 281
(المشكل) يونس عن الزهري قال: أخبرني علي بن الحسين أن حسين بن علي ﵉: أخبره أن عليا قال:
كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر وكان النبي ﷺ أعطاني شارفا من الخمس فلما أردت أن أبتني بفاطمة بنت رسول الله ﷺ واعدت رجلا صواغا من بني قينقاع أن يرتحل معي فنأتي بإذخر أردت أن أبيعه الصواغين وأستعين به في وليمة عرس فبينا أنا أجمع لشارفي متاعا من الأقتاب والغرائر والحبال وشارفاي مناختان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار رجعت حين جمعت ما جمعت فإذا شارفاي قد أجبت أسنمتهما وبقرت خواصرهما وأخذ من أكبادهما فلم أملك عيني حين رأيت ذلك المنظر منهما فقلت: من فعل هذا؟ فقال: فعل حمزة بن عبد المطلب وهو في هذا البيت في شرب من الأنصار فانطلقت حتى أدخل على النبي ﷺ وعنده زيد بن حارثة فعرف النبي ﷺ في وجهي الذي لقيت فقال النبي ﷺ : مالك؟ فقلت: يا رسول الله ما رأيت كاليوم قط عدا حمزة على ناقتي فأجب أسنمتهما وبقر خواصرهما وها هو ذا في بيت معه شرب فدعا النبي ﷺ بردائه فارتدى ثم انطلق يمشي واتبعته أنا وزيد بن حارثة حتى جاء البيت الذي فيه حمزة فاستاذن فأذنوا لهم فإذا هم شرب فطفق رسول الله ﷺ يلوم حمزة فيما فعل فإذا حمزة قد ثمل محمرة عيناه فنظر حمزة إلى رسول الله ﷺ ثم صعد النظر فنظر إلى ركبتيه ثم صعد النظر فنظر إلى سرته ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه ثم قال حمزة: هل أنتم إلا
стр. 282
عبيد لأبي فعرف
فعرف رسول الله ﷺ أنه قد ثمل فنكص رسول الله ﷺ على عقبيه القهقرى وخرجنا معه
وهذا لفظ البخاري
والحديث واضح الدلالة على أن السرة ليست بعورة ذلك لأن الرسول كشفها ولأن غيره نظره إليها. قال ابن حزم:
(فلو كانت السرة عورة لما أطلق الله حمزة ولا غيره على النظر إليها)
وقد ذهب إلى أن السرة ليست بعورة: أبو حنيفة والشافعي وهو المشهور من مذهب أصحابه. وقد حكى بعضهم الإجماع على ذلك. وفيه نظر
وفي الباب أحاديث أخرى:
منها عن عمير بن إسحاق قال:
كنت مع الحسين بن علي فلقيه أبو هريرة فقال: ادن مني حتى أقبل منك حيث رأيت رسول الله يقبله منك فرفع ثوبه فقبل سرته
أخرجه الطحاوي في (المشكل) من طريق عثمان بن عمر والبيهقي عن يحيى بن يحيى: أنبأ أزهر السمان وأحمد عن إسماعيل وعن محمد بن أبي عدي وابن أبي شيبة في (مسنده) ومن طريقه ابن حبان في (صحيحه) كما في نصب الراية) عن شريك أربعتهم عن ابن عوف عنه به والسياق للأول منهم
стр. 283
وخالف في لفظه إسماعيل فرواه بلفظ:
اكشف عن بطنك حتى أقبل حيث رأيت رسول الله ﷺ يقبل منه قال: فكشف عن بطنه فقبله
ولعله لا اختلاف بين رواية إسماعيل هذه وبين رواية الآخرين لأن هذه مجملة والأخرى مفصلة والمفصل يقضي على المجمل ويشير إلى ذلك رواية إسماعيل: رأيت رسول الله يقبل منه. فقد بينت الرواية الأخرى أن موضع التقبيل هي السرة
وإسنادالحديث حسن رجاله ثقات رجال الستة غير عمير هذا قال في (الميزان): وثق ما حدث عنه سوى ابن عوف وقال يحيى بن معين:
(لا يساوي حديثه شيئا لكن يكتب حديثه)
هذه رواية عباس عنه وأما عثمان فروى عن يحيى أنه ثقة. قال النسائي وغيره:
(ليس به بأس). روى عن المقداد بن الأسود وعمرو بن العاص وجماعة
هذا وخولف فيه يحيى بن يحيى عن أزهر فرواه الخضر بن أبان الهاشمي: ثنا أزهر بن سعد السمان: ثنا ابن عون عن محمد عن أبي هريرة نحو رواية إسماعيل
أخرجه الحاكم: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب: ثنا الخضر ابن أبان الهاشمي به. وقال:
стр. 284
(صحيح على شرط الشيخين) ووافقه الذهبي
وهذا مما يتعجب منه فإن الخضر بن أبان مع كونه ليس من شيوخ الشيخين ولا من رجالهما فهو ضعيف ضعفه الحاكم والذهبي كلاهما فقد قال في ترجمته من (الميزان):
(ضعفه الحاكم وغيره وهو كوفي من موالي بني هاشم وسمع أزهر السمان. . . وتكلم فيه الدارقطني)
فالصواب رواية يحيى بن يحيى عن أزهر عن ابن عوف عن عمير كما هي رواية الجمهور عن ابن عون
ويحيى هذا هو النيسابوري ثقة حافظ
إلا أنه قد تابع الخضر بن أبان عن أزهر بن سعد السمان عن ابن عون عن محمد أبو سلمة - وهو موسى بن إسماعيل - قال: ثنا حماد بن سلمة: أنبأ ابن عون عن محمد - هو ابن سيرين - به لفظ: فقبل سرته
أخرجه البيهقي ثم قال: كذا قال عن حماد وقال غيره عن حماد وعن ابن عون عن أبي محمد وهو عمبر بن إسحاق
ومنها عن أبي محذورة في حديث الأذان:
أن رسول الله ﷺ وضع يده على ناصية أبي محذورة ثم أمرها على وجهه ثم بين ثدييه ثم على يده ثم بلغت يد رسول الله إلى سرة أبي محذورة
стр. 285
أخرجه الطحاوي في (المشكل) وكذا ابن ماجه والدارقطني وأحمد من طريق ابن جريج: أخبرني عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة أن عبد الله بن محيريز أخبره عنه. وقد أخرجوه مطولا وكذا النسائي إلا أنه ليس عنده محل الشاهد منه وقد سبق لفظه في المسألة الرابعة من الأذان
وعبد العزيز هذا مقبول
(ملاحظة: إن الشيخ
﵀
تراجع عن اختياره المذكور
في شأن العورة. راجع مثلا تمام المنة. . . .)
(٣ - غير أنه ينبغي له في الصلاة قدر زائد على ستر العورة لعموم قوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾
قال شيخ الإسلام في الاختيارات (٤/ ٢٤)
(والله تعالى أمر بقدر زائد على ستر العورة في الصلاة فقال (خذوا زينتكم عند كل مسجد) فعلق الأمر باسم الزينة لا بستر العورة إيذانا بأن العبد ينبغي له أن يلبس أزين ثيابه وأجملها في الصلاة)
قال تلميذه الحافظ ابن كثير في تفسير الآية المذكورة:
(ولهذه الآية وما ورد في معناها من السنة يستحب التجمل عند الصلاة ولا سيما يوم الجمعة ويوم العيد والطيب لأنه من الزينة والسواك لأنه من تمام ذلك. ومن أفضل اللباس البياض. ثم ذكر الحديث الوارد في الأمر بالبياض من الثياب ولعله يأتي) ثم قال:
(وروى الطبراني بسند صحيح عن قتادة عن محمد بن سيرين أن تميما