قال سعيد بن يزيد الأزدي: سألت أنس بن مالك: أكان رسول الله ﷺ يصلي في النعلين؟ قال: نعم
أخرجه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي والدارمي والطحاوي والبيهقي والطيالسي وأحمد قال الترمذي:
(حديث أنس حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم). قال العلامة الأستاذ أحمد محمد شاكر في تعليقه على الترمذي:
(نعم لا نعلم خلافا بين أهل العلم في جواز الصلاة في النعال في المسجد وغير المسجد ولكن انظر إلى شأن العامة من المسلمين الآن حتى من ينتسب إلى العلم: كيف ينكرون علىمن يصلي في نعليه؟ ولم يؤمر بخلعهما عند الصلاة إنما أمر أن ينظر فيهما فإن كان فيهما أذى دلكهما بالأرض وذلك طهورهما ولم تؤمر فيهما بغير ذلك)
وقال ابن القيم في (إغاثة اللهفان من مكائد الشيطان) ما ملخصه:
(ومما لا تطيب به قلوب الموسوسين: الصلاة في النعال وهي سنة رسول الله ﷺ فعلا منه وأمرا). ثم ذكر حديث أنس وحديث شداد بن أوس الآتي قريبا ثم قال:
(وقيل للإمام أحمد: أيصلي الرجل في نعليه؟ فقال: إي والله. وترى أهل الوسواس إذا بلي أحدهما بصلاة الجنازة في نعليه قام على عقبيهما كأنه واقف على الجمر حتى لا يصلي فيهما)
стр. 352
(والصلاة فيهما تخيير لقوله ﷺ : (إذا صلى أحدكم فليلبس نعليه أو ليجعلهما بين رجليه ولا يؤذ بهما غيره)
هو من حديث أبي هريرة ﵁
أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي من طريق الأوزاعي: ثنا محمد بن الوليد عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عنه
وهذا سند صحيح على شرط الشيخين
ثم أخرجه الحاكم من طريق عياض بن عبد الله القرشي عن سعيد عن أبي هريرة فلم يقل: (عن أبيه) وقال:
(صحيح على شرط مسلم) ووافقه الذهبي وهو كما قالا وقال العراقي:
(رواه أبو داود بسند صحيح وضعفه المنذري وليس بجيد)
قلت: ولعل تضعيف المنذري له إنما هو لأجل هذا الاختلاف على سعيد وهو اختلاف لا يضر إن شاء الله تعالى كما بينته في (صفة صلاة النبي ﷺ
(لكن يستحب الصلاة فيهما أحيانا مخالفة لليهود ومن تنطع مثلهم لقوله ﷺ : (خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم)
الحديث صحيح الإسناد أخرجه أبو داود والحاكم وعنه البيهقي عن قتبية بن سعيد: ثنا مروان بن معاوية الفزاري
стр. 353
عن هلال بن ميمون الرملي عن يعلى بن شداد بن أوس عن أبيه مرفوعا به. وقال الحاكم:
(صحيح الإسناد). ووافقه الذهبي
قلت: ورجاله كلهم ثقات وأخرجه ابن حبان في (صحيحه) أيضا ولا مطعن في إسناده كما قال الشوكاني ونقل المناوي في (شرح الجامع) عن الزين العراقي أنه قال:
(إسناده حسن)
وله شاهد من حديث أنس ذكرته في (صفة صلاة النبي ﷺ
والحديث دليل لما ذكرنا من استحباب الصلاة في النعلين وإنما منعنا من الجزم بالوجوب حديث أبي هريرة الذي قبله وكذلك بعض الأحاديث المشار إليها قريبا مثل حديث عبد الله بن عمرو قال:
رأيت رسول الله ﷺ يصلي حافيا ومنتعلا
أخرجه أبو داود وعنه البيهقي وابن ماجه والطحاوي وأحمد عن عمرو بن سعيب عن أبيه عن جده
وهذا سند حسن أو صحيح على الخلاف المشهور فيه ومثله حديث أبي هريرة وعائشة فصلاته ﷺ حافيا أحيانا دليل على عدم الوجوب قال الشوكاني:
стр. 354
(ويجمع بين أحاديث الباب بجعل حديث أبي هريرة وما بعده صارفا للأوامر المذكورة المعللة بالمخالفة لأهل الكتاب من الوجوب إلى الندب لأن التخيير والتفويض إلى المشيئة بعد تلك الأوامر لا ينافي الاستحباب كما في حديث: (بين كل أذانين صلاة لمن شاء) وهذا أعدل المذاهب وأقواها عندي). وقال الحافظ العراقي:
(وحكمة الصلاة في النعلين مخالفة أهل الكتاب كما تقرر وخشية أن يتأذى أحد بنعليه إذا خلعهما مع ما في لبسهما من حفظهما من سارق أو دابة تنجس نعله). نقهل المناوي في (فيض القدير)
(٥ - ويجب أيضا طهارة المكان لقوله ﷺ للأعرابي الذي بال في المسجد:
(إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من القذر والبول والخلاء) فأمر رجلا فجاء بدلو من ماء فشنه عليه)
الحديث صحيح أخرجه مسلم والبيهقي وأحمد من طريق عكرمة بن عمار: ثنا إسحاق بن أبي طلحة: ثني أنس بن مالك - وهو عم إسحاق - قال:
بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مه مه قال: قال رسول الله ﷺ :
(لا تزرموه دعوه) فتركوه حتى بال ثم إن رسول الله دعاه فقال له. . . الحديث. وتمامه:
стр. 355
(إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن) أو كما قال رسول الله ﷺ قال: فأمر رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه
والسياق لمسلم وليس فيه: (والخلاء) وإنما هو عند أحمد والبيهقي في رواية له
وله شاهد من حديث أبي هريرة قال:
دخل أعرابي المسجد ورسول الله ﷺ جالس فقال: (اللهم اغفر لي ولمحمد ولا تغفر لأحد معنا) فضحك رسول الله ﷺ وقال: (لقد احتظرت واسعا) ثم ولى حتى إذا كان في ناحية المسجد فشج يبول فقام إليه رسول الله ﷺ فقال:
(إنما بني هذا البيت لذكر الله والصلاة وإنه لا يبال فيه) ثم دعا بسجل من ماء فأفرغه عليه قال: يقول الأعرابي بعد أن فقه: فقام النبي ﷺ إلي - بأبي هو وأمي - فلم يسب ولم يؤنب ولم يضرب
أخرجه ابن ماجه وأحمد من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عنه
وهذا إسناد حسن
ورواه أبن حبان أيضا كما في (الفتح)
والحديثين في (الصحيحين) وغيرهما عن أنس وأبي هريرة مختصرا ليس فيه موضع الشاهد منه وقد مضى
стр. 356
والحديث دليل لما ذكرنا من وجوب طهارة المكان قال شيخ الإسلام في (الاختيارات):
(وطهارة البقعة يستدل عليها بقول النبي ﷺ في حديث الأعرابي: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول والعذرة) وأمره بصب الماء على البول. فقد أمر ﵇ بتطهير مكان الصلاة والأمر يفيد الوجوب)
ويدل لذلك أيضا حديث جابر وهو:
(وقوله: (وجعلت لي الأرض [طيبة] طهورا ومسجدا فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل حيث أدركته)
هو قطعة من حديث جابر بلفظ:
(أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة)
أخرجه البخاري ومسلم والنسائي والدارمي وأحمد عنه والسياق للبخاري والجملة المذكورة أعلاه لأحمد وما بين المربعين زيادة لمسلم والدارمي وهي ثابتة في حديث أنس أيضا بلفظ:
(جعلت لي كل أرض طيبة مسجدا وطهورا)
стр. 357
رواه ابن المنذر وابن الجارود بإسناد صحيح كما في (الفتح) وصححه العراقي أيضا كما في (النيل) حيث قال:
(وهو ثابت بزيادة (طيبة) من رواية أنس عند ابن السراج في (مسنده) قال العراقي: بإسناد صحيح) ثم قال الشوكاني:
(وهي تدل على أن المراد بالأرض المذكورة في الحديث الأرض الطاهرة المباحة لأن المتنجسة ليست بطيبة لغة والمغصوبة ليست بطيبة شرعا)
فمفهوم الحديث أنه يجب اجتناب الأرض الخبيثة في الصلاة لكنه لا يدل هو ولا حديث الأعرابي قبله على شرطية طهارة المكان فالقول فيه كالقول في شرطية طهارة البدن والثوب وقد سبق تفضيل القول فيهما ولم أجد لمن قال بالشرطية دليلا صحيحا سوى ما تقدم هناك
وأما حديث ابن عمر بلفظ: نهى أن يصلى في ستة مواطن. . . الحديث. الذي احتج به الرافعي وصاحب (المهذب) على الشرطية فضعيف لا يجوز الاحتجاج به كما بينه النووي والعسقلاني وتكلمنا عليه في (نقد التاج). ولذلك قال النووي بعد أن تكلم على الحديث:
(ودليل الشرطية ما سبق في أول الباب وأما الحديث المذكور هنا فلا يصح الاحتجاج به ومما يحتج به حديث بول الأعرابي في المسجد وقول النبي ﷺ : (صبوا عليه ذنوبا من ماء) رواه البخاري ومسلم)
стр. 358
قلت: هذا لا يفيد الشرطية وإنما يفيد الوجوب كما سبق. ومثله ما أشار إليه مما سبق فكل ذلك أوامر لا تفيد إلا الوجوب وقد نقلنا كلام النووي الذي أشار إليه في خاتمة المسألة الثانية وبينا هناك ما فيه الكفاية فراجعه
(٦ - ولا تجوز الصلاة في أماكن عشرة:
الأول: المقبرة وهي الموضع الذي دفن فيه إنسان واحد فأكثر لقوله ﵊:
(الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام)
وسواء في ذلك أكان القبر قبلته أو عن يمينه أو عن يساره أو خلفه لكن استقباله بالصلاة أشد لقوله ﷺ :
(لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) وقوله:
(إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء ومن يتخذ القبور مساجد)
الحديث الأول هو من رواية أبي سعيد الخدري ﵁
أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي وابن حزم وأحمد عن عبد الواحد بن زياد والترمذي والدارمي والحاكم أيضا والبيهقي عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي وابن ماجه والبيهقي وابن حزم وأحمد عن حماد بن سلمة ثلاثتهم عن عمرو بن يحيى الأنصاري عن أبيه عن أبي سعيد الخدري مرفوعا به
стр. 359
ثم أخرجه أحمد من طريق محمد بن إسحاق عن عمرو به بلفظ:
(كل الأرض مسجد وطهور إلا المقبرة والحمام)
فزاد ابن إسحاق فيه: (وطهور) وهي زيادة شاذة ضعيفة. والحديث بدونها صحيح على شرط الشيخين كما قال الحاكم ووافقه الذهبي
وأما الترمذي والبيهقي فأعلاه بأن الثوري رواه عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي ﷺ مرسلا بدون ذكر أبي سعيد
أخرجه هكذا ابن ماجه والبيهقي وأحمد عن يزيد بن هارون عن الثوري. وهذا إعلال عجيب بعد اتفاق أولئك الثقات الأربعة على وصله والوصل زيادة يجب قبولها على أن الثوري قد وصله في بعض الروايات فقال الدارقطني في (العلل) كما في (التلخيص): ثنا جعفر بن محمد المؤذن - ثقة -: ثنا السري بن يحيى: ثنا أبو نعيم وقبيصة: ثنا سفيان عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد موصولا. وقال:
(المرسل المحفوظ)
كذا قال ولئن صح ذلك في خصوص رواية الثوري فلا يصح في رواية الآخرين ولذلك قال صاحب (الإمام):
(حاصل ما علل به الإرسال وإذا كان الواصل له ثقة فهو مقبول). قال الحافظ:
(وأفحش ابن دحية فقال في كتاب (التنوير) له: هذا لا يصح من طريق
стр. 360
من الطرق. كذا قال: فليم يصب). وقال في (الفتح):
(ورجاله ثقات لكن اختلف في وصله وإرساله وحكم مع ذلك بصحته الحاكم وابن حبان)
ولذلك قوى الحديث ابن حزم ورد على من أعله بالإرسال
وللحديث طريق أخرى عن يحيى الأنصاري هو في منجى عن كل هذا الاختلاف
أخرجه الحاكم وعنه البيهقي من طريق عمارة بن غزية عن يحيى بن عمارة الأنصاري عن أبي سعيد الخدري مرفوعا به
وهذا سند صحيح على شرط مسلم. ثم قال الحافظ:
(قلت: وله شواهد منها حديث عبد الله بن عمر مرفوعا: نهى عن الصلاة في المقبرة. أخرجه ابن حبان ومنها حديث علي إن حبي نهاني أن أصلي في المقبرة. أخرجه أبو داود)
قلت: وحديث علي سيأتي الكلام عليه إن شاء الله قريبا ومن شواهده أيضا حديث أنس:
أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بين القبور. قال الهيثمي:
(رواه البزار ورجاله رجال الصحيح)
وبعد كتابة ما تقدم رايت المناوي في (فيض القدير) نقل عن ابن حبان أنه صحح الحديث. وعن ابن تيمية أنه قال:
стр. 361
(اسانيده جيدة ومن تكلم فيه ما استوفى طرقه) ثم رأيته في (الاقتضاء) لشيخ الإسلام
والحديث الثاني هو من رواية عائشة وابن عباس معا قالا:
لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك. . . فذكره
أخرجه البخاري ومسلم والنسائي والدارمي وأحمد من طريق عبيد الله بن عبيد الله بن عتبة عنها وزاد أحمد في رواية له: يحرم ذلك على أمته. وفيه ابن إسحاق وقد عنعنه
وله طريق أخرى عنها وحدها بلفظ (لعن الله) والباقي مثله وزاد:
قالت: فلولا ذاك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا
أخرجه البخاري ومسلم وأحمد عن عروة عنها
وله طريق ثالث عند أحمد عن سعيد بن المسيب عنها
وإسناده صحيح على شرط الستة
وله شاهد من حديث أبي هريرة مثل حديث عائشة
أخرجه مسلم من طريق يزيد بن الأصم عنه
стр. 362
وهو عند البخاري ومسلم أيضا وأبي داود وأحمد ومحمد في (موطأه) كلهم عن مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ
(قاتل الله. . .)
وتابعه عن الزهري يونس عند مسلم وجماعة من الثقات عند أحمد
وتابع الزهري عن سعيد قتادة
أخرجه ابن أبي شيبة في (المصنف)
وله طريق ثالث عن أبي هريرة بلفظ:
(اللهم لا تجعل قبري وثنا لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)
أخرجه أحمد: ثنا سفيان عن حمزة بن المغيرة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عنه
وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير حمزة بن المغيرة وهو المخزومي وهو ثقة بلا خلاف
وعزاه الهيثمي لأبي يعلى فقط وقال:
(وفيه إسحاق بن أبي إسرائيل وفيه كلام لوقفه في القرآن وبقية رجاله ثقات)
стр. 363
قلت: هو في نفسه ثقة وقد وثقه ابن معين وأحمد وغيرهما والكلام المذكور لا يضره من حيث الرواية على أن الهيثمي قد ذهل عن كون الحديث في (المسند) من غير هذه الطريق كما رأيت فسبحان من لا يسهو ولا ينسى
وللحديث شواهد أخرى أوردتها وخرجتها في (التعليقات الجياد) من كتاب الجنائز فلا نطيل بذكرها هنا
والحديث الثالث هو من حديث ابن مسعود ﵁
أخرجه أحمد وابن أبي شيبة في (المصنف) من طريق عاصم بن أبي النجود عن شقيق عنه
وهذا سند حسن رجاله رجال الشيخين غير أنهما أخرجا لابن أبي النجود مقرونا بآخر وهو حسن الحديث. والحديث قال الهيثمي:
(رواه الطبراني في (الكبير) وإسناده حسن)
وذهل عن كونه في (المسند). وعزاه شيخ الإسلام ابن تيمية في كثير من كتبه - ك (منهاج السنة) - لابن حبان في (صحيحه) وكذلك عزاه في (اقتصاء الصراط المستقيم) وقال:
(إسناده جيد)
قلت: وقد وجدت للحديث طريقا آخر أخرجه أحمد أيضا: ثنا عفان: ثنا قيس: أنا الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة السلماني عن عبد الله ابن مسعود مرفوعا بلفظ:
стр. 364
(إن من البيان سحرا وشرار الناس الذين تدركهم الساعة أحياء والذي يتخذون قبورهم مساجد)
وهذا سند حسن أيضا رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير قيس وهو ابن الربيع وهو حسن الحديث لا سيما في المتابعات فالحديث بمجموع الطريقين صحيح عندي. والله أعلم
واعلم أن الاستدلال بالحديث على ما ذكرنا إنما هو على أحد القولين في تفسيره وهو أن المراد بالاتخاذ: استقبال القبر. قال البيضاوي:
(لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيما لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها واتخذوها أوثانا - لعنهم النبي ﷺ ومنع المسلمين عن مثل ذلك)
والحديث معناه عندنا أعم مما ذكره البيضاوي كما سيأتي بيانه قريبا إن شاء الله
ومن عجائب الفهم المصادم للقصد من حديث النبي ﷺ إن لم نقل للنص منه - قول البيضاوي في تمام كلامه وهو:
(وأما من اتخذ مسجدا بجوار صالح أو صلى في مقبرة وقصد به الاستظهار بروحه أو وصول أثر من آثار عبادته إليه لا التعظيم له والتوجه نحوه فلا حرج عليه)
كذا قال ولا يخفى ما فيه من أثار الوثنية والضلال والمعصوم من عصمه
стр. 365
الله ولذلك تعقبه العلماء فقال المناوي بعد أن نقل كلامه هذا:
(لكن في خبر الشيخين كراهة بناء المسجد على القبور مطلقا والمراد قبور المسلمين خشية أن يعبد فيها القبور لقرينة خبر: اللهم لا تجعل قبري وثنا بثعيد)
وقد نص الإمام محمد تلميذ أبي حنيفة على كراهة اتخاذ المسجد عند القبر كما يأتي نصه في ذلك والتعبير ب (عند) أعم من قوله: (فوق) أو (على) كما لا يخفى فمن بنى مسجدا بجوار صالح فقد بنى عنده وعليه فكلام محمد ﵀ رد على البيضاوي في رأيه هذا المبتدع ورد عليه الصنعاني أيضا في (سبل السلام) فقال:
(قوله: لا لتعظيم له يقال: اتخاذ المساجد بقربه وقصد التبرك به تعظيم له ثم أحاديث النهي مطلقة ولا دليل على التعليل بما ذكر والظاهر أن العلة سد الذريعة والبعد عن التشبه بعبدة الأوثان الذين يعظمون الجمادات التي لا تنفع ولا تضر ولما في إنفاق المال في ذلك من العبث والتبذير الخالي عن النفع بالكلية) قال:
(ومفاسد ما يبنى على القبور من المشاهد والقباب لا تحصر)
والحديث الأول يفيد تحريم الصلاة في المقبرة على التفصيل المذكور لعموم الحديث ولأن النهي أصله التحريم. وذهب بعضهم إلى بطلان الصلاة فيها وهو محتمل والله أعلم وقد ذهب إلى هذا ابن حزم في (الملحى) ورواه عن أحمد أنه قال:
стр. 366
(من صلى في مقبرة أو إلى قبر أعاد أبدا). ثم قال:
(وكره الصلاة إلى القبر وفي المقبرة وعلى القبر: أبو حنيفة والأوزاعي وسفيان ولم ير مالك بذلك بأسا واحتج له بعض مقلديه بأن رسول الله ﷺ صلى على قبر المسكينة السوداء) قال ابن حزم:
(وهذا عجب ناهيك به أن يكون هؤلاء القوم يخالفون هذا الخبر فيما جاء فيه فلا يجيزون أن تصلى صلاة الجنازة على من قد دفن ثم يستبيحون - بما ليس فيه منه أثر ولا إشارة - مخالفة السنن الثابتة). قال:
(وكل هذه الآثار حق فلا تحل الصلاة حيث ذكرنا إلا صلاة الجنازة فإنها تصلى في المقبرة وعلى القبر الذي قد دفن صاحبه كما فعل رسول الله ﷺ . نحرم ما نهى عنه ونعد من القرب إلى الله تعالى أن نفعل مثل ما فعل فأمره ونهيه حق وفعله حق وما عدا ذلك فباطل والحمد لله رب العالمين)
وقال الشوكاني بعد أن حكى مذاهب العلماء في المسألة:
(وأحاديث النهي المتواترة كما قال ذلك الإمام (ابن حزم) لا تقصر عن الدلالة على التحريم الذي هو المعنى الحقيقي له وقد تقرر في الأصول أن النهي يدل على فساد المنهي عنه فيكون الحق التحريم والبطلان لأن الفساد الذي يقتضيه النهي هو المرادف للبطلان من غير فرق بين الصلاة على القبر وبين المقابر وكل ما صدق عليه لفظ المقبرة)
وقال شيخ الإسلام في (الاختيارات):
стр. 367
(ولا تصح الصلاة في المقبرة ولا إليها والنهي عن ذلك هو سد لذريعة الشرك وذكر طائفة من أصحابنا أن المقبرة ثلاثة قبور فصاعدا وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه هذا الفرق بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور وهو الصواب والمقبرة كل ما قبر فيه لا أنه جمع قبر وقال أصحابنا: وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلى فيه. فهذا يعين أن المنع يكون متناولا لحرمة القبر المنفرد وفنائه المضاف إليه وذكر الآمدي وغيره أنه لا تجوز الصلاة فيه أي المسجد الذي قبلته إلى القبر حتى يكون بين الحائط وبين المقبرة حائل آخر وذكر بعضهم: هذا منصوص أحمد)
وقد اختلفوا في علة النهي عن الصلاة في المقبرة فقيل: النجاسة وقيل: التشبه بأهل الكتاب وسدا لذريعة الشرك كما سبق في كلام شيخ الإسلام وغيره. وهو الظاهر من مجموع الأحاديث الواردة في هذا الباب وقد مضى البعض ويأتي بعضها وعليه جرى علماؤنا المتأخرون من الحنفية فقال ابن عابدين في (حاشيته):
(واختلف في علته (يعني: الكراهة) فقيل: لأن فيها عظام الموتى وصديدهم وهو نجس وفيه نظر (١) وقيل: لأن أصل عبادة الأصنام اتخاذ قبور الصالحين مساجد وقيل: لأنه تشبه باليهود وعليه مشى في الحاشية)
стр. 368
وهذا القيل الأخير هو الذي اعتمده الطحطاوي في (حاشيته على مراقي الفلاح) ونص كلامه:
(قوله: وفي المقبرة بتثليث الباء لأنه تشبه باليهود والنصارى قال ﷺ : (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) وسواء كانت فوقه أو خلفه أو تحت ما هو واقف عليه ويستثنى مقابر الأنبياء ﵈ فلا تكره الصلاة فيها مطلقا منبوشة أو لا بعد أن لا يكون القبر في جهة القبلة لأنهم أحياء في قبورهم ألا ترى أن مرقد إسماعيل ﵇ في الحجر تحت الميزاب وأن بين الحجر الأسود وزمزم قبر سبعين نبيا ثم إن ذلك المسجد أفضل مكان يتحرى للصلاة بخلاف مقابر غيرهم. أفاده في (شرح المشكاة)
هذا كله كلام الطحطاوي وهو كلام مدخول يناقض بعضه بعضا فإنه إذا كان يصرح ويعلل الكراهة بالتشبه باليهود والنصارى - وهم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد - فكيف يستثني قبور الأنبياء وإنما يتحقق التشبه بالكفار بالصلاة فيها؟
نعم ربما كان يصح هذا الاستثناء فيما لو كانت علة الكراهة هي النجاسة وذلك لطهارة قبورهم ﵈ ومع ذلك فلا يصح هذا الاستثناء مطلقا بعد لعنه ﵊ من كان يتخذ قبور الأنبياء مساجد ونهيه أمته عن ذلك كما يأتي
стр. 369
وأنا أخشى أن يكون الطحطاوي قد أتي في هذا التناقض الصريح من جهة التقليد الذي كثيرا ما لا يدع صاحبه يفكر فيما يكتب أو يقول فهو فيما يظهر نقل التعليل الصحيح عن بعض العلماء الذين لا يتصور أن يقولوا بالاستثناء ثم نقل الاستثناء عن بعض من يقول بالعلة الأخرى وهي النجاسة وهو منقول عنهم ويدل على هذا قوله: (منبوشة أو لا) فإن هذا إنما يصح أن يقال على أساس القول بهذه العلة المرجوحة وعليها يتفرع القول بالفرق بين المقبرة المنبوشة وغير المنبوشة في غير مقابر الأنبياء فإن لم يكن هذا الذي ذهبنا إليه حقا فما معنى هذا القول ههنا؟ وما معنى الاستثناء المصادم للنص؟
قد يقال: إن النص ليس معناه عند الطحطاوي على العموم بل معناه الاستقبال كما سبق ذكره عن البيضاوي ويدل على ذلك قوله بعد الاستثناء: (بعد أن لا يكون القبر جهة القبلة) فهو بهذا القيد لم يصادم النص حسب فهمه
فأقول: لكن يشكل عليه قوله: (وسواء كانت فوقه أو خلفه. . .) إلخ
قال ذلك عن الحديث بما يشعر أنه عنده على عمومه ثم ما هو الفرق المعقول ين المنع من ذلك كله في قبور غير الأنبياء وإباحته في قبورهم مع القيد المذكور مع العلم بأن الخطر على العقيدة من الصلاة عندها مطلقا أعظم من الصلاة عند غيرها؟
وبعد كتابة ما تقدم رجعت إلى شرح (المشكاة) المسمى: (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح) للشيخ علي القاري فتبين لي أن الطحطاوي نقل جل
стр. 370
كلامه ولكنه أساء في النقل وقدم وأخر بحيث أخل بالمعنى ولزم منه ما أشرنا إليه من المحاذير وتبين منه أيضا وتحقق أن الاستثناء إنما نقله عن بعض من ذهب إلى التعليل بالنجاسة وعليها جاء التفصيل الذي ذكره الطحطاوي في قوله: (وسواء. . .) إلخ وهو نقله من كلام ابن حجر - يعني الهيتمي - ونص كلامه في ذلك:
(أشار الشارح إلى استشكال الصلاة عند قبر إسماعيل ﵇ بأنها تكره في المقبرة. وأجاب بأن محلها مقبرة منبوشة لنجاستها وكله غفلة عن قولهم: يستثنى مقابر الأنبياء فلا يكره الصلاة فيها مطلقا لأنهم أحياء في قبورهم وعلى التنزل فجوابه غير صحيح لتصريحهم بكراهة الصلاة في مقبرة غير الأنبياء وإن لم تنبش لأنه محاذ للنجاسة ومحاذاتها في الصلاة مكروهة سواء كانت فوقه أو خلفه أو تحت ما هو واقف عليه) ا. هـ ما في (المرقاة)
وأما ما احتج به الطحطاوي تبعا لشرح (المشكاة) من أفضلية الصلاة عند قبر إسماعيل ﵇ وقبر السبعين نبيا فقد أجاب عنه القاري نفسه في الشرح المذكور بقوله:
(وفيه أن صورة قبر إسماعيل وغيره مندرسة فلا يصلح للاستدلال به)
ونحن نقول: هب أنها غير مندرسة فذلك لا يدل على أن فضيلة الصلاة إنما هو من أجلها. ألا ترى أن مسجد النبي ﷺ الصلاة فيه بألف صلاة مما
стр. 371
سواه من المساجد إلا المسجد الحرام كما صح عنه ﷺ ؟ ومن المعلوم أنه قال ذلك قبل أن يدفن ﵇ في الحجرة الشريفة وقبل أن تضم هذه إلى المسجد النبوي فهل يلزم من وجود القبر الشريف الآن فيه أن يقال: إن فضيلة الصلاة فيه من أجل القبر الشريف؟ كلا لا يقول ذلك إلا الجهال من العوام فكذلك لا يلزم من فضيلة الصلاة عند قبر إسماعيل وغيره أن ذلك من أجل القبور وكيف يكون وقد نهى ﵇ عن اتخاذها مساجد ولعن من فعل ذلك؟ وهذا كله يقال على تسليم ثبوت تلك القبور في ذلك المكان وليس بثابت عند المحدثين قال الشيخ علي القاري في (الموضوعات):
(قال العلامة الشيخ محمد بن الجزري: لا يصح تعيين قبر نبي غير نبينا ﵊ نعم سيدنا إبراهيم ﵇ في تلك القرية لا بخصوص تلك البقعة. انتهى)
قلت: وقد حكى شيخ الإسلام في (الاقتضاء) نحوه من غير واحد من أهل العلم ثم ذكر:
(إن المسلمين قد أجمعوا ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله ﷺ من أن الصلاة عند القبر - أي قبر كان - لا فضل فيها لذلك ولا للصلاة في تلك البقعة مزية خير أصلا بل مزية شر) وقال قبل ذلك بصفحة:
(واعلم أن من الفقهاء من اعتقد أن سبب كراهة الصلاة في المقبرة ليس إلا لكونها مظنة النجاسة لما يختلط بالتراب من صديد الموتى وبنى على هذا
стр. 372
الاعتقاد الفرق بين المقبرة الجديدة والعتيقة وبين أن يكون بينه وبين التراب حائل أو لا يكون ونجاسة الأرض مانعة من الصلاة عليها سواء كانت مقبرة أو لم تكن لكن المقصود الأكبر بالنهي عن الصلاة عند القبور ليس هو هذا فإنه قد بين أن اليهود والنصارى كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا). ثم قال:
(وروي عنه أنه قال: (اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).) ثم ذكر حديث عائشة وغيره مما تقدم وحديث جندب الآتي: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) ثم قال:
(فهذا كله يبين لك أن السبب ليس هو مظنة النجاسة وإنما هو مظنة اتخاذها أوثانا كما قال الشافعي ﵁: وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس. وقد ذكر هذا المعنى أبو بكر الأثرم في (ناسخ الحديث ومنسوخه) وغيره من أصحاب أحمد وسائر العلماء فإن قبر النبي ﷺ أو الرجل الصالح لم يكن ينبش والقبر الواحد لا نجاسة عليه وقد نبه هو ﷺ على العلة بقول: (اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد) وبقوله: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد فلا تتخذوها مساجد) وأولئك إنما كانوا يتخذون قبورا لا نجاسة عندها ولأنه قد روى مسلم في (صحيحه) عن أبي مرثد الغنوي أن النبي ﷺ قال: (لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها). ولأنه ﷺ قال:
(كانوا إذا مات فيهم
стр. 373
الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة) فجمع بين التماثيل والقبور
وأيضا فإن اللات كان سبب عبادتها تعظيم قبر رجل صالح كان هناك)
وقال فيما بعد وقد ذكر العلة الأولى:
(وهذه العلة في صحتها نزاع لاختلاف العلماء في نجاسة تراب القبور وهي من مسائل الاستحالة وأكثر العلماء المسلمين يقولون: إن النجاسة تطهر بالاستحالة وهو مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر وأحد القولين في مذهب مالك وأحمد وقد ثبت في (الصحيح) أن مسجد النبي ﷺ كان حائطا لبني النجار وكان فيه قبور من قبور المشركين ونخل وخرب فأمر النبي ﷺ بالنخيل فقطعت وبالخرب فسويت وبالقبور فنبشت وجعل النخل في صف القبلة فلو كان تراب القبور نجسا لكان تراب قبور المشركين نجسا ولأمر النبي ﷺ بنقل ذلك التراب فإنه لا بد أن يختلط ذلك التراب بغيره)
ثم ذكر العلة الثانية ثم قال:
(وهذه العلة صحيحة باتفاقهم والمعللون بالأولى - كالشافعي وغيره - عللوا بهذه أيضا وكرهوا ذلك لما فيه من الفتنة وكلك الأئمة من أصحاب أحمد ومالك كأبي بكر الأثرم صاحب أحمد وغيره علل بهذه الثانية أيضا وإن كان منهم من قد يعلل بالأولى وقد قال تعالى: ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا﴾ [نوح / ٢٣ - ٢٤] ذكر ابن عباس وغيره من السلف أن هذه أسماء قوم صالحين كانوا في قوم نوح فلما
стр. 374
ماتوا عكفوا على قبورهم وصوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. وقد ذكر هذا البخاري في (صحيحه) وأهل التفسير كابن جرير وغيره)
(الثاني: المساجد المبنية على القبور لما في الصلاة فيها من التشبه باليهود والنصارى وقد قال ﷺ فيهم:
(إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة) وقال:
(ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك)
الحديث الأول هو من حديث عائشة ﵂ أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير فذكرنا للنبي ﷺ فقال. . . فذكره
أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد وابن شيبة في (المصنف)
والحديث الثاني هو من رواية جندب بن عبد البجلي قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله تعالى قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا. ألا وإن من كان قبلكم. . . الحديث
تفرد بإخراجه مسلم دون الستة وقد نسبه الشوكاني للنسائي أيضا وكأنه يعني (سننه الكبرى) وإلا فإني لم أجده
стр. 375
في (الصغرى) له ولم ينسبه في (الذخائر) إلا لمسلم
وفي الباب عن عائشة وابن عباس معا وعن أبي هريرة وعن ابن مسعود وقد مضت أحاديثهم قريبا وعن ابن عباس أيضا بلفظ:
(لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج)
أخرجه الأربعة إلا ابن ماجه والحاكم والبيهقي والطيالسي وأحمد وهو بهذا اللفظ ضعيف إلا الجملة الأولى منه فهي صحيحة لمجيئها من طريق أخرى عن أبي هريرة وحسان بن ثابت وقد فصلت القول في ذلك في (التعليقات الجياد) بما لا يوجد في كتاب والحمد لله
واعلم أن الحديث الأول يفيد تحريم بناء المساجد على القبور وذلك يستلزم تحريم الصلاة فيها من باب أولى لأنه - كما لا يخفى - من قبيل النهي عن الوسيلة - وهو البناء - لكي لا تتحقق الغاية - وهي العبادة في هذا البناء الذي أقيم على معصية الله تعالى - لما يترتب من وراء ذلك من المفاسد الاعتقادية كما هو الواقع
وأما الحديث الثاني فهو أعم من الأول لأنه بلفظه يشمل الوسيلة والغاية فاتخاذ المكان مسجدا معناه الصلاة فيه (١) ومعناه البناء عليه من
стр. 376
أجل الصلاة والسجود فيه فكل منهما مستلزم للآخر كما أفاده المناوي في (الفيض) ومن المعلوم بالبداهة أن اليهود والنصارى الملعونين إنما بنوا تلك المساجد للصلاة فيها فمن صلى في مسجد فيه قبر ولو لم يقصد القبر فقد شابه أولئك المغضوب عليهم والضالين وقد نهينا عن التشبه بهم في نصوص عامة وخاصة ولذلك قال العلامة ابن الملك - وهو من علمائنا الحنفية - في شرح حديث ابن عباس المذكور آنفا:
(إنما حرم اتخاذ المساجد عليها لأن في الصلاة فيها استنانا بسنة اليهود). نقله الشيخ علي القاري في (المرقاة)
يضاف إلى ما تقدم أن الصلاة في المساجد المبنية على القبور قد تفضي بصاحبها أو بمن يقتدي به من العوام والجهال إلى تخصيص الميت ببعض العبادات الخاصة بالله تعالى كالاستغاثة والسجود كما هو واقع في أكثر المساجد المبنية على القبور وهو مشاهد فنهى عن ذلك سدا للذريعة فهو كالنهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة المكروهة تحريما بل المفسدة في تلك المساجد أوضح وأظهر منها في هذه الأوقات كما يشهد به الواقع
وهذا كله فيمن لم يقصد الصلاة في تلك المساجد وأما قصدها لأجل صاحب القبر متبركا به معتقدا أن الصلاة عنده أفضل من الصلاة في المساجد المجردة عن القبور فهو عين المشاقة والمحادة لله ولرسوله وهذه الصلاة حقيق بها قول من قال ببطلانها كما يأتي عن بعض العلماء
стр. 377
وإن مما يتعجب منه المؤمن البصير في دينه تهاون أكثر الفقهاء بهذه المسألة الخطيرة حيث إنهم لم يتعرضوا لها بذكر صريح في كتبهم وفتاويهم فيما علمت. ولذلك كان من العسير إقناع المقلدين بها على وضوح الحجة فيها وأنى لهم أن يأخذوا بها وهم أو أكثرهم يقدمون قول الإمام - بل قول بعض أتباعه ولو من المتأخرين - على قول الله تعالى وقول رسوله ﷺ ولا حول ولا قوة إلا بالله
ولذلك سأعنى بصورة خاصة بنقل بعض أقوال العلماء المحققين حول هذه المسألة ليعلم الواقف على كتابنا هذا أننا لم نأت بشيء من عندنا بدعة في الدين ولم نسئ فهم أحاديث سيد المرسلين بل هو الحق من ربك فلا تكونن من الممترين
وقد اعتنى بهذه المسألة عناية خاصة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وجزاه عن المسلمين خيرا فقلما ترى كتابا له لا يتعرض فيه لهذه المسألة بإسهاب أو اختصار ولذلك فسأنقل عنه ما يناسب المقام من أقواله وفتاويه مع بعض اختصار وتلخيص
قال ﵀ في (القاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة):
(واتخاذ المكان مسجدا هو أن يتخذ للصلوات الخمس وغيرها كما تبنى المساجد لذلك والمكان المتخذ مسجدا إنما يقصد فيه عبادة الله ودعاؤه لا دعاء المخلوقين فحرم ﷺ أن تتخذ قبورهم مساجد بقصد الصلاة فيها كما تقصد
стр. 378
المساجد وإن كان القاصد لذلك إنما يقصد عبادة الله وحده لأن ذلك ذريعة إلى أن يقصد المسجد لأجل صاحب القبر ودعائه والدعاء به والدعاء عنده فنهى رسول الله ﷺ عن اتخاذ هذا المكان لعبادة الله وحده لئلا يتخذ ذلك ذريعة ينهى عنه كما نهى عن الصلاة في الأوقات الثلاثة لما في ذلك من المفسدة الراجحة وهو التشبه بالمشركين الذي يفضي إلى الشرك وليس في قصد الصلاة في تلك الأوقات ولهذا تنازع العلماء في ذوات الأسباب فسوغها كثير منهم في هذه الأوقات وهو أظهر قولي العلماء لأن النهي إذا كان لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة وفعل ذوات الأسباب يحتاج إليه في هذه الأوقات ويفوت إذا لم يفعل فيها فتفوت مصلحتها فأبيحت لما فيها من المصلحة الراجحة بخلاف ما لا سبب له فإنه يمكن فعله في غير هذه الأوقات فلا تفوت بالنهي عنه مصلحة راجحة وفيه مفسدة توجب النهي عنه فإذا كان نهيه عن الصلاة في هذه الأوقات لسد ذريعة الشرك لئلا يفضي ذلك إلى السجود للشمس ودعائها وسؤالها كما يفعله أهل دعوة الشمس والقمر والكواكب الذي يدعونها ويسألونها كان معلوما أن دعوة الشمس والسجود لها هو محرم في نفسه أعظم تحريما من الصلاة التي نهى عنها لئلا يفضي ذلك إلى دعاء الكواكب. كذلك لما نهى عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد فنهى عن قصدها للصلاة عندها لئلا يفضي ذلك إلى دعائهم والسجود لهم - كان دعاؤهم والسجود لهم
стр. 379
أعظم تحريما من اتخاذ قبورهم مساجد). وقال في (الاقتضاء):
(فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم يتعين إزالتها بهدم أو بغيره وهذا ما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين وتكره الصلاة فيها من غير خلاف أعلمه ولا تصح عندنا في ظاهر المذهب لأجل النهي واللعن الوارد في ذلك ولأحاديث أخرى وليس في هذه المسألة خلاف لكون المدفون فيها واحدا وإنما اختلف أصحابنا في المقبرة المجردة عن مسجد هل حددها ثلاثة أقبر أو ينهى عن الصلاة عن القبر الفذ وإن لم يكن عنده قبر آخر؟ على وجهين (قلت: ورجح شيخ الإسلام في كتاب آخر النهي ولو عند القبر الواحد وقد سبق ذلك ثم قال:) وقد كانت البينة التي على قبر إبراهيم ﵇ مسدودة لا يدخل إليها إلى حدود المائة الرابعة فقيل: إن بعض النسوة المتصلات بالخلفاء رأت في ذلك مناما فنقبت لذلك وقيل: إن النصارى لما استولوا على هذه النواحي نقبوا ذلك ثم ترك مسجدا بعد الفتوح المتأخرة وكان أهل الفضل من شيوخنا لا يصلون في مجموع تلك البنية وينهون أصحابهم عن الصلاة فيها اتباعا لأمر رسول الله ﷺ واتقاء لمعصيته كما تقدم). ثم قال فيه:
(فإن نهيه عن اتخاذ القبور مساجد يتضمن النهي عن بناء المساجد عليها وعن قصد الصلاة عندها وكلاهما منهي عنه باتفاق العلماء فإنهم قد نهو عن بناء المساجد على القبور بل صرحوا بتحريم ذلك كما دل عليه النص واتفقوا أيضا على أنه لا يشرع قصد الصلاة والدعاء عند القبور
ولم
стр. 380
يقل أحد من المسلمين: إن الصلاة عندها والدعاء عندها أفضل منه في المساجد الخالية عن القبور بل اتفق علماء المسلمين على أن الصلاة والدعاء في المساجد التي لم تبن على القبور أفضل من الصلاة والدعاء في المساجد التي بنيت على القبور بل الصلاة والدعاء في هذه منهي عنه مكروه باتفاقهم وقد صرح كثير منهم بتحريم ذلك بل وبإبطال الصلاة فيها وإن كان في هذا نزاع والمقصود هنا أن هذا ليس بواجب ولا مستحب باتفاقهم بل هو مكروه باتفاقهم). وقال في (الجواب الباهر في زوار المقابر):
(والصلاة في المساجد المبنية على القبور منهي عنها مطلقا بخلاف مسجده ﷺ فإن الصلاة فيه بألف صلاة فإنه أسس على التقوى وكانت حرمته في حياته ﷺ وحياة خلفائه الراشدين قبل دخول الحجرة فيه). ثم قال:
(ومن اعتقد أنه قبل القبر لم تكن فيه فضيلة وإنما حدثت له الفضيلة في خلافة الوليد لما أدخلت الحجرة فيه فهو جاهل مفرط في الجهل أو كافر مكذب لما جاء به ﵇ مستحق للقتل)
وقد أفتى ﵀ مرارا بكراهة الصلاة في المساجد المبنية على القبور فقد جاء في الفتاوى له ما نصه:
(مسألة: في المسجد إذا كان فيه قبر والناس يجتمعون فيه لصلاة الجماعة فهل تجوز الصلاة فيه أم لا؟ وهل يمهد القبر أم لا؟
стр. 381
الجواب: اتفق الأئمة على أنه لا يبنى مسجد على قبر لأن من قال: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك). وأنه لا يجوز دفن ميت في مسجد فإن كان المسجد قبل الدفن غير: إما بتسوية القبر وإما بنبشه إن كان جديدا فإن كان المسجد بني بعد القبر فإما أن يزال المسجد وإما أن يزال صورة القبر فالمسجد المبني على القبر لا يصلى فيه فرض ولا نفل فإنه منهي عنه. والله أعلم)
وله فتوى أخرى نحو هذه انظرها - إن شئت - في الجزء الثاني صفحة (١٩٢)(١)
وقال الشيخ محمد يحيى الكاندهلوي الهندي الحنفي في كتابه (الكوكب الدري على جامع الترمذي) ما نصه:
(وأما اتخاذ المساجد عليها فإنما فيه من الشبه باليهود في اتخاذهم مساجد على قبور أنبيائهم وكبرائهم ولما فيه من تعظيم الميت وشبه بعبدة الأصنام لو كان القبر في جانب القبلة. وكراهة كونه في جانب القبلة أكثر من كراهة
стр. 382
كونه يمينا أو يسارا وإن كان خلف المصلي فهو أخف كراهة من كل ذلك لكن لا يخلو عن كراهة)
وقد ذكر الحافظ في (الفتح) والعيني في (العمدة):
(أن القبر في المسجد إذا كان في جهة القبلة فإنه تزداد الكراهة)
وهذا هو الحق في المسألة حسب التفصيل الذي ذكره الهندي ومرجع ذلك إلى التشبه باليهود والنصارى في صلاتهم في المساجد المبنية على القبور والمشابهة حاصله في كل الصور التي قد ذكرها كما لا يخفى وهذا لمن لا يقصد الصلاة فيها وأما القاصد فاسمع ما نقله الفقيه ابن حجر الهيتمي في كتابه (الزواجر):
(قال بعض الحنابلة: قصد الرجل الصلاة عند القبر متبركا بها عين المحادة لله ورسوله وابتداع دين لم يأذن به الله للنهي عنها ثم إجماعا فإن أعظم المحرمات وأسباب الشرك: الصلاة عندها واتخاذها مساجد وبناؤهها عليها والقول بالكراهة محمول على غير ذلك إذ لا يظن بالعلماء تجويز فعل تواتر عن النبي ﷺ لعن فاعله ويجب المبادرة لهدمها وهدم القباب التي على القبور إذ هي أضر من مسجد الضرار لأنها أسست على معصية رسول الله ﷺ لأنه نهى عن ذلك وأمر ﷺ بهدم القبور المشرفة)
هذا وقد أفادت الأحاديث السابقة تحريم بناء المساجد على القبور أيضا وهي مسألة أخرى تكلمنا عليها في (التعليقات الجياد) وذكرنا فيه أقوال
стр. 383
العلماء في النهي عن ذلك ولعلنا نذكرها في (أحكام المساجد) من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى
(الثالث: معاطن الإبل ومباركها لقوله ﷺ :
(إذا حضرت الصلاة فلم تجدوا إلا مرابض الغنم وأعطان الإبل فصلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل) وعلل ذلك في حديث آخر بقوله:
(فإنها خلقت من الشياطين [ألا ترون عيونها وهبابها إذا نفرت)])
الحديث الأول هو من حديث أبي هريرة
أخرجه الدارمي واللفظ له وابن ماجه والطحاوي والبيهقي وأحمد وابن حزم من طرق عن هاشم بن حسان عن محمد بن سيرين عنه
وهذا سند صحيح على شرط الشيخين
وأخرجه الترمذي من طريق أبي بكر بن عياش عن هشام به مختصرا بلفظ:
(صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل)
وهو لفظ لأحمد
ثم أخرجه الترمذي من طريق أبي بكر بن عياش أيضا عن أبي حصين عن أبي صالح عن النبي ﷺ بمثله أو بنحوه. وقال:
стр. 384
(حديث غريب. ورواه إسرائيل عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة موقوفا ولم يرفعه)
قلت: وقد ورد من الطريق الأولى أيضا موقوفا
أخرجه الإمام أحمد من طريق أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أنه قال. . . فذكره مثل لفظ أبي بكر تماما إلا أنه قال:
(أو مبارك الإبل)
وسنده صحيح أيضا على شرطهما. لكن هشام بن حسان ثقة من أثبت الناس في ابن سيرين كما في (التقريب) وقد رواه عنه مرفوعا والرفع زيادة يجب قبولها كما تقرر في المصطلح ومثله يقال في الطريق الأخرى عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هر فقد رواه إسرائيل موقوفا وأبو بكر بن عياش مرفوعا وكلاهما ثقة لكن أبا بكر لما كبر ساء حفظه فذلك يمنعنا من ترجيح روايته على رواية إسرائيل وإن كان الحديث صحيحا مرفوعا من الطريق الأولى وإنما الكلام في الطريق الأخرى
وللحديث شواهد منها: عن عقبة بن عامر
أخرجه أحمد عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني - كذا في الأصل والصواب: السيباني بالسين المهملة - عن أبيه عنه مرفوعا مثل حديث أبي هريرة الموقوف
وهذا سند حسن رجاله كلهم ثقات غير أبي عمرو السيباني وقد وثقه
стр. 385
ابن حبان ويعقوب بن سفيان وفي (التقريب):
(مقبول)
ورواه الطبراني أيضا في (الكبير) كما في (المجمع)
ومنها: عن أسيد بن حضير
أخرجه أحمد أيضا عن حماد بن سلمة: أنبأنا الحجاج بن أرطأة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه عنه به إلا أنه قال: (مبارك)
والحجاج مدلس وقد عنعنه
ومن طريق رواه الطبراني في (الأوسط) كما في (المجمع) واقتصر هو والشوكاني في عزوه إليه وهو قصور
وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم أعرفه ولم يورد الحافظ في (التعجيل) مع أنه على شرطه
وقد رواه عباد بن العوام عن الحجاج قال: ثنا عبد الله بن عبد الله مولى بنى هاشم - وكان ثقة وكان الحكم يأخذ عنه - عن عبد الرحمن بن أبي ليلى به
ولعل هذا الصواب. وهو إسناد حسن صرح فيه الحجاج بالتحديث
أخرجه الطحاوي
ورواة عبيدة بن حميد الضبي عن عبد الله بن عبد الله عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ذي الغرة قال:
стр. 386
عرض أعرابي لرسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ يسير فقال: يا رسول الله تدركنا الصلاة ونحن في أعطان الإبل فنصلي فيها؟ فقال رسول الله ﷺ : (لا) فقال: أنتوضأ من لحومها؟ قال: (نعم) قال: أفنصلي في مرابض الغنم؟ فقال رسول الله ﷺ : (نعم) قال: أفنتوضأ من لحومها؟ قال: (لا)
أخرجه عبد الله بن أحمد في (زوائد المسند) قال: ثنا عمرو بن محمد بن بكر الناقد: ثنا عبيد بن حميد عن عبيد الضبي عن عبد الله بن عبد الله - يعني قاضي الري - به
كذا وقع في الأصل: عن عبيدة الضبي. والظاهر أن قوله: عن عبيدة. زيادة من قلم بعض النساخ ووقع في موضع آخر من (المسند) هكذا على الصواب لكن فيه تحريفات أخرى فقال عبد الله بن أحمد: ثنا أبي: ثنا عمرو بن محمد الناقد قال: ثنا عبيدة بن حميد الضبي عن عبيد الله - كذا - ابن عبد الله به
فقوله: ثنا أبي زيادة أيضا لا معنى لها فإن الناقد يروي عنه عبد الله بن أحمد مباشرة كما في الرواية الأولى وما أعلم أن أحمد يروي عنه. والله أعلم
وبالجملة فإسناد هذا الحديث صحيح رجاله رجال البخاري غير عبد الله ابن عبد الله وهو الرازي مولى بني هاشم وهو ثقة. والظاهر أن له إسنادين عن شيخه ابن أبي ليلى
وله عنه إسناد ثالث فقال الإمام أحمد: ثنا عبد الرزاق: أنا
стр. 387
سفيان عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب أن النبي ﷺ سئل: أنصلي في أعطان الإبل؟ قال: (لا) قال: أنصلي في مرابض الغنم؟ قال: (نعم) قال: أفنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: (نعم) قال: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: (لا). قال عبد الله بن أحمد:
(عبد الله بن عبد الله رازي وكان قاضي الري وكانت جدته مولاة لعلي أو جارية) قال عبد الله:
(قال أبي: ورواه عنه آدم وسعيد بن مسروق وكان ثقة)
قلت: وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين فالإسناد صحيح أيضا
وأخرجه الطحاوي عن عبد الله بن إدريس عن الأعمش به. وقد ورد عنه بزيادة فيه ويأتي قريبا
ومنها: عن سبرة بن معد نحو حديث أبي هريرة بلفظ: (مراح) بدل: (أعطان)
أخرجه ابن ماجه والدارقطني والبيهقي وأحمد من طريق عبد الله بن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني: أخبرني أبي عن أبيه مرفوعا
وهذا سند حسن وهو على شرط مسلم إلا أن عبد الملك هذا فيه كلام وقد وثقه العجلي
ومنها: عن عبد الله بن مغفل المزني وهو:
стр. 388
الحديث الثاني: أخرجه ابن ماجه والطحاوي والبيهقي وأحمد وكذا الطيالسي والروياني في (مسنده) من طرق عن الحسن البصري عنه (١) وقال في (الزوائد):
(إسناده صحيح)
وهو كما قال إلا أن الحسن البصري مدلس. لكن في (المسند) ما يشعر بأنه سمعه من عبد الله بن مغفل فقد ساق بهذا الإسناد ثلاثة أحاديث هذا آخرها واولها حديث: (لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها. . .) الحديث
ثم رواه في مكان آخر عن الحسن أن رسول الله ﷺ قال. . . فذكره. وفيه:
فقال له رجل: يا أبا سعيد ممن سمعت هذا؟ قال: فقال: حدثنيه - وحلف - عبد الله بن مغفل عن النبي ﷺ منذ كذا وكذا ولقد حدثنا في ذلك المجلس
فهذا يفيد بأنه سمع منه أحاديث أخرى في ذلك المجلس فالظاهر أن هذا منها. والله أعلم
والحديث روى منه النسائي النهي عن الصلاة في أعطان الإبل
стр. 389
وأما الزيادة التي بين المربعين فهي رواية لأحمد من طريق ابن إسحاق: ثني عبيد الله بن طلحة بن عبيد الله بن كريز الخزاعي عن الحسن به بلفظ:
(لا تصلوا في عطن الإبل فإنها من الجن خلقت ألا ترون. . .) إلخ. وزاد:
(وصلوا في مراح الغنم فإنها هي أقرب من الرحمة). وفي (المجمع):
(رواه أحمد والطبراني في (الكبير) ورجال أحمد ثقات وقد صرح ابن إسحاق بقوله: ثني)
قلت: فالإسناد حسن وعبيد الله بن طلحة وإن لم يوثقه غير ابن حبان فقد روى عنه ثقتان: أحدهما صفوان بن سليم والآخر حماد بن زيد. وفي (التقريب) أنه:
(مقبول). وأما قول الشوكاني:
(إسناده صحيح)
فغير صحيح
وقد رواه البيهقي من طريق الشافعي: أنبأ إبراهيم بن محمد عن عبد الله ابن طلحة به نحوه
وللحديث شاهد من حديث البراء بن عازب قال:
سئل رسول الله ﷺ عن الصلاة في مبارك الإبل؟ فقال:
стр. 390
(لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين)
وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال:
(صلوا فيها فإنها بركة)
أخرجه أبو داود والبيهقي وأحمد من طريق أبي معاوية: ثنا الأعمش عن عبد الله عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه
وهذا سند صحيح رجاله رجال الشيخين غير عبد الله بن عبد الله وهو ثقة. وقد رواه غير هؤلاء مختصرا كما سبق قريبا
(المعاطن): جمع معطن بفتح الميم وكسر الطاء و (الأعطان) جمع عطن بفتح العين والطاء المهملتين قال الأزهري:
(العطن هو الموضع الذي تنحى إليه الإبل إذا شربت الشربة الأولى فتبرك فيه ثم يملأ لها الحوض ثانيا فتعود من عطنها إلى الحوض لتعل وتشرب الشربة الثانية وهو العلل) قال:
(ولا تعطن الإبل عن الماء إلا في حمارة القيظ - بتخفيف الميم وتشديد الراء -) قال:
(وموضعها الذي تترك فيه على الماء يسمى عطنا ومعطنا). نقله النووي في (المجموع)
ف (المعطن) موضع خاص لبروك الجمل وعليه ف (المبرك) أعم قال ابن حزم: