عرض أعرابي لرسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ يسير فقال: يا رسول الله تدركنا الصلاة ونحن في أعطان الإبل فنصلي فيها؟ فقال رسول الله ﷺ : (لا) فقال: أنتوضأ من لحومها؟ قال: (نعم) قال: أفنصلي في مرابض الغنم؟ فقال رسول الله ﷺ : (نعم) قال: أفنتوضأ من لحومها؟ قال: (لا)
أخرجه عبد الله بن أحمد في (زوائد المسند) قال: ثنا عمرو بن محمد بن بكر الناقد: ثنا عبيد بن حميد عن عبيد الضبي عن عبد الله بن عبد الله - يعني قاضي الري - به
كذا وقع في الأصل: عن عبيدة الضبي. والظاهر أن قوله: عن عبيدة. زيادة من قلم بعض النساخ ووقع في موضع آخر من (المسند) هكذا على الصواب لكن فيه تحريفات أخرى فقال عبد الله بن أحمد: ثنا أبي: ثنا عمرو بن محمد الناقد قال: ثنا عبيدة بن حميد الضبي عن عبيد الله - كذا - ابن عبد الله به
فقوله: ثنا أبي زيادة أيضا لا معنى لها فإن الناقد يروي عنه عبد الله بن أحمد مباشرة كما في الرواية الأولى وما أعلم أن أحمد يروي عنه. والله أعلم
وبالجملة فإسناد هذا الحديث صحيح رجاله رجال البخاري غير عبد الله ابن عبد الله وهو الرازي مولى بني هاشم وهو ثقة. والظاهر أن له إسنادين عن شيخه ابن أبي ليلى
وله عنه إسناد ثالث فقال الإمام أحمد: ثنا عبد الرزاق: أنا
стр. 387
سفيان عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب أن النبي ﷺ سئل: أنصلي في أعطان الإبل؟ قال: (لا) قال: أنصلي في مرابض الغنم؟ قال: (نعم) قال: أفنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: (نعم) قال: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: (لا). قال عبد الله بن أحمد:
(عبد الله بن عبد الله رازي وكان قاضي الري وكانت جدته مولاة لعلي أو جارية) قال عبد الله:
(قال أبي: ورواه عنه آدم وسعيد بن مسروق وكان ثقة)
قلت: وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين فالإسناد صحيح أيضا
وأخرجه الطحاوي عن عبد الله بن إدريس عن الأعمش به. وقد ورد عنه بزيادة فيه ويأتي قريبا
ومنها: عن سبرة بن معد نحو حديث أبي هريرة بلفظ: (مراح) بدل: (أعطان)
أخرجه ابن ماجه والدارقطني والبيهقي وأحمد من طريق عبد الله بن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني: أخبرني أبي عن أبيه مرفوعا
وهذا سند حسن وهو على شرط مسلم إلا أن عبد الملك هذا فيه كلام وقد وثقه العجلي
ومنها: عن عبد الله بن مغفل المزني وهو:
стр. 388
الحديث الثاني: أخرجه ابن ماجه والطحاوي والبيهقي وأحمد وكذا الطيالسي والروياني في (مسنده) من طرق عن الحسن البصري عنه (١) وقال في (الزوائد):
(إسناده صحيح)
وهو كما قال إلا أن الحسن البصري مدلس. لكن في (المسند) ما يشعر بأنه سمعه من عبد الله بن مغفل فقد ساق بهذا الإسناد ثلاثة أحاديث هذا آخرها واولها حديث: (لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها. . .) الحديث
ثم رواه في مكان آخر عن الحسن أن رسول الله ﷺ قال. . . فذكره. وفيه:
فقال له رجل: يا أبا سعيد ممن سمعت هذا؟ قال: فقال: حدثنيه - وحلف - عبد الله بن مغفل عن النبي ﷺ منذ كذا وكذا ولقد حدثنا في ذلك المجلس
فهذا يفيد بأنه سمع منه أحاديث أخرى في ذلك المجلس فالظاهر أن هذا منها. والله أعلم
والحديث روى منه النسائي النهي عن الصلاة في أعطان الإبل
стр. 389
وأما الزيادة التي بين المربعين فهي رواية لأحمد من طريق ابن إسحاق: ثني عبيد الله بن طلحة بن عبيد الله بن كريز الخزاعي عن الحسن به بلفظ:
(لا تصلوا في عطن الإبل فإنها من الجن خلقت ألا ترون. . .) إلخ. وزاد:
(وصلوا في مراح الغنم فإنها هي أقرب من الرحمة). وفي (المجمع):
(رواه أحمد والطبراني في (الكبير) ورجال أحمد ثقات وقد صرح ابن إسحاق بقوله: ثني)
قلت: فالإسناد حسن وعبيد الله بن طلحة وإن لم يوثقه غير ابن حبان فقد روى عنه ثقتان: أحدهما صفوان بن سليم والآخر حماد بن زيد. وفي (التقريب) أنه:
(مقبول). وأما قول الشوكاني:
(إسناده صحيح)
فغير صحيح
وقد رواه البيهقي من طريق الشافعي: أنبأ إبراهيم بن محمد عن عبد الله ابن طلحة به نحوه
وللحديث شاهد من حديث البراء بن عازب قال:
سئل رسول الله ﷺ عن الصلاة في مبارك الإبل؟ فقال:
стр. 390
(لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين)
وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال:
(صلوا فيها فإنها بركة)
أخرجه أبو داود والبيهقي وأحمد من طريق أبي معاوية: ثنا الأعمش عن عبد الله عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه
وهذا سند صحيح رجاله رجال الشيخين غير عبد الله بن عبد الله وهو ثقة. وقد رواه غير هؤلاء مختصرا كما سبق قريبا
(المعاطن): جمع معطن بفتح الميم وكسر الطاء و (الأعطان) جمع عطن بفتح العين والطاء المهملتين قال الأزهري:
(العطن هو الموضع الذي تنحى إليه الإبل إذا شربت الشربة الأولى فتبرك فيه ثم يملأ لها الحوض ثانيا فتعود من عطنها إلى الحوض لتعل وتشرب الشربة الثانية وهو العلل) قال:
(ولا تعطن الإبل عن الماء إلا في حمارة القيظ - بتخفيف الميم وتشديد الراء -) قال:
(وموضعها الذي تترك فيه على الماء يسمى عطنا ومعطنا). نقله النووي في (المجموع)
ف (المعطن) موضع خاص لبروك الجمل وعليه ف (المبرك) أعم قال ابن حزم:
стр. 391
(وكل عطن فهو مبرك وليس كل مبرك عطنا لأن العطن هو الموضع الذي تناخ فيه عند ورودها الماء فقط والمبرك أعم لأنه الموضع المتخذ لبروكها على كل حال)
والحديثان وما في معناها يدلان على تحريم الصلاة في مبارك الإبل وهو مذهب ابن حزم وروى عن أحمد أنه قال:
(من صلى في عطن إبل أعاد أبدا)
وسئل مالك عمن لم يجد إلا عطن إبل قال:
(لا يصلي فيه) قيل: فإن بسط عليه ثوبا؟ قال:
(لا أيضا)
وقال الترمذي بعد أن ساق حديث أبي هريرة:
(وعليه العمل عند أصحابنا وبه يقول أحمد وإسحاق)
قال الشوكاني:
(وذهب الجمهور إلى حمل النهي على الكراهة مع عدم النجاسة وعلى التحريم مع وجودها وهذا إنما يتم على القول بأن علة النهي هي النجاسة وذلك متوقف على نجاسة أبوال الإبل وأزبالها وقد عرفت ما قدمنا فيه ولو سملنا أن النجاسة فيه لم يصح جعلها علة لأن العلة لو كانت النجاسة لما افترق الحال بين أعطانها وبين مرابض الغنم إذ لا قائل بالفرق بين أرواث كل من الجنسين وأبوالها كما قال العراقي. وأيضا قد قيل: إن حكمه النهي ما
стр. 392
فيها من النفور فربما نفرت وهو في الصلاة فتؤدي إلى قطعها أو أذى يحصل له منها أو تشوش الخاطر الملهي عن الخشوع في الصلاة وبهذا علل النهي أصحاب الشافعي وأصحاب مالك وعلى هذا فيقرق بين كون الإبل في معاطنها وبين غيبتها عنها إذ يؤمن نفورها حينئذ. ويرشد إلى صحة هذا حديث ابن مغفل عند أحمد بإسناد صحيح بلفظ: (لا تصلوا في أعطان الإبل فإنها خلقت من الجن ألا ترون إلى عيونها وهيئتها إذا نفرت)
قلت: ويعكر هذا أن النبي ﷺ كان يصلي إلى البعير كما سيأتي في محله إن شاء الله تعالى فهذا يدل على أن النهي ليس هو لاحتمال النفور لأن هذا محتمل أيضا في هذه الصورة الجائزة اتفاقا ولذلك فإني أرى أن النهي إنما هو بخصوص المكان المعطن والمبرك - سواء كانت فيه إبل أو لا - وقت الصلاة. وكلام ابن حزم يدل على هذا قال ﵀:
(لا تجوز الصلاة البتة في الموضع المتخذ لبروك جمل واحد فصاعدا ولا في المتخذ عطنا لبعير واحد فصاعدا والصلاة إلى البعير جائزة وعليه فإن انقطع أن تأوي الإبل إلى ذلك المكان حتى يسقط عنه اسم عطن جازت الصلاة فيه)
فالحديث لا يفيد التفريق الذي مال إليه الشوكاني. والله تعالى أعلم
ثم ذكر الشوكاني أقوالا أخرى في بيان العلة وكلها واهية لا برهان عليها ثم قال:
стр. 393
(إذا عرفت هذا الاختلاف في العلة تبين لك أن الحق الوقوف على مقتضى النهي وهو التحريم كما ذهب إليه أحمد والظاهرية. وأما الأمر بالصلاة في مرابض الغنم فأمر إباحة ليس للوجوب اتفاقا)
وسيأتي بيان هذا في محله إن شاء الله تعالى
(الرابع: الحمام للحديث السابق)
وهو قوله ﵊: (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام). وحكم الصلاة في الحمام كهو في المقبرة - أعني: التحريم - لظاهر الحديث وهو مذهب أحمد وابن حزم بل ذهبا إلى بطلان الصلاة فيه وقال في (النيل):
(وقال أبو ثور: لا يصلى في حمام على ظاهر الحديث. وإلى ذلك ذهبت الظاهرية وروي عن ابن عباس أنه قال: لا يصلين إلى حش ولا في حمام ولا في مقبرة. قال ابن حزم: ما نعلم لابن عباس في هذا مخالفا في الصحابة وروينا مثل ذلك عن نافع بن جبير بن مطعم وإبراهيم النخعي وخيثمة والعلاء بن زياد عن أبيه. قال ابن حزم: ولا تحل الصلاة في حمام سواء في ذلك مبدأ بابه على جميع حدوده ولا على سطحه وسقف مستوقده وأعالي حيطانه خربا كان أو قائما فإن سقط من بنائه شيء يسقط عنه اسم حمام جازت الصلاة في أرضه حينئذ. انتهى. وذهب الجمهور إلى صحة الصلاة في الحمام مع الطهارة وتكون مكروهة وتمسكوا بعمومات نحو حديث: (أينما أدركت الصلاة فصل) وحملوا النهي على حمام متنجس
стр. 394
والحق ما قاله الأولون لأن أحاديث المقبرة والحمام مخصصة لذلك العموم)
وقد اختلفوا في حكمة النهي عن الصلاة في الحمام فقيل: لأنه تكثر فيه النجاسات وقيل: لأنه مأوى الشياطين قال النووي:
(وهو الأصح). والله أعلم
(الخامس: كل موضع يأوي إليه الشيطان كأماكن الفسق والفجور وكالكنائس والبيع ونحو ذلك لقوله ﷺ حين نزلوا في سفرهم وناموا عن صلاة الصبح:
(ليأخذ كل رجل برأس رحلته فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان) فلم يصل فيه)
الحديث من رواية أبي هريرة ﵁ قال: عرسنا مع نبي الله ﷺ فلم نستيقظ حتى طلعت الشمس فقال النبي ﷺ . . . فذكره. قال: ففعلنا ثم دعا بالماء فتوضأ ثم سجد سجدتين ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة
أخرجه مسلم والبيهقي
وقد روى هذه القصة مفصلا أبو قتادة وغيره من الصحابة لكن ليس فيها موضع الشاهد منه وقد تقدمت في (المواقيت)
قال النووي في (المجموع):
(الصلاة في مأوى الشيطان مكروهة بالاتفاق وذلك مثل مواضع الخمر والحانة ومواضع المكوس ونحوها من المعاصي الفاحشة والكنائس والبيع
стр. 395
والحشوش ونحو ذلك فإن صلى في شيء من ذلك ولم يماس نجاسة بدنه ولا ثوبه صحت صلاته مع الكراهة) ثم قال:
(واعلم أن بطون الأودية لا تكره فيها الصلاة كما لا تكره في غيرها وأما قول الغزالي: تكره الصلاة في بطن الوادي. فباطل أنكروه عليه وإنما كره الشافعي ﵀ الصلاة في الوداي الذي نام فيه رسول الله ﷺ عن الصلاة لا في كل واد وقد قال بعض العلماء: لا تكره الصلاة في ذلك الوادي أيضاح لأنا لا نتحقق بقاء ذلك الشيطان والله أعلم. ويستحب أن لا يصلي في موضع حضره فيه الشيطان لهذا الحديث)
قلت: الحديث بظاهره يفيد ما هو أعلى من الاستحباب - أعني الوجوب - لأمره ﵊ إياهم بالخروج فإذا كان هناك من يقول به فهو قولنا والله أعلم. وقال:
(وتكره الصلاة في الكنيسة والبيعة حكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب وابن عباس ومالك ﵁
وقد روى البخاري تعليقا عن عمر أنه قال:
إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها والصور. وكان ابن عباس يصلي في البيعة إلا بيعة فيها تماثيل. وهذا أوصله البغوي في (الجعديات) وزاد فيه: فإن كان فيها تماثيل خرج فصلى في المطر
وأما قول عمر فوصله عبد الرزاق من طريق أسلم مولى عمر قال: لما قدم الشام صنع له رجل من النصارى طعاما - وكان من عظمائهم - وقال: أحب أن
стр. 396
تجيئني وتكرمني فقاله له عمر: إنا لا ندخل كنائسكم من أجل الصور التي فيها - يعني التماثيل -. اه من (الفتح)
ثم حكى النووي عن بعض العلماء الترخيص في الصلاة في الكنيسة والبيعة ولعل ذلك فيما إذا كانت خالية عن الصور والتماثيل كما يفيده أثر ابن عباس وإلا فهو على إطلاقه بعيد عن الصواب لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صوره كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ ولأن النبي ﷺ لم يدخل الكعبة حتى محا ما فيها من الصور ثم هي بمنزلة المسجد المبني على القبر كما قال شيخ الإسلام في (الفتاوى) للحديث السابق: (إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك فقد صلى الصحابة في الكنيسة والله أعلم وقال في (الاختيارات):
(والمذهب الذي عليه عامة الأصحاب كراهة دخول الكنيسة المصورة فالصلاة فيها وفي كل مكان فيه تصاوير أشد كراهة وهذا هو الصواب الذي لا ريب فيه ولا شك)
(السادس: الأرض المغصوبة لأن اللبث فيها يحرم في غير الصلاة فلأن يحرم في الصلاة أولى وقد قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا. . .﴾ [النور / ٢٧ - ٢٨])
стр. 397
فنهى الله سبحانه المؤمنين عن مجرد الدخول بدون إذن وحرم ذلك عليهم فتحريم غصب الدار أو الأرض واللبث فيها أولى وتحريم الصلاة فيها أولى وأولى ولذلك كانت الصلاة في الأرض المغصوبة حراما بالإجماع كما نقله النووي. وإنما اختلفوا في صحة الصلاة فيها فالجمهور على أنها صحيحة وقال أحمد وابن حزم في (المحلى) و (الأحكام في أصول الأحكام)
(إنها باطلة)
والأقرب إلى الصواب ما ذهب إليه الجمهور لأن المنع لا يختص بالصلاة فلا يمنع صحتها. والله تعالى أعلم
(السابع: مسجد الضرار الذي بقرب قباء وكل مسجد بني ضرارا وتفريقا بين المسلمين لقوله تعالى: ﴿والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل﴾ إلى قوله: ﴿لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه﴾ [التوبة / ١٠٧ - ١٠٨])
قال علماء التفسير ما ملخصه:
(إن بني عمرو بن عوف اتخذوا مسجد قباء وطلبوا من النبي ﷺ أن يأتيهم. فصلى فيه ﵊ فحسدهم إخوانهم بنو غنم بن عوف وقالوا: نبني مسجدا ونبعث إلى النبي ﷺ يأتينا فيصلي لنا كما صلى
стр. 398
في مسجد إخواننا ويصلي فيه أبو عامر إذا قدم من الشام (١). فأتوه ﷺ وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله قد بنينا مسجدا لذي الحاجة والعلة والليلة المطيرة ونحب أن تصلي لنا فيه وتدعو بالبركة - وغنما أرادوا بذلك الاحتجاج بصلاته فيه على تقريره وإثباته فعصمه الله من الصلاة فيه - فقال النبي ﷺ : (إني على سفر وحال شغل فلو قدمنا لأتيناكم وصلينا لكم إن شاء الله) فلما انصرف من تبوك أتوه وقد فرغوا منه وصلوا فيه الجمعة والسبت والأحد فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم فنزل عليه القرآن بخبر مسجد الضرار فدعا النبي ﷺ جماعة من الصحابة فقال: (انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه) فخرجوا مسرعين فأحرقوا المسجد وهدموه)
وفي الآية دلالة على أنه لا تجوز الصلاة في مسجد الضرار وما في معناه من المساجد وقد ذهب إلى هذا المالكية وغيرهم ونص ابن حزم في (المحلى) بقوله تعالى في الآية: ﴿لا تقم فيه أبدا﴾ قال:
(فصح أنه ليس موضع صلاة)
стр. 399
قلت: والآية وإن كانت خاصة في مسجد الضرار فليس هو مقصودا بذاته كما لا يخفى بل المقصود الأوصاف التي وصف بها من الضرار والتفريق فكل مسجد وجدت فيه هذه الأوصاف أو بعضها كان له حكم مسجد الضرار ولذلك قال القرطبي في (تفسيره):
(قال علماؤنا: وكل مسجد بني ضرارا أو رياء وسمعة فهو في حكم مسجد الضرار لا تجوز الصلاة فيه). وقال أيضا:
(قال علماؤنا: لا يجوز أن يبنى مسجد إلى جنب مسجد ويجب هدمه والمنع من بنائه لئلا ينصرف أهل المسجد الأول فيبقى شاغرا إلا أن تكون المحلة كبيرة فلا يكفي أهلها مسجد واحد فيبنى حينئذ. وكذلك قالوا: لا ينبغي أن يبنى في المصر الواحد جامعان وثلاثة ويجب منع الثاني ومن صلى فيه الجمعة لم تجزه وقد أحرق النبي ﷺ مسجد الضرار وهدمه. وأسند الطبري عن شقيق أنه جاء ليصلي في مسجدبني غاضرة فوجد الصلاة قد فاتته فقيل له: إن مسجد بني فلان لم يصل فيه بعد فقال: لا أحب أن أصلي فيه لأنه بني على ضرار)
(الثامن: مواضع الخسف والعذاب فإنه لا يجوز دخولها مطلقا إلا مع البكاء والخوف من الله تعالى لقوله ﵊ [لما مر بالحجر]: (لا تدخلوا البيوت على هؤلاء القوم الذي عذبوا [أصحاب الحجر] إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم فإني أخاف أن يصيبكم
стр. 400
مثل ما أصابهم) [ثم قنع رسول الله ﷺ رأسه [بردائه وهو على الرحل] وأسرع السير حتى أجاز الوادي])
الحديث هو من رواية عبد الله بن عمرو ﵁ وله عنه ثلاثة طرق:
الأول: عن عبد الله بن دينار واللفظ المرفوع من كلامه ﵇ هو له
أخرجه البخاري ومسلم وأحمد - والسياق له - في رواية والبيهقي من طرق عنه. وبعض أسانيده عند أحمد ثلاثي
وفي رواية للبخاري من طريق سليمان - وهو ابن بلال - عن عبد الله بن دينار بلفظ:
إن رسول الله ﷺ لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من بئرها ولا يستقوا منها فقالوا: قد عجنا منها واستقينا. فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين وهرقوا ذلك الماء
الثاني: عن نافع بلفظ:
نزل رسول الله ﷺ بالناس عام تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود فاستسقى الناس من الآبار التي كان يشرب منها ثمود فعجنوا منها ونصبوا القدور باللحم فأمرهم رسول الله ﷺ فأهرقوا وعلفوا العجين الإبل ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كان تشرب منها الناقة ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا قال: (إني أخشى أن
стр. 401
يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم)
أخرجه أحمد: ثنا عبد الصمد: ثنا صخر - يعني ابن جويرية - عنه
وهذا سند صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه من طريق عبيد الله عن نافع به نحوه دون قولهم: ونهاهم. . . إلخ. وقال البخاري:
(تابعه أسامة عن نافع)
الثالث: عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر به نحو حديث ابن دينار
أخرجه البخاري ومسلم والبيهقي وأحمد من طريق الزهري عنه. وفيه الزيادة الأولى عند الجميع والأخرى عند البخاري والبيهقي إلا قوله: (بردائه وهو على الرحل) في رواية لأحمد وكذا البخاري في رواية
ففي الحديث النهي عن الدخول في أماكن المعذبين والمقام بها إلا باكيا قال البيهقي:
(فدخل في ذلك المقام للصلاة وغيرها)
وقد جاء في ذلك حديث صريح إلا أنه متكلم فيه أخرجه أبو داود وعنه البيهقي من طريقين ابن لهيعة ويحيى بن أزهر عن عمار بن سعد المرادي عن أبي صالح الغفاري:
أن عليا ﵁ مر ببابل وهو يسير فجاءه المؤذن يؤذن بصلاة العصر
стр. 402
فلما برز فيها أمر المؤذن فأقام الصلاة فلما فرغ قال:
إن حبيبي ﷺ نهاني أن أصلي في المقبرة ونهاني أن أصلي في ارض بابل فإنها ملعونة
ثم أخرجه عنهما أيضا عن الحجاج بن شداد عن أبي صالح الغفاري به بمعناه. قال الخطابي:
(في إسناد هذا الحديث مقال) وقال الحافظ في (الفتح):
(في إسناده ضعف)
قلت: ولعل علته الانقطاع بين أبي صالح - واسمه سعيد بن عبد الرحمن - وبين علي ﵁. فقد قال ابن يونس:
(روايته عن علي مرسلة)
ورجاله موثقون
وقد ورد موقوفا على علي فقال البخاري:
(ويذكر أن عليا ﵁ كره الصلاة بخسف بابل). وقال الحافظ:
(وهذا الأثر رواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن أبي الملح - وهو بضم الميم وكسر المهملة وتشديد اللام - قال: كنا مع علي فمررنا على الخسف الذي ببابل فلم يصل حتى أجازه أي: تعداه ومن طريق أخرى عن علي قال: ما كنت لأصلي في أرض خسف الله بها). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في (الاقتضاء) بعد أن ساق حديث علي المرفوع من طريق أبي داود:
стр. 403
(وقد روى الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله بإسناد أوضح من هذا عن علي ﵁ نحو من هذا: أنه كره الصلاة بأرض بابل وأرض الخسف أو نحو ذلك. وكره الإمام أحمد الصلاة في هذه الأمكنة اتباعا لعلي ﵁ وقوله: نهاني أن أصلي في أرض بابل فإنها ملعونة. يقضي أن لا يصلي في أرض ملعونة والحديث المشهور في الحجر يوافق هذا فإنه إذا كان قد نهى عن الدخول إلى أرض العذاب دخل في ذلك الصلاة وغيرها ويوافق ذلك قوله سبحانه عن مسجد الضرار: ﴿لا تقم فيه أبدا﴾ فإنه كان من أمكنة العذاب قال سبحانه: ﴿أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم﴾ [التوبة / ١٠٩] وقد روي أنه لما هدم خرج منه دخان)
والرواية التي عزاها لأحمد لعلها في مسائل عبد الله عنه أو غيرها فإني لم أجدها في (المسند) ثم قال شيخ الإسلام في (الاختيارات):
(ومقتضى كلام الآمدي وأبي الوفاء بن عقيل أنه لا تصح الصلاة في أرض الخسف وهو قوي ونص أحمد: لا يصلي فيها)
وأقول: إننا لم نجد دليلا على بطلان الصلاة وحديث النهي عن دخول أرض العذاب ليس خاصا بالصلاة حتى يقال بأنها باطلة فيها. وكذلك حديث علي لو صح لا يدل على البطلان ولذلك قال البيهقي بعد أن ساقه:
(وهذا النهي عن الصلاة فيها - إن ثبت مرفوعا - ليس لمعنى يرجع إلى
стр. 404
الصلاة فلو صلى فيها لم يعد وإنما هو - والله أعلم - كما ثنا. . .) ثم ساق حديث ابن عمر من طريق ابن دينار وفيه الإشارة إلى علة النهي وهو قوله ﵊:
(فإني أخاف أن يصيبكم مثل ما أصابهم)
نعم ظاهر النهي يفيد تحريم الصلاة فيها لكن قال الخطابي في (المعالم):
(ولا أعلم أحدا من العلماء حرم الصلاة في أرض بابل)
(التاسع: المكان المرتفع يقف فيه الإمام وهو أعلى من مكان المأمومين فلا يجوز له أن يصلي فيه فقد (نهى رسول الله ﷺ أن يقوم الإمام فوق شيء والناس خلفه - يعني: أسفل منه -)
الحديث من رواية أبي مسعود البدري قال: (نهى. . . .) إلخ
أخرجه الدارقطني من طريق زياد بن عبد الله بن الطفل عن الأعمش عن إبرايم عن همام عنه. وقال:
(لم يروه غير زياد الكباء ولم يروه غير همام فيما نعلم)
قلت: ومن هذا الوجه أخرجه الحاكم أيضا أتم منه عن همام قال: صلى حذيفة بالناس بالمدائن فتقدم فوق دكان فأخذ أبو مسعود بمجامع ثيابه فمده فرجع فلما قضى الصلاة قال له أبو مسعود: ألم تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 405
صلى الله عليه وسلم نهى أن يقوم الإمام فوق ويبقى الناس خلفه؟ قال: فلم ترني أجبتك حين مددتني؟
وإسناده حسن ورجاله ثقات
وفي زيادة بن عبد الله كلام من جهة حفظه وهو صالح كما قال ابن أبي حاتم عن أبيه وقد ذكر له هذا الحديث. وقد قال في (التقريب):
(صدوق ثبت في المغازي وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لين)
قلت: لكنه لم يتفرد به فقد أخرجه أبو داود والحاكم أيضا من طريق يعلى بن عبيد: ثنا الأعمش به نحو رواية الحاكم الأولى إلا أنه قال:
ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟
وهذا له حكم المرفوع كما تقرر في المصطلح فهو بمعنى رواية زياد في الصريحة في الرفع ثم قال الحاكم:
(صحيح على شرط الشيخين) ووافقه الذهبي
وهو كما قالا وصححه ابن خزيمة أيضا وابن حبان كما في (التلخيص) وكذلك صححه النووي في (المجموع) وعزاه للشافعي والبيهقي أيضا
ثم أخرجه أبو داود من طريق أخرى بنحوه بلفظ:
(إذا أم الرجل القوم فلا يقم في مكان أرفع من مقامهم)
стр. 406
وفيه أن الإمام كان عمار بن ياسر والذي جبذه حذيفة. قال الحافظ:
(لكن فيه مجهول والأول أقوى)
والحديث دليل على تحريم وقوف الإمام في المكان المرتفع وقد اختلف العلماء في ذلك فقال النووي ﵀ في (المجموع):
(قال أصحابنا: يكره أن يكون موضع الإمام أو المأموم أعلى من موضع الآخر فإن احتيج إليه لتعليمهم أفعال الصلاة أو ليبلغ المأموم القوم تكبيرات الإمام ونحو ذلك استحب الارتفاع لتحصيل هذا المقصود. هذا مذهبنا وهو رواية عن أبي حنيفة وعنه رواية أنه يكره الارتفاع مطلقا وبه قال مالك والأوزاعي وحكى الشيخ أبو حامد عن الأوزاعي أنه قال: تبطل الصلاة)
قلت: ولعل مستنده في ذلك أن النهي الوارد خاص بالصلاة وذلك يفيد البطلان والله أعلم. وكان اللائق أن يكون هذا القول مذهبا لابن حزم ولكنه - على العكس من ذلك - ذهب إلى جوازه محتجا بحديث سهل بن سعد الآتي ولا دليل فيه كما يأتي بيان ذلك وضعف حديث ابن مسعود المذكور حيث قال:
(وهو خبر ساقط انفرد به زياد بن عبد الله البكائي وهو ضعيف). كذا قال وليس هو بهذه المنزلة في الضعف بحيث يقطع بضعفه ثم هو لم يتفرد به كما سبق بيانه
هذا وقد روى الطبري في (الكبير) عن عبد الله بن مسعود أنه كره أن
стр. 407
يؤمهم على المكان المرتفع. قال في (المجمع):
(ورجاله رجال الصحيح)
وقد ذهب بعضهم إلى أن المنهي عنه إنما هو إذا كان ارتفاع المكان قدر قامة وزيادة بشرط أن يكون في المسجد وعكس ذلك جائز عندهم ولا دليل على هذا التفصيل في السنة إنما هو مجرد رأي بل كل مكان يصح أن يقال فيه لغة وعرفا: إنه أرفع من مكان المؤتمين فهو منهي عنه
ولذلك قال الشوكاني بعد أن حكى أقوال العلماء في الفرق المشار إليه:
(والحاصل من الأدلة منع ارتفاع الإمام على المؤتمين من غير فرق بين المسجد وغيره وبين القامة ودونها وفوقها لقول ابن مسعود: إنهم كانوا ينهون عن ذلك وقول ابن مسعود: (نهى رسول الله ﷺ . . .) الحديث) ثم قال:
(وأما ارتفاع المؤتم فإن كان مفرطا بحيث يكون فوق ثلاثمائة ذراع على وجه لا يمكن المؤتم العلم بأفعال الإمام فهو ممنوع للإجماع من غير فرق بين المسجد وغيره وإن كان دون ذلك المقدار فالأصل الجواز حتى يقوم دليل المنع ويعضد هذا الأصل فعل أبي هريرة المذكور ولم ينكر عليه)
قلت: أثر أبي هريرة المشار إليه علقه البخاري في (صحيحه) ووصله ابن أبي شيبة من طريق صالح مولى التوأمة قال: صليت مع أبي هريرة فوق المسجد بصلاة الإمام. قال الحافظ:
стр. 408
(وصالح فيه ضعف لكنه رواه سعيد بن منصور من وجه آخر عن أبي هريرة فاعتضد)
وأخرجه أيضا الشافعي والبيهقي كما في (النيل)
وأقول أيضا: المؤتم إذا كان يصلي في مكان مرتفع فإما أن يكون ذلك لضرورة كضيق المكان أو غير ذلك وإما أن يكون لغير ضرورة فإن كان الأول فلا كلام فالضرورات تبيح المحظورات وإن كان الآخر وترتب منه قطع الصفوف والانفراد عن الصف - كما يفعله كثير من الناس المؤذنين وغيرهم والذين يصلون على السدة وأمامهم فراغ يتسع لصفوف كثير - فهو ممنوع غير جائز كما سيأتي بيانه في تسوية الصفوف
إن شاء الله
فإطلاق الشوكاني الجواز مع العلم بأنه غالبا يقترن مع الأمر المذكور ما أشرنا إليه من المحذور لا يخفى ما فيه ما فيه فتأمل
(غير أنه يستثنى من ذلك ما إذا ما إذا كان الوقوف في هذا المكان لتظهر أفعال الإمام وحركاته في الصلاة للمؤتمين ليتعلموا ذلك منه فإنه جائز بل مستحب لأن النبي ﷺ صلى مرة على المنبر (فكبر وكبر الناس وراءه وعلا على المنبر [ثم ركع وهو عليه] ثم رفع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر ثم عاد حتى فرغ من صلاته ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس إني إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي)
هو من حديث سهل بن سعد قال:
стр. 409
(صحيح) أرسل رسول الله ﷺ إلى امرأة: انظري غلامك النجار يعمل لي أعوادا أكلم الناس عليها فعمل هذه الثلاثة درجات ثم أمر بها رسول الله ﷺ فوضعت هذا الموضع فهي من طرفاء الغابة ولقد رأيت رسول الله ﷺ قام عليه فكبر. . . الحديث
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارمي وأحمد عنه والسياق لمسلم والزيادة التي بين القوسين للبخاري وغيره
والحديث واضح الدلالة لما ذكرنا لقوله ﵊: (لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي). وقد استدل لذلك الشافعية وغيرهم
وأما الاستدلال به على جواز ارتفاع مكان مطلقا كما استدل به الدارمي فقال بعد أن ساق الحديث:
(في ذلك رخصة للإمام أن يكون أرفع من أصحابه)
وكما صنع ابن حزم حيث قال:
(لا بيان أبين من هذا في جواز صلاة الإمام في مكان أرفع من مكان المأمومين)
وحكى البخاري عن شيخه علي بن عبد الله المديني عن أحمد بن حنبل أنه قال:
стр. 410
(فلا بأس أن يكون الإمام أعلى من الناس بهذا الحديث)
فهذا استدلال غريب من هؤلاء الأئمة لا يكاد عجبي ينتهي منه فكيف يستدلون به على الجواز مطلقا مع أنه مقيد بالتعليم بنص منه ﵊؟ وهل هذا إلا كمن يستدل به على جواز الصعود على المنبر والنزول منه في أثناء الصلاة مطلقا بدون قصد التعليم؟ وهل يقول بهذا عاقل؟ فسبحان من خص الأنبياء وحدهم بالعصمة. ولذلك قال الحافظ في (الفتح):
(وفيه جواز اختلاف موقف الإمام والمأموم في العلو والسفل وقد صرح بذلك المصنف في حكاية عن شيخه علي بن المديني عن أحمد بن حنبل ولابن دقيق العيد في ذلك بحث فإنه قال: من أراد أن يستدل به على جواز الارتفاع من غير قصد التعليم لم يستقم لأن اللفظ لا يتناوله ولانفراد الأصل بوصف معتبر تقتضي المناسبة اعتباره فلا بد منه)
فرحم الله ابن دقيق العيد فلقد كان دقيق النظر في الاستدلال منصفا في البحث لا تأخذه في الله لومة لائم
(العاشر: المكان بين السواري يصف فيه المؤتمون. قال عبد الحميد بن محمود:
(حسن صحيح) صلينا خلف أمير من الأمراء فأضطرنا الناس فصلينا بين الساريتين [فجعل أنس بن مالك يتأخر] فلما صلينا قال أنس: كنا نتقي هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم)
الحديث أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي والحاكم وأحمد عن سفيان الثوري عن
стр. 411
يحيى بن هاني بن عروة المرادي عن عبد الحميد به. والسياق للترمذي وقال:
(حديث حسن صحيح)
وما بين القوسين للنسائي وللحاكم المعنى وقال:
(صحيح). ووافقه الذهبي
وهو كما قالا. وصححه الحافظ أيضا في (الفتح)
وله شاهد من حديث هارون بن مسلم عن قتادة بن معاوية بن قرة عن أبيه قال: (صحيح الإسناد) (كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله ﷺ ونطرد عنها طردا)
أخرجه ابن ماجه والحاكم والطيالسي وقال الحاكم:
(صحيح الإسناد) ووافقه الذهبي
وهو عندي حسن فإن رجاله كلهم ثقات غير هارون بن مسلم فقال أبو حاتم:
(مجهول)
وذكره ابن حبان في (الثقات) وفي (التقريب) أنه:
(مستور). وقال الذهبي في الميزان بعد أن ذكر قول أبي حاتم إنه مجهول:
стр. 412
(قلت: روى عنه أبو داود والطيالسي وسلم بن قتيبة وعمر بن سنان)
قلت: فأشار بهذا إلى أنه معروف برواية هؤلاء الثقات عنه غير أن عمر ابن سنان لم أجد له ترجمة. وقد قال الشوكاني بعد أن تكلم عليه وعلى حديث أنس الذي قبله:
(ويشهد له ما أخرجه الحاكم وصححه من حديث أنس بلفظ:
(كنا ننهى عن الصلاة بين السواري ونطرد عنها وقال: لا تصلوا بين الأساطين وأتموا الصفوف).)
قلت: وهو بهذا اللفظ غريب ولم أجده في (المستدرك) وقد أورده فيه من حديثه في موضعين كما سبقت الإشارة إلى ذلك بغير هذا اللفظ ثم إن كلام الشوكاني يفيد أنه حديث آخر غير حديث أنس الذي تكلم عليه سابقا. والله أعلم
ثم قال الشوكاني:
(والحديثان المذكوران في الباب يدلان على كراهة الصلاة بين السواري وظاهر حديث معاوية بن قرة عن أبيه وحديث أنس الذي ذكره الحاكم أن ذلك محرم والعلة في الكراهة ما قاله أبو بكر ابن العربي من أن ذلك إما لانقطاع الصف أو لأنه موضع جمع النعال. قال ابن سيد الناس: والأول أشبه لأن الثاني محدث. قال القرطبي: روي أن سبب كراهة ذلك أنه مصلى الجن المؤمنين. وقد ذهب إلى كراهة الصلاة بين السواري بعض أهل
стр. 413
العلم. قال الترمذي: وكره قوم من أهل العلم أن يصف بين السواري وبه قال أحمد وإسحاق وقد رخص قوم من أهل العلم في ذلك. انتهى
وبالكراهة قال النخعي وروى سعيد بن منصور في (سننه) النهي عن ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وحذيفة. قال ابن سيد الناس: ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة. ورخص فيه أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن المنذر قياسا على الإمام والمنفرد. قال ابن العربي: ولا خلاف في جوازه عند الضيق وأما عنده السعة فهو مكروه للجماعة فأما الواحد فلا بأس به وقد صلى ﷺ في الكعبة بين سواريها. انتهى. وفيه أن حديث أنس المذكور في الباب إنما وردفي حال الضيق لقوله: فاضطرنا الناس. ويمكن أن يقال: إن الضرورة المشار إليها في الحديث لم تبلغ قدر الضرورة التي يرتفع الحرج معها. وحديث قرة ليس فيه إلا ذكر النهي عن الصف بين السواري ولم يقل: كنا ننهى عن الصلاة بين السواري ففيه دليل على التفرقة بين الجماعة والمنفرد ولكن حديث أنس الذي ذكره الحاكم فيه النهي عن مطلق الصلاة فيحمل المطلق على المقيد ويدل على ذلك صلاته ﷺ بين الساريتين فيكون النهي على هذا مختصا بصلاة المؤتمين بين السواري دون صلاة الإمام والمنفرد وهذا احسن ما يقال. وما تقدم من قياس المؤتمين على الإمام والمنفرد فاسد الاعتبار لمصادمته لأحاديث الباب) ا. هـ كلام الشوكاني ببعض اختصار
وهو حق كله لا غبار عليه غير أن قوله: (إن حديث أنس عند الحاكم
стр. 414
فيه النهي عن مطلق الصلاة) ليس بظاهر عندي أنه مطلق بل هو مقيد بصلاة الجماعة كحديث معاوية بن قرة بدليل قوله: (لا تصلوا بين الأساطين وأتموا الصفوف) فهذا عندي كالتفسير للنهي المذكور قبله والله أعلم. فإذا صح هذا وصح حديث أنس بهذه الزيادة فيكون فيها الإشارة إلى علة النهي وهي قطع الصفوف ولذلك أمر بإتمامها في الحديث نفسه والله أعلم
وقد صرح الإمام أحمد بهذا فقال أبو داود في (مسائله):
(سمعت أحمد سئل عن الصلاة بين الأساطين؟ قال: إنما كره لأنه يقطع الصف فإذا تباعد بينهما فأرجو)
ولذلك أقول: إنه ينبغي لمن أراد أن يبني مسجدا أو جامعا أن يأمر المهندس بأن يضع له خارطة تكون فيه السواري قليلة ما أمكن تقليلا للمفسدة التي تترتب على وجودها في المساجد من قطع الصفوف وتضييق المكان على المصلين وإنه لمن الممكن اليوم بناء المسجد بدون أية سارية بواسطة الشمنتو والحديد (الباطون) إذا لم يكن المسجد واسعا جدا وقد بنيت في دمشق عدة مساجد على هذه المثال كمسجد (لالا باشا) في شارع بغداد وجامع المرابط في المهاجرين وغيرهما فالصفوف فيهما متصلة كلها حاشا الصفوف الأمامية فإنها مقطوعة مع الأسف بسبب هذه البدعة التي عمت جميع المساجد تقريبا وأعني بذلك المنبر العالي الطويل ذا الدرجات الكثيرة فهو على كونه بدعة مخالفة لهديه ﵊ في منبره ذي الثلاث درجات وعلى ما فيه من الزخرفة والنقوش والإسراف وتضييع
стр. 415
المال (١) - فهو بمنزلة السارية في قطع الصفوف بل إنه أضر منها لأنه يقطع صفوفا كثيرة على نسبة طوله فيجب على العلماء أن يبينوا ذلك وأن يدعوا في دروسهم ومواعظهم إلى إزالة هذه المنابر والرجوع بها إلى ما كان عليه منبره ﵊. وعلى من كان بيدهم الأمر تنفيذ ذلك تخليصا للمصلين من مفاسده
وإن من مفاسده التي لا توجد في السواري أنه يؤدي في بعض الأحيان إلى فساد الصلاة وبطلانها كما شاهدناه مرارا فكثيرا ما يتفق أن الإمام يسهو
стр. 416
عن التشهد الأول ويكبر قائما إلى الركعة الثالثة ويتابعه من وراءه وأما الذين وراء المنبر من الجهة اليمنى فلا علم عندهم بما طرأ على الإمام من السهو فيظنون أنه كبر على الصواب فيجلسون للتشهد بينا الإمام قائم فإذا ما كبر لركوع كبر هؤلاء للقيام فلا ينتبهون لما هم فيه من المخالفة وعدم المتابعة إلا حين يرفع الإمام رأسه من الركوع قائلا (سمع الله لمن حمده) وهنا تبدأ الرواية المضحكة المبكية فإنك ترى رجلا منهم يقطع الصلاة ويجدد البناء وآخر يحاول بزعمه إدراك الإمام ومتابعته فيقوم من التشهد ثم يقف لحظة ثم يركع ثم يرفع ثم يدرك الإمام في السجود أو فيما بعد ذلك
وقد يقع ما هو أغرب من ذلك فإنه قد يتفق أحيانا أن يفتح بعضهم على الإمام إذا هم بالقيام قبل التشهد إلى الثالثة ساهيا بقوله: (سبحان الله) فيسمع من وراء المنبر فيعلمون أن الإمام سها ولكنهم يجهلون ما صار إليه الإمام: أرجع إلى التشهد فيظلوا هم قاعدين أم كان قد استتم قائما لا يجوز له حينئذ الرجوع إلى التشهد فيبقى قائما فيقومون معه ولذلك تراهم في حيص بيص فبعضهم قاعد وبعضهم قائم وآخر قعد ثم قام ورابع على عكسه قام ثم قعد ظنا منه أن الإمام كذلك فعل كل هذه المهازل نتجت من مخالفة هديه ﵊ في منبره فعسى أن يتنبه لهذا ولاة أمور المساجد فيقوموا بما يلزم عليهم من الإصلاح فيها: و ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ [ق / ٣٧]
ولذلك ذهب بعض العلماء من السلف إلى أن الصف الأول المقطوع بالمنبر
стр. 417
ليس هو الصف بل هو الصف المتصل بين يدي المنبر قال الغزالي في (الإحياء):
(ولا يغفل في طلب الصف الأول عن ثلاثة أمور (فذكر الأول والثاني منها ثم قال:) وثالثها: أن المنبر يقطع بعض الصفوف وإنما الصف الأول الواحد المتصل الذي في فناء المنبر وما على طرفيه مقطوع وكان الثوري يقول: الصف الأول هو الخارج بين يدي المنبر. وهو متجه لأنه متصل ولأن الجالس فيه يقابل الخطيب ويسمع منه ولا يبعد أن يقال: الأقرب إلى القبلة هو الصف الأول ولا يراعى هذا المعنى)
وبهذا جزم النووي في (المجموع) حيث قال:
(واعلم أن المراد بالصف الأول الذي يلي الإمام سواء تخلله منبر ومقصورة وأعمدة وغيرها أم لا)
وأيا ما كان فالصلاة وراء المنبر لا تخلو عن كراهة لتعرض الصلاة فيه للفساد والبطلان فإما أن يصلي في الصف الذي في الجهة الأخرى من المنبر حيث لا تخفى عليه حركات الإمام وإما أن يصلي في الصف الآخر وكذلك نفعل نحن إن شاء الله فلا نصلي بين السواري بل نتأخر عنها أو نتقدم كما فعل أنس بن مالك ولا فرق عندنا بين ذلك وبين الصلاة وراء المنبر لأن العلة واحدة ولأن في هذه الصلاة من التعرض لفسادها ما ليس في الصلاة بين السواري كما سبق. والله تعالى أعم
стр. 418
(٧ - وما سوى هذه المواضع العشر فالصلاة فيها جائزة بدون أدنى كراهة وقد جاء النص على بعضها فوجب بيانها وهي:
أولا: المكان الذي أصابته نجاسة ثم ذهب أثرها بالجفاف فقد (كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في عهد رسول الله ﷺ فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك) مع العلم بأنهم كانوا يقومون فيه للصلاة وغيرها)
الحديث من رواية ابن عمر ﵁
أخرجه البخاري وأبو داود والسياق له والبيهقي من طريق يونس عن ابن شهاب: ثنى حمزة بن عبد الله بن عمر قال: قال ابن عمر: كنت أبيت في المسجد في عهد رسول الله ﷺ وكنت فتى شابا عزبا وكانت الكلاب. . . الحديث
وهو عند البخاري معلق حيث قال: وقال أحمد بن شبيب: ثنا أبي عن يونس به. وليس في بعض النسخ لفظة: تبول
لكن عند البيهقي موصولا عن أحمد بن شبيب هذا
وقد تابعه عن الزهري صالح بن أبي الخضر لكنه خالفه في الإسناد فقال: عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه به
أخرجه أحمد
وصالح بن أبي الأخضر ضعيف من قبل حفظه لا سيما إذا خالف الثقة كما هنا
стр. 419
والحديث استدل به أبو داود على ما ذكرنا حيث قال:
(باب في طهور الأرض إذا يبست). ثم ذكر الحديث
قال ابن القيم ﵀ في (الإغاثة):
(وقد نص أحمد على حبل الغسال أنه ينشر عليه الثوب النجس ثم تجففه الشمس فينشر عليه الثوب الطاهر فقال: لا بأس به. وهذا كقول أبي حنيفة: إن الأرض النجسة يطهرها الريح والشمس. وهو وجه لأصحاب أحمد حتى إنه يجوز التيمم بها وحديث ابن عمر ﵁ كالنص في ذلك)
قلت: فذكره ثم قال:
(وهذا لا يتوجه إلا على القول بطهارة الأرض بالريح والشمس)
وقال الشيخ علي القاري في (الموضوعات) بعد أن ذكر الحديث:
(فلولا اعتبار أنها تطهر بالجفاف كان ذلك بقية لها بوصف النجاسة مع العلم بأنهم يقومون عليها في الصلاة ألبتة لصغر المسجد وكثرة المصلين فيكون هذا بمنزلة الإجماع في مقام تحقيق النزاع)
وقد سبق زيادة بسط للمسألة في تطهير النجاسات
(ثانيا: مرابض الغنم فقد (سئل ﵊ عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقالوا: صلوا فيها فإنها بركة)
الحديث صحيح الإسناد وهو من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه
стр. 420
وقد تقدم بتمامه مع الكلام عليه تخريجا وتصحيحا في النهي عن الصلاة في مرابض الإبل
(وفي حديث آخر: (وصلوا في مراح الغنم فإنها هي أقرب إلى الرحمة)
وهذا من حديث عبد الله بن مغفل. أخرجه أحمد بسند حسن كما تقدم هناك
(وقال ﵊: (صلوا في مراح الغنم وامسحوا رغامها فإنها من دواب الجنة)
وهذا من حديث أبي هريرة ﵁ وله عنه ثلاثة طرق:
الأول: عن يعقوب بن كاسب: ثنا ابن أبي حازم عن كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عنه مرفوعا به
أخرجه البيهقي
وهذا سند حسن رجاله كلهم ثقات غير أن يعقوب بن كاسب - وهو ابن حميد - وكثير بن زيد فيهما بعض الكلام من قبل حفظهما ولكن ذلك لا ينزل حديثهما عن رتبة الحسن لا سيما إذا لم يتفردا به. وقد قال في (التقريب):
(كثير بن زيد صدوق يخطئ ويعقوب بن حميد بن كاسب وقد نسب لجده صدوق ربما وهم)
стр. 421
الطريق الثاني: رواه مسلم بن إبراهيم عن سعيد بن محمد الزهري (وفي النسخة: الجوهري) عن ابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ
ذكره البيهقي هكذا معلقا وهؤلاء كلهم ثقات رجال الستة غير سعيد ابن محمد أو الزهري أو الجوهري فلم أجد له ترجمة
الثالث: عن إبراهيم بن عيينة قال: سمعت أبا حيان يذكر عن أبي زرعة أن ابن عمرو بن جرير عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ:
(إن الغنم من دواب الجنة فامسحوا رغامها وصلوا في مرابضها)
أخرجه البيهقي
وهذا إسناد حسن أيضا رجاله ثقات غير إبراهيم بن عيينة وهو صدوق يهم كما في (التقريب) غير أن راوي هذا الحديث عنه سختويه بن مازيار لم أجد من ترجمه
والحديث أورده في (المجمع) بلفظ:
(سئل رسول الله ﷺ عن الصلاة في مرابض الغنم؟ قال: امسح رغامها وصل في مراحها فإنها من دواب الجنة)
رواه البزار. وفيه عبد الله بن جعفر بن نجيح وهو ضعيف وقال أحمد بن عدي:
(يكتب حديثه ولا يحتج به)
стр. 422
قلت: لكنه يتقوى بما قبله من الطرق فالحديث بها صحيح ولا يضره أنه جاء موقوفا كما قال البيهقي:
(ورواه حميد بن مالك عن أبي هريرة موقوفا عليه وقيل: مرفوعا والموقوف أصح)
فإن الرفع زيادة يجب قبولها لا سيما أن الموقوف في معنى المرفوع ههنا لأنه لا يقال بمجرد الرأي لأنه لا يجوز لأحد أن يقول: دابة كذا من دواب الجنة. إلا بنص من المعصوم كما هو ظاهر لا يخفى
هذا وفي الصلاة في مرابض الغنم أحاديث أخرى سبق ذكرها فيما تقدمت الإشارة إليه
قال ابن القيم في (إغاثة اللهفان):
(ومن ذلك أن سنة رسول الله ﷺ الصلاة حيث كان وفي أي مكان اتفق سوى ما نهى عنه) قال:
(وكان يصلي في مرابض الغنم وأمر بذلك ولم يشترط حائلا. قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على إباحة الصلاة في مرابض الغنم إلا الشافعي فإنه قال: أكره ذلك إلا إذا كان سليما من أبعارها)
ثم ذكر ابن القيم حديث أبي هريرة وابن مغفل وأشار إلى بعض ما أشرنا إليه ثم قال:
(فأين هذا الهدي من فعل من لا يصلي إلا على سجادة تفرش فوق البساط
стр. 423
فوق الحصير ويضع عليها المنديل ولا يمشي على الحصير ولا على البساط بلى يمشي عليها نقرا كالعصفور؟ فما أحق هؤلاء بقول ابن مسعود: لأنتم أهدى من أصحاب محمد أو أنتم على شعبة من ضلالة) ا. هـ باختصار
واعلم أن الأمر بالصلاة في مرابض الغنم في هذه الأحاديث إنما هو للإباحة لا للوجوب. قال العراقي:
(اتفاقا وإنما نبه ﷺ على ذلك لئلا يظن أن حكمها حكم الإبل أو أنه أخرج على جواب السائل حين سأله عن الأمرين فأجاب في الإبل بالمنع وفي الغنم بالإذن وأما الترغيب المذكور في الأحاديث بلفظ: (فإنها بركة) فهو إنما ذكر لقصد تبعيدها عن حكم الإبل كما وصف أصحاب الإبل بالغلظ والقسوة ووصف أصحاب الغنم بالسكينة) ذكره الشوكاني
وإنما قلنا بجواز الصلاة في غير المواضع التي سبق ذكرها لعدم ورود النهي عنها أو لعدم صحته كالصلاة في قارعة الطريق وفوق ظهر الكعبة وفي بطن الوادي ونحوها ولعموم قوله ﵊: (فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل حيث أدركتها) فهذا عام يجب التمسك به في كل مكان إلا ما خص منه مما سبق ذكره. وبالله تعالى التوفيق
(ثالثا: جوف الكعبة تطوعا فإن النبي ﷺ حين دخل مكة يوم الفتح (صلى في [جوف] الكعبة [ركعتين] بين الساريتين [وبينه وبين القبلة ثلاثة أذرع])
стр. 424
ثم إن الحديث وإن كان ورد في النافلة فالظاهر أن الفريضة مثلها في هذا الجواز لاستواء أحكام الفرائض والنوافل وجوبا وتحريما وإباحة إلا ما استثناه الشارع ولا استثناء هنا)
الحديث هو من رواية ابن عمر ﵁
أخرجه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود والنسائي والترمذي والدارمي وابن ماجه والطحاوي والبيهقي والطيالسي وأحمد من طرق كثيرة مطولا ومختصرا عن نافع عنه قال:
قدم رسول الله ﷺ يوم الفتح فنزل بفناء الكعبة وأرسل إلى عثمان بن طلحة فجاء بالمفتاح ففتح الباب قال: ثم دخل النبي ﷺ وبلال وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة وأمر بالباب فأغلق فلبثوا فيه مليا ثم فتح الباب فقال عبد الله: فبادرت الناس فتلقيت رسول الله ﷺ خارجا وبلال على إثره فقلت لبلال: هل صلى فيه رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم قلت: أين؟ قال: بين العمودين تلقاء وجهه. قال: ونسيت أن أسأله كم صلى
والسياق لمسلم. وهو عند الترمذي مختصرا جدا عنده إلا الصلاة وفيه الزيادة الأولى. وهي عند مسلم أيضا من طريق أخرى عن ابن شهاب: أخبرني سالم بن عبد الله عن أبيه نحوه
стр. 425
وهذه الطريق عند البخاري والنسائي أيضا والطحاوي والبيهقي - وعزاه للبخاري - وأحمد وكذا الدارمي
والزيادة الأخيرة عند أبي داود والنسائي والطحاوي وأحمد والبيهقي من الطريق الأولى بسند صحيح على شرط الشيخين وللبخاري معناه
وأما الزيادة الوسطى فهي من طريق أخرى عن ابن عمر. أخرجه البخاري والنسائي والبيهقي وأحمد من طرق عن سفيان بن سليمان قال: سمعت مجاهدا قال: أتي ابن عمر - وهو في منزله - فقيل له: إن النبي ﷺ قد دخل الكعبة قال: فأقبلت فأجد رسول الله ﷺ قد خرج وأجد بلالا قائما بين البابين فقلت: يا بلال هل صلى رسول الله ﷺ في الكعبة؟ قال: نعم ركع ركعتين بين هاتين الساريتين وأشار له بين الساريتين اللتين على يسارك إذا دخلت قال: ثم خرج فصلى في وجه الكعبة ركعتين
والسياق لأحمد
وقد تابعه على هذه الزيادة: (ركعتين) ليث وهون ابن أبي سليم وخصيف كلاهما عن مجاهد
أخرجهما أحمد
ولم ينفرد بها مجاهد عن ابن عمر بل تابعه عبد الله بن أبي مليكة عند النسائي وأحمد وإسناده صحيح. وعمرو بن دينار أيضا مختصرا