← Фикх общий

Фикх общий · id 306

الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب

ناصر الدين الألباني

Полный текст (852 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الطريق الثاني: رواه مسلم بن إبراهيم عن سعيد بن محمد الزهري (وفي النسخة: الجوهري) عن ابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ذكره البيهقي هكذا معلقا وهؤلاء كلهم ثقات رجال الستة غير سعيد ابن محمد أو الزهري أو الجوهري فلم أجد له ترجمة الثالث: عن إبراهيم بن عيينة قال: سمعت أبا حيان يذكر عن أبي زرعة أن ابن عمرو بن جرير عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ: (إن الغنم من دواب الجنة فامسحوا رغامها وصلوا في مرابضها) أخرجه البيهقي وهذا إسناد حسن أيضا رجاله ثقات غير إبراهيم بن عيينة وهو صدوق يهم كما في (التقريب) غير أن راوي هذا الحديث عنه سختويه بن مازيار لم أجد من ترجمه والحديث أورده في (المجمع) بلفظ: (سئل رسول الله ﷺ عن الصلاة في مرابض الغنم؟ قال: امسح رغامها وصل في مراحها فإنها من دواب الجنة) رواه البزار. وفيه عبد الله بن جعفر بن نجيح وهو ضعيف وقال أحمد بن عدي: (يكتب حديثه ولا يحتج به)

стр. 422

قلت: لكنه يتقوى بما قبله من الطرق فالحديث بها صحيح ولا يضره أنه جاء موقوفا كما قال البيهقي: (ورواه حميد بن مالك عن أبي هريرة موقوفا عليه وقيل: مرفوعا والموقوف أصح) فإن الرفع زيادة يجب قبولها لا سيما أن الموقوف في معنى المرفوع ههنا لأنه لا يقال بمجرد الرأي لأنه لا يجوز لأحد أن يقول: دابة كذا من دواب الجنة. إلا بنص من المعصوم كما هو ظاهر لا يخفى هذا وفي الصلاة في مرابض الغنم أحاديث أخرى سبق ذكرها فيما تقدمت الإشارة إليه قال ابن القيم في (إغاثة اللهفان): (ومن ذلك أن سنة رسول الله ﷺ الصلاة حيث كان وفي أي مكان اتفق سوى ما نهى عنه) قال: (وكان يصلي في مرابض الغنم وأمر بذلك ولم يشترط حائلا. قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على إباحة الصلاة في مرابض الغنم إلا الشافعي فإنه قال: أكره ذلك إلا إذا كان سليما من أبعارها) ثم ذكر ابن القيم حديث أبي هريرة وابن مغفل وأشار إلى بعض ما أشرنا إليه ثم قال: (فأين هذا الهدي من فعل من لا يصلي إلا على سجادة تفرش فوق البساط

стр. 423

فوق الحصير ويضع عليها المنديل ولا يمشي على الحصير ولا على البساط بلى يمشي عليها نقرا كالعصفور؟ فما أحق هؤلاء بقول ابن مسعود: لأنتم أهدى من أصحاب محمد أو أنتم على شعبة من ضلالة) ا. هـ باختصار واعلم أن الأمر بالصلاة في مرابض الغنم في هذه الأحاديث إنما هو للإباحة لا للوجوب. قال العراقي: (اتفاقا وإنما نبه ﷺ على ذلك لئلا يظن أن حكمها حكم الإبل أو أنه أخرج على جواب السائل حين سأله عن الأمرين فأجاب في الإبل بالمنع وفي الغنم بالإذن وأما الترغيب المذكور في الأحاديث بلفظ: (فإنها بركة) فهو إنما ذكر لقصد تبعيدها عن حكم الإبل كما وصف أصحاب الإبل بالغلظ والقسوة ووصف أصحاب الغنم بالسكينة) ذكره الشوكاني وإنما قلنا بجواز الصلاة في غير المواضع التي سبق ذكرها لعدم ورود النهي عنها أو لعدم صحته كالصلاة في قارعة الطريق وفوق ظهر الكعبة وفي بطن الوادي ونحوها ولعموم قوله ﵊: (فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل حيث أدركتها) فهذا عام يجب التمسك به في كل مكان إلا ما خص منه مما سبق ذكره. وبالله تعالى التوفيق (ثالثا: جوف الكعبة تطوعا فإن النبي ﷺ حين دخل مكة يوم الفتح (صلى في [جوف] الكعبة [ركعتين] بين الساريتين [وبينه وبين القبلة ثلاثة أذرع])

стр. 424

ثم إن الحديث وإن كان ورد في النافلة فالظاهر أن الفريضة مثلها في هذا الجواز لاستواء أحكام الفرائض والنوافل وجوبا وتحريما وإباحة إلا ما استثناه الشارع ولا استثناء هنا) الحديث هو من رواية ابن عمر ﵁ أخرجه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود والنسائي والترمذي والدارمي وابن ماجه والطحاوي والبيهقي والطيالسي وأحمد من طرق كثيرة مطولا ومختصرا عن نافع عنه قال: قدم رسول الله ﷺ يوم الفتح فنزل بفناء الكعبة وأرسل إلى عثمان بن طلحة فجاء بالمفتاح ففتح الباب قال: ثم دخل النبي ﷺ وبلال وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة وأمر بالباب فأغلق فلبثوا فيه مليا ثم فتح الباب فقال عبد الله: فبادرت الناس فتلقيت رسول الله ﷺ خارجا وبلال على إثره فقلت لبلال: هل صلى فيه رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم قلت: أين؟ قال: بين العمودين تلقاء وجهه. قال: ونسيت أن أسأله كم صلى والسياق لمسلم. وهو عند الترمذي مختصرا جدا عنده إلا الصلاة وفيه الزيادة الأولى. وهي عند مسلم أيضا من طريق أخرى عن ابن شهاب: أخبرني سالم بن عبد الله عن أبيه نحوه

стр. 425

وهذه الطريق عند البخاري والنسائي أيضا والطحاوي والبيهقي - وعزاه للبخاري - وأحمد وكذا الدارمي والزيادة الأخيرة عند أبي داود والنسائي والطحاوي وأحمد والبيهقي من الطريق الأولى بسند صحيح على شرط الشيخين وللبخاري معناه وأما الزيادة الوسطى فهي من طريق أخرى عن ابن عمر. أخرجه البخاري والنسائي والبيهقي وأحمد من طرق عن سفيان بن سليمان قال: سمعت مجاهدا قال: أتي ابن عمر - وهو في منزله - فقيل له: إن النبي ﷺ قد دخل الكعبة قال: فأقبلت فأجد رسول الله ﷺ قد خرج وأجد بلالا قائما بين البابين فقلت: يا بلال هل صلى رسول الله ﷺ في الكعبة؟ قال: نعم ركع ركعتين بين هاتين الساريتين وأشار له بين الساريتين اللتين على يسارك إذا دخلت قال: ثم خرج فصلى في وجه الكعبة ركعتين والسياق لأحمد وقد تابعه على هذه الزيادة: (ركعتين) ليث وهون ابن أبي سليم وخصيف كلاهما عن مجاهد أخرجهما أحمد ولم ينفرد بها مجاهد عن ابن عمر بل تابعه عبد الله بن أبي مليكة عند النسائي وأحمد وإسناده صحيح. وعمرو بن دينار أيضا مختصرا

стр. 426

عند أحمد وسنده صحيح أيضا على شرط الستة وكذلك رواه الطحاوي وللحديث شواهد منها: عن عبد الرحمن بن صفوان قال: قلت لعمر بن الخطاب: كيف صنع رسول الله ﷺ حين دخل الكعبة؟ قال: صلى ركعتين أخرجه أبو داود والطحاوي والبيهقي وأحمد عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عنه ويزيد هذا هو الهاشمي وهو ضعيف لسوء حفظه لكن الحديث أورده الحافظ في (الفتح) بلفظ: (قال: فلما خرج ﵊ سألت من كان معه فقالوا: صلى ركعتين عند السارية الوسطى. أخرجه الطبراني بإسناد صحيح) فالظاهر أنه عند الطبراني من غير طريق يزيد هذا وإلا لما صححه الحافظ وهو القائل في ترجمته من (التقريب): (ضعيف كبر فتغير وصار يتلقن) ومن طريقه رواه الطحاوي أيضا بنحو رواية الطبراني ومنها عن شيبة بن عثمان يرويه عنه عبد الرحمن بن الرجاج قال: أتيت شيبة بن عثمان فقلت: يا أبا عثمان إن ابن عباس يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 427

دخل الكعبة فلم يصل؟ قال: بلى صلى ركعتين عند العمودين المقدمين ثم ألزق بهما ظهره أخرجه الطحاوي من طريق عبد الله بن مسلم بن هرمز عنه وعبد الله هذا ضعفه أحمد وابن معين والنسائي وغيرهما وأما عبد الرحمن بن الرجاج فلم أعرفه وقد أورده في (المجمع) بنحوه وقال: (رواه الطبراني في (الكبير) وفيه عبد الرحمن بن الزجاج - كذا بالزاي وفي الطحاوي بالراء - ولم أجد من ترجمه) قلت: ولعل الحافظ العسقلاني عرفه فقد قال: (أخرجه الطبراني بإسناد جيد) لكن يشكل عليه أنه من طريق ابن هرمز وقد ضعفه هو في (التقريب) بيد أنه يحتمل أن يكون الطبراني رواه من غير طريقه. والله أعلم ومنها عن عثمان بن طلحة: أن النبي ﷺ دخل البيت فصلى ركعتين وجاهك حين تدخل بين الساريتين أخرجه الطحاوي وأحمد والطبراني في (الكبير) من طريق حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عنه وهذا سند قوي كما قال الحافظ ورجاله رجال مسلم

стр. 428

وروى منه الطيالسي الصلاة في الكعبة من هذا الوجه. وعنه البيهقي وقال: (فيه إرسال بين عروة وعثمان). وتعقبه ابن التركماني بقوله: (قلت: عروة سمع أباه الزبير وحديثه عنه مخرج في (صحيح البخاري) في مواضع والزبير أقدم موتا من عثمان بن طلحة فلا مانع من سماع عروة من عثمان وعلى أن صاحب (الكمال) صرح بسماعه منه) ومنها عن جابر قال: دخل النبي ﷺ البيت يوم الفتح فصلى فيه ركعتين. أخرجه الطحاوي من طريق أبي الزبير عنه ورجاله ثقات لكن أبو الزبير مدلس وقد عنعنه هذا وقد استشكل قول ابن عمر في الروايات السابقة عنه عن بلال أنه قال: نعم صلى ركعتين. مع قوله في الرواية الأولى من طريق نافع عنه: ونسيت أن أسأله كم صلى وقد أجاب عن ذلك البيهقي وغيره بأنه (يحتمل أن يكون ابن عمر أخبر عن اقل ما يكون صلاة وسكت عما زاد عليهما لأنه لم يسأل بلالا) فعلى هذا فقوله: ركعتين. من كلام ابن عمر لا من كلام بلال وهو بعيد كما ترى ومع ذلك فقد قال الحافظ بعد أن ذكر نحو هذا الجمع: (وقد وجدت ما يؤيد هذا ويستفاد منه جمع آخر بين الحديثين وهو ما أخرجه عمر بن شبة في كتاب مكة من طريق عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع

стр. 429

عن ابن عمر في هذا الحديث: (فاستقبلني بلال فقلت: ما صنع رسول الله ﷺ ههنا؟ فأشار بيده أي صلى ركعتين بالسبابة والوسطى) فعلى هذا يحتمل قوله: نسيت أن أسأله كم صلى. على أنه لم يسأله لفظا ولم يجبه لفظا وإنما استفاد منه صلاة الركعتين بإشارته لا بنطقه) قلت: وهذا أقرب من الجمع الأول ثم إن الحافظ قد أبعد النجعة حيث عزا حديث ابن أبي رواد لابن شبة مع أنه في (المسند) باللفظ المذكور تماما هذا ولحديث ابن عمر طرق أخرى مختصرا عند الطيالسي وأحمد والبيهقي والطحاوي بلفظ: (صلى في البيت). زاد في رواية: (وسيأتي من ينهاكم عنه فتسمعون منه. قال - يعني ابن عباس -. زاد أحمد: (قال: وكان ابن عباس جالسا قريبا منه) وسنده صحيح على شرط مسلم وهو من طريق شعبة عن سماك الحنفي: سمعت ابن عمر به ورواه سعد عن سماك قال: سمعت ابن عباس يقول: لا تجعل شيئا من البيت خلفك وأتم به جميعا. وسمعت ابن عمر يقول: صلى رسول الله ﷺ فيه

стр. 430

وسنده صحيح أيضا على شرطه وقول ابن عباس هذا رواه الطبراني أيضا بلفظ: ما أحب أن أصلي في الكعبة من صلى فيها فقد ترك شيئا خلفه ولكن حدثني أخي أن النبي ﷺ حين دخلها خر بين العمودين ساجدا ثم قعد فدعا ولم يصل. قال في (المجمع): (رواه الطبراني في (الكبير) وفيه ابن إسحاق وهو ثقة لكنه مدلس) قلت: وقد صح عن ابن عباس أنه كان ينفي كون النبي ﷺ صلى في الكعبة وهو لم يشاهد ذلك وإنما كان يروي ذلك تارة عن أخيه الفضل كما في هذه الرواية وكذلك هي في (المسند) وغيره من طرق أخرى. وتارة يرويه عن أسامة بن زيد كما في مسلم وغيره ولعله يأتي حديثه في استقبال القبلة إن شاء الله تعالى لكن العلماء أخذوا برواية بلال ومن معه من الأصحاب لأنها زيادة ثقة ولأنه مثبت والمثبت مقدم على النافي كما هي القاعدة في مثل هذا الاختلاف. ومعنى قول أسامة: لم يصل: لم أره صلى. فهو لم يعلم ذلك وأولئك علموا ومن علم حجة على من لم يعلم ولذلك ذهب الجمهور إلى جواز الصلاة في البيت الفرض والنفل وبه قال أبو حنيفة والثوري وجمهور العلماء كما قال النووي في (المجموع) وقال الترمذي:

стр. 431

(حديث بلال حديث حسن صحيح والعمل عليه عند أكثر أهل العلم لا يرون بالصلاة في الكعبة بأسا وقال مالك بن أنس: لا بأس بالصلاة النافلة في الكعبة وكره أن تصلى المكتوبة في الكعبة وقال الشافعي: لا بأس أن تصلى المكتوبة والتطوع في الكعبة لأن حكم النافلة والمكتوبة في الطهارة والقبلة سواء) وهذا الذي قاله الشافعي هو الحق إن شاء الله تعالى لأن الحديث وإن كان قد ورد في النافلة فالظاهر أن الفريضة مثلها في هذا الجواز لاستواء أحكام النوافل مع أحكام الفرائض وجوبا وتحريما وإباحة إلا ما استثناه الشارع ولا استثناء هنا ولوضوح هذا الذي قاله الشافعي ذهب إليه ابن حزم وهو من هو في ظاهريته فقد قال: في (المحلى) ردا على أتباع مالك ما نصه: (ما قال أحد قط: إن صلاته المذكورة ﷺ كانت إلى غير القبلة وقد نص ﵊ على أن الأرض كلها مسجد وباطن الكعبة أطيب الأرض وأفضلها فهي أفضل المساجد وأولاها بصلاة الفرض والنافلة ولا يجوز لغيرالراكب أو الخائف أو المريض أن يصلي نافلة إلى غير القبلة والتفريق بين الفرض والنافلة بلا قرآن ولا سنة ولا إجماع خطأ. وبالله تعالى التوفيق) ومع وضوح هذا وظهوره فقد خالف فيه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث اختار ما ذهب إليه مالك ﵀ فقال في (الاختيارات):

стр. 432

(ولا تصح الفريضة في الكعبة بل النافلة وهو ظاهر مذهب أحمد وأما صلاة النبي ﷺ في البيت فإنها كانت تطوعا فلا يلحق الفرض لأنه ﷺ صلى داخل البيت ركعتين ثم قال: هذه القبلة. فيشبه - والله أعلم - أن يكون ذكره لهذا الكلام في عقيب الصلاة خاج البيت بيانا لأن القبلة المأمور باستقبالها هي البنية كلها لئلا يتوهم متوهم أن استقبال بعضها كان في الفرض لأجل أنه صلى التطوع في البيت وإلا فقد علم الناس كلهم أن الكعبة في الجملة هي القبلة فلا بد لهذا الكلام من فائدة وعلم شيء قد يخفى ويقع محل الشبهة وابن عباس روى هذا الحديث وفهم منه هذا المعنى وهو أعلم بمعنى ما سمع) قلت: ابن عباس الذي روى الحديث لم يفهم هذا المعنى بهذا التفصيل الذي ذهب إليه الشيخ من صلاة النافلة في الكعبة دون الفريضة فإنه نفى أن يكون ﵊ قد صلى مطلقا في البيت حيث قال: ولم يصل حتى خرج منه فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال: هذه القبلة. ثم إنه ﵁ لم يسمع هذا الكلام منه ﵊ مباشرة كما يشير إليه كلام الشيخ وإنما أخذه عن أسامة أو غيره من الصحابة كما سبق ذكره وحينئذ فهو وغيره سواء ممن لم يسمع ذلك من النبي ﷺ ثم إن كلام الشيخ يفيد جواز استقبال بعض بنية الكعبة في النافلة وأما في الفريضة فلا بد من استقبالها كلها وليت شعري كيف يمكن استقبالها كلها عمليا فإنه من البديهي أن مستقبل الكعبة من خارجها إنما يستقبل

стр. 433

منها ما هو على سمته أمامه ثم يبقى أكثرها من عن يمينه ويساره غير مستقبلها؟ وحينئذ ما الفرق بين هذا وبين الصلاة داخلها وهو في كلا الحالين إنما يستقبل بعضها. ولذلك قال ابن حزم ﵀: (واحتج أتباع مالك بأن قالوا: إن من صلى داخل الكعبة فقد استدبر بعض الكعبة (قال:) إنما قال الله : ﴿ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة: ١٥٠] فلو كان ما ذكره المالكيون حجة لما حل لأحد أن يصلي في المسجد الحرام لأنه هو القبلة بنص كلام الله تعالى في القرآن وكل من يصلي فيه فلا بد له من أن يستدبر بعضه فظهر فساد هذا القول. وأيضا فإن كل من صلى إلى المسجد الحرام أو إلى الكعبة فلا بد له من أن يترك بعضها عن يمينه وبعضها عن شماله ولا فرق عند أحد من أهل العلم في أنه لا فرق بين استدبار القبلة في الصلاة وبين أن يجعلها عن يمينه أو عن شماله فصح أنه لم يكلفنا الله قط مراعاة هذا وإنما كلفنا أن نقابل بأوجهنا ما قابلنا من جدار الكعبة أو من جدار المسجد قبالة الكعبة حيثما كنا فقط) وأما قول الشيخ ﵀: (فلا بد لهذا الكلام من فائدة) فهو حق لكن ليس من الظاهر من هذا الكلام ما فهمه شيخ الإسلام من الفرق بين النافلة والفريضة في الاستقبال وكأنه لذلك لم يذهب إليه أحد من الشراح فقد ذكر الحافظ في المراد من قوله ﵊: (هذه القبلة) أربعة أقوال للعلماء ليس فيها هذا الذي ذهب إليه الشيخ وسيأتي

стр. 434

ذكرها إن شاء الله تعالى فيما سبقت الإشارة إليه ذلك ويدل لجواز الصلاة أيضا هذا الحديث الآتي: (وقالت عائشة ﵂: (كنت أحب أن أدخل البيت فأصلي فيه فأخذ رسول الله ﷺ بيدي فأدخلني الحجر وقال: إن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا في بنائها فأخرجوا الحجر من البيت فإذا أردت أن تصلي في البيت فصل في الحجر فإنما هو قطعة منه) الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي أيضا والطحاوي - والسياق له - وأحمد من طريق علقمة بن أبي علقمة عن أمه عنها. وقال الترمذي: (حسن صحيح) قلت: وأم علقمة هذه اسمها مرجانة وهي مشهورة وفي (التقريب): (إنها مقبولة) وقد تابعتها صفية بنت شيبة وهي ثقة مشهورة من رجال الشيخين أخرجه النسائي والطيالسي مختصرا بلفظ: قلت: يا رسول الله ألا دخلت البيت؟ قال: (ادخلي الحجر فإنه من البيت) وإسناده صحيح على شرطهما

стр. 435

وله طريق أخرى عنها يرويه عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن عائشة نحو الأول أخرجه البيهقي وأحمد ورجاله ثقات إلا أن عطاء كان قد اختلط (وقال ﵊ لعثمان بن طلحة: (إن كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي) أخرجه أبو داود والطحاوي وأحمد عن سفيان قال: ثني منصور عن خاله مسافع عن صفية بنت شيبة أم منصور قالت: أخبرتني امرأة من بني سليم ولدت عامة أهل دارنا: أرسل رسول الله ﷺ إلى عثمان بن طلحة قال. . . فذكره وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم وليس عند الطحاوي: عن خاله مسافع. فالحديث عنده عن منصور بن صفية عن صفية بنت شيبة قالت وقد رواه عن منصور أخوه محمد بن عبد الرحمن فجعل بعض الحديث عن منصور عن أمه مباشرة وبعضه عن منصور عن مسافع عن أم منصور أخرجه الإمام أحمد فقال: ثنا علي بن إسحاق قال: أنا عبد الله قال: أنا محمد بن عبد الرحمن عن منصور بن عبد الرحمن عن أمه عن

стр. 436

أم عثمان بنت سفيان وهي أم بني شيبة الأكابر - قال محمد بن عبد الرحمن: وقد بايعت النبي ﷺ أن النبي ﷺ دعا شيبة ففتح فلما دخل البيت ورجع وفرغ ورجع شيبة إذا رسول الله ﷺ : أن أجب. فأتاه فقال: إني رأيت في البيت قرنا فغيبه قال منصور: فحدثني عبد الله بن مسافع عن أمي عن أم عثمان بنت أبي سفيان أن النبي ﷺ قال له في الحديث: فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يلهي المصلين ومحمد بن عبد الرحمن ذكره ابن حبان في (الثقات) وقال الحافظ في (التقريب): (إنه ضعيف) قلت: وقد خالف سفيان في عدة مواضع من هذا الحديث: أولا: جعل الحديث بعضه عن منصور عن أمه وبعضه عنه عن عبد الله ابن مسافع عن أمه ثانيا: سمى الواسطة بين منصور وبين أمه عبد الله بن مسافع وقال سفيان: مسافع بن شيبة قال: سمى صحابي الحديث الذي رواه عن النبي ﷺ شيبة وسماه سفيان: عثمان بن طلحة والصواب رواية سفيان وهي تدل على ضعف محمد بن عبد الرحمن هذا. والله أعلم والحديثان يدلان على ما دل عليه الحديث السابق من جواز الصلاة في جوف الكعبة:

стр. 437

أما الأول منهما فمن حيث إن النبي ﷺ أقر عائشة ﵂ على محبتها الصلاة فيه إلا أنه ﵊ أمرها أن تصلي في الحجر وعلل ذلك بأنه من البيت فدل على جواز الصلاة في البيت كله وفيه الحجر ولعله ﵊ إنما أمرها أن تصلي فيه دون جوف الكعبة وقتئذ لأن الحجر أفضى لها وأبعد عن مخالطة الرجال وأما الثاني فقد أشار ﵊ فيه إلى جواز الصلاة فيه حيث أمر بإزالة ما يشغل المصلي فيه عن الخشوع وقد استدل بالحديثين على ما ذكرنا من الجواز الطحاوي ﵀ ونقل القول به عن أبي حنيفة وصاحبيه وهو مذهب الجمهور كما سبق بل ذهب الشافعية إلى أن التنفل في الكعبة أفضل من خارجها وكذا الفرض إن لم يرج جماعة وأمكن الجماعة الحاضرين الصلاة فيها فإن لم يمكن فخارجها أفضل قال الشافعي: (لا موضع أفضل ولا أطهر للصلاة من الكعبة). كذا ذكره النووي في (المجموع) ثم قال فيه: (فإن قيل: كيف جزمتم بأن الصلاة في الكعبة أفضل من خارجها مع أنه مختلف بين العلماء في صحتها والخروج من الخلاف مستحب؟ فالجواب أنا إنما نستحب الخروج من خلاف محترم وهو الخلاف في مسألة اجتهادية أما إذا كان الخلاف مخالفا سنة صحيحة كما في هذه المسألة فلا حرمة له ولا

стр. 438

يستحب الخروج منه لأن صاحبه لم تبلغه هذه السنة وإن بلغته وخالفها فهو محجوج بها. والله أعلم). وهذا كلام حق يجب حفظه فإن كثيرا من المشايخ يتساهلون في كثير من السنن لمجرد أن فيها خلافا من بعض العلماء وقد ذكر ابن القيم في (الزاد) نحو ما نقلناه عن النووي ونص كلامه في ذلك: (الاحتياط إنما يشرع إذا لم تتبين السنة فإذا تبينت فالاحتياط هو اتباعها وترك ما خالفها فإن كان تركها لأجل الاختلاف احتياطا فترك ما خالفها واتباعها أحوط وأحوط فالاحتياط نوعان: احتياط للخروج من خلاف العلماء واحتياط للخروج من خلاف السنة. ولا يخفى رجحان أحدهما على الآخر) (٨ - وتجوز الصلاة على ما يفرش على الأرض من بساط ونحوه مما يجوز القعود عليه وكان طاهرا فقد (كان ﵊ يصلي على الخمرة) ثبت هذا الحديث عن جمع من الصحابة: (١) ميمونة زوج النبي ﷺ وله عنها طريقان: أخرج الأول: البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والدارمي وابن ماجه والبيهقي والطيالسي وأحمد وعن سليمان الشيبان عن عبد الله بن شداد عنها

стр. 439

وأخرج الطريق الآخر: أحمد وكذا النسائي بنحوه (٢) عبد الله بن عباس: أخرجه الترمذي والحاكم والبيهقي والطيالسي وأحمد عن عكرمة عنه وهو لفظ الحاكم: بساط. بدل: الخمرة وهو رواية لأحمد والبيهقي وكذلك رواه ابن ماجه وكذا البيهقي من طريق زمعة بن صالح عن عمرو بن دينارعن ابن عباس. وقال الترمذي: (حسن صحيح) (٣) عائشة: أخرجه الطيالسي وأحمد من طريق حماد ابن سملة عن الأرزق بن قيس عن ذكوان عنها وهذا سند صحيح رجاله رجال الصحيح وله طريق أخرى في (المسند) عن عروة عنها وهو صحيح أيضا على شرط الستة (٤) أنس بن مالك: وله عنه طريقان: الأول: عن قتادة عنه أخرجه الطبراني في (الصغير)

стр. 440

والأخر: عن أنس بن سيرين عنه أخرجه البيهقي (٥) أم سليم: أخرجه أحمد والبيهقي عن عفان قال: ثنا وهيب قال: ثنا أيوب عن أبي قلابة عن أنس بن مالك عنها وهذا إسناد صحيح على شرط الستة (٦) أم سلمة: أخرجه أحمد أيضا: ثنا عفان: ثنا وهيب قال: ثنا خالد عن أبي قلابة عن بعض ولد أم سلمة عنها وإسناده كالذي قبله لولا هذا البعض الذي لم يسم لكن أورده الهيثمي في (المجمع) فقال: (رواه أبو يعلى والطبراني في (الكبير) و (الأوسط) ورجال الأول رجال الصحيح) فلعله جاء مسمى عند أبي يعلى. والله أعلم (٧) ابن عمر: أخرجه أحمد عن شريك عن أبي إسحاق عن البهي عنه ثم أخرجه من وجه آخر عن شريك به إلا أنه قال:

стр. 441

(عن عائشة أو عن ابن عمر. شك شريك) وشريك سيئ الحفظ (٨) أم حبيبة زوج النبي ﷺ : رواه الطبراني في (الكبير) وأبو يعلى. ورجاله رجال (الصحيح) (٩) جابر بن عبد الله: عند البزار وفيه الحجاج بن أرطأة وفيه اختلاف كما في (المجمع) واعلم أن (الخمرة) بضم الخاء المعجمة وسكون الميم: هي مقدار ما يضع الرجل وجهه في سجوده من حصير أو نسيج خوص ونحوه من النبات ولا تكن خمرة إلا في هذا المقدار وسميت خمرة لأن خيوطها مستورة لبعضها. كذا قال ابن الأثير في (النهاية). وفي (الفتح): (وقال الخطابي: هي السجادة يسجد عليها المصلي. ثم ذكر حديث ابن عباس في الفأرة التي جرت الفتيلة حتى ألقتها على الخمرة التي كان ﷺ قاعدا عليها. ففي هذا تصريح بإطلاق الخمرة على ما زاد على قدر الوجه) قلت: حديث ابن عباس هذا أخرجه البخاري في (الأدب المفرد) وأبو داود والحاكم من طريق عمرو بن طلحة قال: ثنا أسباط عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس به وتتمته:

стр. 442

فاحترقت منها مثل موضع درهم فقال رسول الله ﷺ : (إذا نمتم فأطفئوا سرجكم فإن الشيطان يدل مثل هذه على مثل هذا فتحرقكم) وهذا سند جيد وقال الحاكم: (صحيح الإسناد) ووافقه الذهبي (وعلى الحصير) فيه أحاديث: (١) عن أنس بن مالك وله عنه طرق وألفاظ: الأول: عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عنه أن النبي ﷺ صلى على حصير أخرجه هكذا مختصرا الدارمي وأحمد وهو في (الصحيحين) وغيرهما مطولا ويأتي فيما بعد الثاني: عن شعبة عن أنس بن سيرين قال: سمعت أنس بن مالك قال: قال رجل من الأنصار: إني لا أستطيع الصلاة معك - وكان رجلا ضخما - فصنع للنبي ﷺ طعاما فدعاه إلى منزله فبسط له حصيرا ونضح طرف الحصير وصلى عليه ركعتين. . . الحديث أخرجه البخاري وأبو داود وأحمد

стр. 443

وأخرجه الطيالسي من هذا الوجه مختصرا بلفظ: صلى رسول الله ﷺ ركعتين على حصير الثالث: عن ثابت عنه مختصرا دون قوله: ركعتين أخرجه الطبراني في (الصغير) (٢) عن أبي سعيد الخدري: أنه دخل على رسول الله ﷺ فوجده يصلي على حصير يسجد عليه رواه مسلم والترمذي وابن ماجه والبيهقي وأحمد عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عنه وقوله: (يسجد عليه). تفرد به مسلم وأحمد (٣) عن المغيرة بن شعبة بلفظ: كان يصلي على الحصير والفروة المدبوغة (١)

стр. 444

(٤) عن عائشة بلفظ: كان له حصير يبسطه بالنهار ويحتجره بالليل فثاب إليه ناس فصلوا وراءه أخرجه البخاري عن المقبري عن أبي سلمة عنها وذكره الحافظ في (الفتح) بلفظ: كان له حصير يبسطه ويصلي عليه ولعله ذكره بالمعنى أو أنه راوية للبخاري وأما ما رواه أبو يعلى عن شريح أنه سأل عائشة: أكان رسول الله ﷺ يصلي على الحصير فإني سمعت في كتاب الله: ﴿وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا﴾ [الإسراء: ٨]؟ قالت: لم يكن يصلي عليه ففي ثبوته نظر وإن قال الهيثمي: (رجاله موثقون). وقال شيخه العراقي: (رجاله ثقات) فإن هذا لا يستلزم صحة الإسناد كما لا يخفى على النقاد وقال الشوكاني: (وكيفية الجمع بين حديثها هذا وسائر الأحاديث أنها إنما نفت علمها ومن علم صلاته على الحصير مقدم على النافي وأيضا فإن حديثها وإن كان رجاله ثقات فإن فيه شذوذا كما قال العراقي)

стр. 445

قلت: وهذا هو الجواب الصحيح. وأما الجواب الذي قبله فهو مبني على أن عائشة لم ترو الصلاة على الحصير وليس كذلك كما علمت (ومرة (صلى على حصير وقد اسود من طول ما لبس) هو من حديث أنس ﵁ أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام فأكل منه ثم قال رسول الله: قوموا فلأصلي بكم) قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس فنضحته بماء فقام عليه رسول الله ﷺ وصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا فصلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين ثم انصرف أخرجه مالك والبخاري ومسلم وأحمد ثلاثتهم عن مالك عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة عنه. واللفظ للبخاري ورواه النسائي وأحمد من طرق أخرى عن إسحاق نحوه وفيه: فسجد عليه ورواه أيضا مختصرا وقد سبق في الحديث الأول (و (على الفراش الذي يرقد عليه هو وأهله) و (كان من أدم حشوه ليف) هو من حديث عائشة ﵁ أخرجه أحمد: ثنا ابن نمير قال: ثنا هشام عن أبيه عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي وأنا معترضة بينه وبين القبلة على الفراش

стр. 446

الذي يرقد عليه هو وأهله فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت وهذا سند صحيح على شرط الستة ثم أخرجه من طريق يحيى عن هشام به نحوه وكذلك أخرجه من طريق يحيى عن هشام به نحوه وكذلك أخرجه البخاري عن يحيى به وقد أخرجه مسلم عن وكيع بن هشام به دون ذكر الفراش ثم أخرجه البخاري من طريق الزهري: أخبرني عروة بن الزبير به نحو حديث ابن نمير وللحديث طرق أخرى عن عائشة نحو رواية وكيع عن هشام. وسيأتي إن شاء الله تعالى في (السترة) ثم روى أحمد بإسناد الأول عن عائشة قالت: كان ضجاع رسول الله ﷺ من أدم حشوه ليف ثم أخرجه هو ومسلم والترمذي في (الشمائل) من طرق عن هشام به وفي لفظ لأحمد: كان ضجاع رسول الله ﷺ الذي كان يرقد عليه هو وأهله من أدم محشوا ليفا وله عند الترمذي طريق أخرى رواه عن عبد الله بن ميمون قال: أنبأنا جعفر بن محمد عن أبيه عنها

стр. 447

وهذا سند ضعيف لضعف عبد الله بن ميمون وانقطاعه بين محمد - وهو الباقر - وبين عائشة وروى البخاري تعليقا ووصله ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور كلاهما عن ابن المبارك عن حميد قال: كان أنس يصلي على فراشه وفي هذه الأحاديث دلالة واضحة على جواز الصلاة والسجود على كل ما يبسط دون الأرض وقد حكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم ولم يروا بالصلاة على البساط والطنفسة بأسا وهو قول الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وجمهور الفقهاء. ففيها رد على منكره ذلك من المتقدمين كالأسود وأصحابه ووافقهم مالك فقد قال في (المدونة): (وكان مالك يكره أن يسجد الرجل على الطنافس وبسط الشعر والثياب والأدم وكان يقولك لا بأس أن يقوم عليها ويركع عليها ويقعد عليها ولا يسجد عليها ولا يضع كفيه عليها). قال ابن حزم: (هذا قول لا دليل على صحته والسجود واجب على سبعة أعضاء: الرجلين والركبتين واليدين والجبهة والأنف وهو يجيز وضع جميع هذه الأعضاء على ما ذكرنا حاشا الجبهة فأي فرق بين أعضاء السجود؟ ولا سبيل إلى وجود فرق بينها لا من قرآن ولا سنة صحيحة ولا سقيمة ولا من إجماع ولا من قياس ولا من قول صاحب ولا من رأي له وجه)

стр. 448

ولعل مالكا ومن وافقه لم تبلغهم هذه الأحاديث الصحيحة وإلا فالقول بكراهة ما فعله ﵊ مرارا وتكرارا مشكل إذ هو ﵊ لا يفعل المكروه إلا للبيان في بعض الأحيان عن بعض العلماء كأن ينهى عن شيء ثم يفعله دلالة على أن النهي ليس للتحريم بل للتنزيه فأين النهي هنا؟ فالحق ما ذهب إليه الجمهور من الجواز بدون أدنى كراهة ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب / ٢١] هذا وأما الصلاة في النعلين فجائزة بشرطه وقد سبق الكلام عليه في الأمر الثالث مما يجوز الصلاة فيه فراجعه (٩ - ويجب بناء المساجد في كل قرية أو محلة لا مساجد فيها وهم بحاجة إليها فقد (أمر ﷺ ببناء المساجد في الدور) يعني: المحال التي فيها الدور) الحديث من رواية عائشة ﵁ قالت. . . فذكرته وتمامه: وأن تنظف وتطيب أخرجه أبو داود وعنه ابن حزم وابن ماجه كلاهما عن زائدة بن قدامة والترمذي وأحمد وعنه البيهقي كلاهما عن صالح بن عامر الزبيري وابن ماجه أيضا عن مالك بن سعيد ثلاثتهم عن هشام بن عروة عن أبيه عنها وهذا سند صحيح على شرط الشيخين ولا يضره رواة من رواه عن هشام عن أبيه مرسلا كما أخرجه الترمذي وقال:

стр. 449

(هذا أصح من الحديث الأول) فإن زائدة ومالك بن سعيد ثقتان حجتان احتج بهما الشيخان وغيرهما وقد وصلاه والوصل زيادة يجب قبولهاز وقد رواه موصولا ابن خزيمة أيضا في (صحيحه) كما في (الترغيب) وللحديث شواهد منها: عن سمرة بن جندب أنه كتب إلى ابنه: أما بعد فإن رسول الله ﷺ كان يأمرنا أن نصنعها في ديارنا ونصلح صنعتها ونطهرها أخرجه أبو داود وعنه البيهقي من طريق جعفر بن سعد ابن سمرة: ثني خبيب بن سليمان عن أبيه سليمان بن سمرة عن أبيه سمرة وهذا سند ضعيف لضعف جعفر هذا وجهالة من فوقه لكن له طريق أخرى يتقوى بها أخرجه أحمد من طريق بقية عن إسحاق بن ثعلبة عن مكحول بن سمرة بن جندي قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتخذ المساجد في ديارنا وأمرنا أن ننظفها وهذا سند ضعيف بقية مدلس وقد عنعنه وإسحاق بن ثعلبة قال أبو حاتم: (مجهول منكر الحديث) ومكحول لم يسمع من سمرة كما قال الحافظ في (التعجيل)

стр. 450

وهنا وهمان وقع فيهما بعض الأجلة لا بد من التنبيه عليهما فقد ذكر الحديث بهذا اللفظ مجد الدين في (المنتقى) وقال: (رواه أحمد والترمذي وصححه) وقال الشوكاني: (رواه أحمد بإسناد صحيح. وكذا رواه غيره بأسانيد جيدة) قلت: والوهم الأول عزوه للترمذي ولم نجده في (سننه) ولا ذكره النابلسي في (الذخائر) والآخر: أن أحمد رواه بسند صحيح وليس بصحيح بل ولا حسن كيف ذلك وفيه التدليس والانقطاع والجهالة؟ نعم له شاهد قوي عند أحمد: ثنا يعقوب: ثنا أبي عن أبي إسحاق - كذا والصواب: ابن إسحاق - ثني عمرو - كذا بالواو والصواب: عمر بحذف الواو - ابن عبد الله بن عروة بن الزبير عن جده عروة عمن حدثه من أصحاب رسول الله ﷺ قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نصنع المساجد في دورنا وأن نصلح صنعتها ونطهرها وهذا إسناد حسن رجاله ثقات رجال الشيخين غير ابن إسحاق وهو ثقة وقد صرح بالتحديث. وأما قول الهيثمي: (رواه أحمد وإسناد صحيح) ففيه شيء من التساهل قوله: (الدور) قال ابن حزم:

стр. 451

هي المحلات والأرباض تقول: دار بني عبد الأشهل ودار بني النجار تريد محلة كل طائفة منهم). وقال البغوي في (شرح السنة): (يريد المحال الذي فيها الدور ومنه قوله تعالى: ﴿سأريكم دار الفاسقين﴾ [الأعراف: ١٤٥] لأنهم كانوا يسمون المحلة التي اجتمعت فيها قبيلة: دارا ومنه الحديث: ما بقيت دار إلا بني فيها مسجد). نقله الشوكاني وقال الشيخ علي القاري في (المشكاة): (الدور) جمع (دار): وهو اسم جامع للبناء والعرصة والمحلة والمراد: المحلات فإنهم كانوا يسمون المحلة التي اجتمعت فيها قبيلة دارا أو محمول على اتخاذ بيت في الدار للصلاة كالمسجد يصلي فيه أهل البيت قاله ابن الملك والأول هو المعول وعليه العمل. ثم رأيت ابن حجر ذكر أن المراد ههنا المحلات والقبائل وحكمة أمره لأهل كل محلة ببناء مسجد فيها أنه قد يتعذر أو يشق على أهل محلة الذهاب للأخرى فيحرمون أجر المسجد وفضل إقامة الجماعة فيه فأمروا بذلك ليتيسر لأهل كل محلة العبادة في مسجدهم من غير مشقة تلحقهم. وقال البغوي: قال عطاء: لما فتح الله تعالى على عمر ﵁ الأمصار أمر المسلمين ببناء المساجد وأمرهم أن لا يبنوا مسجدين يضار أحدهما الآخر ومن المضار فعل تفريق الجماعة إذا كان هناك مسجد يسعهم فإن ضاق سن توسعته أو اتخاذ مسجد يسعهم) وقال ابن حزم بعد أن أورد حديث ابن عباس الآتي بلفظ: (ما أمرت بتشييد المساجد) قال:

стр. 452

(فلم يأمر ﵊ ببناء المساجد في كل مكان وأمر ببناء المساجد في الدور فصح أن الذي نهى عنه ﵊ هو غير الذي أمر به فإذ ذلك كذلك فحق بناء المساجد هو كما بين ﷺ بأمره وفعله وهو قال: (وعلى قدر ما بناها ﵊ والدور هي المحلات. . .). مسجدهم الذي لا حرج عليهم في إجابة مؤذنه للصلوات الخمس فما زاد على ذلك أو نقص مما لم يفعله ﵊ فباطل ومنكر والمنكر واجب تغييره. . .). قال: (وقد هدم ابن مسعود مسجدا بناه عمرو بن عتبة بظهر الكوفة ورده إلى مسجد الجماعة) (١)

стр. 453

(ولذلك لما هاجر ﷺ إلى المدينة لم يمكث فيها إلا قليلا من الأيام حتى بنى مسجده الشريف كما قال أنس ﵁: (قدم النبي ﷺ المدينة فنزل أعلى المدينة في حي يقال لهم: بنو عمرو بن عوف فأقام فيهم أربع عشرة ليلة ثم أمر ببناء المسجد فارسل إلى ملأ من بني النجار فقال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله قال: فكان فيه قبور المشركين وخرب ونخل فأمر النبي ﷺ بقبور المشركين فنبشت ثم بالخرب فسويت وبالنخل فقطع فصفوا النخل قبلة المسجد وجعل عضادتيه الحجارة وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون والنبي ﷺ معهم وهو يقول [وهو ينقل اللبن: هذا الحمال (١) لا حمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر] اللهم لا خير إلا خير الآخرة فاغفر للأنصارالمهاجرة وفي رواية: اللهم إن الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة) الحديث أوردناه مختصرا فإن فيه بعد قوله: أربع عشرة ليلة: (ثم أرسل إلى بني النجار فجاؤوا متقلدي السيوف كأني أنظر إلى النبي ﷺ ﷺ على راحلته وأبو بكر ردفه وملأ بني النجار حوله حتى أتى بفناء أبي أيوب وكان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم وأنه أمر. . . إلخ

стр. 454

أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والطيالسي وأحمد والبيهقي من طرق عن أبي التياح عنه به ورواه ابن ماجه من طريق حماد بن سلمة عن أبي التياح مختصرا وهو رواية لأحمد وللترمذي منه من طريق شعبة عنه أنه كان يصلي في مرابض الغنم والرواية الأخرى للبخاري من حديث عائشة في حديث الهجرة بنحو حديث أنس وفيه الزيادة التي بين المربعين (وفي بنائها فضل عظيم وأجر كبير قال تعالى: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين﴾ [التوبة: ١٨] وقال ﷺ : (من بنى مسجدا لله تعالى [ولو كمفحص قطاة] [أو أصغر] [يذكر فيه اسم الله] بنى الله له في الجنة مثله) الحديث رواه عثمان بن عفان ﵁ أخرجه البخاري ومسلم والبيهقي من طريق ابن وهب: أخبرني عمرو أن بكيرا حدثه أنه سمع عبيد الله الخولاني يذكر:

стр. 455

أنه سمع عثمان بن عفان عند قول الناس فيه حين بنى مسجد الرسول ﷺ : إنكم قد أكثرتم وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من بنى مسجدا - قال بكير: حسبت أنه قال: - يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة) وله طرق أخرى عن عثمان: فأخرجه مسلم والترمذي والدارمي وابن ماجه والبيهقي أيضا وأحمد عن عبد الحميد بن جعفر: ثني أبي عن محمود بن لبيد: أن عثمان بن عفان أراد بناء المسجد فكره الناس ذلك فأحبوا أن يدعه على هيئته فقال. . . فذكره باللفظ المذكور أعلاه دون الزيادات الثلاثة التي بين الأقواس فهي في حديث غير حديث عثمان إلا الزيادة الأولى فإنها عند ابن أبي شيبة في حديث الباب من وجه آخر عن عثمان كما في (الفتح) وقد جاءت عن غيره أيضا فأخرجه الطبراني في (الصغير) والبيهقي من طرق عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر مرفوعا بلفظ: (من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة) وهذا سند صحيح وقد رواه البزار أيضا وابن حبان في (صحيحه) كما في (الفتح)

стр. 456

و (الترغيب) ورواه الطيالسي عن قيس عن الأعمش به موقوفا. والمرفوع أصح ثم أخرجه الطيالسي وأحمد من حديث جابر عن عمار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعا مثل حديث أبي ذر وزاد: (لبيضها) وجابر هو الجعفي ضعيف ورواه البزار أيضا وأما الزيادة الثانية فهي من حديث جابر مرفوعا: (من بنى مسجدا لله كمفحص قطاة أو أصغر بنى الله له بيتا في الجنة) أخرجه ابن ماجه من طريق إبراهيم بن نشيط عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين النوفلي عن عطاء بن أبي رباح عنه. قال في (الزوائد): (إسناده صحيح ورجاله ثقات) قلت: وهم من رجال مسلم غير إبراهيم بن نشيط وهو ثقة. وقال المنذري: (إسناده صحيح ورواه ابن خزيمة في (صحيحه) ويشهد له حديث أنس عند الترمذي من طريق نوح بن قيس عن عبد الرحمن مولى قيس عن زياد النميري عنه بلفظ:

стр. 457

(من بنى لله مسجدا صغيرا كان أو كبيرا. . .) والباقي مثله وأشار المنذري لضعفه وذلك لأن عبد الرحمن هذا مجهول وزياد النميري - وهو ابن عبد الله - ضعيف كما في (التقريب). قال الشوكاني: (له طرق أخرى عن أنس منها عند الطبراني ومنها عند ابن عدي وفيهما مقال) قلت: ولعل بعضها يقوي بعضا وأما الزيادة الثالثة: فهي من حديث عمر بن الخطاب مرفوعا: (من بنى لله مسجدا يذكر فيه اسم الله تعالى بنى الله له بيتا في الجنة) أخرجه ابن ماجه وأحمد من طريق عثمان بن عبد الله بن سراقة عنه وإسناده صحيح رجاله رجال الصحيح ورواه ابن حبان في (صحيحه) وأعله المزي بالانقطاع بين عثمان هذا وعمر. ورده الحافظ في (التهذيب) بأنه مبني على قول الواقدي وهو وهم منه وبأنه صرح عثمان بسماعه من عمر في رواية ابن جرير الطبري في (تهذيب الآثار) ويشهد له حديث عمرو بن عبسة مرفوعا بهذا اللفظ إلا أنه قال: (ليذكر الله فيه)

стр. 458

أخرجه النسائي وأحمد من طريق بقية: ثنا بحير ابن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة عنه وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات وقد صرح بقية بالتحديث قال النووي ﵀: (يحتمل قوله ﷺ : (مثله) أمرين: أحدهما: أن يكون معناه: بنى الله تعالى له مثله في مسمى البيت. وأما صفته في السعة وغيرها فمعلوم فضلها أنها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر الثاني: أن معناه أن فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا) والقول الأول هو الأظهر وقد ارتضاه الحافظ في (الفتح) والله تعالى أعلم ثم إن مما يجب التنبه له أن هذا الفضل إنما هو لمن بنى مسجدا مبتغيا به وجه الله تعالى كما يدل لذلك قوله في الحديث: (لله). ويدل لهذا أيضا النصوص العامة من الكتاب والسنة وأما من قصد بذلك الفخر والمباهاة والتقرب إلى الدهماء كما يفعله كثير من الأمراء والكبراء فليس فيه إلا الوزر ولذلك قال الحافظ: (فائدة: قال ابن الجوزي: من كتب اسمه على المسجد الذي يبنيه كان بعيدا من الإخلاص. انتهى. ومن بناه بالأجرة لا يحصل له هذا الوعد

стр. 459

المخصوص لعدم الإخلاص وإن كان يؤجر بالجملة) (ويستحب أن يباشر بناء المسجد بنفسه ما أمكنه اقتداء منه به ﷺ فقد كان يبني مسجده والصحابة يناولونه الطين والحجارة وهو يقول: (ألا إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة) الحديث قطعة من حديث أنس ﵁ قال: كان موضع مسجد النبي ﷺ لبني النجار وكان فيه نخل وقبور المشركين فقال لهم النبي ﷺ : (ثامنوني به) فقالوا: لا نأخذ له ثمنا وكان النبي ﷺ يبنيه وهم يناولونه وهو يقول. . . إلخ قال: وكان رسول الله ﷺ يصلي قبل أن يبني المسجد حيث أدركته الصلاة أخرجه ابن ماجه وأحمد عن وكيع: ثنا حماد بن سملة عن أبي التياح عنه وهذا سند صحيح على شرط مسلم وقد أخرجه هو والبخاري وغيرهما من طرق أخرى عن أبي التياح به مطولا لكن ليس فيه موضع الشاهد منه وقد سبق لفظه قريبا وأخرج أحمد من طريق عمرو بن أبي عمرو عن ابن عبد الله بن حنطب عن أبي هريرة: أنهم كانوا يحملون اللبن لبناء المسجد ورسول الله ﷺ معهم قال: فاستقبلت رسول الله ﷺ وهو عارض لبنة على بطنه فظننت أنها قد شقت عليه قلت: ناولنيها يا رسول الله. قال: (خذ غيرها يا

стр. 460

أبا هريرة فإنه لا عيش إلا عيش الآخرة). قال في (المجمع): (رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح) كذا قال وهو على إطلاقه غير صحيح فإن ابن عبد الله هذا - واسمه المطلب - لم يرو له البخاري في (صحيحه) ولا مسلم. وإنما روى له الأولى في (جزء القراءة) ثم هو صدوق كثير التدليس والإرسال. وبقية رجاله ثقات رجال الستة (وينبغي أن يلاحظ في بنائه أمور: الأول: أن يصلح صنعته ويتقن بناءه فقد كان ﷺ يأمرنا أن نصنع المساجد في دورنا وأن نصلح صنعتها) هو من حديث بعض أصحاب النبي ﷺ بإسناد حسن وقد جاء مسمى في بعض الروايات وهو سمرة بن جندب كما سبق قريبا ومضى الكلام عليه وتخريج هناك (الثاني: أن لا يشيده ويرفع بنيانه لقوله ﵊: (ما أمرت بتشييد المساجد) هو من حديث ابن عباس ﵁ مرفوعا وتمامه: قال ابن عباس: (لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى) أخرجه أبو داود وعنه ابن حزم والبيهقي
следующие страницы →