٢١ - الحيض
هو الدم الأسود الخاثر الكريه الرائحة خاصة فمتى ظهر من المرأة صارت حائضا
عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض فقال لها النبي ﷺ : (إذا كان دم الحيضة فإنه دم أسود يعرف فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما هو عرق). (د: ٤٥ و ٥٠، ن: ٦٦، قط: ٧٦، مس: ١٧٤) وابن حزم (٢/ ١٦٤) عن ابن أبي عدي: ثنا محمد بن عمرو: ثنا ابن شهاب عن عروة بن الزبير عنها
وهذا سند حسن وقد حسنه ابن العربي في (العارضة) وقال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم) ووافقه الذهبي. وليس كما قالا
ثم أخرجه الحاكم (١/ ١٧٤) عن سهيل بن أبي صالح عن الزهري عن عروة بن الزبير عن أسماء بنت عميس قالت: قلت: يا رسول الله إن فاطمة بنت أبي حبيش استحاضت منذ كذا وكذا فلم تصل. قالت: فقال رسول الله ﷺ : (فسبحان الله هذا من الشيطان لتجلس في مركن فإذا رأت صفرة فوق الماء فتغتسل للظهر والعصر غسلا واحدا وتغتسل للمغرب والعشاء غسلا واحدا وتغتسل للفجر وتتوضأ فيما بين ذلك). وقال:
(صحيح على شرط مسلم) ووافقه الذهبي. وهو كما قالا
ورواه د (٤٨) وقط (٧٩) وطحا (٦٠ - ٦١)
стр. 37
فهذا الحديث يفيد أن الصفرة ليست دم حيض لقوله: (دم الحيض أسود يعرف). وهو مذهب ابن حزم وجمهور الظاهرية كما قال في (المحلى) (٢/ ١٦٨)
وأما الحمرة والصفرة بعد الطهر فلا يعد شيئا وهو قول أبي حنيفة وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وغيرهم
عن عائشة زوج النبي ﷺ أن أم حبيبة بنت جحش ختنة رسول الله ﷺ وتحت عبد الرحمن بن عوف استحيضت سبع سنين فاستفتت رسول الله ﷺ في ذلك فقال رسول الله ﷺ : (إن هذه ليست بالحيضة ولكن هذا عرق فاغتسلي وصلي). قالت عائشة: فكانت تغتسل في مركن في حجرة أختها زينب بنت جحش حتى تعلو حمرة الدم الماء. (م: ١٨١، د ٤٤، ن: ٦٥٥، مج: ٢١٥ - ٢١٦، مي: ١٩٦ - ١٩٨، ١٩٩ و ٢٠٠) وحم (٦ - ٨٣ و ١٨٧) ورواه: م (١٨١ - ١٨٢) ن (٦٥) د (٤٣)
وعن عائشة أن النبي ﷺ اعتكف معه بعض نسائه وهي مستحاضة ترى الدم فربما وضعت الطست تحتها من الدم وزعم أن عائشة رأت ماء العصفر فقالت: كان هذا شيء كانت فلانة تجده. (خ: ٢٦، مي: ٢١٧، وفي لفظ
стр. 38
ل خ: ٣٢٧ و ٤/ ٢٢٦): اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة مستحاضة من أزواجه فكانت ترى الحمرة والصفرة فربما وضعنا الطست تحتها وهي تصلي
وعن أيوب عن محمد عن أم عطية قالت: كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئا. (خ: ٣٣٨، د: ٥٠، ن: ٦٦، مي: ٢١٤، مجج: ٢٢٢، مس: ١٧٤) ثم أخرجه د مي: ٢١٥، مج: ٢٢٢ ومس من طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن أم الهذيل عنها بزيادة: بعد الطهر شيئا وقال: مس:
(صحيح على شرطهما)
وأم الهذيل هي حفصة بنت سيرين وكذا قال الذهبي وإنما هو على شرط مسلم من أجل حماد بن سلمة والأول هو على شرطهما واستدراكه على البخاري لا معنى له
وروى الدارمي عن ابن سيرين قال: لم يكونوا يرون في الكدرة والسفرة بأسا
١ - فإذا كان دم الحيض أسود يعرف فكل من رأته من النسائء وميزته فهي حائض وإلا فمستحاضة
٢ - إلا التي لا تميز دمها بسبب كثرته واستدامته فعليها أن ترجع إلى عادتها وأيامها المعرفة من الحيض
٣ - وإذا لم تعرف أيام الحيض ولم تميز الدم فعليها أن ترجع إلى الغالب من عادة النساء في ذلك
стр. 39
يدل للأول حديث فاطمة بنت أبي حبيش المتقدم
وللثاني حديث أم حبيبة عند أحمد وقد مر قريبا وهو من حديث عائشة
وقد روته - أيضا - أم سلمة عند أحمد (٦ - ٣٢٢ - ٣٢٣ و ٣٢٠ و ٣٩٣) وأبو داود (٤٢)
ن (٦٥) مي (١٩٩) مج (٢١٥) قط (٧٦) عن سليمان بن يسار عنها. وهو معلول بالانقاطاع بيته وبينها فقد رواه د وغيره عنه أن رجلا أخبره عنها
لكن له طريق أخرى في (المسند) (٦/ ٣٠٤): ثنا سريج: ثنا عبد اله - يعني ابن عمر - عن سالم أبي النضر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عنها. وهذا سند حسن بما قبله
ويدل للثالث حديث حمنة بنت جحش قالت: كنت أستحاض حيضة شديدة كثيرة فجئت إلى رسول الله ﷺ أستفتيه وأخبره فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش قالت: قلت: يا رسول الله إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة فما ترى فيها؟ قد منعتني الصلاة والصيام. فقال: (أنعت لك الكرسف (أي: القطن) فإنه يذهب الدم. قالت: هو أكثر من ذلك. قال: (فاتخذي ثوبا). قالت: هو أكثر من ذلك. قال: (فتلجمي). قالت: إنما أثج ثجا (الثج: السيلان) فقال: سآمرك بأمرين أيهما فعلت فقد أجزأ عنك من الآخر فإن قويت عليهما فأنت أعلم). فقال: لها:
стр. 40
(إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان فتحيضي (أي: اجعلي نفسك حائضا) ستة ايام أو سبعة في علم الله ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقيت فصلي أربعا وعشرين ليلة أو ثلاثا وعشرين ليلة وأيامها فصومي فإن ذلك مجزيك وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن. وإن قويت أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين ثم تصلين الظهر والعصر جميعا ثم تؤخري المغرب وتعجلي العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي وتغتسلين مع الفجر وتصلين فكذلك فافعلي وصلي وصومي إن قدرت على ذلك) وقال رسول الله ﷺ : (وهذا أعجب الأمرين إلي) رواه أصحاب السنن إلا النسائي وغيرهم وهو مخرج في التعليق على (المعجم) (ص ١٧٩ / ج ٢) وهو حديث حسن
وما ذكرناه من الأحوال الثلاثة قال به أحمد وإسحاق ففي الترمذي (١/ ٢٢٧): وقال أحمد وإسحاق في المستحاضة: إذا كانت تعرف حيضها بإقبال الدم وإدباره وإقباله أن يكون أسود وإدباره أن يتغير إلى لاصفرة فالحكم لها على حديث فاطمة بنت أبي حبيش وإن كانت المستحاضة لها أيام معروفة قبل أن تستحاض فإنها تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصلي وإذا استمر بها الدم ولم يكن لها أيام معروفة قبل أن تستحاض فإنها تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصلي وإذا استمر بها الدم ولم يكن لها ايام معروفة ولم تعرف الحيض بإقبال الدم وإدباره فالحكم لها على حديث حمنة بنت جحش. وكذلك قال أبو عبيد)
стр. 41
ولا بد للمستحاضة من أن تتوضأ لكل صلاة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة:
أن فاطمة بنت أبي حبيش أتت النبي فقالت: إني أحيض الشهر والشهرين فقال رسول الله ﷺ :
(إن ذلك ليس بحيض وإنما ذلك عرق فإذا أقبل الحيض فدعي الصلاة وإذا أدبر فاغتسلي لطهرك ثم توضئي عند كل صلاة)
طحا (٦١) عن أبي حنيفة عنه. وخ (١/ ٢٦٤ - ٢٦٥) وت (١/ ٢١٧ - ٢١٩) قط (٧٦) عن أبي معاوية عنه وقال ت: حسن صحيح وحب كما في (نصب الراية) (٢٠٣) عن أبي حمزة عنه
ورواه م (١٨٠) د (٤٤) ن (٦٤) مج (٢١٤) مي (١٩٨) طحا (٦٢) قط (٧٦) حم (٤/ ٨٤) من طرق عن هشام به دون قوله: (ثم توضئي عند كل صلاة) وهو رواية (خ ت) ولذلك تكلم في هذه الزيادة بعضهم بأنها مدرجة ورد ذلك الحافظ في (الفتح) وقد جاءت من طريق أخرى عن عروة ابن الزبير عند مج (٢١٥) وطحا (٦١) وقط (٧٨) وحم (٦/ ٤٢ و ٢٠٤ و ٢٦٢) عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة. زاد ابن ماجه: ابن الزبير به نحوه بلفظ:
(وتوضئي لكل صلاة إن قطر الدم على الحصير) ورجاله رجال الشيخين ولكن أعل بالانقطاع بين حبيب وعروة. وله طريق أخرى عن فاطمة عن
стр. 42
عثمان بن سعد الكاتب عن عبد الله بن أبي مليكة قال: حدثتني فاطمة بنت أبي حبيش قالت: أتيت عائشة. . . الحديث. وفيه أنه ﷺ قال لعائشة:
(مري فاطمة بنت أبي حبيش فلتمسك كل شهر عدد أيام أقرائها ثم تغتسل وتحتشي وتستثفر وتنظف ثم تطهر عند كل صلاة وتصلي). . . الحديث أخرجه حم (٦/ ٤٦٤) وقط (٨٠) ومس (١٧٥) وقال:
(حديث صحيح)
وعثمان بن سعد الكاتب بصري ثقة غزير الحديث يجمع حديثه. قلت: وضعفه غير الحاكم. وفي (التقريب) أنه ضعيف. وفي الباب أحاديث أخرى تراجع في (نصب الراية)
وقد ذهب إلى وضوء المستحاضة لكل صلاة: الشافعي وأحمد وأبو ثور وغيرهم وقال ابو حنيفة وصاحباه: تتوضأ لوقت كل صلاة. وهذا مجاز حذف يحتاج إلى دليل. ولذلك رده الشوكاني (٢٤٠) تبعا للحافظ
ويحرم وطء الحائض في الفرج ويجوز التمتع بها فيما سوى ذلك. عن أنس بن مالك: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يواكلوها ولم يجامعوها في البيوت فسأل أصحاب النبي النبي ﷺ فأنزل اله : (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض (. . إلى آخر الآية. فقال رسول الله ﷺ : (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) وفي لفظ: (إلا الجماع). رواه الجماعة إلا البخاري
стр. 43
وقال ﵊:
(من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ . رواه أهل (السنن) بإسناد صحيح كما بيناه في (نقد التاج) رقم (٦٤)
وتحريم إتيان الحائض مجمع عليه
وقد ذهب إلى الحديث أحمد بن حنبل ومحمد بن الحسن وإسحاق وغيرهم أن إتيان المرأة في غير المذكور جائز ويكره ذلك لمن يخشى عليه أن يقع في المحرم سدا للذريعة
وعلى من أتاها أن يتصدق بدينار أو بنصف دينار على التخيير: عن ابن عباس عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض يتصدق بدينار أو بنصف دينار. رواه أصحاب السنن بسند صحيح وقد أطال في تحقيق الكلام على أسانيده وتصحيح بعضها على متنه العلامة أحمد محمد شاكر في التعليق على الترمذي (١/ ٢٤٦ - ٢٥٤)
ولا تصلي ولا تصوم: قال ﵊ للنساء:
(أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟) قلن بلى. قال: (فذلكن من نقصان عقلها أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم)؟ قلن: بلى. قال: فذلكن من نقصان دينها). رواه البخاري
وتقضي الصوم دون الصلاة: عن معاذة ﵁ قالت: سألت
стр. 44
عائشة فقلت:
ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت:
كان يصيبنا ذلك مع رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة. روااه الجماعة
ولا تطوف بالبيت. قال ﵊:
(الحائض تقضي المناشسك كلها إلى الطواف بالبيت)
رواه أحمد (٦/ ١٣٧) عن عائشة و (١/ ٣٦٤) عن ابن عباس وأحدهما يقوي الآخر لا سيما وأن معناه في (الصحيحين) عنها
ويحضرن مصلى العيد يكبرن مع الناس ويعتزلن الصلاة. عن أم عطية قالت:
أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والاضحى العواتق والحيض وذوات الدور فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين قلت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب. قال: (لتلبسها أختها من جلبابها) وفي رواية: كنا نؤمرر بالخروج في العيدين والمخبأة والبكر قالت: الحيض يخرجن فيكن خلف الناس يكبرن مع الناس. م (٣/ ٢٠ - ٢١) وراجع خ في العيدين وغيره
ولها أن تدخل المسجد: عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ : (ناوليني الخمرة من المسجد) ن فقلت: إني حائض؟ فقال: تناوليها فإن الحيضة ليست في يدك). (م ١٦٨) د (٤١) ن (١/ ٥٢ - ٥٣ و ٦٨) وت
стр. 45
(١/ ٢٤١) وصححه ومي (٢٤٨) مج (٢١٨) وحم (٦/ ٤٥ و ١٠١ و ١٠٦ و ١١٠ و ١١١ و ١١٤ و ١٧٣ و ١٧٩ و ٢٠٨ و ٢١٤ و ٢٢٩ و ٢٤٥) من طرق عنها وفي الباب عن أبي هريرة عند م ن حم (٢/ ٤٢٨، ٦/ ٢١٤) وأم سلمة عند ن حم (٦/ ٣٣١ و ٣٣٤) وابن عمر عند حم (٢/ ٧٠ و ٨٦) وأنس عند البزار وأبي بكرة عند الطبراني في (الكبير). مجمع (١/ ٢٨٣)
وقد أجاز لها ذلك ابن حزم (٢/ ١٨٤ - ١٨٧) وحكاه عن المزني وداود وغيرهما
ويجوز مواكلتها: عن عائشة قالت: كنت أشرب وأنا حائض فأناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع في. رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي وهو في (المسند (٦/ ٦٢ و ٦٤ و ١٢٧ و ١٩٢ و ٢١٠ و ٢١٤) وفي الدارمي (١/ ٢٤٦)
وقال عبد الله بن سعد: سألت النبي ﷺ عن مواكلة الحائض؟ قال: واكلها. ت (١/ ٢٤٠) مي (٢٤٨) وحم (٤/ ٣٤٢ و ٥/ ٢٩٣) عن عبد الرحمن ابن مهدي: ثنا معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن حرام بن معاوية عنه. وقال الترمذي: حديث حسن. وهو كما قال
ثم أخرجه الدارمي (١/ ٢٤٩) من طريق الهيثم بن حميد: ثنا اللعاء بن الحارث به بلفظ: فقال رسول الله ﷺ : (إن بعض أهلي لحائض وإنا لمتعشون إن شاء الله جميعا)
стр. 46
ولا يجوز إتيانها إلا بعد أن تصير مستحاضة وتغتسل فلا بد من الغسل لقوله تعالى: (ولا تقربوهن حتى يطهرن (والطهر بانقطاع الحيض) فإذا تطهرن (أي: اغتسلن) فأتوهن من حيث أمركم الله ([البقر / ٢٢٢] وهذا مذهب الجمهور. وانظر الدارمي (٢٤٩ - ٢٥١) و (نيل المرام) لصديق حسن خان
وأما المستحاضة فلم يرد في خصوصها شيء من السنة عنه ﷺ فيما علمنا. وقد اختلف العلماء في إتيانها والجمهور على جواز ذلك وهو الحق لأن الأصل في الأشياء الإباحة ولأن في المنع من ذلك ضرا على الزوج فيما إذا كانت الاستحاضة مستديمة كما جرى لأم حبيبة بنت جحش كما سبق. وما أحسن ما روى الدارمي (٢٠٧) بإسناد صحيح عن سالم الأفطس قال:
سئل سعيد بن جبير: أتجامع المستحاضة؟ فقال: الصلاة أعظم من الجماع
وروي مثله عن بكر بن عبد الله المزني بسند صحيح أيضا
وأقل الحيض دفعة فإذا رأت المرأة الدم الأسود من فرجها أمسكت عن الصلاة والصوم. . . فإن - رأت - أثر الدم الأحمر. . . فقد طهرت. (المحلى) (٢/ ١٩١)
٢٢ - النفاس
أكثره أربعون يوما قالت أم سلمة: كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله ﷺ أربعين يوما وكنا نطلي وجوهنا بالورس (بت أصفر يصبغ به) من الكلف (حمرة كدرة تعلو الوجه). د (٥٠) ت (٢٥٤) مي (٢٢٩) مج (٢٢٣) قط (٨٢) مس (١٧٥) حم (٤/ ٣٠٠، ٣٠٣، ٣٠٤، ٣٠٩) من
стр. 47
طرق عن علي بن عبد ال'لى عن أبي سهل البصري عن مسة عنه
ثم أخرجه د مس عن يونس بن رافع عن كثير بن زياد أبي سهل قال: حدثتني مسنة الأزدية قالت:
حججت فدخلت على أم سلمة فقلت: يا أ / المؤمنين إن سمرة بن جندب يأمر النساء يقضين صلاة الحيض فقالت: لا يقضين كانت المرأة من نساء النبي ﷺ تقعد في النفاس أربعين ليلة لا يأمرها النبي ﷺ بقضاء صلاة النفاس
وقال الترمذي: (حديث غريب). وأما الحاكم فقال:
(صحيح). ووافقه الذهبي
وهو مردود بقوله في ترجمة مسنة الأزدية هذه من (الميزان) - وقد ساق لها هذا الحديث -: (قال الدارقطني: لا يحتج بها)
قلت: لا يعرف لها إلا هذا الحديث. وقال الحافظ عنها في (التقريب):
(إنها مقبولة)
لكن الحديث له شواهد كثيرة لا ينزل بها عن مرتبة الحسن لغيره:
فمنها ما روى أبو بلال الأشعري: ثنا أبو شهاب عن هشام بن حسان عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
(وقت للنفساء في نفاسهن أربعين يوما)
стр. 48
أخرجه قط (٨١) ومس (١٧٦) وقال: إن سلم من أبي بلال فإنه مرسل صحيح فإن الحسن لم يسمع من عثمان. وقال قط: أبو بلال الأشعري هذا ضعيف
ومنها عن عائشة نحوه عند الدارقطني من طريق أبي بلال المذكور: ثنا حبان عن عطاء عن عبد الله بن أبي مليكة عنها. وقال: أبو بلال ضعيف وعطاء هو ابن عجلان متروك الحديث
ومنها عن جابر قال:
وقت رسول الله ﷺ للنفساء أربعين يوما
رواه الطبراني في (الأوسط) وفيه أشعث بن سوار وثقه ابن معين واختلف في الاحتجاج به كما في (المجمع) (٢٨١) وفي (التقريب): هو ضعيف
وفي الباب أحاديث أخرى سيأتي قريبا ذكرها وقد وجدت لها شاهدا قويا موقوفا أخرجه الدارمي (١/ ٢٢٩ و ٢٣٠) من طريق أبي عوانة عن أبي بشر عن يوسف بن ماهك عن ابن عباس قال:
تنتظر النفساء أربعين يوما أو نحوها
وهذا سند صحيح على شرط الستة وكذلك أخرجه البيهقي (١/ ٣٤١)
فإن رأت الطهر قبل ذلك فإنها تغتسل وتصلي. وفيه أحاديث يقوي بعضها بعضا:
стр. 49
(١) عن أنس قال:
كان رسول الله ﷺ وقت للنفساء أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك. مج (٢٢٤) قط (٨١) عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن سلام بن سلم عن حميد عنه. وقال قط: لم يروه عن حميد غير سلام هذا وهو سلام الطويل وهو ضعيف الحيدث. وأما قول صاحب (الزوائد) أن إسناده صحيح ورجاله ثقات وهذا خطأ منشأه عدم تتبع من خرج الحديث فراجع لذلك التلعيق على (المحلى) (٢/ ٢٠٦) وقد أخرجه ابن حزم
(٢) عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ :
(تنتظر النفساء أربعين ليلة فإن رأت الطهر قبل ذلك فهي طاهر وإن جاوزت الأربعين فهي بمنزلة المستحاضة تغتسل وتصلي فإن غلبها الدم توضأت لكل صلاة) قط (٨١) مس (١٧٦) من طريق عمرو بن الحصين: ثنا محمد بن عبد الله بن علاثةعن عبدة بن أبي لبابة عن عبد الله بن باباه عنه. وقال قط: عمرو بن الحصين وابن علاثة ضعيفان متروكان
(٣) عن معاذ بن جبل مرفوعا:
(إذا مضى للنفساء سبع ثم رأت الطهر فلتغتسل ولتصل)
قط (٨٢) عن عبد السلام بن محمد الحمصي ولقبه سليم: ثنا بقية بن الوليد: أنا علي بن علي عن الأسود عن عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم عنه به. قال سليم: فلقيت علي بن علي عن الأسود عن عبادة بن
стр. 50
نسي عن عبد الرحمن بن غنم عنه مثله
الأسود هو ابن ثعلبة شامي
قلت: ورواه الحاكم (١/ ١٧٦) من هذا الوجه لكنه قال: ثنا بقية بن الوليد: أخبرني الأسود بن ثعلبة به
فلا أدري أهكذا الرواية عنده أم سقط من نستختنا ذكر علي بن علي. ثم ليس عنده الإسناد الثاني ثم قال:
(وقد استشهد مسلم ببقية بن الوليد وأما الأسود بن ثعلبة فإنه شامي معروف)
كذا قال ووافقه الذهبي مع أنه يقول في ترجمته من (الميزان):
(لا يعرف) قاله ابن المديني. وفي (التقريب):
(مجهول)
قال الشوكاني (١/ ٢٤٧):
(والأدلة الدالة على أن أكثر النفاس أربعون يوما متعاضدة بالسنة إلى حد الصلاحية والاعتبار فالمصير إليها متعين فالواجب على النفساء وقوف أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك كما دلت على ذلك الأحاديث السابقة)
وقال الترمذي (٢٥٨):
(وقد اجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم على
стр. 51
أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فإنها تغتسل وتصلي. فإذا رأت الدم بعد الاربعين فإن أكثر أهل العلم قالوا: لا تدع الصلاة بعد الأربعين وهو قول أكثر الفقهاء وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق)
قلت: وما ذكره عن الشافعي هو قول له وإلا فالمشهور المذكور في كتب أصحابه أن أكثر النفاس ستون يوما. وحكاه الترمذي عن عطاء بن أبي رباح والشعبي
واختلفوا في أقل النفاس على أقوال أقربها إلى الصواب أنه لا حد لأقله لقوله فيما سبق: فإن رأت الطهر قبل ذلك. وهو قول الشافعي ومحمد وهو اختيار شيخ الإسلام (١٦) من (الاختبارات) وابن حزم (٢/ ٢٠٣)
واعلم أن النفاس كالحيض في جميع ما يحل ويحرم ويكره ويندب وقد نقل الإجماع في ذلك الشوكاني (٢٤٨) عن (البحر). وقد أجمعوا أن الحائض لا تصلي فكذلك النفساء
стр. 52
٢ - كتاب الصلاة
١ - هي أحد الأركان الخمسة: (بني الإسلام على خمس). . . الحديث (متفق عليه). وفيه حديث: لا أزيد عليهن ولا أنقص
٢ - وفرضت أولا خمسين ثم جعلت خمسا: أنس بن مالك: فرضت على النبي ﷺ الصلوات ليلة أسري به خمسين ثم نقصت حتى جعلت خمسين. ت (١/ ٤١٧) وصححه وحم (٣/ ١٦١): ثنا عبد الرزاق: نا معمر عن الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك به. وهذا سند صحيح على شرط الشيخين وهو عندهما طرف من حديث الإسراء الطويل بنحوه
٣ - ويجوز لولاة الأمر أن يقبلوا إسلام الكافر ولولم يرض بإقامة كل الصلوات الخمس: نصر بن عاصم الليثي عن رجل منهم:
أنه أتى النبي ﷺ فأسلم على أنه لا يصلي إلا صلاتين فقبل ذلك منه. حم (٥/ ٢٤ - ٢٥ و ٣٦٣) من طريق شعبة عن قتادة عنه
وهذا سند صحيح على شرط مسلم. وفيه أحاديث
٤ - وفرضت أولا ركعتين ركعتين إلا المغرب ثم زيدت في الحضر إلا الصبح وتركت على ما هي عليه في السفر قالت عائشة:
قد فرضت الصلاة ركعتين ركعتين بمكة فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغرب فإنها وتر النهار وصلاة الفجر لطول
стр. 53
قراءتهما قال: وكان إذا سافر صلى الصلاة الأولى. حم (٦/ ٢٤١ و ٢٦٥) عن داود بن أبي هند عن الشعبي عنها. وهذا بسند صحيح على شرط مسلم. وله عنده (٦/ ٢٧٢) طريق أخرى عنها بنحوه وسنده حسن. وأصله في البخاري ومسلم مختصرا دون ذكر الصبح والمغرب. ولا يعارض هذا حديث ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة. مسلم (٢/ ١٤٣) وغيره فإن هذا إخبار عن ما استقر عليه الأمر
٥ - وتاركها يخشى عليه الكفر لقوله ﵊:
(بين الرجل وبين الكفر تلك الصلاة) م. زاد هبة الله الطبري:
(فإذا تركها فقد أشرك). قال المنذري:
(إسناده صحيح)
وقال ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) (حم ن ت: صح مس: صح) وراجع (نقد التاج)
ولذلك كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. (ت) عن عبد الله بن شقيق العقيلي التابعي به. ووصله الحاكم بذكر أبي هريرة فيه. وهو صحيح الإسناد ولذا يحشر يوم القيامة مع كبار المشركين قال ﵊: (من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاه
стр. 54
وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف) (مي حم طب حب في (صحيحه)
وسنده حسن
ولكن كفره ليس من النوع الذي لا يمكن أن يغفره الله وأن يدخله الجنة بل ذلك جائز قال ﷺ : (خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاءه بهن ولم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة). (مالك د ن مي مج حم بسند صحيح)
واعلم أنه قد جاءت أحاديث كثيرة فيها نسبة الكفر إلى من أتى ذنبا من الذنوب الكبار بل في بعضها أنه كفر وأنه كافر فقال ﷺ : (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) وقال: (ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر) و (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت) و (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض) و (أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم) و (من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه). وكل هذه الأحاديث في (الصحيح). فإذا علمنا أن الكفر درجات وأن منه ما لا يخلد صاحبه في النار فلا ملجئ حينئذ إلى التأويل من سماه رسول الله ﷺ كافرا سميناه كافرا ولا نزيد على هذا المقدار. وراجع لهذا الشوكاني (١/ ٢٥٤ - ٢٦٠)
стр. 55
٦ - وتاركها يقتل:
(أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا. . .) الحديث (متفق عليه) (سيكون عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد برئ عنقه ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع) فقالوا: ألا نقاتلهم؟ قال: (لا ما صلوا) (م). (أليس يصلي؟) قال: بلى ولا صلاة له. قال ﵇: (أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم) مالك (١/ ١٨٥) مرسلا بسند صحيح ووصله الشافعي وأحمد في (مسنديهما)
وله شاهد من حديث أنس في البراني وأبي يعلى والبزار في (المجمع) (١/ ٢٩٦) وآخر عن أبي هريرة (د ٢/ ٣٠٥)
٧ - ولا تجب الصلاة على الصبي حتى يبلغ:
(رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يعقل) (د ن ت مي مج مس حم ٦/ ١٠٠ - ٠١٠١ و ١٠١) وهو بمجموع طرقه وشواهده صحيح ويراجع في (نصب الراية) (٤/ ١٦١ - ١٦٥) و (التلخيص) (٢/ ٩٥ - ٩٦) و (مفتاح كنوز السنة) (ص ١٥٢)
٨ - ولكن يجب على ولي الأمر أن يأمره بالصلاة إذا بلغ السبع سنين وأن يضربه إذا بلغ العاشرة:
(مروا صبيانكم بالصلاة لسبع سنين واضربوهم عليها لعشر سنين
стр. 56
وفرقوا بينهم في المضاجع) وهو حديث حسن أو صحيح بطريقيه. انظر (نقد التاج) (رقم ٨٠) وبه قال الشافعية: مجموع (٢/ ١١) وإليه ذهب الشوكاني (١/ ٢٦٠)
٩ - ولا قضاء على المجنون سواء قل زمن الجنون أو كثر - وهو مذهب الشافعية وروي عن مالك وأحمد كما في (المجموع) (٢/ ٦ - ٧) وهو مذهب ابن حزم (٢/ ٢٣٣ - ٢٣٤) واختاره شيخ الإسلام (١٩)
١٠ - وكذا المغمى عليه لا قضاء عليه وهو مذهب من ذكر ورواه ابن حزم عن ابن عمر وطاوس والهري والحسن البصري وابن سيرين وعاصم بن بهدلة
١١ - وكذا الكافر إذا أسلم لا قضاء عليه: لقوله ﷺ :
(الإسلام يجب ما قبله). حم (٤: ١٩٨ - ١٩٩ و ٢٠٤ و ٢٠٥) من طرق عن عمرو بن العاص
١٢ - وأما النائم فيقضي ما فاته من الصلوات في حالة نومه:
(إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله يقول: (أقم الصلاة لذكري) (م)
١ - الظهر (١)
أول صلاة الظهر حين تزول الشمس وآخر وقتها حين يدخل وقت
стр. 57
العصر. وهذا قطعة من حديث لأبي هريرة ﵁ مرفوعا بلفظ: (إن للصلاة أولا وآخرا وإن أول وقت صلاة الظهر حين تزول الشمس وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر وإن أول وقت صلاة العصر حين يدخل وقتها وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس وإن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق وإن أول وقت العشاء الآخرة حين يغيب الأفق وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل وإن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر وإن آخر وقتها حين تطلع الشمس)
أخرجه الترمذي (١/ ٢٨٣ - ٢٨٤) والطحاوي (١/ ٨٩ و ٩٣) والدارقطني (٩٧) والبيهقي (١/ ٣٧٥ - ٣٧٦) وأحمد (٢/ ٢٣٢) وابن حزم في (المحلى) (٣/ ١٦٨) كلهم من طريق محمد بن فضيل عن الأعمش عن أبي صالح عنه وهذا سند صحيح على شرط الشيخين وقد صححه ابن حزم وقد أعله البخاري وغيره بأن الصواب أنه مرسل ورد ذلك ابن حزم وغيره فأصاب ولا سيما أن له شاهدا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال:
سئل رسول الله ﷺ عن وقت الصلوات فقال: (وقت صلاة الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأول ووقت صلاة الظهر إذا زالت المشس عن بطن السماء ما لم يحضر العصر ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس ويسقط قرنها الاول ووقت صلاة المغرب إذا غابت الشمس ما لم يسقط الشفق ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل)
رواه مسلم (٢/ ١٠٥) واللفظ له وأبو داود (١/ ٦٤) ون (٩٠ - ٩١) والطحاوي
стр. 58
(٩٠ و ٩٣) وأحمد (٢/ ٢١٠ و ٢١٣ و ٢٢٣) عن قتادة عن أبي أيوب عنه. ورواه ابن حزم (٣/ ١٦٦) والطيالسي (٢٩٧)
ويستحب تأخيرها في الحر: عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ إذا كان الحر أبرد بالصلاة وإذا كان البرد عجل. ن (٨٧): أخبرنا عبيد الله بن سعيد قال: ثنا أبو سعيد مولى بني هاشم قال: ثنا خالد بن دينار أبو خلدة قال: سمعت أ: نس بن مالك به. وهذا سند صحيح على شرط البخاري
وقال ﵊: (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم) (الجماعة). وهو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق
وسواء ذلك لمن قصد المسجد البعيد عنه أو القريب منه لحديث أبي ذر في الإبراد في السفر وهم مجتمعون. انظر الترمذي (٢٩٦)
٢ - العصر
وأول وقت صلاة العصر حين يصير ظل كل شيء مثله: عن جابر أن النبي ﷺ جاءه جبريل فقال: قم فصله فصلى الظهر حين زالت الشمس ثم جاءه العصر فقال: قم فصله: فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله أو قال: صار ظله مثله ثم جاءه المغرب فقال: قم فصله فصلى حين وجبت الشمس ثم جاءه العشاء فقال: قم فصله فصلى حين غاب الشفق ثم جاءه الفجر فقال: قم فصله فصلى حين برق الفجر أو قال: حين سطع الفجر ثم جاءه من الغد للظهر فقال: قم فصله فصلى الظهر حين صار ظل
стр. 59
كل شيء مثله ثم جاءه للعصر فقال: قم فصله فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه ثم جاءه للمغرب (المغرب) وقتا واحدا لم يزل عنه ثم جاءه للعشاء (العشاء) حين ذهب نصف الليل أو قال: ثلث الليل فصلى العشاء ثم جاءه للفجر حين أسفر جدا فقال: قم فصله فصلى الفجر ثم قال: ما بين هذين وقت
أخرجه أحمد (٣/ ٣٣٠ - ٣٣١) واللفظ له والنسائي (٩١ - ٩٢) والترمذي (١/ ٢٨١) والحاكم (١٩٥ - ١٩٦) والدارقطني (٩٥) كلهم من كريق عبد الله ابن المبارك: أخبرنا حسين بن علي بن حسين: أخبرني وهب بن كيسان عنه وقال الترمذي:
(حديث حسن صحيح). وقال الحاكم:
(صحيح مشهور) ووافقه الذهبي
وهو كما قالوا
وله طريق أخرى عن جابر أخرجه أحمد أيضا (٣/ ٣٥١) والنسائي (٨٨) والطحاوي (٨٨) من طريق عبد الله بن الحارث: ثني ثور بن يزيد عن سليمان ابن موسى عن عطاء بن أبي رباح عنه وهذا سند جيد
وتابعه برد بن سنان وعبد الكريم بن أبي المخارق كلاهما عن عطاء. أخره الدارقطني والحاكم
وهذا القول هو مذهب الجمهور ورواية أبي حنيفة في الطحاوي (٩٥)
стр. 60
وآخر وقتها حين تصفر الشمس ويسقط قرنها الأول كما في حديث أبي هريرة وابن عمرو السابقين ولما يدل على ذلك قوله ﵊: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) (متفق عليه) وهو مذهب الجمهور كما في (النيل) (٢/ ٢٦٧) وممن قال بذلك أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن رحمهم اله كما في الطحاوي (٩٠). وأما قول الشوكاني: وقال أبو حنيفة: آخره الاصفرار فلعله رواية عن أبي حنيفة
ولكن لا يجوز تأخيرها إلى الاصفرار قبل الغروب إلا لعذر قال ﵊: (تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله إلا قليلا) (رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه) وقد نقل الترمذي (٣٠٠) القول بكراهة تأخيرها عن عبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق. وهو قول ابن حزم (٣/ ١٦٤)
وهي الصلاة الوسطى. قال ﵇ يوم الأحزاب: (ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس) (متفق عليه) ولمسلم وأحمد وأبي داود: (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر) وفي معناه أحاديث كثيرة صحيحة وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم قاله الترمذي (١/ ٣٤٢)
стр. 61
٣ - المغرب
وأول وقت المغرب حين تغرب الشمس وآخر وقتها حين يغيب الشفق وهو قطعة من حديث أبي هريرة وحديث ابن عمرو أيضا وقد تقدما في أول الفصل
والحكم الأول متفق عليه والآخر مختلف فيه فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه ليس لصلاة المغرب إلا وقت واحد وذهبوا إلى حديث جبريل ﵇ المتقدم وفيه أنه صلى المغرب في اليومين حين وجبت الشمس وقتا واحدا. وهو قول ابن المبارك والشافعي
لكن الأحاديث الصحيحة تقتضي امتداد وقت المغرب إلى ذهاب الشفق وهو قول للشافعي في القديم والجديد. وصححه جمع من الشافعية واختاره النووي وانتصر له فراجع كلامه في (المجموع) (٣/ ٢٩ - ٣٣) وحديث جبريل إنما يدل على وقت الفضيلة والإختيار كما دل هو أيضا على ذلك بخصوص صلاة العصر
والشفق هو الحمرة لقوله ﵇: (ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق). أخرجه مسلم (٢/ ١٠٤) في رواية من حديث ابن عمرو المتقدم وهو عند أبي داود بلفظ: فور الشفق. وهو بمعنى ثور أي ثورانه. قال النووي في (المجموع) (٣/ ٣٦): (وهذه صفة الأحمر لا الأبيض) وقد رواه ابن خزيمة في (صحيحه) مصرحا بذلك فقال: ثنا عمار بن خالد: ثنا محمد بن يزيد - هو
стр. 62
الواسطي - عن شعبة عن قتاجة عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو رفعه:
(وقت صلاة المغرب إلى أن تذهب حمرة الشفق. . . .) الحديث وهذا إسناد جيد إلا أن ابن خزيمة قال بعد أن ساقه: إن صحت هذه اللفظة تفرد بها محمد بن يزيد وإنما قال أصحاب شعبة فيه: نور الشفق مكان حمرة الشفق. قال الحافظ في (التلخيص) (٣/ ٢٨): (قلت: محمد بن يزيد صدوق) وقال: في التقريب): (ثقة ثبت عابد)
وقد ذهب إلى أن الشفق الحمرة جمهور الفقهاء وأهل اللغة وهو قول الصاحبين وقد رواه البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عمر كما في (تهذيب الأسماء) (٢/ ١٦٥) ورواه الدارقطني (١٠٠) مرفوعا وأعلوه. ثم رواه عن عبادة ابن الصامت وشداد بن أوس معا وعن أبي هريرة موقوفا
وقال أبو حنيفة والمزني وطائفة من الفقهاء وأهل اللغة: المراد الأبيض وهو بعد الأحمر قال في (شرح مسلم): (والأول هو الراجح). وإليه ذهب ابن حزم (٣/ ١٩٢ - ١٩٤)
ويستحب المبادرة إلى صلاة المغرب والتعجيل بها قبل اشتباك النجوم لقوله ﵊:
(لا تزال أمتي بخير - أو على الفطرة - ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم)
وهو حديث صحيح بطرقه وقد ذكرت كثيرا منها في التعليق على
стр. 63
الطبراني رقم (٣٦٥). وقد صححه الحاكم والذهبي
ولا ينافي ذلك صلاة الركعتين قبل المغرب لثبوتهما عنه ﷺ قولا وإقرارا قال ﵇: بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة) ثم قال في الثالثة: (لمن شاء) (الجماعة) وابن نصر (٢٦)
وفي رواية: (صلوا قبل المغرب ركعتين) ثم قال: صلوا قبل المغرب ركعتين) ثم قال عند الثالثة: (لمن شاء) كراهة أن يتخذها الناس سنة. (حم خ دن قط)
وقال أنس: كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي ﷺ يبتدرون السواري حتى يخرج النبي وهم كذلك يصلون ركعتين قبل المغرب لم يكن بين الأذان والإقامة شيء. وفي رواية: إلا قليل (حم خ ابن نصر)
وفي رواية: فقيل له: أكان رسول الله ﷺ صلاهما؟ قال: كان يرانا نصليهما فلم يأمرنا ولم ينهنا. (م د قط: ١٠٠) وله شاهد من حديث عقبة عند (خ حم قط ابن نصر)
وأما ما أخرجه أبو داود وحده (٢٠٢) من طريق شعبة عن أبي شعيب عن طاوس قال: سئل ابن عمر عن الركعتين قبل المغرب فقال: ما رأيت أحدا على عهد رسول الله ﷺ يصليهما. فهو مع كونه نافيا - وقد علم أن المثبت مقدم على النافي - لا يقاوم في الصحة ما تقدم فإن أبا شعيب هذا اسمه شعيب وليس بالمشهور كثيرا وقد قال فيه أبو زرعة:
стр. 64
(لا بأس به)
وكذا في (التقريب) وقد سكت على الحديث في (التلخيص) (٤/ ٨) وفي (الدراية) (١١٩) وأ / االنووي فقال في (المجموع) (٤/ ٨):
(إن إسناده حسن). واله أعلم
ثم إني بعد كتابة ما تقدم رجعت إلى (المحلى) لابن حزم فإذا به يقول (٢/ ٢٥٤) - وقد ذكر حديث ابن عمر هذا -:
(إنه لا يصح لأنه عن أبي شعيب أو شعيب ولا ندري من هو)
ذلك وأما إذا وضع العشاء وكانت نفسه تتوق إليه فعليه أن يبدأ به ولو أدى ذلك إلى تأخير الصلاة قال ﵊:
(إذا قدم العشاء فابدؤوا به قبل صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم) (متفق عليه)
وكذلك الشأن في كل صلاة. قال ﵇:
(إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدؤوا بالعشاء). وقال:
(لا صلاة بحضرة الطعام) (م)
وكان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرغ وإنه ليسمع قراءة الإمام
ويتأكد ذلك للصائم لقوله ﵊:
стр. 65
(لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) (متفق عليه)
ولا يجوز تسميتها بالعشاء لقوله ﵇:
(لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتتكم المغرب) قال: (والأعراب تقول: هي العشاء)
أخرجه البخاري في (الصلاة: باب من كره أن يقال للمغرب: العشاء). وأحمد (٥/ ٥٥). وعزاه في (المنتتقى) لمسلم أيضا حيث قال:
(متفق عليه)
وهو وهم فليس هو في مسلم وقد اقتصر في عزوه إلى البخاري صاحب (المشارق) وكذا النووي في (المجموع) (٣/ ٢٩)
قال السندي: كأن المراد فيه وفي مثله النهي عن إكثار إطلاق لغة الأعراب بحث تغلب لغة الأعراب على الاسم الشرعي فيقل إطلاق الاسم الشرعي بين الناس ويكثر إطلاق اسم الأعراب فلا ينافي إطلاق اسم العشاء على قلة ولهذا ورد مثل هذا النهي في إطلاق اسم العتمة على العشاء ثم جاء إطلاق اسم العتمة على العشاء في الشرع على قلة والله أعلم
٤ - العشاء
أول وقتها حين يغيب الشفق وهو الأحمر - كما سبق - ومن حجة من قال ذلك ما قاله ابن سيد الناس في شرح الترمذي: وقد علم كل من له علم بالمطالع والمغارب أن البياض لا يغيب إلا عند ثلث الليل الأول بيقين وهو
стр. 66
الذي حد ﵊ خروج أكثر الوقت به فصح يقينا أن وقتها داخل قبل ثلث الليل الأول بيقين فقد ثبت من النص أنه داخل قبل مغيب الشفق الذي هو البياض فتبين بذلك يقينا أن الوقت دخل بالشفق الذي هو الحمرة) نقله الشوكاني (٢/ ٩). وقد سبق ابن حزم إلى هذا المعنى في (المحلى) (٢/ ١٩٣) ابن سيد الناس وكأنه أخذه عنه
وهذا مذهب الجمهور
وآخر وقتها حين ينتصف الليل كما في حديث أبي هريرة وابن عمرو المتقدمين. وهو مذهب ابن حزم (٢/ ١٦٤) وقد رواه عن عمر ﵁ بلفظ: (وصل صلاة العشاء من العشاء إلى نصف الليل أي حين تبيت) (رسمه في الأصل بدون إعجام. كذا في (المحلى) وأقول: الصواب: شئت فقد ذكره ابن حزم من طريق الحجاج بن منهال: ثنا يزيد بن هارون: ثنا محمد بن سيرين عن المهاجر أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى به. وقد رواه الطحاوي (١/ ٩٤) من طريق أبي عمر الحوضي - واسمه حفص بن عمر - قال: ثنا يزيد بن هارون به بلفظ: أي حين شئت
وهذا سند صحيح رجاله رجال الشيخين والمهاجر هذا هو أبو الحسن كما صرح ابن حزم (١٩٠)
ولهذا الأثر طريق آخر أخرجه مالك (١/ ٢٥) من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى بلفظ:
стр. 67
(وأن صل العشاء ما بينك وبين ثلث الليل فإن أردت فإلى شطر الليل ولا تكن من الغافلين)
وهذا سند صحيح غاية
وأما ما رواه الطحاوي من طريق سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن نافع بن جبير قال: كتب عمر إلى أبي موسى: (وصل العشاء أي الليل شئت ولا تغفلها) فمخالف لما سبق وعلة هذه الرواية الانقطاع بين حبيب ونافع فإن حبيبا وإن كان ثقة فقد كان كثير الإرسال والتدليس كما في (التقريب) وأنت ترى أنه قد عنعن ولم يصرح بالتحديث فلا يحتج بروايته هذه لا سيما وقد خالفت ما رواه الثقات
وهذا المذهب روي عن مالك القول به كما في (بداية المجتهد) (٧٥) وهو قول أبي سعيد الإصطخري قال:
(إذا ذهب ثلث الليل أو نصفه فاتت الصلاة وتكون قضاء)
ذكره في (المهذب). وهو ظاهر قول الإمام الشافعي في باب استقبال القبلة: (إذا مضى ثلث الليل فلا أراها إلا فائتة) قال النووي في (شرح المهذب) (٣/ ٤٠):
(فمن أصحابنا من وافق الإصطخري لظاهر هذا النص وتأوله الجمهور)
وقلت: ومن حجة الشافعي في قوله بالثلث حديث عائشة قالت:
أعتم رسول الله ﷺ ليلة بالعتمة فناداه عمر ﵁: نام النساء
стр. 68
والصبيان. فخرج رسول الله ﷺ فقال: (ما ينتظرها غيركم) ولم يكن يصلي يومئذ إلا بالمدينة ثم قال:
(صلوها فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل)
أخرجه النسائي من طريق ابن حمير قال: ثنا ابن أبي عيلة عن الزهري عن عروة عنها
وهذا سند جيد رجاله ثقات إلا ابن حمير واسمه محمد تكلم فيه بعضهم مع أنه من رجال البخاري وقد أخرجه في (صحيحه) من طريق صالح بن كيسان: أخبرني ابن شهاب به نحوه إلا أنه قال بدل قوله: ثم قال: صلوها. . . إلخ قال: وكانوا يصلون العشاء فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول
لكن قد ثبت تحديد وقت صلاة العشاء إلى نصف (الليل) في الحديثين السابقين وهي زيادة يجب قبولها كما لا يخفى وقد جاءت أحاديث أخرى في ذلك منها حديث أنس قال: أخر النبي ﷺ صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلى ثم قال: (قد صلى الناس وناموا أما إنكم في صلاة ما انتظرتموها) خ حم (٣/ ٢٠٠) والطحاوي (٩٤) كلاهما عن حميد الطويل عنه. وأخرجه النسائي (٩٣) من هذا الوجه بلفظ: (إلى قريب من شطر الليل). وهو رواية لأحمد (٣/ ١٨٩)
وله طرق أخرى منها عن ثابت عنه بلفظ: (إلى شطر الليل) أو (كاد
стр. 69
يذهب شطر الليل). أخرجه مسلم (٢/ ١١٦) وأحمد (٢٦٧) وليس عنده: (إلى شطر الليل) بل قال: (حتى كاد يذهب شطر الليل)
ومنها عن قرة بن خالد عن قتادة عن أنس بلفظ:
(حتى كان قريب من نصف الليل)
أخرجه مسلم أيضا والطيالسي (٢٦٧) وقال: (حتى مضى شطر الليل) وهذا اللفظ شاذ مخالف لسائر الروايات
ومنها عن أبي هريرة مرفوعا:
(لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه)
أخرجه ت وصححه مج (٢٣٤) حم (٢٥٠ - ٤٣٣) عن عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري عنه. ورجاله رجال الشيخين
ورواه الحاكم (١/ ١٤٦) من طريق أخرى عن سعيد بلفظ: (إلى نصف الليل) بدون شك
ورواه أحمد من طريق أخرى عن أبي هريرة بلفظ: (إلى ثلث الليل) بدون شك
ولذلك رواه من وجه آخر عن سعيد عن عطاء مولى صفية عن أبي هريرة فقد اضطرب في هذه اللفظة. انظر التعليق على الترمذي
стр. 70
ومنها حديث أبي سعيد الخدري قال: صلينا مع رسول الله ﷺ صلاة العتمة فلم يخرج حتى مضى نحو من شطر الليل فقال: (خذوا مقاعدكم) فأخذنا مقاعدنا فقال: (إن الناس قد صلوا وأخذوا مضاجعهم وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة ولولا ضعف الضعيف وسقم السقيم لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل). أخرجه د (٦٩) واللفظ له ون (٩٢) ومج (٢٣٤ - ٢٣٥) وحم (٣/ ٥) من طريق داود بن أبي هند عن أبي نضرة عنه. وهذا سند صحيح كما قال الحافظ في (التلخيص) (٣/ ٢٩)
قلت: وهو على شرط مسلم
هذا ولم نجد لمن ذهب - وهم الجمهور - إلى أن وقت العشاء يمتد إلى صلاة الفجر إلا حديثين وليسا بنص في ذلك:
الأول: عن أبي قتادة مرفوعا: (ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى). احتج به على ما ذكرنا بعض أهل الظاهر من المتقدمين. والشوكاني المحقق من المتأخرين (١/ ١٠) ورد ذلك ابن حزم ردا قويا فقال (٣/ ١٧٨): هذا لا يدل على ما قالوه أصلا وهم مجمعون معنا بلا خلاف من أحد من الأئمة أن وقت صلاة الفجر لا يمتد إلى وقت صلاة الظهر فصح أن هذا الخبر لا يدل على اتصال وقت كل صلاة بوقت التي بعدها وإنما فيه معصية من أخر صلاة إلى وقت غيرها فقط سواء اتصل آخر وقتها بأول الثانية لها أم لم يتصل وليس فيه
стр. 71
أنه لا يكون مفرطا أيضا من أخرها إلى خروج وقتها وإن لم يدخل وقت أخرى ولا أنه يكون مفرطا بل هو مسكوت عنه في هذا الخبر ولكن بيانه في سائر الأخبار التي فيها نص على خروج وقت كل صلاة والضرورة توجب أن من تعدى بكل عمل وقته الذي حده الله تعالى لذلك العمل فقد تعدى حدود الله وقال تعالى: (ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون (
والحديث الثاني عن عائشة قالت: أعتم النبي ﷺ ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل وحتى نام أهل المسجد ثم خرج فصلى فقال: (إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي). مسلم (٢/ ١١٦) ن (٩٣) مي (١/ ٢٧٦) والطحاوي (٩٤) من طريق ابن جريج قال: أخبرني المغيرة بن حكيم عن أم كلثوم بنت أبي بكر أنها أخبرته عنها
فظاهر الحديث أنه صلاها بعد مضي نصف الليل الأول ولكن الحديث مؤول
قال النووي: (والمراد بعامة الليل كثير منه وليس المراد أكثره ولا بد من هذا التأويل لقوله ﷺ : (إنه لوقتها) ولا يجوز أن المراد بهذا القول ما بعد نصف الليل لأنه لم يقل أحد من العلماء أن تأخيرها إلى ما بعد نصف الليل أفضل)
قلت: وقد يدل لهذا التأويل أن الحديث قد جاء في البخاري ومسلم والنسائي والدارمي والمسند (٦/ ٤٣ و ٢١٥ و ٢٧٢) من طرق عن الزهري عن
стр. 72
عروة عن عائشة وليس فيه قوله: (حتى ذهب عامة الليل) وإنما فيه: (حتى ناداه عمر بن الخطاب: قد نام النساء والصبيان). وذلك إنما يكون عادة قبل نصف الليل. ويقوي ذلك أن الحديث هذا رواه ابن عباس أتم منه فقال: أخر النبي ﷺ العشاء ذات ليلة حتى ذهب من الليل فقام عمر ﵁ فنادى: الصلاة يا رسول الله رقد النساء والولدان. فخرج رسول الله ﷺ والماء يقطر من رأسه وهو يقول: (إنه الوقت لولا أن أشق على أمتي). أخرجه النسائي (٩٢) والدارمي (٢٧٦) من طريق سفيان عن عمرو عن عطاء عنه وعن ابن جرير عن عطاء عنه
وهذان إسنادان صحيحان على شرط الشيخين
وقد رواه مسلم (١١٧) وأحمد (١/ ٣٦٦) عن ابن جريج به وفيه التصريح بسماع ابن جريج من عطاء
فهذه الرواية تدل على أن حديث عائشة برواية أم كلثوم عنها وحديثها برواية عروة عنها إنما هو حديث واحد اختصره بعض الرواة وهي تدل دلالة ظاهرة على أن قوله فيها: (إنه الوقت) يريد به الوقت الذي نام فيه النساء والولدان وذلك قبل نصف الليل عادة كما قلنا فرجع الحيث إلى أن المراد بعامة الليل كثير منه لا أكثره كما قال النووي وهو من دقة فهمه ﵀. وإن كان لا بد من الأخذ بظاهر حديث أم كلثوم عنها فهذا إنما يدل على أنه صلاها في ابتداء النصف الثاني ولذلك قال ابن حزم (٣/ ١٨٤):
стр. 73
(إذا ذهب نصف الليل فقد ذهب عامة الليل) وعلى هذا بنى قوله في أول الفصل (٣/ ١٦٤): (ثم يتمادى وقت صلاة العتمة إلى انقضاء نصف الليل الأول وابتداء نصف الثاني فمن كبر لها في أول النصف الثاني من الليل فقد أدرك صلاة العتمة بلا كراهة ولا ضرورة فإذا زاد على ذلك فقد خرج وقت الدخول في صلاة العتمة). وأما أنه يدل على امتداد الوقت إلى صلاة الفجر كما زعم الطحاوي فليس فيه أدنى دلالة على ذلك. وهو قول للشافعي كما ذكر الشوكاني (٢/ ١٠)
والليل ينتهي بطلوع الفجر الصادق وهو مذهب الشافعية وكافة العلماء وراجع (المجموع) (٣/ ١٠)
وكان ﷺ يستحب أن يؤخر العشاء. (رواه الجماعة)
زاد أحمد (٤/ ٤٢٤ و ٤٢٥): إلى ثلث الليل. وسنده صحيح على شرطهما
ويحض على ذلك فيقول: (أعتموا بهذه الصلاة فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم ولم تصلها أمة قبلكم). أبو داود (٦٩) وحم (٥/ ٢٣٧) من طريق حريز بن عثمان: ثنا راشد بن سعد عن عاصم بن حميد السكوني - وكان من أصحاب معاذ بن جبل - أنه سمع معاذ بن جبل يقول: رقبنا رسول الله ﷺ في صلاة العشاء فاحتبس حتى ظننا أن لن يخرج والقائل منا يقول: قد صلى ولن يخرج فقال رسول الله ﷺ . . . فذكره. زاد أبو
стр. 74
داود: فإنا لكذلك حتى خرج النبي ﷺ فقالوا له كما قالو. فقال لهم. . . الحديث. وهذا إسناد جيد
وفي هذا الانتظار نزل قوله تعالى: (ليسوا سواء من أهل الكتاب. . . والله عليم بالمتقين ([آل عمران / ١١٣ - ١١٥] قال ابن مسعود ﵁: أخر رسول الله ﷺ صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة قال: (أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم) قال: وأنزل هؤلاء الآيات: (ليسوا سواء من أهل الكتاب. . . (حتى بلغ: (وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين (
أخرجه أحمد (١/ ٣٩٤) عن شيبان عن عاصم عن زر عنه. وهذا سند حسن
وكان لا يعزم عليهم بذلك لما فيه من المشقة كما سبق
ومع ذلك فكان ﵇ يراعي أحوال المجتمعين قلة وكثرة فقد كان أحيانا يؤخرها وأحيانا يعجل إذا رآهم اجتمعوا عجل وإذا رآهم أبطأوا أخر. (خ م حم: ٣/ ٣٦٩) وطيا (١٢٤) عن أبي برزة
стр. 75
وقالت عائشة: ما نام رسول الله ﷺ قبل العشاء ولا سمر بعدها. مج (٢٣٨) طيا (٢٠١) حم (٦/ ٢٦٤) من طريق عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عنها. وهذا سند حسن ورجاله رجال سملم. وقال صاحب (الزوائد): إنه صحيح
وله طريق أخرى عند ابن نصر قال: ثنا محمود بن آدم: ثنا يحيى بن سليم: ثنا هشام بن عروة قال: سمعت أبي يقول: انصرفت بعد العشاء الآخرة فسمعت كلامي عائشة ﵂ خالتي ونحن في حجرة بيننا وبينا سقف فقالت: يا عروة أو يا عرية ما هذا السمر؟ إني ما رأيت رسول الله ﷺ نائما قبل هذه الصلاة ولا متحدثا بعدها إما نائما فيسلم أو مصليا فيغنم. وهذا إسناد محسن أيضا ورجاله رجال البخاري
وقال ابن مسعود:
جدب (١) لنا رسول الله ﷺ السمر بعد العشاء يعني: زجرنا