أنه لا يكون مفرطا أيضا من أخرها إلى خروج وقتها وإن لم يدخل وقت أخرى ولا أنه يكون مفرطا بل هو مسكوت عنه في هذا الخبر ولكن بيانه في سائر الأخبار التي فيها نص على خروج وقت كل صلاة والضرورة توجب أن من تعدى بكل عمل وقته الذي حده الله تعالى لذلك العمل فقد تعدى حدود الله وقال تعالى: (ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون (
والحديث الثاني عن عائشة قالت: أعتم النبي ﷺ ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل وحتى نام أهل المسجد ثم خرج فصلى فقال: (إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي). مسلم (٢/ ١١٦) ن (٩٣) مي (١/ ٢٧٦) والطحاوي (٩٤) من طريق ابن جريج قال: أخبرني المغيرة بن حكيم عن أم كلثوم بنت أبي بكر أنها أخبرته عنها
فظاهر الحديث أنه صلاها بعد مضي نصف الليل الأول ولكن الحديث مؤول
قال النووي: (والمراد بعامة الليل كثير منه وليس المراد أكثره ولا بد من هذا التأويل لقوله ﷺ : (إنه لوقتها) ولا يجوز أن المراد بهذا القول ما بعد نصف الليل لأنه لم يقل أحد من العلماء أن تأخيرها إلى ما بعد نصف الليل أفضل)
قلت: وقد يدل لهذا التأويل أن الحديث قد جاء في البخاري ومسلم والنسائي والدارمي والمسند (٦/ ٤٣ و ٢١٥ و ٢٧٢) من طرق عن الزهري عن
стр. 72
عروة عن عائشة وليس فيه قوله: (حتى ذهب عامة الليل) وإنما فيه: (حتى ناداه عمر بن الخطاب: قد نام النساء والصبيان). وذلك إنما يكون عادة قبل نصف الليل. ويقوي ذلك أن الحديث هذا رواه ابن عباس أتم منه فقال: أخر النبي ﷺ العشاء ذات ليلة حتى ذهب من الليل فقام عمر ﵁ فنادى: الصلاة يا رسول الله رقد النساء والولدان. فخرج رسول الله ﷺ والماء يقطر من رأسه وهو يقول: (إنه الوقت لولا أن أشق على أمتي). أخرجه النسائي (٩٢) والدارمي (٢٧٦) من طريق سفيان عن عمرو عن عطاء عنه وعن ابن جرير عن عطاء عنه
وهذان إسنادان صحيحان على شرط الشيخين
وقد رواه مسلم (١١٧) وأحمد (١/ ٣٦٦) عن ابن جريج به وفيه التصريح بسماع ابن جريج من عطاء
فهذه الرواية تدل على أن حديث عائشة برواية أم كلثوم عنها وحديثها برواية عروة عنها إنما هو حديث واحد اختصره بعض الرواة وهي تدل دلالة ظاهرة على أن قوله فيها: (إنه الوقت) يريد به الوقت الذي نام فيه النساء والولدان وذلك قبل نصف الليل عادة كما قلنا فرجع الحيث إلى أن المراد بعامة الليل كثير منه لا أكثره كما قال النووي وهو من دقة فهمه ﵀. وإن كان لا بد من الأخذ بظاهر حديث أم كلثوم عنها فهذا إنما يدل على أنه صلاها في ابتداء النصف الثاني ولذلك قال ابن حزم (٣/ ١٨٤):
стр. 73
(إذا ذهب نصف الليل فقد ذهب عامة الليل) وعلى هذا بنى قوله في أول الفصل (٣/ ١٦٤): (ثم يتمادى وقت صلاة العتمة إلى انقضاء نصف الليل الأول وابتداء نصف الثاني فمن كبر لها في أول النصف الثاني من الليل فقد أدرك صلاة العتمة بلا كراهة ولا ضرورة فإذا زاد على ذلك فقد خرج وقت الدخول في صلاة العتمة). وأما أنه يدل على امتداد الوقت إلى صلاة الفجر كما زعم الطحاوي فليس فيه أدنى دلالة على ذلك. وهو قول للشافعي كما ذكر الشوكاني (٢/ ١٠)
والليل ينتهي بطلوع الفجر الصادق وهو مذهب الشافعية وكافة العلماء وراجع (المجموع) (٣/ ١٠)
وكان ﷺ يستحب أن يؤخر العشاء. (رواه الجماعة)
زاد أحمد (٤/ ٤٢٤ و ٤٢٥): إلى ثلث الليل. وسنده صحيح على شرطهما
ويحض على ذلك فيقول: (أعتموا بهذه الصلاة فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم ولم تصلها أمة قبلكم). أبو داود (٦٩) وحم (٥/ ٢٣٧) من طريق حريز بن عثمان: ثنا راشد بن سعد عن عاصم بن حميد السكوني - وكان من أصحاب معاذ بن جبل - أنه سمع معاذ بن جبل يقول: رقبنا رسول الله ﷺ في صلاة العشاء فاحتبس حتى ظننا أن لن يخرج والقائل منا يقول: قد صلى ولن يخرج فقال رسول الله ﷺ . . . فذكره. زاد أبو
стр. 74
داود: فإنا لكذلك حتى خرج النبي ﷺ فقالوا له كما قالو. فقال لهم. . . الحديث. وهذا إسناد جيد
وفي هذا الانتظار نزل قوله تعالى: (ليسوا سواء من أهل الكتاب. . . والله عليم بالمتقين ([آل عمران / ١١٣ - ١١٥] قال ابن مسعود ﵁: أخر رسول الله ﷺ صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة قال: (أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم) قال: وأنزل هؤلاء الآيات: (ليسوا سواء من أهل الكتاب. . . (حتى بلغ: (وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين (
أخرجه أحمد (١/ ٣٩٤) عن شيبان عن عاصم عن زر عنه. وهذا سند حسن
وكان لا يعزم عليهم بذلك لما فيه من المشقة كما سبق
ومع ذلك فكان ﵇ يراعي أحوال المجتمعين قلة وكثرة فقد كان أحيانا يؤخرها وأحيانا يعجل إذا رآهم اجتمعوا عجل وإذا رآهم أبطأوا أخر. (خ م حم: ٣/ ٣٦٩) وطيا (١٢٤) عن أبي برزة
стр. 75
وقالت عائشة: ما نام رسول الله ﷺ قبل العشاء ولا سمر بعدها. مج (٢٣٨) طيا (٢٠١) حم (٦/ ٢٦٤) من طريق عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عنها. وهذا سند حسن ورجاله رجال سملم. وقال صاحب (الزوائد): إنه صحيح
وله طريق أخرى عند ابن نصر قال: ثنا محمود بن آدم: ثنا يحيى بن سليم: ثنا هشام بن عروة قال: سمعت أبي يقول: انصرفت بعد العشاء الآخرة فسمعت كلامي عائشة ﵂ خالتي ونحن في حجرة بيننا وبينا سقف فقالت: يا عروة أو يا عرية ما هذا السمر؟ إني ما رأيت رسول الله ﷺ نائما قبل هذه الصلاة ولا متحدثا بعدها إما نائما فيسلم أو مصليا فيغنم. وهذا إسناد محسن أيضا ورجاله رجال البخاري
وقال ابن مسعود:
جدب (١) لنا رسول الله ﷺ السمر بعد العشاء يعني: زجرنا
стр. 76
أخرجه ابن ماجه (٢٣٨) وأحمد (١/ ٣٨٨ - ٣٨٩، ٤١٠) من طرق ثلاثة عن عطاء بن السائب عن شقيق بن سلمة عنه. ورجاله رجال البخاري لكن عطاء كان قد اختلط
قال الترمذي: وقد كره أكثر أهل العلم النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها ورخص في ذلك بعضهم وقال عبد الله بن المبارك: أكثر الأحاديث الكراهية
والذي يظهر من مجموع الأحاديث الواردة في هذا الباب كراهة السمر والسهر إلا فيما فيه صالح المتكلم أو صالح المسلمين وفي ذلك أحاديث:
(١) عن عمر بن الخطاب قال:
كان رسول الله ﷺ يسمر مع أبي بكر في الأامر من أمور المسلمين وأنا معهما
أخرجه الترمذي (١/ ٣١٥) وابن نصر (٤٦) والطحاوي (٣٩١) من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عنه. وهذا سند صحيح على شرطهما واقتصر الترمذي على تحسينه وهو قصور كما بينه المعلق عليه
وقد رواه أحمد (١/ ٢٥ - ٢٦) بإسنادين عن عمر فقال ثنا أبو معاوية: ثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: جاء رجل إلى عمر ﵁ وهو بعرفة قال: [أبو] معاوية: وحدثنا الأعمش عن خيثمة عن قيس بن مروان أهـ أتى عمر ﵁. . . . فذكر الحديث مطولا
فللأعمش في الحديث إسنادان والأول صحيح كما ذكرنا وكذلك
стр. 77
الآخر صحيح ورجاله رجال الشيخين غير قيس بن مروان أبي قيس وهو صدوق كما في (التقريب)
(٢) عن ابن عباس أنه قال: رقدت في بيت ميمونة ليلة كان النبي ﷺ عندها لأنظر كيف صلاة النبي ﷺ بالليل قال: فتحدث النبي ﷺ مع أهله ساعة ثم رقد
رواه مسلم (٢/ ١٨٢) وابن نصر (٤٦)(٣) عن أنس ﵁ أن أسيد بن حضير ورجلا آخر من الأنصار تحدثا عند رسول الله ﷺ ليلة في حاجة لهما حتى ذهب من الليلة ساعة والليلة شديدة الظلمة ثم خرجا من عند النبي ﷺ ينقلبان وبيد كل واحد عصاة فأضاءت عصا أحدهما لهما حتى مشيا في ضوئها حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه فمشى كل واحد منهما في ضوئه حتى بلغ أهله
رواه ابن نصر عن عبد الرزاق: أنا معمر عن ثابت عنه. وهذا سند صحيح على شرط الستة
ويدل لما ذكرنا من الجمع: ما رواه أبو سعيد مولى الأنصار قال: كان عمر لا يدع سامرا بعد العشاء يقول: ارجعوا لعل الله يرزقكم صلاة أو تهجدا فانتهى إلينا وأنا قاعد مع ابن مسعود وأبي بن كعب وأبي ذر فقال: ما يقعدكم؟ قلنا: أردنا أن نذكر الله فقعد معهم
стр. 78
أخرجه الطحاوي (٢/ ٣٩١) من طريق سليمان بن شعيب: ثنا عبد الرحمن ابن زياد قال: ثنا شعبة عن الجريري قال: سمعت أبا نضرة يحدث عن أبي سعيد به. وأبو سعيد هذا وعبد الرحمن بن زياد لم أعرفهما ويحتمل أن يكون عبد الرحمن هذا هو ابن زياد بن أنعم الإفريقي وهو ضعيف الحديث
ويكره تسمية العشاء بالعتمة. قال ﵊: (لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم: العشاء فإنها في كتاب الله العشاء وإنها تعتم بحلاب الإبل). (م ١١٨) ود (٢/ ٣١٢) ون (٩٣ - ٩٤) مج (٢٣٩) حم (٢/ ١٠ و ١٩ و ٤٩ و ١٤٤) عن عبد الله بن أبي لبيد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن عمر
وفي رواية لأحمد: (إنما يدعونها العتمة لإعتامهم بالإبل). وسندها صحيح على شرط مسلم
وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه ابن ماجه من طريق عبد الرحمن ابن حرملة عن سعيد بن الميب عنه. وإسناده جيد وقال في (الزوائد): صحيح
وله طريق أخرى عنه أخرجه وهو وأحمد (٢/ ٤٣٣، ٤٣٨) عن محمد بن عجلان: ثني سعيد - يعني المقبري - عن أبي هريرة مرفوعا مختصرا. وسنده حسن أيضا
ولا بأس من ذلك نادرا لثبوته عنه ﷺ : (ولو يعلمون ما في العتمة
стр. 79
والصبح لأتوهما ولو حبوا) خ م (٢ - ٣١) ن (٩٣) حم (٢/ ٢٧٨ و ٣٠٣ و ٣٧٤ و ٥٣٣) مالك (١/ ٨٧ - ٨٨) كلهم عنه عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا به في حديثه
زاد أحمد في رواية عن عبد الرزاق عن مالك: فقلت لمالك: إما يكره أن نقول: العتمة؟ قال: هكذا قال الذي حدثني
وثبت ذلك عن بعض الصحابة كجابر بن سمرة عند مسلم (١١٨) وأحمد (٥/ ٨٩ و ١٠٥) وغيرهما وجابر بن عبد الله عند أحمد (٣/ ٣٤٨) وغيره
قال ابن القيم (٢/ ١٢) بعد أن ذكر حديث ابن عمر ثم حديث أبي هريرة هذا:
(فقيل: هذا ناسخ للمنع وقيل بالعكس والصواب خلاف القولين فإن العلم بالتاريخ متعذر ولا تعارض بين الحديثين فإنه لم ينه عن إطلاق اسم العتمة بالكلية وإنما نهى عن أن يهجر اسم العشاء وهو الاسم الذي سماها الله به في كتابه. ويغلب عليها اسم العتمة فإذا سميت العشاء وأطلق عليها أحيانا العتمة فلا بأس والله أعلم
وهذا محافظة منه ﷺ على الأسماء التي سمى الله بها العبادات فلا يهجر ويؤثر عليها غيرها كما فعله المتأخرون في هجران ألفاظ النصوص وإيثار المصطلحات الحادثة عليها ونشأ بسبب هذا من الفساد ما الله به عليم)
стр. 80
٥ - الفجر
١ - أول وقتها حين يطلع الفجر كما سبق في حديث أبي هريرة
٢ - و (إن الفجر ليس الذي يقول هكذا (وجمع أصابعه ثم نكسها إلى الأرض) ولكن الذي يقول هكذا (ووضع المسبحة على المسبحة ومد يديه). مسلم (٣/ ١٢٩) وخ وزاد: عن يمينه وشماله
٣ - وكان ﷺ يصليها بغلس. (متفق عليه عن جابر)
٤ - ولم يدخل بها في الإسفار إلا مرة واحدة قال أبو مسعود الأنصاري في حديث له: وصلى الصبح مرة بغلس ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها كانت صلاته بعد ذلك الغلس حتى مات لم يعد إلى أن يسفر
رواه أبو داود (٦٥) وطحا (١٠٤) والدارقطني (٩٣) وابن حبان في (صحيحه) كما في نصب الراية (٢٤٠) من طريق أسامة بن زيد الليثي أن ابن شهاب أخبره عن عروة: سمعت بشير بن أبي مسعود يقول: سمعت أبا مسعود به. وهذا إسناد حسن كما قال النووي (٣/ ٥٢) وقال الخطابي:
(هو صحيح الإسناد)
وأما ما أخرجه أحمد (٢/ ١٣٥ - ١٣٦) من طريق أبي شعبة الطحان جار الأعمش عن أبي الربيع قال: كنت مع ابن عمر. . . فقلت له: إني أصلي معك الصبح ثم ألتفت فلا أرى وجه جليسي ثم أحيانا تسفر قال: كذا رأيت رسول الله ﷺ يصلي وأحببت أن أصليها كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 81
يصليها. فضعيف لا يقاومه وعلته أبو الربيع هذا قال الدارقطني:
(مجهول)
على أنه قد عارضه عن ابن عمر ما هو أقوى منه سندا فقال نهيك بن يريم: ثنا مغيث بن سمي قال: صليت مع عبد الله بن الزبير الصبح بغلس فلما سلم أقبلت على ابن عمر فقلت: ما هذه الصلاة. قال: هذه صلاتنا كانت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر فلما طعن عمر أسفر بها عثمان
أخرجه ابن ماجه (٢٢٩ - ٢٣٠) والطحاوي (١٠٤) عنه
وهذا سند صحيح كما في (الزوائد) وفي (المجموع) (٣/ ٥٣) قال الترمذي في (كتاب العلل):
قال البخاري: هذا حديث حسن)
٥ - وكان أحيانا يخرج منها في الغلس كما قالت عائشة: كن نساء المؤمنات يشهدن مع النبي ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلى بيوتهن حتى يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس
خ م (٢/ ١١٩) ن (٩٤) / ي (٢٧٧) ابن ماجه (٦٦٩) طيا (٢٠٦) حم (٦/ ٣٣ و ٣٧ و ٢٤٨) والطحاوي (١٠٤) عن الزهري عن عروة عن عائشة به
وله طريقان آخران عنها:
(١) مالك (٢١) عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن عنها. وقد رواه مسلم وأبو داود (٦٩) ون ت (٢٨٧) وقال: حسن صحيح والطحاوي
стр. 82
وأحمد (١/ ١٧٨ - ١٧٩) كلهم عن مالك به
(٢) عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم بن محمد عنها أخرجه الطحاوي وأحمد (٦/ ٢٥٨ - ٢٥٩)
وله شاهد من حديث قيلة عند طبا (٢٣٠) طحا (١٠٥) وعن حرملة العنبري عنده وكذا الطيالسي (١٦٧)
٦ - وأحيانا يخرج منها في الإسفار حين يعرف الرجل وجه جليسه كما قال أبو برزة الأسلمي: وكان ﷺ ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه. خ م (١١٩ - ١٢٠) د (٦٦) ن (٩٢) طحا (١٠٥) طيا (١٢٤) حم (٤/ ٤٢٠ و ٤٢٣ و ٤٢٤ و ٤٢٥) عن سيار بن سلامة عنه
٧ - وهذا الإسفار هو المراد بقوله ﵊: (أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر) أي: اخرجوا منها في وقت الإسفار وذلك بإطالة القراءة فيها. وهذا التأويل لا بد منه ليتفق قوله ﷺ هذا مع فعله الذي واظب عليه من الدخول فيها في وقت الغلس كما سبق وهو الذي رجحه الحافظ ابن القيم في (إعلام الموقعين). وسبقه إلى ذلك الإمام الطحاوي من الحنفية وأطال في تقرير ذلك (١/ ١٠٤ - ١٠٩) وقال:
(إنه قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد)
وإن كان ما نقله عن الأئمة الثلاثة مخالفا لما هو المشهور عنهم في كتب المذهب من استحباب الابتداء بالإسفار وقد مال إلى هذا الجمع أيضا من
стр. 83
متأخري الأحناف العلامة أبو الحسنات اللكنوي في (التعليق للمجد) (٤٢ - ٤٤)
وأما الحديث المذكور فحديث صحيح لكنه اختلف في لفظه فرواه باللفظ المذكور الترمذي (٢٨٩) والدارمي (٢٧٧ ت) والطحاوي (١٠٦) والطيالسي (١٢٩) كلهم عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود ابن لبيد عن رافع بن خديج به
وهذا سند حسن لولا عنعنة محمد بن إسحاق فإنه مدلس فيحتمل أنه سمعه بواسطة عن عاصم ويأتي ما يؤيد هذا الاحتمال
ورواه أبو داود (٦٩) وابن ماجه (٢٣٠) وأحمد (٤/ ١٤٠) كلهم عن سفيان ابن عيينة عن ابن عجلان عن عاصم به بلفظ: أصبحوا. بدل: أسفروا
وكذلك رواه ابن إسحاق عن ابن عجلان فقال أحمد (٣/ ٤٦٥): ثنا يزيد قال: أنا محمد بن إسحاق قال: أنبأنا ابن عجلان به
وخالفهما عن ابن عجلان أبو خالد الأحمر فرواه عنه بلفظ: (أسفروا). أخرجه عنه أحمد (٤/ ١٤٢) وكذا يحيى بن سعيد عند النسائي وسفيان الثوري عند الطحاوي (١٠٥) وكذا الدارمي إلا أن هذا قال: (نوروا)
وقد توبع عليه ابن عجلان فرواه زيد بن أسلم عن عاصم بن عمر لكن اختلف عليه فيه سندا ومتنا
أما السند فرواه أبو غسان: ثني زيد بن أسلم عن عاصم بن عمر عن محمود عن لبيد عن رجال من قومه من الأنصار أن رسول الله ﷺ قال. . . فذكره
стр. 84
أخرجه النسائي
ورواه الليث بن سعد واسباط بن محمد أما الأول فقال: ثني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عاصم بن رجال من قومه من الأنصار من أصحاب النبي ﷺ قالوا: قال رسول الله ﷺ . أخرجه الطحاوي (١٠٦)
وأما الآخر فقال: ثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن محمود بن لبيد عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ . . . أخرجه أحمد (٤/ ٢٤٣)
فأسقط الأول من السند محمود بن لبيد شيخ عاصم بن عمر وأسقط الآخر عاصم بن عمر شيخ زيد بن أسلم
وأما المتن فقال أبو غسان: (ما أسفرتم بالفجر) وقال الليث: (أصبحوا بالصبح فكلما أصبحتم بها) وقال أسباط: (أسفروا)
وقد تابع هشاما عن زيد: حفص بن ميسرة مثل رواية الليث سندا ومتنا. رواه الطحاوي (١٠٥ - ١٠٦)
وقد رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن محمود بن لبيد الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : (أسفروا. . .) الحديث
وهذا اختلاف آخر لكن عبد الرحمن بن زيد ضعيف
ورواه شعبة عن أبي داود عن زيد بن أسقط عن محمود بن لبيد عن رافع ابن خديج مرفوعا به
стр. 85
وأبو داود هذا هو نفيع الأعمى وهو متروك وقد كذبه ابن معين. وفيه اختلاف آخر على زيد بن أسلم ذكره في (نصب الراية) (١/ ٢٣٦) فراجعه فيه
وبالجملة فهذا اضطراب شديد في الحديث والصواب من حيث الإسناد رواية ابن عجلان عن عاصم بن عمر عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج وذلك لأمرين: لاتصالها ولموافقة رواية أبي غسان عن زيد بن أسلم لها متنا وسندا إلا ما فيها من إبهام من رواتها من الصحابة عنه ﷺ وليست بمخالفة فادحة كما لا يخفى وإسنادها صحيح كما في (نصب الراية) (٢٣٨)
وللحديث شواهد كثيرة لا تخلو أسانيدها من مقال وقد خرجها الزيلعي وكذا الهيثمي في (المجمع) (١/ ٣١٥ - ٣١٧) فليراجعها من شاء وكلها بلفظ: (أسفروا) وبعضها: (نوروا). فهي في الجملة مؤيدة للفظ الذي رجحناه من حديث رافع وهو: أسفروا. ولكن قد علمت بما سلف أنه ليس المعنى: أسفروا ابتداء بل انتهاء إلا أنه يعكر على هذا المعنى ما خرجه ابن أبي حاتم في (العلل) (١/ ١٣٩ و ١٤٣ - ١٤٤) والطيالسي (١٢٩) وابن أبي شيبة وإسحاق بن راهوية في مسانيده والطبراني في (معجمه) من طريق إسماعيل بن إبراهيم المديني عن هرير بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله ﷺ لبلال:
(أسفر بصلاة الصبح حتى يرى القوم مواقع نبلهم)
وهذا سند رجاله ثقات لكن ما أرى أن هرير بن عبد الرحمن هذا سمعه
стр. 86
من جده رافع فإنما يروي عن أبيه عبد الرحمن وقد ذكر الحافظ في (التقريب) أنه من الطبقة الخامسة يعني الطبقة الصغرى من التابعين الذين رأوا الواحد والاثنين من الصحابة ولم يثبت لبعضهم السماع من الصحابة كالأعمش
وعليه فالظاهر أن الحديث منقطع ولو صح لأمكن تأويله بمثل ما سبق في حديث رافع فيكون قوله: حتى يرى القوم مواقع نبلهم يعني: حين الفراغ منها لا الابتداء
وما أخرجه البخاري (٣/ ٤٢٧) م (٤/ ٧٦) د (١/ ٣٠٥) ن (٢/ ٤٧) حم (١/ ٤٢٦ و ٤٣٤) من حديث ابن مسعود قال: ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة إلا لميقاتها إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجمع وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها
وفي رواية للبخاري (٣/ ٤٦٧) وأحمد (٤١٨ و ٤٤٩) عن عبد الرحمن بن يزيد قال: خرجت مع عبد الله ﵁ إلى مكة ثم قدمنا جمعا فصلى الصلاتين كل صلاة وحدها بأذان وإقامة والعشاء بينهما ثم صلى الفجر حين طلع الفجر قائل يقول: طلع الفجر. وقائل يقول: لم يطلع الفجر. ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال:
(إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما في هذا المكان المغرب والعشاء فلا يقدم الناس جمعا حتى يعتموا وصلاة الفجر هذه الساعة)
فهذه الرواية تبين أن قوله في الرواية الأولى: وصلى الفجر يومئذ قبل
стр. 87
ميقاتها ليس على ظاهره لقوله في هذه: ثم صلى الفجر حين طلع الفجر
وهذا كقول جابر في حديثه الطويل: وصلى الفجر حين تبين له الفجر
أخرجه مسلم وغيره
فالمراد إذن أنه صلى الفجر قبل ميقاتها المعتاد أي: إنه غلس تغليسا شديدا يخالف التغليس المعتاد إلى حد أن بعضهم كان يشك بطلوع الفجر
ولذلك قال الحافظ في (الفتح) (٣/ ٤١٣):
(ولا حجة فيه لمن منع التغليس بصلاة الفجر لأنه ثبت عن عائشة وغيرها كما تقدم التغليس بها بل المراد هنا أنه كان إذا أتاه المؤذن بطلوع الفجر صلى ركعتي الفجر في بيته ثم خرج فصلى الصبح مع ذلك بغلس وأما بمزدلفة فكان الناس مجتمعين والفجر نصب أعينهم فبادروا بالصلاة أول ما بزغ حتى إن بعضهم كان لم يتبين له طلوعه كما في الرواية الثانية)
١ - وإذا كان من عادة الأئمة أن يؤخروا الصلاة عن وقتها المختار فعلى المسلم أن يصليها في الوقت في بيته ثم يصليها معهم متى صلوها وتكون له نافلة هذا الثانية
قال أبو ذر ﵁: قال لي رسول الله ﷺ :
(كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها) قال: قلت: فما تأمرني؟ قال:
(صل الصلاة لوقتها فإ أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة)
стр. 88
م (٢/ ١٢٠) د (٧٠ - ٧١) ت (١/ ٢٣٢) مي (٢٧٩) طحا (١/ ٢٦٣) طيا (٦٠) حم (٥/ ١٤٩ و ١٦٣ و ١٦٩) متن طرق عن أبي عمران الجوني عن عبد الله بن الصامت عنه والسياق لمسلم
ثم لأبي داود وليس عند الآخرين قوله: (أو يميتون الصلاة) وهي شك من بعض الرواة عندهما والظاهر أنه حماد بن زيد فإن كل من رواه عن أبي عمران قال: (يؤخرون الصلاة) بدون شك. هذا وزاد أحمد في رواية من طريق صالح بن رستم عنه بعد قوله: (صل الصلاة لوقتها): وربما قال: (في رحلك)
وصالح هذا من رجال مسلم لكن تكلم فيه بعضهم وقال في (التقريب):
(إنه صدوق كثير الخطأ)
وقد وجدت لهذه الزيادة شاهدا من حديث ابن مسعود كما يأتي
ثم الحديث له طرق أخرى عن عبد الله بن الصامت:
فرواه م ن (١٣٨) مي طحا طيا (٦١) حم (٥/ ١٦٨) من طريق شعبة عن بديل قال: سمعت أبا العالية يحدث عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ وضرب فخذي -: كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها) قال: فقال: ما تأمر؟ قال: (صل الصلاة لوقتها ثم اذهب لحاجتك فإن أقيمت الصلاة وأنت في المسجد فصل)
ثم أخرجه البخاري في (الأدب المفرد) (١٣٨ و ١٣٩) ومسلم وحم (١٤٧ و ١٦٠ و ١٦٨) عن أيوب عن أبي العلاية به. ونحوه بلفظ: (فإن أدركت
стр. 89
الصلاة معهم فصل ولا تقل: إني قد صليت فلا أصلي)
ثم أخرجه أيضا (٥/ ١٥٩ مسند) من طريق أبي نعامة عن عبد الله بن الصامت فزيادة: (فصل معهم فإنها زيادة خير)
وللحديث شواهد:
(١) عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : (إنها ستكون عليكم بعدي أمراء يشغلهم أشياء عن الصلاة لوقتها حتى يذهب وقتها فصلوا الصلاة لوقتها) فقال رجل: يا رسول الله أصلي معهم؟ قال: (نعم إن شئت). د (٧١) حم (٣١٥) عن جرير وسفيان الثوري كلاهما عن منصور عن هلال بن يساف عن أبي يساف عن أبي المثنى الحمصى عن أبي أبي ابن امرأة عبادة بن الصامت عنه
ثم أخرجه أحمد (٥/ ٣١٤ - ٣١٥ و ٦/ ٧) من طريق شعبة عن منصور عن هلال بن يساف عن أبي المثنى ابن امرأة عبادة بن الصامت عنه
ثم أخرجه أحمد (٥/ ٣١٤ - ٣١٥ و ٦/ ٧) نم طريق شعبة عن منصور عن هلال بن يساف عن أبي المثنى عن أبي أبي ابن امرأة عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ به بلفظ: (فصلوا الصلاة لوقتها ثم اجعلوا صلاتكم معهم تطوعا). فجعله من مسند أبي أبي لا من مسند عبادة بن الصامت
وكذلك أخرجه أحمد أيضا (٣١٥) من طريق يعمر - يعني: ابن بشر -: أنا عبد الله: أنا سفيان عن منصور به بلفظ: قال: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ فقال. . . الحديث. ثم قال أحمد: وهذا الصواب يعني أنه من مسند أبي أبي من مسند عبادة
стр. 90
وأبو أبي هذا صحابي صلى إلى القبلتين اسمه عبد الله. ورجال إسناده ثقات رجال مسلم غير أبي المثنى هذا واسمه ضمضم الأملوكي وثقه ابن حبان كما في الخلاصة وقال في (التقريب): (وثقه العجلي). ولم يزد على ذلك فالإسناد حسن أو قابل للتحسين والله أعلم
(٢) عن ابن مسعود وله طريقان:
الأول: عن عبد الرحمن بن سايط عن عمرو بن ميمون ال
دي عنه مرفوعا بلفظ:
(كيف بكم إذا أتت عليكم أمراء يصلون الصلاة لغير ميقاتها). قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك يا رسول الله؟ قال:
(صل الصلاة لميقاتها واجعل صلاتك معهم سبحة)
أخرجه أبو داود عن الويد: ثنا الأوزاعي: ثني حسان بن عطية عن عبد الرحمن بن سابط به
وهذا سند صحيح إذا سلم من تدليس الوليد - وهو ابن مسلم - فإنه كان يدلس تدليس التسوية ورجاله كلهم رجال مسلم
الثانية عن زر عنه ﵁ بلفظ:
(لعلكم ستدركون أقواما يصلون صلاة لغير وقتها فإذا أدركتموهم فصلوا في بيوتكم في الوقت الذي تعرفون ثم صلوا معهم واجعلوها سبحة)
رواه حم (١/ ٣٧٩) عن أبي بكر: ثنا عاصم عن زر به وهذا سند حسن
стр. 91
وله طريق ثالث موقوفا عليه بلفظ: (إنها ستكون أئمة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها فإذا فعلوا ذلك فلا تنتظروهم بها واجعلوا الصلاة معهم سبحة)
رواه أحمد (١/ ٤٥٥ و ٤٥٩) عن محمد بن إسحاق قال: وثني عبد الرحمن ابن الأسود بن يزيد النخعي عن أبيه عنه
وهذا سند حسن أيضا
وقد تابعه هارون بن عنترة عن عبد الرحمن بن الأسود دون قوله: (واجعلوا. . .) إلخ
رواه النسائي (١٢٨ - ١٢٩) وأحمد أيضا (١/ ٤٢٤)
وهذا إسناد صحيح
ثم رواه أحمد (١/ ٤٠٥) من طريق شعبة عن عبد الرحمن بن عابس قال: ثنا رجل من همدان من أصحاب عبد الله عنه
ورجاله رجال الشيخين غير الهمداني فإنه لم يسم
وقد وقعت لابن مسعود ﵁ قصة في هذا الصدد لا بأس من ذكرها للفائدة وهي: (أن الوليد بن عقبة أخر الصلاة مرة فقام عبد الله بن مسعود فثوب بالصلاة فصلى بالناس فأرسل إليه الوليد: ما حملك على ما صنعت؟ أجاءك أمر من أمير المؤمنين فيما فعلت أم ابتدعت؟ قال: لم يأتي من أمير المؤمنين ولم أبتدع ولكن أبى الله علينا ورسوله أن ننتظرك بصلاتنا وأنت بحاجتك)
стр. 92
أخرجها الإمام أحمد (١/ ٤٥٠): ثنا إبراهيم بن خالد: ثنا رباح عن معمر عن عبد الله بن عثمان عن القاسم عن أبيه أن الوليد بن عقبة. . . إلخ
وهذا سند صحيح رجاله رجلا الصحيح غير إبراهيم بن خالد وهو الصنعاني وهو ثقة. وغير رباح وهو ابن زيد القرشي الصنعاني وهو ثقة فاضل كما في (التقريب) وعبد الله بن عثمان هو ابن خثيم والقاسم هو ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود وقال في (المجمع) (١/ ٣٢٤) بعد أن ساقه: (رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله ثقات)
(٣) عن شداد بن أوس مرفوعا: (سيكون من بعدي أئمة يميتون الصلاة عن مواقيتها فصلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم معهم سبحة)
أخرجه أحمد (٤/ ١٢٤) من طريق ابن عياش عن راشد بن داود عن أبي أسماء الرحبي عنه
وهذا إسناد شامي حسن. وقال في (المجمع) (١/ ٣٢٥): رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط وفيه راشد بن داود ضعفه الدارقطني ووثقه ابن معين ودحيم وابن حبان
(٤) عن عامر بن ربيعة مرفوعا نحوه. أخرجه أحمد (٣/ ٤٤٥ و ٤٤٦) عن عاصم بن عبيد الله قال: أخبرني عبد بن عامر بن ربيعة عن أبيه عامر ابن ربيعة
وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وأنس بن مالك عند الطبراني وغيره. انظر (المجمع)
стр. 93
(فائدة): ذكر النووي في (شرح مسلم) وفي المجموع (٣/ ٤٨) أن المراد بقوله في هذه الأحاديث: (يؤخرون الصلاة عن وقتها) أي: عن وقتها المختار لا عن جميع وقتها فإن المنقول عن الأمراء المتقدمين والمتأخرين إنما هو تأخيرها عن وقتها المختار ولم يؤخرها أحمد منهم عن جميع (١) وقتها فوجب حمل هذه الأخبار على ما هو الواقع. ومعنى صل الصلاة لوقتها أي لأول وقتها. ثم قال: وفيه أن الإمام إذا أخرها عن أول وقتها يستحب للمأموم أن يصليها في أول الوقت منفردا ثم يصليها مع الإمام فيجمع فيصلي أول الوقت والجماعة فلو أراد الاقتصار على أحدهما فهل الأفضل الاقتصار على فعلها منفردا في أول الوقت أم الاقتصار على فعلها جماعة في آخر الوقت؟
فيه خلاف مشهور قال: والمختار استحباب الانتظار إن لم يفحش التأخير
وقال شيخ الإسلام في (الاختيارات) (ص ١٩): (وجمهور العلماء يرون تقديم الصلاة أفضل إلا إذا كان في التأخير مصلحة راجحة مثل المتيمم يؤخر ليصلي آخر الوقت بوضوء والمنفرد يؤخر حتى يصلي آخر الوقت مع جماعة)
قلت والصواب: الذي تدل عليه الأحاديث ما ذكره النووي واختاره من استحباب الانتظار إذا لم يفحش التأخير
стр. 94
ولا ينافي ما سبق قوله ﷺ : (لا تصلوا صلاة في يوم مرتين). لأنه إنما أراد به أن يصليهما كلتيهما على وجه الفرض كما قال ابن عبد البر. أو يكون من العام المخصوص بهذه الأحاديث وأمثالها ويأتي بعضها في محالها. وهذا أولى عندي مما قاله ابن عبد البر لأنه يلزم منه جواز إعادة كل صلاة صلاها مع الجماعة أن يصليها مرة أخرى منفردا متنفلا بها وما أعتقد أن عالما يعتقد ذلك
والحديث هذا أخرجه أبو داود (٩٥) والنسائي (١٣٨) والدارقطني (١٥٩ و ١٦٠) والطحاوي (١/ ١٨٧) وأحمد (٢/ ١٩ و ٤١) من طريق حسين بن ذكوان أخبرني عمرو بن شعيب: أخبرني سليمان مولى ميمونة قال: أتيت على ابن عمر ذات يوم وهو جالس بالبلاط والناس في صلاة العصر فقلت: أبا عبد الرحمن الناس في الصلاة؟ قال: إني قد صليت إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تصلى صلاة مكتوبة في يوم مرتين). والسياق للدارقطني وإسناده صحيح وقد رواه ابن خزيمة وابن حبان كما في (التلخيص) (٤/ ٢٩٨)
٢ - ومن أدرك ركعة من الصلاةقبل خروج وقتها فقد أدرك الصلاة في الوقت وعليه أن يتمها
قال ﷺ : (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة [كلها)
أخرجه البخاري ومسلم (١٠٢) ومالك (١/ ٢٨) وعنه محمد (١٠٠) وكذا أبو داود (١٧٥) والنسائي (٩٥) والترمذي (٢/ ٤٠٣) وصححه والدارمي
стр. 95
(٢٧٧) وابن ماجه (٣٤٦) وحم (٢/ ٢٤١ و ٢٧١ و ٢٨٠ و ٣٧٥) من طرق عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة مرفوعا به. والزيادة رواية لمسلم والنسائي وأحمد
وله عنده طريق أخرى أخرجها (٢/ ٢٦٥) من طريق ابن إسحاق عن يزيد ابن أبي حبيب عن عراك بن مالك عنه
ورجاله ثقات لكن ابن إسحاق مدلس وقد عنعنه
وقد أخرجه الخطيب البغدادي في (تاريخه) (٣/ ٦٩) من طرق عن الزهري به وزاد: قال معمر: قال الزهري: فنرى أن الجمعة من الصلاة
قلت: وهذا يدل على أن كل من قال عن الزهري في هذا الحديث: (من أدرك من صلاة الجمعة ركعة فقد أدرك) كما رواه النسائي (١/ ٢١٠) عن سفيان عنه إنما هو رواية بالمعنى لأن الجمعة من الصلاة المطلقة في رواية الجمهور. وقد أعلوا كل الروايات عن أبي هريرة وعن ابن عمر أيضا التي فيها ذكر الجمعة كما بينته في التعليق على الطبراني رقم (٥٥٥)
٣ - وسواء في ذلك صلاة العصر وصلاة الفجر
قال ﷺ : (من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)
أخرجه مالك (١/ ٢٢ - ٢٣) وعنه خ م (٢/ ١٠٢) ن (٩٠) ت (١/ ٢٥٣) مي (٢٧٧) طحا (١/ ٩٠) حم (٢/ ٤٦٢) كلهم عن مالك عن زيد بن أسلم
стр. 96
عن عطاء بن يسار وعن بسر بن سعيد وعن الأعرج كلهم يحدثونه عن أبي هريرة مرفوعا به
وتابعه عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن زيد بن أسلم به
أخرجه ابن ماجه (١/ ٢٣٧)
وتابعه أيضا زهير بن محمد ولكنه جعل أبا صالح مكان عطاء
أخرجه الطسالسي (٣١٣) ولفظه: (فلم تفته) بدل قوله: (فقد أدرك)
وكذلك رواه أبو سلمة عن أبي هريرة
أخرجه أحمد (٢/ ٢٥٤) عن علي بن المباك عن يحيى بن أبي كثير عنه وسنده صحيح على شرط الستة
ومن هذا الوجه أخرجه الطحاوي (٢٣٢) بلفظ: (فقد تمت صلاته)
وهو في البخاري من طريق شيبان عن يحيى بلفظ: (فليتم صلاته)
وفي مسلم (١٠٣) وابن ماجه (٢٣٨) والمسند (٢٥٤ و ٢٦٠) عن الزهري و (المسند) (٣٤٨) عن محمد بن عمرو كلاهما عن أبي سلمة بمثل حديث مالك
وحديث أبي صالح أخرجه الطيالسي أيضا (٣١٨) وأحمد (٤٥٩) والطحاوي (٩٠) عن سهيل بن أبي صالح عنه مثله
وحديث الأعرج أخرجه النسائي (٩٤) وأحمد (٣٩٩ و ٤٧٤) من طريقين عنه مثله إلا أنه قال: (سجدة) بدل: (ركعة)
стр. 97
وكذلك أبو سلمة في رواية البخاري فقط
فهذه خمسة طرق لحديث أبي هريرة هذا وكلها صحيحة
وله عنه طرق أخرى:
فرواه مسلم وأبو داود (٦٨) وأحمد (٢/ ٢٨٢) عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس عنه مثل حديث مالك
وروى الطحاوي (٢٣٢) والدارقطني (١٤٧) وأحمد (٢/ ٢٣٦ - ٤٨٩) عن قتادة عن خلاس عن أبي رافع عنه مرفوعا: بلفظ: (من صلى من صلاة الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس ثم طلعت فليصل إليها أخرى)
وفي رواية للدارقطني وأحمد (٤٩٠) من طريق همام قال: سئل قتادة عن رجل صلى ركعة من صلاة الصبح ثم طلعت الشمس (وفي رواية لأحمد: ثم طلع قرن الشمس فقال: ثني خلاس عن أبي رافع أن أبا هريرة حدثه أن رسول الله ﷺ قال: (يتم صلاته)
وهذا سند صحيح على شرطهما
ولقتادة فيه إسنادان آخران عن أبي هريرة:
(١) عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عنه به
أخرجه الدارقطني وحم (٢/ ٣٠٦ و ٣٤٧ و ٥٢١) عن همام عنه. وهذا سند صحيح أيضا كالذي قبله
стр. 98
(٢) عن عذرة بن تميم عنه
قط عن معاذ بن هشام: ثني أبي عن قتادة عنه
وعذرة هذا لم أجد من ذكره
ثم وجدت الحاكم أخرجه (٢٧٤) عن قتادة بإسناديه الأولين وقال: كلا الإسنادين صحيحان على شرطهما. ووافقه الذهبي
وللحديث شاهد من رواية عائشة ﵂
م (١٠٢ - ١٠٣) ن (٩٤) مج (٢٣٧ - ٢٣٨) طحا (٩٠) حم (٦/ ٧٨) عن الزهري أعروة بن الزبير حدثه عنها مثل حديث مالك. إلا أن مسلما وأحمد قالا: (سجدة) بدل: (ركعة)
قال الخطابي:: المراد بالسجدة الركعة بركوعها وسجودها والركعة إنما يكون تمامها سجودها فسميت على هذا سجدة
وهذه الأحاديث تدل على أن من أدرك ركعة قبل خروج الوقت أنها صحيحة ولو وقعت الركعة الثانية في وقت النهي كصلاة الفجر والعصر وهو مذهب الجمهور. وخالف في بعض ذلك أبو حنيفة فقال: من طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الصبح بطلت صلاته. واحتج له الطحاوي بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وزعم هذا المحتج أنها ناسخة لحديث عائشة وحديث أبي هريرة الذي قبله وهي دعوى تحتاج إلى دليل
стр. 99
والحق أن أحاديث النهي عامة تشمل كل صلاة خلا ما استثناه الشارع فيكون مخصصا لهذه الأحاديث. ومن هذا القبيل حديث أبي هريرة هذا فإنه خاص وهو مقدم على العام كما تقرر في الاصول
ثم إن مفهوم الحديث أن من أدرك أقل من ركعة لا يكون مدركا للوقت وإليه ذهب الجمهور كما في (نيل الأوطار). وراجع تمام هذا البحث فيه (٢/ ١٩ - ٢٠)
٤ - وهذا الحكم إنما هو بخصوص المتعمد لتأخير الصلاة إلى هذا الوقت الضيق وإلا فالنائم والناسي لا تفوته الصلاة أبدا ولو خرج وقتها كله ما دام غافلا عنها أو ناسيا لها فوقتها بالنسبة إليهما حين التذكر
قال ﵊ في سفره الذي ناموا فيه حتى طلعت الشمس:
(إنكم كنتم أمواتا فرد الله إليكم أرواحكم فمن نام عن صلاة فليصلها إذا استيقظ ومن نسي صلاة فليصل إذا ذكر)
ورواه أبو يعلى والطبراني في (الكبير) من حديث أبي جحيفة. ورجاله ثقات كما في (المعجم)
وللحديث شواهد كثيرة منها:
عن أبي قتادة قال: ذكروا للنبي ﷺ نومهم عن الصلاة فقال: (إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها)
стр. 100
أخرجه النسائي (١٠٠ - ١٠١) ت (٣٣٤) مج (٢٣٦ - ٢٣٧) عن حماد ابن زيد عن ثابت البناني عن عبد الله بن رباح الأنصاري عنه. وقال الترمذي: (حسن صحيح)
قلت: وهو على شرط مسلم وقد أخرجه في (صحيحه) (٢/ ١٣٨ - ١٣٩) والبيهقي (٢/ ٢١٦) من طريق سليمان بن المغيرة: ثنا ثابت به مطولا نحوه بلفظ: (أما إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها) الحديث
وهذا القدر رواه النسائي (١٠١) أيضا وأبو داود (٧٣) من هذا الوجه ورواه أبو داود (٧٢) والطحاوي (٢٣٣) وأحمد (٥/ ٢٩٨) عن حماد بن سلمة عن ثابت به مطولا
وكذلك رواه مطولا قتادة عن عبد الله بن أبي رباح به قال: فقلت: يا رسول الله هلكنا فاتتنا الصلاة. فقال رسول الله ﷺ :
(لم تهلكوا ولم تفتكم الصلاة إنما تفوت اليقظان ولا تفوت النائم) الحديث
أخرجه أحمد (٥/ ٣٠٢): ثنا محمد بن جعفر: ثنا شعبة عن قتادة به. وهذا سند صيحح على شرط مسلم أيضا لولا عنعنة قتادة
ومنها: عن أنس مرفوعا بلفظ: (إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله يقول: (أقم الصلاة لذكري ([طه / ١٤])
стр. 101
م (٢/ ١٤٢) عن المثنى عن قتادة عنه
ورواه سعيد - وهو ابن أبي عروبة - عن قتادة به بلفظ: (من نسي صلاة أو نام عنها. . .) والباقي مثله
رواه الدارمي (٢٨٠): أخبرنا سعيد به بلفظ: (فإن كفارتها أن يصليها إذا ذكرها)
وهذا اللفظ تماما رواه شعبة عن قتادة
أخرجه أحمد (٣/ ٢٨٢)
ورواه حجاج الأحول عند النسائي (١٠٠) وابن ماجه (٢٣٥) وأحمد (٢٦٧) وهشام عند الأخير (٢١٦) كلاهما عن قتادة عن أنس أنه سأل رسول الله ﷺ عن الرجل يرقد عن الصلاة أو يغفل عنها قال: (ليصلها إذا ذكرها)
وهو في البخاري ومسلم أيضا ود (٧٣) وطحا والبيهقي (٢/ ٢١٨) وحم (٢٦٩) من طريق همام عن قتادة بلفظ: (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك) قال قتادة: (وأقم الصلاة لذكري ([طه / ١٤]
رواه أبو عوانة عن قتادة مختصرا دون قوله: (لا كفارة لها. . .) إلخ
أخرجه مسلم ون (١٠٠) ت (٣٣٥ - ٣٣٦) ومج وطحا والبيهقي من طرق عنه
هذا وقد صرح قتادة بسماعه من أنس في رواية للبخاري وأحمد
стр. 102
ومنها: عن أبي هرية مرفوعا:
(من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: (أقم الصلاة لذكري ([طه / ١٤])
م (١٣٨) د (٧١ - ٧٢) ن (١٠١) عن يونس عن ابن شهاب عن سعيد ابن المسيب عنه. وهو عند م د مطول فيه قصة نومهم عن صلاة الصبح. وكذلك أخرجها البيهقي (٢/ ٢١٧)
وفي الباب عن أبي سعيد الخدري قال:
جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ونحن عنده فقالت: يا رسول الله إن زوجي صفوان بن المعطل يضربني إذا صليت ويفطرني إذا صمت ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس. قال: وصفوان عنده. قال: فسأله عما قالت فقال: يا رسول الله أما قولها: يضربني إذا صليت فإنها تقرأ بسورتين وقد نهيتها. قال: فقال:
(لو كانت سورة واحدة لكفت الناس)
وأما قولها: يفطرني فإنها تنطلق فتصوم وأنا رجل شاب فلا أصبر فقال رسول الله ﷺ يومئذ:
(لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها)
وأما قولها: إني لا أصلي حتى تطلع الشمس فإنا أهل بيت قد عرف لنا ذاك لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس. قال:
стр. 103
(فإذا استيقظت فصل)
أخرجه د (١/ ٣٨٥) مس (١/ ٤٣٦) طحا في (المشكل) (٢/ ٤٢٤) حم (٣/ ٨٠) من طريق جرير عن الأعمش عن أبي صالح عنه. وقال مس: (صحيح على شرط الشيخين) ووافقه الذهبي. وهو كما قالا وقال الحافظ في (الإصابة):
(إسناده صحيح)
ثم أخرجه حم ٠٣/ ٨٥) نم طريق أبي بكر - وهو ابن أبي عياش - عن الأعمش به نحوه بلفظ: (فإني ثقيل الرأس وأنا من أهل بيت يعرفون بذاك بثقل الرؤوس. قال: (فإذا قمت فصل). وهو على شرط خ
٥ - وسوءا كان الاستيقاظ والتذكر عند طلوع الشمس أو عند غروبها فعليه أن يصليها في هذا الوقت فإنه وقتها لقوله ﵊ فيما سبق:
(فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك)
وهو مذهب الجمهور من العلماء. قال الترمذي (١/ ٣٣٥):
(وقد اختلف أهل العلم في الرجل ينام عن الصلاة أو ينساها فيستيقظ أو يذكر وهو في غير وقت صلاة عند طلوع الشمس أو عند غروبها فقال بعضهم: يصليها إذا استيقظ أو ذكر وإن كان عند طلوع الشمس أو عند غروبها وهو قول أحمد وإسحاق والشافعي ومالك - وقال بعضهم: لا
стр. 104
يصلي حتى تطلع الشمس أو تغرب)
قلت: وهو مذهب علماءنا الحنفية صرح به محمد في (الموطأ) (١٢٥) قال:
(وهو قول أبي حنيفة ﵀
قال المعلق عليه أبو الحسنات اللكنوي ﵀:
(قد أيده جماعة من أصحابنا منهم العيني وغيره بما ورد في حديث التعريس أنه ﷺ ارتحل من ذلك الموضع وصلى بعد ذلك ولم يكن ذلك إلا لأنه كان وقت الطلوع وفيه نظر:
أما أولا فلأنه قد ورد تعليل الاختيار صريحا بأنه موضع غفلة وموضع حضور الشيطان فلا يعدل عنه
وأما ثانيا فلأنه ورد في رواية مالك وغره: حتى ضربتهم الشمس. وفي بعض روايات البخاري: لم يستيقظ حتى وجد حر الشمس. وذلك لا يمكن إلا بعد الطلوع بزمان وبعد ذهاب وقت الكراهة)
وهذا تعقب جيد قوي من أبي الحسنات المصنف القوي وأمثاله قليل في أصحاب المذاهب من المتأخرين فرحمه الله تعالى وجزاه خيرا
والتعليل الذي ذكره ورد في (صحيح مسلم) (٢/ ١٣٨) والنسائي (١/ ١٠٢) عن أبي هريرة ﵁ قال:
عرسنا مع نبي الله ﷺ فلم نستيقظ حتى طلعت الشمس فقال النبي ﷺ :
стр. 105
(ليأخذ كل رجل برأس راحلته فإن هذا منزل حضرنا به الشيطان)
قال: ففعلنا ثم دعا بالماء فتوضأ ثم سجد سجدتين ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة
أخرجاه من طريق يحيى بن سعيد: ثنا يزيد بن كيسان: ثنا أبو حازم عنه
وله طريق أخرى أخرجها د (٧٢) عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة في هذا الخبر قال:
(تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة). قال:
فأمر بلالا فأذن وأقام وصلى
وسنده صحيح على شرطهما
وله طريق ثالث بلفظ: (هذا منزل به شيطان). طحا (٢٣٤)
٦ - ويصليها كما كان يصليها كل يوم بأذان وإقامة ويجهر فيها إن كانت جهرية ويصلي معها السنة
قال أبو قتادة في حديثه الطويل في نومهم عن صلاة الصبح:
ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله ﷺ ركعتين ثم صلى الغداة فصنع كما يصنع كل يوم
أخرجه مسلم من طريق سليمان بن المغيرة كما سبق
ونحوه حديث أبي هريرة: فأمر بلالا فأذن وأقام وصلى
стр. 106
وفي رواية: فتوضأ ثم سجد سجدتين ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة. وقد تقدمنا قريبا
وفي الباب عن ذي مخمر الحبشي - وكان من أصحاب رسول الله ﷺ في هذه القصة: فأمر بلالا فأذن ثم قام النبي ﷺ فصلى الركعتين قبل الصبح وهو غير عجل ثم أمره فأقام الصلاة فصلى وهو على غير عجل فقال له قائل: يا نبي الله أفرطنا؟ قال:
(لا قبض الله أرواحنا وقد ردها إلينا وقد صلينا)
أخرجه حم (٤/ ٩٠ - ٩١) ود (٧٣) دون قوله: فقال له قائل. . . إلخ. من طريق حريز بن عثمان: ثني يزيد بن صبح - وقيل: ابن صليح - عنه
وهذا إسناد حسن
وعن ابن مسعود قال:
أقبلنا مع رسول الله ﷺ زمن الحديبية فقال رسول الله ﷺ : (من يكلؤنا؟) فقال بلال: أنا فناموا حتى طلعت الشمس فاستيقظ النبي ﷺ فقال: (افعلوا كما كنتم تفعلون). قال: ففعلنا. قال: (فكذلك فافعلوا لمن نام أو نسي)
د (٧٣ - ٧٤) وطحا (٢٦٩ - ٢٧٠) من طريق جامع بن شداد عن عبد الرحمن بن علقمة عنه. وهذا سند صحيح
٧ - وأما من أخرج صلاة عن وقتها متعمدا غير قاصد للجمع فلا يشرع له قضاؤها ولا يعذر عليه أبدا لأنه كان الناسي للصلاة أو النائم
стр. 107
عنها - وهما معذوران شرعا - ليس عليهما إلا الإتيان بها فورا حين التذكر - وهو وقتها - فأين الوقت بالنسبة إلى المتعمد؟
لقوله ﵊: (من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله) فما فات لا سبيل إلى إدراكه البتة ولو أمكن أن يدرك لما سمي فائتا. انظر (الصلاة) لابن القيم
وهو مذهب داود الظاهري وكذا ابن حزم وقد أطال في تقرير ذلك بما لم يسبق إليه وقال: وممن قال بقولنا في هذا عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وسعد ابن أبي وقاص وسلمان (صاحب رسول الله ﷺ وابن مسعود والقاسم بن محمد بن أبي بكر وبديل العقيلي ومحمد بن سيرين ومطرف بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز وغيرهم. وبه قال الحسن البصري: إذا ترك الرجل صلاة واحدة متعمدا فإنه لا يقضيها. (الصلاة) (١٠٧)
ثم قال: ما نعلم لمن ذكرنا من الصحابة ﵁ مخالفا منهم. راجع (المحلى) (٢/ ٢٣٥ - ٢٤٤)
واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية فقال في (الاختيارات) (ص ١٩):
(وتارك الصلاة عمدا لا يشرع له قضاؤها ولا تصح منه بل يكثر من التطوع وكذا الصوم وهو قول طائفة من السلف كأبي عبد الرحمن صاحب الشافعي وداود وأتباعه وليس في الأدلة ما يخالف هذا بل يوافقه وأمره ﵇ المجامع بالقضاء ضعيف لعدول البخاري ومسلم عنه)
стр. 108
ومال إليه الشوكاني فقال في قوله ﵊: (من نسي صلاة. . .) الحديث:
(تمسك بدليل الخطاب من قال: إن العامد لا يقضي الصلاة لأن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط فيلزم منه أن من لم ينس لا يصلي وإلى ذلك ذهب داود وابن حزم وبعض اصحاب الشافعي وحكاه في (البحر) عن ابني الهادي والأستاذ ورواية عن القاسم والناصر قال ابن تيمية (شيخ الإسلام): والمنازعون لهم ليس لهم حجة قط يرد إليها عند التنازع وأكثرهم يقولون: لا يجب القضاء إلا بأمر جديد وليس معهم هنا أمر ونحن لا ننازع في وجوب القضاء فقط بل تنازع في قبول القضاء منه وصحة الصلاة في غير وقتها). وأطال البحث في ذلك وأختار ما ذكره داود ومن معه. والأمر كما ذكره فإني لم أقف مع البحث الشديد للموجبين للقضاء على العامد - وهم من عدا من ذكرنا - على دليل ينفق في سوق المناظرة ويصلح للتعويل عليه في مثل هذا الأصل العظيم إلا حديث: (فدين الله أحق أن يقضى) باعتبار ما يقتضيه اسم الجنس المضاف من العموم ولكنهم لم يرفعوا إليه رأسا وأنهض ما جاءوا به في هذا المقام قولهم: إن الأحاديث الواردة بوجوب القضاء على الناسي يستفاد من مفهوم خطابها وجوب القضاء على العامد لأنها من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى فتدل بفحوى الخطاب وقياس الأولى على المطلوب. وهذا مردود لأن القائل بأن العامد لا يقضي لم يرد أنه أخف حالا من الناسي بل بإن المانع من وجوب القضاء على العامد أنه لا يسقط الإثم
стр. 109
عنه فلا فائدة فيه فيكون إتبانه مع عدم النص عبثا بخلاف الناسي والنائم فقد أمرهما الشارع بذلك وصرح بأن القضاء لا كفارة لهما سواه. اه
وأما الحديث الذي احتج به للقائلين بالقضاء: (فدين الله أحق أن يقضى). فلم يجب عنه بشيء مطلقا ولذلك قال: (عن المقام من المضايق) ولام من قال: إن باب القضاء ركب على غير أساس ليس فيه كتاب ولا سنة ونسبه من أجل ذلك إلى التفريط لعجزه عن الإجابة عن الحديث المشار إليه وقد سبقه إلى هذا الاستدلال ابن عبد البر. وقد أجاب عنه ابن القيم ﵀ في رسالة (الصلاة) بما لا يدع مجالا للشك مطلقا أن الحديث لا يدل لذلك
وخلاصته أن الحديث إنما قاله ﷺ في حق المعذروين لا المفرط ونحن نقول إن مثل هذا الدين يقبل القضاء وأيضا فهذا إنما قاله ﵇ في النذر المطلق الذي ليس له وقت محدود الطرفين وفي الحج الذي لا يفوت وقته إلا بنفاد العمر. راجع (ص ١٠٩ - ١١٠) من الرسالة المذكورة وقد بسط القول في النزاع حول هذا المسألة وأطال بما لا مزيد عليه وذكر أدلة الفريقين تحقيقا وتعقيبا بما لا يوجد في كتاب فراجعه (٨٥ - ١٢٢)
٨ - ولو نسي صلاتين فأكثر يصليهما على الترتيب ثم يصلي الصلاة الحاضرة كذلك فعل رسول الله ﷺ في غزوة الخندق وقد شغل عنهن بالحرب
стр. 110
قال أبو سعيد الخدري ﵁:
حبسنا يوم الخندق حتى ذ هب هوي من الليل حتى كفينا وذلك قول الله تعالى: (وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا ([الأحزاب / ٢٥] فدعا رسول الله ﷺ بلالا فأمره فأقام فصلى الظهر وأحسن كما كان يصليها في وقتها ثم أقام للعصر فصلاها كذلك ثم أقام للمغرب فصلاها كذلك ثم أقام للعشاء فصلاها كذلك وذلك قبل أن ينزل في صلاة الخوف: (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا ([البقرة / ٢٣٩]
أخرجه ن (١٠٧) وعنه ابن حزم (٣/ ١٢٤) مي (٣٥٨) والشافعي في (الأم) (١/ ٧٥) والطحاوي (١٩٠) والبيهقي (١/ ٤٠٢) والطيالسي (٢٩٥) وحم (٣/ ٢٥ و ٤٩ و ٦٧ - ٦٨) من طرق عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن عبد الرحمن ابن أبي سعيد الخدري عن أبيه به. والسياق لأحمد
وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم
وأخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان في (صحيحيهما) وصححه ابن الشكن كما في (التلخيص) (٣/ ١٤٩) وقال ابن سيد الناس:
(وهذا إسناد صحيح جليل) كما في (النيل) (٢/ ٢٦)
وله شاهد من حديث ابن مسعود أخرجه ن (١٠٢ و ١٠٧) ت (١/ ٣٣٧) طيا (٤٤) حم (١/ ٣٧٥ و ٤٢٣) والطبراني في (الكبير) والبيهقي (٢/ ٢١٩ - ٢٢٠) من طريق أبي الزبير عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبي عبيدة بن