← Фикх общий

Фикх общий · id 306

الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب

ناصر الدين الألباني

Полный текст (852 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

سعد بن سعيد المقبري لين الحديث وأخوه عبد الله متروك كما في (التقريب). وقد أورده السيوطي في (الجامع) وقال (١): (رواه الزبير بن بكار في (أخبار المدينة) عن أبي هريرة ولم يرمز له في نسختنا بشيء ولا تعرض الشارح لذلك وإنما قال: ظاهر كلام المصنف أنه لم يره مخرجا لأحد من المشاهير وهو عجب فقد خرجه الديلمي باللفظ المذكور وكذا الطيالسي) قلت: إن كان يعني أنه في (مسند الطيالسي) من حديث أبي هريرة فقد راجعته ولم أجده في مسنده. والله أعلم (وقال: (أنا خاتم الأنبياء ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء) الحديث هو من رواية عائشة وله تتمة وقد سبق ذكره بكامله في الكلام على المسجد الحرام ونقلنا هناك أن فيه موسى بن عبيدة وأنه ضعيف لكن حديثه هذا قد جاء من غير طريقه بإسناد صحيح بلفظ: (فإني آخر الأنبياء وإن مسجدي آخر المساجد) رواه مسلم والنسائي. وقد سبق كما أن التتمة التي أشرنا إليها لها شواهد كثيرة سبق ذكرها هناك فدل هذا كله على أن موسى بن عبيدة قد حفظ هذا الذي رواه ولعله من أجل ما ذكرنا أورده المنذري في (الترغيب) (٢/ ١٣٦) فقال: (وروى البزار عن عائشة)

стр. 527

فذكر الحديث. ولم يضعفه كما هي عادته (ومن فضائله قوله: (من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله ومن جاء لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره) أخرجه ابن ماجه (١/ ١٠٠ - ١٠١) والحاكم (١/ ٩١) وأحمد (٢/ ٤١٨ و ٥٢٦) عن أبي صخر حميد بن صخر الخراط أن سعيدا المقبري أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول. . . فذكره. قال الحكم: (صحيح على شرط الشيخين). ووافقه الذهبي وإنما هو على شرط مسلم وحده فإن حميد بن صخر - ويقال: ابن زياد - لم يرو له البخاري في (صحيحه) بل روى له في (الأدب المفرد) ولذلك قال في (الزوائد): (إسناده صحيح على شرط مسلم. وقول الحافظ ثم فيه على شرط الشيخين غلط فإن البخاري لم يحتج بحميد بن صخر ولا أخرج له في (صحيحه) وإنما أخرج له في (الأدب المفرد) وإنما احتج به مسلم) قلت: وكذلك غلط الشوكاني حيث قال (٢/ ١٣٢): (وحميد بن صخر هو حميد الطويل الإمام الكبير) فإن حميدا الطويل غير هذا وهو حميد بن أبي حميد أبو عبيدة الطويل وهو أعلى طبقة من هذا

стр. 528

والحديث أورده المنذري في (الترغيب) (١/ ٦٢) وقال: (رواه ابن ماجه والبيهقي وليس في إسناده من ترك ولا أجمع على ضعفه) قوله: (مسجدي هذا). قال الشوكاني: (فيه تصريح بأن الأجر المترتب على الدخول إنما يحصل لمن كان في مسجده ﷺ ولا يصح إلحاق غيره به من المساجد التي هي دونه في الفضيلة لأنه قياس مع الفارق. قوله: ومن دخل لغير ذلك. . . إلخ. ظاهره أن كل ما ليس فيه تعليم ولا تعلم من أنواع الخير لا يجوز فعله في المسجد ولا بد من تقييده بما عدا الصلاة والذكر والاعتكاف ونحوها مما ورد فعله في المسجد أو الإرشاد إلى فعله في المسجد) (وقوله: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) الحديث ورد عن جمع من الصحابة ولذلك قال السيوطي في نقله المناوي: (هذا حديث متواتر) ونحن نسوق هنا أحاديث من وقفنا على أسانيدهم: الأول: عبد الله بن زيد المازني أخرجه البخاري (٣/ ٥٤) ومسلم (٤/ ١٢٣) ومالك (١/ ٢٠٢) والنسائي (١/ ١١٣) وأحمد (٤/ ٣٩ و ٤٠) من طرق عن عبد الله بن أبي بكر عن عباد ابن تميم عنه

стр. 529

ثم رواه أحمد (٤/ ٤٠ - ٤١) من طريق فليح عن عبد الله بن أبي بكر به بلفظ: (ما بين البيوت - يعني: بيوته - إلى منبري. . .) والباقي مثله وزاد: (والمنبر على ترعة من ترعة الجنة) وفليح - وهو ابن سليمان - وإن كان قد احتج به الشيخان فإن في حفظه ضعفا وقد تفرد بهذا اللفظ ولم يوافقه عليه أحد كما سترى الثاني: أبو هريرة: عند البخاري (٣/ ٥٤ و ٤/ ٧٩ و ١١/ ٤٠١) وأحمد (٢/ ٣٧٦ و ٤٣٨) من طريق عبيد الله بن عمر قال: ثني خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عنه مرفوعا به وفيه الزيادة بلفظ: (ومنبري على حوضي) رواه مالك (١/ ٢٠٢) عن خبيب به إلا أنه قال: عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد الخدري. هكذا على الشك وكذلك رواه أحمد (٢/ ٤٦٥ و ٥٣٣) عن عبد الرحمن بن مهدي عن مالك به. قال ابن عبد البر: (هكذا رواه رواة (الموطأ) على الشك إلا معن بن عيسى وروح بن عبادة فإنهما قالا فيه: عن أبي هريرة وأبي سعيد جميعا على الجمع لا على

стр. 530

الشك. ورواه عبد الرحمن بن مهدي عن مالك فقال: عن أبي هريرة وحده ولم يذكر أبا سعيد) قلت: رواية عبد الرحمن هذه عن أبي هريرة وحده أخرجها البخاري (١٣/ ٢٦٣) عن عمرو بن علي: ثنا عبد الرحمن به (١) وخالفه أحمد فقال: عن عبد الرحمن عن أبي هريرة أو أبي سعيد كما سبق وبالجملة فالرواية عن مالك عن خبيب مضطربة والصواب عن خبيب عن حفص عن أبي هريرة كما رواه عبيد الله بن عمر وتابعه جماعة منهم أخوه عبد الله بن عمر العمري عند أحمد (٢/ ٤٠١) ومحمد بن إسحاق عنده أيضا (٢/ ٣٩٧ و ٥٢٨) وشعبة عند الطبراني في (الصغير) (ص ٢٣٠) على أنه يبدو أن للحديث أصلا من رواية أبي سعيد الخدري وهو الآتي وله طرق أخرى عن أبي هريرة: منها عن حماد بن سلمة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عنه مرفوعا وهذا سند صحيح على شرط مسلم وأخرجه أحمد (٢/ ٤١٢ و ٥٣٤)

стр. 531

ومنها عن عبد الله عن أبي الزناد وعن الأعرج عنه ورجاله موثقون أخرجه أحمد أيضا (٢/ ٤٠١) ومنها عن كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عنه أخرجه الترمذي (٢/ ٣٢٦ طبع بولاق) وسكت عليه وسنده حسن رجاله ثقات غير كثير بن زيد وهو صدوق فيه لين كما قال أبو زرعة وفي (التقريب): (صدوق يخطيء) ومنها الآتي: الثالث: علي بن أبي طالب ﵁ عند الترمذي (٢/ ٣٢٦) من طريق سلمة بن وردان عن أبي سعيد بن المعلى عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة معا. وقال: (حديث حسن) وهو كما قال الرابع: جابر بن عبد الله أخرجه أحمد (٣/ ٣٨٩): ثنا سريج: ثنا هشيم: أنا علي بن زيد عن محمد بن المنكدر عنه مرفوعا

стр. 532

وهذا سند حسن رجاله رجال الشيخين غير علي بن زيد وهو ابن جدعان وهو حسن الحديث في المتابعات وأخرجه الخطيب (٣/ ٣٦٠) من طريق محمد بن هشام المروزي: ثنا هشيم به وقال: (ولم يروه عن هشيم غيره فيما قيل) قلت: ويرده رواية أحمد هذه فإنها من طريق سريج عنه والحديث قال في (المجمع) (٤/ ٨ - ٩): (رواه أحمد وأبو يعلى والبزار وفيه علي بن زيد وفيه كلام وقد وثق) قلت: وله عند الخطيب طريقان آخران: الأول: أخرجه (١١/ ٢٢٨) عن عمر بن إبراهيم بن القاسم بن بشار أبي حفص البغدادي: ثنا أبو عبد الله محمد بن حفص بن عمر إملاء: ثنا محمد ابن كثير الكوفي: ثنا سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر به وهذا سند ضعيف وعمر هذا ترجمه الخطيب ولم يحك فيه جرحا ولا تعديلا ومحمد بن حفص بن عمر أبو عبد الله الظاهر أنه الذي في الميزان: (محمد بن حفص الطالقاني نزيل مصر أبو عبد الله قال الدارقطني: ضعيف)

стр. 533

وبقية رجال الإسناد ثقات والطريق الآخر: رواه (١١/ ٣٩٠) عن محمد بن يونس الكديمي: ثنا عبد الله بن يونس بن عبيد: ثني أبي عن محمد بن المنكدر عن جابر والكديمي هذا أحد المتروكين كما قال الذهبي ثم استدركت فقلت: هذا ليس طريقا ثالثا وإنما هو متابع لعلي بن زيد عن محمد بن المنكدر وهو الطريق الأول الخامس: سعد بن أبي وقاص أخرجه الخطيب (١١/ ٢٩٠) عن إسحاق بن محمد الفروي قال: ثتنا عبيدة بن نائل عن عائشة بنت سعد عن أبيها وهذا إسناد حسن رجاله كلهم موثقون. وقال الهيثمي (٤/ ٩): (رواه البزار والطبراني في (الكبير) ورجاله ثقات). وقال الحافظ في (الفتح) (٤/ ٧٩): (رجاله ثقات) السادس: عبد الله بن عمر أخرجه الخطيب أيضا (١٢/ ١٦٠) عن أبي الفضل العباس بن محمد بن أحمد بن تميم الأنماطي: ثنا موسى بن إسحاق القاضي الأنصاري: ثنا أحمد ابن يحيى بن المنذر بن عبد الرحمن: ثنا مالك بن أنس عن نافع عنه

стр. 534

وهذا إسناد مجهول عندي لم أعرف منه غير مالك بن أنس ونافع لكن قال الهيثمي: (رواه الطبراني في (الكبير) و (الأوسط) ورجاله ثقات) وقد روي عن ابن عمر عن أبي سعيد وهو: السابع: أبو سعيد الخدري أخرجه الخطيب (٤/ ٤٠٣) من طريق أحمد بن محمد بن جهور: ثنا عفان: ثنا عبد الواحد بن زياد: ثنا إسحاق بن شرقي مولى ابن عمر قال: ثني أبو بكر بن عبد الرحمن عن ابن عمر قال: ثني أبو سعيد الخدري مرفوعا به أورده في ترجمة ابن جهور هذا ولم يذكر فيه جرحا ولا توثيقا وإسحاق بن شرقي لم أجد له ترجمة. لكن قال الهيثمي: (رواه الطبراني في (الأوسط) وهو حديث حسن إن شاء الله تعالى) قلت: وقد أخرجه أحمد (٣/ ٤): ثنا روح: ثنا مالك بن أنس عن خبيب ابن عبد الرحمن أن حفص بن عاصم أخبره عن أبي هريرة وأبي سعيد مرفوعا به وهذا إسناد رجاله رجال الشيخين لكن اختلف فيه على مالك كما سبق بيانه وأن الصواب فيه عن أبي هريرة وحده (١)

стр. 535

وفي الباب عن أبي بكر الصديق والزبير بن العوام وأنس بن مالك. انظر تخريجها إن شئت في (مجمع الزوائد) واعلم أنه وقع في رواية ابن عساكر لحديث البخاري عن أبي هريرة بلفظ: (قبري) بدل: (بيتي). قال الحافظ: (وهو خطأ) وكذلك وقع في بعض الروايات المتقدمة عند الخطيب وغيره بلفظ: (قبري) ولا نشك أنه رواية بالمعنى كما ذهب إلى ذلك القرطبي (١) وغيره. وقد بين وجه ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال في (القاعدة الجليلة) (ص ٥٨): (وهو ﷺ حين قال هذا القول لم يكن قد قبر بعد صلوات الله وسلامه عليه ولهذا لم يحتج به أحد من الصحابة حينما تنازعوا في موضع دفنه ولو كان هذا عندهم لكان نصا في محل النزاع ولكن دفن في حجرة عائشة في الموضع الذي مات فيه - بأبي هو وأمي - صلوات الله وسلامه عليه) ثم اعلم أن (المراد بتسمية ذلك الموضع روضة أن تلك البقعة تنقل إلى الجنة فتكون روضة من رياضها أو أنه على المجاز لكون العبادة فيه تؤول إلى

стр. 536

دخول العابد روضة الجنة. وهذا فيه نظر إذ لا اختصاص لذلك بتلك البقعة والخبر مسوق لمزيد شرف تلك البقعة على غيرها. وقيل: فيه تشبيه محذوف الأداة أي: هو كروضة لأن من يقعد فيها من الملائكة ومؤمني الإنس والجن يكثرون الذكر وسائر أنواع العبادة). كذا في (الفتح) (١١/ ٤٠١ - ٤٠٢) وهل المراد بالبيت جميع البيوت التي كانت لأزواجه عليهن السلام أو المراد بيت واحد منها وهو بيت عائشة الذي صار قبره فيه؟ الظاهر الثاني ويدل عليه أنه الذي فهمه السلف الذين رووا الحديث بلفظ: (قبري) بدل (بيتي) كما سلف إشارة إلى أن المراد بالبيت البيت الذي فيه قبره وإلى هذا مال الحافظ في (الفتح) حيث قال بعد أن حكم بخطأ رواية ابن عساكر المتقدمة: (نعم وقع في حديث سعد بن أبي وقاص عند البزار بسند رجاله ثقات وعند الطبراني من حديث ابن عمر بلفظ: القبر فعلى هذا المراد بالبيت في قوله: بيتي. أحد بيوته لا كلها وهو بيت عائشة الذي صار قبره فيه وقد ورد الحديث بلفظ: ما بين المنبر وبيت عائشة روضة من رياض الجنة. أخرجه الطبراني في (الأوسط) قلت: وهو من حديث أبي سعيد الخدري وقد حسنه الهيثمي كما سبق. والله تعالى أعلم (وهو المسجد الذي أسس على التقوى كمسجد قباء قال أبو سعيد الخدري:

стр. 537

(قلت يا رسول الله أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ فأخذ كفا من حصى فضرب به الأرض قال: (هو هذا مسجد المدينة [وفي ذاك خير كثير]) الحديث له عنه طرق: ١ - عن يحيى بن سعيد عن حميد الخراط قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن قال: مر بي عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري فقلت له: كيف سمعت أباك يقول في المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: قال أبي: دخلت على رسول الله ﷺ في بيت بعض نسائه فقلت. . . الحديث أخرجه أحمد (٣/ ٢٤) ومسلم (٤/ ١٢٦) عنه وأخرجه النسائي (١/ ١١٣) والترمذي (٢/ ١٨٥ طبع بولاق) وأحمد (٣/ ٨ / ٨٩) عن ليث بن سعد عن عمران بن أبي أنس عن ابن أبي سعيد الخدري أنه قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم فقال رجل: هو مسجد قباء وقال الآخر: هو مسجد رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : (هو مسجدي هذا). وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح) ورواه الحاكم (٢/ ٣٣٤) من طريق أسامة بن زيد عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه أنه قال: المسجد الذي أسس على التقوى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 538

هكذا رواه أسامة موقوفا وهو ضعيف في حفظه ٢ - عن أنيس بن أبي يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدري نحو حديث الليث وفيه الزيادة بين القوسين أخرجه الترمذي (٢/ ١٤٤ - ١٤٥) والحاكم (١/ ٤٨٧) وأحمد (٣/ ٢٣ و ٩١) وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح) وقال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم). ووافقه الذهبي وليس كما قالا وإنما صحيح فقط ليس على شرط مسلم فإنه لم يخرج لأنيس بن أبي يحيى ولا لأبيه شيئا وهما ثقتان وقد تابعه أخوه محمد بن أبي يحيى عن أبيه أخرجه الحاكم (٢/ ٣٣٤) وصححه وقال الذهبي: (إسناده جيد) وللحديث شاهد من رواية سهل بن سعد قال: اختلف رجلان على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الذي أسس على التقوى فقال أحدهما: هو مسجد الرسول وقال الآخر: هو مسجد قباء. فأتيا النبي ﷺ فسألاه فقال: (هو مسجدي هذا) أخرجه أحمد (٥/ ٣٣١): ثنا وكيع: ثنا ربيعة بن عثمان التيمي عن عمران بن أبي أنس عنه

стр. 539

وهذا سند صحيح على شرط مسلم ورواه ابن حبان في (صحيحه) كما في (الترغيب) (٢/ ١٣٧) وقد تابعه عبد الله بن عامر الأسلمي عن عمران به أخرجه أحمد (٥/ ٣٣٥) وعبد الله هذا ضعيف كما في (المجمع) (٤/ ١٠) و (التقريب). وقد اضطرب فيه فمرة يجعله من مسند سهل بن سعد كما في هذه الرواية ومرة يجعله من مسند أبي بن كعب كما رواه أحمد (٥/ ١١٦) والحاكم (٢/ ٣٣٤) عن أبي نعيم الفضل بن دكين: ثنا عبد الله بن عامر الأسلمي عن عمران بن أبي أنس عن سهل بن سعد عن أبي بن كعب مختصرا ومن الغريب قول الحاكم فيه: (هذا صحيح الإسناد) وأغرب منه موافقة الذهبي له على التصحيح مع أنه ترجم لعبد الله بن عامر بالضعف الذي لا توثيق معه قال النووي في (شرح مسلم): (هذا نص بأنه المسجد الذي أسس على التقوى المذكور في القرآن ورد لما يقوله بعض المفسرين أنه مسجد قباء وأما أخذه ﷺ الحصباء وضربه في الأرض فالمراد به المبالغة في الإيضاح لبيان أنه مسجد المدينة)

стр. 540

قلت: ظاهر الآية التي أشار إليها النووي ﵀ وهو قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ [التوبة / ١٠٨] يفيد أن المراد مسجد قباء لأن في الآية ضميرين يرجعان إلى مضمر واحد بغير نزاع وضمير الظرف الذي يقتضي الرجال المتطهرين هو مسجد قباء فهو الذي أسس على التقوى والدليل على هذا سبب نزول الآية. وهو ما أخرجه أحمد (٣/ ٤٢٢) من طريق أبي أويس: ثنا شرحبيل عن عويم بن ساعدة الأنصاري أنه حدثه: أن النبي ﷺ أتاهم في مسجد قباء فقال: (إن الله ﵎ قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟) قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا وهذا إسناد حسن. ورواه ابن خزيمة في (صحيحه) كما في تفسير ابن كثير) (٢/ ٣٨٩) وله شاهد بإسناد حسن أيضا كما في (نصب الراية) (١/ ٢١٩) من حديث أبي أيوب الأنصاري وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك أخرجه ابن ماجه (١/ ١٤٦) والحاكم (٢/ ٣٣٤ - ٣٣٥) وقال: (صحيح الإسناد) ووافقه الذهبي

стр. 541

وفي الباب عن أبي هريرة وابن عباس ومحمد بن عبد الله بن سلام وغيرهم. وقد سبق إن شاء الله تعالى ذكر أحاديثهم في أول الكتاب وقد زعم الحافظ في (الفتح) (٧/ ١٩٥) أن حديث أبي هريرة المشار إليه إسناده صحيح عند أبي داود. وذلك غير صحيح فإنه عنده (١/ ٨) كغيره من طريق يونس بن الحارث وهو ضعيف كما قال الحافظ نفسه في (التقريب) وكذلك قال ابن كثير وكذلك وهم ابن العربي في (تفسيره) (١/ ٤١٥) حيث قال: (هذا حديث لم يصح) فإنه صحيح بمجموع طرقه وإن كان هو أشار إلى حديث أبي هريرة فكان عليه أن يجمع إليه شواهده التي ذكرنا بعضها وأشرنا إلى الأخرى فحينئذ لا يجوز أن يقول ما قال إذا علمت ما تقدم أن ظاهر الآية وسبب النزول يفيد أنه مسجد قباء وأن الحديث بخلاف ذلك يفيد أنه المسجد النبوي فلا بد من التوفيق بينهما فقال ابن كثير: (ولا منافاة بين الآية وبين هذا لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم فمسجد رسول الله ﷺ بطريق الأولى والأحرى) وكأنه من كلام شيخه ابن تيمية ﵀ فقد قال في (تفسير سورة الإخلاص) (ص ١٧٢):

стр. 542

(قد ثبت عنه ﷺ في (الصحيحين) أنه كان يأتي قباء كل سبت راكبا وماشيا وذلك لأن الله أنزل عليه: ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه﴾ وكان مسجده هو الأحق بهذا الوصف. وقد ثبت في (الصحيح) أنه سئل عن المسجد المؤسس على التقوى فقال: (هو مسجدي هذا) يريد أنه أكمل في هذا الوصف من مسجد قباء ومسجد قباء أيضا أسس على التقوى وبسببه (كذا) الآية ولهذا قال: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ وكان أهل قباء مع الوضوء والغسل يستنجون بالماء وتعلموا ذلك من جيرانهم اليهود ولم تكن العرب تفعل ذلك فأراد النبي ﷺ أن لا يظن ظان ذاك الذي أسس على التقوى دون مسجده فذكر مسجده أحق بأن يكون هو المؤسس على التقوى فقوله: ﴿لمسجد أسس على التقوى﴾ [التوبة / ١٠٨] يتناول مسجده ومسجد قباء ويتناول كل مسجد أسس على التقوى بخلاف مساجد الضرار) وقد ذهب إلى هذا الجمع الحافظ ابن حجر ونقل نحوه عن الداودي والسهيلي وغيرهما وهو الحق الذي يجب المصير إليه لأن خلافه يلزم منه إما رد ما أفاده القرآن من أجل الحديث أو العكس وكل من الأمرين خطأ بل ضلال وقد قال رسول الله ﷺ : (إلا إني أوتيت القرآن ومثله معه) وسيأتي ما يدل على أنه مسجد قباء زيادة عما تقدم: (ج): ثم المسجد الأقصى قال تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده. . .﴾ الآية وقال ﵊: (ائتوه فصلوا فيه فإن

стр. 543

صلاة فيه كألف صلاة فيما سواه قيل: أرأيت من لم يطق أن يتحمل إليه أو يأتيه؟ قال: فليهد إليه زيتا يسرج فيه فإن من أهدى له كمن صلى فيه) الحديث من رواية ميمونة بنت سعد ﵂ مولاة النبي ﷺ قالت: يا نبي الله أفتنا في بيت المقدس. فقال: (أرض المنشر والمحشر ائتوه. . .) إلخ أخرجه أحمد (٦/ ٤٦٣) وابن ماجه (١/ ٤٢٩ - ٤٣٠) من طريق عيسى ابن يونس قال: ثنا ثور عن زياد بن أبي سودة عن أخيه عثمان بن أبي سودة عنها وهذا سند حسن أو صحيح رجاله ثقات رجال البخاري غير زياد بن أبي سودة وأخيه عثمان وهما ثقتان كما في (التقريب) وقد وثقهما ابن حبان وغيره وروى عن كل منهما جماعة من الثقات وقد أورده الهيثمي (٤/ ٦ - ٧) من طريق أبي يعلى وقال: (ورجاله ثقات) وأما الذهبي فخالف حيث قال في ترجمة عثمان بن أبي سودة: (وثقة مروان الطاهري - كذا ولعل الصواب: الطاطري - وابن حبان. قلت: في النفس شيء من الاحتجاج به) وقال في ترجمة أخيه زياد - وقد ساق له هذا الحديث -:

стр. 544

(هذا حديث منكر جدا. قال عبد الحق: ليس هذا الحديث بقوي وقال ابن القطان: زياد وعثمان ممن يجب التوقف عن روايتهما) كذا قالوا ولم يذكروا حجتهم فيما إليه ذهبوا ولم أجد لهم في ذلك سلفا من المتقدمين من أهل الجرح والتعديل وقد علمت مما أوردنا أنهما ثقتان عند ابن حبان وغيره من المتقدمين والمتأخرين كالحافظ ابن حجر وشيخه الهيثمي وغيرهما ممن يأتي ولم يظهر لي وجه الحكم بالنكارة التي جزم بها عند ابن حبان وغيره من المتقدمين والمتأخرين كالحافظ ابن حجر وشيخه الذهبي ولذلك كله فإني أذهب - بعد أن استخرت الله تعالى - إلى أن الحديث قوي ثابت وأن من جرحه لا حجة معه نعم قد رواه بعضهم فأعله فأخرجه أبو داود (١/ ٧٥) ومن طريقه البيهقي (٢/ ٤٤١) عن سعيد بن عبد العزيز عن زياد بن أبي سودة عن ميمونة مولاة النبي ﷺ أنها قالت. . . الحديث مختصرا وليس فيه أن الصلاة فيه كألف - وسيأتي لفظه في (آداب المساجد) - فأسقط سعيد بن عبد العزيز من الإسناد عثمان بن أبي سودة فصار بذلك منقطعا لكن سعيد بن عبد العزيز وإن كان ثقة إماما فقد كان اختلط في آخر عمره فهو غير حجة إذا خالف كما في هذه الرواية فإن ثورا - وهو ابن يزيد الحمصي - ثقة ثبت كما في (التقريب) وفي (الخلاصة): (أحد الأثبات)

стр. 545

وقد وصله بذكر عثمان فيه وهي زيادة منه مقبولة حتى ولو كان مخالفه نده ومثيله كيف وقد علمت حاله كيف وقد خالفه أيضا معاوية بن صالح فرواه موصولا كرواية ثور بن يزيد كما ذكر الحافظ في (الإصابة) ولذلك قال التركماني في (الجوهر النقي): (قلت: الحديث ليس بقوي كذا قال عبد الحق في (أحكامه) وكأن الحامل له على ذلك الاختلاف في إسناده فإن أبا داود أخرجه كما ذكره البيهقي وأخرجه ابن ماجه من حديث ثور بن يزيد عن زياد بن أبي سودة عن أخيه عثمان بن أبي سودة عن ميمونة). ولهذا قال صاحب (الكمال): (روى زياد عن ميمونة وعن أخيه عنها وهو الصحيح). ولذلك قال في (الزوائد): (روى أبو داود بعضه وإسناد طريق ابن ماجه صحيح ورجاله ثقات وهو أصح من طريق أبي داود فإن بين زياد بن أبي سودة وميمونة عثمان بن أبي سودة كما صرح به ابن ماجة في طريقه كما ذكره صلاح الدين في (المراسيل) وقد ترك في أبي داود) وبعد كتابة ما تقدم رجعت إلى (المجموع) للنووي وإذا به ذهب أيضا إلى تقوية الحديث حيث قال: (٨/ ٢٧٨) ما مختصره: (رواه أحمد في (مسنده) بهذا اللفظ ورواه به أيضا ابن ماجه بإسناد لا بأس به ورواه أبو داود مختصرا بإسناد حسن)

стр. 546

كذا قال وإسناد أبي داود فيه الانقطاع كما سبق فكيف يكون حسنا؟ ثم قال النووي: (أجمع العلماء على استحباب زيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه وعلى فضله قال تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله﴾ [الإسراء / ١]) ثم ذكر حديث شد الرحال ويأتي وهذا الحديث والذي بعده (وقال: (إن سليمان بن داود لما بنى بيت المقدس سأل الله خلالا ثلاثة: سأل الله حكما يصادف حكمه فأوتيه. وسأل الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه. وسأل الله عز وجلهـ حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا للصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه [فنحن نرجو أن يكون الله قد أعطاه إياه]) الحديث أخرجه النسائي (١/ ١١٢ - ١١٣) عن أبي إدريس الخولاني والسياق له وابن ماجه (١/ ٤٣٠) عن أبي زرعة الشيباني يحيى بن أبي عمرو وأحمد (٢/ ١٧٦) عن ربيعة بن يزيد والحاكم (١/ ٣٠) عنه وعن الشيباني معا - والزيادة لهما - ثلاثتهم عن عبد الله بن فيروز الديلمي عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا به. وقال الحاكم: (صحيح على شرطهما ولا أعلم له علة) ووافقه الذهبي قلت: أما أن الحديث صحيح فهو كما قالا لا شك فيه وأما أنه على

стр. 547

شرطهما ففيه نظر لأن ابن الديلمي ليس من رجالهما وهو ثقة من كبار التابعين كما قال الحافظ في (التقريب) قال: (ومنهم من ذكره في الصحابة) والحديث أخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان في (صحيحهما) كما في (الترغيب) (٢/ ١٣٧ - ١٣٨) وقد صححه النووي في (المجموع) (٨/ ٢٧٨) والحافظ في (الفتح) (٦/ ٣١٦) وللحديث شاهد لكن فيه زيادة منكرة جدا على ضعف شديد في إسناده وأنا أسوق لفظه للتحذير منه فطالما سمعناه من بعض الخطباء على رؤوس المنابر ولا حول ولا قوله إلا بالله أخرجه الطبراني في (الكبير) عن رافع بن عمير مرفوعا: (قال الله لداود: ابن لي بيتا في الأرض. فبنى داود بيتا لنفسه قبل أن يبني البيت الذي أمر به فأوحى الله إليه: يا داود نصبت بيتك قبل بيتي؟ قال: أي رب هكذا قلت فيما قضيت: (من ملك استأثر) ثم أخذ في بناء المسجد فلما تم السور سقط ثلثاه فشكا ذلك إلى الله فأوحى الله تعالى إليه: (إنه لا يصلح أن تبني لي بيتا) قال: أي رب ولم؟ قال: لما جرت على يديك من الدماء قال: أي رب أولم يكن ذلك في هواك ومحبتك؟ قال: بلى ولكنهم عبادي وأنا أرحمهم. فشق ذلك عليه فأوحى الله تعالى إليه: لا تحزن فإني سأقضي بناءه على يد ابنك سليمان فلما مات

стр. 548

داود أخذ سليمان في بنائه فلما تم قرب القرابين وذبح الذبائح وجمع بني إسرائيل فأوحى الله تعالى إليه: قد أرى سرورك ببنيان بيتي فسلني أعطك قال: أسألك ثلاث خصال: حكما يصادف حكمك وملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ومن أتى هذا البيت لا يريد إلا الصلاة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. قال رسول الله ﷺ : (أما اثنتان فقد أعطيهما وأنا أرجو أن يكون قد أعطي الثالثة). ا. هـ من (المجمع) (٤/ ٧ - ٨) و (المنتخب) (٥/ ٣٦٩) وقال الهيثمي: (وفيه محمد بن أيوب بن سويد وهو متهم بالوضع) ثم رأيت الذهبي حكم على الحديث بالوضع فأصاب حيث قال في ترجمة ابن أيوب هذا: (ضعفه الدارقطني وقال ابن حبان: لا تحل الرواية عنه قال أبو زرعة: رأيته قد أدخل في كتب أبيه أشياء موضوعة. قلت: من ذلك حديث: لما بنى داود المسجد فسقط فقيل له: إنه لا تصلح أن تتولى بناءه قال: ولم يا رب؟ قال: لما جرى على يديك من الدماء. قال: أو لم يكن في هواك؟ قال: بلى ولكنهم عبادي أرحمهم. . . الحديث بطوله) قلت: وقد رواه أيوب بن سويد والد محمد هذا عن أبي زرعة الشيباني بإسناده المتقدم عن ابن عمر مرفوعا بدون هذه الزيادة المنكرة الموضوعة أخرجه ابن ماجه عن عبيد الله بن الجهم الأنماطي عنه فهذا من الدليل

стр. 549

على أن هذه الزيادة أدخلها محمد بن أيوب - قبحه الله - على أبيه وفي الباب عن أبي ذر ﵁ قال: تذاكرنا ونحن عند رسول الله ﷺ : أيهما أفضل: مسجد رسول الله ﷺ أو مسجد بيت المقدس؟ فقال: رسول الله ﷺ : (صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه ولنعم المصلى وليوشكن أن يكون (في الأصل: أن لا يكون) للرجل مثل شطن (هو الحبل) فرسه من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعا أو قال: خير من الدنيا وما فيها) أخرجه الحاكم (٤/ ٥٠٩) من طريق الحجاج بن الحجاج عن قتادة عن أبي الخليل عن عبد الله بن الصامت عنه. وقال: (صحيح الإسناد). ووافقه الذهبي وهو كما قالا وقد أخرجه الطبراني أيضا في (الأوسط) ورجاله رجال الصحيح كما في (المجمع) (٤/ ٧). وقال المنذري (٢/ ١٣٨): (رواه البيهقي بإسناد لا بأس به وفي متنه غرابة) وقد رواه ابن عساكر من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن عبد الله بن الصامت به. فأسقط بين قتادة وابن الصامت أبا الخليل والأصح إثباته واسمه صالح بن أبي مريم وهو ثقة من رجال الستة

стр. 550

قلت: ولعل وجه الغرابة أنه ثبت في حديث ميمونة المتقدم أن الصلاة في المسجد الأقصى بألف صلاة وفي حديث أبي الدرداء - الذي سبق ذكره في تخريج أول أحاديث المسجد - أن الصلاة فيه بخمسمائة صلاة وفي حديث أبي ذر هذا أن صلاة في مسجده ﵊ أفضل من أربع صلوات في المسجد الأقصى وهذا لا يتفق في معناه في الحديثين المشار إليهما فإنه يفيد أن فضل الصلاة فيه أربعة أضعاف الصلاة في الأقصى وينتج منه أن الصلاة في المسجد الأقصى على الربع من الصلاة في المسجد النبوي أي: بمائتين وخمسين صلاة. وهذه النتيجة لا تتفق مع ما ثبت في الأحاديث الكثيرة المتقدمة أن الصلاة في الأقصى بألف أو بخمسمائة فيقال: إن الله جعل فضيلة الصلاة في الأقصى مائتين وخمسين صلاة أولا ثم أوصلها إلى الخمسمائة ثم إلى الألف فضلا منه تعالى على عباده ورحمة. والله تعالى أعلم بحقيقة الحال (ومن فضل هذه المساجد الثلاثة أنه لا يجوز قصد السفر على مسجد أو موضع من المواضع الفاضلة والصلاة فيها إلا إليها لقوله ﵊: (لا تشد (وفي رواية: لا تشدوا) الرحال إلا (وفي لفظ: إنما يسافر) إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا ومسجد الحرام ومسجد الأقصى) الحديث ورد عن جمع من الصحابة:

стр. 551

الأول: أبو هريرة وله عنه ثلاثة طرق: ١ - عن الزهري عن سعيد بن المسيب عنه أخرجه البخاري (٣/ ٤٩) ومسلم (٤/ ١٢٦) وأبو داود (١/ ٣١٨) والنسائي (١/ ١١٤) وابن ماجه (١/ ٤٣٠) وأحمد (٢/ ٢٣٤ و ٢٣٨ و ٢٧٨) والخطيب (٩/ ٢٢٢) من طرق عنه ٢ - عن ابن وهب: ثني عبد الحميد بن جعفر أن عمران بن أبي أنس حدثه أن سلمان الأغر حدثه عنه. واللفظ الثاني له أخرجه مسلم وحده ٣ - عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عنه أخرجه الدارمي (١/ ٣٣٠) وأحمد (٢/ ٥٠١) قالا: ثنا يزيد بن هارون عنه وهذا سند حسن رجاله رجال الستة غير أن محمد بن عمرو أخرج له البخاري مقرونا ومسلم متابعة الثاني: أبو سعيد الخدري: وله عنه أربعة طرق: ١ - عن قزعة عنه أخرجه البخاري (٤/ ٦٢ - ٦٣ و ١٩٥) ومسلم (٤/ ١٠٢) والرواية الثانية

стр. 552

له والترمذي (٢/ ١٤٨) وصححه وابن ماجه (١/ ٤٣٠) وأحمد (٣/ ٧ و ٣٤ و ٤٥ و ٧٧ و ٧٨) والخطيب (١١/ ١٩٤ - ١٩٥) من طرق عنه وأخرجه البيهقي أيضا (٢/ ٤٥٢) ٢ - عن مجالد: ثني أبو الوداك عنه أخرجه أحمد (٣/ ٥٣) وسنده حسن ٣ - عن عبد الملك بن عمير قال: سألت عكرمة مولى زياد قال: سمعت أبا سعيد الخدري قال. . . . فذكره أخرجه أحمد (٣/ ٧١) ورجاله ثقات رجال الستة غير عكرمة مولى زيادة فلم أعرفه ولم يورده الحافظ في (التعجيل) مع أنه على شرطه ٤ - عن ليث عن شهر قال: لقينا أبا سعيد ونحن نريد الطور فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تشد المطي إلا. . .) الحديث أخرجه أحمد (٣/ ٩٣) وإسناده حسن رجاله رجال الستة إلا أن مسلما روى لليث - وهو ابن أبي سليم - مقرونا بغيره والبخاري روى له تعليقا وشهر لم يرو له في (صحيحه) وإنما روى له في (الأدب المفرد) وهو صدوق كثير الإرسال والأوهام كما في (التقريب)

стр. 553

قلت: وقد صرح في هذه الرواية بلقياه لأبي سعيد ثم إنها موافقة لسائر الروايات المتقدمة فأمنا بذلك من وهمه وإرساله نعم رواه عبد الحميد عن شهر قال: سمعت أبا سعيد الخدري - وذكرت عنده صلاة في الطور - فقال: قال رسول الله ﷺ : (لا ينبغي للمطي أن تشد رحاله إلى مسجد يبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام. . . الحديث أخرجه أحمد (٣/ ٦٤) وعمر بن شبة في كتاب (أخبار المدينة) كما في (الصارم المنكي) (٢٤١) فصرح عبد الحميد - وهو ابن بهرام - عن شهر بذكر المستثنى منه الذي لم يذكر في جميع روايات الحديث ما تقدم منها وما يأتي وهو قوله: (إلى مسجد يبتغى فيه الصلاة) هو قد خالف بذلك الليث وكلاهما متكلم فيه لكن عبد الحميد أحسن حالا منه لا سيما في روايته عن شهر. وفي (التقريب) [: (هو صدوق) فإذا كان قد حفظ هذه الزيادة عن شهر فيكون شهر قد روى الحديث بالمعنى الذي فهمه هو من الحديث وهو بهذا المعنى غير متفق عليه. وإما أن يكون أتي من سوء حفظه فأتى بها عفوا لا قصدا وهو الأرجح عندي لأن من يتتبع أحاديثه يجد فيها كثيرا من مثل هذه الزيادات التي لم يروها الحفاظ الثقات. وأيا ما كان فهذه الزيادة لا يجوز الاحتجاج بها لمخالفتها لروايات الثقات ولتفرد شهر بها

стр. 554

وستعلم فيما يأتي - إن شاء الله تعالى - منزلة هذه الزيادة في تعيين وترجيح أحد المعنيين من الحديث والمعركة التي جرت بين العلماء حولها فليكن هذا منك على ذكر الثالث: عبد الله بن عمرو بن العاص أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٣٠) من طريق يزيد (وفي الأصل: يزيد وهو خطأ مطبعي) ابن مريم عن قزعة عن أبي سعيد وعبد الله بن عمرو بن العاص معا مرفوعا وإسناده صحيح رجاله رجال البخاري غير محمد بن شعيب وهو ابن شابور وهو ثقة الرابع: أبو بصرة الغفاري وله عنه ثلاث طرق: ١ - عن عبد الملك بن عمير عن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي: أن أبا بصرة لقي أبا هريرة وهو جاء فقال: من أين أقبلت؟ قال: أقبلت من الطور صليت فيه قال: أما إني لو أدركتك لم تذهب إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تشد الرحال. . .) الحديث أخرجه الطيالسي (رقم ١٣٤٨ و ٢٥٠٦) وأحمد (٦/ ٧)

стр. 555

وهذا سند صحيح رجاله رجال الشيخين غير عمر بن الحارث هذا وهو ثقة كما في (التقريب). وفي (المجمع) (٤/ ٣): (رواه أحمد والبزار بنحوه والطبراني في (الكبير) و (الأوسط) ورجال أحمد ثقات أثبات ٢ - عن ابن إسحاق قال: ثني يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني عن أبي بصرة الغفاري قال: لقيت أبا هريرة. . . الحديث أخرجه أحمد (٦/ ٣٩٧) وإسناده حسن ٣ - عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة قال: خرجت إلى الطور (قلت: فذكر حديثا طويلا ثم قال:) فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من الطور فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد. . .) الحديث مثله أخرجه مالك (١/ ١٣١ - ١٣٢) والنسائي (١/ ٢١٠) والترمذي (٢/ ٣٦٢ - ٣٦٣) وأحمد (٦/ ٧) عنه. وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح) قلت: وهو على شرط الشيخين إلا أن بعض الرواة منه وهم في موضعين:

стр. 556

الأول: في متن الحديث حيث قال: (لا تعمل المطي) والصواب: لا تشد الرحال) والآخر: أنه جعله من مسند بصرة بن أبي بصرة والصواب أنه مسند والده أبي بصرة كما في الطريقين الأولين ولذلك قال الحافظ في (التقريب) والخزرجي في (الخلاصة) في ترجمة بصرة هذا: (صحابي ابن صحابي والمحفوظ أن الحديث لوالده أبي بصرة) الخامس: عبد الله بن عمر أخرجه أبو زيد عمر بن شبة النميري في كتاب (أخبار المدينة) قال: ثنا ابن أبي الوزير: ثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن طلق عن قزعة قال: أتيت ابن عمر فقلت: إني أريد الطور فقال: إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد. . . الحديث فدع عنك الطور فلا تأته رواه أحمد بن حنبل في (مسنده) كذا في (الصارم المنكي) (ص ٢٤١) قلت: وليس هو في (المسند) وأظن أن هذه الجملة: (رواه أحمد في مسنده) وقعت هنا سهوا من بعض النساخ أو الطابع ومحلها عقب الحديث الذي أورده في (الصارم) بعد هذا الحديث وهو حديث عبد الحميد بن بهرام: ثنا شهر بن حوشب قال: سمعت أبا سعيد. . . الحديث. وقد مضى قريبا فقد عزاه لعمر بن شبة أبي زيد: ثنا هشام بن عبد الملك: ثنا عبد الحميد به. ثم لم يعزه للمسند وهو فيه كما سبق ويبعد أن يخفى ذلك على الحافظ ابن

стр. 557

عبد الهادي ولذلك ذهبت إلى أن الأمر انقلب على البعض. والله أعلم ثم إن هذا الحديث موقوف وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير ابن أبي الوزير وهو محمد بن عمر بن مطرف أبو المطرف ابن أبي الوزير البصري وهو ثقة كما في (التقريب) وقد جاء مرفوعا أخرجه الطبراني في (الكبير) و (الأوسط) بلفظ: (لا تشد الرحال). قال الهيثمي (٤/ ٤): (ورجاله ثقات) ثم وقفت على إسناده مرفوعا فقال الأزرقي في (أخبار مكة) (ص ٣٠٤): حدثني جدي قال: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن طلق بن حبيب عن قزعة قال: أردت الخروج إلى الطور فسألت ابن عمر فقال ابن عمر: أما علمت أن النبي ﷺ قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ والمسجد الأقصى ودع عنك الطور فلا تأته) قلت: وهذا سند صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح وجد الأزرقي اسمه أحمد بن محمد بن الوليد الغساني وهو ثقة من رجال البخاري السادس: علي بن أبي طالب أخرجه الطبراني في (الصغير) (ص ٩٨) وكذا في (الأوسط) من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي عن أبيه

стр. 558

إسماعيل عن جده يحيى عن سلمة بن كهيل عن حجية بن عدي عن علي مرفوعا به وهذا سند ضعيف مسلسل بالضعفاء: إبراهيم وإسماعيل ويحيى. واقتصر الهيثمي في تضعيفه على إبراهيم هذا وهو قصور السابع: أبو الجعد الضمري أخرجه الطبراني في (الكبير) و (الأوسط) ورجاله رجال (الصحيح) ورواه البزار أيضا. كذا في (المجمع) قلت: إذا ثبت هذا ففيه استدراك على قول البخاري في ترجمته أبي الجعد الضمري: (لا أعرف له إلا هذا الحديث) يعني الحديث الذي سيأتي في (الجمعة) في الترهيب عن ترك صلاة الجمعة. ومن الغريب أن الحافظ في (الإصابة) أقر البخاري على قوله هذا مع أن الخزرجي قال في ترجمة المذكور من (الخلاصة): (له أربعة أحاديث) الثامن: عمر بن الخطاب رواه البزار ورجاله رجال (الصحيح) إلا أن البزار قال: (أخطأ فيه حبان بن هلال)

стр. 559

قلت: حبان بن هلال كان ثقة ثبتا حجة كما قال ابن سعد وفي (التقريب): (ثقة ثبت) فتخطئته صعب. والله أعلم وبالجملة فالحديث متواتر أو كاد وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرسالة الثالثة من (مجموعة الرسائل الكبرى) (٣/ ٥٣): (وهو حديث مستفيض أجمع أهل العلم على صحته وتلقيه بالقبول والتصديق) قوله: (لا تشد الرحال) قال الحافظ: (بضم أوله بلفظ النفي والمراد النهي عن السفر إلى غيرها. قال الطيبي: هو أبلغ من صريح النهي كأنه قال: لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع لاختصاصها بما اختصت به والرحال جمع رحل: وهو للبعير كالسرج للفرس. وكنى بشد الرحال عن السفر لأنه لازمه وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والبغال والحمير والمشي في المعنى المذكور ويدل عليه قوله في اللفظ الثاني: (إنما يسافر) قوله: (إلا إلى ثلاثة مساجد) قال الحافظ: (الاستثناء مفرغ والتقدير: لا تشد الرحال إلى موضع ولازمه منع السفر إلى كل موضع غيرها لأن المستثنى منه في المفرغ مقدر بأعم العام لكن

стр. 560

يمكن أن يكون المراد بالعموم هنا الموضع المخصوص وهو المسجد كما سيأتي) قلت: وهذا ضعيف والصواب الأول كما سنذكره. ثم قال: (وفي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد ومزيتها على غيرها لكونها مساجد الأنبياء ولأن الأول قبلة الناس وإليه حجهم والثاني كان قبلة الأمم السالفة والثالث أسس على التقوى واختلف في شد الرحال إلى غيرها كالذهاب إلى زيارة الصالحين أحياء وأمواتا وإلى المواضع الفاضلة لقصد التبرك بها والصلاة فيها فقال الشيخ أبو محمد الجويني: (يحرم شد الرحال إلى غيرها عملا بظاهر الحديث) وأشار القاضي حسين إلى اختياره وبه قال عياض وطائفة. ويدل عليه ما رواه أصحاب السنن من إنكار أبي بصرة الغفاري على أبي هريرة خروجه إلى الطور وقال له: (لو أدركتك قبل أن تخرج ما خرجت) واستدل بهذا الحديث فدل على أنه يرى حمل الحديث على عمومه ووافقه أبو هريرة والصحيح عند إمام الحرمين وغيره من الشافعية: أنه لا يحرم وأجابوا عن الحديث بأجوبة منها: أن المراد: أن الفضيلة التامة إنما هي شد الرحال إلى هذه المساجد بخلاف غيرها فإنه جائز وقد وقع في رواية لأحمد سيأتي ذكرها بلفظ: (لا ينبغي للمطي أن تعمل) وهو لفظ ظاهر في غير التحريم

стр. 561

ومنها: أن النهي مخصوص بمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير الثلاثة فإنه لا يجب الوفاء به. قاله ابن بطال ومنها: أن المراد حكم الساجد فقط وأنه لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد للصلاة فيه غير هذه الثلاثة وأما قصد غير المساجد لزيارة صالح أو قريب أو صاحب أو طلب علم أو تجارة أو نزهة فلا يدخل في النهي ويؤيده ما روى أحمد من طريق شهر بن حوشب قال: سمعت أبا سعيد وذكرت عنده الصلاة في الطور فقال: قال رسول الله ﷺ : (لا ينبغي للمصلي (١) أن يشد رحاله إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي). وشهر حسن الحديث وإن كان فيه بعض الضعف) وأقول: لقد ألان الحافظ ﵀ القول هنا في شهر وحسن حديثه بهذا اللفظ مع أنه حكم عليه بأنه كثير الأوهام كما سبق نقله عنه فيما تقدم فمن كان كذلك كيف يحسن حديثه؟ لا سيما إذا تفرد به دون كل من روى الحديث فقد ورد من طرق ثلاثة أخرى عن أبي سعيد وليس فيها هذه الزيادة التي احتج بها الحافظ وهي: (إلى مسجد) يضاف إلى ذلك أنه ورد الحديث عن سبعة من الصحابة غير أبي سعيد من طرق كثيرة عن رواة ثقات ولم يقل أحد منهم ما قال شهر فهل بعد هذا دليل وبرهان على خطأ شهر في هذه الزيادة؟

стр. 562

على أنه قد اختلف فيها على شهر فذكرها بعضهم عنه دون بعض كما سبق بيان ذلك عند الكلام على الحديث من الطريق الرابع عن أبي سعيد. من أجل ذلك ذهبنا هناك إلى أنه لا يجوز الاحتجاج بهذه الرواية وقد بدا لي حجة أخرى تؤيد خطأ شهر فأقول: ومما يدلك على ضعف هذه الزيادة بل بطلانها: أن في حديث شهر نفسه أن أبا سعيد أنكر عليه الذهاب إلى الطور واحتج عليه بهذا الحديث فلو كان فيه هذه الزيادة التي تخص معناه بالمساجد دون سائر المواضع الفاضلة لما جاز لأبي سعيد - وهو العربي الصميم - أن يحتج به لأن شهرا لم يقصد الذهاب إلا إلى الطور وليس هو مسجدا وإنما هو جبل مقدس كلم الله تعالى عليه موسى ﵇ فلا يشمله الحديث لو كانت فيه الزيادة فإنكاره الذهاب إليه أكبر دليل على بطلان نسبتها إلى حديثه ودليل أيضا على أن الحديث على عمومه وأنه يشمل الأماكن الفاضلة لأنه الذي فهمه أبو سعيد وكذا فهم منه عبد الله بن عمر وأبو بصرة الغفاري ووافقه أبو هريرة فكلهم أنكروا الذهاب إلى الطور محتجين بالحديث كما تقدم في تخريج أحاديثهم. فهؤلاء أربعة من الصحابة - لا مخالف لهم منهم - قد فهموا ذلك وهم أعلم بما سمعوه منه ﷺ وأدرى بما يقول ثم إن النظر يحكم بصحة عموم الحديث لأنه إذا كان منع من السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة مع العلم بأن العبادة في كل المساجد أفضل منها في غير المساجد وغير البيوت وقد قال ﵊: (أحب البقاع

стр. 563

إلى الله المساجد) كما مر وكان منع أيضا من السفر إلى الطور الذي سماه الله تعالى بالوادي المقدس فالمنع من السفر إلى غيرها أولى لا سيما إذا كان المكان المقصود قبور أنبياء وصالحين فإنه حرم بناء المساجد عليها كما مضى فكيف يسمح بالذهاب إليها ولم يسمح بالسفر إلى المساجد المبنية على تقوى الله؟ وهذا - بحمد الله - بين لا يخفى وأما الجوابان الآخران اللذان حكاهما الحافظ فهما ضعيفان أيضا وإليك البيان: أما الجواب الأول فالحديث وإن كان بلفظ النفي فهو بمعنى النهي كما حكاه الحافظ نفسه عن الطيبي. ويؤيد ذلك أمران: الأول: أنه جاء صريحا بالنهي في الرواية الثانية: (لا تشدوا) والآخر: أنه الذي فهمه الصحابة فنهوا عن الذهاب إلى الطور كما سبق وهناك أمر ثالث يقوي ذلك: وهو أن الحديث من رواية أبي سعيد في (الصحيحين) وغيرهما قطعة من حديث ورد فيه النهي عن أربعة أمور: (أ) شد الرحال (ب) سفر المرأة بغير محرم (ج) صوم يومي الفطر والأضحى (د) الصلاة بعد الصبح والعصر والنهي في هذا للتحريم فحمل النهي عن شد الرحال خاصة للتنزيه

стр. 564

خلاف الظاهر المتبادر وفيه جمع بين الحقيقة والمجاز وهذا لا يجوز إلا لصارف ولا صارف هنا ورواية أحمد التي احتج بها الحافظ بلفظ: (لا ينبغي للمطي أن تعمل) غير صحيحة كما سبق بيانه مرارا فلا حجة فيها على أن هذه الرواية لو صحت فهي لا تفيد الجواز المجرد عن الكراهة بل هي نص في الكراهة وحينئذ فقول النووي في شرح الحديث من رواية أبي سعيد: (الصحيح عند أصحابنا أنه لا يحرم ولا يكره) غير صحيح. وقد قال النووي أيضا في شرح الحديث من رواية أبي هريرة ما نصه: (معناه عند جمهور العلماء: لا فضيلة في شد الرحال إلى مسجد غيرها) وهذا تسليم منه أن السفر إلى غير المساجد الثلاثة لا فضيلة فيه فليس هو بعمل صالح ولا قربة ولا طاعة ومن المعلوم المشاهد أن من يقصد السفر إلى غيرها يبتغي بذلك التقرب إلى الله تعالى وهذا محرم اتفاقا لأنه تعبد الله تعالى بما لم يجعله عبادة ولذلك ذكر العلماء أنه (لو نذر أن يصلي في مسجد أو مشهد أو يعتكف فيه أو يسافر إليه غير هذه الثلاثة لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة بخلاف لو نذر أن يأتي المسجد الحرام لحج أو عمرة وجب ذلك باتفاق العلماء ولو نذر أن يأتي مسجد النبي ﷺ أو المسجد الأقصى لصلاة أو اعتكاف وجب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعي وأحمد

стр. 565

ولم يجب عند أبي حنيفة لأنه لا يجب عنده بالنذر إلا ما كان من جنسه واجب بالشرع وأما الجمهور فيوجبون الوفاء بكل طاعة لما رواه البخاري وغيره عن عائشة ﵁ مرفوعا: (من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) والسفر إلى المسجدين هو طاعة فلهذا وجب الوفاء به وأما السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة فلم يوجب أحد من العلماء السفر إليها إذا نذره حتى نص العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد قباء لأنه ليس من الثلاثة مع أنه يستحب زيارته لمن كان بالمدينة لأن ذلك ليس بشد رحل كما سيأتي قالوا: ولأن السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة والتابعين ولا أمر بها رسول الله ﷺ ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين فمن اعتقد ذلك عبادة وفعلها فهو مخالف للسنة ولإجماع الأئمة. وهذا مما ذكره أبو عبد الله بن بطة في (إبانته الصغرى) من البدع المخالفة للسنة والإجماع) (١) بقي علينا الجواب عن الجواب الثاني الذي أورده الحافظ فنقول: إنه تخصيص للحديث بدون أي مخصص والحديث أعم من ذلك وكل أحد يستطيع أن يدعي تخصيص أي عموم من كتاب أو سنة ولكن ذلك لا يقبل منه إلا مقرونا بالدليل والبرهان فأين الدليل هنا على هذه الدعوى؟
следующие страницы →