← Фикх общий

Фикх общий · id 306

الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب

ناصر الدين الألباني

Полный текст (852 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ومنها: أن النهي مخصوص بمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير الثلاثة فإنه لا يجب الوفاء به. قاله ابن بطال ومنها: أن المراد حكم الساجد فقط وأنه لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد للصلاة فيه غير هذه الثلاثة وأما قصد غير المساجد لزيارة صالح أو قريب أو صاحب أو طلب علم أو تجارة أو نزهة فلا يدخل في النهي ويؤيده ما روى أحمد من طريق شهر بن حوشب قال: سمعت أبا سعيد وذكرت عنده الصلاة في الطور فقال: قال رسول الله ﷺ : (لا ينبغي للمصلي (١) أن يشد رحاله إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي). وشهر حسن الحديث وإن كان فيه بعض الضعف) وأقول: لقد ألان الحافظ ﵀ القول هنا في شهر وحسن حديثه بهذا اللفظ مع أنه حكم عليه بأنه كثير الأوهام كما سبق نقله عنه فيما تقدم فمن كان كذلك كيف يحسن حديثه؟ لا سيما إذا تفرد به دون كل من روى الحديث فقد ورد من طرق ثلاثة أخرى عن أبي سعيد وليس فيها هذه الزيادة التي احتج بها الحافظ وهي: (إلى مسجد) يضاف إلى ذلك أنه ورد الحديث عن سبعة من الصحابة غير أبي سعيد من طرق كثيرة عن رواة ثقات ولم يقل أحد منهم ما قال شهر فهل بعد هذا دليل وبرهان على خطأ شهر في هذه الزيادة؟

стр. 562

على أنه قد اختلف فيها على شهر فذكرها بعضهم عنه دون بعض كما سبق بيان ذلك عند الكلام على الحديث من الطريق الرابع عن أبي سعيد. من أجل ذلك ذهبنا هناك إلى أنه لا يجوز الاحتجاج بهذه الرواية وقد بدا لي حجة أخرى تؤيد خطأ شهر فأقول: ومما يدلك على ضعف هذه الزيادة بل بطلانها: أن في حديث شهر نفسه أن أبا سعيد أنكر عليه الذهاب إلى الطور واحتج عليه بهذا الحديث فلو كان فيه هذه الزيادة التي تخص معناه بالمساجد دون سائر المواضع الفاضلة لما جاز لأبي سعيد - وهو العربي الصميم - أن يحتج به لأن شهرا لم يقصد الذهاب إلا إلى الطور وليس هو مسجدا وإنما هو جبل مقدس كلم الله تعالى عليه موسى ﵇ فلا يشمله الحديث لو كانت فيه الزيادة فإنكاره الذهاب إليه أكبر دليل على بطلان نسبتها إلى حديثه ودليل أيضا على أن الحديث على عمومه وأنه يشمل الأماكن الفاضلة لأنه الذي فهمه أبو سعيد وكذا فهم منه عبد الله بن عمر وأبو بصرة الغفاري ووافقه أبو هريرة فكلهم أنكروا الذهاب إلى الطور محتجين بالحديث كما تقدم في تخريج أحاديثهم. فهؤلاء أربعة من الصحابة - لا مخالف لهم منهم - قد فهموا ذلك وهم أعلم بما سمعوه منه ﷺ وأدرى بما يقول ثم إن النظر يحكم بصحة عموم الحديث لأنه إذا كان منع من السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة مع العلم بأن العبادة في كل المساجد أفضل منها في غير المساجد وغير البيوت وقد قال ﵊: (أحب البقاع

стр. 563

إلى الله المساجد) كما مر وكان منع أيضا من السفر إلى الطور الذي سماه الله تعالى بالوادي المقدس فالمنع من السفر إلى غيرها أولى لا سيما إذا كان المكان المقصود قبور أنبياء وصالحين فإنه حرم بناء المساجد عليها كما مضى فكيف يسمح بالذهاب إليها ولم يسمح بالسفر إلى المساجد المبنية على تقوى الله؟ وهذا - بحمد الله - بين لا يخفى وأما الجوابان الآخران اللذان حكاهما الحافظ فهما ضعيفان أيضا وإليك البيان: أما الجواب الأول فالحديث وإن كان بلفظ النفي فهو بمعنى النهي كما حكاه الحافظ نفسه عن الطيبي. ويؤيد ذلك أمران: الأول: أنه جاء صريحا بالنهي في الرواية الثانية: (لا تشدوا) والآخر: أنه الذي فهمه الصحابة فنهوا عن الذهاب إلى الطور كما سبق وهناك أمر ثالث يقوي ذلك: وهو أن الحديث من رواية أبي سعيد في (الصحيحين) وغيرهما قطعة من حديث ورد فيه النهي عن أربعة أمور: (أ) شد الرحال (ب) سفر المرأة بغير محرم (ج) صوم يومي الفطر والأضحى (د) الصلاة بعد الصبح والعصر والنهي في هذا للتحريم فحمل النهي عن شد الرحال خاصة للتنزيه

стр. 564

خلاف الظاهر المتبادر وفيه جمع بين الحقيقة والمجاز وهذا لا يجوز إلا لصارف ولا صارف هنا ورواية أحمد التي احتج بها الحافظ بلفظ: (لا ينبغي للمطي أن تعمل) غير صحيحة كما سبق بيانه مرارا فلا حجة فيها على أن هذه الرواية لو صحت فهي لا تفيد الجواز المجرد عن الكراهة بل هي نص في الكراهة وحينئذ فقول النووي في شرح الحديث من رواية أبي سعيد: (الصحيح عند أصحابنا أنه لا يحرم ولا يكره) غير صحيح. وقد قال النووي أيضا في شرح الحديث من رواية أبي هريرة ما نصه: (معناه عند جمهور العلماء: لا فضيلة في شد الرحال إلى مسجد غيرها) وهذا تسليم منه أن السفر إلى غير المساجد الثلاثة لا فضيلة فيه فليس هو بعمل صالح ولا قربة ولا طاعة ومن المعلوم المشاهد أن من يقصد السفر إلى غيرها يبتغي بذلك التقرب إلى الله تعالى وهذا محرم اتفاقا لأنه تعبد الله تعالى بما لم يجعله عبادة ولذلك ذكر العلماء أنه (لو نذر أن يصلي في مسجد أو مشهد أو يعتكف فيه أو يسافر إليه غير هذه الثلاثة لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة بخلاف لو نذر أن يأتي المسجد الحرام لحج أو عمرة وجب ذلك باتفاق العلماء ولو نذر أن يأتي مسجد النبي ﷺ أو المسجد الأقصى لصلاة أو اعتكاف وجب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعي وأحمد

стр. 565

ولم يجب عند أبي حنيفة لأنه لا يجب عنده بالنذر إلا ما كان من جنسه واجب بالشرع وأما الجمهور فيوجبون الوفاء بكل طاعة لما رواه البخاري وغيره عن عائشة ﵁ مرفوعا: (من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) والسفر إلى المسجدين هو طاعة فلهذا وجب الوفاء به وأما السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة فلم يوجب أحد من العلماء السفر إليها إذا نذره حتى نص العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد قباء لأنه ليس من الثلاثة مع أنه يستحب زيارته لمن كان بالمدينة لأن ذلك ليس بشد رحل كما سيأتي قالوا: ولأن السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة والتابعين ولا أمر بها رسول الله ﷺ ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين فمن اعتقد ذلك عبادة وفعلها فهو مخالف للسنة ولإجماع الأئمة. وهذا مما ذكره أبو عبد الله بن بطة في (إبانته الصغرى) من البدع المخالفة للسنة والإجماع) (١) بقي علينا الجواب عن الجواب الثاني الذي أورده الحافظ فنقول: إنه تخصيص للحديث بدون أي مخصص والحديث أعم من ذلك وكل أحد يستطيع أن يدعي تخصيص أي عموم من كتاب أو سنة ولكن ذلك لا يقبل منه إلا مقرونا بالدليل والبرهان فأين الدليل هنا على هذه الدعوى؟

стр. 566

ولذلك قال المحقق الصنعاني في (سبل السلام) (٢/ ٢٥١): (وذهب الجمهور إلى أن ذلك غير محرم واستدلوا بما لا ينهض وتأولوا أحاديث الباب بتأويل بعيدة ولا ينبغي إلا بعد أن ينهض على خلاف ما أولوه الدليل) زاد أبو الطيب صديق حسن خان في (فتح العلام) (١/ ٣١٠): (ولا دليل والأحاديث الواردة في الحث على الزيارة النبوية وفضيلتها ليس فيها الأمر بشد الرحال إليها مع أنها كلها ضعاف أو موضوعات لا يصلح شيء منها للاستدلال ولم يتفطن أكثر الناس للفرق بين مسالة الزيارة وبين مسألة السفر لها فصرفوا حديث الباب عن منطوقه الواضح بلا دليل يدعو إليه) قلت: وزيارة قبر النبي ﷺ لا حاجة إلى الاستدلال عليها بالأحاديث الضعيفة المشار إليها ففي الباب ما يغني عنها ولو لم يكن في الباب إلا الأحاديث العامة في زيارة القبور كفى في إثبات زيارة قبره ﵊ وذلك من باب أولى كما لا يخفى ولعله يأتي توضيح ذلك وبيانه في المحل المناسب له والخلاصة: أن ما ذهب إليه أبو محمد الجويني ومن وافقه من تحريم السفر إلى غير المساجد الثلاثة من المواضع الفاضلة هو الحق الذي يجب المصير إليه بخلاف السفر للتجارة وطلب العلم ونحو ذلك فإن السفر لطلب تلك الحاجة حيث كانت وكذلك السفر لزيارة الأخ في الله فإنه هو المقصود حيث كان

стр. 567

كما قال شيخ الإسلام في (الفتاوى) (٢/ ١٨٦) وقد جرى له ﵀ فتن عظيمة بسبب إفتائه بتحريم شد الرحال لزيارة قبور الأنبياء والصالحين حتى قبر نبينا محمد ﷺ وكتبه طافحة بالاستدلال لما ذهب إليه وقد رد عليه الإمام السبكي - وكان من معاصريه - وألف في ذلك كتابه المسمى: (شفاء السقام في زيارة خير الأنام) أورد فيه الأحاديث الواردة في زيارة قبره ﵊ وأقوال العلماء في مشروعيتها وقد وقعت له فيه هفوة عظيمة حيث عزا إلى شيخ الإسلام القول بإنكار مطلق الزيارة النبوية - أعني بدون شد رحل - مع أنه من القائلين بها والذاكرين لفضلها وآدابها وقد ذكر ذلك فيما غير كتاب من كتبه ولذلك فقد قام بالرد على السبكي العلامة الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الهادي في مؤلف له كبير أسماه: (الصارم المنكي في الرد على السبكي) وهو كتاب قيم فيه فوائد كثيرة فقهية وحديثية وتاريخية وقد بين فيه بتوسع وتفصيل حال الأحاديث المشار إليها وما فيها من ضعف ووضع وبرأ ابن تيمية مما نسب إليه من الإنكار بما نقله عنه من النصوص الكثيرة فمن شاء فليرجع إليه ومن الغريب أن تروج تلك النسبة الخاطئة إلى ابن تيمية على كثير من العلماء والمشايخ الذين جاؤا بعده وكان آخرهم - إن شاء الله تعالى - الشيخ يوسف النبهاني فقد سود صحائف كثيرة بالطعن في ابن تيمية بجهل

стр. 568

وضلال فقام أحد العلماء الأفاضل فرد عليه في كتاب ضخم اسمه: (غاية الأماني في الرد على النبهاني) أبان فيه عن جهل النبهاني وضلالته وانتصر فيه لابن تيمية بحق وعدل فمن شاء الوقوف على الحقيقة فليرجع إليه وليجعل كل اعتماده عليه هذا ولا بأس من أن أنقل إليك ما ذكره ولي الله الدهلوي في مسألة شد الرحل لأنه لا يخلو من فائدة جديدة قال ﵀ في (الحجة البالغة) (١/ ١٩٢): (كان أهل الجاهلية يقصدون مواضع معظمة بزعمهم يزورونها ويتبركون بها وفيه من التحريف والفساد ما لا يخفى فسد ﷺ الفساد لئلا يلحق غير الشعائر بالشعائر ولئلا يصير ذريعة لعبادة غير الله والحق عندي أن القبر ومحل عبادة ولي من الأولياء والطور كل ذلك سواء في النهي) (د): ثم مسجد قباء وهو المراد من قوله تعالى: ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ [التوبة / ١٠٨] فإنه لما نزلت (أتاهم ﵊ في مسجد قباء فقال: إن الله ﵎ قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود وكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا [قال: وهو ذاك فعلكيم به]) الحديث من رواية عويم بن ساعدة ورواه بنحوه أبو أيوب الأنصاري وجابر

стр. 569

وأنس وما بين المربعين من حديثهم وإسناد الحديثين حسن وقد سبق تخريجهما في الكلام على المسجد النبوي وأنه أسس على التقوى أيضا كما جاء عنه ﵊ وذكرنا هناك وجه الجمع بين حديثه ﷺ في ذلك وبين هذه الآية الكريمة فلا داعي للإعادة. وهي مع الحديث المذكور عقبها نص صريح في أن المسجد المذكور فيها هو مسجد قباء فالقول بأنه مسجد المدينة خطأ ومما يدل على أنه المسجد الذي أسس على التقوى ما في البخاري (٧/ ١٩٥) في حديث هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة: (فلبث رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه رسول الله ﷺ قال الحافظ: (أي مسجد قباء وفي رواية عبد الرزاق عن معمر عن ابن شهاب عن عروة قال: الذين بني فيهم المسجد الذي أسس على التقوى هم بنوا عمرو بن عوف. وكذا في حديث ابن عباس عند ابن عائذ ولفظه: (ومكث في بني عمرو بن عوف ثلاث ليال واتخذ مكانه مسجدا فكان يصلي فيه ثم بناه بنو عمرو بن عوف فهو الذي أسس على التقوى). فهذه الأخبار تدل على أنه كان معروفا عندهم بأنه المسجد الذي أسس على التقوى) ثم قال الحافظ: (وروى يونس بن بكير في زيادات المغازي عن المعسودي عن الحكم بن عتيبة قال: (لما قدم النبي ﷺ فنزل بقباء قال عمار بن ياسر: ما لرسول الله

стр. 570

بد من أن يجعل له مكانا يستظل به إذا استيقظ ويصلي فيه فجمع حجارة فبنى مسجد قباء فهو أول مسجد بني - يعني بالمدينة -) وهو في التحقيق أول مسجد صلى النبي ﷺ فيه بأصحابه جماعة ظاهرا وأول مسجد بني لجماعة المسلمين عامة وإن كان قد تقدم بناء غير من المساجد لكن لخصوص الذي بناها كما تقدم في حديث عائشة في بناء أبي بكر مسجده) وقد جاء حديث في قصة بنائه ﷺ لمسجد قباء فيه غرابة رواه الطبراني في (الكبير) عن الشموس بنت النعمان قالت: (نظرت إلى رسول الله ﷺ حين قدم ونزل وأسس هذا المسجد مسجد قباء فرأيته يأخذ الحجر أو الصخرة حتى يهصره (يميله) الحجر وأنظر إلى بياض التراب على بطنه أو سرته فيأتي الرجل من أصحابه ويقول: بأبي وأمي يا رسول الله أعطني أكفك فيقول: لا خذ مثله. حتى أسسه ويقول: إن جبريل ﵇ هو يؤم الكعبة قال: فكان يقال: إنه أقوم مسجد قبلة). قال الهيثمي (٤/ ١١): (ورجاله ثقات) وما أعتقد أنه يصح فإنه من طريق عاصم بن سويد عن عبيد بن وديعة عنها رواه ابن أبي عاصم والزبير بن بكار من طريقين عن عاصم مختصرا ومطولا وكذلك أخرجه الحسن بن سفيان وابن منده من طريق سلمة بن عاصم ابن سويد. لكن خالف في شيخ عاصم فقال: عن أبيه عن الشموس به

стр. 571

مطولا. وقد ساق لفظه الحافظ في (الإصابة) (٤/ ٣٤٣) فإن عاصما هذا هو ابن سويد بن يزيد بن جارية الأنصاري إمام مسجد قباء قال ابن معين: (لا أعرفه). وقال ابن عدي: (قليل الرواية جدا). قال الذهبي: (وساق له حديثا منكرا وقال أبو حاتم: روى حديثين منكرين). وفي (التقريب): (مقبول) وأما والده سويد على الرواية الأخيرة فلم أجد له ترجمة وكذلك عبيد ابن وديعة أو عتبة كما وقع في (الإصابة) في موضعين: عبيد وفي آخر: عتبة فإني لم أعرفه. والله أعلم (وللصلاة فيه أجر عظيم فقد قال ﷺ : (من خرج حتى يأتي هذا المسجد - يعني مسجد قباء (وفي لفظ: من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء) فيصلي فيه كان كعدل عمرة (وفي اللفظ الآخر: كان له كأجر عمرة) الحديث من رواية محمد بن سليمان الكرماني قال: سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف يقول: قال أبي: قال رسول الله ﷺ . . . فذكره أخرجه النسائي (١/ ١١٣ - ١١٤) والحاكم (٢/ ١٢) وأحمد (٣/ ٤٨٧) من طريق مجمع بن يعقوب الأنصاري عنه

стр. 572

وأخرجه ابن ماجه (١/ ٤٣١) من طريق حاتم بن إسماعيل وعيسى بن يونس قالا: ثنا محمد بن سليمان الكرماني به باللفظ الآخر وأخرجه أحمد أيضا عن حاتم. ثم قال الحاكم: (صحيح الإسناد). ووافقه الذهبي وهو كما قالا فإن رجاله عند ابن ماجه وأحمد ثقات رجال الشيخين غير محمد بن سليمان الكرماني وهو وإن لم ينقلوا توثيقه إلا عن ابن حبان فقد روى عنه جمع من الثقات كما ترى ثم إن الظاهر أنه لم يتفرد به فقد قال المنذري (٢/ ١٣٩): (ورواه البيهقي وقال: رواه يوسف بن طهمان عن أبي أمامة بن سهل عن أبيه عن النبي ﷺ بمعناه وزاد: (ومن خرج على طهر لا يريد إلا مسجدي هذا. يريد مسجد المدينة ليصلي فيه كانت بمنزلة حجة). قال المنذري: (انفرد بهذه الزيارة يوسف بن طهمان وهو واه والله أعلم) قلت: وكذلك قال الذهبي في يوسف بن طهمان أنه واه ثم ساق حديثه هذا من طريق زيد بن الحباب عن موسى بن عبيدة: ثني يوسف بن طهمان مولى لآل معاوية عن أبي أمامة به مرفوعا بلفظ: من توضأ في منزله ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه أربع ركعات كان كعدل عمرة. ويروى نحوه بإسناد صالح) يشير إلى رواية محمد بن سليمان الكرماني وقد أورده الهيثمي في (المجمع) (٤/ ١١) باللفظ الآخير إلا أنه قال:

стр. 573

(كعدل رقبة) بدل: (عمرة). ثم قال الهيثمي: (رواه الطبراني في (الكبير) وفيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف) قلت: والظاهر أنه ممن رواه من طريق ابن طهمان كما ذكره الذهبي لكن لم يذكر هو ولا الهيثمي تلك الزيادة التي أوردها المنذري عن البيهقي فلعلها رواية عن ابن طهمان. والله أعلم ثم إن للحديث شاهدا من حديث أسيد بن ظهير الأنصاري مرفوعا بلفظ: (صلاة في مسجد قباء كعمرة) أخرجه الترمذي (٢/ ١٤٥ - ١٤٦) وابن ماجه والحاكم (١/ ٤٨٧) من طريق عبد الحميد بن جعفر قال: ثنا أبو الأبرد مولى بني خطمة عنه. وقال الترمذي: (حديث حسن غريب ولا نعرف لأسيد بن ظهير شيئا يصح غير هذا الحديث) وقال الحاكم: (صحيح الإسناد إلا أن أبا الأبرد مجهول). وكذا قال الذهبي. وقال في (الميزان): (ما روى عنه سوى عبد الحميد بن جعفر). وفي (التقريب) أنه: (مقبول) وقد اختلف في اسمه فقيل: زياد وقيل: موسى بن سليم. والله أعلم وله شاهد آخر من حديث كعب بن عجرة. قال الهيثمي:

стр. 574

(رواه الطبراني في (الكبير) وفيه يزيد بن عبد الملك النوفلي وهو ضعيف) ثم أخرج الحاكم (٢/ ١٢) من طريق هاشم بن هاشم قال: سمعت عامر ابن سعد وعائشة بنت سعد يقولان: سمعنا سعدا يقول: لأن أصلي في مسجد قباء أحب إلي من أصلي في مسجد بيت المقدس. وقال: (صحيح على شرط الشيخين). ووافقه الذهبي وأقره المنذري (٢/ ١٣٩). وهو كما قالوا وأورده الحافظ في (الفتح) (٣/ ٥٣) بزيادة: (ركعتين) بعد قباء وفي آخره: (مرتين لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل). وقال: (رواه عمر بن شبة في (أخبار المدينة) بإسناد صحيح) قلت: وهو حديث موقوف ولو كان مرفوعا لأفاد تفضيل مسجد قباء على بيت المقدس وقد قال الحافظ إنه: (لم يثبت في الصلاة فيه تضعيف بخلاف المساجد الثلاثة) قلت: من أجل ذلك جعلناه رابع المساجد الأربعة. وقال شيخ الإسلام في (مجموعة الرسائل الكبرى) (٢/ ٥٤): (والمسجد الحرام أفضل المساجد ويليه مسجد النبي ﷺ ويليه المسجد الأقصى) قال:

стр. 575

(والذي عليه جمهور العلماء أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل منها في مسجد النبي ﷺ (ولذلك (كان ﷺ يأتي قباء [كل سبت] راكبا وماشيا [فيصلي فيه ركعتين]) الحديث من رواية عبد الله بن عمر ﵁ وله عنه ثلاثة طرق: ١ - عن نافع عنه أخرجه البخاري (٣/ ٥٣) ومسلم (٤/ ١٢٧) ومالك (١/ ١٨١) وأبو داود (١/ ٣١٩) والطيالسي (ص ٢٥٢ رقم ١٨٣٩) وأحمد (٢/ ٤ و ٥٧ و ٥٨ و ٦٥ و ١٠١ و ١٥٥) من طرق عنه. والزيادة الثانية للشيخين ٢ - عن عبد الله بن دينار عنه عند الشيخين والنسائي (١/ ١١٣) وأحمد (٢/ ٣٠ و ٥٨ و ٦٥ و ٧٢ و ١٠٨) من طرق أيضا عنه. والزيادة الأولى للشيخين أيضا وأخرجه الحاكم (١/ ٤٨٧) من هذا الوجه بلفظ: (كان يكثر الاختلاف إلى قباء ماشيا وراكبا). وقال: (صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ) ٣ - رواه ابن إسحاق: ثني أبي إسحاق بن يسار عن عبد الله بن قيس بن مخرمة قال: أقبلت من مسجد بني عمرو بن عوف بقباء على بغلة لي قد صليت فيه فلقيت عبد الله بن عمر ماشيا فلما رأيته نزلت عن بغلتي ثم

стр. 576

قلت: اركب أي عم. قال: أي ابن أخي لو أردت أن أركب الدواب لوجدتها ولكني رأيت رسول الله ﷺ يمشي إلى هذا المسجد حتى يصلي فيه فأنا أحب أن أمشي إليه كما رأيته يمشي. قال: فأبى أن يركب ومضى على وجهه) أخرجه أحمد (٢/ ١١٩) وإسناده حسن وروى ابن حبان في (صحيحه) كما في (الترغيب) (٢/ ١٣٩) عن ابن عمر أيضا أنه شهد جنازة بالأوساط في دار سعد بن عبادة فأقبل ماشيا إلى بني عمرو بن عوف بفناء الحارث بن الخزرج فقيل له: أين تؤم يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أؤم هذا المسجد في بني عمرو بن عوف فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من صلى فيه كان كعدل عمرة). قال الحافظ: (وفي هذا الحديث - على اختلاف طرقه - دلالة على جواز تخصيص بعض الأيام ببعض الأعمال الصالحة والمداومة على ذلك وفيه أن النهي عن شد الرحال لغير المساجد الثلاثة ليس على التحريم لكون النبي ﷺ كان يأتي مسجد قباء راكبا وتعقب بأن مجيئه ﷺ إلى قباء إنما كان لمواصلة الأنصار وتفقد حالهم وحال من تأخر منهم عن حضور الجمعة معه وهذا هو السر في تخصيص ذلك بالسبت) قلت: فعلى هذا فذهابه ﵊ يوم السبت لم يكن مقصودا بالذات بل مراعاة لمصلحة التفقد المذكور وعليه فالأيام كلها سواء في

стр. 577

الفضيلة في زيارة قباء لعدم وجود قصد التخصيص فما ذكره القاري في (المرقاة) (١/ ٤٤٨) عن الطيبي أن: (الزيارة يوم السبت سنة) ليس كما ينبغي (١)

стр. 578

وكذلك الاستدلال بالحديث على جواز التخصيص المذكور ليس بجيد أيضا إلا أن يكون المراد به التخصيص مراعاة للمصلحة لا ترجيحا ليوم على آخر بدون نص من النبي ﷺ مثال ذلك تخصيص يوم للتدريس أو إلقاء محاضرة ليجتمع الناس لسماع ذلك فهذا لا مانع منه لأن اليوم ليس مقصودا بالذات ولذلك ينتقل منه إلى غيره مرارا ملاحقة للمصلحة وهذا بخلاف تخصيص بعض الأيام ببعض العبادات بزعم أنها فيها أفضل منها في غيرها كتخصيص ليلة العيدين بالقيام والعبادة وتخصيص يومهما بالزيارة - أعني زيارة القبور - وتخصيص شهر ربيع الأول بقراءة قصة مولد الرسول ﵊ فكل هذا وأمثاله بدع ومنكرات يجب نبذها والنهي عنها ولذلك لما استدل النووي في (شرح مسلم) بالحديث على جواز التخصيص قال: (وكره ابن مسلمة المالكي ذلك ولعله لم تبلغه هذه الأحاديث) قلت: هذا بعيد والأقرب أنها بلغته ولكنه لم يفهم منها ما ذهب إليه النووي وغيره وقد بينا ما هو الحق عندنا في المسألة. والله أعلم

стр. 579

(فائدة): قال شيخ الإسلام في (الفتاوى) (٢/ ١٨٦): (ذكر بعض المتأخرين من العلماء أنه لا بأس بالسفر إلى المشاهد واحتجوا بأن النبي ﷺ كان يأتي قباء كل سبت راكبا وماشيا ولا حجة لهم فيه لأن قباء ليس مشهدا بل مسجد وهي منهي عن السفر إليها باتفاق الأئمة لأن ذلك ليس بسفر مشروع بل لو سافر إلى قباء من دويرة أهله لم يجز ولكن لو سافر إلى المسجد النبوي ثم ذهب منه إلى قباء فهذا يستحب كما يستحب زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد) قلت: ولهذا قلنا: (ولكن لا يجوز أن يشد الرحل إليه للحديث السابق) وهو قوله ﵊: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد. . . الحديث) وليس هذا منها تلك هي المساجد الأربعة التي جاء النص بتفضيلها على غيرها من المساجد فأما هذه فإنها سواء في الفضل وإن كان الأقدم منها أفضل لكونها أبعد عن أن تكون بنيت للإضرار والفخر والمباهاة كما سبقت الإشارة إلى ذلك. وأما ما نقله ابن عابدين في (الحاشية) (١/ ١٤) عن كتاب (أخبار الدول) بالسند إلى سفيان الثوري أن: (الصلاة في مسجد دمشق بثلاثين ألف صلاة) فهو مع كونه موقوفا على سفيان الثوري فإنه لا يصح عنه وهو منكر

стр. 580

وقد رواه ابن عساكر في (تاريخه) من طريق أحمد بن أنس بن مالك: أنبأنا حبيب المؤذن: أنبأنا أبو زياد الشعباني أو أبو أمية الشعباني قال: كنا بمكة فإذا رجل في ظل الكعبة وإذا هو سفيان الثوري فقال رجل: يا أبا عبد الله ما تقول في الصلاة في هذه البلدة؟ قال: بمائة ألف صلاة. قال: ففي مسجد رسول الله ﷺ ؟ قال: بخمسين ألف صلاة. قال: ففي بيت المقدس؟ قال: بأربعين ألف صلاة. قال: ففي مسجد دمشق؟ قال: بثلاثين ألف صلاة ثم رواه ابن عساكر من طريق أخرى عن أحمد بن أنس فقال فيه: (عن أبي زياد وأبي أمية بغير شك) وأيا ما كان فهذا سند ضعيف مجهول: أبو زياد الشعباني الظاهر أنه خيار بن سلمة أبو زياد الشامي قال الحافظ في (التقريب): (مقبول من الثالثة) وأما قرينه أبو أمية الشعباني فهو يحمد - بضم التحتانية وسكون المهملة وكسر الميم وقيل: بفتح أوله والميم - وقيل: اسمه عبد الله قال الحافظ: (مقبول من الثانية) وأما أحمد بن أنس بن مالك وحبيب المؤذن فلم أجد من ترجمهما غير هذا الأخير فأورده ابن عساكر فترجمه بقوله: (كان يؤذن في مسجد سوق الأحد) ولم يزد على ذلك

стр. 581

ثم إن سفيان الثوري ﵀ هو ممن روى حديث أبي هريرة المتقدم رقم (٦) بلفظ: (صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد. . .) فيبعد أن يصح عنه من قوله ما يخالف ما رواه هو نفسه عن النبي ﷺ فيغلب على الظن أن هذه الرواية مدسوسة عليه لمخالفتها للأحاديث الصحيحة نعم روي عن أنس مرفوعا بلفظ: (صلاة الرجل في بيته بصلاة وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة وصلاته في مسجدي بخمسين ألف صلاة وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة) أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٣١ - ٤٣٢) من طريق أبي الخطاب الدمشقي: ثنا زريق أبو عبد الله الألهاني عنه. قال في (الزوائد): (إسناده ضعيف لأن أبا الخطاب الدمشقي لا يعرف حاله وزريق فيه مقال حكي عن أبي زرعة أنه قال: لا بأس به وذكره ابن حبان في (الثقات) وفي (الضعفاء) وقال: ينفرد بالأشياء لا يشبه حديث الأثبات لا يجوز الاحتجاج به إلا عند الوفاق)

стр. 582

وقال الحافظ في (التقريب) إنه: (صدوق له أوهام) قلت: وهذا الحديث من أوهامه إن كان أبو الخطاب قد حفظه منه وإلا فأبو الخطاب لا يعرف كما سبق وقال الحافظ: (إنه مجهول). وقال الذهبي في (الميزان): (ليس بالمشهور) ثم ساق له هذا الحديث ثم قال: (هذا منكر جدا) ونعم ما قال وقد أخرج الحديث ابن عساكر أيضا في ترجمة مسجد دمشق من طرق عن أبي الخطاب به ومن هذا القبيل ما أخرجه ابن عساكر أيضا من طريق هشام بن عمار: أنبأنا الحسن بن يحيى الخشني: (أن النبي ﷺ ليلة أسري به صلى في موضع مسجد دمشق). وقال: (هذا منقطع) قلت: بل هو معضل فإن بين النبي ﷺ وبين الخشني هذا مفاوز وقد قال فيه الحافظ في (التقريب): (صدوق كثير الغلط من الثانية مات بعد التسعين. يعني: والمائة)

стр. 583

وقد ساق له الذهبي في (الميزان) منكرات منها ما رواه بسنده عن أنس مرفوعا: (ما من نبي يموت فيقيم في قبره إلا أربعين يوما حتى يرد الله إليه روحه) ثم قال: (مررت بموسى ليلة أسري بي وهو قائم يصلي بين عالية وعويلية) رواه ابن حبان وساق إسناده إليه وقال: (وهذا باطل موضوع) وأخرجه ابن الجوزي في (الموضوعات) وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن (رجلين اختلفا في الصلاة في جامع بني أمية: هل هي بتسعين صلاة كما زعموا أم لا؟ وقد ذكروا أن فيه ثلاثمائة نبي مدفون فهل ذلك صحيح أم لا؟ وقد ذكروا أن النائم بالشام كالقائم بالليل بالعراق وذكروا أن الصائم المتطوع في العراق كالمفطر بالشام وذكروا أن الله خلق البركة إحدى وسبعين جزءا منها جزء واحد بالعراق وسبعون بالشام فهل ذلك صحيح أم لا؟) فأجاب: (الحمد لله لم يرد في جامع دمشق حديث عن النبي ﷺ بتضعيف الصلاة فيه ولكن هو من أكثر المساجد ذكرا لله تعالى ولم يثبت أن فيه عدد الأنبياء المذكورين وأما القائم بالشام أو غيره فالأعمال بالنيات فإن المقيم

стр. 584

فيه بنية صالحة فإنه يثاب على ذلك وكل مكان يكون فيه العبد أطوع لله فمقامه أفضل وقد جاء في فضل الشام وأهله أحاديث صحيحة ودل القرآن على أن البركة في أربعة مواضع ولا ريب أن ظهور الإسلام وأعوانه فيه بالقلب واليد واللسان أقوى منه في غيره وفيه من ظهور الإيمان وقمع الكفر والنفاق ما لا يوجد في غيره. وأما ما ذكر من حديث الفطر والصيام وأن البركة إحدى وسبعون جزءا بالشام والعراق على ما ذكر فهذا لم نسمعه عن أحد من أهل العلم. والله أعلم). (الفتاوى) (١/ ٣١١) قلت: ولو ثبت أن فيه الأنبياء المذكورين فهو غير مستلزم لفضيلة قصد الصلاة فيه كما يتوهم بعض الناس بل هو منهي عنه أشد النهي لأنه من اتخاذ القبور مساجد وقد نهينا عن ذلك كما سبق ولذلك قال شيخ الإسلام أيضا ﵀ في (الفتاوى) (٤/ ٣١٠): (وما يفعله بعض الناس من تحري الصلاة والدعاء عند ما يقال: إنه قبر نبي أو قبر أحد من الصحابة والقرابة أو ما يقرب من ذلك أو إلصاق بدنه أو شيء من بدنه بالقبر أو بما يجاور القبر من عود وغيره كمن يتحرى الصلاة والدعاء في قبلي شرقي جامع دمشق عند الموضع الذي يقال: إنه قبر هود - والذي عليه العلماء أنه قبر معاوية بن أبي سفيان - أو عند المثال الخشب الذي يقال: تحته رأس يحيى بن زكريا ونحو ذلك فهو مخطئ مبتدع مخالف للسنة فإن الصلاة والدعاء بهذه الأمكنة ليس له مزية عند أحد من سلف الأمة وأئمتها ولا كانوا يفعلون ذلك بل كانوا ينهون عن مثل

стр. 585

ذلك كما نهاهم النبي ﷺ عن أسباب ذلك ودواعيه وإن لم يقصدوا دعاء القبر والدعاء به فكيف إذا قصدوا ذلك؟) ثم قال: (وأما الدعاء لأجل كون المكان فيه قبر نبي أو ولي فلم يقل أحد من سلف الأمة وأئمتها إن الدعاء فيه أفضل من غيره ولكن هذا مما ابتدعه بعض أهل القبلة مضاهاة للنصارى وغيرهم من المشركين فأصله من دين المشركين لا من دين عباد الله المخلصين كاتخاذ القبور مساجد فإن هذا لم يستحبه أحد من سلف الأمة وأئمتها ولكن ابتدعه بعض أهل القبلة مضاهاة لمن لعنهم رسول الله ﷺ من اليهود والنصارى) هذا وإذ قد انتهينا من بيان أفضل المساجد وما يتعلق بها فلنشرع بذكر ما للمساجد عامة من الآداب والأحكام الخاصة بها فأقول: (ذلك ولما كانت المساجد عامة أحب البقاع إلى الله تعالى كما سبق فقد شرع لها الشارع الحكيم أحكاما خاصة بها دون سائر الأماكن وهي على ثلاثة أقسام: (أ) الآداب (ب) النواهي (ج) المباحات فإليك بيانها على هذا الترتيب:

стр. 586

(أ) الآداب وهي تشمل الواجبات والمستحبات: (١ - تطهيرها وتكنيسها وتطييبها بالخلوق وغيره وجوبا فقد (أمر ﵇ ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب) الحديث من رواية عائشة ﵂. وهو صحيح وقد سبق ذكره مع شواهده في أول الفصل وأخرج ابن ماجه (١/ ٢٥٣) من طريق الحارث بن نبهان: ثنا عتبة بن يقظان عن أبي سعيد عن مكحول عن واثلة بن الأسقع مرفوعا: (جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراركم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسل سيوفكم واتخذوا على أبوابها المطاهر وجمروها في الجمع). قال في (الزوائد): (إسناده ضعيف فإن الحارث بن نبهان متفق على ضعفه). ولذلك قال ابن كثير (٣/ ٢٩٣): (وفي إسناده ضعف). وأشار إلى ذلك المنذر وقال: (١/ ١٢٠): (ورواه الطبراني في (الكبير) عن أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة ورواه في (الكبير) أيضا بتقديم وتأخير من رواية مكحول عن معاذ ولم يسمع منه) قلت: وفي طريق الطبراني الأول العلاء بن كثير الليثي الشامي وهو ضعيف كما في (المجمع) (٢/ ٢٦) ولذلك أيضا (أورده ابن الجوزي في (الواهيات) وقال:

стр. 587

(لا يصح). وقال ابن حجر في (تخريج الهداية): (له طرق وأسانيد كلها واهية). وقال عبد الحق: (لا أصل له) كذا في (الفيض) وأخرج أبو يعلى من طريق عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر ﵁ (كان يجمر مسجد رسول الله ﷺ كل جمعة). قال الهيثمي (٢/ ١١): (وفيه عبد الله بن عمر العمري: وثقه أحمد وغيره واختلف في الاحتجاج به). وقال ابن كثير: (إسناده حسن لا بأس به والله أعلم) قلت: ورواه ابن أبي شيبة أيضا كما في (المنتخب) (٣/ ٢٦١) قال في (المرقاة) (١/ ٤٥٩) بعد أن ذكر حديث عائشة: (قال ابن حجر: وبه يعلم أنه يستحب تجمير المسجد بالبخور خلافا لمالك حيث كرهه فقد كان عبد الله بن عمر يجمر المسجد إذا قعد عمر ﵁ على المنبر واستحب بعض السلف بالزعفران والطيب ووري عنه ﵊ فعله وقال الشعبي: هو سنة. وأخرج ابن أبي شيبة: أن ابن الزبير لما بنى الكعبة طلى حيطانها بالمسك. وأنه يستحب أيضا كنس

стр. 588

المسجد وتنظيفه وقد روى ابن أبي شيبة أنه ﵊ كان يتتبع غبار المسجد بجريدة) قلت: والحديث يفيد وجوب التطهير والتطييب لأنه أمر بهما والأمر يفيد الوجوب وقد قال به في الأول منهما ابن حزم دون الآخر فقال (٤ و / ٢٣٩): (وتكره المحاريب في المساجد وواجب كنسها ويستحب أن تطيب) قلت: ولا أدري ما حمله على صرف الأمر إلى الاستحباب في التطييب. والله أعلم (وقال: (عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد) الحديث وله تتمة وهي: (وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها الرجل ثم نسيها) أخرجه أبو داود (١/ ٧٦) والترمذي (٢/ ١٥٠) قالا: ثنا عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق البغدادي: ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريج عن المطلب بن حنطب عن أنس مرفوعا به. وقال الترمذي: (حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه) قال: (وذاكرت به محمد بن إسماعيل (يعني: البخاري) فلم يعرفه واستغربه

стр. 589

قال محمد: ولا أعرف للمطلب بن عبد الله سماعا من أحد من أصحاب النبي ﷺ إلا قوله: ثني من شهد خطبة النبي ﷺ . قال: وسمعت عبد الله بن عبد الرحمن يقول: لا نعرف للمطلب سماعا من أحد من أصحاب النبي ﷺ قال عبد الله: وأنكر علي بن المديني أن يكون المطلب سمع من أنس) وقال المنذري بعد أن نقل كلام الترمذي هذا (١/ ١١٩): (قال أبو زرعة: المطلب ثقة أرجو أن يكون سمع من عائشة ومع هذا ففي إسناده عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد وفي توثيقه خلاف) قلت: وفي (التقريب) أن عبد المجيد هذا: (صدوق يخطئ) ولهذا وذاك قال في (الفتح) (٩/ ٧٠): (في إسناده ضعف) والحديث رواه البيهقي (٢/ ٤٤٠) من طريق أبي داود ثم قال: (رواه محمد بن إسحاق بن خزيمة عن عبد الوهاب بن الحكم الوراق) قلت: وهو ثقة وقد خالفه في إسناده محمد بن يزيد الآدمي وهو ثقة أيضا فقال: ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن ابن جريج عن الزهري عن أنس به أخرجه الطبراني في (الصغير) (ص ١١٣) فجعل الزهري مكان المطلب ابن عبد الله والزهري سمع من أنس. والله أعلم بالصواب

стр. 590

وأيا ما كان فإن للحديث شاهدا مرسلا نحوه أخرجه ابن أبي داود كما في (الفتح) فهو به حسن إن شاء الله تعالى وقد صححه ابن خزيمة ثم رجعت عن هذا وذهبت إلى أن الحديث ضعيف فانظر (ضعيف أبي داود) (رقم ٧١) (تنبيه): قد عزا الحديث المنذري (١/ ١١٩ و ٢١٢ - ٢١٣) لابن ماجه أيضا وما أراه إلا وقد وهم فإني لم أجده عنده ولا نسبه إليه أحد ممن وقفت على تخريجه إياه كالحافظ في (الفتح) (١) وأبي البركات في (المنتقى) والسيوطي في (الجامع) كما أن النابلسي لم يعزه في (الذخائر) (١/ ٤٦) إلا إلى أبي داود وحده قوله: (القذاة) بتخفيف الذال المعجمة والقصر: الواحدة من التبن والتراب وغير ذلك قال أهل اللغة: (القذى): في العين والشراب مما يسقط فيه ثم استعمل في كل شيء يقع في البيت وغيره إذا كان يسيرا. قال ابن رسلان في (شرح السنن): (فيه ترغيب في تنظيف المساجد مما يحصل فيها من القمامات القليلة أنها تكتب في أجورهم وتعرض على نبيهم وإذا كتب هذا القليل وعرض فيكتب الكبير ويعرض من باب الأولى ففيه تنبيه بالأدنى على الأعلى وبالطاهر على النجس والحسنات على قدر الأعمال). قال:

стр. 591

(وسمعت بعض المشايخ أنه ينبغي لمن أخرج قذاة من المسجد أو أذى من طريق المسلمين أن يقول عند أخذها: لا إله إلا الله ليجمع بين أدنى شعب الإيمان (يعني: إماطة الأذى) وأعلاها: وهي كلمة التوحيد وبين الأفعال والأقوال وإن اجتمع القلب مع اللسان كان ذلك أكمل. انتهى. إلا أنه لا يخفى أن الأحكام الشرعية تحتاج إلى دليل وقوله: ينبغي حكم شرعي) كذا في (نيل الأوطار) (٢/ ١٢٨) (ولذلك (لما ماتت المرأة السوداء التي كانت تقم المسجد وتلتقط الخرق والعيدان منه سأل عنها رسول الله ﷺ بعد أيام فقيل له: إنها ماتت فقال: فهلا آذنتموني؟ فقالوا: إنه كان ليلا قال: فكأنهم صغروا أمرها قال: فدلوني على قبرها. فأتى القبر فصلى عليها) الحديث من رواية أبي هريرة ﵁. وله عنه طريقان: الأول: عن حماد بن زيد بن عن ثابت عن أبي رافع عنه أخرجه البخاري (١/ ٤٣٨ - ٤٣٩ و ٤٤٠ و ٣/ ١٥٩) ومسلم (٣/ ٥٦) وابن ماجه (١/ ٤٦٥) والطيالسي (٣٢١ رقم ٢٤٤٦) وأحمد (٢/ ٣٥٣ و ٣٨٨) يزيد بعضهم على بعض وقد تابعه عن ثابت: أبو عامر الخزاز صالح بن رستم عند الطيالسي قرنه بحماد بن زيد وكلهم قالوا: إن رجلا أسود أو امرأة. هكذا على الشك إلا ابن ماجه فقال: إن امرأة سوداء. بدون شك

стр. 592

وإسناده صحيح كما قال المنذري (١/ ١١٨) ويقوي هذه الرواية الطريق: الثاني: عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: فقد النبي ﷺ امرأة سوداء كانت تلتقط الخرق والعيدان من المسجد فقال: أين فلانة؟ قالوا: ماتت. . . وذكر الحديث أخرجه البيهقي (٢/ ٤٤٠) وكذلك أخرجه ابن خزيمة في (صحيحه) من هذا الوجه كما في (الفتح) وقال: (رواه البيهقي بإسناد حسن من حديث ابن بريدة عن أبيه فسماها أم محجن وأفاد أن الذي أجاب النبي ﷺ عن سؤاله أبو بكر الصديق وفيه: (كانت مولعة بلقط القذى من المسجد) قلت: وقد روي الحديث أيضا عن أبي سعيد الخدري عند ابن ماجه وابن عباس عند الطبراني وعبيد بن مرزوق مرسلا عند الأصبهاني وفي أسانيدها ضعف وفيها كلها القطع بأن صاحبة القصة امرأة فراجع - إن شئت (الترغيب). قال الحافظ: (وفي الحديث فضل تنظيف المسجد والسؤال عن الخادم والصديق إذا غاب وفيه المكافأة بالدعاء والترغيب في شهود جنائز أهل الخير. . . إلخ) (و (رأى نخامة في قبلة المسجد فغضب حتى احمر وجهه فقامت امرأة من الأنصار فحكتها وجعلت مكانها خلوقا فقال رسول الله ﷺ : ما أحسن هذا)

стр. 593

الحديث من رواية أنس ﵁ أخرجه النسائي (١/ ١١٩) وابن ماجه (١/ ٢٥٧) من طريق عائذ بن حبيب قال: ثنا حميد الطويل عنه وهذا سند صحيح رجاله رجال الشيخين غير عائذ بن حبيب وهو صدوق كما في (التقريب) وأشار إليه في (الفتح) (١/ ٤٠٣) وسكت عليه وهو في البخاري وغيره بلفظ آخر عن حميد ولعله يأتي وله شاهد من حديث ابن عمر مختصرا بلفظ: رأى نخاعة في قبلة المسجد فحكها وخلق مكانها أخرجه أحمد (٢/ ١٨ و ٣٤ - ٣٥) من طريق ابن أبي رواد: ثني نافع عنه وهذا سند حسن وقد أخرجه أبو داود (١/ ٧٨) من طريق أيوب عن نافع به إلا أنه قال: وأحسبه قال: فدعا بزعفران فلطخه به وكذلك رواه الإسماعيلي كما في (الفتح) (١/ ٤٠٤) وهو في (الصحيحين) بدون ذكر التخليق وسيأتي إن شاء الله تعالى في (المناهي) (١)

стр. 594

(الخلوق) بفتح الخاء المعجمة: طيب مركب يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب وفي الحديث دليل على تنظيف المسجد وتنزيهه عما يستقذر وتطييبه بالخلوق أو غيره. قال ابن عبد البر: (وفي حكم البصاق في المسجد تنزيهه عن أن يؤكل فيه مثل البلوط والزبيب لعجمه وما له دسم وتلويث وحب دقيق وما يكنسه المرء من بيته). ذكره العراقي في (شرح التقريب) (٢/ ٣٨٥) (ولذلك فإنه لا يجوز أن يلقى في المسجد شيئا من الحشرات ونحوها مما في معناها من بدنه لقوله ﵊: (إذا وجد أحدكم القملة في ثوبه فليصرها ولا يلقها في المسجد) الحديث أخرجه أحمد (٥/ ٤١٠): ثنا إسماعيل: ثني حجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير عن الحضرمي بن لاحق عن رجل من الأنصار: أن رسول الله ﷺ قال. . . فذكره

стр. 595

وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الستة غير الحضرمي بن لاحق وهو لا بأس به كما في (التقريب) لكنه ذكر أنه من الطبقة السادسة أي: الذين لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة وعلى هذا فالحديث منقطع (١) وقد قال الهيثمي (٢/ ٢٠): (رواه أحمد ورجاله موثقون) قلت: لكنه يتقوى بشاهده الذي ساقه في (المجمع) عقب هذا (عن شيخ من أهل مكة من قريش قال: وجد رجل في ثوبه قملة فأخذها ليطرحها في المسجد فقال له رسول الله ﷺ : (لا تفعل ردها إلى ثوبك حتى تخرج من المسجد). رواه أحمد ورجاله ثقات إلا أن محمد بن إسحاق عنعنه وهو مدلس) قلت: ولم أجده الآن في (المسند) (٢ - إنارتها بما لا إسراف فيه لقوله ﵊ في بيت المقدس: (ائتوه فصلوا فيه فإن لم تأتوه وتصلوا فيه فابعثوا بزيت يسرج في قناديله) وقد مضى) الحديث رواه أبو داود وهذا لفظه ورواه أحمد وابن ماجه بلفظ آخر سبق ذكره مع تخريجه في الكلام على المسجد الأقصى

стр. 596

والحديث فيه مشروعية إيقاد السرج في المساجد لإنارتها وأقل ما يفيده الاستحباب وقد ترجم له أبو داود وكذا البيهقي ب: (باب السرج في المساجد) وأخرج ابن ماجه (١/ ٣٥٦) عن خالد بن إياس عن يحيى بن عبد الرحمن ابن حاطب عن أبي سعيد الخدري قال: أول من أسرج في المساجد تميم الداري. قال في (الزوائد): (هو موقوف وفي إسناده خالد بن إياس اتفقوا على ضعفه) وقد روي هذا مفصلا في (تفسير القرطبي) (١٢/ ٢٧٤): (روى سعيد بن زبان: حدثني أبي عن أبيه عن جده عن أبي هند ﵁ قال: حمل تميم - يعني الداري - من الشام إلى المدينة قناديل وزيتا ومقطا فلما انتهى إلى المدينة وافق ذلك ليلة الجمعة فأمر غلاما يقال له: أبو البزاد فقام فنشط المقط وعلق القناديل وصب فيها الماء والزيت وجعل فيها الفتيل فلما غربت الشمس أمر أبا البزاد فأسرجها وخرج رسول الله ﷺ إلى المسجد فإذا هو بها تزهر فقال: (من فعل هذا؟) قالوا: تميم الداري يا رسول الله فقال: (نورت الإسلام نور الله عليك في الدنيا والآخرة أما إنه لو كانت لي ابنة لزوجتكها) قال نوفل بن الحارث: لي ابنة يا رسول الله تسمى المغيرة بنت نوفل فافعل بها ما أردت. فأنكحه إياها زبان (بفتح الزاي وتشديدها بنقطة واحدة من تحتها) ينفرد بالتسمي

стр. 597

به سعيد (١) وحده فهو أبو عثمان سعيد بن زبان بن فائد بن زبان أبي هند وأبو هند هذا مولى ابن بياضة حجام النبي ﷺ و (المقط): جمع المقاط: وهو الحبل فكأنه مقلوب القماط. والله أعلم) قلت: هذا كله كلام القرطبي وسكت على الحديث وما كان ينبغي له السكوت عليه فإنه شديد الضعف فإن سعيدا هذا أورده الذهبي في (الميزان) وسمى أباه زيادا - بالمثناة التحتية - وساق له أحاديث بإسناد هذا المذكور عن آبائه عن أبي هند مرفوعا: (من لم يرض بقضائي فليطلب ربا سوائي). وبه: (نعم الطعام الزبيب يشد العصب ويذهب الوصب ويطفئ الغضب ويطيب النكهة ويذهب البلغم ويصفي اللون). قال الأزدي: (متروك. وساق ابن حبان له هذا وقال: لا أدري البلية ممن هي؟ منه أو من أبيه أو جده) قلت: والظاهر أن القناديل لم تكن معهودة الاستعمال في عهده ﵊ لا في المساجد ولا في البيوت إلا أن يكون نادرا فإنه لم ينقل إلينا - فيما علمت - أي حديث يثبت ذلك. بل قد جاء ما ينفي ذلك في أحاديث:

стр. 598

الأول: عن عائشة قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني. . . الحديث وفيه قالت عائشة: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح متفق عليه الثاني: عن أبي برزة الأسلمي ﵁: أنه ﵊ كان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه متفق علي أيضا وهو ظاهر في أنه لم يكن في المساجد مصابيح يعرفون بها وجوه بعضهم بعضا ولذلك جعل انتهاء صلاته ﵊ من الفجر حين ذهاب الغلس وابتداء انتشار النور الذي يكشف عن الوجوه. والله أعلم (راجع (التراتيب الإدارية) فصل: هل أوقدت الشموع في المدينة على عهده ﵊. ج ١ ص ٨٥) ولكن ذلك لا ينفي مشروعية تنوير المسجد طالما أنه ﵊ قد رغب إلى ذلك في الحديث السابق وعليه جرى العمل فيما بعد. وإنما قيدنا ذلك (بما لا إسراف فيه) لأن الإسراف لا خير فيه ولأنه من إضاعة المال سدى وقد نهينا عنه. فما اعتاده الناس من زيادة وقود القناديل الكثيرة من الأنوار الكهربائية في كثير من المساجد بمناسبة بعض المواسم والأعياد

стр. 599

- كأول جمعة من رجب وليلة النصف من شعبان وشهر رمضان كله والعيدين - محرم ممنوع لا سيما في العيدين فإن الأنوار فيهما تبقى متقدة إلى الضحوة فيهما وقد قال ابن الحاج ﵀ في (المدخل) في أثناء الكلام على بدع ليلة النصف من شعبان (١/ ٣٠٨): (ألا ترى إلى ما فعلوه من زيادة الوقود الخارج الخارق حتى لا يبقى في الجامع قنديل ولا شيء مما يوقد إلا أوقده حتى إنهم جعلوا الحبال في الأعمدة والشرفات وعلقوا فيها القناديل وأوقدوها وقد تقدم التعليل الذي لأجله كره العلماء ﵏ التمسح بالمصحف والمنبر والجدران. . . إلى غير ذلك إذ إن ذلك كان السبب في ابتداء عبادة الأصنام وزيادة الوقود فيه تشبه بعبدة النار في الظاهر وإن لم يعتقدوا ذلك لأن عبدة النار يوقدونها حتى إذا كانت في قوتها وشعشعتها اجتمعوا إليها بنية عبادتها وقد حث الشارع صلوات الله وسلامه على ترك تشبه المسلمين بفعل أهل الأديان الباطلة حتى في زيهم المختص بهم. وانضم على ذلك اجتماع كثير من النساء والرجال والولدان الصغار الذي يتنجس الجامع بفضلاتهم غالبا وكثرة اللغط واللغو الكثير مما هو أشد وأكثر وأعظم من ليلة السابع والعشرين من رجب وقد تقدم ما في ذلك من المفاسد وفي هذه الليلة أكثر وأشنع وأكبر وذلك بسبب زيادة الوقود فيها فانظر رحمنا الله وإياك إلى هذه البدع كيف يجر بعضها إلى بعض حتى ينتهي ذلك إلى المحرمات). ا. هـ كلامه

стр. 600

وفي (الباعث على إنكار البدع والحوادث) (ص ٢٢ - ٢٣) نقلا عن أبي بكر الطرطوشي ﵀ أنه قال: (ومما أحدثه المبتدعون وخرجوا به عما وسمه المتشرعون وجروا فيه على سنن المجوس واتخذوا دينهم لهوا ولعبا الوقيد ليلة النصف من شعبان ولم يصح فيها شيء عن رسول الله ﷺ ولا نطق بالصلاة فيها والإيقاد صدوق من الرواة وما أحدثه [إلا] متلاعب بالشريعة المحمدية راغب في دين المجوسية لأن النار معبودهم. وأول ما حدث ذلك في زمن البرامكة فأدخلوا في دين الإسلام ما يموهون به على الطغام وهو جعلهم الإيقاد في شعبان كأنه من سنن الإيمان ومقصودهم عبادة النيران وإقامة دينهم وهو أخسر الأديان حتى إذا صلى المسلمون وركعوا وسجدوا كان ذلك إلى النار التي أوقدوا ومضت على ذلك سنون وأعصار تبعت بغداد فيها سائر الأمصار هذا مع ما يجتمع في تلك الليلة من الرجال والنساء واختلاطهم فالواجب على السلطان منعهم وعلى العالم ردعهم. وإنما شرف شعبان لأن رسول الله ﷺ كان يصومه فقد صح الحديث في صيامه ﷺ شعبان كله أو أكثره) ثم قال ابن أبي شامة (ص ٢٥): (فهذا كله فساد ناشئ من جهة المتنسكين المضلين فكيف بما يقع من فساد الفسقة المتردين وإحياء تلك الليلة بأنواع من المعاصي الظاهرة والباطنة وكلهم بسبب الوقيد الخارج عن المعتاد الذي يظن أنه قربة وإنما هو إعانة على معاصي الله تعالى وإظهار المنكر وتقوية لشعائر أهل البدع ولم يأت في الشريعة
следующие страницы →