الغد فقال: (ما عندك يا ثمامة؟) فقال: عندي ما قلت لك [إن تنعم تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل ذا دم وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت] فقال [رسول الله ﷺ ]: (أطلقوا ثمامة). فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله (وفي لفظ يارسول الله) يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه [كلها] إلي والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الدين [كله] إلي والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد [كلها] إلي وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ وأمره أن يعتمر فلما قدم مكة قال له قائل: أصبوت؟ فقال: لا ولكني أسلمت مع رسول الله ﷺ ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ
الحديث أخرجه البخاري ومسلم - والسياق له - وأبو داود والبيهقي ولكنهما لم يسوقاه بتمامه وأحمد عن الليث بن سعد قال: ثني سعيد أنه سمع أبا هريرة به. والزيادات كلها لمسلم وأحمد إلا الثانية فهي لأحمد وحده. واللفظ الثاني والثالث له وللبخاري أيضا
وقد تابعه عند مسلم عبد الحميد بن جعفر: ثني سعيد بن أبي سعيد به مثله
стр. 772
وقد تابعه ابن عجلان عن سعيد به نحوه وزاد في آخره:
(قال عمر: لقد كان والله في عيني أصغر من الخنزير وإنه في عيني أعظم من الجبل خلي عنه فأتى اليمامة حبس عنهم فضجوا وضجروا فكتبوا: تأمر بالصلة. قال: وكتب إليه)
هكذا أخرجه أحمد
وإسناده حسن
ثم أخرجه مختصرا من طريق عبد الله بن عمر عن سعيد المقبري به:
أن ثمامة بن أثال الحنفي أسلم فأمر النبي ﷺ أن ينطلق به إلى حائط أبي طلحة فيغتسل فقال رسول الله ﷺ :
(قد حسن إسلام صاحبكم)
وهذا سند ضعيف لأن عبد الله بن عمر هذا - وهو العمري المكبر - سيئ الحفظ وقد أتى بما تفرد دون الثقات في هذا الحديث
(ب) قال جبير بن مطعم:
أتيت المدينة في فداء بدر (وفي رواية: فداء المشركين) قال: وهو يومئذ مشرك قال: فدخلت المسجد ورسول الله ﷺ يصلي صلاة المغرب فقرأ فيها ب ﴿الطور﴾ [فلما بلغ هذه الآية: ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون. أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون
أم عندهم خزائن
стр. 773
ربك أم هم المسيطرون. [أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين﴾ [الطور / ٣٨]] كاد قلبي أن يطير] (وفي الرواية الأولى: فكأنما صدع قلبي لقراءة القرآن)
الحديث أخرجه الطيالسي وعنه البيهقي والسياق له - وأحمد - والرواية الثانية له - من طريق شعبة عن سعد بن إبراهيم قال: ثني بعض إخوتي عن أبي جبير بن مطعم به
وكذلك أخرجه الطحاوي عن وهب بن جرير والخطيب في (تاريخه) عن يعقوب بن إسحاق الحضرمي كلاهما عن شعبة به وقال الحضرمي: عن سعد بن إبراهيم عن أخيه. وليس عندهما ذكر المسجد. ثم قال الخطيب:
(تابعه غندر وغيره عن شعبة ورواه أبو عمر الحوضي عن شعبة عن سعد ابن إبراهيم عن بعض إخوته عن جبير بن مطعم. وخالفه أبو الوليد الطيالسي فرواه عن شعبة عن سعد بن إبراهيم عن جبير بن مطعم وحديث يعقوب الحضرمي ومن تابعه الصواب)
قلت: وهذا إسناد صحيح إن شاء الله رجاله كلهم ثقات رجال الستة وأخو سعد بن إبراهيم هو يعقوب بن إبراهيم فإنه هو المعروف برواية أخيه سعد عنه
وقد أخرجه البخاري من طريق سفيان بن عيينة قال: حدثوني
стр. 774
عن الزهري عن محمد بن جبير به نحوه ببعض اختصار وفيه الزيادة الأولى
وأخرجه ابن ماجه عن محمد بن الصباح: أنبأنا سفيان عن الزهري به وفيه الزيادة الأخرى
هكذا رواه ابن الصباح عن سفيان عن الزهري بدون واسطة ولعل الصواب الرواية الأولى لكن الحافظ لم يذكر ولم يسم هؤلاء الذين حدثوا ابن عيينة به وكأنه لم يقف على ذلك
وقد أخرجه البخاري أيضا في (أفعال العباد) من طريق محمد ابن إسحاق عن الزهري به بلفظ:
قدمت على رسول الله ﷺ في فداء سبايا فنمت في مسجد بعد العصر وأنا على شركي فوالله ما أنبهني إلا قراءة رسول الله ﷺ في المغرب ب ﴿الطور. وكتاب مسطور﴾
ورجاله ثقات كلهم رجال مسلم غير محمد بن إسحاق وهو ثقة لكنه مدلس وقد عنعنه
وهو في (الصحيحين) و (الموطأ) و (سنن) أبي داود والنسائي و (المسندين) أيضا من طرق عن الزهري مختصرا بلفظ:
سمعت رسول الله ﷺ قرأ ب ﴿الطور﴾ في المغرب
وقد وجدت للحديث طريقا ثالثا أخرجه الطبراني في (معجمه الكبير) فقال: ثنا أحمد بن زهير التستري وعبد الله بن محمد بن شعيب الرجافي
стр. 775
قالا: ثنا محمد بن عمر البحراني: أنا أبو عامر العقدي: أنا أبو عمرو السدوسي عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أخبرني عثمان بن أبي سليمان عن نافع بن جبير عن جبير بن مطعم قال:
قدمت المدينة إذا قدمتها وأنا غير مسلم يومئذ وقد أصابني كرى شديد قدمت في المسجد حتى فزعت بقراءة رسول الله ﷺ للمغرب وهو يقرأ في ﴿الطور. وكتاب مسطور﴾ فاسترجعت حتى خرجت من المسجد وكان أول ما دخل قلبي الإسلام
وهذا سند صحيح رجال كلهم ثقات رجال مسلم عدا شيخي الطبراني ولم أجد من ترجمهما
وأبو عمر السدوسي هو سعيد بن سلمة بن أبي الحسام العدوي
وفي الباب عن أبي هريرة قال:
اليهود أتوا النبي ﷺ وهو جالس في المسجد في أصحابه فقالوا: يا أبا القاسم في رجل وامرأة زنيا منهم
أخرجه أبو داود ومن طريقه البيهقي عن معمر عن الزهري: ثنا رجل من مزينة ونحن عند سعيد بن المسيب عنه. قال المنذري:
(رجل من مزينة مجهول)
قلت: ثم أخرجه أبو داود من طريق محمد بن إسحاق
стр. 776
ويونس عن الزهري: سمعت رجلا من مزينة ممن يتبع العلم ويعيه. به أتم منه
وعن عثمان بن أبي العاص الثقفي: أن وفد ثقيف قدموا على النبي ﷺ فأنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم فاشترطوا على النبي ﷺ أن لا يحشروا ولا يعشروا ولا يجبوا ولا يستعمل عليهم من غيرهم فقال:
(لا تحشروا ولا تعشروا ولا تجبوا ولا يستعمل عليكم من غيركم ولا خير في دين ليس فيه ركوع)
أخرجه الطيالسي ومن طريقه أبو داود والبيهقي وأحمد من حديث حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عنه
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال مسلم فهو صحيح إن كان الحسن سمعه من عثمان. ثم قال البيهقي:
(ورواه أشعث عن الحسن مرسلا ببعض معناه زاد:
فقيل: يا رسول الله أنزلتهم في المسجد وهم مشركون فقال:
(إن الأرض لا تنجس إنما ينجس ابن آدم)
والحديث رواه ابن أبي شيبة والطبراني أيضا من رواية الحسن عن عثمان كما في (تخريج الكشاف)
وأما هذه الزيادة المرسلة فقد رواها بعضهم موصولة فقال أبو بكر الجصاص في (أحكام القرآن):
стр. 777
(وقد روى حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص:
أن وفد ثقيف لما قدموا على رسول الله ﷺ ضرب لهم قبة في المسجد فقالوا: يا رسول الله قوم أنجاس فقال رسول الله ﷺ :
(إنه ليس على الأرض من أنجاس الناس شيء إنما أنجاس الناس على أنفسهم)
وروى يونس عن الزهري بن المسيب:
أن أبا سفيان كان يدخل مسجد النبي ﷺ وهو كافر غير أن ذلك لا يحل في المسجد الحرام لقول الله: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام﴾ [التوبة / ٢٨] قال أبو بكر: فأما وفد ثقيف فإنهم جاؤا بعد فتح مكة إلى النبي ﷺ والآية نزلت في السنة التي حج فيها أبو بكر وهي سنة تسع فأنزلهم النبي ﷺ في المسجد وأخبرأن كونهم أنجاسا لا يمنع دخولهم المسجد وفي ذلك دلالة على أن نجاسة الكفر لا يمنع الكافر من دخول المسجد. واما أبو سفيان فإنه جاء إلى النبي ﷺ لتجديد الهدنة وذلك قبل الفتح وكان أبو سفيان مشركا حينئذ والآية وإن كان نزولها بعد ذلك فإنما اقتضت النهي عن قرب المسجد الحرام ولم تقتض المنع من دخول الكفار سائر المساجد)
وبالجملة فهذه الزيادة في ثبوتها في الحديث نظر لأنها مرسلة عند البيهقي ولم نقف عليها موصولة إلا فيما أورده أبو بكر الجصاص معلقا
أقول هذا وإن كان احتج بها صديق حسن خان في (الروضة الندية)
стр. 778
ولا ندري سنده في ذلك. هذا مع العلم أن أصل الحديث في ثبوته نظرا لما سبق من علته. والله أعلم
(والمساجد كلها في ذلك سواء إلا المسجد الحرام فإنه لا يجوز تمكينهم من قربانه لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة / ٢٨])
والآية دليل على تحريم دخول الكفار والمشركين إلى المسجد الحرام وهذا اللفظ يدل على جميع الحرم وهو مذهب عطاء بن أبي رباح قال: (الحرم كله قبلة ومسجد فينبغي أن يمنعوا من دخول الحرم لقوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام﴾ وإنما رفع من بيت أم هانئ)
ذكره القرطبي ثم قال:
(فإذا يحرم تمكين المشرك من دخول الحرم أجمع فإذا جاءنا رسول منهم خرج الإمام إلى الحل ليسمع ما يقول)
قلت: وتخصيص المسجد الحرام بالذكر في الآية الكريمة يدل على أن غيره من المساجد ليس في حكمه فيجوز دخول المشركين إليها ويؤيد ذلك الأحاديث المتقدمة. وإلى هذا ذهب ابن حزم في (المحلى) فقال:
(ودخول المشركين في جميع المساجد جائز حاشا حرم مكة كله المسجد وغيره فلا يحل البتة أن يدخله كافر. وهو قول الشافعي وأبي سليمان وقال أبو حنيفة: لا بأس أن يدخله اليهودي والنصراني ومنع منه سائر الأديان
стр. 779
وكره مالك دخول أحد من الكفار في شيء من المساجد قال الله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس. . .﴾ الآية قال ابن حزم: فخص الله المسجد الحرام فلا يجوز تعتديه إلى غيره بغير نص)
قلت: واحتج أتباع مالك لمذهبه بالتعليل المذكور في الآية فأجروه في سائر المساجد فقال القرطبي:
(قال الشافعي ﵀: الآيةعامة في سائر المشركين خاصة في المسجد الحرام ولا يمنعون من دخول غيره فأباح دخول اليهود والنصارى في سائر المساجد). قال ابن العربي:
(وهذا جمود منه على الظاهر لأن قوله : ﴿إنما المشركون نجس﴾ [التوبة / ٢٨] تنبيه على العلة بالشرك والنجاسة). قال صديق خان في (نيل المرام):
(ويجاب عنه بأن هذا القياس مردود بربطه ﷺ لثمامة بن أثال في مسجده وإنزال وفد ثقيف فيه)
قلت: أما ربط ثمامة فقد أجاب عنه ابن العربي نفسه بأنه كان قبل نزول الآية وبمثل هذا أجاب عنه ابن العربي نفسه كان قبل نزول الآية وبمثل هذا أجاب عن دخول أبي سفيان المسجد كما سبق
وأما نزول وفد ثقيف فيه فلو صح إسناده لكان حجة عليهم لا جواب لهم عنه لأنه كان بعد نزول الآية كما سبق ذكره عن أبي بكر الجصاص
قلت: وقد اختلف النقل عن أبي حنيفة في هذه المسألة فابن حزم نقل
стр. 780
عنه - كما سبق - جواز دخول اليهودي والنصراني فقط إلى المسجد الحرام وغيره من المساجد وهو موافق لما حكاه الجصاص في (الأحكام) والعيني في (العمدة) عن أبي حنيفة. قال العيني:
(واحتج بما رواه أحمد في (مسنده) بسند جيد عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يدخل مسجدنا هذا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل العهد وخدمهم).)
وغير هؤلاء نسبوا إلى أبي حنيفة القول بجواز دخول المشرك أيضا ففي (فتح الباري):
(وفي دخول المشرك المسجد مذاهب فعن الحنفية الجواز مطلقا وعن المالكية والمزني المنع مطلقا وعن الشافعية التفصيل بين المسجد الحرام وغيره للآية وقيل: يؤذن للكتابي خاصة وحديث الباب يرد عليه فإن ثمامة ليس من أهل الكتاب)
ويؤيد هذا النقل ما في (فيض الباري):
(وأما الحنفية فإنهم قالوا: إن المشرك ليس بنجس وله أن يدخل المسجد الحرام وغيره كما في (الجامع الصغير) فأشكلت عليهم الآية. قلت: وفي (السير الكبير) أنه لا يدخل المسجد الحرام عندنا أيضا كما هو ظاهر النص واختاره في (الدر المختار) لأنه آخر تصانيف محمد ﵁
ثم صرح الشيخ الكشميري صاحب (الفيض) باختياره وعلل ذلك بقوله فيما سبق من الكتاب:
стр. 781
(فإنه أوفق بالقرآن وأقرب إلى الأئمة)
قلت: وأما حديث جابر الذي احتج به أبو حنيفة فلا يصح لأنه من رواية شريك عن أشعث بن سوار عن الحسن عنه وهو في (المسند) من طريقين عن شريك. وله علتان:
الأولى: عنعنة الحسن البصري وهو مدلس كما في (التقريب) وغيره
والأخرى: ضعف شريك - وهو القاضي - من قبل حفظه
وقد جاء بإسناد قوي موقوفا على جابر وهو الصواب فقال أبو بكر الجصاص بعد أن ذكره من هذا الوجه معلقا:
(وقد حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزي قال: ثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال: أخبرنا عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في قوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام﴾: إلا أن يكون عبدا أو واحدا من أهل الذمة)
قلت: وهذا إسناد صحيح: عبد الله بن محمد بن إسحاق هو أبو القاسم المعروف بحامض رأسه ترجمه الخطيب في (تاريخه) وقال:
(قال البرقاني: وسألت الأبهري عنه فقال: ثقة مات سنة تسع وعشرين وثلاثمائة)
وشيخه الحسن بن أبي الربيع الجرجاني من شيوخ ابن ماجه وهو الحسن ابن يحيى بن الجعد بن نشيط ترجمه الخطيب أيضا وقال:
стр. 782
(قال ابن أبي حاتم الرازي: سمعت منه مع أبي وهو صدوق)
وكذا قال الحافظ في (التقريب) أنه:
(صدوق)
وبقية رجال الإسناد ثقات على شرط مسلم
ومن هذا تعلم أن قول ابن العربي:
(إنه سند ضعيف)
غير صحيح
ثم قال أبو بكر الجصاص:
(فوقفه أبو الزبير على جابر (يعني ورفعه الحسن) وجائز أن يكونا صحيحين فيكون جابر قد رفعه تارة وأفتى به أخرى)
قلت: وهذا الجمع حسن ولكنه إنما يصار إليه إذا كان من رفعه حجة في روايته وحفظه وقد علمت أن في الرواية المرفوعة علتين بخلاف هذه الموقوفة فكانت هي الراجحة
(لطيفة): قال ابن العربي:
(ولقد كنت أرى بدمشق عجبا: كان لجامعها بابان: باب شرقي وهو باب جيرون وباب غربي وكان الناس يجعلونه طريقا يمشون عليها نهارهم كله في حوائجهم وكان الذمي إذا اراد المرور وقف على الباب حتى يمر به مسلم
стр. 783
مجتاز فيقول له الذمي: يا مسلم اتأذن لي أن أمر معك؟ فيقول: نعم فيدخل معه وعليه الغيار - علامة أهل الذمة - فإذا رآه القيم صاح به: ارجع ارجع فيقول له المسلم: أنا أذنت له. فيتركه القيم)
هذا ولابن حزم في هذا المقام بحث قيم في تحقيق أن لفظ (المشركين) في الآية السابقة يشمل اليهود والنصارى خلافا لأبي حنيفة ﵀ فلا بد من نقله لما فيه من الفوائد ودفع بعض الشبهات حول بعض الآيات مما قد لا يوجد في كتاب آخر فقال ﵀:
(وأما قول أبي حنيفة فإنه قال: إن الله تعالى قد فرق بين المشركين وبين سائر الكفار فقال تعالى: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين﴾ [البينة / ١] وقال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم﴾ [الحج / ١٧] قال: والمشرك هو من جعل لله شريكا لا من لم يجعل له شريكا
قال ابن حزم: لا حجة له غير ما ذكرنا
فأما تعلقه بالآيتين فلا حجة له فيهما لأن الله تعالى قال: ﴿فيهما فاكهة ونخل ورمان﴾ [الرحمن / ٦٨] والرمان من الفاكهة وقال تعالى: ﴿من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾ [البقرة / ٩٨] وهما من الملائكة وقال تعالى: ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى﴾ [الأحزاب / ٧] وهؤلاء من النبيين
стр. 784
إلا أنه كان يكون ما احتج به أبو حنيفة حجة إن لم يأت برهان بأن اليهود والنصارى والمجوس والصابئين مشركون لأنه لا يحمل شيء معطوف على شيء إلا أنه غيره حتى يأتي برهان بأنه هو أو بعضه. فنقول وبالله التوفيق:
أن أول مخالف لنص الآيتين أبو حنيفة لأن المجوس عنده مشركون وقد فرق الله تعالى في الذكر بين المجوس وبين المشركين فبطل تعلقه بعطف الله تعالى إحدى الطائفتين على الأخرى
ثم وجدنا الله تعالى قد قال: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء / ٤٨] فلو كان ههنا كفر ليس شركا لكان مغفورا لمن شاء الله تعالى بخلاف الشرك وهذا لا يقوله مسلم
ثم روى ابن حزم من طريق مسلم بإسناده إلى ابن مسعود قال: قال رجل: يا رسول الله أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: أن تدعو لله ندا وهو خلقك. قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك
ومن طريقه أيضا بسنده عن أبي بكرة قال:
كنا عند رسول الله ﷺ فقال:
(ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثا الإشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور أو قول الزور)
وعنه أيضا عن أبي هريرة مرفوعا:
(اجتنبوا السبع الموبقات). قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال:
стр. 785
(الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)
قال علي بن حزم: فلو كان ههنا كفر ليس شركا لكان ذلك الكفر خارجا عن الكبائر ولكان عقوق الوالدين وشهادة الزور أعظم منه وهذا لا يقوله مسلم فصح أن كل كفر شرك وكل شرك كفر وأنهما اسمان شرعيان أوقعهما الله تعالى على معنى واحد
وأما حجته بأن المشرك هو من جعل لله شريكا فقط فهي منتقضة عليه من وجهين:
أحدهما: أن النصارى يجعلون لله شريكا يخلق كخلقه وهو يقول: إنهم ليسوا مشركين. وهذا تناقض ظاهر
والثاني: أن البراهمة والقائلين بأن العالم لم يزل وأن له خالقا واحدا لم يزل والقائلين بنبوة علي بن أبي طالب والمغيرة وبزيغ - كلهم لا يجعلون لله تعالى شريكا وهم عند أبي حنيفة مشركون. وهو تناقض ظاهر
ووجه ثالث: وهو أنه لم يكن المشرك إلا ما وقع عليه اسم التشريك في اللغة - وهو من جعل الله تعالى شريكا فقط - لوجب أن لا يكون الكفر إلا من كفر بالله تعالى وأنكره جملة لا من أقر به ولم يجحده فيلزم من هذا أن لا يكون الكفار إلا الدهرية فقط وأن لا يكون اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا البراهمة كفارا لأنهم كلهم مقرون بالله تعالى وهو لا يقول بهذا ولا مسلم
стр. 786
على ظهر الأرض أو كان يجب أن يكون كل من غطى شيئا كافرا فإن الكفر في اللغة: التغطية. فإذ كل هذا باطل فقد صح أنهما اسمان نقلهما الله تعالى عن موضوعهما في اللغة على كل من أنكر شيئا من دين الإسلام يكون بإنكاره معاندا لرسول الله ﷺ بعد بلوغ النذارة إليه. وبالله تعالى التوفيق)
قلت: والإلزام المذكور في الوجه الثالث لم يتبين لي صوابه لأن من يقول بأن الشرك غير الكفر يجعله أخص منه ومن المعلوم أن الأخص يدخل في الأعم كدخول النصارى واليهود في المشركين عند ابن حزم في الآية السابقة وعند غيره من سلف الصحابة والتابعين في قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ [البقرة / ٢٢١] الآية
فكل من أشرك فقد كفر اتفاقا فالإلزام غير وارد غير أن ابن حزم يقول العكس أيضا وهو أن كل من كفر بشيء من المكفرات فقد أشرك والأدلة التي ساقها تؤيد ذلك ولا أعلم ما يباين ذلك من الكتاب والسنة بل إن ظاهر قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنيتن من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا﴾ [الكهف / ٣٢] إلى قوله تعالى: ﴿فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا. ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا لكنا هو الله
ربي
стр. 787
ولا أشرك بربي﴾ الآيات [الكهف / ٣٤ - ٣٨] إلى قوله تعالى: ﴿وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا﴾ [الكهف / ٤٢]
فقد أطلق سبحانه على هذا الرجل الذي أنكر البعث والحشر أنه أشرك به تعالى. هذا هو الظاهر من سياق الآيات فإنه تعالى لم يحك عنه من الكفر غير ما ذكر ثم حكى ندمه حين رأى ما حل بثمره وجنتيه بقوله: ﴿يا ليتني لم أشرك بربي أحدا﴾ فأطلق الشرك على الكفر المذكور ولعل وجهه أن جحوده البعث مصير منه إلى أن الله تعالى لا يقدر عليه وهو تعجيز الرب ومن عجزه شبهه بخلقه فهو إشراك). كذا ذكره القرطبي بنحوه. والله أعلم
(٨ - إدخال الدابة للحاجة لأنه ﵊ دخل المسجد الحرام طائفا على ناقته كما قال جابر بن عبد الله ﵁: (طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة ليراه الناس وليشرف ويسألوه [ف] إن الناس غشوه)
الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وأحمد من طريق ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله. والسياق لأحمد والزيادة لمسلم وأبي داود ورواية لأحمد
وله شاهد من حديث عائشة عند مسلم والنسائي بلفظ:
стр. 788
طاف رسول الله ﷺ في حجة الوداع حول الكعبة على بعير يستلم الركن بمحجنه. زاد مسلم:
كراهية أن يضرب عنه الناس
وأخر من حديث أبي الطفيل. وفي الباب عن أم سلمة في طوافها راكبة وسيأتيان في (الحج) إن شاء الله تعالى
وقد ترجم البخاري لحديث أم سلمة في (كتاب الصلاة) ب:
(باب إدخال البعير في المسجد لعلة)
أي: الحاجة
قال ابن بطال:
(في هذا الحديث جواز دخول الدواب التي يؤكل لحمها المسجد إذا احتيج إلى ذلك لأن بولها لا ينجسه بخلاف غيرها من الدواب. وتعقب بأنه ليس في الحديث دلالة على عدم الجواز مع الحاجة بل ذلك دائر على التلويث وعدمه فحيث يخشى التلويث يمتنع الدخول)
واعترضه العيني في (شرحه) بقوله:
(وفيه نظر لأن قوله ﷺ : (طوفي وأنت راكبة (يعني أم سلمة) لا يدل على أن الجواز وعدمه دائران مع التلويث بل ظاهره يدل على الجواز مطلقا عند الضرورة. وقيل: إن ناقته كانت مدربة معلمة فيؤمن منها ما يحذر من التلويث وهي سائرة. قلت: سلمنا هذا في ناقة النبي عليه الصلاة والسلام
стр. 789
لكن ما يقال في الناقة التي كانت عليها أم سلمة وهي طائفة؟ ولئن قيل: إنها كانت ناقة النبي ﷺ . قيل له: يحتاج إلى بيان ذلك بالدليل)
(٩ - الوضوء ف (إن رسول الله ﷺ توضأ في المسجد)
الحديث أخرجه أحمد: ثنا وكيع عن أبي خالد عن أبي العالية عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال:
حفظت لك أن. . . إلخ
وهذا إسناد حسن كما قال الهيثمي
قلت: ورجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي خالد وهو مهاجر بن مخلد أبو مخلد ويقال: أبو خالد مولى البكرات روى عن عبد الرحمن بن أبي بكرة وأبي العالية الرايحي وعنه عوف الأعرابي ووهيب وخالد الحذاء وحماد بن زيد وأخوه سعيد بن زيد وعبد الوهاب الثقفي. وكان وهيب يعيبه ويقول:
(لا يحفظ). وقال ابن معين:
(صالح). وقال أبو حاتم:
(لين الحديث ليس بذاك وليس بالمتقن يكتب حديثه)
وذكره ابن حبان في (الثقات). وقال الساجي:
(هو صدوق معروف وليس من قال فيه: مجهول. بشيء)
قلت: فهو حسن الحديث إن شاء الله تعالى إذا لم يخالف
стр. 790
وقد صح أن أبا هريرة توضأ على ظهر المسجد
أخرجه أحمد ومسلم
وفي الحديث جواز الوضوء في المسجد قال النووي في (شرح مسلم):
(وقد نقل ابن المنذر إجماع العلماء على جوازه ما لم يؤذ به أحدا)
قلت: وقال العراقي في (شرح التقريب):
(وحكى ابن بطال جوازه عن أكثر أهل العلم وحكى عن مالك وسحنون كراهته تنزيها للمسجد)
قلت: والحديث حجة عليهما
نعم يجب أن لا يقترن به ما يخل شرعا كما هو الواقع اليوم في أكثر المساجد التي جر إليها ماء الفيجة لما يسمع من الصوت الشديد من أثر اندفاع الماء من (الحنفيات) واصطدامه بالبلاط مما يحصل منه ضوضاء وتشويش على المصلين فيه ولذلك نرى أنه من الضروري جعل الميضأة في مكان محصور بجنب المساجد لا داخله كما هو الأمر في جامع (عيسي باشا) تجاه سوق الحميدية وغيره
(١٠ - الاجتماع والتحلق لدراسة القرآن والعلم لحديث:
بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ وذهب واحد [فلما وقفا على رسول الله ﷺ سلما] فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها وأما الآخر فجلس
стр. 791
خلفهم وأما الثالث فأدبر ذاهبا. فلما فرغ رسول الله ﷺ قال:
(ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟) [قالوا: بلى يا رسول الله قال:]
(أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه)
الحديث من رواية أبي واقد الليثي ﵁
أخرجه البخاري - والسياق له في رواية - ومسلم والترمذي ثلاثتهم عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: أن أبا مرة مولى عقيل بن أبي طالب أخبره عنه
وعزاه الحافظ للنسائي أيضا وقال:
(وهو في (الموطأ)
قلت: ولم أجده الآن عندهما
والزيادة الأولى للترمذي وهي عند النسائي أيضا وأكثر رواة الموطأ كما في (الفتح)
وقد أخرجه أحمد من طريق يحيى بن أبي كثير: ثني إسحاق ابن عبد الله بن أبي طلحة به نحوه. وفيه الزيادة الأخرى
стр. 792
وأخرجه مسلم أيضا من هذا الوجه لكنه لم يسق لفظه بل أحال على ما قبله بقوله:
(بمثله في المعنى)
قال النووي في شرح الحديث:
(فيه استحباب جلوس العالم لأصحابه وغيرهم في موضع بارز ظاهر للناس والمسجد أفضل فيذاكرهم العلم والخير وفيه جواز حلق العلم والذكر في المسجد واستحباب دخولها ومجالسة أهلها وكراهة الانصراف عنها من غير عذر. . . إلخ). قال الحافظ:
(وأما ما رواه مسلم من حديث جابر بن سمرة قال:
دخل رسول الله ﷺ المسجد وهم حلق فقال: (ما لي أراكم عزين). فلا معارضة بينه وبين هذا لأنه إنما كره تحلقهم على ما لا فائدة فيه ولا منفعة بخلاف تحلقهم حوله فإنه كان لسماع العلم والتعلم منه)
قلت: هذا الحديث ليس فيه إنكاره ﵊ تحلقهم مطلقا بل إنما أنكر عليهم تفرقهم حلقا حلقا وهذا هو معنى قوله: (عزين). قال النووي:
(أي: متفرقين جماعة جماعة وهو بتخفيف الزاي الواحدة عزة معناه النهي عن التفرق والأمر بالاجتماع)
قلت: ويؤيد ذلك أنا أبا داود أخرج الحديث من طريق الأعمش ثم روى عقب ذلك عنه أنه قال:
стр. 793
(كأنه يحب الجماعة)
فالحديث إذن لا علاقة له بالتحلق لا سلبا ولا إيجابا
(و (خرج على حلقة من أصحابة فقال: (ما أجلسكم؟) قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به (وفي لفظ: (بك) علينا قال: (آلله ما أجلسك إلا ذاك؟) قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال:
(أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني: أن الله يباهي بكم الملائكة)
الحديث من رواية معاوية بن أبي سفيان
أخرجه مسلم - والسياق له - والنسائي والترمذي وأحمد من طريق مرحوم بن عبد العزيز عن أبي نعامة السعدي عن أبي عثمان عن أبي سعيد الخدري عنه. واللفظ الآخر للنسائي وأحمد
(وقال ﵊: (ما اجتمع قوم (وفي لفظ: (ما من قوم يجتمعون) في بيت من بيوت الله تعالى يتلون [ويتعلمون] كتاب الله ويتدراسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده)
الحديث من رواية أبي هريرة
أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه وأحمد
стр. 794
عن الأعمش عن أبي صالح عنه. واللفظ الآخر والزيادة لأحمد. ثم هو قطعة من حديث عند مسلم وابن ماجه وقد عزاه بتمامه المنذري لأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في (صحيحه) والحاكم وقال:
(صحيح على شرطهما)
قال النووي في (شرح مسلم):
(قيل المراد بالسكينة هنا الرحمة وهو الذي اختاره القاضي عياض وهو ضعيف لعطف الرحمة عليه. وقيل الطمأنينة والوقار وهو أحسن. وفي هذا دليل لفضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد وهو مذهبنا ومذهب الجمهور وقال مالك: يكره. وتأوله بعض أصحابه)
قلت: ولعل التأويل المشار إليه هو أن الذي كره مالك من الاجتماع ما خالف هديه ﵊ فيه كالاجتماع على القراءة بصوت واحد فإنه بدعة لم تنقل عنه ﵊ ولا عن أحد من الصحابة وقد كان النبي ﷺ أحيانا يأمر من يقرأ القرآن ليسمع قراءته كما كان ابن مسعود يقرأ عليه وقال: (إني أحب أن أسمعه من غيري) وكان عمر يأمر من يقرأ عليه وعلى أصحابه وهم يستمعون فتارة يأمر أبا موسى وتارة يأمر عقبة بن عامر. رواه الحافظ ابن رجب في (جامع العلوم والحكم) ثم قال:
(وذكر حرب أنه رأى أهل دمشق وأهل حمص وأهل مكة وأهل البصرة يجتمعون على القرآن بعد صلاة الصبح ولكن أهل الشام يقرؤون القرآن كلهم
стр. 795
جملة من سورة واحدة بأصوات عالية وأهل مكة وأهل البصرة يجتمعون فيقرأ أحدهم عشر آيات والناس ينصتون ثم يقرأ آخر عشر آيات حتى يفرغوا قال حرب: وكل ذلك حسن جميل. وقد أنكر مالك ذلك على أهل الشام)
قلت: وهذا الذي أنكره مالك هو الحق إن شاء الله تعالى لمخالفته السنة كما سبق
(غير أن ذلك لا يجوز قبل صلاة الجمعة خاصة كما سبق في (المناهي) فقرة (٥)
(١١ - إنشاد الشعر الحسن أحيانا ولا سيما إذا كان في الذب عن الإسلام فإنه حينئذ من الجهاد فقد (كان رسول الله ﷺ يضع لحسان منبرا في المسجد يقوم عليه قائما يفاخر عن رسول الله ﷺ (وفي لفظ: (ينافح عنه بالشعر) وفي آخر: يهجو من قال في رسول الله ﷺ ويقول رسول الله ﷺ : (إن الله [ل] يؤيد حسان بروح القدس ما نافح أو فاخر عن رسول الله ﷺ
الحديث من رواية عائشة ﵁
أخرجه أبو داود - واللفظ الثالث له - والترمذي والحاكم - والسياق له - وأحمد - واللفظ الثاني وكذا الزيادة له - من طرق عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عروة وهشام بن عروة عن عروة عنها
стр. 796
وهذا إسناد حسن وقال الترمذي:
(حسن صحيح). وقال الحاكم:
(صحيح الإسناد). ووافقه الذهبي:
وهو في (صحيح مسلم) من طريق أخرى عنها لكن ليس فيه وضع المنبر في المسجد وفيه: وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
(هجاهم حسان فشفى واستشفى) قال حسان:
هجوت محمدا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء
الأبيات بتمامها
(وقد (مر عمر ﵁ بحسان وهو ينشد [الشعر] في المسجد [فلحظ إليه] [فقال: مه] قال: [- في حلقة فيهم أبو هريرة -]: كنت أنشد وفيه من هو خير منك [ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أجب عني اللهم أيده بروح القدس)؟ قال: نعم] [فانصرف عمر وهو يعرف أنه يريد رسول الله ﷺ ])
الحديث أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وأحمد - والسياق له - كلهم عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال. . . فذكره. والزيادة الأولى لمسلم والثانية للجميع إلا البخاري والسادسة لهم إلا أبا داود
стр. 797
ورواه معمر عن الزهري به مختصرا دون ذكر المسجد وإنكار عمر على حسان. وفيه الزيادة الخامسة
أخرجه مسلم وأبو داود وأحمد:
ورواه إبراهيم بن سعد عنه دون المرفوع منه وفيه الزيادة الثالثة والأخيرة
أخرجه أحمد
ثم أخرجه من طريق محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن قال: مر عمر. . . الحديث بنحو رواية إبراهيم وفيه الزيادة الرابعة
ثم تبين لي أن هذا الإسناد منقطع فإن يحيى بن عبد الرحمن هذا هو ابن حاطب بن أبي بلتعة ولم يذكروا له رواية عن الصحابة وقد كانت وفاته سنة (١٠٤) ووفاة عمر سنة (٢٣) فيبعد أن يكون شاهد القصة. ولذلك وجب الضرب على هذه الزيادة وقد فعلنا
ثم الحديث أخرجه البخاري ومسلم من طرق عن الزهري أيضا قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: أنه سمع حسان بن ثابت الأنصاري يستشهد أبا هريرة: أنشدك الله هل سمعت النبي ﷺ يقول:
(يا حسان أجب عن رسول الله ﷺ اللهم أيده بروح القدس)؟ قال أبو هريرة: نعم
(وقد قال ﵊: (إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه
стр. 798
والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل)
هو من حديث كعب بن مالك:
أنه قال للنبي ﷺ :
إن الله قد أنزل في الشعر ما أنزل. فقال. . . فذكره
أخرجه أحمد: ثنا عبد الرزاق: أنا معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه به
وهذا سند صحيح على شرط الشيخين
وله شاهد من حديث أنس قال:
دخل النبي ﷺ مكة في عمرة القضاء وابن رواحة بين يديه يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تأويله
ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله
قال عمر: يا ابن رواحة في حرم الله بين يدي رسول الله ﷺ تقول هذا الشعر؟ فقال النبي ﷺ : (خل عنه فوالذي نفسي بيده لكلامه أشد عليهم من وقع النبل)
أخرجه النسائي والترمذي من طريق عبد الرزاق قال: ثنا جعفر بن سليمان عن ثابت عنه
وهذا سند صحيح على شرط مسلم
стр. 799
وفي حديث حسان: جواز الشعر الحسن في المسجد وقد ترجم له النسائي بقوله:
(الرخصة في إنشاد الشعر الحسن في المسجد)
وإلى هذا ذهب الكثرة من العلماء
وأما تناشد الأشعار فمنهي عنه كما سبق بيانه في (المناهي) فقرة (٦) وقد قال البيهقي:
(ونحن لا نرى بإنشاد مثل ما كان يقول حسان في الذب عن الإسلام وأهله بأسا في المسجد ولا في غيره والحديث الأول ورد في تناشد أشعار الجاهلية وغيرها مما لا يليق بالمسجد. وبالله التوفيق)
(١٣ - نصب الخيمة للمريض وغيره للحاجة قالت عائشة ﵁: (أصيب سعد [ابن معاذ] يوم الخندق [رماه رجل من قريش يقال له: حبان بن العرقة] في الأكحل فضرب عليه النبي ﷺ خيمة في المسجد [ل] يعوده من قريب [فلم يرعهم - وفي المسجد [معه] خيمة من بني غفار - إلا الدم يسيل إليهم فقالوا: يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دما مات عنها])
الحديث أخرجه البخاري - والسياق له - ومسلم وأبو داود والنسائي وأحمد من طريق هشام عن أبيه عنها. والزيادة الثانية لأحمد وكذا
стр. 800
البخاري ومسلم في رواية لهما والثالثة لمسلم وحده والرابعة للجميع إلا هو والأخيرة للشيخين والزيادة فيها لمسلم
وله طريق أخرى أخرجه أحمد عن محمد بن عمرو عن أبيه عن جده علقمة بن وقاص عنها بنحوه أتم منه وفيه الزيادة الأولى
وهذا إسناد حسن كما قال الحافظ في (الفتح)
والحديث ترجم له البخاري ب:
(باب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم). قال الحافظ:
(أي: جواز ذلك). وفي (العمدة):
(قال ابن بطال: فيه جواز سكنى المسجد للعذر والباب مترجم به). وفي (شرح مسلم):
(فيه جواز النوم في المسجد وجواز مكث المريض فيه وإن كان جريحا) وفي (نيل الأوطار):
(والحديث يدل على جواز ترك المريض في المسجد وإن كان في ذلك مظنة لخروج شيء منه يتنجس به المسجد)
(وقد (كان ﵇ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان (قالت عائشة ﵁: فكنت أضرب له خباء فيصلي الصبح ثم يدخله [وإنه أراد مرة أن يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فأمر ببنائه فضرب] [فاستأذنته عائشة أن تعتكف فاذن لها فضربت فيه قبة] [وسألت
стр. 801
حفصة عائشة أن تستأذن لها [رسول الله ﷺ ] ففعلت] [فأمرت ببنائها فضرب] فلما رأته زينب بنت جحش ضربت خباء آخر [وكانت امرأة غيورا] فلما أصبح رسول الله ﷺ (وفي لفظ: (فلما انصرف رسول الله ﷺ من الغداة) [إلى المكان الذي أراد أن يعتكف]) رأى الأخبية فقال: (ما هذا)؟ [قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب] فقال النبي ﷺ : (آلبر ترون بهن؟ (وفي رواية: (آلبر أردن بهذا؟ ما أنا بمعتكف) وفي أخرى: ما حملهن على هذا؟ آلبر؟ انزعوها فلا أراها فنزعت وفي لفظ: (فأمر ببنائه فقوض وأمر أزواجه بأبنيتهن فقوضت) فترك الاعتكاف في ذلك الشهر ثم اعتكف عشرا من شوال)
الحديث أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد من طرق عن يحيى بن سعيد الأنصاري: حدثتني عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة به. والسياق للبخاري والزيادة الثانية له وكذا الثالثة والرابعة له ولأحمد وله الزيادة التي فيها وكذا التي بعدها. والزيادة الأولى لأبي داود ولمسلم نحوها والزيادة السادسة لأبي عوانة كما في (الفتح) والزيادة السابعة للبخاري وكذا الثامنة والتاسعة ولأحمد أيضا هذه الأخيرة واللفظ الثاني والرواية الثانية والثالثة للبخاري واللفظ الثالث لأبي داود
والحديث ترجم له النسائي كا ترجم للحديث الأول بقوله:
стр. 802
(ضرب الخباء في المساجد). وقال الحافظ:
(ومنه جواز ضرب الأخبية في المسجد)
وفي الباب عن أبي سعيد الخدري قال:
اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهروا (كذا) بالقراءة وهو في قبة له فكشف الستور وقال: (ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا ولا يرفعن بعضكم على بعض في القراءة) أو قال: (في الصلاة)
أخرجه أحمد: ثنا عبد الرزاق: ثنا معمر عن إسماعيل بن أمية عن أبي سملة بن عبد الرحمن عنه
وهذا سند صحيح على شرط الستة. وقد أخرجه منهم أبو داود من هذا الوجه
(١٤ - اللعب بالحراب ونحوها من آلات الحرب لما فيه من التدرب على القتال والتقوي للجهاد فقد (دخل عمر ﵁ والحبشة يلعبون [في المسجد] فزجرهم عمر (وفي رواية: فأهوى إلى الحصباء يحصبهم بها) فقال رسول الله ﷺ : (دعهم يا عمر [فإنما هم بنو أرفدة])
الحديث من رواة أبي هريرة ﵁
أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عنه. والسياق للنسائي والرواية الأخرى هي رواية للشيخين ورواية لأحمد والزيادة الأولى
стр. 803
للجميع إلا مسلما والأخرى للنسائي وأحمد وهي عند أبي عوانة ايضا في (صحيحه) كما في (الفتح) (٢/ ٣٥٦) وقال:
(كأنه يعني أن هذا شأنهم وطريقتهم وهو من الأمور المباحة فلا إنكار عليهم)
وللحديث شاهد من رواية عائشة ﵁ وهو:
(قالت عائشة ﵂: (فدعاني ﷺ [والحبشة يلعبون بحرابهم في المسجد] [في يوم عيد] [فقال لي: يا حميراء أتحبين أن تنظري إليهم؟ فقلت: نعم] [فأقامني وراءه] [فطأطأ لي منكبيه لأنظر إليهم] فوضعت ذقني على عاتقه وأسندت وجهي إلى خده] فنظرت من فوق منكبيه (وفي رواية: (من بين أذنه وعاتقه) [وهو يقول: دونكم يا بني أرفدة] [قالت: ومن قولهم يومئذ: أبا القاسم طيبا] حتى شبعت) (وفي رواية: (حتى إذا مللت قال: حسبك؟ قلت: نعم قال: فاذهبي) وفي أخرى: قلت: لا تعجل فقام لي ثم قال: حسبك قلت: لا تعجل قالت: وما بي حب النظر إليهم ولكن أحببت أن يبلغ النساء مقامه لي ومكاني منه [وأنا جارية] [فاقدروا قدر الجارية [العربة] الحديثة السن الحريصة على اللهو])
الأول: عروة عنها
أخرجه البخاري ومسلم
стр. 804
والنسائي والطيالسي وأحمد من طرق عنه يزيد بعضهم على بعض. والسياق لأحمد والزيادة الأولى للجميع إلا أن النسائي والطيالسي ليس عندهم: (بحرابهم) والزيادة الثانية للنسائي وأحمد وللشيخين معناها والرابعة للشيخين والخامسة لأحمد وحده وسندها صحيح على شرط الستة والسابعة للشيخين والتاسعة لمسلم والعاشرة لهم جميعا إلا الطيالسي والزيادة التي فيها لمسلم وحده وزاد أحمد في رواية:
قالت: قال رسول الله ﷺ يومئذ:
(لتعلم يهود أن في ديننا فسحة إني أرسلت بحنيفية سمحة)
أخرجها من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: قال لي عروة أن عائشة قالت:
وعبد الرحمن هذا حسن الحديث وفي حفظه ضعف ولذلك قال ابن عدي:
(بعض ما يرويه لا يتابع عليه)
ولذلك تنكبت زيادته هذه حيث تفرد بها دون كل من روى الحديث عن عروة
وقد عزاه الحافظ للسراج من طريق أبي الزناد به. وسكت عليه فإن كان من طريق ابنه عنه فقد علمت ما فيه وإن كان من طريق غيره فيجب النظر فيه. والله أعلم
стр. 805
والرواية الثانية لأحمد وحده. وإسناده صحيح على شرط الستة أيضا وهي في الطريق الثاني أيضا
الثاني: عبيد بن عمير عنها نحوه وفيه الرواية الثانية
أخرجه مسلم وأحمد
الثالث: يحيى بن عبد الرحمن عنها مختصرا وفيه معنى الزيادة الخامسة
أخرجه أحمد: ثنا خلف بن الوليد قال: ثنا عباد بن عباد عن محمد بن عمرو عنه
وهذا إسناد رجاله ثقات غير أنه منقطع بين يحيى وعائشة كما قد سبق
الرابع: أبو سلمة عنها. وفيه الزيادة الثالثة والسادسة والثامنة والرواية الثالثة
قال الحافظ بعد أن عزاه للنسائي ولعله يعني (سننه الكبرى):
(إسناده صحيح ولم أر في حديث صحيح ذكر الحميراء إلا في هذا)
وكذا قال العراقي في (تخريج الإحياء) إن سنده صحيح
والحديث ترجم له النسائي بقوله:
(اللعب في المسجد يوم العيد ونظر النساء إلى ذلك). وقال الحافظ في شرح قوله: (والحبشة يلعبون في المسجد):
стр. 806
فيه جواز ذلك في المسجد وحكى ابن التين عن أبي الحسن اللخمي: أن اللعب بالحراب في المسجد منسوخ بالقرآن والسنة: أما القرآن فقوله تعالى: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع﴾ [النور / ٣٦] وأما السنة فحديث: (جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم). وتعقب بأن الحديث ضعيف وليس فيه ولا في الآية تصريح بما ادعاه ولا عرف التاريخ فيثبت النسخ. وحكى بعض المالكية عن مالك أن لعبهم كان خارج المسجد وكانت عائشة في المسجد. وهذا لا يثبت عن مالك فإنه خلاف ما صرح به في طرق هذا الحديث وفي بعضها أن عمر أنكر عليهم لعبهم في المسجد فقال له النبي ﷺ : (دعهم). واللعب بالحراب ليس لعبا مجردا بل فيه تدريب الشجعان على مواقع الحروب والاستعداد للعدو وقال المهلب: المسجد موضوع لأمر جماعة المسلمين فما كان من الأعمال يجمع منفعة الدين وأهله جاز فيه)
وهذا فيه تقييد اللعب الجائز في المسجد بما فيه مصلحة عامة. وهذا هو الحق إن شاء الله تعالى
وقد تعقب ذلك الصنعاني في (سبل السلام) باللفظ الذي تقدم: (لتعلم يهود أن في ديننا فسحة. . .) إلخ فقال:
(وهذا يدفع قول الطبري أنه يغتفر للحبش ما لا يغتفر لغيرهم فيقر حيث ورد ويدفع قول من قال: إن اللعب بالحراب ليس لعبا مجردا بل فيه تدريب الشجعان على مواضع الحروب والاستعداد للعدو ففي ذلك من المصلحة التي تجمع عامة المسلمين ويحتاج إليها في إقامة الدين فأجيز فعلها في المسجد)
стр. 807
قلت: وقد علمت مما سبق أن هذا اللفظ لا يصح بل هو ضعيف فلا يجوز الاعتماد عليه في هذا البحث لا سيما وهو مناف للإطلاق المذكور في الآية السابقة. والله أعلم
(١٥ - ربط الأسير بالسارية للحديث المتقدم فقرة (٧): (بعث رسول الله ﷺ خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال - سيد أهل اليمامة - فربطوه بسارية من سواري المسجد) الحديث)
وهو حديث صحيح متفق عليه وقد سبق تخريجه هناك مع ذكره بتمامه. وقد ترجم له بما ذكرنا البخاري والنسائي وقال البخاري:
(وكان شريح يأمر الغريم أن يحبس إلى سارية المسجد). قال الحافظ:
(وقد وصله معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: كان شريح إذا قضى على رجل بحق أمر بحبسه في المسجد إلى أن يقوم بما عليه فإن أعطى الحق وإلا أمر به إلى السجن)
(وقوله ﵊: (إن عفريتا من الجن جعل يتفلت علي البارحة ليقطع علي الصلاة وإن الله أمكنني منه فذعته (وفي رواية: (فخنقته) فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا تنظرون إليه أجمعون أو كلكم ثم ذكرت قول أخي سليمان: ﴿رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ [ص / ٣٥] فرده الله خاسئا)
стр. 808
الحديث من رواية أبي هريرة ﵁
وله عنه طريقان:
الأول: عن شعبة عن محمد بن زيادة قال: سمعت أبا هريرة يقول. . . فذكره
أخرجه البخاري ومسلم والدارقطني
الثاني: عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عنه به نحوه مختصرا بالرواية الثانية
أخرجه البيهقي
وهذا سند حسن
وقد جاءت هذه القصة عن جمع من الصحابة غير أبي هريرة:
منهم أبو الدرداء
عند مسلم والنسائي والبيهقي
ومنهم جابر بن سمرة
عند الدارقطني وأحمد والطبراني في (الكبير)
وإسناده صحيح على شرط مسلم
ومنهم أبو سعيد الخدري
стр. 809
عند أحمد بسند حسن ولعله يأتي في (السترة). وقال الهيثمي:
(ورجاله ثقات)
والحديث ترجم له البخاري بعدة تراجم منها:
(باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد). قال شارحه العيني:
(فيه دليل على إباحة ربط الأسير في المسجد وعلى هذا بوب البخاري الباب ومن هذا قال المهلب: إن في الحديث جواز ربط من خشي هروبه بحق عليه أو دين والتوثق منه في المسجد أو غيره)
(١٦ - القضاء واللعان لحديث سهل بن سعد ﵁: (أن رجلا من الأنصار جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله أم كيف يفعل؟ فأنزل الله في شأنه ما ذكر من القرآن من أمر المتلاعنين فقال النبي ﷺ : قد قضى الله فيك وفي امرأتك. قال: فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد. . . . الحديث)
أخرجه البخاري - والسياق له - ومسلم من طريق ابن جريج قال: أخبرني ابن شهاب عن الملاعنة وعن السنة فيها عن حديث سهل بن سعد أخي بني ساعدة أن رجلا. . . إلخ
وترجم له البخاري ب: (باب التلاعن في المسجد)
стр. 810
وقد أخرجه مختصرا في موضعين أخرين من هذا الوجه وترجم له فيهما ب: (باب القضاء واللعان في المسجد)
والحديث رواه مالك عن ابن شهاب به نحوه
ومن طريق مالك أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والدارمي وأحمد كلهم عن مالك به
وذكر البخاري تعليقا:
(ولاعن عمر عند منبر النبي ﷺ وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر في المسجد وقضى مروان على زيد بن ثابت باليمين عند المنبر وكان الحسن وزرارة بن أبي أوفى يقضيان في الرحبة خارجا من المسجد)
وقد ذكر الحافظ في (شرحه) من وصل هذه الآثار فليرجع إليه فلا نطيل بذكر ذلك. ثم قال الحافظ:
(قال ابن بطال: استحب القضاء في المسجد طائفة وقال مالك: هو الأمر القديم لأنه يصل إلى القاضي فيه المرأة والضعيف وإذا كان في منزله لم يصل إليه الناس لإمكان الاحتجاب. قال: وبه قال أحمد وإسحاق وكرهت ذلك طائفة وكتب عمر بن عبد العزيز إلى القاسم بن عبد الرحمن أن لا تقضي في المسجد فإنه يأتيك الحائض والمشرك. وقال الشافعي: أحب إلي أن يقضي في غير المسجد لذلك. وقال الكرابيسي: كره بعضهم الحكم في