Полный текст (499 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ان قلت نصر فنصر كان شرهم ... قدماص وأبيضهم سربال طباخ
ما في المعالي لكم ظل ولا ورق ... وفي المخازي لكم أسناخ أسناخِ
إن ذكر المجد لم يذكر قديمكم ... او ذكر اللؤم فضلتم باشياخ
ومنه قوله أيضاً
ابى القلب أن يهوى السدير وأهله ... وإن قيل عيش بالسدير غزيرُ
стр. 107
به البَقُ والحُمى وأسدٌ خفيةٌ ... وعمرو بن هندٍ يعتدي ويجور
وزعم أبن قتيبة إن هذين البيتين لسويد بن حذاق العبدي وليس ذلك بشيء، والصحيح إنهما لطرفة لان عمرو بن هند كان قد ضمه الى أخيه قابوس فكان يركب لركوبه، وينزل لنزوله، وكان قابوس يتصيد يوماً ويشرب يوماً، فكان يكد طرفة يوم صيده نهاره أجمع في الركض وطلب الصيد، فإذا كان يوم شربه أتى به، فلم يأذن له فيقف ببابه عامة نهاره لا يحضر له طعاماً، ولا شراباً، فهجاهما معاً فقال:
ليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثاً حول قبتنا تدور
من الزّمرات أسبل قادامها ... وضرتها مركنةٌ درور
يشاركنا لنا رخلان فيها ... وتعلوها الكباش فلا تثور
стр. 108
لعمرك إن قابوس بن هندٍ ... يخالط ملكه نوك كثير
قسمت الدهر في زمن رخي ... كذاك الدهر يقصد أو يجور
لنا يوم وللكروان يوم ... تطير البائسات ولا نطير
فأما يومهن فيوم بؤسٍ ... تطاردهن بالجدب الصقور
وأما يومنا فنظل ركباً ... وفوقاً لا نحل ولا نسير
وهجاهما بغير ذلك من الشعر، فخرج عمرو بن هند يوما يتصيد في نفر من أصحابه فيهم عبد عمرو بن بشر بن مرثد بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة البكري، فأصابوا طريدة، فنزلوا يجمعون ليشتووا منها، فنظر الملك الى كشح عبد عمرو بن بشر من خرق كان بقميصه، فقال ما كذب عليك طرفة حيث يقول:
ولا خير فيه غير أنّ له غنىً ... وإن له كشحاً إذا قام أهضما
стр. 109
فقال له عبد عمرو: فإن الذي قال فيك أقبح، قال وما قال فأنشده الأبيات: " ليت لنا مكان الملك عمرو " حتى أتى على آخرها، فقال هذا لعب الصبيان ولم يره أن ذلك أثر عنده ولا أنه أكترث به، وكانت خرنق بنت هفان أخت طرفة لأمه عند عبد عمرو، فكانت فاركاً له فهجته بأبيات في هذا المعنى منها قولها:
ألم تر موروكاً وشى بابن عمه ... لينضجه في حمي قدرٍ وما يدري
وقال طرفة في عبد عمرو:
فيا عجبا من عبد عمرو وبغيهِ ... لقد رام ظلمي عبد عمرو فأنعما
ولم يبلغ طرفة عن عمرو بن هند ما يوحشه، فأتاه على عادته فلم ير عنده ما يكره إلى أن كتب له الصحيفة.
وروي في سبب موجدته عليه وآخر، قيل إنه كان ينادمه وكان جميلا ظريفا حدث ٤٢ السن فهويته أخته فلانة أبنة المنذر وهويها، فلما كان في بعض الأيام جلس معه على شرابه، فأشرفت على المجالس تنظر إلى طرفه، فلما كان الجام بيده لاح له وجهها وشنفاها في صفاء الخمرة
стр. 110
فطمح ببصره فرآها فقال:
ألا أيها الريم الذي تلمع شنفاه ... فلولا الملك الجالس قد الثمني فاه
ويكرر ذلك والملك لا يعلم معنى قوله ولا ما يريد به، وظنه شعرا يشدو به على عادة الشرب، الى أن أخذ الجام بيده فلاح له ما لاح لطرفة فطمح بنظره فرآها، فأطرق ولم ير طرفة أنه علم بمراده، ولا فطن لمعنى قوله وأنساه ذلك ثم كتب له الصحيفة الى الربيع بن حوثره وقتله. وكان ملك عمرو بن هند في زمن أنوشروان وقيل إن مدة ملكه كانت ست عشرة سنة ثم قتله عمرو بن كلثوم بن عتاب التغلبي وسياتي ذك مقتله.
ثم ملك بعده
قابوس بن المنذر
اخوه قابوس بن المنذر بن أمرئ القيس بن النعمان بن أمرئ القيس عمرو بن أمرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر أمه هند بنت الحارث أم أخيه عمرو وكان يقال له قينة العرس للين كان فيه ولم يكن بمخنث وكان ملكه في زمن أنشروان أيضاً.
стр. 111
ثم ملك بعده
المنذر الاصغر
اخوه المنذر الاصغر بن المنذر الاكبر بن أمرئ القيس بن النعمان بن أمرئ القيس عمرو بن أمرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر أمه هند بنت الحارث أم أخوته عمرو وقابوس وصاحبه النابغتان الجعدي وهو عبد الله بن قيس بن جعده بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة يكنى أبا ليلى وهو القائل بذكر وصاحبته للمنذر:
تذكرت والذكرى تهيج الى البكا ... ومن حاجة المحزون إن يتذكرا
ندامي عند المنذر بن محرق ... ارى اليوم منهم ظاهر الارض مقفرا
نسبة الى جده محرق الاول وأدرك الجعدي الاسلام فاسلم فهو من المخصرمين. روى أبن منيع عن داود أبن رشيد عن يعلى بن الاشدق قال: سمعت النابغة الجعدي يقول أنشدت النبي (شعري:
اتيت رسول الله أذ جاء بالهدى ... ويتلو كتاباً كالمجرة نيرا
стр. 112
فلما أنتهيت الى قولي:
بلغن السماء مجدا وجدودنا ... وأنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
قال الى أين المظهر يا أبا ليلى؟ قلت الى الجنة قال أجل إن شاء الله ثم قلت:
فلا خير في حلم أذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل أذا لم يكن له ... حليمٌ أذا ما أورد القوم أصدرا
فقال رسول الله (" أجدت لا يضض الله فاك ". قال: قال ذلك مرتين. فروي إنه أستكمل مائة وعشرين سنة لم يسقط له سن. والذبياني وهو زياد بن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان، وهو القائل في مديحه للمنذر هذا
ولكن ما أتاك عن أبن هند ... من الخبر المبين للتمام
فداء ما تقل النعل مني ... الى أعلى الذؤابة للهمام
стр. 113
وكان نديمه وشاعره ومن أخص العرب به، ولذلك كان مع أبنه
النعمان الاصغر من بعده، وكان المنذر ضعيفاً في ملكه، وقيل إنه مات حتف أنفه، وقيل بل غزا الحارث بن أبي شمر الغساني الاعرج ملك الشام طالباً له بدم أبنه، فظفر به الحارث فقتله. ومما يقوي ذلك ما روي عن غسان بالشام، قد كان لك في قومك ممنع وحصن، فتركته وصرت الى قومٍ قتلوا أبي، وبيننا وبينهم ما قد علمت. وروي إن مدة ملك المنذر كانت أربع سنين في زمن أنوشروان أيضاً. ثم ملك بعده
النعمان الاصغر
ابنه النعمان الاصغر بن المنذر الاكبر بن أمرئ القيس بن النعمان بن أمرئ القيس بن عمرو بن أمرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر، وهو أخر ملوك آل نصر أمه سلمى بنت وائل بن عطية الصائغ اليهودي، سبية من أهل ٤٣ فلك، وفد هجي بها فقيل فيه:
قبح الله ثم ثنى بلعنٍ ... وارث الصائغ الجبان الجهولا
стр. 114
وهي أبيات يدافعها الشعراء بينهم، وحملها بعضهم، على بعض، وسيأتي ذكرها في هذا الكتاب، وكان يكنى أبا قابوس وأبا قبيس أيضاً، قال النابغة الذبياني:
وعيد أبي قابوس في غير كنهه ... اتاني ودوني راكس فاضواجع
وقال أيضاً:
نبئت إن أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زأرٍ من الاسدِ
وقال أيضاً لابن الصعق:
فان يقبض عليك أبو قبيس ... تلط بك المعيشة في هوانِ
وقال عبد المسيح بن بقيلة:
وصرنا بعد ملك أبي قبيس ... كشاءٍ ظل في يوم مطير
стр. 115
وهو الذي أستحسن الشقائق فحماها فنسبت اليه، فقيل شقائق النعمان. قال أبو تمام ﵀:
وكأنما أهدى شقائقه الى ... وجناتهن ضحى أبو قابوساً
وقال أبن دريد كان للنعمان أعلام حمر تسمى الشقائق، فسميت تلك الزهرة بها لحسن لونها، فقيل شقائق النعمان.
وقيل هو صاحب يومي النعيم والبؤس دن غيره من أهل بيته، وإن العرب لم تقل: أبيت اللعن الى له، وقيل بل كان ذلك يقال لهم جميعاً وهو الاصح. وكان أحمر أبرش قصيراً ذميماً قاسياً عاتياً سفاكاً باغياً، وكان له عشرة أخوة كلهم أجمل منه، وكانوا يسمون الاشاهب لجمالهم، ولبعض الشعراء فيهم:
وبنو المنذر الاشاهب باخي؟ ... رة يمشون غدوة كالسيوف
وهو قاتل عبيد بن الابرص الأسدي في بؤسه، وقاتل أبن زيد العبادي بعد إن كان سفيره الى كسرى، والساعي " له " حتى ولاه
стр. 116
الملك دون أخوته، وصاحب الغريين، وهما طربالان قيل إنه كان يغريهما بدم من كان يقتله يوم بؤسه، وصاحب الثويه - وهي حبسه - كان أذا حبس فيها أحد. قيل ثوى فسميت الثويه.
وعليه وفد حسان بن ثابت الانصاري قبل أسلامه وعنده رجز لبيد بن ربيعة الكلابي ثم الجعفري بالربيع بن زياد العبسي رجزه المشهور الذي يقول فيه:
مهلاً أبيت اللعنَ لا تأكل معه ... إن أسته من برص ملمعه
وهو صاحب زياد بن معاوية النابغة الذبياني الشاعر كان له بديماً، وبه وبأبيه من قبله خصيصاً، وصاحب
المتجردة وهي أمرأته، وكانت أجمل نساء عصرها، وأكرم نسائه عليه
المتجردة
وروي أنها سميت المتجردة لفرط جمالها، وقيل أنها أبنة خالد بن جعفر بن كلاب، وقيل بل كانت أمرأة من بقايا جرهم وهو الصحيح. وكانت تحت رجل جرهمي من قومها يقال له جلم بن الضهياء أو الضحياء نزل بها على النعمان جاراً، فرآها النعمان فهويها، وغلب عليه حبها، فلم يدر كيف يحتال على زوجها في أمرها. فقال له يوماً: إنها هنا عيرا يأتي في
стр. 117
عانه، فيفسد مجالسنا بظهر الحيرة، فلو ركبت فرسي اليحموم فطردته رجوت إن تصرعه. وكان اليحموم قل ما أستحضره أحد الا صرعه، وأنما أراد بذلك قتله، فحمله عليه وأعطاه حربة، فخرج يطرد العير، فجمع به الفرس، فاحس بما أريد به، فالقى الحربة وأمسك عنان الفرس وناصيته بيديه جميعاً، وعاد وهو يقول:
نحن بفرسي الودي أعلمنا ... منا بركض الجياد في السلف
أدركني بعد ما دنا فرسي ... للصيد أنا من معشر عنف
وأختلط السوط بالعنان وأمسك؟ ... ؟ ت بكلتا يدي بالعرف
ثم قال للنعمان: أيها الملك أنا أصحاب زرع ونخل ولسنا باصحاب صيد فلم يجد النعمان عن المتجرد صبراً، فجعل يدعو جلما، وينادمه ويسقيه حتى يسكر، ويضع عليه من يخدعه عن المتجردة ليطلقها، فلم يزل كذلك حتى ظفر منه ببعض القول، فتزوجها وأفتتن بها.
وكان المنخل بن مسعود اليشكري نديماً له، وكان جميلاً ظريفاً، وكانت المتجردة ٤٤ ترمى به وبغير واحد من الناس فيما ذكر والله أعلم. وولدت للنعمان غلامين، فكان يقال أنهما للمنخل والله سبحانه أعلم.
وذكر أبن قتيبة إن المنخل كان يرمى قبل المتجردة بامرأة عمرو بن
стр. 118
هند الملك عم النعمان، وبامرأة أخرى من ال المنذر يقال لها هند، وفيها يقول أبياته التي منها:
يا هند من لمتيم ... يا هند للعاني الاسير
وكان النابغة أنيساً بالنعمان، فدخل عليه يوماً، فوافق المتجردة عنده متبذله قد سقط خمارها، فلما رأته سترت وجهها بيدها، فقال له النعمان: صفها في شعرك، فوصفها في قصيدته التي أولها: " من آل أميه رائح أو مغتدي " فاسرف في الوصف وتجاوز الحد ولم يقتصر على ما ذكره من جمالها وخرج الى الفحش في شعره فقال:
وأذا المست لمست أخثم جاثماً ... متحيزاً بمكانه ملء اليد
وأذا نظرت نظرت أقمر مشرقاً ... ومركنا ذا زرنب كالجلمدي
وأذا طعنت طعنت في مستهدف ... رابي المجسة بالعبير مقرمد
وأذا نزعت نزعت من مستحصف ... نزع الحزور بالرشاء المحصد
ويكاد ينزع جلده من ملةٍ ... فيها لوافح كالحريق الموقد
стр. 119
لا زاد منه يحور أذا أستقى ... صدر ولا صدرا يحور لمورد
فغاظ ذلك النعمان، وأضطغنه عليه، وسمع المنخل هذا الشعر، فقال بحيث يعلم إن النعمان يسمعه: لا يستطع إن يصف هذا الا من جرب.
وكان بين النابغة وبين مرة بن ربيعة بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيدة مناة بن تميم ورهطه حقد وعداوة بسبب سيف كان لمرة يقال له ذو الريقة، وشى به النبغة الى النعمان، ووصفه له فأخذه منه. وكان مرة يتطلب العثرات على النابغة، فلما سمع هذا الشعر قام فيه وقعد، ورقى هو ورهطة الى النعمان عن النابغة إنه ذكر المتجرد في شعر قاله أيضاً غير هذا. فعزم على قتله، وعرف ذلك بواب كان للنعمان يقال له عصام بن شبير الجرمي. وكان صديقاً للنابغة. فلما قدم النابغة الحيرة أتى من فوره باب النعمان يطلب الاذن فانذره عصام وقال له: أنج فانه قاتلك، فخرج الى الشام فنزل على ملوك غسان، ومدحهم بقصائد منها: " كليني همّ يا أميمة ناصب "
стр. 120
وغيرها.
وقيل إنه هجا النعمان عندهم، وبلغ النعمان كونه عندهم فشق عليه، وأرسل اليه أنك لم تعتذر من سخطه إن كانت بلغتك عنا، وإن كنا قد تغيرك عليك أو تنكرنا لك، فقد كان لك في قومك ممنع وحصن، فتركته وأنطلقت الى قوم قتلوا أبي، وبيننا وبينهم ما قد علمت، وعرف النابغة إن المنخل كاده عند النعمان فجعل يعرض به في أشعاره وأعتذاره اليه. فقال في قصيدته التي أولها: عفا راكس من فرتني فالضواجع
اتوعد عبداً لم يخنك أمانته ... وتترك عبدا ظالما وهو ظالع
حملت علي ذنبه وتركته ... كذي العرِّ يكوي غيره وهو راتع
وذكر سعدية القريعيين به فقال فيها:
لعمري وما عمري علي بهين ... لقد نطقت بطلاً علي الأقارع
اقارع عوف لا أقارع غيرها ... وجوه كلاب تبتغي من تخادع
وقال معتذراً في قصيدته التي أولها: يا دار مية بالعلياء فالسند
стр. 121
فلا لعمرو الذي مست كعبته ... وأما ريق على الأنصاب من جسد
والمؤمن العائذات الطير تمسه ... ركبان مكة بين الغيل فالسند
ما إن بديت بشيء أنت تكرهه ... اذاً فلا رفعت سوطي الى يدي
اذاً فعاقبني ربي معاقبةً ... قرت بها عين من يأتيك بالحسد
هذا لأبرأ من قول قرفت به ... طارت نوافذه حرا على كبد
стр. 122
وقال في التي أولها: أمن ظلامة الدمن البوالي
فان كنت أمرأ قد سؤت ظناً ... بعبدك والأمور الى تبالِ
فارسل في بني ذبيان فاسأل ... ولا تعجل علي من السؤال
فلا عمرو الذي أثنا عليه ... ومن دفع الحجيج الى إلال
ولو كفي اليمين بغتك خوفاً ... لافردت اليمين من الشمال
٤٥ - ثم إن النعمان عرف براءة النابغة .
وقيل إن النابغة كان رجلا عفيفا فبلغه عن النعمان ما زال معه خوفه،
стр. 123
فقدم الحيرة مستخفيا مع زيان ومنظور أبن سيار الفزاريين، وكان في رحلهما، ودخلا على النعمان وهو على شرابه في قبة له فجلسا معه، وكان بينهما وبينه خلة، فقربهما وأكرمهما، فذكرا اله النابغة، وأنشداه شيئاً من شعره في مديحه له، وأعتذاره اليه، ولم يعلماه إنه معهما، فلما رأيا منه بعض اللين أرسلا الى النابغة، فجاء فوقف ظاهر القبة يرجز. فروي عن حسان بن ثابت الأنصاري إنه قال: كنت في مجلس النعمان بن المنذر يومئذ، وهو على شرابه في قبته أذ رجز رجل من ظاهر القبة فقال: أنمت أم تسمع رب القبة
يا أوهب الناس لعنسٍ صلبه ... ذات نجاء في يديها حدبة
طارده بالمشفر الأذبه فقال النعمان: اليس بأبي أمامه؟! وكان النابغة يكنى بها، قيل بلى، فقال: أئذنوا له، فدخل وهو يقول:
اغيرك معقلاً أبغي وحصنأ ... فخانتني المعاقل والحصون
أتيتك عاريا خلقا ثيابي ... على خوف تظن بي الظنون
стр. 124
يخب بي الكميت قليل وفر ... افكر في الأمور وأستعين
ثم جلس فشرب معه وأنشده قصيدته التي أولها: أرسما جديدا من سعاد تجنب فأعتذر اليه بابيات وعرض بالمنخل فقال:
لئن كنت قد أبلغت عني خيانة ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب
وكان يوم ورود الأبل السود، فوردت فوهب له مائة سوداً فيها فحلها وراعيها، فما حسدت أحدا حسدي له. وأستبانت للنعمان ريبة المنخل فقتله.
فروي أبوا رياش أحمد بن أبي هاشم في سبب قتله إن النعمان كان له يوم يركب فيه فيطيل ويعود في وقت لا يتعداه، فكان أذا ركب في ذلك
стр. 125
اليوم أرسلت المتجرد الى المنخل فجاءت به، فكان عندها فاذا خاف مجيء النعمان أنصرف. فركب النعمان على عادته في ذلك اليوم، وأرسلت المتجرد الى المنخل، فجاءت به ثم لاعبته بقيد جعلته في رجليه، ورجع النعمان قبل وقته المعتاد، فوجدهما على تلك الحال، فدفع المنخل الى عكب بن عكب اللخمي وقيل التغلبي، وكان صاحب سجنه، أمره بان يعذبه حتى يهلك، فكان يجره بقيوده ويعذبه، ففي ذلك يقول المنخل:
الامن مبلغ الحرين عني ... بان القوم قد قتلوا أبياً
يدور بي أبن عكب في معد ... ويطعن بالصملة في قفيا
فان لم تثأروا بي من عكب ... فلا تشفون من ماء صديا
ويقول أيضاً:
طل بين العباد قتلي بلا ... جرم وقومي ينتجون السخالا
стр. 126
فاما أبن قتيبة فزعم إن الملك الذي قتل المنخل، عمرو بن هند، ولعل رواية أبي رياش أصح، فان المتجرد لم تكن عند عمرو بن هند، وأنما كانت عند أبن أخيه النعمان الأصغر، ولم تزل عنده الى آخر أيامه. وروي أنها من جملة من أشار عليه بالعود الى كسرى بعد إن كان هرب منه، فلما عاد اليه قتله وسيأتي ذكر مقتله، ثم كره إن يستعمل مكانه أحداً من أهل بيته فاستعمل بالحيرة بعده أياس بن قبيصة الطائي.
وكان النعمان آجر ملوك آل نصر لم يملك أحد منهم الا إن أبنه المنذر بن النعمان المعروف بالغرور ملكه من كان أرتد بالبحرين من ربيعة، وغيرهم فبعث اليهم خالد بن الوليد من اليمامة العلاء بن الحضرمي، وذلك في سنة أثنتي عشرة في أمارة أبي بكر فظهر عليهم المسلمون بمحمد الله تعالى وهزموهم. فقيل إن المنذر قتل بجواثا وقيل بل نجا وأسلم وإنه كان بعد ذلك يقول لست بالغرور ولكني المغرور.
وكانت مدة ملك النعمان أثنتين وعشرين سنة، منها سبع سنين في زمن هرمز بن أنوشروان، وباقيها في زمن أبرويز بن هرمز " ٠٠٠ " ثلاث سنين وسبعة أشهر " ٠٠٠ " الفجار الأكبر فجار البراض بن
стр. 127
قيس الكناني، وهو فجار " ٠٠٠ " فقتل النعمان بالتقريب٤٧ في عام الهجرة لأن قتله جر يوم ذي قار، بين جنود كسرى وبين بكر بن وائل، وكان يوم ذي قار بعد قتله بعام واحد.
وروي إن يوم ذي قار كان بعد يوم بدر بشهرين، وكان يوم بدر في شهر رمضان سنة أثنتين والله سبحانه أعلم. وروي إن النعمان لما نعي الى النابغة قال: طلبه من الدهر طالب الملوك، ثم لقي بوابه عصاماَ الجرمي وكان صديقاً له فبكياه وقال النابغة:
الم أقسم عليك لتخبرني ... أمحمول على النعش الهمام
فاني لا الومك في دخول ... ولكن ما رواءك يا عصام
فان يهلك أبو قابوس يهلك ... ربيع الناس والشهر أحرام
ونأخذ بعده بذناب عيش ... اجب الظهر ليس له سنام
تمخضت المنون له بيوم ... اتى ولكل كاملة تمام
стр. 128
وفي النعمان وأبنه وجده يقول عبد المسيح بن بقيلة، لما ظهر الإسلام وضرب خالد بن الوليد الجزية يرثيهم ويبكيهم ويذكر أيامهم:
ابعد " المنذرين أرى " سواما ... تروح بالخورنق والسدير
تجافاه فوارس كل فج ... مخافة ضيغم غلي الزئير
وبعد فوارس النعمان أرعى ... مراعي نهر مرة والجفير
وصرنا بعد ملك أبي قبس ... كشاء ظل في يوم مطير
تقسمنا القبئل من معد ... علانية كأيسار الجزور
نؤدي الخرج بعد خراج كسرى ... كخرج بني قريظة والنضير
стр. 129
ثم ملك بعده
اياس بن قبيصة
اياس بن قبيصة الطائي العبادي ورهطه ممن كان يعرف " بالأحلف " من أهل الحيرة، وهو أياس بن قبصة بن أبي عفر بن النعمان بن حية بن سعنة بن الحارث بن الحويرث بن ربيعة بن ملك أبن منقذ بن هبي بن عمرو بن الغوث بن طي. ملكه أبرويز مكان النعمان وأستعمله على الحيرة وأستعمل معه مرزباناً من الفرس يقال " له النخيرجان " " ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ ".
مناقب سيف الدولة ملك الحلة
نصره الله، ولا كان فيهم من يشق في الشرف غباره، ولا يقاربه في رتبة ولا يدانيه في منزلة، لان الله تعالى فضله علهم بدينه وحسبه ونيبه وعز جانبه وسعة ملكه وثروته، وشرف نفسه عن أفعال دنية أسفوا اليها وحلق عنها، وخلال ذميمة تباعد عن أمثالها ودنوا منها. وسيأتي من ذكر فضله عليهم في سائر أحواله، وجميع خلاله، بما يكون بينة واضحة على صحة ما ذكرناه، وشاهدا عدلاً على ما أوردناه، وتفصيلا لجملته ومفتاحاً
стр. 130
لرتاجه ودليلاً على منهاجه، وروضة تتنزه فيها عيون مواليه، وترتع فيها قلوب محبيه، وليعلم أنهم بالإضافة اليه كما قال التهامي:
أبواعهم في المجد مثل ذراعه ... وقيامهم في المجد مثل قعوده
على أننا لا ننكر شرفهم ولا نجحد ما نالوه من الملك والعز في أزمانهم، ولو لم يكونوا ذوي شرف وملك ومنعة وعز لما قلنا إنه أشرف منهم ولا أعلى قدرا، ولا أعز جانبا وأوسع ملكا، ولا قسنا بين أفعله وأفعالهم ليعلم أنها أحسن وأجمل، ولا نظرنا في سيرته وسيرتهم ليبين لنا أنها أبلغ عزا وأكمل، غير أننا نقول إن خلالهم في أنفسهم وإن شرفوا، وأقدارهم في ملكهم وعزهم وإن كانوا قد عزوا وملكوا مقصرة من خلاله الشريفة في نفسه، وما ناله من العز والبساطة في عصره كما قال زهير:
فضّله فوق أقوامٍ وشرفهُ ... ما لم ينالو وإن شادوا وإن أكرموا
وكما قال آخر:
فضلتهم مع قديم فضلهم ... ليس على من فضلته عارُ
ونعتذر عما نأتي به من كشف أحوالهم، ومعايبهم ومناقصهم ومثالبهم
стр. 131
وسوء سيرة كانت منهم، أو وهنن في ملكهم، أو غميزة عليهم نورد ذكرها، أو خلة ذميمة نكشف أمرها، بأنه لا طريق لنا الى حصول الغرض الذي نحوناه من أيضاح لرد فضله عليهم إلاّ بذلك، لكون الأفعال دالة على قدر فاعلها، والآثار دالة على قدر مؤثرها، كما ٤٨ قال التهامي:
وعلى مقادير الرجال فعالهم ... قطع المهند تابع بحديده
وكما قال أبو الطيب المتنبي:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
وقال الرضي ﵁ " وتبين بالبنيان فضل الباني " فلا طريق لنا الى حصول الغرض الذي أردناه إلا بذاك، وليعلم من تقرر في نفسه أستعظام أفعاله وأقدارهم، وجرى على لسانه تفخيم أمورهم، وظن أنّ شأوهم لا يدرك، وأنّ غايتهم لا تبلغ أنّ الأمر بخلاف ما وقع له وظنه فإننا لو قصدنا الى ذكر فضله ومناقبه، وتعديد مآثره فأقتنعنا بنشرها، وأقتصرنا على شطرها، وأضربنا عن ذكر أحاديثهم وأخبارهم
стр. 132
وكشف أحوالهم التي سندل بها على أنهم لم يفترعوا من العز مثل درجته، ولم يوفوا من الشرف على مثل مرقبته، لضن المقلدون - وإن لم يمكنهم جحود فضله ولم يقدروا على الطعن في شرفه - إن الذي نالوه من أفضل أعظم، ومن الشرف والمجد أعلى وأضخم، فاقاموا في ذلك على ظنونهم، ولم يزل من قلوبهم، فلذلك لم نجد معدلا عن الإلمام بإظهاره بعض مثالبهم وذكر طرف من معاينهم ليصغر عندهم ما يستعظمونه من شأنهم، ويستهولونه من أقدارهم، إذا لم يكن من ذلك بد، فالضد لا يظهر حسنه إلا الضد، كما قال الشريف أبو الحسن محمد بن محمد العلوي النسابة، في معنى يشبه هذا المعنى في كتابه الذي سماه: تهذيب الاعقاب، فإنه قال: لما سطر من تقدمنا، ذكر
فرسان العرب في الجاهلية وبيوتاتهم ومنجباتهم، وأمثال هذا وعدوه شرفا باقيا وفخرا ناميا يسمر به عند الملوك ويستطرفه سامعوه، فيظن من لا بصيرة له ولا خبرة عنده، بما تقدم أن الذي ذكر لا نظير له وأنه معدوم المثل، وجب علينا إن نشرح ما في تضاعيف ذلك من الدخل والفساد اللائح، والقدح والعيب الفاضح، المنقول عمن نقل لهم المناقب فيكون طريقاً الى ثبوت المثالب، ثم نورد من فضلنا ما لا يغطيه الليل، ولا يكشفه النهار من الشرف الشهير والفخر الجهير.
فرسان العرب
ذكروا فرسان العرب الثلاثة: عامر بن الطُّفَيل فارس عامر بن صعصعه، وعُتيبه بن الحارث فارس تميم، وبُسطام بن قيس فارس بكر بن
стр. 133
وائل، فأما عامر ففر عن أخيه الحكم بن الطفيل يوم الرقم، وهو يوم ناجح، وفر عتيبه عن أبنه حزرة يوم ثبره، فقتل حزره فقال عتيبة:
نجيت نفي وتركت حزره ... نعم الفتى غادرته بثبره
" ولا يترك الحر الكريمُ بكره "
وفر بسطام بن قيس يوم العظالي. والتقت بنو أسد بن خزيمة وبنو يربوع يوم خوّ، فطعن عتبة بن الحارث المحسن بن عمرو بن بدر الغاضري فقتله، فحمل ذؤاب بن ربيعة الاسدي على عتيبه فقتله. فإذا كانت شهادة العلم لهم وعليهم فاحسن أحوالهم أن يكونوا من فرسان العرب المتقدمين، لهم أعتداد، وعليهم أنتقاد، ولا يحكم لهم بأنه ليس في العرب مثلهم، كما روينا عن أبي عمر بن العلاء إنه قال: قد أفتخرت العرب بالبيوتات والفروسية والسخاء، وفيهم من هو أشرف ممن ذكر، وأفرس وأكثر منجبة وأعظم منقبة، وإن لم يذكروا في هذا الشرط،
стр. 134
فاخبارهم شائعة، ومآثرهم ذائعة، أفلا ترى الى المحصل المنصف كيف جاءت شهادته، ولاح أنصافه، ولو ذهبت أورد أمثال هؤلاء القوم لطال كتابي هذا.
فمن ذلك ما سطر في كتاب النوافل، وذكره أهل العلم من المثالب على طوله لئلا يبقى الجاهل المقلد مقيم على ظنه وتقليده في فضلهم، فلذلك كشفان عن بعض أحوالهم. هذا أخر لفظ الشريف المذكور ﵀ في الفصل الذي أورده في هذا المعنى.
ولعمري إن من تقدم قد ذكروا من أهل لك منقبة قوماً، وفي العرب أمثالهم وأشرف منهم، وليس ذلك مما يسقط به شرف غيرهم، ولا يضع من٤٩ قدر من سواهم، ولا يلزمنا إن نتبع فيه أهواءهم. ولا نقبل آرائهم من وضوح الحجة عليهم فيه، فإنهم لم يتركوا من الشرف نوعاً إلا خضوا به قوماً، فلو أقتصرنا على القطع بذلك لمن ذكروه خاصة، وهم الاقل للزمنا أن نضع من الاكثر والجم الغفير، وفي هذا ما فيه من الغميزة والطعن على جمهور العرب.
غير العرب
على إنهم في أزمانهم وأعصارهم قد أختلفوا في ذلك، وخولفوا فيه، الا ترى أنهم قالوا: إن غير العرب أربعة: غارا عدنان: ربيعة ومضر وغارا قحطان: كهلان وحمير، قال الفرزدق:
стр. 135
ومنا الذي أعطى يديه رهينةً ... لغاري معد يوم عقد الذمائم
وقال يزيد بن أبي سفيان بن حرب:
فما برح الغاران حتى تنزلت ... ملائكة جاسوا الروم حتى تولت
الاركان
وسموا هؤلاء الاربع أيضاً الاركان، والكهوف، والدعائم، ثم غيروا اللفظ، وبعض الاسماء في قول آخر، وإن لم يكونوا عدلوا عن المعنا فقالوا: أجذام العرب أربعة: وضر وربيعة واليمن وقضاعه.
جمرات العرب
ثم قالوا: جمرات العرب أربع: ضبّة أبن أدّ في خندف، ونمير في عامر، وعبس بن بغيض في قيس، وبنوا الحارث بن كعب في مذحج. سموهم بذلك لانفرادهم بانفسهم، وأستقلالهم بامورهم، فلما حالفت ضبة بن أدّ قبائل الرباب، وحالفت بنوا الحارث بن كعب قبائل مذحج، قالوا: طفي جمرتان، وبقي جمرتان وسموا بني الحارث بن كعب، نيران مذحج، وسموا نمير بن عامر جريحة الطعان، وقالوا في أمثالهم: طعان نمير فأما أبو عبيدة معمر بن المثنى فإنه قال: العرب عكاظيون لا يذكرون من أهل كل منقبة إلا ثلاثة، فإن وجدوا رابعاً تركوه، وأسقط
стр. 136
من الجمرات عبساً، وحكا أبن دريد ﵀ مثل ما حكاه أبو عبيدة في ذلك.
جماجم العرب
وقالوا: جماجم العرب ثلاث، ضبة بن آد في خندف، وعبس بن بغيض في قيس، وقيس بن ثعلبه في بكر بن وائل، فخالفهم أخرون فقالوا: الجماجم أربع، حنظلة بن مالك بن زيد مناة من تميم في خندف، وعامر بن صعصعه في قيس، وكلب بن وبرة في قضاعة وطي بن أدد في اليمن.
رضفات العرب
وقالوا: الرضفات ثلاث، تغلب بن وائل وشيبان بن ثعلبه، وهما معاً في ربيعة بن نزار وإياد بن نزار بن معد وقال آخرون: الرضفات أربع، وسموا هذه القبائل الثلاث، وزادوا عليها بهراء بن عمرو بن الحاف بن قضاعة.
اثافي العرب
وقالوا: الاثافي ثلاث، هوزان وسليم أبنا منصور معاً أثفيه، وغطفان بن سعد أثفيه، ومحارب بن خصفه وأعصر بن سعد معاً أثفيه، والجميع في قيس. فقال أخرون محارب بن حفصه وأعصر بن سعد ومعهما المهالبة، فالجميع أثفية.
стр. 137
غلاصم العرب
وقالوا: الغلاصم ثلاث: قيس بن عاصم المنقري، غلصمة خندف، وحذيفة بن بدر الفزاري، غلصمة قيس، والقلمس بن عدي الغساني غلصمة اليمن.
اجواد العرب
وقالوا: الاجواد ثلاثة: حاتم بن عبد الله الطائي، وكعب بن مامة الايادي، وهرم بن سنان المري مرة غطفان.
اوفياء العرب
وقالوا: الاوفياء ثلاثة السموءل بن عاديا اليهودي، والحارث بن ظالم المري مرة غطفان، وعمير بن سليم الحنفي.
الرجليون من العرب
وقالوا الرجليون ثلاثة المنتشر بن عمر البالهلي، والسليك بن عمير بن يثرب السعدي من بني سعد بن زيد مناة بن تميم أمه السلكة، عرف بها، وأوفى بن مطر المازني مازن تميم، وكان هؤلاء لا يجارون سعياً أذا جاع أحدهم، شد على الظبي فاخذه، فقال آخرون، وتأبط شرا الفهمي وحاجز بن عوف الازدي، ومعدي بن براق الهمداني، وعمرو ذو
стр. 138
الكلب الهذلي، وكان هؤلاء مثلهم في السرعة وغيورون على أرجلهم على الاحياء، وكم كان في العرب من أمثال هؤلاء، وإلا اليوم فإني أسمع أن في الاعراب من يجاري الخيل، ويلحق الظباء.
وذكر بعض المحدثين، قال: كنت نازلا بحي من العرب، فرأيت ظباء ترود، فجعلت أديم النظر اليها، فرآني فتى من أهل الحي، وأنا كذلك، فقال لي: تعطيني درهمين، وآتيك بأيهن شئت؟ فقلت نعم، لك درهمان وأئتني بتلك، وأشرت له الى أحداهن فشد عليهن، ونفن بين يديه فألح على التي أشرت له اليها، فأخذها وجاءني بها، وهو يقول:
مرت تلوي في الفلات خدها ... تخاف شدي وأخاف شدها
" كيف ترى عدو الغلام ردها " فلا ينقضي تعجبي منه.
اغربة العرب
وقالوا الأغربة عنترة بن شداد العبسي وهو عنترة الفلحاء، وأمه زبيبة سوداء، وخفاف بن ندبة السلمي، وأمه ندبة سوداء. وأبو عمير بن الحارث بن الشريد، والسليك بن عمير بن يثربي التميمي ثم السعدي، أمه سلكة سوداء، قالوا: وأنما قالوا قيل لهؤلاء أغبة العرب
стр. 139
لسوادهم وشجاعتهم. وكفى العرب مسبة أنهم لم يكن فيهم من يذكر بالجود، إلا ثلاثة، وبالوفاء إلا ثلاثة، وعارهم فيهم أيضاً، جواد ووفي وشجاع، يكون كل واحد منهم من هؤلاء الثلاثة رابعاً، والعرب في عدد الرمل، فما الذي أذكرهم هؤلاء، وأنساهم ذكر أجواد العرب وأوفيائها؟!. وذكر حبيش بن دلف بن عسير بن ذكوان بن السيد بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر الأسود فارس العرب وشجاعها، وقد ذكروا ممن المواقف ما لم يذكروا لأحد من هؤلاء الثلاثة، ومن جملة مواقفهم إنه أسر عمرو بن الحارث بن أبي شمر الملك الجفني، فجز ناصيته ومن عليه وأشترط عليه حملا يؤديه في كل سنة اليه، فأفتخر الفرزدق بذلك لأن أمه ظبية من بني السيد بن مالك رهط حبيش هذا، وقيل أسمها قرظة، فقال:
خلي الذي غصب الملوك نفوسهم ... واليه كان حباء جفنة يحمل
ارحاء العرب
وقالوا: أرحاء العرب ثلاثة: منها رحوان في خندف، وهما أسد بن خزيمة وتميم بن مر، والثالثة في بني عامر، خالد بن جعفر بن كلاب، وأخوه الأحوص من بعده، وعصر خالد والأحوص متأخر عن عصر أسد بن خزيمة، وتميم بن مرة بما يعلمه الله سبحانه.
стр. 140
ازمنة العرب
قالوا أزمنة العرب ثلاث: عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم في تميم، وشتير بن خالد بن جعفر بن كلاب في بني عامر، وضجعم بن سعد بن سليح بن حلوان بن الحاف بن قضاعة، وعصر ضجعم بن سعد قبل عصر عقال بن محمد، وعصر عقال بن محمد قبل عصر شتير بن خالد.
البدور من العرب
وقالوا البدور ثلاث: طريف بن زيد بن عمرو الضبي في حندف، والحوفزان بن شريك في بكر بن وائل، والسموأل بن سحيم الغساني في اليمن.
حكام العرب وقالوا حكام العرب ثلاث هرم بن قطبه الفزاري، وهرم بن سنان المري مرة غطفان، ومعاوية بن مالك بن جعفر بن كلاب وهو معود الحكام سمى بذلك لقوله
أعود مثلها الحكام بعدي ... إذا ما الحق في الأشياع ثابا
стр. 141
وكان سبب ذلك أن النعمان الملك جهز لطيمة الى عكاظ، وجعل خفيرها قرة بن هبيرة القشري، يخفرها على من ليس في دينه من العرب، ووافق ذلك هرب النعمان من كسرى، فاحتوى قرة على اللطيمة فأكلها فقالت عقيل لقشير: إنا لا نأمن عقبي جنايتكم، فأعطونا بعض ما أخذتم فأبوا عليهم وكادوا أن يحتربوا، ثم تراضوا بحكم من بني أم البنين، فأتفقوا على الرضا بمعاوية فأصلح بين الحيين وقال:
رأبت الصدع من كعب وكانت ... من الشنار قد رعيت كلابا
سبقت بها قدامة أو سميرا ... ولو دعيا الى مثلي أجابا
سأحملها ويعقلها عني ... واورث مجدها أبدا كلابا
اعود مثلها الحكام بعدي ... إذا ما الحق في الاشياع ثابا
؟؟؟
شعراء العرب
وقالوا الشعراء في الجاهلية ثلاثة: أمرؤ القيس بن حجر الكندي، والنابغة الذبيان، وزهير بن أبي سلمى المزني. فقالت ربيعة وطرفة بن العبد البكري جعلوه لهم رابعاً، وفضلوا أمرأ القيس على الكل، وقالوا لم
стр. 142
يكن الشعر شيئاً حتى شرحه، فحيا الطلل وعفى الديار، ومحاها بالرياح والامطار، ووصف المطر والسيل، وشبب النساء وشبههن بالتماثيل والدمى والبيض والظباء، وشبه ريقهن بالخمر، وشعورهن بالكرم، وأعجازهن بالرمل، ووجوههن بالمصابيح وعيونهن بعيون البقر، وأغتدى للصيد واللعب وشبه قلوب الطير ورطبها بالعناب، ويابسها بالخشف، وعيون البقر بالجزع ٥١ وشبه الفرس بالهراوة، والظبي والخذروف والاجدل والجلمود والناقة بالنعامة، ووصف الكلب والثور والعانة ووردها، والقوس والوتر والنبل، وشبه الليل بالجبال، ووقف في الديار، وأستوف وبكى المنازل والدمن، وذكر الرماد والاثافي، والوان الوحش وعزى صحبه وعزوه ومدح وهجا، وكان أذا قال شيئاً لا يخطيء، ففتح للشعراء أبواب الشعر، فهم عيال عليه، فجعلوا أولئك الشعراء الذين سموهم معه في طبقته ثم خصوه دونهم بفضائل الشعر كلها، فلم يتركوا لهم معه فيها نصيباً فادخلوهم معه بغير حجة، وأخرجوهم بحجج عدة، وقد كان الاولى الا يجعلوهم في طبقته لما علموا بأنه برز عليهم هذا التبريز.
فدية العرب
وقالوا أكثر العرب فدية ثلاث: حاجب بن زرارة الدارمي وبسطام بن قيس الشيباني الفارس، وجيش بن دلف الضبي.
стр. 143
مفاخر العرب
وقالوا مفاخر العرب ثلاث: قصيدة الحارث بن حلزة اليشكري التي أولها: " اذنتنا ببينها أسماء " وقصيدة عمرو بن كلثوم التغلبي والتي أولها: " الا هبي بصحنك فاصبحينا " وقصيدة طرفة بن العبد والتي أولها: " لخولة أطلال ببرقة ثمهد "
عقماء العرب
وقالوا عقماء العرب ثلاثة: عبد الله بن جدعان التميمي، وكلده الثقفي الذي يزعم الناس إن الحارث أبنه وببسطام بن قيس الشيبني الفارس، وقالوا أخرون: وعامر بن الطفيل العامري الفارس. ويكنا أبا علي أيضاً، كان أعور عقيماً، وقال أخرون وجذيمة الأبرش الملك كان عقيما، وعصر جذيمة قبل هؤلاء بما يعلمه الله تعلى فبدأوا في ذكر العقماء بعبد الله بن جذعان التميمي، وقد ذكر في بعض الروايات إنه أعقب أبا ملكة بن عبد الله وذكر لجذيمة الأبرش أيضاً.
اقارع العرب
وقالوا أقارع العرب ثلاثة: قريع بن عوف بن كعب بن زيد بن منآة
стр. 144
أبن تميم، وقريع بن معاوية بن حنظلة بن جذيمة بن عوف، وقريع هو ثعلبة بن معاوية بن ثعلبة بن جذيمة بن عوف، فقال أخرون، وقريع بن الحارث بن نمير بن عامر بن صعصعه.
الرادون على المستغيث
وقالوا إن الرادون على من أستغاث بهم في الجاهلية ثلاثة: مخارق بن شهاب المازني، أخذت بكر بن وائل أبن المكعبر الضبي، فاستغاث بمخارق وأستنجده، وأنزل له منازل الجيش، وقدر له مسيرهم، فالحقهم بقومه، فاستنقذ الأبل منهم، فردها عليه، فقال أبن المكعير:
لولا الإله ولولا سعي طالبها ... وأبنا شهاب عفا آثارها المورا
أوصى شهاب بنيه حين فارقهم ... الاّ يكونوا كمن تطوى له العير
وقال أيضاً:
فهلا سعيتم سعى عصبة مازن ... وهل كفؤان في الفعال سواء
стр. 145
لهم أذرع بادٍ نواشر لحمها ... وبعض الرجال في الحروب غثاء
كأن دنانيراً على قسماتهم ... وإن كان قد شف الوجوه لقاء
وزيد الفوارس بن حصين بن ضرار الضبي، أغارت بنو ضبة على إبل سبيع بن أخطيم التميمي، فاستنجد سبيع زيداً، فركب في قومه فردها فقال سبيع:
إن أبن آل ضرار يوم ندبه ... زيدا سعى لي سعياً غير مكفور
ساءلت عليه شعاب حين دعا ... انصاره بوجوهٍ كالدنانير
إيه فدى لكم أمي وما ولدت ... فالحمد يبقى وزاد القوم في حور
والحارث بن ظالم المرى مرة غطفان، كان عياض بن ديهث أحد بني عمرو بن سعد بن زيد مناة بن تميم، مجاورا في غطفان، فأغارت بنو مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان على ماله، فأتى أعلاق الحارث بن ظالم - وهي الآلات التي يستقى بها الماء - فأعلق دلوه بها،
следующие страницы →