Полный текст (499 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
بالخبر تنازع العمران الملك فسفر بينهما قيصر الى إن أصلح بينهما وأنقاد عمرو بن عبد الجن لعمرو بن عدي وتركه والملك فملك عمرو بن عدي ملك خاله جذيمة الابرش وقال في طاعة عمرو بن عبد الجن له:
دعوت أبن عبد الجن للسلم بعدما ... تتابع في غرب السفاه وكسما
فلما أرعوى عن صدنا باعترامه ... مرت هواه مري أم أو أبن ما
فقال عمرو بن عبد الجن مجيبا له:
اما ودماء مائراتٌ كأنها ... على قلة العزى أو النسر عندما
وما قدس الرهبان في كل بيعةٍ ... أبيل الأبيلين المسيح بن مريما
٣٢ - لقد ذاق منا عامر يوم لعلعٍ ... حسام أذا ما هز بالكف صما
قال الطبري: هكذا وجد الشعر غير تام. وكان تقديره بعد القسم إن يكون لقد كان كذا أو لولا كذا الا إنه لم يظفر له بتمام على ما ذكر. فاستقام لعمرو بن عدي أمره وملك ملك خله جذيمة الأبرش وقتل زباء الملكة قاتلة وسيأتي حديث مقتلها.
وهو أول من أتخذ الحيرة منزلاً وسكنها بعد إن كانت خراباً لم
стр. 72
تسكن من عهد بخت نصر وكان في أول ملكه لا يدين لاحد من ملوك الكوائف للحال التي كانوا عليها من الضعف فلما أجتمعت كلمة فارس وطاعتها لأردشير بن بابك وأنقادوا له وظهر على ملوك زمانه وتسمى بشاهنشاه خافته العرب فخرجت قبائل من تنوخ عن أرض العراق الى أرض قضاعة وغيرها ولم يجد عمرو بن عدي بدا من طاعته أو النزوح عن أرض العراق فأطاعه ودان له فاستعمله على العرب وأمره إن يسكن الحيرة فسكنها وسكنها بعض العرب معه وأبتنوا بها المنازل وسكنوا الجدار وكره الباقون إن يسكنوه وكانوا على عادتهم يسكنون المظال وبيوت الشعر وينتزلون أطراف العراق وما بين الحيرة والأنبار.
وأمد أردشير عمراً بالجنود وقواه فتجاوز حد خاله جذيمة ومن تقدمه في الملك. وقيل إنه ملك مائة وعشرون سنة منها في أيام ملوك الطوائف وأرادون الأشغاني خمسا وتسعين سنة يحكم نفسه ثم عمل لاردشير مدة ملكه وكانت مدة ملك أردشير خمس عشر سنة ثم هلك أردشير.
سابور بن أردشير
وملك بعده أبنه سابور بن أردشير الذي يقال له سابور الجنود فأقر عمراً على عمله عشر سنين أو نحوها وهلك عمر في أيام سابور فاستعمل سابور مكانه أمرأ القيس بن عمرو ولم يزل ولد عمرو مع ولد أردشير الأكاسره عمالا لهم الى إن قتل أبرويز بن هرمز بن أنوشروان النعمان الأصغر بن المنذر الأصغر وهو أخرهم.
стр. 73
على إنه تخلل ملكهم ملك غيرهم نادرا لمن كانت الأكاسرة تستعمله من غير بيتهم عند أمور كانت تعرض فتقتضي ذلك فعمرو بن عدي بن نصر وولده ملوك آل نصر قال الأحوص بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة:
وما إن خلتكم من آل نصر ... ملوكاً والملوك لهم علاءُ
ولا العنقاء ثعلبة بن عمرو ... دماء القوم للكلبي شفاء
وقال رجل من بني نهشل:
الا أيهذا المؤتلي إن نهشلا ... عصوا قبل ما آليت ملك بني نصر
وقال مضرس بن ربيعة الأسدي:
لقد كان من نصر وغسان أسوة ... ومن قبل ذلك من ملوك ومن أمم
ثم ملك بعده.
أمرؤ القيس بن عمرو
ابنه أمرؤ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر وهو أمرؤ لبقيس الأول. وروي إنه يقال له البدن وقيل إنه أنما سمي بذلك لعظم خلقه وقيل بل كان لادمانه لبس الدروع والبدن من أسماء الدروع.
امه ماوية بنت عمرو بنت مالك الغساني وهو أول من أقطعته ملوك الفرس منهم وشرفوه وتوجه طالت مدة ملكه أيضاً فقيل إنه ملك
стр. 74
مائة وأربعة عشر سنة لان سابور بن أردشير أستعمله بعد هلاك أبيه عمرو فعمل لسابور بقية أيام ملكه ولستة من ملوك الفرس بعده وهو الذي صنف أهل الحيرة وجعل لهم مراتب أحتذاء بفعل الأكاسرة في ترتيب جنودهم وتصنيفهم وأسمائهم أسماء ما زالوا يعرفون بها في عصره وعصر من بعده من الملوك الى إن أنقرض الملك بالحيرة.
اهل الرفادة
فسمى قوم منهم أهل الرفادة وهم فيما روي أهل بيته الأقربون اليه فبهذا الاسم كانوا يعرفون أهل بيت الملك والعرش والعرافي وهم الذين كانوا يكونون على المقدمة في الحروب المغازي والارداف وهم عرفاء الجنود وزعمؤهم وقوادهم وأزمتهم.
الجمار
والجمار ويقال الجمرات وقيل بل هم قوم من لخم خاصة دون غيرهم سمى منهم بني أريش بن أراش بن جزيلة بن لخم وقيل بل هم من قبائل شتى من لخم وغيرها وسمي منهم بنو سلسلة من جعفي وبنو ماوية من كلب وقوم من بني سلامان بن ثعل بن طي ٣٣.
والصنائع وهم قوم من شذاذ الأحياء وخلعاهم كانوا يصيبون الدماء ويجنون الجنايات على قومهم فيخلعونهم فيلجأون الى الحيرة فيصطنعهم الملك ويجيرهم ويامنون عنده ويشهدون معه حروبه ومغازيه قال زيد
стр. 75
بن الصعق:
تركت أخا النعمان يوسف عاتيا ... وجدعّن أجناد الملوك الصنائعا
وقال جرير:
حمينا يوم ذي نجب حمانا ... وأحرزنا الصنائع والنهابا
وقد قيل الذين كانوا يعرفون بالصنائع بالحيرة من بكر بن وائل ثم من اللهازم من بني عبد القيس وتيم اللات أبني ثعلبة بن عكانة كانوا يصحبون الملوك وكان الأول أشبه بالصحيح.
الوضائع وهم أساورة من الفرس كان كسرى يضعهم عند الملك بالحيرة مددا له مزاحة عللهم فبهم كانت قوة ملوك الحيرة على العرب وبهم كانوا يقهرون أهل الحيرة حتى تستقيم لهم طاعتهم وكانت عدتهم الف أساور وكانت نوبتهم حولا كامل فكلما أنقضا الحول جهز كسرى غيرهم فوضعهم عند الملك بالحيرة وعاد الذين قضوا نوبتهم الى باب كسرى فلذلك سموا الوضائع.
стр. 76
الرهائن
والرهائن وهم غلمان كان الملك بالحيرة ياخذهم رهان من أحياء العرب على الطاعة وعلى إن لا يفسدوا في بلاد كسرى ولا يغيروا على أطرافها وعلى ما كان يجري بينه وبينهم من صلح أو ميثاق على أمر من الامور فيكونون عنده ويصحبونه الى سراياه ومغازيه قال الأعشى في مدح النعمان:
له قبة مضروبة بفنائها ... عتاق الهاري والجياد الصوافن
اذا صرفت أبوابها خضعت لها ... رقاب معد دنيها والرهائن
وقيل إن عدة الرهائن كانت بما بلغت خمس مائة غلام وكانت نوبتهم ستة أشهر ثم يرهن غيرهم وينصرف الذين قضوا نوبتهم الى أهليهم.
العباد
والعباد وهم معظم أهل الحيرة وجلّهم وأشرافهم وأهل البيوتات والعز منهم وهم أصحاب الحيرة ويقال لهم الحيرة الاولى ومن كان بها من غيرهم فإنما كان ضميمة اليهم وأسمهم هذا غلب على أسم من سواهم من أهل الحيرة من أصحاب الاسماء المذكورة وغيرها فاهل الحيرة باسرهم يعرفون بالعباد غلبي هذا الاسم عليهم حتى صار كالنسب لهم وأقتنعوا به عن الانتساب الى عشائرهم وعرفت به أعقابهم من بعدهم في الاسلام.
стр. 77
وأختلف في معنى هذا الاسم وسببه فقيل أنما سموا به لانهم كانوا أهل الفصاحة من النصارى الذين للغتهم فضل على غيرها من السرياني كفضل لغة العرب البادي على لغة من يسكن المدر وبهم كان يقتدي من سواهم من أهل نحلتهم.
وقيل بل سموا بذلك لان شعارهم كان نحن عباد الله وأنشد لبعضهم:
نحن العباد وربنا الرحمن ... وله علينا الطوع والاذعان
وقيل بل نسبوا بذلك الى أب لهم وليس هذا الوجه بشيء لانهم من قبائل شتى من عدنان وقحطان.
وقيل بل كانوا يعبدون صنما لهم يقال له سبد فقيل لهم عباد سبد ولزمهم هذا الاسم قال رجل من بني ربي منم نمارة من لخم جنى جناية في قومه فخلعوه فلجأ الى الحيرة:
أرى سيفي نفاني من دياري ... والجأني الى سبل المخافه
والحقني العباد عباد سبدٍ ... بلا نسب هناك ولا صرفه
وقيل أنهم أنما سموا بهذا الاسم لنهم أول من سكن الحيرة مع عمرو بن عدي وأختطوا بها المنازل وبنوا بها الجدر ودانوا لاردشير بن بابك فسموا بذلك الباد وصارت الدار لهم وكل من جاء بعدهم فأنه أنما لجأ اليهم.
стр. 78
وقد ذكر الطبري هذا الوجه ويقويه أيضاً إنه روي إن
عمرو بن أمرؤ القيس الملك لما ملك أدخل في العباد أهل بيوتات من ربيعة ومضر وأياد لم يكونوا منهم من قليل وهذا مما يدل على إن أسم العباد أنما وقع ٣٤ على من كان بالحيرة أولاً.
الأحلف
والأحلاف وهم قوم لحقوا بالعباد بعد نزولهم الحيرة فحالفوهم وأنضموا اليهم ودخلوا معهم في أمرهم وهم من أحياء كثيرة سمي منهم بني لحيان من بن الحارث بن كعب وقوم من غسان وبنوا مرينا وهم من أشرافهم ونسبهم في جعفى منهم عدي بن أوس بن مرينا الذي كان عدي بن زيد العبادي عند النعمان الأصغر حتى قتله ومنهم قوم من عبد القيس بن أفصى ومن الأوس بن عمرو بن عامر وبنو حيّة من طيء وهم رهط أياس بن قبيصة الذي أستعمله كسرى بالحيرة بعد النعمان الأصغر. ومن حنيفة بن لخم ومن نمير بن عامر وأه بيت من أسيد بن خزيمة يقال لهم بنو شجرة وقيل إنه دخل فيهم قوم من بني قريش من ولد عبد الله الأعرج بن عبد شمس بن عبد مناف يقال لهم بني العميني وقريش تنكر ذلك ويقولون إن عبد الله الأعرج لم يعقب.
وقيل إن أسم الأحلاف بالحيرة كان يجمع قوما من أربعة عشر حياً. ثم جعل أهل الحيرة كلهم ثلاث كتائب تجمع هذه الأسماء كلها وتسمى كل كتيب أسماً لم تزل تعرف به الى آخر أيام ملوك الحيرة.
стр. 79
أحدها دوسر ويقال لها دوسرة وهي كتيبة كانت تجمع فرسانها وشجعانها وذوي النجدة النتخبين منهم.
والشهباء وقيل هي التي كان يكون فيها أهل بيت الملك وأنما سميت بذلك لأنهم كانوا يسمون الأشاهب لجمالهم وصباحتهم وقيل بل هي كتيبة الفرس الذين كانوا يسمون الوضائع سميت بذلك لبياض الوانهم.
الملحاء
والملحاء وقيل إنه سميت بذلك لكثرت لبوس الحديد فيها والأملح ما أشبه لونه الرماد من بياض يشوبه سواد أو سواد يشوبه بياض قال جرير:
ابا مالك مالت برأسك نشوة ... وعردت أذ كبش الكتيبة أملح
وذكر الطبري إنه لم يكن الا كتيبتان: الشهباء ودوسر وقال أنهما معا من الفرس كانت الأكاسرة تقوي ملوك العرب بهما. وكانت هذه الكتائب ربما أجتمعت مع جنود الملك في غزو الحي الواحد من أحياء العرب فقهروا الحي مر وقهرهم مراراً وربما تكافؤا وأحاديثهم في ذلك
стр. 80
مشهورة وأخبارهم مأثورة. وهلك أمرؤ القيس هذا في زمن سابور ذي الأكتاف.
ثم ملك بعده
عمرو بن أمرؤ القيس
ابنه عمرو بن أمرؤ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر وهو عمرو بن عدي بن نصر وهو عمرو الثاني أمه هند بنت كعب بن عمرو بن مالك الغساني وهي بنت خال أبيه وهو الذي أدخل في العباد بيوتات من ربيعة ومضر وأياد لم يكونوا منهم من قبل على ما تقدم ذكره وكان ملكه في زمن سابور ذي الأكتاف وأبنه سابور بن أرشدير المخلوع وقيل إنه ملك ثلاثين سنة.
ثم ملك بعده
أوس بن قلام
اوي بن قلام بن بطينا وقيل بطينان بن جمهر وقيل بن جماهر بن لحيان من بني الحارث بن كعب بن مذحج وقيل إنه من بقايا العمالقة من ولد فاران بن عمرو بن عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح ﵇. وكان ملكه في أيام أردشير المخلوع بن سابور ذي الأكتاف. وروي إن مدة ملكه كانت ثلاث سنين ثم قتله رجل من لخم يقال له جحجبا
стр. 81
بن عتيك. وفي الرواة من زعم إنه لم يكن ملكا وانما كان مستخلفا الى إن يرتأي كسرى فيمن يوليه.
ثم ملك بعده
امرؤ القيس الثاني
ثم ملك بعده أمرؤ القيس بن عمرو بن أمرؤ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر وهو أمرؤ القيس الثاني وقيل أسمه المنذر أمه ماوية البرحة بنت عمرو الغساني أخت ثعلبة بن عمرو. وفي الرواة من زعم إنه هو الذي كان يقال له البدن وهو محرق الأول وقيل إنه سمي بذلك إنه أذا حارب ملكا وضفر به وسم وجهه بالنار ففيه يقول الشاعر:
وسمت وجوه للملوك كريمةً ... وأورثتها ذلا من الخزي باقيا
فكيف أبيت اللعنة خزيا كسوتها ... وكانت وجوه لا تقرب المخازيا
وفيه يقول الأسود بن يعفر:
стр. 82
ماذا أؤمل بعد آل محرقٍ ... تركوا منازلهم وبعد أياد
وكان ملكه زمن أردشير المخلوع بن سابور وفي أيام زجرد الأثيم هلك.
ثم ملك بعده أبنه
النعمان بن أمرؤ القيس
النعمان بن أمرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر أمه الهيجمانة بنت سلول من مراد وقيل من أياد وقيل بل أمه هند بنت زيد مناة بن غسان وقيل بل أمه الشقيقة بنت أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان فلذلك قيل له النعمان بن الشقيقة وكان ولده من بعده أيضا يقال لهم بنو الشقيقة وهو النعمان الاكبر وهو فارس يوم حليمة. كان أعور وهو الذي ساح وترك ملكه. وكان ملكه في أيام يزد جرد الاثيم وبهرام جور بن يزد جرد. وهو الذي أمره يزد جرد لاثيم ببناء الخورنق منزلاً لابنه بهرام جور فبناه له ثم سلمه ليه فتولى حضانته وتربيته وقيل إن يزد جرد الاثيم أنما أخرج ولده بهرام جور الى النعمان وكفله تربيته لانه كان لا يعيش له ولد فوصف له طيب ظهر الحيرة وصحة هوائه وقلة الاسقام والامراض فيه فامر النعمان إن يتولى حضانة بهنام جور وإن يبني له بظهر الحيرة منزلاً فبنى له الخورنق. وقيل إن بانيه كان يسمى
стр. 83
سنمار فلما فرغ منه أعطاه عطاء جزيلاً فقال له لو علمت أيها الملك أن تعطيني هذا العطاء لبنيته لك بنياناً من صفته كذا وكذا فقال كأنك لم تناصح في بنائه وأمر به فالقي من أعلاه على أم رأسه فهلك فقيل في المثل جزاه جزاء سنمار فصارت مثلاً وقال بعضهم:
جزاني جزاه الله شر جزائه ... جزاء سنمار وما كان ذا ذنب
سوى رصه البنيان عشرين حجة ... يعلي عليه بالقراميد والسكب
وقال آخر في رجل عق أباه:
جزا أباه أبا غيلان عن كبر ... ولين عيش كما يجزى سنمار
وقال الكميت بن زيد الاسدي لزيد بن خالد بن عبد الله القسري:
جزاء سنمار جزانا أبن خالد ... بالأتيا من أخريات ومن أول
ولم يزل بهرام جور مقيماً بظهر الحيرة الى إن هلك أبو يزد جرد الاثيم فملكت أفرس بعده رجلاً من أهل بيت الملك يقال له كسرى وعدلوا عن بهرام جور بالملك لسوء سيرة كانت من أبيه يزد جرد الاثيم فيهم فانه كان باغياً عاتياً سفاكاًقيل إنه قتل الناس في الارض حتى بانت القلة فيهم جمع النعمان لبهرام جور جماعة كثيرة من العرب
стр. 84
وسار بهم حتى نزل المدائن فخرج اليه أكابر الفرس وأعتذروا ليه من عدولهم الملك عنه الى غيره بما كان من جور أبيه عليهم وسوء سيرته فيهم فكلمهم بكلام أستدلوا به على عقله وفضله. وقال لهم: أني كنت أشد كراهية منكم لسوء صنيعه وقبح سيرته ولكم علي إن أستدرك جميع فساد كان منه في سنة واحدة فان لم أفعل فاعزلوني وولوا من شئتم. فقالوا: فكيف نصنع بكسرى وقد وليناه؟. فقال لهم فيما ذكره الطبري تجعلون التاج بين أسدين ضاريين فاينا دخل بينهما فاخذه كان الملك له فعرضوا ذلك على كسرى فاجاب اليه ظناً منه إن برهام جور يعجز عنه فلما وضعوا التاج بين الاسدين قال برهام جور لكسرى: دونك التاج فقال: بل أنت تبدأ باخذه لانك الذي أقترحت ذلك. فقام ليأخذه فثار ليه الاسدان فاخذ باذني أحدهما ثم وثب فركبه وضغط جنبيه برجليه فعجز عن الحركة وتناول أذني الاخر بيده الاخرى ودق هامتها واحدة بواحدة حتى شدخهما جميعاً فماتا وأخذ التاج فلبسه وجلس على السرير فكان كسرى أول من قام فحياه بتحية الملك وأستقر ملك فارس عليه وقد أفتخر أبو نواس بما كان مت نصر النعمان لبهرام جور وذكره في قصيدته فقال:
ونحن أذ فارس تدفع به ... رام قسطنا على مرازبها
بالخيل شعثاً على لواحق كالسب ... دان تعطوا الذي مذاهبها
بالصيد من حمير ومن سلفي قح ... طان والفخر في مناسبها
стр. 85
حتى دفعنا اليه مملكتاً ... ينحسر الطرف في مواكبها
وأنصرف النعمان الى الحيرة بعد إن أكرمه بهرام جور وأحسن صلته وزاده على ما كان له لوجوب حقه عليه وموضع تربيته أياه وخدمته ومناصحته ٣٦ له فاقام في ملكه وسكن الخورنق الى إن ساح.
وروي إن السبب كان في سياحته إنه أشرف على الخورنق في يوم من زمان الربيع في عام مخصب غيداق فنظر فاذا الارض كأنها قد كسيت بالثياب الخضر المنقوشه بالوان الزهر ونفحته نفحات من النسيم وقد تأرجت بمرورها على تلك الرياض ونضر الى القرى متسقة والانهار مطردة والنخيل باسقة والاشجار مورقة والانعام رابعة وتأمل مجلسه وملكه فرأى كل منظر حسن أنيق. وجعل لا ينظر الى شيء فيسأل عنه فيقول لمن هذا إلا قيل لك أبيت العنه فقال لاصحابه: هل رأيتم مثل هذا الملك أو أحسن من هذا المنظر؟ وكان فيهم رجل من بقيا الصالحين فقال له: أيها الملك أنك قد سألت أفتأذن في الجواب؟ فقال نعم. قال: أرأيت ما أنت فيه من ملكك هذا الذي قد أعجبك هو شيء لم يزل لك أم أنتقل اليك من غيرك؟ قال: بل صار اليّ بعد إن كان لغيري قال: فإنه كما أنتقل إليك عمن كان قبلك ينتقل عنك الى من يكون بعدك وتبقى مرتهناً بعملك ففكر طويلاً ثم قال: صدقت فكيف المهرب وأين المطلب فقال له: إما أن تقيم في ملكك وتعمل فيه
стр. 86
بطاعة ربك صابراً على ما أمضك وأرمضك وأما أن تضع تاجك وتترك ملكك وتلبس أمساحك وتعبد ربك حتى يأتيك أجلك. قال: فإذا كان السحر فاقرع عليّ بابي مختاراً أحد الامرين فان أخترت ما أنا فيه كنت وزيراً لا تعصى وإن أخترت خلوات الارض كنت رفيقاً لا تخالف. فاتى به في السحر فقرعه فخرج اليه وقد لبس أمساحه فلزما السياحة حتى أتاهما أجلهما فضرب به المثل وبتزهده وتداول الناس ذكره. وقد ذكر ذلك من أمره كثير من الشعراء وأصحاب السير وتداواه الناس أحاديثهم ومن جملة من ذكره في شعره عدي بن زيد العبادي في قصيدته الذي ذكر فيها الملوك حيث يقول:
ايها الشامت المعير بالمو ... ت أأنت المبرأ الموفور
ام لديك العهد الوثيق من الا ... يام بل أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون جاوزت أم من ... ذا عليه من إن يضام خفير
اين كسرى كسرى الملوك أنو ... شروان أم أين قبله سابور؟
وبنو الاصفر الملوك ملوك ال ... الروم لم يبقى منهم مذكور
وأخو الحضر أذ بناه وإذ دج ... لة تجبى إليه والخابور
стр. 87
شاده مرمراً وجلله كل ... ساً فللطير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فباد ال ... ملك عنه فبابه مهجور
وتفكر رب الخورنق إذ أش ... رف يوماً للهدى تفكير
فأرعوى قلبه فقال وما غب ... طة حي الى ممات يصير
ثم أضحوا كأنهم ورق ج ... ف فالموت به الصّبا والدبور
ثم بعد الفلاح والملك والا ... مة وأرتهم هناك القبور
وكانت مدة ملك النعمان الى إن ساح ثلاثين سنة.
وقيل إن الذي أشار عليه بالدخول في النصرانية أسقف كان بالحيرة أسمه شمعون بن حنظلة من بني لحيان من أهل الحيرة والله سبحانه أعلم. وقيل إنه رؤي بعد ذلك وقد نحل جسمه وتخدد لحمه من العبادة حتى صار كالشنة البالية.
стр. 88
ثم ملك بعده
المنذر بن النعمان
أبنه المنذر بن النعمان بن أمرؤ القيس بن عمرو بن أمرؤ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر أمه الفارسية بنت مالك بن المنذر من آل نصر وكان ملكه أربعين سنه في زمن بهرام جور وأبنه يزدجر بن بهرام وأبنه فيروز بن يزدجر جد أنوشروان وفي الناس من زعم إنه هو الذي بنى الخورنق لبهرام وتولى حضانته ولعل الاول أصح والله سبحانه أعلم.
ثم ملك بعده
الاسود بن المنذر
أبنه الاسود بن المنذر بن النعمان بن أمرؤ القيس بن عمر بن أمرؤ القيس بن عمر بن عدي بن نصر أمه الهيجمانه بنت عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان وقيل بل أمه هرة بنت النعمان من آل نصر وقيل إنه ملك عشرين٣٧ سنة وكان ملكه في زمن فيروز بن يزد جرد وبلاش بن فيروز. ثم نقم عليه فسجنه فبقي في سجن الاكاسر عشرين سنة.
ثم ملك بعده
المنذر بن المنذر
اخوه المنذر بن المنذر بن النعمان بن أمرؤ القيس بن عمرو بن أمرؤ
стр. 89
القيس بن عمرو بن عدي بن نصر أمه أم أخيه الاسود وكان ملكه سبعة سنين في زمن قباذ بن فيروز أبي أنوشروان. ثم ملك بعده
النعمان بن الاسود
بن أخيه النعمان بن الاسود بن المنذر بن النعمان بن أمرؤ القيس بن عمرو بن أمرؤ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر أمه أم مالك بنت عمر بن عمر بن حجر الكندي أخي الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار فكان ملكه الربع سنين في زمن قباذ بن فيروز.
ثم ملك بعده
ابو يعفر بن علقمه
ابو يعفر بن علقمه بن مالك بن عدي بن الذميل بن الثواب بن أشرس من بني ربى بن نمارة بن لخم وأرهطه آل الذميل من أشراف العباد في الحيرة ومنهم أبو مليل كان شريفاً في قومه وفيه يقول الشاعر:
اذا جئت العباد تريد خيراً ... فلا تعدل بدار بي مليل
تجده خيرهم حسباً وفضلاً ... وأمثلهم لمستسقٍ بليل
وكانت مدة ملكه ثلاث سنين في زمن قباذ بن فيروز وقد قيل فيه مثل ما قيل في أوس بن قلام إنه لم يكن ملكاً وإنما كان مستخلفاً الى أن يستقر
стр. 90
أمر الملك.
ثم ملك بعده
المنذر بن أمرئ القيس
المنذر بن أمرئ القيس بن النعمان بن أمرئ القيس بن عمرو بن أمرئ القيس بن عدي بن نصر، وهو ذو القرنين ويكنى أبا قابوس ويعرف بالمنذر الاكبر دون من سمى منهم جميعا بالمنذر، أمه ماء السماء النمرية ثم الضحيانية وهي سبية سباها أبوه في بعض غزواته قومها، وكانت بارعة الجمال فقيل هلا ماء السماء وسيأتي ذكر حديثها في هذا الكتاب وقيل له بهذا السبب: المنذر بن ماء السماء. ولما صار الملك اليه خلعه بكر بن وائل لما كان بينهم وبين أبيه من العداوة وأبوا أن يدينوا له، ودعوا الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار الكندي فملكوه عليهم، وحاربوا المنذر، فاستمد المنذر ملك فارس الذي كان وضعه بالحيرة كما جاء في الحديث وهو قُباذ بن فيروز فلم ينجده لاضطراب أمره في تلك الحال بظهور مزدك الخزمي. وقال قوم إن الذي أستمده فلم ينجده أنوشران وذلك خطأ لان أنوشروان كان من أعز ملوك فارس، وأمنعهم جانبا، وأطولهم يدا. وقتل مزدك وصحابه في أيام أبيه ثم في أيامه حتى أفناهم وأستأصلهم. والاصح إن ذلك كان في أيام قباذ فإنه كان ضعيفاً، فلما تأخر المدد عن المنذر خرج
стр. 91
عن الحيرة فاشار عليه سفيان بن مجاشع بن دارم بأن يخطب الى الحارث أبنته ويصاهره ويستكفه، فقال: ليس بفاعل ومن لي بذاك؟ فقال سفيان: أنا فلحق بالحارث فخطب أبنته هند للمنذر فزوجه، وأنصرف عن بلاده وعاد المنذر الى الحيرة وأفتخر الفرزدق بذلك:
مّنا الذي جمع الملوك وبينهم ... حربٌ يشب سعيرها بضرام
فأبت الرواة أن تسمى الحارث في ملوك العراق وملوك العرب لما كان من تغلبه على الحيرة وعلى مملكة المنذر. وقالوا: أنما كان سياراً في الارض غوارا على الاحياء لم يقطن بالحيرة، ولا دانت له العرب، وولدت هند للمنذر بنيه الثلاثة: عمراً ملك بعد أبيه ولا يعرف الا بعمرو بن هند، وقابوس ملك بعد أخيه عمرو، والمنذر بن المنذر ملك بعد أخيه قابوس، وهو المنذر الاصغر أبن المنذر الاكبر، ثم إن المنذر أتى أمامه بنت فلان بن الحارث أخي هند فاعجبته فتزوجها على عمتها هند وقال في ذلك:
كبرت وأدركت بنات أخٍ لها ... فأزلن أمتها بركض معجل
وولدت له أمامه أبناً فسماه عمراً أيضاً، فكان يعرف بعمرو بن أمامة كما يعرف أخوه بعمرو بن هند ثم أن بكر بن وائل بعد أنصراف الحارث ملكوا عليهم حارثة بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان وتوجوه وحيوه بتحية
стр. 92
الملوك، ولم تزل بينهم وبين المنذر الى أن ظهر عليهم بأوارة، فهزمهم وأسر منهم أسرى كثيرة فاقسم ليذبحهم برأس الجبل حتى يبلغ الدم الحضيض وكان ذلك في يوم شديد البرد، فذبح منهم رجالاً فجمدت دماؤهم، فقال مالك وكان ٣٨ بن عامر بن كعب بن سعد بن ضبيعة بن عجل، وكان رضيعه، أنك لو ذبحت الناس جميعاً في هذا اليوم لم يبلغ الدم الحضيض. قال: فما أصنع أصنع أفسد أهلي ومالي؟ قال: لا ولكن أهرق الماء على هذه الدماء ففعل فبلغ الدم الحضيض وسمي مالك بن عامر بهذا القول الوضاف، وسمي ذلك اليوم يوم الوضاف وأنهزم حارثة فدخل على هند بنت الحارث أمرأة المنذر، وكانت أمها من بكر بن وائل فكلمته فيه وقالت هو خالي فضرب عليه قبة فلما جنه الليل أمر بقتله، فسألها أن تستأحله ثلاثاً ليشتري أسرى قومه ففعل، فاشترى حارثة أسرى قومه، وأطلقهم وسباياهم فارسلهن. ثم إن المنذر دعا الكيس النمري فقال له أدخل على حارثة فاقتله، فقال: فلم سمتني أمي أنا الكيس أذاً إن حملت دماء بني شيبان، ولكن عليك بالانواك الشجاع قيس بن زهير بن عقبه بن هلال النمري، دعاه المنذر فأمره بقتل حارثة فقتله، وفي رواية أخرى إن الذي أمر بقتل حارثة عمرو بن المنذر الذي هو عمرو بن هند، وأستشهدوا على ذلك بقول
стр. 93
الكيس النمري:
دعا لخبائه عمرو بن هند ... لأضرب رأس حارث بن عمرو
فقاتُ له عليك بمرتقن ... ولوغ في دماء سراة بكر
فيكفينه قيس بني زهير ... ورحت ولم أبؤ منه بوترِ
وزعم آخرون إن الذي قتل حارثة، عمرو بن كلثوم بن عتاب بن سعد التغلبي وأستشهدوا على ذلك بقول رجل من تغلب:
واسأل بحارثة بن عمرو أذ ثوى ... بالقاع بين سنابك وحوامي
وضرب أبن عتاب بن سعد رأسه ... بأفل ماضي الشفرتين حسام
ثم إن المنذر غزا الحارث الاعرج بن أبي شمر الغساني ملك الشام،
стр. 94
وهو الذي يقال له الحارث الوهاب، وكان فيمن معه شمر بن عمرو الحنفي ثم السحيمي من رهط هوذه بن علي وكانت أم شمر غسانية فلما دنا المنذر من الشام خرج في عسكره فلحق بالحارث فانذر بالمنذر وقال له: قد أتاك في جمع كثير من طمعة الاعراب فضم اليهم مائة رجل ممن يثق به من أصحابه ذوي شجاعة وأقدام وأمر بنته حليمة فالبسته الاكفان وقلانس الاضريح فسمى ذلك اليوم يوم حليمة قال الحارث لشبر بن عمرو الحنفي: أعلمه أنا معطوه كل ما يريد منا فلينصرف عنا ثم أطلب غرته فافتك به فخرج ومعه القوم حتى أتى المنذر فقال له ما قاله الحارث فسكن الى قومه ثم إنه غفل بعض الغفلة فشد عليه فضربه على دماغه فمات مكانه وثار أصحابه المائة بمن كان حول المنذر فقتلوا منهم رجلاً ونهبوا ما كان في قبته وأنهزم عسكره ففي ذلك يقوا أوس بن حجر:
نبئت إن بني صحيمٍ أدخلوا ... ابياتهم تامور نفسل المنذرُ
стр. 95
ذكر أبن قتيبة في بعض كتبه إن لبيد بن ربيعه الجعفري الشاعر كان من جملة المائة الذين بعثهم الحارث الاعرج يومئذ بل زعم إنه كان أميرهم ولعمري إن لبيداً عمر عمراً طويلا الا إن هذا القول بعيد من الصحيح لان لبيد بن ربيعة رجز بالربيع بن زياد العبسي عند النعمان بن المنذر الاصغر رجزه المشهور الذي يقول فيه: " مهلاً أبيت اللعنَ لا تأكل معه " وهو غلام خماسي أو سداسي حين دخل عليه مع أعمامه فكيف يكون في أيام المنذر الاصغر غلاماً يافعاً ويكون في أيام المنذر الاكبر وهو جد النعمان بحيث يشهد مثل هذه الحرب وهذا الفتك وذلك خطأ من قائله ولبيد الذي كان في المائة المذكورين هو لبيد أبن أخي الحارث الاعرج الملك الغساني وهو الذي قبل حليمة بنت الملك حين طيبته مع الفتيان يومئذ فشكته الى أبيها فقال: أسكتي فأني أراه سيبلى غداً بلاء حسناً وإنه سيقتل فإن سلم زوجتك به فهو كفؤك فسلم فزوجه بها ولعل لمواطأ الاسميم ظنه الظان لبيد بن ربيعة الجعفري والذي كان من رجز لبيد بن ربيعه في حال صغر سنه عند النعمان بن الربيع فما لا خلف فيه وحكم أحاديث أبن قتيبة عند أهل العلم وطعنهم فيها معلوم. وقال أبو عبيدة ذلك اليوم هو الذي عناه النابغة
стр. 96
بقوله: ٣٩
تخيرن من أزمان يوم حليمة ... الى اليوم قد جربن كل التجارب
وكانت مدة ملك المنذر الى إن قتل تسعاً وأربعين سنة في أيام قباذ بن فيروز وأنوشرون بن قباذ.
ثم ملك بعده
عمرو بن المنذر
ابنه عمرو بن المنذر بن أمرئ القيس بن عمرو بن أمرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر أمه هند بنت الحارث بن عمرو بن حجر الكندي أكل المرار وبها كان يعرف أبداً يقال عمر بن هند كما غلب على أبيه أسم أمه فقيل المنذر بن ماء السماء وقد عيره طرفة بن العبد البكري بذلك فقال:
انت أبن هند فخبر من أبوك أذا ... لا يصلح الملك الا كل بذاخ
وهي أبيات هجاه بها سيأتي ذكرها من بعد في هذا الكتاب وكان يكنى بابي المنذر وله يقول طرفة أيضاً:
ابا منذر جازيت بالود سخطةً ... فماذا جزاء المبغض المتبغض
стр. 97
ويكنا بابي هند أيضاً وله يقول عمرو بن كلثوم التغلبي:
ابا هند فلا تعجل علينا ... وأنضرنا نخبرك اليقينا
بانا نورد الرايات بيضاً ... ونصدرهن حمراً قد روينا
وأيام لنا ولكم طوال ... عصينا أملك فيها إن ندينا
باي مشيئة عمرو بن هند ... نكون لخلفكم فيها قطينا
وفي رواية: " تطيع بنا الوشاة وتزدرينا " وقال بعض الرواة: إن هذه الابيات وأمثالها مما فيه غميزة وطعن على عمرو بن هند الحقها عمرو أبن كلثوم في القصيدة بعد قتله أياه وإنه كان أنشده القصيدة في حال حياته وملكه وهي مقتصرة على الافتخار لا غير حتى أنتهى الى قوله:
فكنا الأيمنين أذا التقينا ... وكان الايسرين بنو أبينا
فصالوا صولةً فيمن يليهم ... وصلنا صولهٌ في من يلينا
стр. 98
فآبوا بالنهاب وبالسبايا ... وأبانا بالملوك مصفدينا
فقال مازلت منصفا في شعرك حتى أستأثرت على بني أبيك باليمين دون الشمال وبأسار الملوك دون السبايا والنهاب ولعل الصحيح ما قالوا في هذا الوجه.
وكان عمرو بن هند شريرا حقودا وكانت العرب تسميه مضرط الحجارة لهيبته وتسميه محرقا أيضا وهو محرق الثاني وأنما سمي بذلك لأن أخاه أسعد بن المنذر كان مستعرضا في بني دارم عند زرارة بن عدس أستعرضه عنده أبوه وولاه تربيته وحضانته وفي ذلك يقول أبو نواس مفتخرا ببني قحطان على بني عدنان:
اذا ما تميمي أتاك مفاخرا ... فقل عد عن ذا كيف أكلك للضب
تفاخرنا جهلا بظئرِ بنينا ... ألا إنّما وجه التميميِّ من هضب
فلما أيقع أسعد قتله سويد بن ربيعة بن زيد بن عبد الله بن دارم، وسيأتي ذكر مقتله فأقسم عمرو بن هند - هذا الملك - لقيتلين به منهم مائة ولم يزل يطلبهم حتى ظفر بهم بأوارة فقتل منهم مائة ففي ذلك يقول جرير للفرزدق:
اين الذين بسيفِ عمرٍو قُتِلوا ... ام أيَنْ أسعدَ فيكمْ المُسْترضعُ
стр. 99
وقيل بل حرقهم تحريقا، وسيأتي ذكر ما روي في تحريقهم مستوفِيً في موضعه من هذا الكتاب. وعنده كانت حكومة بكر وتغلب يوم قام الحارث بن حلزة اليشكري مغضبا فارتجل قصيدته التي أولها:
آذنتنا ببينها أسماءُ ... رُبَّ ثاوٍ يَمَلُّ منه الثَّواءُ
ويقول فيها:
ايها النّاطق المُرقّشُ عنا ... عند عمرو وما بذاكَ خَفاءُ
ارتجالا في المجلس، وقيل إنه كان يومئذ شيخاَ كبير. فاعتمد على سيّة قوسه فنضمت كفه، وهو لا يحس بذلك لغضبه، وشدة حميته، وروي إنه كان أبرص، وكان عمرو بن هند يكره النظر الى الأبرص، فبسط دونه ملاءة الى إن فرغ من أنشاده.
وقيل إن هذه الحكومة كانت يومئذ بين الحيين في غلام أسمه مريء، أدعاه رجل من بكر يقال له النعمان بن شريك، وقال إن أمه أخذت مني وهي حامل به. وأدعاه رجل من تغلب يقال له معد، وقال هو أبني ولد على فراشي.
وقيل بل كنت الحكومة ٤٠ بين الحيين في الرهائن لأن الملك كان أصلح
стр. 100
بين الحيين على أن لا يغزو بعضهم بعضاً، وأخذ من هؤلاء أربعين غلاماً، ومن هؤلاء أربعين غلاماً رهائن على ذلك، فكانوا عنده يصحبونه في أسفاره وحروبه، فأصابهم في بعض الطرقات سموم، فمات التغلبيون جميعاً، فطالبت تغلب بكراً بَعَقلِهم، وقالوا: إنما رهناّهم على صلحكم، وقيل بل نزل الملك بحيٍّ من بكر فضافهم، والغلمان معه، فقروهم فمات التغلبيون، فاتهمت تغلب بكراً أنهم سموهم، فطالبوهم بعقلهم، ففي ذلك كانت الحكومة بين الحيين عنده، ويومئذ أنشده المرقش قوله:
فنحن أخوالك عمرك الله ... والخال له معاظمٌو حُرَمُ
يعني أن ماء السماء أبنة عوف جدته لأبيه منهم.
وخالف بعض الروات في ذلك، وذكر أن المرقشين معاً كانا قبل عصر عمرو بن هند بدهر طويل، وأنهما ممن شهد حرب الناب بين أبني وائل، وهو صاحب طرفه بن العبد البكري والمتلمس الضبعي، وأسمه جرير بن عبد المسيح، كتب أهما كتابين يأمر فيهما بقتلهما وأوهمهما إنه كتب لهما
стр. 101
بصلة، وكان كتاب طرفه الى الربيع بن حوثرة العبدي عامله بالبحرين، وكتاب المتلمس الى المعكبر مرزبان من الفرس كان يكتف جنات العرب، فيجعل أيديهم تحت أرجلهم، ويضم أرجلهم إلى صدورهم، وكانوا يسمون ذلك العكبرة فسموه المعكبر.
فروى عن المتلمس أنه قال: خرجت أنا وطرفه من الحيرة من عند الملك فلما هبطت أيدي ركابنا النَّجَف، إذا أنا بشيخ قاعد يتبرز ويقصع القمل، وبيده كسرة يأكل منها، فقلت له: ما رأيت قط شيخاً أحمق منك! أتفعل هذا؟ فقال: وما الذي أنكرت من فعلي؟ أُدخل طيباً وأخرج خبيثاً، وأقتل عدواً، وإنما الآحمق حامل حتفه بيمينه وهو لا يدري ما فيه. فكأنني كنت نائماً فأيقظني، وإذا أنا بغلام من أهل الحيرة من العباد يسقي حرثاً له فقلت له: يا فتى أتقرأ؟ فقال نعم، فناولته الكتاب فقرأه، فإذا فيه: باسمك اللهم، من عمرو بن المنذر الملك الى المكعبر إذا أتاك كتابي هذا مع المتلمس، فاقطع يديه ورجليه وأفنه حياً، فألقى المتلمس الكتاب في النهر وقال:
قَذًفُت بها في الثنى من كفِّكافرٍ ... كذلك أقنو كِّل قَطٍّ مٌضَللِ
стр. 102
رضيت لها رأيت مدارها ... يجول به التيار في كل جدول
وهي أبيات وعاد إلى طرفة فأخبره وحذره وقال له: ويحك أنظر ما في صحيفتك. فقال ما كان يجترئ على قومي. وتم إلى الربيع بن حوثرة وكان له صديقا، فلما نظر في الصحيفة قال: إن فيها قتلك فلا تصبح عندي، فانك إن أصبحت عندي لم يمكني إلا قتلك، فاتهمه وقال: إنما تريد أن تغلني صلة الملك، وأبى أن يذهب، فلما قدمه للقتل، قال له: إن كنت فاعلاً فاسقني الخمرة حتى تغلب علي، وأفصد أكحلي ففعل ذلك به فهلك وبلغ الملتمس أمره فقال:
من مبلغ الشعراء عن أخويهم ... خبراً فتصدقهم بذلك الانفس
أودي الذي علق الصحيفة منهما ... ونجا حذار حياته الملتمس
стр. 103
ألتقى صحيفته ونجت كورة ... عنس مداخله الفقارة عرمس
الق الصحيفة لا أبالك إنه ... يخشى عليك من الحباء النقرس
ثم إن الربيع بن جوثرة ساق عقل طرفه إلى رهطه، وكانوا يعرفون ببني قلابة مع صاحب له، يقال له: معضد، فسلمها الى معبد أخي طرفة فقال الملتمس في ذلك:
أبني قلابة لم تكن عاداتكم ... أخذ الدنية قبل خطة معضد
لن تغسل السؤات عن أحسابكم ... نعم الخواثر إذ تساق لمعبد
وبلغ الملك سلامة الملتمس فغاظه ذلك، وطلبه فهرب الى الشام،
стр. 104
فحالف لا أكل الملتمس من حب العراق مدة حياته، فقال، الملتمس:
آليت حب العراق الدهر أطعمه ... والحب يأكله بالقرية السوس
لم تدر بصرى بما آليت من قسم ... ولا دمشق أذا ديس الكداديس
حنت الى النخلة القصوى فقلت لها ... بسل عليك إلا تلك الدهاريس
إن تسلكي سبل البوباة منجدة ... ما عاش عمرو وما عمرت قابوس
وقيل إن نذهب الملتمس كان إليه إنه بلغته عنه أنه هجاه فلما هرب منه إلى الشام جعل يهجوه بهجاء كثير موجود في شعره منه يقول:
٤١
- اطردتني حذر الهجاء ولا ... واللات والانصاب لا تئل
стр. 105
ورهنتني هنداً وعرضُكَ في ... صُحف تلوحُ كأنها خَلَلُ
شر الملوك وشرهم حسباً ... في الناس من علموا وومن جهلوا
الغدر والآفات شيمته ... فاقهم فعرقوبُ له مثل
بئس الفحولة حين حدثهم ... عرك الهجان وبئس ما بخلوا
أعني الخؤولة والعمومة فهم ... كالطين ليس لبيته حول
الطين ما جاء به السيل من حضب ضعيف أذا عمل سترة البيت لم يكن لها قوة ولا بقاء.
اما طرفة فاختلف في سبب موجدته عليه.
فقيل إنه كان فيمن خرج عليه مع أخيه عمرو المعروف بعمرو بن أمامه، وقيل بل كان هجاه بهجاءٍ منه قوله:
ابا الجرامق ترجو أن تدين لكم ... يا أبن الشديخ ضباعاً بين أجباخِ
الجبخ الموضع الذي يعمل فيه النحل العسل من الجبل.
انت أبن هند فاخبر من أبوك أذا ... لا يصلح الملك الا كل بذاخ
стр. 106
ان قلت نصر فنصر كان شرهم ... قدماص وأبيضهم سربال طباخ
ما في المعالي لكم ظل ولا ورق ... وفي المخازي لكم أسناخ أسناخِ
إن ذكر المجد لم يذكر قديمكم ... او ذكر اللؤم فضلتم باشياخ
ومنه قوله أيضاً
ابى القلب أن يهوى السدير وأهله ... وإن قيل عيش بالسدير غزيرُ
стр. 107
به البَقُ والحُمى وأسدٌ خفيةٌ ... وعمرو بن هندٍ يعتدي ويجور
وزعم أبن قتيبة إن هذين البيتين لسويد بن حذاق العبدي وليس ذلك بشيء، والصحيح إنهما لطرفة لان عمرو بن هند كان قد ضمه الى أخيه قابوس فكان يركب لركوبه، وينزل لنزوله، وكان قابوس يتصيد يوماً ويشرب يوماً، فكان يكد طرفة يوم صيده نهاره أجمع في الركض وطلب الصيد، فإذا كان يوم شربه أتى به، فلم يأذن له فيقف ببابه عامة نهاره لا يحضر له طعاماً، ولا شراباً، فهجاهما معاً فقال:
ليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثاً حول قبتنا تدور
من الزّمرات أسبل قادامها ... وضرتها مركنةٌ درور
يشاركنا لنا رخلان فيها ... وتعلوها الكباش فلا تثور
стр. 108
لعمرك إن قابوس بن هندٍ ... يخالط ملكه نوك كثير
قسمت الدهر في زمن رخي ... كذاك الدهر يقصد أو يجور
لنا يوم وللكروان يوم ... تطير البائسات ولا نطير
فأما يومهن فيوم بؤسٍ ... تطاردهن بالجدب الصقور
وأما يومنا فنظل ركباً ... وفوقاً لا نحل ولا نسير
وهجاهما بغير ذلك من الشعر، فخرج عمرو بن هند يوما يتصيد في نفر من أصحابه فيهم عبد عمرو بن بشر بن مرثد بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة البكري، فأصابوا طريدة، فنزلوا يجمعون ليشتووا منها، فنظر الملك الى كشح عبد عمرو بن بشر من خرق كان بقميصه، فقال ما كذب عليك طرفة حيث يقول:
ولا خير فيه غير أنّ له غنىً ... وإن له كشحاً إذا قام أهضما
стр. 109
فقال له عبد عمرو: فإن الذي قال فيك أقبح، قال وما قال فأنشده الأبيات: " ليت لنا مكان الملك عمرو " حتى أتى على آخرها، فقال هذا لعب الصبيان ولم يره أن ذلك أثر عنده ولا أنه أكترث به، وكانت خرنق بنت هفان أخت طرفة لأمه عند عبد عمرو، فكانت فاركاً له فهجته بأبيات في هذا المعنى منها قولها:
ألم تر موروكاً وشى بابن عمه ... لينضجه في حمي قدرٍ وما يدري
وقال طرفة في عبد عمرو:
فيا عجبا من عبد عمرو وبغيهِ ... لقد رام ظلمي عبد عمرو فأنعما
ولم يبلغ طرفة عن عمرو بن هند ما يوحشه، فأتاه على عادته فلم ير عنده ما يكره إلى أن كتب له الصحيفة.
وروي في سبب موجدته عليه وآخر، قيل إنه كان ينادمه وكان جميلا ظريفا حدث ٤٢ السن فهويته أخته فلانة أبنة المنذر وهويها، فلما كان في بعض الأيام جلس معه على شرابه، فأشرفت على المجالس تنظر إلى طرفه، فلما كان الجام بيده لاح له وجهها وشنفاها في صفاء الخمرة
стр. 110
فطمح ببصره فرآها فقال:
ألا أيها الريم الذي تلمع شنفاه ... فلولا الملك الجالس قد الثمني فاه
ويكرر ذلك والملك لا يعلم معنى قوله ولا ما يريد به، وظنه شعرا يشدو به على عادة الشرب، الى أن أخذ الجام بيده فلاح له ما لاح لطرفة فطمح بنظره فرآها، فأطرق ولم ير طرفة أنه علم بمراده، ولا فطن لمعنى قوله وأنساه ذلك ثم كتب له الصحيفة الى الربيع بن حوثره وقتله. وكان ملك عمرو بن هند في زمن أنوشروان وقيل إن مدة ملكه كانت ست عشرة سنة ثم قتله عمرو بن كلثوم بن عتاب التغلبي وسياتي ذك مقتله.
ثم ملك بعده
قابوس بن المنذر
اخوه قابوس بن المنذر بن أمرئ القيس بن النعمان بن أمرئ القيس عمرو بن أمرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر أمه هند بنت الحارث أم أخيه عمرو وكان يقال له قينة العرس للين كان فيه ولم يكن بمخنث وكان ملكه في زمن أنشروان أيضاً.
следующие страницы →