Полный текст (499 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وكان سبب ذلك أن النعمان الملك جهز لطيمة الى عكاظ، وجعل خفيرها قرة بن هبيرة القشري، يخفرها على من ليس في دينه من العرب، ووافق ذلك هرب النعمان من كسرى، فاحتوى قرة على اللطيمة فأكلها فقالت عقيل لقشير: إنا لا نأمن عقبي جنايتكم، فأعطونا بعض ما أخذتم فأبوا عليهم وكادوا أن يحتربوا، ثم تراضوا بحكم من بني أم البنين، فأتفقوا على الرضا بمعاوية فأصلح بين الحيين وقال:
رأبت الصدع من كعب وكانت ... من الشنار قد رعيت كلابا
سبقت بها قدامة أو سميرا ... ولو دعيا الى مثلي أجابا
سأحملها ويعقلها عني ... واورث مجدها أبدا كلابا
اعود مثلها الحكام بعدي ... إذا ما الحق في الاشياع ثابا
؟؟؟
شعراء العرب
وقالوا الشعراء في الجاهلية ثلاثة: أمرؤ القيس بن حجر الكندي، والنابغة الذبيان، وزهير بن أبي سلمى المزني. فقالت ربيعة وطرفة بن العبد البكري جعلوه لهم رابعاً، وفضلوا أمرأ القيس على الكل، وقالوا لم
стр. 142
يكن الشعر شيئاً حتى شرحه، فحيا الطلل وعفى الديار، ومحاها بالرياح والامطار، ووصف المطر والسيل، وشبب النساء وشبههن بالتماثيل والدمى والبيض والظباء، وشبه ريقهن بالخمر، وشعورهن بالكرم، وأعجازهن بالرمل، ووجوههن بالمصابيح وعيونهن بعيون البقر، وأغتدى للصيد واللعب وشبه قلوب الطير ورطبها بالعناب، ويابسها بالخشف، وعيون البقر بالجزع ٥١ وشبه الفرس بالهراوة، والظبي والخذروف والاجدل والجلمود والناقة بالنعامة، ووصف الكلب والثور والعانة ووردها، والقوس والوتر والنبل، وشبه الليل بالجبال، ووقف في الديار، وأستوف وبكى المنازل والدمن، وذكر الرماد والاثافي، والوان الوحش وعزى صحبه وعزوه ومدح وهجا، وكان أذا قال شيئاً لا يخطيء، ففتح للشعراء أبواب الشعر، فهم عيال عليه، فجعلوا أولئك الشعراء الذين سموهم معه في طبقته ثم خصوه دونهم بفضائل الشعر كلها، فلم يتركوا لهم معه فيها نصيباً فادخلوهم معه بغير حجة، وأخرجوهم بحجج عدة، وقد كان الاولى الا يجعلوهم في طبقته لما علموا بأنه برز عليهم هذا التبريز.
فدية العرب
وقالوا أكثر العرب فدية ثلاث: حاجب بن زرارة الدارمي وبسطام بن قيس الشيباني الفارس، وجيش بن دلف الضبي.
стр. 143
مفاخر العرب
وقالوا مفاخر العرب ثلاث: قصيدة الحارث بن حلزة اليشكري التي أولها: " اذنتنا ببينها أسماء " وقصيدة عمرو بن كلثوم التغلبي والتي أولها: " الا هبي بصحنك فاصبحينا " وقصيدة طرفة بن العبد والتي أولها: " لخولة أطلال ببرقة ثمهد "
عقماء العرب
وقالوا عقماء العرب ثلاثة: عبد الله بن جدعان التميمي، وكلده الثقفي الذي يزعم الناس إن الحارث أبنه وببسطام بن قيس الشيبني الفارس، وقالوا أخرون: وعامر بن الطفيل العامري الفارس. ويكنا أبا علي أيضاً، كان أعور عقيماً، وقال أخرون وجذيمة الأبرش الملك كان عقيما، وعصر جذيمة قبل هؤلاء بما يعلمه الله تعلى فبدأوا في ذكر العقماء بعبد الله بن جذعان التميمي، وقد ذكر في بعض الروايات إنه أعقب أبا ملكة بن عبد الله وذكر لجذيمة الأبرش أيضاً.
اقارع العرب
وقالوا أقارع العرب ثلاثة: قريع بن عوف بن كعب بن زيد بن منآة
стр. 144
أبن تميم، وقريع بن معاوية بن حنظلة بن جذيمة بن عوف، وقريع هو ثعلبة بن معاوية بن ثعلبة بن جذيمة بن عوف، فقال أخرون، وقريع بن الحارث بن نمير بن عامر بن صعصعه.
الرادون على المستغيث
وقالوا إن الرادون على من أستغاث بهم في الجاهلية ثلاثة: مخارق بن شهاب المازني، أخذت بكر بن وائل أبن المكعبر الضبي، فاستغاث بمخارق وأستنجده، وأنزل له منازل الجيش، وقدر له مسيرهم، فالحقهم بقومه، فاستنقذ الأبل منهم، فردها عليه، فقال أبن المكعير:
لولا الإله ولولا سعي طالبها ... وأبنا شهاب عفا آثارها المورا
أوصى شهاب بنيه حين فارقهم ... الاّ يكونوا كمن تطوى له العير
وقال أيضاً:
فهلا سعيتم سعى عصبة مازن ... وهل كفؤان في الفعال سواء
стр. 145
لهم أذرع بادٍ نواشر لحمها ... وبعض الرجال في الحروب غثاء
كأن دنانيراً على قسماتهم ... وإن كان قد شف الوجوه لقاء
وزيد الفوارس بن حصين بن ضرار الضبي، أغارت بنو ضبة على إبل سبيع بن أخطيم التميمي، فاستنجد سبيع زيداً، فركب في قومه فردها فقال سبيع:
إن أبن آل ضرار يوم ندبه ... زيدا سعى لي سعياً غير مكفور
ساءلت عليه شعاب حين دعا ... انصاره بوجوهٍ كالدنانير
إيه فدى لكم أمي وما ولدت ... فالحمد يبقى وزاد القوم في حور
والحارث بن ظالم المرى مرة غطفان، كان عياض بن ديهث أحد بني عمرو بن سعد بن زيد مناة بن تميم، مجاورا في غطفان، فأغارت بنو مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان على ماله، فأتى أعلاق الحارث بن ظالم - وهي الآلات التي يستقى بها الماء - فأعلق دلوه بها،
стр. 146
ونادى يا جارتاه، يا جارتاه فقال له الحارث: ويلك! ومتى كنت جاري؟ فقال هذا دلوي قد علقت معلقها " وصر الجندب "، فقال: ويلك أنهم قومي، فقل قولا أجد به طريقاً للرد عليك فقال:
اصبح جارات بني يربوع ... جوثما كالحدأ الوقوع
٥٢ " - يعدلن بين حرب وجوع "
وبنو يربوع رهط الحارث بن ظالم، فقام الحارث فقال:
أنا أبو ليلى وسيفي المعلوب ... كم قد أغثت من حريب مكروب
الملعوب: الذي قد كسر وضبب. فلم يزل حتى رد عليه، وفي ذلك يقول الفرزدق:
لعمري لقد أوفى وزاد وفاؤه ... على كل جارٍ آل المهلب
على الحارث المنحى عياض بن ديهث ... وهجمته كالمغنم المتنهب
стр. 147
فقام أبو ليلى إليه بسيفه ... وكان متى ما يسلل السيف يضرب
وما كان جارا غير دلوٍ تعلقت ... بأعلاق حبل محكم العقد مكرب
الوافيات من العرب
وقالوا الوافيات من العرب ثلاث: جماعة بنت عوف بن محلم الشيباني، وفكيهة أمرأة من بكر بن وائل أيضاً، وثم من قيس بن ثعلبه، وأم جميل الدوسية من رهط أبي هريرة صاحب النبي (.
اما جماعة فأن مروان بن زمباع العبسي أغار على أبل عمر بن هند الملك مصرت الحجارة فتبعه الملك فدخل قبة جماعة فاستجارها فنادت قومها فاجتمعوا وجاء الملك وطلبه فقالوا إن جماعة قد أستجارته فقال أني قد آليت أن لا أقلع حتى يضع يده في يدي فقال أبوها عوف بن محلم تضع يده في يدك وتضع يدك في يدي فتكون أيها الملك قد أبررت قسمك بذلك وتكون قد وفينا بجوارنا ففعل.
стр. 148
فروي إنه لهذا السبب قيل في المثل السائر " لا حر بوادي عوف ". وزعمت بكر بن وائل أن الملك هو قالها يومئذ فذهبت مثلا.
وما فكيهه فان سليك بن سلكة السعدي غزا بكر بن وائل فلم يجد غفلة ورأوا أثره فرصدوه حتى قام قائم الظهيرة وورد الماء فشرب حتى أرتوى فصب على وجهه فشدوا عليه وهاجوا به وهد أثقله بطنه فغدا حتى ولج قبة فكيهه فستجارها فادخلته تحت درعها وجاءوا وأستنزعوا خمارها فنادت في أخوتها وولدها فجاءوا فمنعوه فقال فيهم:
لعمرو أبيك والانباء تنمي ... لنعم الجار أخت بني عوارا
من الخفرات لم تفضح أخاها ... ولم ترفع لوالدها ستارا
وأما أم جميل الدوسية فان هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي قتل أبا أزيهر الزهراني من أزد شنؤه فبلغ ذلك قومه بالسراة وعندهم ضرار بن الخطاب بن مرداس القرشي ثم الفهري فوثبوا به يقتلوه فدخل بيت أم جميل وضربه رجل منهم بالسيف فاصاب ذبابه باب البيت وقامت دونه ونادت في قومها فجاءوا فمنعوه فلما قام عمر بن الخطاب أتته بالمدينة فذكرت له أنها أجارت أخاه لمكان الاسم فغلطها الحاضرون
стр. 149
فقال دعوها دعوها أني لاضنها التي جارت ضرار بن الخطاب ثم أستشرح منها الامر فاخبرته فقال: أني لست أخاه الا في الاسلام فهو غاز وقد عرفنا منتك وأعطاها على أنها بنت سبيل.
ذكر السبب في قتل أبي أزيهر
وهو أبو أزيهر بن أنيس بن الجيسق بن كعب بن الحارث بن الغطريف الازدي ثم الزهراني ثم أحد بني دوس بن عدثان بن عبد الله بن زهران وكان أبو سفيان بن حرب تزوج أبنته عاتكه بنت البي أزيهر فولدت له عنبساً ومحمداً وعنبسه هو الذي عاتب أخاه معاوية لما ولاه الطائف ثم عزله باخيه عتبة فصار اليه عنبسه فعاتبه فقال له: يا عنبسه إن عتبه ولدته هند فقال عنبسه:
كنا كصخر لا يفرق بيننا ... فصارت أراها فرقت بيننا هند
فعاتبه معاوية وارضاه وتزوج الوليد بن المغيرة المخزومي بنتا لابي أزيهر أيضاً وطلب اليه مراراً إن يهديها اليه فلواه بذلك وما طله وكان الوليد بن المغيرة أحد المستهزئين من قريش الذين روي إن جبريل ﵇ أشار الى عضو من أعضاء كل واحد منهم فهلك به.
стр. 150
وروي إن الاسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة كان أحدهم فحنى جبريل ظهره والنبي (يراه. وقال يا جبريل خالي فقال: دعه عنك. وأبو عبد يغوث بن وهب روي والله سبحانه ٥٣ أعلم إنه الظالم الذي يعض على يده هكذا وجدت في رواية فسبحان من لا يعلم تأويله الا هو. وأشار جبريل ﵇ فيما أشار الى غير الوليد بن المغيرة فمر الوليد برجل من خزاعة ثم من بني هنية بن عدي بن سلول بن كعب بن عمرو بن لحي يكنى أبا قصاف وهو يبري القداح فطارت براية من قدح كان بيده فاصابت عين الوليد فلما كان الليل أنفجر دمه منها فبرق فقالت أبنته: لقد أنحل وكاء القربه فقال: بل هو دم أبيك ودعا ولده فاوصاه اليهم فقال: أقتلوا أبي خزاعه وإن لم يكونوا أرادوا قتلي ولكن لئلا تعيركم العرب وأقتلوا أبا أزيهر فانه زوجني أبنته ثم لم يهدها الي ولو كان فعل لكانت ولدت لي غلماناً مثلكم وبلغ ذلك أبا أزيهر فخاف إن يدخل الحرم فاجاره ختنه أبو سفيان بن حرب فدخل الحرم في جيرته فقتله هشام بن الوليد فعقد يزيد بن أبي سفيان لواء وسار ببني عبد مناف يريد بني مخزوم، فرده أبوه وقال له: أتريد أن تختلف قريش فيقوى أمر محمد (! إن دوساً لن يعجزوا عن ثأرهم، وكانت العرب أذا غدر الرجل منهم أضرموا نارا بالموسم، ونادوا هذه غدرة فلان،
стр. 151
فاضرموا ناراً على الاخشب ونادوا هذه غدرة أبي سفيان وقال حسان بن ثابت في ذلك:
غدا أهل حضني ذي المجاز بسحره ... وجار أبن حرب بالمغمس لا يعدو
كساك هشام بن الوليد ثيابه ... فابل وأخلق أنها جدد بعد
قضا وطرا منه فاصبح ثاوياً ... وأصبحت رخواً لا تخب ولا تعدو
فما منع العير الضروت ذماره ... ولا منعت مخزاة والدها هند
فلو إن أشياخأ ببدر تشاهدوا ... لبل نعال القوم معتبط ورد
وري إن معاوية قال يوما لعبد الله بن الزهير وأم عبد الله أسماء بنت أبي بكر الصديق أتروي قول حدتك صفة بنت عبد المطلب يعاتب أباك:
عالجت أياد الدهور عليكم ... وأسماء لم تعلم بذلك أيم
فلو كان بر كافراً لعذرته ... ولكنه قد يزعم الناس مسلم
стр. 152
فقال أبن الزهير: نعم واروي قولها:
الا أبلغ لديك بني أبينا ... ففيما الكيد فيكم والامار
وسائل في جموع بني علي ... اذا كثر التناشد والفخار
بانا لا نقر الضيم فينا ... ونحن لمن توسمنا نصار
متى نقرع بمروتك نسؤكم ... وتظعن من أمثالكم ديار
وتظعن أهل مكة وهي سكن ... هم الاخيار إن ذكر الخيار
مجازيل العطاء أذا وهبنا ... وأيسر أذا خب القتار
ونحن الغافرون أذا قدرنا ... وفينا عند عدوتنا أنتصار
ولم نبدأ بذي رحم عقوقاً ... ولم توقد لنا بالغدر نار
وأنا السوابح يوم جمع ... بايدينا وقد سطع الغبار
لنصطبرن لامر الله حتى ... يبين ربنا أين القرار
فقال له معاوية: مهلاً يا أبن أخي هذه بتلك. رجعنا الى حديثهم.
منجبات العرب
وقالوا منجبات العرب ثلاث: ماوية بنت عبد مناة بن مالك بن زيد بن عبد الله بن دارم ولدت حاجب ولقيط وعلقمة بن زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم.
стр. 153
وفاطمة بنت خرشب الانمارية من أنمار بن بغيض بن ريث بن غطفان ولدت الكملة من بني عبص الربيع الكامل وعمارة الوهاب وأنس الحفاظ بن زياد.
وأم البنين بنت عمرو فارس الصحيا بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ولدت عامر ملاعب لاسنة وطفيل أبا عامر بن الطفيل الفارس. ومعاوية معود الحكام بن مالك بن جعفر بن كلاب.
قال أبو عبيدة: وذكروا إن دغفل يعني دغفل يعني بن حنظلة البكري النسابة أحد بني عمرو إن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة قال لماوية: لو كانت تعد رابعة لكانت خبية بنت رياح الغنوي. قال: وحدثني مالك بن عامر بن عبد الله بن بشر بن عامر بن ملاعب إن خبية أتاها أت في النام فقال لها: أعشرة هذرة أحب اليك أم ثلاثة كعشرة؟ ثم أتاها في الليلة الثانية فقال لها مثل ذلك. فقصت٥٤ ذلك على بعلها فقال له: إن عاد فقولي له ثلاثة كعشرة.
فعاد في الثالثة فقال لها ذلك ونهرها فقالت: ثلاثة كعشرة وقيل إنه قال لها ثلاثة كعشرة أم نكثر لك من الهذرة؟ فولدتهم بكل منهم علامة: أبتكرت بخالد الاصبغ كان في مقدم رأسه شامة بيضاء وكان يصبغها وثنت بمالك الاحزم يقال
стр. 154
له الطيان كان طاوي البطن فسمي بذلك وكان ربيعة الاحوص عجزتها كان صغير العينين كانهما مخيطتان فهؤلاء بنو جعفر بن كلاب وكانوا أشراف قومهم واراحهم وساداتهم.
مدركوا الاوتار
وقالوا مدركوا الاوتار ثلاث: سيف بن ذي يزن وبيهس الفزاري المسمى نعامة وقصير بن سعد صاحب جذيمة الابرش الملك. فاما سيف فاستنجد بكسرى فانجده بوهرز ومن ضم اليه من الفرس على الحبشة فقتلهم باليمن وحديثه معروف.
وأما بيهس فان قوماً غزو أرض فزارة فاتوا على أخوته وأهل بيته قتلاً وأسروه فاظهر لهم الجنون وأدخل رجليه في كمي قميصه ليلبسه ليريهم بذلك أختلال عقله فتركوه وكان على الحقيقة مصعوقاً فعد الى قومه فقال: يا حبذا الترات لولا الذبة فذهبت مثلاً فقالت له أمه: لو كان فيك خير لقتلت كما قتل غيرك. فقال: لو خيرت لاخترت فذهب مثلاً ثم حنت عليه ورحمته فقيل إن أم بيهس لتحبه فقال: ثكل أرامها ولداً فذهبت مثلاً. ثم جمع للقوم فغزاهم ومعه خاله فوجدهم في حفيرة من الارض فرمى به خاله عليهم وكان طويلاً
стр. 155
جسيماً لذلك سمي نعامة فقاتلهم وهو يقول: مكروه أخوك لا بطل حتى قتلهم جميعاً فأدرك ثأره وذهب قوله هذا مثلاً.
وأما قصير فان حديثه في توصله الى قتل الزباء بجذيمه وجدعه أنفه معروف مشهور وسيأتي ذكره في هذا الكتاب وفي قصير وبهيس يقول المتلمس:
وفي طلب الاوتار ما حز أنفه ... قصير وخاض الموت بالسيف بيهس
نعامة لم قتل القوم رهطة ... تبين في أثوابه كيف يلبس
بيوتات العرب
وقالوا بيوتات العرب ثلاث: بيت تميم بنو عبد الله بن دارم ومركزه بنو زرارة بن عدس وبيت قيس فزارة ومركزه بنو بدر وبيت اليمن: بنو الحارث بن كعب ومركزه بنو عبد المدان. فقال أخرون بل البيت الثالث في معد أيضا وهم بنوا شيبان بن ثعلبة بيت بكر بن وائل
стр. 156
ومركزه بنوا قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن ذي الجديم فقال في اليمن: بل فينا وهو بيت بني الحارث بن كعب ومركزه بنو عبد المدان كما ذكرنا وبيت الاشعث بن قيس في كندة أيضاً. فقال أخرون منهم وبيت الحارث بن حصن بن ضمضم بن عدي بن ضباب الكلبي في قضاعة.
وقال أبو عبيدة: قال أبو عمرو: قدمت العراق فوجتهم يزيدون بيتاً في العرب وهو بيت آل ذي الجدين في ربيعة ولا أعرف في ربيعة بيتاً كبيت آل الجارود بن عبد القيس ولا رجلاً أكرم نن الحكم بن المنذر ولا داراً أنع من البحرين فاسقط بيوتات اليمن وأشار بهذا القول الى تفضيل عبد القيس بن أفصى على بني شيبان بن ثعلبة وتفضيل آل الجارود على آل ذي الجدين فزادوا ونقصوا وأختلفوا وبدلوا قوماً بقوم فتناقضت أقوالهم.
رأي المنصف فيما قيل في مفاخر العرب
وقالوا فرسان العرب ثلاث: عامر بن الطفيل الجعفري فارس عامر بن صعصعة وعتيبة بن الحارث بن شهاب اليربوعي فارس تميم وسموه صياد الفوارس وسم الفرسان وبسطام بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن ذي الجدين الشيباني فارس بكر بن وائل يكنا أبا الصهباء وسموه المقتمر وقالوا في أمثالهم:
стр. 157
" سقط العشاء به على بسطام " ورثاهم جميعاً ذو الغلصمة العجلي فقال:
الم ترى بساط بن قيس وعامراً ... ثوى وابن آل الحكم لحارث بن شهاب
عتيبة ضياد الفوارس عريت ... ظهور جياد منهم وركاب
فزادوا أخرون وقالوا: بل فرسان العرب أربعة فذكروا هؤلاء الثلاثة و جعلوا رابعهم عنترة بن شداد العبسي المعروف بالفلحا. فخالف أخرون وقالوا بل الفرسان ثلاثة: عامر بن الطفيل وعتيبة بن الحارث وعنترة بن شداد ٥٥ فجعلوه مكان بساطم وأسقطوا بساطم حذر من أن يكون رابعاً الانهم أتخذوا خصر العدد على ثلاثة فقط عادة وجعلوا ذلك مذهباً لهم والزموه أنفسهم كما حكى عنهم أبو عبيدة وأبن دريد ﵀. وعلى ذلك فقد ذكرنا خلاف من خالفهم ورد أقوالهم بزيادة أو تبديل وفي ذلك طعن عليهم في أعصارهم وأزمانهم فكيف الان! ومن هذا المطاع الذي لا يمكن خلافه ولا يحسن الرد عليه منهم هل قال هذا الا قوم من العرب في الجاهلية الغالب عليهم الخطأ والخطل والميل مع
стр. 158
الهوى والزلل ولم يقاربوا الانصاف وما سلموا الفضل لاهله الا ترى أنهم ذكروا بيوتات العرب على ما أوضحناه مما أتفقوا عليه وأختلفوا فيه ولم يذكروا قريشاً في ذلك ولا في غيره والغوا ذكرهم كأنهم لا يعلمون مكانهم وهم الحي الذي قصر كل فضل على فضله وأستظل الناس جميعاً بظله ولسنا نحتاج الى ذكر فضلهم في الاسلام برسول الله (ولا نناظرهم في ذلك لان فضلهم فيه أظهر وأشهر وشرفهم أبهر من إن يذكره ذاكر أو ينشره ناشر وكي لا يقول قائل أنما قالوا هذا في الجاهلية فاما في الاسلام فلو أدركوا زمانه سلموا الفضل لهم ولكننا نناظرهم بفضلهم في الجاهلية الم يكونوا يعظمونهم ويقرون بفضلهم ويسمونهم أسما تركنا ذكره تحرجاً والغيناه تعمداً لتجاوزهم الحد فيه وأقدامهم على التلفظ بما لا يحل لاحد إن يتلفظ ولعل من نظر في هذا الكتاب لا يخفى عنه ما أشرنا اليه فأنه لا شك قد طرق سمعه إنه كانوا يسمونهم آل الله ونستغفر الله لكل ذنب الم يكونوا يضربون بهم الامثال في المآثر وخلال المجد والمفاخر حتى إن بني عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم كانوا ذوي فصاحة وصباحة وشجاعة وسماحة وشرف ظاهر في قومه فسموهم بذلك قريش تميم وكانوا: " بنو كنانة بن تميم بن أسامة بم مالك الارقم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل بهذه الصفة في قومهم فكانوا يسمونهم قريش تغلب ". الم يكونوا يسمون المهالبة في الاسلام لشرفهم: هاشم الازد الم يقل الحارث بن ظالم المري مرة غطفان وكان قومه بنوا مرة بن عوف يجلحون الى
стр. 159
قريش:
رفعت الرمح أذا قالوا قريش ... وعاينت العمائم والقباب
فما قومي بثعلبة بن سعد ... ولا بفزارة الشعرا الرقابا
وقومي إن سألت بني لؤي ... بمكة علموا الناس الضرابا
وقالوا أيضاً:
اذا فارقت ثعلبة بن سعد ... وأخوتهم رجعت الى لؤي
الى نسب كريم غير راغب ... وحي هم أكارم كل حي
فان تعلق بهم نسبي فمنهم ... قرابين الاله بنو قصي
الم يكونوا أذا قدم أرض الحي من أحيائهم رجل من قريش عكفوا حوله كما كانوا يعكفون على أصنامهم أعظاما ولاذوا به أكراماً فما بالهم لم يبدأوا بذكرهم في البيوتات كما بدأوا بذكرهم في القرعة فأنهم لما أرادوا تجديد القرعة التي كانت بينهم في صدر زمن الجاهلية أجتمعوا بعكاظ في وسط من جاهليتهم فقالوا:
هلموا نجدد القرعة فاتفقوا ... على تقديم معد بن عدنان فقدموهم
стр. 160
وقدمت معد مضر وقدمت خندب على غيرها من مضر وتقدمت مدركة على غيرها من قبائل خندف فاخرجت قبائل مدركه قداحها ثم أقرعوا ففازوا جميعا الا لهون بم خزيمه فأنهم خابوا فقالت العرب إن بني مدركة بن خندف:
قد سبقوا الناس غداة الموقف ... وخلفوا الهون بشر تخلف
وأقرعت طابخة ثم قيس بن ربيعة ثم قبائل اليمن ففاز من كل قبيلة قوم و خاب قوم وحديث القرعة موجود معروف فكيف عرفوا فضلهم هناك فبدأوا بهم وقدموهم وأنكروه هاهنا فاغفلوهم وتركوهم وما بالهم لم يقولوا بيت مدركة قريش ومركزة بنو هاشم الذي أقر بفضلهم الشريف والدني وسام له العدو الولي ثم يقولون بعد ذلك وبيت تميم دارم ومركزه بنوا زرارة وبيت قيس فزارة٥٦ ومركزه بنو بدر ثم يرمون في حديثهم فان كل مفتخر بأمر غير منكر لفضل قريش عليه فلم يذكروهم في البيوتات ولا الاثافي ولا الجمرات ولا الجماجم ولا الرضفات ولا ذكروا أحداً منهم في الارحاء ولا الغلاصم ولا الازمه ولا البدور ولا في الفرسان ولا في الاوفياء ولا الاجواد ولا في الشعراء ولا في مدركي الاوتار ولا ذكروا من نسائهم منجبه ولا نسبوا اليهم منقبة ورووا ذلك كله منهم الى غيرهم فلم يذكروا الاحد منهم فيه أسماً ولا جعلوا لهم في شيء منهم نصيباً ولا سهماً وهذا من أقوى الادلة على أنهم مروا في الهوى وخبضوا العشواء.
أيام العرب
وقالوا أيام العرب ثلاثة: يوم جبله وهو الاول وهو بين بني تميم
стр. 161
وبين عامر وروي إنه كان قبل الاسلام بثلاثين عاماً أو أربعين. ويوم الكلاب الثاني يوم عبد يغوث بين النمر وتميم وكان قبل الهجرة ورسول الله (بمكة. ويوم ذي قار بين بكر بن وائل والفرس وروي إنه كان بعد يوم بدر بشهرين.
وقالوا حروب العرب ثلاثة: حرب الناب وهو حرب البسوس بين بكر وتغلب أبني وائل جره قتل كليب بن ربيعه فاحتربوا فيه أربعين سنة. وحرب الرهان في مجرى داحس بين عبس وذبيان أبني بغيض أحتربوا فيه أربعين سنة. وحرب بعاث بين أبني قيلة وهما الاوس والخزرج لم يزل بينهم الى إن أسلموا فاصطلحوا فما بالهم لم يذكوا لقريش حرب الفجار الكبرى خاصة دون غيره من حروب الفجار فانه لم يكن بدون ما ذكروه من الحروب في طول المدة ولا في تردد الوقائع ولا كانت القتلى فيه أقل عدد وقد تفاقمت الامور فيه حتى أستنجدت قريش وكنانة بقبائل خندف كلها وأستنجدت هوازن بقبائل قيس كلها وأصيب فيها من الاشراف من الفريقين من هو مسمى معروف ولم يطفه الى قيام الاسلام.
стр. 162
الاجربان
وقالوا: الاجربان عوف وذبيان وكان من دنا اليهم بشر عروه حتى كأنه لم يكن في العرب حيان يذكران بالنجدة سواهما.
الحليفان
وقالوا الحليفان أسد وغطفان على كافة العرب من الفرسان هذا عتيبة بن الحارث فارس تميم فر عن أبنه حزره يوم ثبوره حتى قتل وقال:
نجيت نفسي وتركت حزره ... نعم الفتى غادرته بثبره
لا يترك الحر الكريم بكره وقد تقدم ذكر ذلك ثم قتل عتيبة ذؤاب بن ربيعة بن عمرو بن جذيمة بن نصر بن قعين بن الحارث بن ثعلبة بن ذودان بن أسد بن خزيمة يوم خو فينبغي إن يكون قاتله أشجع منه. وهذا بسطام بن قيس فارس بكر بن وائل فر عن قومه يوم العظالى. وفر من عتيبة بن الحارث يوم غبيط المدرة والقى درعه ليخف به فرسه فلم يزل عتيبة يلح عليه حتى أسره.
стр. 163
وروي إنه كان تحت بسطام فرس له شقراء وكان تحت عتيبة مهر لتلك الفرس فجعل عتيبة يصيح أستأسر يا أبا الصهباء خير أسير فيقول بل شر أسير فيصيح به أستأسر فأنا خير لك من الفلاة والعطش فيقول: ما شاءت الشقراء. فلم يزل يطرده حتى أسره ثم نادى أخاه السليل أو ناداه بعض بني يربوع لا تكر على أخيك يريد إن يحرجه بذلك فيكر طمعاً في إن يأسروه أيضاً فهم بان يكر فناداه بسطام وهو في أيديهم: أنا حنف إن كررت فرجع كذا روي ولعله كان نصرانياً فان النصرانية كانت فاشية في ربيعة وعيرهم العوام بن شوذب الشيباني بذلك فقال:
ان يك في يوم العظالى ملامة ... فيوم الغبيظ كان أخزى والاما
وفر بنوا الصهباء إذ حمس الوغى ... والقى بابدان السلاح وسلما
فلو إنها عصفورة خلت أنها ... مسومة تدعو عبيدا وأزنما
стр. 164
الابدان: الدروع وأزنم بن عبيد بن ثعلبه بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد بن مناة بن أمين ثم قتل بسطام بعد ذلك عاصم بن خليفة الضبي وكان فتى مصعوقاً فيما روي وكانت له حديدة لا يزال يحميها في النار٥٧ ويغمسها في البول ويقال له: ما تصنع بهذه الحديدة يا عاصم؟ فيقول: أقتل بها رئيس بكر بن وائل. فلما أغار بسطام على بني ضبة يوم النقا وطرد الانعام لحقه التبع فقام خليفة الضبي فاسرج فرسه ودخل بيته ليلبس درعه فسبقه أبنه عاصم الى الفرس فركبها فصاح به فلم يعرج عليه فلما رأى إنه لايعود اليه ناداه فاوصاه كيف يصنع وقيل إنه كان أوان مركان يعرض له من الجنون فتم حتى لحق القوم وبسطام يطارد أوائل الرعيل في أغقاب الابل وتحته فرس أدهم فتعلق عاصم ببعض قومه فقال له: بابي أنت أرني سيدهم. فقال: تراه بحيث هو صاحب الفرس الادهم. فشد عليه من أعلى الرمح ورماه بنفسه فطعنه بتلك الحديدة وكان قد جعلها على عارضة من عمد البيت فاصابت سماخه فسقط ميتاً وفي ذلك يقول الفرزدق:
خالي الذي نزل النجيع بسيفه ... يوم النقا شرقاً على بسطام
стр. 165
لان أمه ضبية وقد تقدم ذكرها فينبغي إن يكون قاتله أشجع منه. وهذا عامر بن الطفيل فر عن أخيه الحكم بن الطفيل يوم الرقم وهو يوم ناجح وفر من عقبه بن مرثد الأسدي وأمكنه من ظهره فطعنه في عجاته فاعقمه فينبغي أن يكون الذي هزمه وطعنه أشجع منه. وهذا عنترة بن شداد فر وأعتذر عن فراره بقوله:
وليس الفرار اليوم عار على الفتى ... وقد جربت منه الشجاعة بالامس
ثم أنهم ذكروا الاسباب التي فضلوا بها هؤلاء الفرسان وقدموهم على غيرهم فقالوا: قالت ربيعة ومن فضل بسطام لبني عامر ولبني تميم عدوا لعامر بن الطفيل وعتيبة بن الحارث مثل قتلى بسطام قتل بجيراً وعفاقاً وأبني مليل وأسر أباهما وقتل مالك بن حطان وجرح الاحيمر وهؤلاء جميعاً من بني يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد بن تميم ثم من بني ثعلبة بن يربوع فقال التميميون: هؤلاء كانوا يسرعون إليه فرادى فقتلهم وقد صار فخره بهم لعتيبة بن الحارث باسره أباه وقتل عتيبة يوم غول أبني هجيمة الكنديين وهما أفضل من هؤلاء الاحداث. ثم قالت تميم وربيعة لقيس فمن قتل عامر بن الطفيل ومن أسره؟ فقالوا: أذا أجمع على شرف الرجل وشجاعته وجوده لم يسأل عنه. أن عامراً كان بمنزلة
стр. 166
الخليفة لا يسأل عمن قتل ولا أسر فادعوا دعوى مطلقة بغير بينه ولم يسموا أحداً من القتلى وهذا اللفظ يدل إنهم تناظروا هذه المناظرة وتفاخروا هذه المفاخرة في الاسلام.
قال أبو عبيدة: وكان بسطام وعتيبة عفيفين وكان عامر عاهراً فهذا كان غاية ما نسبوه إليهم من الفتك وأعتدوالهم به من الشجاعة وأحصوه لهم من القتلى وفضلوهم به على سائر العرب وهو أيضاً قول عشائرهم الذين أفتخروا بهم والمفاخرة كالمبارزة لا يترك المرء لنفسه فيها حجة إلى يوردها ولا غاية الى ينتهي إليها وربما أدعى أيضاً ما لم يكن إن أمكنه ذلك وإذا سلمنا إليهم كل ما أدعوه وقطعنا على صحته فليس هو مما يقتضي بعض ما يدعونه لهم فكيف كله ولولى تجنب التطويل لذكرنا لغير واحد من فرسان الجاهلية أضعاف مما أدعوه لهم من الفتك وكثرة القتلى فاما عنترة فإنهم لم يسموا له من القتلى غير قتيل واحد قالوا: قتل ضمضم بن جابر بن يربوع المري مرة غطفان وذكر قتله في شعره وأوعد أبنيه حصيناً وهرماً فقال:
ولقد خشيت بان أموت ولم تدر ... للحرب دائرة على أبني ضمضم
الشاتمي عرضي ولم أشتمهما ... والناذرين إذا لم القهما دمي
стр. 167
أن يفعلاه فقد تركت أباهما ... جزر السباع وكل نسر قشعيم
ثم قالوا بعد ذلك وكانوا من فرسان عبس في حرب الرهان وليس، قتل ضمضماً مما يوجب ولا يقضي معشار ما يدعونه له من الفروسية والتفضيل، ثم تخرقوا له بأن قالوا: كان يسمى عنترة الفوارس، فأن كانوا فضلوه٥٨ بشدة البأس وكثرة الفتك، وقد وجب إن يسموا قتلاه ويدلوا عليهم ويستشهدوا على قتلهم كما سموا ضمضما وأستشهدوا على قتله وإن كانوا فضلوه بتسمية عنترة الفوارس، فقد وجب إن يفضلوا كعب الفوارس بن معاوية بن عبادة بن البكاء العامري، وزيد الفوارس بن حصين الضبي وزيد الخيل الطائي، فلا فرق بين هذه الأسماء، وكم كان في العرب من أمثال هؤلاء الفرسان وفوقهم ودونهم، وكيف ولم يذكروا من تقدم في زمانه وزمان هؤلاء الذين فضلوهم من فرسان بكر وتغلب مثل كليب وائل وهو كليب بن وائل التغلبي وقد فتك بملوك اليمن وقتلهم، وأخيه مهلهل الطالب بثأره، وجساس بن مرة قاتل كليب وجحدر بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، وأبن أخيه الحارث بن عباد، وعوف البرك وسهل الزماني المعروف بالفند، وقد طعن، وهو شيخ كبير قد ضعف، رجل خلفه رديف فنظمهما معاً بالرمح فقتلهما، وجحدر بن ضبيعة هذا الذي تقدم ذكره، هو الذي قتل عمر وعامر التغلبيين يوم قضة وقد
стр. 168
ذكرهما المهلهل في شعره. قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: سمعت عامرا أظنه عنا عامراً بن عبد الملك المسمعي يقول: حدثني قتادة بن دعامة إن بعض جلفاء بني أمية كتب اليه مع راكب، من قتل عمرا وعامرا يوم قضة؟ قال: قتادة: فكتب اليه مع رسوله إن جحدرا قتلهما فكتب الي قد فهمت ما ذكرت من قتل جحدر عمرا وعامرا، فكيف كان قتله أباهما فسره لي، فكتب اليه أنهما كانا أعتوراه، فقتل أحدهما بعالية الرمح والآخر بسافلته في نقاب أي والى بينهما. فما لهم لم يذكروا هذين الفارسين المشهورين المتقدمين المبرزين في الشجاعة والزمان أيضاً، وما لهم لم يذكروا من عامر هؤلاء الذين فضلوهم أو قارب زمانه زمانهم مثل قيس بن زهير العبسي، وحمل بن بدر الفزاري وعمرو بن الكلثوم التغلبي قاتل عمرو بن هند الملك في سرادقه وسط عسكره، والحوفزان بن شريك الشيباني قاتل الملوك ومبيرها أنفسها، والحاث بن حصن الكلبي المعروف بالحرشا، وعمرو القنا السعدي، وضرار بن الرديم الضبي، والحارث بن ظالم الفاتك، وأبي ضمرة يزيد الأشعر بن سنان بن أبي حارثة المريين معاً مرة غطفان، وعمر بن عبد بن أبي قيس بن عبد ود العامري، عامر قريش فارس العرب غير مدافع قتله أمير المؤمنين علي ﵇ بين يدي رسول الله (مبارزة يوم الأحزاب وجذل الطعام علقمة بن فراس الكناني، وأبن أبن أبنه ربيعة بن أعين بن مالك بن علقمة المسمى جذل الطعان أيضاً، وأنما سموهما بذلك لصبرهما على الطعان، وأستهدافهما له قياساً بالجذل، وهو خشبة تنصب للأبل في أعطانها لتحك بها، وربيعة بن مكدم الكناني أيضاً،
стр. 169
وقد رووا أنهم لا يعلمون فارسا حمى الظعائن حيا وميتاً غيره، فانه قاتل وحده دونهن بثنية غزال حتى أطالعهن الثنية وفيه يقول رجل من قومه:
ومنا بالثنية من غزال ... فتى منع الظعان إن تراما
يكر ويعتزي ذمار قوم ... كما ثب القطامي الحماما
فلما أثخن جراحا وعلم إنه هالك قال لأمه:
شدي علي العصب أم سوار ... فقد رزئت فارساً كالدينار
وأمر النساء فاوثقنه بالحبال الى سرج فرسه وأوثقن الفرس رباطا برأس الثنية وأخذن أنفسهن فنجين وظنه القوم حيا فهابوه فلم يقدموا عليه عامة يومه ثم طال ذلك عليهم فهجموا عليه فوجدوه ميتا وقد يئسوا من اللحاق بالظعائن فلذلك قالوا إنه حمى الظعائن حيا وميتا.
ومثل عامر بن مالك الجعفري وقد سموه ملاعب الأسنة لشجاعته وصخر بن عمرو بن الشريد السلمي وكيف لم يذكروا أحدا من المخضرمين كخالد بن الوليد المخزومي وعمرو بن معدي كرب الزبيدي صاحب المواقف المشهورة في الجاهلية والإسلام وطليحة بن خويلد الأسدي والمثنى بن حارثة الشيباني قاتل مهران وأبي عبيد بن مسعود الثقفي قاتل الفيل وأبي مجحن الثقفي فارس الناس بالقادسية وكيف لم يذكروا فرسان الصحابة والتابعين غير أنهم خصوا هؤلاء النفر بالتفضيل على من تقدمهم وعاصرهم وتأخر عنهم وأي مسبة تكون على العرب أعظم من إن لا يكون فيهم من لا يعد بالفروسية الا ثلاثة أو أربعة
стр. 170
فان أحتج لهم محتج وأعتذر عنهم معتذر بانهم لا يعتدون بالفروسية الا لمن كان جاهليا فقد وجدوا في الجاهلية من هو مثلهم وأشجع ثم بهذه أدحض حجة وأقبح عذرا ولا يعلم من قال ذلك إنه قد جعل الإسلام لأهله ذنبا وجعلهم عليه غضاضة ونقصان فنعوذ بالله من ذلك.
فرسان الإسلام بحمد الله أولى بالتقديم في كل شرف وفضل لما جمع الله لهم من البصيرة في الدين الى النخوة العربية وأنضلف لهم من صدق اليقين الى شدة الحمية ولما عدوا به عن الصبر من الثواب وأوعدوا به وأوعدوا به على تولية الأدبار من العقاب، فصار ذلك أصح وأشد لعزائمهم وأنفذ وأثقب لبصائرهم وهان عليهم الأرخاص بالنفوس في الجهاد طلبا للفوز في المعاد فهم بالفضل أولى، وبالشرف في كل حال أجدر وأحرى، وهل ذكر لؤلئك الغوارين الفرارين مثل مواقف المسلمين الصابرين الذين كلف الواحد منهم قتال عشرة؟ ثم لما خفف عنهم كلف قتال أثنين وجعلت له الجنة على أصطباره والنار على فراره، ومن نظر في أيام العرب في الجاهلية وأطلع على سيرهم وجدها كلها أو أكثرها غارات لا غير، كان بعضهم يغير على بعض فان وأفق منهم غرة وضعفا نهب وسبى، وإن أنس منهم منعة وعزا أغار على الأنعام فطردها، فاما إن يفوت بها أو ببعضها أو يلحقه الطلب، فان وجد الذين أغروا في أنفسهم ضعفا عمن تبعهم طاروا هربا، وأم كانوا عدتهم ثبتوا لهم فاقتتلوا عندها فيقتل بينهم الواحد والنفر، أو يؤسر الواحد والنفر أو لا يقتل بينهم أحد، فهذا كان مقدار حروبهم في أيمهم كلها أو في أكثرها حتى إن الايام الثلاثة المذكورة وهي يوم جبلة ويوم الكلاب الثاني ويوم ذي قار لم تزد مباشرتهم فيها للحرب على بعض نهار، كام في أوله أبتداؤها وفي بعضه أنقضاؤها، وذلك ما روي
стр. 171
من حرب الناب بين أبني وائل، وحرب الرهان بين أبني بغيض، وحرب البعاث بين أبني قبيلة الأوس والخزرج، وحرب الفجار الأكبر، وهو فجار اللطيمة دون غيره من حروب الفجار، وإن كانت أزمان هذه الحروب أمتدت والوقائع فيها تكررت فانهم كانوا أذا أحتشد بعضهم لبعض فغزوهم، أو تدانت بهم الديار على المياه والحباء فتقاربوا وتغارو أو تواعدوا موضعا يلتقون فيه، فاقتتلوا ثم تكاففوا أو تحاجزوا أو كان ذلك اليوم بعضهم على بعض، ثم نكفوا من غالب أو مغلوب. ولم تزد مباشرة لحروب بينهم على يوم واحد أو بعضه ثم يفترقون تنتأى بهم الديار وتبعد بينهم المسافة الى مدة أخرى وزمان أخر، فاما أقامة ومنازلة ومحاسبة ومطاولة كما يروي من جهاد أهل الإسلام للروم وغيرهم، وكحروبهم فيما بينهم بصفين وغيرها، فلم يذكر لهم كمثل ذلك ولا دونه.
ذكر أبو عبيد القاسم بن سلام إن مروان والضحاك بن قيس الفهري تنازلا بعسكريهما بمرج راهض، والضحاك يدعو الى أبن الزبير، فاقتتلوا عشرين يوم أشد قتال، ثم قتل الضحاك وقتل معه ثمانون رجلا من أشراف أهل الشام كلهم يأخذ القطيفة، والقطيفة: الفان من العطاء.
وذكر أيضا إن الحجاج وأبن الأشعث تنازلا بعسكريهما بدير الجماجم مائة يوم من أول يوم من شهر ربيع الأول الى عشر مضين من جماد الآخرة، وذلك في سنة ثلاث وثمانين يتغادون القتال ويتراوحونه ثم يهزم أبن الأشعث أحدى ومائتي وقعة ولم يكن في حروب الجاهلية ما
стр. 172
يقارب معشار ذلك، وروي لأحد من العرب في أيامهم كلها مثل موقف المسلمين بمؤته ٦٠ لما لا يحصى عدده من الروم كثرة حتى أستشهد أمراؤهم وكثير معهم ﵃، أو مثل موقف أصحاب الحسين ﵇ في أثنين وسبعين صبروا لعشرة الاف أو نحوها ينصرون الله سبحانه ورسوله (، وأمام الهدى ﵇ لم يلتفت أحد منهم وراءه حتى لقوا الله صابرين محتسبين قد فازوا بالشهادة، وهي النعمة العظما والمنحة الكبرى بعد إن أصابوا من الأشقياء الظالمين أضعاف عدتهم وأمثالهم، فسلام الله وبركاتهو رضوانه وتحياته على أرواحهم وأجسادهم ونسأله إن يحشرنا معهم ويرزقنا شفاعتهم ولولا أننا نقصد نشر فضل أهل الحق لا أهل الباطل لذكرنا صبر الخوارج في حروبهم فانهم ممن يدعو بدعوة الإسلام وإن كانوا قد مرقوا. وهل ذكر لاولئك الغوارين الفرارين في حروبهم في الجاهلية أنهم أبتلوا بمثل ما أبتلى به فرسان الإسلام في الحروب العظيمة الهائلة في جهاد أهل الكفر من سائر الأمم كيوم أجنادين وهو موضع بين الرملة وبيت جبرين التقى فيه المسلمون وفيهم أبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان بن حرب وشرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص، وقيل كان على الناس يومئذ أبو عبيدة وقيل خالد، والروم عليهم تذراق أخو هرقل، وروي إنه أخزاه الله وهو الذي كان على الروم يوم مؤتة فانهزم الروم يومئذ وقتل تذراق وذلك في جمادي الآخرة سنة ثلاث عشر في أيام الصديق أبي بكر ثم بمرج الصفر وقد جمع لهم الروم وعادوا اليهم بعد أيام
стр. 173
في الشهر بعينه فالتقوا بمرج الصفر ويومئذ قال خالد بن سعيد بن العاص:
من فارس كره الطعان يعيرني ... رمحا أذا نزلوا بمرج الصفر
وأستشهد خالد بن سعيد يومئذ وهزمت الروم أيضا وبلغ ذلك هرقل وهو بحمص فرحل منها الى أنطاكية ثم باليرموكو كان برجب سنة خمس عشر في أيام عمر وأبو عبيدة على المسلمين فاستشهد الفضل بن العباس ﵉ وهزمت الروم أيضا حتى أنتهت هزيمتهم الى هرقل وهو بانطاكية فاشرف على الشام فقال: السلام عليك يا أرض سورية سلام مودع لا يرى إنه يرجع اليك أبدا. وخرج الى القسطنطينية وقطع مسيرة بين مسروق الدرب في آثار الروم فكان أول من قطع الدرب ودخل بلاد الروم وكم من يوم مثل هذا وأنما ذكرنا المشهور منها. وروي ليزيد بن أبي سفيان بن حرب في ذلك وأمثاله من حرونهم.
لو أبصت أم الحويرث خيلنا ... عشية فحل والمنايا خوافق
عشية القينا الرماح ولم يكن ... لنا ولهم الا السيوف مخارق
أذا ما أثرنا النقع تنفرج لنا ... عماياه الا والنفوس زواهق
تعادى بنا الموتى مرخ رواقه ... مسومة من جانبيه موارق
وروي له أيضاً:
стр. 174
ابلغ أبا سفيان أنا وقومنا ... على خير حال كان جيش يكونها
قضينا أمورا باليراميك فانقضت ... ونحن على بابي دمشق ندينها
نصبنا عليها كل خطارة الضحى ... شغور الأعلي لم تحنها لينها
وروي له أيضاً يعاتب عمر في أمر لا يعلم ما هو:
اتنسى باللائي يوم رحبة جاسم ... وقد نهلت أرماحنا ثم علت
نجالد والهابي يمور عجاجة ... كتائب زافت نحونا فاحتالت
اذا ما حملنا قاتلونا بفيلق ... اذا أمتريت بالمرهفات أستهلت
فما برح الغاران حتى تنزلت ... ملائك جاسوا الروم حتى تولت
وكايام القادسية والمدائن وجلولاء ونهاوند في جهاد الفرس، ولم يكن المسلمون يهابون أمة من الأمم مثل فارس فروي إن عمر كان يأخذ بخطام بعير الرجل فيصرفه نحو العراق فيصرفه نحو الشام ٦١ ويقول: يا أمير المؤمنين لا أكراه في الدين، فيقول بلى أكراه في الدين عليكم بالعراق فان بها جهاد ومغانم. وبعث أبا عبيد بن مسعود الثقفي الى العراق على جماعة من المسلمين أكثرهم من الأنصار، وأنضاف المثنى بن
стр. 175
حارثة الشيباني الى أبي عبيد، فحاربا ذا الحاجب قائد الفرس وهو أربعة الاف دارع بباروسما وذلك في سنة ثلاث عشرة، وكان مع ذي الحاجب فيل كسرى الأبيض، فقال أبو عبيد أما لهذه الدبة المشؤومة من مقتل؟ فقيل: بلا خرطومه هذا إن قطع هلك، فشد عليه فضربه فقطع خرطومه، ووقع الفيل عليه فماتا جميعا وتفرق الناس، وقام بامر من بقي من المسلمين المثنى بن حارثة ونزل بهم الليس. ثم التقى جرير بن عبد الله البجلي والمسلمون بمهران والفرس عند النخيلة، والفرس يومئذ في أثني عشر الف ومعهم ثلاث فيلة فهزمهم المسلمين، وقتل مهران يومئذ ثم بعث عمر بن سعد بن أبي وقاص في سنة أربع عشرة وكانت الوقعة بالقادسية في سنة خمس عشرة، فروي إن العسكري لما تقربا قال رجل من المسلمين:
الا أبلغ أمير المؤمنين باننا ... ورهط أبن كسرى بيننا عشر أذرع
قذفتم بنا في نحره وقعدتهم ... بمرأى لعمري في الحياة ومسمع
سلام عليكم في سرور وغبطة ... سلام أياب أو سلام مودع
فروى إن هذا الشعر لما بلغ أهل المدينة بكى عمر والمسلمون وقال:
стр. 176
بشر بن ربيعة الختمي لسعد بن أبي وقاص بعد ذلك في أمر عرض:
تذكر هداك الله وقع سيوفنا ... بباب قديس والمكر عسير
غداة يود القوم لو إن بعضهم ... يعار جناحي طائرٍ فيطير
قوله قديس يعني القادسية، وقيل إن الذي بناها مرزبان بن مرازبة الفرس يقال له قادس فعرفت به.
وقعة الجمل
وذكر بعض أصحاب التأريخ إن المسلمين لما حاربوا الفرس بنهاوند في سنة أحدى وعشرين وعليهم النعمان بن مقرن، وأستشهد يومئذ ﵀. وكانت الفرس مائة الف، وقد جعلوا أنفسهم في سلاسل فجعلوا كل عشرة منهم في سلسلة. فهل يذكر إن فرسان الجاهلية أبتلوا بحرب مثل هذه الحرب وبمنازلة قوم هذه صفتهم؟ وهل يذكر لهم مثل حروب الإسلام في ذات بينهم كيوم الجمل بالبصرة وأيام صفين فانها طالت وتكررت فيها الحروب والوقائع؟. وكيوم الخوارج بالنهروان ومواقف فرسان الصحابة البدريين وغيرهم من المهاجرين والأنصار ومن التابعين بأحسان ﵃ وصبرهم في الجهاد في هذه الحروب؟ فروي إن علي ﵇ لما واقف أصحاب الجمل في البصرة ونادى طلحة والزبير فخرجا اليه فناضرهما
стр. 177
والحديث في ذلك مشهور، نادى الناس يا أمير المؤمنين منا ننتظر بالقوم. فقال: يا أيها الناس إنه ستكون خصومة يوم القيامة فدعونا نزداد أخذا بالحجة عليهم، ثم قال: من يأخذ هذا المصحف فيدعوهم الى ما فيه م هو مقتول وله الجنة فاحذه فتى يقال له مسلم ودنا منهم فرفعه، ونادى: أيها الناس إن أمير المؤمنين يدعمكم الى ما في هذا المصحف فشدوا عليه فقتلوه فجاءت أمه فاحتملته وأقبلت به ورجلاه تخطان في الأرض فالقته بين يديه وهي تقول:
يا رب إن مسلما دعاهم ... الى كتاب الله لا يخشلهم
فخضبوا من دمه قناهم
في رجز لها، ثم رموا أصحابه بالنبل من كل جانب فنادوا يا أمير المؤمنين نضحنا القوم بالنبل فقال: مهلا فقد كنت أرى رسول الله (يحب الحملة أذا قاب الأحياء. ولم يزل
стр. 178
واقفا حتى حملت اليه القتلى من الميمنة والميسرة فالقيت بين يديه، فحينئذ أذن لأصحابه في الحرب، فكانت ساعة هائلة. وروى بعضهم إن الرماح أشرعت بين الفريقين حتى لو إن الرجال مشوا علها لحملتهم. وروي عن أخر شهد الحرب يومئذ إنه قال: ما دخلت قط ديار الوليد بالبصرة الا ذكرت وقع السيوف على البيض في تلك الساعة وكانت ٦٢ دار الوليد للقصارين، وكان فيها عشرة الاف قصار. وكان أصحاب علي ﵇ عشرة الاف أو نحوها أصحاب الجمل أربعة وعشرون الفاً، فاصيب من الفريقين بعد زوال الشمس الى وقت العصر زاد على عشرة الاف منهم من أصحاب علي ﵇ دون الالف الباقون من أصحاب الجمل ثم طفيت الحرب. وروي إنه كان لعلي ﵇ راية يقال لها الجذل ترفع عند الشدائد وفيها يقول الأشتر:
اذا ما حسسنا ضرام الوغى ... ادرنا الرحى تحت ضل الجذل
بضرب يفلق هاماتهم ... وطعن لهم بعوالي الأسل
ابا حسنٍ ضرب خيشومها ... فحولك كل محام بطل
فالتفت المسلمون فرأوا الجذل تهفوا فقالوا: إن أمير المؤمنين لم يرضى فعالكم، فاقبل بنفسه، فتقدم مالك بن الحارث الأشتر النخعي، وكان لا يصاحب الا الصعاليك، ولا يصر على درهم، ولا يأكل طعام وحده، فدنا فيمن معه وهو يقول:
حرب عوان من جناها هالك ... طلحة فيها والزبير ماحك
لو قدها بالسمهري مالك ... ومالك فها الغداة دارك
стр. 179
اخوانه في حربة الصعاليك ... حيث يثير نقعها السنابك
والموت بين الفيلقين بارك ... يا طلح يا طلح لما تماحك
ان علياً للهدى لمالك ... ان علياً من عصاه هالك
في دفعه عن حقه المهالك ... لا يجبه الحجة الا ماحك
وتقدم عدي بن حاتم في طي وهو يقول:
حرب عوان من جناها نادم ... طلحة فيها والزبير آثم
اني عدي ثم شيخي حاتم ... سيان منكم قاعد وقائم
وساهر لحربنا وقائم ... يا طلح يا طلح بما تخاصم
ان علياً بالكتاب عالم ... ان علياً من عصاه آثم
لا يجيبه الحجة الا ظالم وتقدم زهير بن قيس في بني الحرث بن كعب، وكانوا نيران مذحج الذين يفعلون الأفاعيل وهو يقول:
ايه بني الحارث أيه لا شلل ... لا عيش الأضرب أصحاب الجمل
بالمشرفيات والطعن بالأسل ... حطوا علياً تبلغوا كل الأمل
ليس لكم بعد علي من بدل ... والقول لا ينفع الا بالعمل
ثم شدوا عليهم من كل جانب فانتقضت صفوفهم، وإن فضوا وأصيب منهم من أصيب وفر منهم من فر فنادت عائشة: يا بني أمكم، أمكم، فثابوا فاحدقوا بالجمل ومعضمهم الأزد وضبة وأشواب من الناس فلم يطف به ساعتئذ شيء الا مات، وهناك كان الكثر القتلى في سنة ست
стр. 180
وثلاثين نقطة وروى إن كان يوم الخميس عاشر جمادي الاخره.
وقعة صفين
وأخبرنا جماعة عن محمد بن الحسن عن جماعة عن أبي المفضل عن حميد بن يونس بن علي العطار عن نصر بن مزاحم عن عمر بن سعد في حديث ذكره في يوم وقعة الماء بصفين قال: لما أشتد بالناس العطش وتزاحفوا عند الشريعة دعا الاشتر بالحارث بن همام النخعي ثم الصهباني فاعطاه لواءه وقال له: يا حارث لولا أني أعلم أنك تصبر عند الموت لم أحبك بكرامتي. فقال: والله يا مالك لاسرنك اليوم في لوائك أو لاموتن فتقدم وهو يقول:
يا أشتر الخيرات يا خير النخع ... وفارس المصر أذا عم الفزع
وكاشف الامر أذا الامر وقع ... ما أنت في الحرب العوان بالجذع
قد جزع القوم وعموا بالجزع ... وجرعوا الغيظ وغصوا بالجرع
следующие страницы →