← История

История · id 30797

المناقب المزيدية في أخبار الملوك الأسدية

أبو البقاء الحلي

Полный текст (499 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

بشر بن ربيعة الختمي لسعد بن أبي وقاص بعد ذلك في أمر عرض: تذكر هداك الله وقع سيوفنا ... بباب قديس والمكر عسير غداة يود القوم لو إن بعضهم ... يعار جناحي طائرٍ فيطير قوله قديس يعني القادسية، وقيل إن الذي بناها مرزبان بن مرازبة الفرس يقال له قادس فعرفت به. وقعة الجمل وذكر بعض أصحاب التأريخ إن المسلمين لما حاربوا الفرس بنهاوند في سنة أحدى وعشرين وعليهم النعمان بن مقرن، وأستشهد يومئذ ﵀. وكانت الفرس مائة الف، وقد جعلوا أنفسهم في سلاسل فجعلوا كل عشرة منهم في سلسلة. فهل يذكر إن فرسان الجاهلية أبتلوا بحرب مثل هذه الحرب وبمنازلة قوم هذه صفتهم؟ وهل يذكر لهم مثل حروب الإسلام في ذات بينهم كيوم الجمل بالبصرة وأيام صفين فانها طالت وتكررت فيها الحروب والوقائع؟. وكيوم الخوارج بالنهروان ومواقف فرسان الصحابة البدريين وغيرهم من المهاجرين والأنصار ومن التابعين بأحسان ﵃ وصبرهم في الجهاد في هذه الحروب؟ فروي إن علي ﵇ لما واقف أصحاب الجمل في البصرة ونادى طلحة والزبير فخرجا اليه فناضرهما

стр. 177

والحديث في ذلك مشهور، نادى الناس يا أمير المؤمنين منا ننتظر بالقوم. فقال: يا أيها الناس إنه ستكون خصومة يوم القيامة فدعونا نزداد أخذا بالحجة عليهم، ثم قال: من يأخذ هذا المصحف فيدعوهم الى ما فيه م هو مقتول وله الجنة فاحذه فتى يقال له مسلم ودنا منهم فرفعه، ونادى: أيها الناس إن أمير المؤمنين يدعمكم الى ما في هذا المصحف فشدوا عليه فقتلوه فجاءت أمه فاحتملته وأقبلت به ورجلاه تخطان في الأرض فالقته بين يديه وهي تقول: يا رب إن مسلما دعاهم ... الى كتاب الله لا يخشلهم فخضبوا من دمه قناهم في رجز لها، ثم رموا أصحابه بالنبل من كل جانب فنادوا يا أمير المؤمنين نضحنا القوم بالنبل فقال: مهلا فقد كنت أرى رسول الله (يحب الحملة أذا قاب الأحياء. ولم يزل

стр. 178

واقفا حتى حملت اليه القتلى من الميمنة والميسرة فالقيت بين يديه، فحينئذ أذن لأصحابه في الحرب، فكانت ساعة هائلة. وروى بعضهم إن الرماح أشرعت بين الفريقين حتى لو إن الرجال مشوا علها لحملتهم. وروي عن أخر شهد الحرب يومئذ إنه قال: ما دخلت قط ديار الوليد بالبصرة الا ذكرت وقع السيوف على البيض في تلك الساعة وكانت ٦٢ دار الوليد للقصارين، وكان فيها عشرة الاف قصار. وكان أصحاب علي ﵇ عشرة الاف أو نحوها أصحاب الجمل أربعة وعشرون الفاً، فاصيب من الفريقين بعد زوال الشمس الى وقت العصر زاد على عشرة الاف منهم من أصحاب علي ﵇ دون الالف الباقون من أصحاب الجمل ثم طفيت الحرب. وروي إنه كان لعلي ﵇ راية يقال لها الجذل ترفع عند الشدائد وفيها يقول الأشتر: اذا ما حسسنا ضرام الوغى ... ادرنا الرحى تحت ضل الجذل بضرب يفلق هاماتهم ... وطعن لهم بعوالي الأسل ابا حسنٍ ضرب خيشومها ... فحولك كل محام بطل فالتفت المسلمون فرأوا الجذل تهفوا فقالوا: إن أمير المؤمنين لم يرضى فعالكم، فاقبل بنفسه، فتقدم مالك بن الحارث الأشتر النخعي، وكان لا يصاحب الا الصعاليك، ولا يصر على درهم، ولا يأكل طعام وحده، فدنا فيمن معه وهو يقول: حرب عوان من جناها هالك ... طلحة فيها والزبير ماحك لو قدها بالسمهري مالك ... ومالك فها الغداة دارك

стр. 179

اخوانه في حربة الصعاليك ... حيث يثير نقعها السنابك والموت بين الفيلقين بارك ... يا طلح يا طلح لما تماحك ان علياً للهدى لمالك ... ان علياً من عصاه هالك في دفعه عن حقه المهالك ... لا يجبه الحجة الا ماحك وتقدم عدي بن حاتم في طي وهو يقول: حرب عوان من جناها نادم ... طلحة فيها والزبير آثم اني عدي ثم شيخي حاتم ... سيان منكم قاعد وقائم وساهر لحربنا وقائم ... يا طلح يا طلح بما تخاصم ان علياً بالكتاب عالم ... ان علياً من عصاه آثم لا يجيبه الحجة الا ظالم وتقدم زهير بن قيس في بني الحرث بن كعب، وكانوا نيران مذحج الذين يفعلون الأفاعيل وهو يقول: ايه بني الحارث أيه لا شلل ... لا عيش الأضرب أصحاب الجمل بالمشرفيات والطعن بالأسل ... حطوا علياً تبلغوا كل الأمل ليس لكم بعد علي من بدل ... والقول لا ينفع الا بالعمل ثم شدوا عليهم من كل جانب فانتقضت صفوفهم، وإن فضوا وأصيب منهم من أصيب وفر منهم من فر فنادت عائشة: يا بني أمكم، أمكم، فثابوا فاحدقوا بالجمل ومعضمهم الأزد وضبة وأشواب من الناس فلم يطف به ساعتئذ شيء الا مات، وهناك كان الكثر القتلى في سنة ست

стр. 180

وثلاثين نقطة وروى إن كان يوم الخميس عاشر جمادي الاخره. وقعة صفين وأخبرنا جماعة عن محمد بن الحسن عن جماعة عن أبي المفضل عن حميد بن يونس بن علي العطار عن نصر بن مزاحم عن عمر بن سعد في حديث ذكره في يوم وقعة الماء بصفين قال: لما أشتد بالناس العطش وتزاحفوا عند الشريعة دعا الاشتر بالحارث بن همام النخعي ثم الصهباني فاعطاه لواءه وقال له: يا حارث لولا أني أعلم أنك تصبر عند الموت لم أحبك بكرامتي. فقال: والله يا مالك لاسرنك اليوم في لوائك أو لاموتن فتقدم وهو يقول: يا أشتر الخيرات يا خير النخع ... وفارس المصر أذا عم الفزع وكاشف الامر أذا الامر وقع ... ما أنت في الحرب العوان بالجذع قد جزع القوم وعموا بالجزع ... وجرعوا الغيظ وغصوا بالجرع

стр. 181

ان تسقنا الماء فغير مبتدع ... ان نعطش اليوم فجند منقطع ما شئت خذ مني وما شئت فدع فقال له الاشتر: ادن مني يا حارث فدنا منه فقبل رأسه وقال ما يتبع هذا الا خير يا حارث . ثم قام الاشتر فحرض أصحابه وهو يقول فدائكم نفسي شدوا شدة المجرج الراجي للفرج فإذا نالتكم الرماح فالتووا فيها وأذا عضتكم ٦٣ السيوف فاليعض الرجل على ناجذه فانه أشد لشؤون الرأس ثم أستقبلوا القوم بهامكم. وبالاسناد عن نصر بن مزاحم عن عمرو بن شمر عن جابر بن عامر بن الحارث بن أدهم وعن صعصعة بن صوحان العبدي، قال: قتل الاشتر في تلك المعركة سبعة وقتل الاشعث خمسة ولكن أهل الشام لم يثبتوا فكان الذين قتلهم الاشتر صالح بن فيروز العكي ومالك بن أدهم السلاماني ورياح بن عبيدة الغساني وأبراهيم بن الوضاح

стр. 182

الجمحي وزامل بن عتيك الجذامي والاجلح بن منصور الكندي ومحمد بن روضه الجمحي. قال: خرج الاشتر على فرس محذوف كأنه حلك الغراب وخرج اليه رجل من أهل الشام يقال له صالح بن فيروز وكان مشهور بشدة البأس فقال: يا صاحب الطرف الجواد الادهم ... اقدم أذا شئت علينا أقدم انا أبن ذي العز وذي التكرم ... سيد عك وكل عكٍ فاعلمِ فبرز اليه الاشتر وهو يقول: اليت لا أرجع حتى أضربا ... بسيفي المسلول ضرباً معجبا انا أبن خير مذحج مزكيا ... وخيرهم نفسا وأما وأبا ثم شد عليه بالرمح فقتله ثم رجع الى مكانه فخرج اليه فارس يقال له مالك بن أدهم السلاماني وكان من فرسان أهل الشام وهو يقول: اني منحت صالحا سنانيا ... اجبته في الروع أذ دعانيا لفارس أمنحه طعانيا

стр. 183

ثم شد على الاشتر فلما رهقه التوى الاشتر على فرسه فاذا هو في بطن الفرس ومار السنان فأخطأه وأستوى الاشتر على فرسه وشد عليه وهو يقول: جاءك رمح لم يكن خوانا وكان قدما يقتل الاقرانا ... بوأته لخير ذي قحطانا لفارس يخترم الفرسانا ... اشتر لا وغلا ولا جبانا وضربه فقتله فخرج اليه فارس أخر يقال له رياح بن عبيدة وهو يقول: اني زعيم مالك بضرب ... بذي غرار من جماع القلب عبل الذراعين شديد الصلب فخرج اليه الاشتر وهو يقول: رويد لا تجزع من الجلاد ... جلاد قرم جامع الفؤاد يجيب في الروع دعا المندي ... يشد بالسيف على الاعادي ثم شد عليه فقتله فخرج اليه فارس أخر يقال أبراهيم بن

стр. 184

الوضاح وهو يقول: هل لك يا أشتر في برازي ... براز ذي غشم وذي أعتزاز مقام لقرنه لزاز فخرج اليه الاشتر وهو يقول: نعم نعم أطلبه شديداً ... معي حسام يفصم الحديدا يترك هامات العدا حصيدة فقتله فخرج اليه فارس أخر يقال له زامل بن عتيك الجذامي: وكان من أصحاب الالويه فشد عليه وهو يقول: يا صاحب السيف الخضيب المضرب ... وصاحب الجوشن هذا المذهب هل لك في طعن غلام محرب ... يحمل رمح مستقيم الثعلب ليس بحياد ولا مغلب فطعن الاشتر في موضع من الجوشن فصرعه ولم يصب مقتلاً وشد عليه الاشتر وقد كسف عن قوائم الفرس بالسيف وهو يقول:

стр. 185

بليت بالاشتر هذا المذحج ... بفارس من حلق مدجج كاليث ليث الغابه المهيج ... اذا دعاه القرن لم يعرج فقتله فخرج اليه فالرس يقال له الاجلح بن منصور وكان من أعلام العرب وفرسانها على فرس يقال لها لاحق فلما أستقبل الاشتر كره لقائه وأستحى إن يرجع فخرج اليه وهو يقول: اقدم يا لاحق بالتسلل ... كانما تقضم مر الحنضل تحت صمل طاهر التهلل ... ان سمته خسفاً أبى لم يقبل ٦٤ - وإن دعاه القرن لم يعول ... يمشي اليه بحسام مفصل مشيا رويدا غيرما مستعجل ... يغترم الاخر بعد الاول فشد الاشتر عليه وهو يقول: لابد من قتلي أو من قتلكا ... قتلت منكم خمسة من قبلكا

стр. 186

كلهم كانوا حماة مثلكا ثم ضربه فقتله، فخرج اليه محمد بن روضه وهو يضرب في أهل العراق ضرباً منكراً ويقول: يا ساكني الكوفه يا أهل الفتن ... يا قاتلي عثمان ذاك المؤتمن ورث قلبي قتله طول الحزن ... اضربكم ولا أرى أبا الحسن فشد عليه الاشتر وهو يرتجز برجز له تركنا ذكره وقتله. فعرفونا أي يوم كان للعرب في الجاهلية وأي أثر لهم يجري مجرى هذه الآثار ومتى ذكر لهم مثل هذه المواقف وأعتد لهم بمثل هذه المشاهد ومن كان من فرسانهم يقاس بهؤلاء الفرسان وأي شجاع من شجعانهم يوزن بهؤلاء الشجعان وقد عدوا وسموا لبسطام وعتيبة جميعاً سبعة من القتلى فهذا فارس من فرسان المسلمين قتل في موقف واحد مبارزة بعدة من قتل في سائر أيام حروبها جميعاً ومدة حياتهما مبارزة والمبارزة أعظم هولاً من المطاردة أضعاف مضاعفة قال أبن نباتة: انما الناس في حذار التنازل ... طلبوا الطعن بالقنا في القتال وأستلانوا الطرد أذ كان بين الك؟ ... ر والفر راح في المجال

стр. 187

وأخبرنا جماعة بالاسناد المذكور عن نصر بن مزاحم عن عمر بن سعد إن أمير المؤمنين علياً ﵇ صلى الغداة في بعض أيام صفين ثم زحف الى أهل الشام فلما أبصروه وقد خرج أستقبلوه بزحوفهم فقاتلوا قتالاً شديداً ثم إن خيل أهل الشام حملت على خيل أهل العراق فاقتطعوا على أصحاب علي ﵇ الف رجل أو أكثر فاحطوا بهم وأحالوا بينهم وبين أصحابهم فلم يروهم فنادا أمير المؤمنين ﵇ الا رجل يشري نفسه لله ويبيع دنياه بأخرته؟. فأتاه رجل من جعفى يقال له عبد العزيز بن الحارث على فرس أدهم كأنه غراب مقنعاً في الحديد لا ترى منه الا عيناه فقال: يا أمير المؤمنين مرني بامرك فولله لا تأمرني بشيء الا صنعته. فقال له أمير المؤمنين ﵇: شريت بامر لا يطاق حفيظة ... حياءً وأخوان الحفاظ قليل جزاك اله الناس خيراً وقد وقعت ... يداك وفضل ما هناك جزيل ثم قال أحمل أبا الحارث شد الله ركنك أحمل على الشام حتى تأتي أصحابك فتقول: إن أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام ويقول لكم هللوا وكبروا ونهلل من ها هنا وأحمل على أهل الشام ونحمل من ها هنا. فضرب الجعفي فرسه حتى أذا قام على السنابك حمله على أهل السام المحيطين باصحابه فطاعنهم ساعة وقاتلهم فانفجروا له حتى أتى أصحابه فلما رأوه أستبشروا به وفرحوا وقالوا ما فعل أمير المؤمنين

стр. 188

فقال: صالح يقرأ عليكم السلام ويقول لكم هللوا وكبروا وأحملوا حملة رجل واحد من ذلك الجانب ونكبر نحن ونهلل من ها هنا ونحمل فهللوا وكبروا وهلل وكبر هو وأصحابه وحملوا على أهل الشام من ثم وحمل بأصحابه من ها هنا فأنفرج أهل الشام عنهم فخرجوا ولم يصب منهم رجل واحد وأصيب من فرسان أهل الشام يومئذ زهاء سبع مائة رجلز فقال أمير المؤمنين ﵇: من أعظم الناس غناء اليوم؟ فقالوا: أنت يا أمير المؤمنين فقال: كلا ولكنه الجعفي. فمن أنكر فضل أهل الاسلام في الشجاعة على من تقدم فليذكر لنا موقفاً لاحد منهم مثل موقف هذا الفارس وفعلاً كفعله. وبالاسناد المذكور عن نصر بن مزاحم قال: حدثنا عمر بن الحارث بن حصيرة و غيره قال: لما تتام أهل الشام وأهل العراق وتوقفوا وأخد الناس مصافهم للقتال قال معاوية: ٦٥ من هؤلاء في المسيرة أهل العراق فقيل ربيعة فلم يجد بالشام ربيعة فجاء بحمير فجعله بازاء ربيعة على قرعة أقرعها بين حمير وعك فقال ذو الكلاع باستك من سهم لم تبغ الضراب فبلغ ذلك الخندف الحنفي فحلف بالله لانه عاينه ليقتلنه أو ليموتن دونه فجاءت حمير حتى وقفت بازاء ربيعة وجعل السكون والسكاسك بازاء كندة والاشعريين وجعل بازاء

стр. 189

همدان الازد وبجيله وبازاء مذحج العراق عكا وبازاء تميم العراق هوزان وغطفان وسليماً فقيدت عك أرجلها بالعمائم وطروحوا بين أيديهم حجراً وقالوا النفر حتى يفر هذا الحجر وقال راجزهم: ويل الام مذحج من عك ... وأمهم قائمه تبكي نضربهم بالسيف ثم الصك ... فلا رجال كرجال عك وصف القلب خمس صفوف وفعل أهل العراق أيضاً مثل ذلك. وبالسناد عن نصر بن مزاحم عن عمرو بن شمر بن جابر قال: سمعت الشعبي يذكر عن صعصعة في ذكره قال: عبأ معاويه لمذحج ولبكر بن وائل ذا الكلاع وعبد الله بن عمر فاقتتلوا قتالاً شديداً وشدة عك ولخم والاشعريون من أهل الشام على مذحج وبكر بن وائل وقال أعكي: ويل الام مذحج من عك ... لنتركن أمهم تبكي نقتلهم بالطعن ثم الصك ... فلا رجال كرجال عك لكل قرن أسد مصك قال فحيمت مذحج ونادى مناديهم خدموا فأترضت مذحج سوق القوم وخاضت الخيل في الدماء نادى مناد: يا آل مذحج:

стр. 190

الله في عك وجذام الا تذكرون الاحلامافنيتم لخم الكرام والاشعريين وآل ذي حمام أين النهى والاحلام؟ وهذه النساء تبكي الحلام فقال العكي: يا آل عك أين المفر اليوم تعلم ما الخبر إنكم قوم صبر كونوا كمفترق المدر حتى يحول الى الحجر ليرى عدوكم العبر لا تشمتن بكم مضر. وفي حديث أخر بالاسناد المذكور عن نصر بن مزاحم بن عمرو بن أبي أسحق عن أب السفير قال: لما التقينا القوم وجدناهم خمسة صفوف قد قيدوا أنفسهم بالعمائم فقتلنا صفاً ثم صفاً حتى قتلنا ثلاثة صفوف وخلصنا الى الصف الرابع ما على الارض شامي ولا عراقي يولي دبره بالاسناد المذكور عن نصر بن مزاحم عن رجاله إن معاويه أرسل الى عمر بن العاص في بعض أيام صفين إن قدم عكا والاشعرين الى من بازائهم فبعث اليهم عمرو إن همذان بازائك فبعث اليه معاويه إن قدم عكا لهمدان فأتاهم عمرو فقال: يا معشر عك إن علياً قد عرف أنكم حي أهل الشام فعبأ لكم حي أهل العراق فاصبروا وهبوا لنا جماجمكم ساعة من النهار فقد بلغ الحق مقطعه. فقال أبن مسروق

стр. 191

العكي أمهلوني حتى أتي معاويه فأتاه فقال: يا معاويه أجعل لي فريضة في الفين الفين ومن هلك فأبن عمه مكانه قال ذلك لك فرجع أبن مسرور الى مكانه فأخبرهم بذلك فقالت عك: نحن لهمدان فتقدموا نحوهم فنادى سعيد بن قيس يا آل همدان خدموا فأخذت السيوف أرجلها فنادى عكي يا آل عك بركا كبرك الكمل يعني الجمل وهي لغة عك فبركوا تحت الجحف وشجروهم بالرماح فتقدم شيخ من همذان وهو يقول: يا لبكيل يهمها وحاشد ... نفسي فداكم طاعنوا وجالدوا صابروا في حربكم وجاهدوا ... تحت تخر منكم القماحد وأرجل تتبعها سواعد ... بذاك أوصى جدكم والوالد اني لقاضي عصبتي ورائد وتقدم رجل من عك وهو يقول تدعون همدان وندعو عكا ... نفسي فداكم يا لعك عكا ان خدم القوم فبركا بركاً ... لا تدخلوا نفسي عليكم شكا قد محك القوم فزيدوا محكا ٦٦ - فالقى القوم الرماح وصاروا الى السيف وأدركهم الليل فقالت

стр. 192

همدان: يا معشر عك أنا والله لا ننصرف حتى تنصرفوا. وقالت عك مثل ذلك فارسل معاوية الى عك إن أبرو قسم القوم فأنصرفت عك ثم أنصرفت همدان وقال عمرو: يات معاويه لقيت أسد أسداً لم أر كاليوم قط لو إن معك حياً كعك أو مع علي حياً كهمدان لكان الفناء. وقال عمرو في ذلك: ان عكا حاشدا وبكيلا ... كاسود الشرى تلاقي أسودا اذا رما القوم بالقنا تساقطوا ... بظبات السيوف موتاً عتيداً ليس يدرون ما أفرار وأن ... كان فرار وكان ذاك شديدا فازورار المناكب الغلب بالسمر ... وضرب المسومين الخدودا ثم والله ما رأيت من القوم ... ازورارا ولا رأيت صدودا غير ضرب المسومين على الهام ... وقرع الحديد يعلوا الحديدا ولقد فضل المطيع على العا ... صي ولم يبلغوا به المجهودا ولفد قال قائل خدموا عكا ... فخرت عكٌ هناك قعودا كبراك الجمال أثقلها الحمل ... فما تستقل الا وئيدا

стр. 193

قال: ولما أشترطت عكا والاشعريون على معاويه ما أشترطوا من الفريضة والعطاء وفعطاهم لم يبقي من أهل العراق أحد في قلب مرض الا طمع في معاويه وشخص بصره اليه حتى فشى ذلك في الناس وبلغ ذلك علياً ﵇ فجاء المنذر بن أبي الجهضة الوادعي وكان فارس همدان وشاعرهم فقال: يا أمير المؤمنين إن عكا والاشعريون طلبوا الى معاويه الفرائض والعقار فاعطاهم فباعوا دين بالدنيا والضلالة بالهدى وأنا قد رضينا بالاخرة من الدنيا وبالعراق من الشام وبك من معاويه والله لاخرتنا خير من دنيانا وعراقنا خير من شامهم ولامامنا أهدى من أمامهم فامتحنا بالصبر وأحملنا على الموت ثم قال: ان عكا سألوا الفرائض والاش؟ ... ؟ عر سألوا قطاع البثينه تركوا الدين للعقار وللفر ... ؟ ض فصاروا بذاك شر البرية وسألنا حسن الثواب من الل ... هـ وصبرا على الجهاد ونيه فلكل ما سأله ونواه ... كلنا نحسب الخلاف خطيه ولأهل العراق أحسن في الحر ... ب أذا خلت الأمور بقية ولأهل العراق أحمل للثق ... ل أذا عمت البلاد بليه ليس منا من لم يكن لك في الل ... هـ ولياً يا ذا الولا والوصية

стр. 194

فقال له علي: حسبك، رحمك الله وأثنا عليه وعلى قومه خيراً وبلغ ذلك معاوية فقال: والله لأستميلن بالأموال أهل ثقة علي حتى تغلب دنياي أخرته. فاما المارقون بالنهروان، فان الروايات أتفقت على أنهم ترجلوا وعقلوا أنفسهم بالعمائم، وكسروا جفون سيوفهم ونادوا: الرواح الرواح الى الجنة، فانقطع منهم خمسمائة، فقالوا: أنا نخاف إن تكون روحتكم الى النار، وأنهزموا عنهم وصبر الباقون فقتلوا جميعا الا نفر منهم قيل أنهم دون العشرة. وكم كان بصفين من الوقائع الهائلة التي هي أعظم مما ذكرناه كليلة الهرير وغيرها، مما لو أستقصينا ذكره وأردنا شرحه تجاوز ذلك حد مقصودنا في هذا الكتاب، وضاع فيه المعنى وتبدد الغرض، وأنما قصدنا أيراد ما يستشهد به على حسن صبر أهل الإسلام، وفضلهم على غيرهم، وتوطنهم أنفسهم على الموت الذي لا يشكون في حلوله بهم في تلك الساعة، لا يطمعون بفرار منهم ولا بعد عنهم. وروي إن أمير المؤمنين ﵇ كان يحرضهم فيقول: عضوا على أضراسكم فانه أنبى للسيوف على هامكم، والتووا في أطراف الرماح فانه أمور للاسنة في ضلوعكم، وأقلوا الكلام فانه أطرد للفشل عنكم، ولا يهولن أحدكم مصرع أخيه الى جنبه، وعليكم بالأكثار من

стр. 195

قول لا اله الا الله والله أكبر، فان حبيبي رسول الله (أخبرني أنها آية التصبر. فكم بين قومٍ يعقلون أنفسهم بعمائم ويلقون الحجارة بين صفوفهم لا تف حتى تفر هذه الحجارة، ويتحالفون٦٧ أنهم لا يلتفت أحد منهم وراءه وبين أخرين يصنعون خيلهم ويكرمونها ويؤثرونها بالاقوات على أنفسهم وعيالهم لينجوا عند هزيمتهم وفرارهم اليس عنترة يقول: وليس الفرار اليوم عاراً على الفتى ... وقد جربت منه الشجاعة بالامس ويقول لامرأته لما عاتبته على أيثاره فرسه باللبن دون عياله: ان العدو لهم اليك وسيله ... ان ياخذوك تكحلي وتخضبي وأنا أمروءً إن ياخذوني عنوة ... اقرن الى شر الجمال وأجنب ويقول أيضاً في شأن فرسه: اذا لحقت قب البطون عوابس ... هنالك تجزيني الذي كنت أصنع وفي مثل ذلك يقول قيس بن زهير: تخاف عليه إن تخون أبن عمها ... اذا لحقت قب اللبطون عوابس اليس بسطام لما ناداه عتيبة أستأسر يا أبا الصهباء، قال له: ما

стр. 196

شاءت الشقراء اليس هو الذي وضع السيف في أبل الصباحي يعقرها لما رهقه التبع يأساً منها ليطير بنفسه حتى ناداه صاحبها لا تفعل لا أبا لك فاما لنا وأما لك. فكم بين قوم يأخذون أهبة الفرار وآخرين يأخذون أهبة الاصطبار!. وأشدها فتكاً ثلاثة أيام: يوم جبلة، ويوم الكلاب الثاني، ويوم ذي قار، وقيل إن يوم جبلة كان قبل الاسلام بثلاثين عاماً، وقيل باربعين، سارت فيه بنوا تميم كلها مع لقيط بن زرارة الى بني عامر الى بني سعد بن زيد مناة بن تميم فانهم لم يتخذوا لقيطاً على بني عامر لانه يقال إن صعصعة أبا عامر بن صعصعة يجلح الى سعد بن زيد مناة فقالوا هم أخوتنا لا نعين عليهم. وأستنجد لقيط بالنعمان بن المنذر الملك فانجده بعسكره مع أبن أخيه لامه حسان بن وبرة بن رومانس الكلبي، وأستمد ببني ذبيان فساروا معه الا بني بدر، وأستمد ببني أسد بن خزيمة فأمدوه وأتى الملكين الكنديين حسان ومعاوية أبني الجون فاستنجدهما فسارا معه بجيوشهما، فحصروا بني عامر في شعب جبلة ثم كانت الكرة لبني عامر فضربت بهذا اليوم الامثال وقيلت فيه الاشعار وفيه قال السندري بن علياء الجعفري مفتخراً يوم تنافر عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة: هل لكم يوم كيوم جبلة ... يوم أتتنا أسد وحنظله والملكان والجموع أزفله ... كأنهم مهنوة مجدله

стр. 197

نقريهم هندية مصقلة ... لم تعد أن أفرش عنها الصقله اخبرنا الرئيسي أبو القاسم يحيى بن محمد بن عيسى إجازة عن أبى غالب محمد بن سهل المعروف بابن بشران الواسطي عن أبى الحسين علي أبن عبد الرحيم بن دينار الكاتب الواسطي عن أبى بكر بن مقسم البصري المقري وأبى علي محمد بن عيسى الطوماري جميعا عن أبى العباس محمد بن يزيد الازدي ثم الثمالي المبرد عن حماد الرواية عن أبن أبى بكر الهذلي عن أبيه وكان قد حضر يوم جبلة وطال عمره إلى أيام الحجاج: إنه حدث إن الخيل يومئذ كانت في الفريقين مع ما كان مع بني الجون الملكين ثلاثين فرساً. يوم فيف الرياح ومن أيامهم يوم فيف الرياح ويقال فيفاً الرياح سار فيه ذو الغصة الحارثي وأنس بن مدرك الخثعمي في بني الحارث بن كعب وجعفى وزبيد وغيرها من قبائل سعد العشيرة ومراد وصداء ونهد وشهران وناهس وقبائل الجثعم كلها وأكلب وهي قبيلة تنسب إلى ربيعة بن نزار فاجتمعت هذه القبائل كلها على بني عامر فكان مما أستعد به عامر بن

стр. 198

الطفيل للقائهم أربعون رمحاً أبتاعها من هلال بأربعين بكره وفرق الرماح في قومه فقهرت بنو عامر هذه القبائل كلها وفي ذلك يقول أبو دؤاد الرؤاسي: ساقوا شعوبا وعنساً من ديارهم ... ورجل خثعم من سهل ومن علم ولت رجال بني شهران تتبعهم ... خضراء ترميهم بالنبل على شهم ٦٨ - والزغابية تكفيهم وقد جعلت ... فيهم نوافذ لا يرقعن بالدسم ظلت يحابر تدعى بين أرجلنا ... والمستميتون من حاءٍ ومن حكم حتى تولوا وقد كانت غنيمتهم ... طعناً وضرباً عريضاً غير مقتسم وفي ذلك يقول عامر بن الطفيل: أتونا بشهران العريضة كلها ... وأكلبها شذاذ بكر بن وائل وخثعم حي يعدلون بمذحج ... وما نحن إلا مثل إحدى القبائل

стр. 199

فبتنا ومن ينزل به مثل ضيفنا ... يبت عن قرى أضيافه غير غافل وهي أبيات فهذه كانت عدة خيلهم يوم جبلة وعدة رماحهم يوم فيفا الريح، فليقس سامع سائر ما يسمع به عنهم بذلك. فأما عدة قتلاهم ومن أتصيب بينهم في أيام حروبهم فهذا حرب بكر وتغلب إحدى الحروب الثلاثة، وهو من الحروب العظيمة فأيامه من الأيام القديمة، يسمونه حرب البسوس، وحرب الناب، وحرب أبني وائل ترددت فيه الحروب بينهم أربعين عاماً، وأسماء المواضع التي كانت فيها الوقائع بينهم معروفه موجود ذكرها في أيام العرب، وكانوا يتحالفون فيه ويقسمون أيديهم في دماء الجزر، وسموا يوماً من أيامه يوم التحالق لأن بني بكر حلقوا فيه لممهم وأوردوا فيه أحاديث عجيبة وعملوا فيه وحده سيرة وفي يوم من أيامه وهو يوم عنيزة ويقول المهلهل بن ربيعة: كانا غدوة وبني أبينا ... بجنب عنيزة رحياً مدير فلولا الريح أسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذكور وضرب الشعراء وغيرهم الأمثال، وقالوا تفانا فيه الحيان وقتل

стр. 200

بعضهم بعضا حتى صبغ في دمائهم ثياباً حمراً ولبسها، ورووا فيه من كثرة القتلى ما هو متداول على السنة الناس إلى اليوم. وروي إن أحيحة بن الجلاح الاوسي أراد أن يسفر بين بغيض في الصلح، فرحل في جماعة من أشراف قومه حتى أتى بني عبس، فنزل بهم ودعاهم إلى الصلح قومهم وخوفهم من أستئصال الحرب وكان ذلك عند قتل بني بدر مالك بن زهير فقال له قيس يا أبا عمرو: إن حذيفة لا يرجع عن بغيه ولا يميل إلى البقية، وقد قتل مالكاً بغير قتيل، وإني لأرجو النصر عليه، فلما كان في الليل تسمع، قال يسمع أحيحة: يا أوحيح الجلاح إن بني بد ... ر يرون القريب منهم بعيدا لابسي العار في فزارة يهدو ... ن إلينا من السفاه الوعيدا قتلوا مالكاً بغير قتيل ... ليتني كنت قبله المفقودا فلئن باءت المنون عليه ... إن فيهم منه لثأراً عتيدا حملا أو حذيفة أبن أبيه ... وشقيقه مالكاً أو يزيدا إن تكونوا بني فزارة أثرى ... من بني عبس الغداة عديدا فلقد تعلم القبائل أنّا نستبي ... ح المتوج الصنديدا وإذا هابت القبائل ورداً ... من حياض المنون رمنا الورودا ثم لم يتعد عما دعاه أحيحة من الصلح. ورحل أحيحة إلى بني بدر فنزل بهم ودعاهم إلى الصلح، وخوفهم عواقب البغي، فأشار حمل بن بدر على

стр. 201

أخيه حذيفة بقبول رأي أحيحة فأبا فقال حمل في ذلك: أما والذي أرسى ثبيراً مكانه ... لئن أنت لم تقبل سلام بني عبس لتصطحبن كأسا من الموت مرة ... بأيدي رجالٍ غير ميلٍ ولا نكسِ أمرتك أمرا حازماً فعصيتني ... فبت أمنا حتى يغيبني رمسي وهي أبيات ثم لم يمكنه الخروج عن رأي أخيه حذيفة فتابعه على ما أراد فقال حذيفة شعراً يوعد فيه بني عبس، ورفع به عقيرته في الليل يسمع أحيحة منه قوله: إن قيساً عن سلمنا وأخاه ... وربيعاً كالحية الصماء ولا يريدون ما نريد وودوا ... لو رمينا بالصيلم الصلعاء ولرد الحلاب في صرة الضر ... ع وخرط القتاد في الظلماء أهون اليوم أن أسالم عبساً ... بعد سفك الدماء والشحناء والحديث في ذلك والأشعار فيه موجودة معروفة فرحل أحيحة عن٦٩ بن بدر و هو يقول: أتيت بني بدر أبن عمرو نصيحةً ... فاخلف ظني في حيفة والحمل وقالا مقال الباغيين ولا أرى ... عواقب أهل البغي إلا إلى الفشل فقلت الا لله در أبيكما ... الا تقبلان النصح وللامر مقتبل ألم تسمعا ما كان في حرب وائل ... من الشر في نابٍ وما نلتما أجل فضرب لهم المثل في حرب وائل وما كان فيه لعظمه في نفسه ونفوسهم ولم يزل الناس يضربون به الأمثال حتى أنَ الرضي ﵁ يقول في الامس في مرثيته لابي الهيجاء حرب بن سعيد بن حمدان

стр. 202

التغلبي: خلجتم لحسام بن مرة طعنةً ... رأى المجد فيها هجرس وهو عابث وقد كان دينٌ في كليب وفى به ... غريم مطول بالديون مماغث وغادرتم أشلاء بكرٍ مقيمة ... على العار لا تحثى عليها النبائث وقائع أيامٍ كان أكامها ... بباقي دم الطعن الاماء الطوامث تدعون عنها في قناكم مباشم ... وعند قنى بكرٍ إليكم مغارث وفي العامة من يزعم أن عظام قتلى بكر وتغلب موجودة بعنيزة وما حولها إلى اليوم. فبع هذا كله وما لا يحصى من أمثاله روى العلماء أن القتلى من الحيين جميعاً لم تبلغ عدتهم في مدة الحرب كلها عشرين قتيلاً. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى سمعت عامر بن عبد الملك المسمعي يقول: لم يكن من القتلى ما يعدون وجميع من قتل من تغلب الذين ذكرهم مهلل في شعره هم ثمانية وجميع من قتل من بكر أربعة. وقد ذكره مهلهل أيضاً في شعره حيت يقول:

стр. 203

فلو نبش المقابر عن كليب ... لخبر بالذنائب أي زير بيوم الشعثمين أقر عيناً ... وكيف لقاء من تحت القبور وهمام بن مرة قد تركنا ... عليه القشعمان من النسور ينوء بصدره والرمح فيه ... ويأطره خدب كالبير وأني قد تركت بوارداتٍ ... بجيراً في الدم مثل العبير هتكت به بيوت بني عباد ... وبعض القتلى أشفى للصدور وسمى قتل بني تغلب أيضاً في شعره فقال: ما أرجي بالعيش بعد ندامي ... قد أراهم سقوا من كأس حلاق

стр. 204

بعد عمرو وعامر وحيي ... وربيعي صدوق وأبن عناق وأمرئ القيس ميت ما كرم ... اودى وخلى علي ذات العراق وكليب خير الفوارس ذا عز ... رماة الكماة بالأتفاق قال عامر بن عبد الملك المسمعي، فهؤلاء جماعة القتلى من الفرقين قد كرهم لا غير فأبى ذلك عله أخوه مسمع بن عبد الملك، وقال: إن أخي مجنون كيف يحتج بالشعر وقد قتل جحدر أبى مكنف يوم قضة ولم يذكره شاعر، وقتل ناشرة ولم يذكر شاعر، وقتل أبن الفتيحة وقد ذكره سعد في شعره، فذكرت ذلك لعامر فقال: إن كنت قد غفلت الذكر ثلاثة نفر فما عسى إن يكونوا يعدون من القتلى. فهذا قدر قتلاهم في حرب بكر وتغلب مع ما يفخمون من قدره ويعظمون من أمره. وذكر بعض أصحاب السيرة والتأريخ إن المسلمين لما حاربوا

стр. 205

الروم باليرموك وعليهم أبوا عبيدة وذلك في رجب من سنة خمس عشرة، وكان هرقل بانطاكية وقد أحتشد بكل من تابعه على دينه من الرومية وإلى القسطنطينية وأستمد بكل ما أمكنه، وقدم على الروم باهان فهزمهم المسلمون في يوم ضباب، فمروا بهروة فتساقط منهمثمانون الفاً وأحصوا بعد ذلك بيوم واحد وأصاب المسلمون منهم في المعركة أربعين الفاً. وأتصيب بالقادسية وجلولاء ونهاوند ضعف ذلك وأتصيب بيوم الجمل في البصرة من الفريقين زائد على عشرة الاف وأنما كانت ساعة نهار، وأتصيب بصفين في إحدى الروايتين مائة الف منهم من أهل العراق خمسة وعشرون الفاً والباقون من الشام. وفي رواية أخرى إن الذي أتصيب من ٧٠ الفريقين خمسة وسبعون الفاً، وفي رواية أخرى تسعون الفا. فأما الخوارج بالنهروان فقد تقدم ذكر من أتصيب منهم في بعض نهار وإنه لم ينج منهم الا دون العشرة. فليتأمل متأمل فضل أهل الإسلام على من تقدمهم في الأحوال كلها، فلو قال قائل إنه لم يصب في حروب الجاهلية من يوم السلان إلى إن قام الإسلام بعد إن أتصيب في يوم واحد من أيام المسلمين في أحد هذه الحروب لصدق. ولم نقصد بذكر ما ذكرناه عنهم من قطعهم بالفضل لبيوتات من العرب وغيرها أشرف منها، وبالفروسية لفرسان غيرهم أفرس منهم، ومن التعظيم لأيبام الحروب غيرها أعظم منهما وأشد كناية وأكثر قتلى أضعافاً مضاعفة إلى ما لا يكاد يحصى، وأستشهدنا عليه بما أستشهدنا، وأقمنا عليه من الدلائل ما أقمنا الا توطين للمسامع، وليتقرر في نفسه إن كل ما ذكروا له في الجاهلية شرفاً ففي أهل الإسلام من

стр. 206

أشرف منه، وكل من سمو له في الجاهلية موقف مشهورة وأيام مذكورة ومساعي عظيمة، ففي أهل الإسلام بحمد الله من مواقفه أشهر ومساعيه وأيامه أعظم، وأنما جعلنا ذلك مثالا لما أردناه وقياس مطرد لما نحوناه من ملك العرب سيف الدولة أيده الله بنصره على كل من تقدم ممن سمي بهذا الأسم في الجاهلية، ومقدمة له وسياقه اليه وشاهدا عادلا عليه وأنما ذهب الرواة في تفضيلهم الملوك المتقدمين هذا المذهب الذي ذهبوا اليه في تفضيل غيرهم ممن لا يجري مجراهم فأعطوهم فوق حقهم من التعظيم وأعدوا لهم أضعاف ما أستحقوه من التبجيل وأعينوا بالفصاحة التي أيدوا بها والبلاغة التي فاتوا الأمم بفضلها، فنطقوا بكل طريفة عجيبة وفاه بكل مستحسة غريبة، وكثروا بها القليل وعظموا بها الصغير، وفاتوا بها من جاء بعدهم، وقدروا من جواهر الكلام وغرائبه ونظمه ونثره على ما لا يقدر عليه سواهم فجاءت أشعارهم وخطبهم وأحاديثهم ومحاورتهم وسيرهم وأمثالهم وكل ما نقل عنهم بالفاظ عليها رونق طلاوة ولها في الأسماع والقلوب عذوبة وحلاوة فانسط اليها المسامع أستغراباً، وتطلعت اليها نفسه أستطرافا وأستحسانا فقالوا من شاءوا وتبعهم الناس عليه الا ترى أنهم كانوا يسجعون السجع الغريب في أمر باطل مستحيل فيستحسن منهم وينقل عنهم ويضربون المثل السائر عن غير شيء، فيتداول ذكره السامعون ويتحدث به المتحدثون مع علمهم بانه مسند إلى باطل موضوع عن غير شيء وأنما ينقله الناقلون عن حلاوة اللفظ،

стр. 207

وما يجعل له من حسن الحفظ كقولهم قيل للقمر ما أنت لليلة؟ فقال رضاع سخيلة حل أهلها برميلة. قيل فما أنت لليلتين؟ قال حديث أمتين بكذب ومين. ووضعوا هذه الموضوعة لثلاثين ليلة فتلقاها الناس منهم ونقلوها عنهم حتى إن الأصمعي روى إن أمير المؤمنين الرشيد سأله عن هذا الحديث فحدثه به وقال: إن العرب تقول من حفظ فقد كمل عقله، فاستعاده منه مرارا ثم قال له خذه علي. الا ترى أنهم قالوا قال الثعلب للضب شعرا: قد خربوا بيتك لا أبالكا ... وأنا أمشي الدءالي حيالكا فتبعهم الناس على نقل ذلك وتحدثوا به الا ترى أنهم قالوا: جاء الثعلب و الأرنب إلى الضب يتخاصمان فنادياه: يا أبا الحسيل، فقال: سميعا دعوتما، فقالا: حييت فقال كلمة مقولة، فقالا: جئناك لنحتكم، فاخرج الينا، فقال في بيته يؤتى الحكم، فقالت الأرنب: أني فتشت عيبتي فقال: فعل الحره قالت: فلقيت تمرة، قال: حلوة فكليها، قالت:

стр. 208

فأخذها الثعلب مني، فقال: لنفسه بغى الخير، قالت: فلطمته، قال: بجرمه، قالت: فلطمني، قال: حر أنتصر، والحكاية معروفة. وقالوا: تمثل الشيطان لإبنت الخس، فقال لها: قولي كاد ثلاثا، فقالت: كاد، فقال: كاد النعام إن تطير٧١ فقالت: كاد، فقال: كاد العريس إن يكون ملكا فقلت: كاد، فقال: كاد المنتعل إن يكون راكبا. ثم قال لها قولي عجبت ثلاثا. فقالت: عجبت، فقال: عجبة للحجارة لا يهرم كبيرها ولا يكبر صغرها، فقالت: عجبت، فقال: عجبت للسبخة لا يجف ثراها ولا ينبت مرعاها، فقالت: عجبت، فقال: عجبت لحرك لا ينزف ولا يدرك قعره. فهذه الموضوعات وأمثالها أنما نقلها الناس عنهم، وتحدثوا بها مع علمهم أنها أباطيل موضوعة أستحسان للفظها لا غير فكيف لا ينقل عنهم ما سواها مع حسن حظهم في هذه الحال. الا ترى أنهم قالوا: الغطريف الأكبر، والغطريف الأصغر، وتتبع الأكبر، وتتبع الأصغر، والمنذر الأكبر والمنذر الأصغر والنعمان الأكبر والنعمان الأصغر، والحارث الأكبر والحارث الأصغر، ومعنى ذلك كله

стр. 209

الأول والثاني أو الجد والأبن والأب والأبن. وقالوا: الأذواء ذو الجناح، وتبع الأقرن، ذو يزن وذو جدن وذو أصبح وذو كلاع وذو رعين وذو نواس وذو أهنات وذو منارة بذلك فيما زعموا لانهم بنى على طريق ببلاد اليمن منارا أعلاما للسيارة يهتدون بها، وأمثال هذه الأسماء من الأذواء في اليمن كثير وأفتخروا بها، فقال أبو نواس في أفتخاره: ودان أذوان البرية من ... معتراها ورغبة ورهابها ولعل تحتها من المعني ما لا يجوز إن يفتخر به الا إن لعذوبتها وفصاحتها وأستغرابها متداولة منقول الا ترى أنهم قالوا، المنذر ذو القرنين لذؤابتين كانتا له، وسموا الملك الهمام، وعبروا عن ذكره بذى التاج وقالوا له: أبيت اللعن ولهذه الألفاظ والأسماء روعة في القلوب وقبول في الأسماع، الا ترى أنهم سموا جذيمة الملك الأبرش لبرصه بالوضاح وهذا أسم حلو في المسمع مقبول في القلب ما لم يعلم السامع معناه، فاذا علم أنهم يريدون به الأبرص نفر منه وكره سماعه فصاغوا لهذا المعنى المكروه أسما محبوبا لقدرتهم على التصرف في البلاغة كيف شاءوا. ومن جملت ذلك أنهم سموا عامر بن سعد المري بالضحيان فعرف بذلك مدة عمره، وعرف

стр. 210

ولده بعده ببني ضحيان وقالوا: انما سمي بذلك لانه كان يجلس بفناء بيته بالضحى. فأي أي فخر في هذا الفعل ومن ذا الذي يتعذر عليه أن يفعل مثله. ومن جملة أعاجيبهم وفرط حظهم في ذلك أنهم سموا معاوية وفلانا أبني الحارث بن عمرو بن معاوية بن الحارث الاكبر الكندي الملك، وأمهما لميس الغسانية، فهما يعرفان بابني لميس فسموا معاوية، مقطع النجد فيما زعموا لشجاعته، وسموا الاخر حجر القرد لجوده زعموا وسخائه وسرعة عطائه. وقالوا: من عادة القرد إنه متى ما رأى أنساناً بادر فرماه بحجر وكذا هذا الملك سريع العطاء لكل من قصد اليه ووفد عليه فترك أسمه الحقيقي ونسى فلا يذكر. ولزمه هذا الاسم المعروف به، وما أستحق مع ما وصفوه به من الجود والسخاء، وسرعة البذل والعطاء أن يسموه بهذا الاسم القبيح الذي أستحال به مدحهم له على مر الأيام ذماً، وثناؤهم عليه سبا، الا ترى أنهم سموا الكتائب الشهباء ودوسر والملحاء. الا ترى أنهم يدعون المرء من المناقب عند الرضا والمدح ما ليس هو له ولا لدونه بأهل قصدا منهم للتحدث بطرائف الامور وإن يوثر عنهم ويتبع أثارهم فيها، كقولهم إن الحجاج بن يوسف كان يغدي كل يوم على الف مائدة، على كل مائدة جبن وسمكة وثريدة يأكل على كل مائدة عشرة من الناس، ويعشي

стр. 211

على مثل ذلك وكان يطاف به في محفة على الناس ويقول يا أهل الشام: كسروا الخبز لئلا يعاد عليكم. ولسنا ننكر ما بلغه الحجاج في عصره من القدرة الثروة ولا نستنكر له إن يكون فعل مثل ذلك يوما أو أياماً أو في حال جامعة عرضت أو مقامه ببعض الامصار فتحفل لذلك وتكلفه وأستعد له لما هو أوفى منهم ولا ندفع ذاك ولا نقول إنه لم يكن قادراً على أمثاله، وأنما يضعن على من روى ذلك٧٢ في أطلاقه القول بانه كان يفعل هذا في كل يوم على سبيل الاستمرار والدوام ولم يستثن في ذلك بحال ولا قيده بشرط، ولا خصه بمكان من الاماكن ولا وقت من الاوقات ومعلوم إنه كان باليمن ثم بالعراق، وكان أكثر زمانه بالكوفة ومر بالحجاز " ويسير مرة إلى حرب ويتجهز لقتال أفترى إنه كان مقامه بالحجاز " وحصاره لابن الزبير بمكة يحضر على موائده في كل يوم غدوة وعشية الف سمكة لا يذكر غير ذلك، وإن كان قد روي مثل ذلك لا إنه حصر بايام ولم يطلق القول فيه لدهره ومدة عمره. روي إنه صنع طعاماً لعشرة الاف غداء وعشاء أيام كما قيل، فاعجبته نفسه فقال لزاد فروخ الفارسي: ويحك هل أطعم أحد من ملوك فارس مثل هذا؟ فقال: لا ولا سمعنا بمثله فقال: والله لتخبرني وأنت أمن فقال: زمزمت أبنة لكسرى فجمع الناس لطعامها، ففتق في أشنان غسل أيديهم سبعين الف فارة مسك فما مسألتك عن الطعام وهو لا يحصى كثرة، فقال: أف لك، أما إنه ما تركت فارس لمن بعدها شيئاً. فقد ذكرنى له وهو الذي أدعوه الا إنه أعتده أياما، وهذا مما يجوز مثله،

стр. 212

فأما أطلاق القول بدوامه فهو مستحيل بدليل العقل. وروي بعضهم عن الحسن بن الرجاء بن الضحاك إنه ذكر إن المأمون ﵁ لما نزل فم الصلح لتهدي اليه بوران بنت الحسن بن سهل، كانت جرايات الملاحين تطلق في كل يوم لسبعين الف ملاح فكم كان لغيرهم؟ الا نهم كانوا يمخرقون للمتقدميين بالقليل وينسون لغيرهم أضعافه ومما يقاس به ذلك من مذهبهم أنهم رووا إن الخصيان كانوا في عهد أبرويز لخاصته خمسة الاف. وذكر القاضي التنوخي في بعض رواياته إن الخصيان كانوا في دار المقتدر ﵁ أحد عشر الفاً. ومما يتناقض به ما أدعوه للحجاج ما رواه أبو عبيد الله المرزباني عن أبى حاتم عن أبى عبيدة، قال: كان المغيرة بن عبد الله بن أبى عقيل الثقفي بخيلاً، وكان والياً على الكوفة من قبل الحجاج وكان يؤتى على طعامه بجدي لا يمسه غيره، وكان على شرط الكوفة للحجاج عبد الرحمن بن عبيد بن طارق العبشمي، فقال لرجل من الشرط من تيم الرباب إن أكلت من جدي المغيرة لم أكلفك النوبه سنة فأكل منه التميمي وعرف المغيرة ذلك فشكاه إلى الحجاج فعزله. وروي المرزباني أيضاً باسناد ذكره إن الحكم بن أيوب الثقفي عامل

стр. 213

الحجاج بالبصرة كان بخيلا، وكان عامله على العراق جرير بن بيهس، وكان جرير يلقب العطرق فأكل معه يوما فجيئ بدراجة فتناول جرير فخذها فعزله الحكم عن عمله. فقال شقيق بن ثور المازني في ذلك شعراً منه: قد كان بالعراق صيد لو قنعت به ... فيه غنى لك عن دراجة الحكم وهي أبيات، وفي الحكم بن أيوب هذا مع ما حكوه عنه من البخل يقول جرير خرجن من ثهلان أو وادي خيم ... على قلاص مثل خيطان السلم اذ قطعن علماً بدا علم ... حتى أنخناها على باب الحكم خليفة الحجاج غير المتهم ... في ضيضء المجد وبحبوح الكرم فهذا كان مذهب القوم في مقالهم وتفخيمهم لصغائر الامور. ومن جمله ذلك أنهم سموا نفرا من قريش أزواد الركب وهم: مسافر بن أبى عمر بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وزمعه بن الاسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزي بن قصي، وأبو أمية بن المغيرة المخزومي.

стр. 214

وقالوا: كان هؤلاء أذا خرجوا في أسفارهم يمنون من مسافر معهم. وروي إن ذا الخليطين عتاب بن ورقاء الرياحي غزا سجستان فمنع الناس إن يضرموا نارا واردين وصادرين فلم يسم بهذا الأسم، ولا قدر أحد على مثله لحلاوته وفصاحته، وروي إنه سمي ذا الخليطين لانه كان يخلط الدنانير والدراهم ويعطيها الناس. ومن ذلك إنه سموا ما في بيوتهم من زربية ووسادة صوف ومسح شعر وقطعه من هدم بالكفاء والنضيد وفي بيوت أوساط أهل عصرنا هذا السندس والطميم والسوسنجرد وأمثالها ليس لها ٧٣ مثل حسن ذلك الأسم. وروي إن محمد بن عبد الله بن منمير الثقفي كان قد شبب بزينب بنت يوسف أخت الحجاج، فطلبه الحجاج، فهرب منه، فلما ظفر به سأله عن قوله: ولما رأت ركب النميري أعرضت ... وكن من إن يلقينه حذرات فقال له: ما كان ركبك؟ فقال: كنت على حمار لي هزيل، ومعي رفيق لي على أتان مثله. والشعر معروف وحكايته معه في ذلك معروفة. وقيل إن عبد الملك سأله أيضا عن ذلك فقال له: ما كان ركبك يا نميري؟ فقال: أربعة أحمرة لي أحمل عليها القطران، وثلاثة أحمل عليها البعر. وروي عن ليلى بن عروة بن زيد الخيل أنها سألت أباها عن قول أبيه: بني عامر لو تعلمون أذا غدا ... أبو مكنف قد شد عقد الدوائر

стр. 215

بجيش تضل البلق في حجراته ... ترى الأكم منه سجدا للحوافر وجمع كمثل الليل مرتجس الوغى ... كثير تواليه سريع البوادر فقالت له: كم كان خيلكم يا أبه؟ فقال: ثلاثة أفراس. ومما يشابه مذهبهم في ذلك ما أخبرنا به أبو الغنائم محمد بن علي بن ميمون النرسي المعدل بالكوفة - كان يعرف بأبيّ لحسن قيامه بقراءة القران وأتقانه - عن القاضي أبى عبد الله الحسين بن محمد النصيبي عن أسماعيل بن محمد عن محمد بن القاسم عن أبيه عن أحمد بن عبيد عن المدائني، قال: سمع أسماء بن خارجة نادبة تندب في الليل وهي تقول: من للمنابر والخافقاتو للج؟؟ ... ود بعد زمام العرب ومن للعفاة وفك العناة و ... من يفرج الكرب عند الكرب ومن للطعان غداة الهياج و ... من يمنع البيض عند الهرب فقال: أنها تندب رجلا شريفا فأنظروا من هو. فقيل جارنا فلان البقال أبن أزدان الحايك. فقال أسماء: هذه أعظم المصيبتن. ومن المعلوم إن من
следующие страницы →