Полный текст (499 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وقالوا كيف نراميهم وأنت معهم يا رسول الله؟ فقال (: " ارموا وأنا معكم جميعا " فأحسنوا الرمي يومئذ وما فضل أحد منهم صاحبه. وروي أيضا عن أبيه أبراهيم بن المنذر عن عبد الله بن وهب المضري عن أبى لهيعة عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم إن رسول الله (لما قدم عليه الأشعريون من اليمن في السفينة إلى مكة وقد أوحي اليهم لا تهاجر حتى يقدموا قال لهم: " انتم مهاجرة اليمن من بني أسماعيل " وذكر تمام الحديث وهو خارج عن المقصود ها هنا فان سلمت أسانيد هذه الأحاديث عن النبي (فلا حكم لغيرها ولا تأثير لسواها وقد ثبت نسب القوم إلى أسماعيل ﵇ والله تعالى ورسوله أعلم.
وأخبرنا محمد بن هبة الله بن جعفر عن أبى يعلى محمد بن الحسن عن علي بن الحسن العلوي عن المزرباني عن أحمد بن سليمان الطوسي عن الزبير بن بكار المؤملي عن عبد الرحمن بن أبى زياد عن أبيه قال: أستب أبن صياد وأبن حزم فقال أبن حزم لإبن صياد: لستم منا فقال أبن صياد لإبن حزم: وأنتم لستم من العرب فكتب عمر بن عبد العزيز بذلك إلى الوليد بن عبد الملك وهو الخليفة يومئذ فكتب اليه
стр. 247
الوليد إن سل أبن حزم فان زعم إنه من ولد أسماعيل فحد له أبن صياد وإن أنكر ذلك فلا تعرض لإبن صياد فإنا لا نعلم عربيا ال من ولد أسماعيل ﵇ وروي لسويد بن الصامت:
انا أبن مزيقا الملك عمرو ... وجدي عامر ماء السماء
إلى نبت أبن أسماعيل أنمى ... وينميني إلى جد الملاء
وقال حسان بن ثابت:
اما سألت فانا معشر نجب ... الأزد نسبتنا والجد غسان
وبيت نبت أبن أسماعيل محتدنا ... مجد رفيع وأساس وأركان
وأكثر أهل اليمن يقولون أبونا قحطان بن عابر ومنا جرهم بن عابر
стр. 248
تزوج اليهم أسماعيل فأبونا أقدم من أسماعيل بن أبراهيم ﵉. ويقولون عابر هو هود النبي ﵇ وهود معروف النسب في عاد وقيل هو هود بن عبد الله بن رياح بن الخلود بن عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح ﵇. وقال الله (وإلى عاد أخاهم هودا) وليس وراء هذا الدليل وكان أبو تمام ﵀ عالما بالنسب وقد قال في مديحه لأحمد بن داود:
هيهات منها روضة محمودة ... حتى تناخ بأحمد المحمود
بمعرس العرب الذي وجدت به ... امن المروع ونجدة المنجود
حلت عرى أثقالها وهمومها ... ابناء أسماعيل فيه وهود
فجاء في نسب قحطان من الخلف ما نرى وبعد العهود وتقادم الدهور يقتضي ذلك ومثله وعلى المجهين جميعا فالفضل لولد عدنان على ولد قحطان لأن ولد قحطان إن لم يكونوا من ولد أسماعيل ﵇ فقد فاتهم ولد عدنان بفضل أبراهيم وأسماعيل صلى الله عليهما وإن كانوا من ولد أسماعيل فلولد عدنان عليه فضل المستيقن أمره على المشكوك فيه فجاء في أنسابهم من الأختلاف أولا وأخرا ما ذكرناه من التجاذب أصلا وفرعا ما أوضحناه.
على إنه صح قول من قال إن جدهم نصر بن الساطرون ٨٣ أسطرون
стр. 249
جرمقاني من أهل الموصل من رستاق باجرما على ما ذكره بعض العلماء وشهد به شعر طرفة وكانوا قد أستحدثوا في أيام ملكهم هذا النسب اللخمي وهم في أستحداثهم ذلك كما قال عمرو بن الهذيل:
ولا تستوي أحساب قوم توورثت ... قدما وأحساب نبتن مع البقل
على لنه قد علق بهم من قبل الأمهات أيضاً ما لم يعدموا منه دنسا وذكر سيئا فمن ذلك ما تقدم ذكره من حديث رقاش بنت مالك أخت جذيمة الأبرش خوفا إن يقتله وحملها منه بعمرو بن عدي وقد تقدم ذكر ذلك.
حديث ماء السماء
ومن ذلك حديث ماء السماء أم المنذر بن أمرئ القيس وهو المنذر الأكبر ذو القرنين وبها يعرف على الأكثر فلا يقال عند ذكره المنذر بن ماء السماء وربما قيل ذلك لولده أيضا وهي من أعظم مفاخرهم والأسماء الرائعة المستغربة التي يستعظمها من يسمع بها عنهم ويعدها من مناقبهم ويضرب بهم المثل فيها يقال: كأنه أبن ماء السماء وكأنك أبن ماء السماء قال الحارث بن حزة اليشكري:
فعبرنا دهرا كذلك حتى ... ملك المنذر بن ماء السماء
стр. 250
وقال قيس بن زهير العبسي لحذيفة بن بدر الفزاري:
كأن أباك أبن ماء السماء ... أو الملك المتقى تبع
وهي ماوية بنت عوف بن جشم بن هلال بن ربيعة بن زيد مناة بن عامر الضحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن نمر بن قاسط، وأنما سميت ماء السماء لفرط جمالها. وكان من حديثها إن أمرئ القيس بن النعمان بن أمرئ القيس بن عمرو بن أمرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر كان كثير الاغارة على بكر بن وائل، وكانت الحروب بينه وبينهم متواترة متصلة، وكانت النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى واللبوء بن عبد القيس بن أفصى كانوا جميعا أخوة لأم واحدة، وهي هند بنت تميم بن مر، وأنتشرت منهم قبائل يجمع بينهم الجد وهو أفصى بن دعمى بن جديله بن أسد بن ربيعة بن نزار، والاخوة من قبل الأم، وكانوا لا يزالون متجاورين الا تغلب فأن الذي حدث بينهم وبين أخوتهم بكر بن وائل في حرب الناب باعدهم عنهم، فاغار أمرؤ القيس بن النعمان مرة على بكر بن وائل، وهم والنمر بن قاسط متجاورون في الدار فاصاب غنائم وأسر أسرى، وسبى عدة من السبايا فيهن ماء السماء، وهي ماوية بنت عوف بنت جشم النمري وكانت تحت أبن عمها أبى حوط بن وهب بن زيد مناة بن عامر الضحيان، وأسم أبى حوط الحارث، فاعجب بها أمرؤ القيس فاخذها لنفسه وهويها وهويته، ووفد بعلها عليه ليسأله ردها، وقد جمع الاسرى في حظائر وجمع لهم حطباً ليحرقهم فكلمه فيها، فقال له: أمض اليها فان أختارتك فهي لك ثقةً منه
стр. 251
بحبها أياه، وانها لا تختار بعلها عليه، فجاءها أبو حوط فاخبرها، فقالت له: إنه ليس برادي عليك، فلا تطلب منه ما لا يعطيك فاني أعرف وجده بي، وشدة حبه لي، فعد اليه فقل أنها قد أختارت أطيبنا مرقاً، وأعطرنا عرقا، وأطلب منه ما شئت، فانه معطكيه فعاد اليه، فقال له: ما قالت، فاعجبه، وقال لن تطلب اليوم مني شيئاً الا أعطيتك. قال: أسرى قومي، قال: هم لك، فجاءهم أبو حوط فاخرجهم من الحظائر وأنصرف بهم فسمي أبو حوط بذلك الحظائر، ومدح بذلك هو ورهطه، ففيهم يقول رجل من بكر بن وائل:
من لا مني من بعد دهر وحقبة ... اجاورها في آل سعد فلم يصب
هم رفدونا يوم نعف قرى قروهم ... انقذوا قومي من النار والحطب
فهذا حديث ماء السماء التي يضرب بها المثل ولا يعلم ما هي. وأي فرق بين تسمية المرأة بماء السماء وقطر الندى، فكم قد سمعنا بأمرأة أسمها قطر الندى لم يذكر ولا يستحسن أسمها ولا يستغرب ولا له تلك النباهة ولا مثل ذلك الحظ في الاسماع من العذوبه والحلاوة. منهم قطر الندى بنت خماروية بن طولون أبوها ملك مصر وزوجها أمير المؤمنين المعتضد ٨٤ كان في قهرماناتها وجواريها من لعلها تفوق ماء السماء حسناً وجمالاً ونعمة وحالاً لم ينشد بأسمها شاعر، ولا ذكرها ذاكر ثم أنهم لقدرتهم على التفنن في الفصاحة والتصرف في البلاغة، لم يقنعوا لهم بالتسمية ببني ماء السماء ولا أقتصروا بهم على ذلك حتى أشتقوا لهم أسماء أخر من جنسة وأستعاروا معناه
стр. 252
فيما مدحوهم به، فقالوا: أبن ماء المزن أيضاً.
اخبرنا محمد بن هبة الله بن جعفر أجازة عن محمد بن الحسن بن علي عن علي بن الحسين العلوي عن المرزباني عن الصولي عن أبن دريد عن عمه عن أبيه عن هشام بن محمد السائب الكلبي عن أبيه قال: كان عبد الجن بن أعيا بن الحارث بن معاوية الكندي جد أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل سيداً حليماً جواداً، رحالاً إلى الملوك، فكاكاً للاسرى، وكان خطيباً مصلقاً. وشاعراً مفلقاً، فاغار ميسر للمنذر بن أمرئ القيس جد النعمان بن المنذر، وهو المنذر بن ماء السماء على بني يربوع، فاستخف نعما وسبياً، وأسر رجالاً منهم رجلان من بني قادح النار من كندة كانا في بني يربوع، فطال عناء الكنديين، ولم يكن لهما إلى الملك وسيلة ولا بالحيرة فضيلة، فلما طال عليهما البلاء قال رجل منهم شعراً حمله بعض المختلفين إلى الحيرة من أهل دومة الجندل وهو:
إلى الله أشكوا لا إلى الناس نكبة ... رمانا بها صرف الزمان فاوجعا
عناة يعنينا الحديد ودوننا ... اشم الذرئ صعب على من تطلعا
وأخضر صراف على جنباته ... صفائح أيدي القين فيهن أصبعا
يقول لنا السجان أذ طال حبسنا ... ونحن من الحداد مرأى ومسمعا
اما لكما فيمن يرى الله وافد ... يسوق فداء أو يقول فينفعنا
فقالنا أبن أعيا لا نؤمَّل غيره ... فقال فاياه فنادوا ليسمعا
فذاك أمرؤ جم العوارف ماجد ... وأحر به إن لا يخيب من دعا
стр. 253
فادى الرجل الشعر إلى عبد الجن بن أعيا فلما وقف عليه وفد على الملك، فاستأذن فأذن له وقربه، وأدناه وسأله عن حاجته، فقال: أبيت اللعن. أمالنا لديك محطوطة وأرحامنا بك منوطة، ولا نتوسل اليك الا بك، ولا نميل عنك الا اليك، وفي أكبالك رجلان من قومي نأت دراهما، وطال أسارهما ولهما من الملك أرحام يحب بلالها، وأسباب يحق عليه وصالها، والقوم براء من الفرقة، وغيرهم أهل للفرحة، فلينظر الملك لهم بعين رأفة يحل بها أرباقهم ويفك بها أعناقهم ويمن على قومهم بهم، فقال الملك: قد أسعفناك مطلوبك وأنلناك محبوبك فاقم باكرم مثوى، وأرحل بأجزل حباء، ثم قال له: يا أبن أعيا أخبرني عن قومك، فأني لا أسائل أعلم بهم منك، فقال: سل أيها الملك، قال: ما تقول في بني معاوية؟ قال: ملوك أقيال، جحاجحة أزوال، وأنجاد أبطال، على إن فيهم بأوا على العشيرة وأعتداداً بالحقيرة، ونقضاً لمحكم المريرة، فقال: لله أبوك هدمت ما بنيت، فالسكاسك ما تقول فيهم؟ قال: دراكون للاوغام، نقاضون للابرام، ضرابون للهام، فراجون رتاج القيام، أذا كشر الحمام على إن فيهم، أنقباضاً عن أداء الحقوق وخذلاً لابن العم المرهوق. فقال الملك: لعقة أرى مقطوبة بشري، فاخبرني عن السكون؟ فقال: خواضو قحم المنون أذا أقمطرة الحرب الزبون، معانقو عقل الانوف أذا أثخنت السيوف، وتضعضعت الصفوف لولا شراسة فيهم مقشعرة، وأخلاق مسمهرة لحلوا بين القطب والمجرة. فقال الملك: أنضجت ثم رمدت وأطلق له الاسرى وأحسن حباه فانصرف وهو يقول:
стр. 254
الا هل أتى قومي على النأي أنني ... تداركت مسعوداً وعمرو أبن مالك
وخضت اليهم مصلتا عزم همتي ... وما زلت خواضاً غمار المهالك
وسانيت ذا التاج الهمام وقد طغت ... به حفظة مثل الهرير المبارك
ورافيته حتى أرفأن وأنه ... ليغلف عن كالبارق المتدارك
سانيته: ساهلته، ورافيته: خضعت له، وأرفأن: سكن.
فاطلق لي الاسرى التي في صفاده ... وبوأني دعما عراض المبارك
٨٥ - مهاريس مثل القور غلبا كانما ... تجاب اليها صافنات الدرانك
فدى لإبن ماء المزن ولدي وأمرتي ... ونفسي ومالي من غريب ورامكٍ
وذكر أبو عبيدة في بعض الروايات: إن المنذر بن ماء السماء هذا بعينه أبرز سريره أمام سرادقه بالحيرة، وعنده وفود العرب، وأمر بحلتين من حلل كسرى كان كساه أياهما، فوضعتا عليه ثم قال: يقم أعز العرب
стр. 255
قبيلة، وأكثرهم عددا، وأطوعهم لا في أهل بيته، وأقواهم في نفسه فليأخذ هاتين الحلتين. فقام عامر بن أحيمر بن بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم فاخذهما، فتأزر بواحدة، وأرتدى الأخرى، ثم قال: إن العز والعدد من العرب في معد ثم في نزار ثم في مضر ثم في خندف، ثم في تميم ثم في سعد ثم في كعب ثم في عوف ثم في بهدله، فمن أنكر ذلك فلينافرني. فسكت الناس، فقال له الملك: هذه عشيرتك كما تزعم، فكيف أنت في أهل بيتك وبدنك؟ فقال: أنا أبو عشرة وعم عشر وخال عشر، وفي رواية أبو عشر واخو عشر وعم عشرة وخال عشرة، تعينني الأكابر إلى الأصاغر، والأصاغر إلى الأكابر، وما قولك كيف أنت في بدنك، فشاهد العز شاهدي، ووضع قدمه على الأرض، وقال من أزالها عن موضعها فله مائة من الأبل، وهو أحق مني بهاذين البردين، فلم يقم اليه أحد. فذهب بهما في ذلك يقو الزبرقان بن بدر السعدي:
وبردا أبن ماء المزني عمي أكتساهما ... بعز معد حين عدت محاصله
وإن كرام الناس أولاهم به ... ولم يجدوا في عزهم من يعادله
فاذا نظر ناظر في حديث ما السماء وجده من المثالب، وأذا ما سمع هذه الأشعار وأمثالها رآها من المناقب، وليس السبب في ذلك الا فصاحتهم وحسن الفاظهم التي يخرجون الشي بها عن كيفيته، وينقلونه إلى ضد صفته
стр. 256
فمن لنا باللحاق بهم في ذلك وأمثاله.
وكانت أم النعمان الأصغر سبية من أهل فدك، وهي سلمى بنت وائل بن عطية الصائغ اليهودي، سباها الحارث بن حصن بن ضمضم بن عدي بن جناب الكلبي المعوف بالحرشا، كانت له جعالة على أهل فدك فدفعوه عنها، فاغار عليهم فاصاب وائل بن عطية اليهودي الصائغ ومعه أمرأته الشقيقة، وكانت يهمدية وأربة بنات له: ماوية ونجوه وعقاب وسلمى فكن عنده، ومر به المنذر الأصغر قافلا من بعض غزواته الشام، فنزل به فنحر له جزورا وضرب عليه قبة من أدم، وأرسل اليه سلمى، فقال: أذهبي فادهني رأسه، فلما دخلت عليه واقعها فخرجت تبكي، فقال لها الحارث: مالك قالت: فضحني ضيفك، فدخل الحارث على المنذر مصلتا، فالتمع لون المنذر، وقال له: ما شأنك قال: فضحتني في كلب، قال: فضحتك إن تزوجت قينتك! فتزوجها وأرتحل بها من عنده، فولدت له النعمان، فلما هلك المنذر رجعت إلى كلب فكانت فيهم، فتزوجها رومانس بن معقل بن مجاشن بن عمرو بن عبد ود بن عوف الكلبي من رهط أسامة بن زيد الحب ﵄، فولدت لرومانس وبره بن رومانس فوبرة أخو النعمان بن المنذر لأمه وقد هجي النعمان وأهل بيته فذكر ذلك في هجائهم فقيل:
خبروني بني الشقيقة ما يم ... نع فقعا بقرقرة إن يزولا
جمع من نوافل الناس سبيا ... وحميرا موسومة وخيولا
стр. 257
لا أرى زاجرا عن الفحش فيكم ... بل حماراً عن أهله مشغولا
قبح الله من ثنى بلعن ... وارث الصانع الجبان الجهولا
من يضر الأدنى ويعجز عن ض ... ر الأعادي ومن يخون الخيلا
يجمع الجيش ذا الألوف ويغزو ... ثم لا يرزأ العدو قتيلا
قد رأينا مكان أمك أذ تم ... نع من درة اللقوح الفصيلا
وهذه الأبيات يقال أنها للنابغة الذبياني من قصيدة هجا بها النعمان لما خافه فهرب منه إلى ملوك غسان بالشام فكان عندهم زمانا، وقد نسبة إلى عبد قيس بن خفاف البرجمي، والى مرة بن ربيعة بن قريح السعدي، وحملها بعضهم على بعض.
خبر الذبيحين
فكيف تقام أنساب ٨٦ هؤلاء على ما ترى فيها من العجائب بنسب يرجع إلى أبراهيم، وهو خيرة الله من خلقه، وإلى أسماعيل وهو أكبر ولده به كانت البشارة الأولى، وهو الذبيح بالدليل القاهر الذي لا يمكن دفعه، وإن كان قد قيل إن الذبيح إسحاق ﵈ جميعا. وجاء في ذلك روايات، فما روي في ذلك إن أبراهيم ﵇ لما أذن للناس بالحج
стр. 258
أجابه من يحج إلى يوم القيامة وكان أول من أجابه أهل اليمن ثم إنه حج هو وأهله وولده فمن زعم إن إسحاق هو الذبيح، فمن هاهنا كان ذبحه. فلما كان يوم التروية، قال له جبريل ﵇: تروه من الماء فسمية التروية ثم أتى به منى فأبانه بها، ثم غدا به إلى عرفات، فضرب خباءه بنمره دون عرفه، فبنا بها مسجد أبراهيم ﵇ حتى أدخل في هذا المسجد الذي بنمرة حتى يصلي الأمام يوم عرفة، فصلى بها الظهر والعصر ثم غدا إلى عرفات، فقال: هذه عرفات فاعرفها فسميت عرفة، ثم أفاض إلى المزدلفة لانه أزدلف به، ثم قام إلى المشعر الحرام، فامره الله إن يذبح أبنه وقد رأى فيه شمائله وأخلاقه، وأسر ما كان اليه. فلما أصبح أفاظ من المشعر إلى منى، فقال لأمه: زوري البيت وأحتبسي الغلام. فقال: يا بني هات الحمار والسكين حتى نقرب القربان. قال صاحب الحديث: قالت للرامي ما عني بالحمار والسكين، قال: أراد إن يذبحه ثم يحمله فيجهزه ويدفنه. قال: وجاء الغلام بالحمار والسكين وقال: يا أبة أين القربان؟ قال: ربك يعلم أين هو يا بني أنت والله هو، إن الله قد أمرني بذبحك فانظر ماذا ترى؟ قال: (يا أبت أفعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) قال: فلما عزم على الذبح قال له: يا أبت خمر وجهي وشد وثاقي. فقال: يا بني الوثاق مع الذبح لا والله لا أجمعهما عليك اليوم. قال: فطرح له قرطان الحمار ثم أضجعه اليه وأخذ المدية فوضعها على حلقه، فاقبل شيخ فقال: ما تريد من هذا الغلام؟ قال: أريد إن أذبحه، قال:
стр. 259
سبحانه الله غلام لم يعص الله طرفة عين تذبحه!. قال: نعم إن الله قد أمرني بذبحه، فقال بالربك ينهاك عن ذبحه، وأنما أمرك بهذا الشيطان في منامك، قال: ويلك! إن الكلام الذي سمعت هو الكلام الذي بلغ مني، لا والله لا أكلمك ثم عزم على الذبح. قال فقال الشيخ، يا أبراهيم أنك أمام إن ذبحت ذبح الناس، فمهلا، فأبى إن يكلمه، فقال: فاضجعه عند الجمرة الوسطى ثم أخذ المدية، فوضعها على حلقه، فنظر أبراهيم فإذا هي مقلوبة فقلبها أبراهيم على حدها، وقلبها جبريل على قفاها، ففعل ذلك ثلاث مرات، ثم نودي من ميسرة مسجد الخيف، (أن يا أبراهيم قد صدقت الرؤيا) . وأجتر الغلام من تحته، وتناول جبريل ﵈ الكبش من قبل ثبير فوضعه تحته فذبحه من تحته. قال صاحب الرواية: وخرج الشيخ حتى لحق العجوز حين نظرة إلى البيت والبيت في وسط الوادي، فقال: ما شيخ رأيته بمنى؟ قالت ذاك بعلي، قال: فما وصيف ما رأيته معه ونعت لها نعتة، قالت: ذاك أبني قال: فاني قد رأيته قد أضجعه وأخذ المدية ليذبحه، قالت: كلا إن أبراهيم يرحم الناس، فكيف يذبح أبنه؟! قال: فورب السماء والأرض ورب هذه البنية قد رأيته وأخذ المدية ليذبحه. قالت: ولم؟ قال: زعم إن ربه أمره بذبحه قالت: فحق له إن يطيع ربه، قال: فلما قضت نسكها وفرقت إن يكن نزل في أبنها شيء، قال: فكاني أنظر اليهما مسرعة في الوادي، واضعة يداها على رأسها وهي تقول: يا رب لا تأخذني بما عملت بأم أسماعيل، قال: فلما جاءت سارة وأخبرة الخبر، قامت
стр. 260
إلى أبنها تنظر فاذا أثر السكين خدش في حلقه، ففزعة وأشتكت، وكان بدأ مرضها الذي هلكت به.
فأما من روى إن أسماعيل ﵇ هو الذبيح فانه قال: إن أبراهيم عليه السلام لما خرج باسماعيل وأمه مهاجرا إلى مكة، كان معه جبريل ﵇، فكان لا يمر بقرية الا قال: أهذه يا جبريل فيقول له جبريل: أمضه حتى قدم مكة وهي أذا ذاك سلم وسمر وحولها أناس من العماليق، والبيت يومئذ ربة حمراء مدورة فقال أبراهيم لجبريل ﵉: أها هنا أمرت إن أضعهما؟ قال: نعم، فعمد اليهما إلى موضع الحجر فانزلهما فيه، وأمر هاجر إن تتخذ فيه عريشا وأنصرف يريد الشام، فقالت له: إلى من تكلنا لا طعام ولا ٨٧ شراب؟ فلم يجبها بشيء فقالت أربك أمرك بهذا؟ قال نعم، قالت أنطلق فانه لا يضيعنا فلما أستوى على ثنية كدي، أقبل على الوادي، فقال: (ربنا أني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم) الذي قصه الله سبحانه في كتابه، ثم مضى وكان مع هاجر شنة فيها ماء فنفذ فعطشت فانقطع " ٠٠٠٠٠فعطش " أسماعيل فصعدت إلى الصفا فلم تر شيئاً، فانحدرت فسعت وما تريد السعي بل هي كالأنسان المجهود حتى أتت المروة وهي تقول: يا أسماعيل مت حيث لا أراك. ثم تسمعة فسمعت
стр. 261
صوتا فقالت كالأنسان الذي يكذب سمعه صه حتى أستيقنت الصوت فقالت: قد أسمعتني صوتك فاغثني، فقد هلكت وهلك من معي. فروي إن جبريل ﵇ بادأها فقال: من أنت؟ فقالت: إن هاجر أم ولد أبراهيم، فقال إلى من وكلكما؟ قالت: وكلنا إلى الله فقال: وكاكما إلى كاف، وجاء بها حتى أنتها إلى موضع زمزم، وأسماعيل يفحص برجليه من شدة العطش فضرب بقدمه ففارت زمزم عيناً، فجعلت تفرغ من شنتها وقيل أنها خاطتها.
فروي إن رسول الله (قال: " رحم الله أم أسماعيل لولا أنها عجلت لكانت زمزم عينا معينا ". فمن أسماء زمزم ركضت أسماعيل وهمزة جبريل، وقال جبريل ﵇ لهاجر لا تخافي الظمأ عن أهل هذا البلد فانها عين يشرب بها ضيفان الله تعالى، وإن أبا هذا الغلام سيجيء، فيبنيان لله بيتا هذا موضعه، ومرة رفقة من جرهم فراوا الطير على الجبل فقالوا: إن هذا الطير لعاكف على ماء، فهل علمتم بهذا الوادي من ماء؟! فقالوا: لا، ثم أشرفوا فأذا هم بالأنسانه، فأتوها فطلبوا النزول معها وقالوا: إن شئت كنا معك وأنسناك، والماء ماؤك، فأذنت لهم وكانوا معها، فلما شب أسماعيل ﵇ تزوج فيهم، وكان أبراهيم صلى الله عليه وآله ليشتاقه فيستأذن سارة في زيارتهم ويأتيه. فروي إنه كان أذا شاء خرج على حمار له من أرض الشام فيأتي مكة، فيشاهد أسماعيل ﵇، ثم يعود فيبيت عند أهله بالشام. وروي إن سارة شرطت عليه إن لا ينزل عند هاجر، فكان يؤتى بالمقام فيضع إحدى رجليه عليه حتى يغسل شق رأسه، ثم يحول إلى الجنب الآخر فيضع رجله الآخرى
стр. 262
عليه فيغسل الشق الآخر، فلما أمر بذبح أسماعيل قال له: يا بني خذ الحبل والمدي وأنطلق بنا إلى هذا الشعب لنحطب أهلك منه، فلما توجه إلى الشعب أعترضه أبليس فقال له إلى أين تريد أيها الشيخ؟ قال: أريد هذا الشعب لحاجة لي فيه، فقال: أني لأرى الشيطان جاءك في منامك فامرك بذبح بنيك هذا، فانت تريد ذبحه، فعرفه أبراهيم ﵇، فقال له: اليك عني يا عدو الله، والله لأمضين لأمر ربي فيه فتركه وأعترض أسماعيل ﵇، وهو وراء أبيه يحمل الحبل فقال: يا غلام، هل تدري أين يذهب بك أبوك؟ قال: نحطب أهلنا من هذا الشعب قال: والله ما يريد الا إن يذبحك، قال: ولم؟! قال: زعم إن ربه أمره بذلك فقال: فليفعل ما أمره به ربه فسمعا وطاعة. فذهب إلى هاجر فقال: يا أم أسماعيل أين ذهب أبراهيم باسماعيل، قالت: ذهب به يحطبنا، قال: ما ذهب به الا ليذبحه، قالت: كلا هو أرحم له وأشد حبا من ذاك، قال إنه يزعم إن ربه أمره بذلك، قالت: فان كان ربه أمره بذلك فليسلما لأمر الله، فرجع بغيظه لم يصب من آل أبراهيم ﵇ شيئا مما أراد. والشعب فيما روي شعب ثبير وروي إن أسماعيل قال لأبراهيم ﵉: يا أبه: إن أردت ذبحي فاشدد رباطي لا يصيبك مني شيء فينقص أجري، فان الموت شديد، وأني لا أمن إن أضطرب عنده أذا وجدت مسه، وأشحذ شفرتك حتى تجهز علي فتريحني، وأذا أضجعتني لتذبحني فكبني لوجهي على جبيني، ولا تضجعني لشقي، فاني أخشى إن أنت نظرت في وجهي إن تدركك رقة تحول بينك وبين أمر الله، وإن رأيت إن ترد قميصي على أمي عسى إن
стр. 263
يكون ذلك أسلا لها عني فافعل. فقال له أبراهيم ﵇: لنعم العون أنت يا بني على أمر الله ، وربطه كما أمره وأوثقه وشحذ شفرته ثم تله للجبين، وأتقى النظر في وجهه، ثم أدخل شفرته وأحتبذها اليه كما روي في الحديث ليفرغ منه فقلبها الله لقفاها في يده ٨٨ ونودي (ان يا أبراهيم قد صدقت الرؤيا) ، هذه ذبيحتك فداء لأبنك، فالتفت فرأى الكبش فذبحه، وفي بعض الروايات إن أبراهيم ﵇ لما جذب المذية خلق الله سبحانه على حلقه صفيحة من نحاس قال أمية بن أبى الصلة الثقفي:
قال أبراهيم الموفي بالنذ ... ر أحتسابا وحمل الأثقال
وهو لا يملك التصبر عنه ... ولم رأه في معشر أقبال
بني أنني نذرتك لل ... هـ فصبرا فداك عمي وخالي
стр. 264
فاجب الغلام إن قال صبرا ... في أرضاء الأله لست أبالي
ابتا أوف ما نذرت وأخر ... عن دمي إن يمسه سربالي
جمل الله جيده من نحاس ... ان رأه ذا مدية وحبال
بينما ينزع السرابيل عنه ... صابراً أذا أتى بكبش حلال
قيل خذه وأرسل أبنك أحسا ... ناً اليه ولم يكن بالآلي
ربما تجزع النفوس من الأم ... ر لها فرحةً كحل العقال
وروي عن الشعبي إنه قال رأيت قرني الكبش في الكعبة
وذكر بعض العلماء بالسيرة إن مسلم بن عقبة المري مرة غطفان، المسمى مسرفاً لما سار بجيش يزيد بن معاوية من المدينة بعد وقعة الحرة يريد مكة، فحضره الموت بقديد فأستخلف على الجيش الحصين بن نمير السكوني، سار الحصين بالجيش فقدم مكة لاربع بقين من المحرم سنة أربع وستين، فأحضر أبن الزبير نصب المناجيق ورمى الكعبة بالنار، فاحترقة الأستار وما في الكعبة. قال المنصور بن عبد الرحمن الحجني: فاحترق قرنا الكبش في ذلك اليوم، وكان يوم السبت لثلاث خلون من
стр. 265
شهر ربيع الأول من سنة أربع وستين، وأرسلة صاعقة فحترقت من أصحاب المنجني أحد عشر رجلاً، وهلك يزيد بعد ذلك بأحد عشر يوماً. وكان أسماعيل ﵇ أكبر ولد أبراهيم صلى الله عليه وآله، لان الروايات أتفقت على إن سارة ﵂ كانت قد منعت الولد حتى كبرت فأذنت لأبراهيم ﵇ في هاجر ﵂ فأولدها أسماعيل ﵉، فهو أكبر ولده.
اخبرنا جماعة عن محمد بن الحسن بن أحمد بن عبدون عن أبى طالب الأنباري عن أبى بشر أحمد بن أبراهيم العميّ عن أحمد بن عمرو عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق قال: كان أسماعيل أكبر ولد أبراهيم ﵉ وبه كانت البشارة الأولى حين دعا أبراهيم ربه إن يهب له من الصالحين.
وبالأسناد عن أبى بشر أحمد بن أبراهيم عن مجمد بن أحمد النحاس عن أحمد بن زهير عن سعد بن عبد الحميد عن أبى معشر عن محمد بن كعب في قوله : (فبشرناه بغلام حليم) قال أسماعيل ﵇ وهو الذبيح بدليل القرآن لان الله سبحانه قص قصته فقال عز من قائل: (قالوا أبنوا له بنياناً فالقوه في الجحيم، فارادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين، وقال أني ذاهب إلى ربي سيهدين، رب هب لي من الصالحين، فبشرناه بغلام حليم، فلما بلغ معه السعي قال يا بني أني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى، قال يا أبتي أفعل ما تؤمر ستجدني
стр. 266
إن شاء الله من الصابرين، فلما أسلما وتله للجبين، وناديناه إن يا أبراهيم قد صدقت الرؤيا أنا كذلك نجزي المحسنين، إن هذا لهو البلاء المبين، وفديناه بذبح عظيم، وتركنا عليه في الآخرين سلام على أبراهيم كذلك نجزي المحسنين، إنه من عبادنا المؤمنين وبشرناه باسحاق نبيا من الصالحين) . فأخبر إنه بشره بالغلام الأول، وذكر بلوغه معه السعي وما أراه في المنام من ذبيحه وتله أياه للجبين ومناداته سبحانه أياه: إن صدقت الرؤيا وفديته أياه بالذبح، فلما أتى على القصة أخبر سبحانه إنه بشره بأسحاق. وقال سبحانه في البشارة الأولى: (فبشرناه بغلام حليم) بالفاء وقال في البشارة الثانية: (وبشرناه بأسحاق) بالواو، والفاء أخص من غيرها من الحروف، وأقرب والصق وأدل على سرعة أجابة الدعاء من الواو، وذكر إسحاق باسمه في البشارة الثانية٨٩ وليس وراء هذا الأيضاح أيضاح، ولا وراء هذا الدليل دليل، ثم إنه سبحانه لما ذكر البشارة بأسحاق خاصة، قرنها بذكر تعجب أمه ﵂ لكبرها وعقمها وشيخوخة بعلها فقال تعالى: (وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بأسحاق من وراء إسحاق يعقوب، قالت يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخ إن هذا لشيء عجيب) وقال تعالى في موضع آخر من كتابه: (فأوجس منه خيفة، وقالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم، فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم) . قال أبو بشر العمي في حديثه فبلغنا إن الكنعانيين كانوا يقولون الا ترون إلى هذا الشيخ والعجوز أخذا لقيطا فأدعياه أبناً يعنون إسحاق ﵇، فصوره
стр. 267
الله تعالى في صورة أبراهيم فكان لا يفرق بينهما، فوسم الله سبحانه أبراهيم بالشيب فكان يعرف من إسحاق ﵉ بشيبه، فهو أول من شاب وكل ذلك دالا على إن إسحاق ﵇ هو الذي ولد بعد كبر أبويه وإن البشارة الأخير أنما كانت به. ومما يقوي ذلك قول أبراهيم ﵇: (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر أسماعيل وإسحاق) . فبدأ بالأكبر وما من أية يأتي فيها ذكرهما الا وأسماعيل المتقدم ذكره فيها وكل هذا دليل على إنه الأكبر. وروي إن قول أبراهيم ﵇ (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر أسماعيل وإسحاق) كان بعد قوله: (ربنا أني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك الحرام) بكذا كذا عام. وبالأسناد المتقدم ذكره عن أبى بشر العمي عن أحمد بن أبان عن أحمد بن يحيى الصوفي عن أسماعيل بن أبان قال: حدثني عيينه بياع القصب وكان مرضيا عن جعفر بن محمد ﵇ قال: القي أبراهيم صلى الله عليه وآله في النار وهو أبن ست عشر سنة، وولدت له هاجر أسماعيل وهي أبنت عشرين سنة، وأبراهيم أبن تسعين سنة، وولدت له سارة إسحاق وهي أبنت تسعين سنة، وأبراهيم أبن مائة وعشرين سنة، وسار بأسماعيل إلى مكة وله ستة أشهر، وفجر الله بعقبه زمزم فلولا إن هاجر خاطتها كانت سبحا. وأوحى الله سبحانه إلى أبراهيم ﵇ إنه يقضي على يده ويدي أسماعيل ﵉، عمارة بيته وشرح ما يكون منه وإنه حجة الله العظمى، وإن الحجة البالغة من ظهره وأراها في
стр. 268
منامه إن يذبحه وهو أبن ستة عشر سنة، ثم فداه في الذبح وأنطقه بالعربة.
وروي إن عمر بن عبد العزيز سؤل عن الذبيح أي أبني أبراهيم هو؟، فارسل إلى رجل كان قد أسلم من علماء اليهود بالشام، فسأله فقال: أسماعيل والله يا أمر المؤمنين وإن اليهود لتعلم ذلك لاكنهم يحسدونكم لأنه أبوكم فيزعمون إنه إسحاق لانه أبوهم.
وروي عن رسول الله (إنه قال: أنا أبن الذبيحين وبالأسناد عن أبى بشر العمي عن محمد بن أحمد عن أحمد بن زهير عن أسماعيل بن عبيد بن أبى كريمة عن عمر بن عبد الرحمن الخطابي عن عبيد الله بن محمد العتبي من ولد عتبة بن أبى سفيان عن أبه قال: حدثنا عبد الله بن سعيد قال حدثنا الصالحي قال: حضرنا مجلس معاوية بن أبى سفيان، فتذاكر القوم أسماعيل وإسحاق أبني أبراهيم ﵈ وأيهما الذبيح؟ فقال بعض القوم هو أسماعيل وقال بعضهم هو إسحاق، فقال معاوية: على الخبير سقطتم كنا عند رسول الله (، فاتاه أعرابي، فقال: يا رسول الله حلفت البلاد بالبنين والمال وهلك العيال، فعد علي ما أفاء الله عليك يا أبن الذبيحين. فتبسم رسول الله (لم ينكر عليه قوله، فقال القوم يا أمير المؤمنين وما الذبيحان، فقال: إن عبد المطلب لما أمره بحفر زمزم نذر إن سهل له حفرها إن يذبح بعض ولده، فلما فرغ من حفره أسهم بينهم فخرج السهم
стр. 269
على عبد الله، فاراد ذبحه فمنعه أخواله من بني مخزوم وقال أرض ربك وأفد أبنك، ففداه بمائة من الأبل، فهو الذبيح الثاني وسيأتي حديث ذبحه وفديته في هذا الكتاب تاليا لأخبار أسماعيل ﵇.
وأسماعيل ﵇ شريك أبيه (في بناء الكعبة. روي إن أبراهيم عليه السلام قدم عليه مرة فوجده يصلح نبلة له وراء زمزم ٩٠، فقال له يا أسماعيل إن ربك قد أمرني إن أبني بيته، قال فاطع ربك، قال: فقد أمرك إن تعينني عليه، قال: أذا أفعل، فقام معه فجعل أبراهيم يبني وأسماعيل يناوله الحجارة وهما يدعوان الله سبحانه إن يتقبل منهما ويريهما مناسكها. قال الله أخبارا عنهما ﵉ (وأذ يرفع أبراهيم القواعد من البيت وأسماعيل ربنا تقبل منا أنك أنت السميع العليم، ربنا وأجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا أنك أنت التواب الرحيم) . فلحقت دعوتهما بذريتهما، وجعل الله سبحانه سدانة البيت لإسماعيل ﵇ فهو أول من سدنه وكساه.
روى أبو عثمان المازني عن زيد بن الخليل وعثمان بن خالد عن مشيخة قومهما عن أمير المؤمنين ﵇ إنه قال: كان أول من رفع البيت وكساه البياض، وأول من سقى السويق وسن السقايا، وأول من سدن البيت أسماعيل بن أبراهيم ﵉ وهو أول من رفد الحاج، وكانت الضيافة عليه مفترضة، وكان صيام شهر رمضان عليه مفترضاً، وهو أول من ضحى وأعتم على القلانس، وتصرف في اللبوس بالحالات
стр. 270
كلها، فتوشح وأئتزر، وأرتدى وظاهر، وأحتبى وكره التنعم فلذلك لزمت العرب هذه الأشياء. وكان لا يقدم عليه نبي حاجاً الا أستقبله، ولا يرجع بعد حجه الا شيعه، فسن التلقي والتشيع وحمل المقلين، وأكرمهم وسن الطي والأجر والسيق والربعي، وكان يقف في المواسم على الخيل ويحمل عليها.
وروي إن الخيل كانت وحوشا فسخرها الله تعالى فهو أول من ركبها. روى أبن جمهور عن أبيه عن أبراهيم بن المنذر عن عبد العزيز بن عمران عن أبراهيم بن أسماعيل بن أبى حبيبة عن داود بن أبى حصين عن عكرمة عن أبن عباس ﵁ قال: قال رسول الله (" كانت الخيل وحوشا لا تركب، فأول من ركبها أسماعيل بن أبراهيم ﵉ ".
وروى مجاهد عن أبن عباس ﵁ في حديث ذكره عنه إنه قال: " كانت الخيل غراب وحوشا بأرض العرب " فلما رفع أبراهيم وأسماعيل القواعد من البيت قال أني أعطيتك كنزا لم أعطه كان قبلك قال: فخرج أبراهيم وأسماعيل ﵉ حتى صعدا جيادا فقالا: الا هلا، الا هلم فلم يبق في أرض العرب فرس الا أتاه وذلل له فأعطته بنواصيها وأنما سمي الموضع جيادا. وروي لكليب بن ربيعة
стр. 271
التغلبي على تبع وقبائل اليمن:
لنا الفخر تبعا على تبع ... ومن يجعل التبع مثل العرب
اتجعل فحطان كالمصطفى ... خليل المهيمن والمنتخب
ابونا الخليل أبونا السليل ... ابونا الصدوق الذي ما كذب
دعا فأجابت له الصافنات ... ولو رام ذا غيره لم يجب
وذكر نصر بن مزروع الكلبي النسابة: إن رجل من خثعم عير أنمر بن مدرك الخثعمي وهو رهطه يجلحون عن خثعم إلى أكلب بن ربيعة بن نزار فقال فيهم شعرا منه:
وما أكلب منا ولا نحن منهم ... وما جثعم يوم الفخار وأكلب
قبيلة سوء من ربيعة أصلهم ... وما لهم أم لدينا ولا أب
فأجابه أنمر فقال:
وأني من قوم الذين نسبتني ... اليهم كريم الخال والعم والأب
اردت لتهجوني بهم فنسبتن ... اليهم ترى أني بذلك أثلب
فألا يكون عمي سهر وناهس ... فإني أمرؤ عماي بكر وتغلب
стр. 272
ابونا الذي لم تركب الخيل قبله ... ولم يدر مرء قبله كيف يركب
وإلى هذا المعنى أشار الكميت بن زيد الأسدي حيث يقول:
ترى الجرد العتاق مسومات ... مقاد تنالنا الأولى وفينا
غرائب حين تخرج من معد ... بكل إن وهبنا أو شيرنا
نعلمها هيا وهلا وأرحب ... وفي أبياتنا ولنا أفتلينا
وهو أول من نطق بالعربية المبينة وهي أفصح من لغة قحطان.
روى معن بن عيسى عن عبد الله بن عبد الله عن أسماعيل بن أويس عن ٩١ أبيه عن الربيع بن قرين عن عقبة بن بشير عن المغيرة الاشعري إنه قال: سألت بعض العلماء عن أول من تكلم العربية فقال أسماعيل بن أبراهيم ﵉ وهو أبن ثلاث عشر سنة. وروي إنه تزوج امرأة من جرهم، فقدم أبوه مرة وقد خرج إلى الصيد فسألها عنه فقالت بغلظة وتجهم: لا أدري أم قالت: قد خرج إلى الصيد فطلب منها القرى فلم تقره، فقال لها: أذا جاء فقولي له حول عتبة أبيك، وأنصرف وجاء أسماعيل فوجد الوادي عطراً بريح أبيه ﵉ فقال لها: هل قدم اليك اليوم أحد؟ فقالت: شيخ من صفته كذا وكذا وأخبرته بما قال لها، فقال: الحقي بأهلك ثم تزوج رعلت. بنت مضاض بن عمرو الجرهمي وخرج إلى الصيد، فقدم أبراهيم ﵇ فقال لها: أين
стр. 273
صاحبك وأين زوجك، فقالت خرج عفاك الله يتصيد، قال: فكيف هو، قالت: صالح، قال: فكيف حالكم قالت: خالنا حسنة ونحن بخير فانزل رحمك الله حتى يأتي، فابى فلم تزل تريده على النزول يأبى فقالت له أعطني رأسك أغسله فأني أراه شعثا، فجعلت له غسولاً ثم أدنت منه الحجر فوضع قدمه عليه فغسلت جانب رأسه، ثم حول قدمه الاخرى فغسلت الشق الاخر فسلم عليها وأنصرف فقال لها: قولي لزوجك أذا جاء: جاء هاهنا وهو يأمرك إن تستوصي بعتبه بابك خيراً. ثم أقبل أسماعيل فلما أنتهى الى الثنية وجد ريح أبيه ﵉ فسألها هل قدم عليكها هنا أحد؟ فقالت نعم، جاءني شيخ صالح فسألني عنك وعن حالنا وعن خبرنا وسألته النزول فأبى فغسلت رأسه وهذا أثر قدمه، فاكب على أثر قدمه يقبل ويبكي وهو المقام. وفي رواية إنه طلب منها القرى فجاءته بلحم ولبن فأكل وشرب وقال: بارك الله لكم في لحمكم ولبنكم، ودعى لهما فلما جاء أسماعيل ﵇ وجد ريحه فسألها فقال: هل قدم اليوم عليك أحد؟ فقالت نعم شيخ ما رأيت قط أحسن وجهاً، ولا أطيب ريحاً، ولا أكرم أخلاقاً، ولا أحسن سمتاً ولا أهيب منه وأخبرته بما قال لها، فلزمها فولدت له أثني عشر عظيماً منهم نابت وقيذر ومنهما نشر الله العرب.
وقد روي إن أسمها الشيده بنت مضاض وفي ذلك يقول مضاض بن عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمي في قصيدته:
стр. 274
وصاهرنا من أكرم الناس والداً فابنائه فينا ونحن الاصهار
وروي إن أسماعيل ﵇ عاش مائة وسبعا وثلاثين سنة، وقيل مائة وثلاثا وثلاثين سنة، وإنه كان آخر بني أبراهيم ﵈ وفاة، وإنه لم يمت حتى كاتبه يوسف بن يعقوب ﵉ ليكتب فيه الى فرعون مصر يعلمه مكانه منه فكتب اليه: بلغني مكان أبن أخي منك فبوركت من بين الفراعنة. وكتب الى يعقوب ووصول البشير اليه من عند يوسف فصلى الله عليهم جميعاً وسلم، وسبحان من لا يعلم حقائق ذلك وغيره سواه. ولما مات أسماعيل دفن في الحجر فقبره وقبر أمه أيضاً فيه.
روى أبن جمهور عن محمد بن سنان عن الفضل بن عمر عن بعض العلماء إنه قال: الحجر بيت أسماعيل ﵇ وفيه قبره وقبر أمه رصي الله عنها. وروي إن أبن الزبير وجد ي الحجر قبرا قد أطبق بحجارة خضر كأنها أسفاط: فقيل له هذا قبر نبي الله أسماعيل ﵇ فكف عنه.
ولاية جرهم البيت
وروي إن نابت بن أسماعيل ولي سدانة البيت بعد أبيه ﵇، فلما هلك نابت كان ولده أطفالاً فتولى السدانة أخواله من جرهم، وكان أول من ولي ذلك منهم مضاض بن عمرو بن غالب الجرهمي، ثم بنوه بعده كابراً عن كابر فمن ثم صارت جرهم ولاة الحرم والله سبحانه أعلم وفي ذلك يقول مضاض بن عمرو في قصيدته:
стр. 275
وكنا ولاة البيت من بعد نابت ... نطيف بذاك البيت والخير ظاهر
فوليت جرهم الحرم ما يعلمه الله تعالى، ثم بغوا وظلموا وأستحلوا حرمته وأكلوا مال الكعبة ولم يتناهوا. وقيل إن أسافاً أراد نائلة بنت عمرو بن ذئب في جوف الكعبة فمسخا حجرين فوضع أساف على الصفى ٩٢ ونائلة على المروة ليعتبر الناس بهما.
وروي إن مضاض بن عمرو بن الحارث بن عمرو بن مضاض وكان سيد جرهم لما رأى ما هم عليه من البغي، قام فيهم فنهاهم ووعظهم وقال: يا قوم أحذروا البغي فأنه لا بقاء لاهله، وقد رأيتم من كان قبلكم من العماليق أستخفوا بالحرم وتنازعوا بينهم، وأختلوا حتى سلطكم الله عليهم فاخرجتموهم فتفرقوا في البلاد، فلا تستخفوا بالحرم، وحرمة بيت الله ومن حله أو جاءه معظماً لحرماته وأخر جاء بائعاً، وأخر رغب في جواركم فأنك إن فعلتم تخوفت إن تخرجوا منه خروج ذل وصغار حتى لا يقدر أحد منكم إن يصل الى الحرم، ولا زيارة البيت الذي هو لكم حرز
стр. 276
وأمن، والطير تأمن فيه. فقال رجل منهم يقال له مجدَّع ومن الذي يخرجنا منه؟ السنا أعز العرب وأكثرهم مالاً وسلاحاً؟ فقال مضاض أذا جاء الامر بكل ما تذكرون، فقد رأيتم ما صنع الله بالعماليق. فلم يثيبوا الى قوله وأقاموا على البغي والظلم فارسل الله عليهم الرعاف والنمل فافنى أكثرهم. ووافق ذلك خروج قبائل سبأ من أرض مأرب عند خراب السد وملكهم عمرو بن عامر بن ثعلبة بن أمرؤ القيس بن مازن بن الازد وعمرو هذا هو مزيقياً ليفرقوا في البلاد فاحسوا بضعف جرهم فنزلوا اليهم وحاربوهم فكانت الغلبة لقبائل سبأ، فلما أحس أبن مضاض الهزيمة أتى الكعبة يلتمس التوبة فقال:
لا هم إن جرهم عبادكا ... الناس طرف وهم تلادكا
وهم قديما عمروا بلادكا
فلم تقبل توبته فعمد الى أموال الكعبة، وهي غزلان من ذهب فيما روي، وأسياف فحفر لها ليلاً في زمزم ودفنها، وخرج بمن بقي من جرهم الى أضم من أرض جهينة فجاءهم سيل فذهب بهم فبذلك يقول أمية بن أبي الصلت:
стр. 277
وجرهم أذا رموا تهامة في الده ... ر فسألت جمعهم أضم
ولاية خزاعة البيت
وتفرقت قبائل سبأ في البلاد، فكانت خراغة التي أقامت بمكة فاستوطنتها، ووليت الحرم فقال شاعرهم:
ونحن ولينا البيت من بعد جرهم ... لنعمره من كل باغ وحاسد
وقال راجزهم أيضاً:
وادٍ حرام طيره ووحشه ... نحن وليناه فلا نعشه
وأبن مضاض قائم يمشه ... يأكل ما يهدي له نقشه
وأشتدت صبابة أبن مضاض الى مكة، فاتى خزاعه فسألهم إن يأذنوا له في النزول معهم، فابوا عليه فقال قصيدته المعروفة وقد أستشهدنا منها بالبيتين المتقدمين وفيها يقول:
كان لم يكن بين الانيس الى الصفا ... انيس ولم يسمر بمكة سامر
стр. 278
بلى نحن كنا أهلها فابادنا ... صروف الليالي والجود العواثر
وأقامت خزاعة بالحرم ما يعلمه الله تعالى، هذا ما جاء في هذه الرواية وهو الاقوى والاصح.
وقد جاء في رواية أخرى إن السبب كان في ولاية خزاعة الحرم وسدانة البيت عن أيادا كانت تلي ذلك، فلما هلك وكيع الايادي أجتمعت قبائل مضر وفيهم خزاعة، وخزاعة حينئذ لا تنتمي الى اليمن، وأنما ينتسبون الى قامة بن الياس بن مضر، فأجتمعوا على حرب أياد ليخرجوهم عن الحرم، فأحست أياد بالضعف فأستأجلوهم ثلاثا فاجلوهم، وشرطوا عليهم إن لا يخرجوا معهم متزوجة من مضر، وكانت امرأة من خزاغة أسمها قدامة متزوجة في أياد، فعالجت أياد الحجر ثلاث ليالي ليقدرا على نقله فلم يقدروا على ذلك فدفنوه، وعرفت قدامة الخزاعية مكانه، وخرجت أياد ودخلت مضر الحرم ففقدوا الحجر فعظم ذلك عليهم، فقالت قدامة الخزاعية لقومها خزاعة: أشترطوا على مضر إن يجعلوا ولاية البيت لكم حتى أدلكم على الحجر، فذكروا لهم ذلك فاجابوهم اليه ودلتهم قدامة على الحجر فصارت ولاية خراعة على الحرم بهذا السبب.
стр. 279
والذي تقدم من الحديث يدل على إن خزاعة وليت بعد جرهم هذا الحديث يدل على أنها وليته بعد أياد وما رأيت لاياد ذكر ولاية على ٩٣ الحرم الا في هذا الحديث، ولا رأيت لخزاعة ذكر نسب في مضر الا فيه، ولعل الحديث الاول أصح والله سبحانه أعلم.
فاقامت خزاعة ولاة على الحرم وأجتمعوا على عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو مزيقيا بن عامر بن ماء السماء بن حارثة بن الغطريف بن أمرئ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن بن الأزد، وعمرو هذا هو عمرو بن لحي لان أباه ربيعة بن حارثة كان يعرف بلحي، فعبد عمرو بن لحي أسافا ونائلة وأمر بعبادتهما وقد بالصنم المعروف بهبل من الشام من عند العماليق، فجعله على الكعبة وأمر بعبادته، ونصب الأصنام حول الكعبة وجعل السائبة والبحيرة والوصيلة والحام، وأحل نكاح البغايا فنصبن الرايات.
стр. 280
وروي إن رسول الله (قال: " رايت عمرو بن لحي أبى هذا الحي من خزاعة شيخا قصيرا دحداحا ضخم البطن يجر قصبة في النار أشبه الناس به أكثم بن الجون ". فقال أكثم: أيضرني شبهي به يا رسول الله؟، قال: لا، أنت مسلم وهو كافر. وروي إنه عور عشرين فحلا وكان الرجل من الجاهلية أذا بلغت أبله الفا عور فحلا.
ولاية قصي بن كلاب البيت
ولم تزل خزاعة مستولية على الحرم الى إن عاد قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب من أرض قضاعة من عند أمه فاطمة بنت سعد بن سيل بفتح السين غبر المعجمة والياء، وأسم سيل جبر بن حمالة بن عوف بن غنم بن الجادر، وأسم الجادر عامر بن عمرو بن جعثمة بن بكر بن يشكر بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد. قيل وأنما سمي جبر بن حمالة سيلا لانه ولد على جبل أسمه سيل، فسمي به وفي أبن سعد بن سيل يقول الشاعر:
стр. 281
ما أرى في الناس طرا رجلا ... شهد الهيجا كسعد بن سيل
فارس أضبط فيه عسرة ... فاذا ما عاين القر نزل
وتراه يطرد الخيل كما ... يطرد الحر القطامي الحجل
وقيل أنما سمي عامر بن عمرو بن جعثمة الجادر، لانه بني جدار الكعبة من سيل كان أصابه في أيام جره، فوهى منه وقيل بل كان الحاج يتمسحون بالكعبة ويأخذون من طينها وحجارها تبركا به فكان هو موكلا بأصلاح ما يتشعث من ذلك فسمي الجادر. وكانت فاطمة بنت سعد قد ولدت لكلاب بن مرة زهرة وقصيا ثم هلك عنها فقدم ربيعة بن حرام القضاعي حاجا فتزوجها، وكان زهرة الأكبر وقصي طفلا وأسمه فس ما روي زيد، فحملته معها وقيل أنها سمته قصيا لأنها أقصته عن قومه، فنشأ في حجر ربيعة بن حرام فصارع يوما غلاما من قضاعة فصرعه فقال له أبو الغلام: الحق بقومك يا غلام فلست منا، قال: فممن أن؟ قال: سل أمك، فسألها فقالت: أنت خير منه حسبا وأكرم نسبا أنت أبن كلاب بن مرة وقومك في حرم الله، وعند بيته فاراد الخروج، فقالت: أني أخاف عليك، فأقم حتى يخرج حاج قضاعة. ففعل وأقام حتى
стр. 282
خرج معهم فأتى مكة وخزاعة مستولية عليها، وولاية البيت يومئذ وحجابته خليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن لحي والمفتاح بيده، فخطب اليه أبنته حبى بنت خليل، ولم يكن له ولد غيرها فعرف نسبه وشرفه فزوجه، فولدت له بنيه الأربعة، عبد مناف، وعبد الدار وعبد العزي وعبدا بن قصي. فلما حضرته الوفاة أوصى لقصي بالحجابة والولاية والمفتاح وقال له: إن ولدك ولدي ولست أخص بذلك غيرهم فأقسم بينهم مآثر مكة. فلما مات خليل أبت بنو أسلم بن قصي بن حارثة رهط خليل وقومهم من خزاعة إن يجيزوا لقصي ذلك، فهم بحبهم فنهته حبى بنت خليل زوجته، وحذرته النقمة ممن أرد الأخاد في الحرم، وذكرته بأحاديث جرهم وقولهم كيف يحل لنا إن نذبح أموالنا في الحرم ونأكلها ولا يحل لنا ذبح الصيد فالكل سواء. فقالت في ذلك أشعارا منها:
ما أستبت جرهم يوما ببلدتها ... اذ مثلوا بين شاة الحل والحرم
وأقسموا وهم بسيل بلدتهم ... لنجعلن شهور الحل كالحرم
٩٤ - هل من حموم لأقوام لتزجرهم من ... قبل إن يصبحوا لحمَّا على وضم
وقالت أيضا تحذره وتذكر أمرهم من شعر لها:
فلما غلوا وعلاهمهم ... وقال أسامة لأبن الضرب
ضعوا الخرج فاستخرجوا عنوة ... من أهل العمود وأهل القتب
وعصب الملوك من أهل الشام ... وصفوا اللجين وصفوا الذهب
اصابهم القرح فاستسلموا ... لريب الخطوب ودهر كلب
فانكم إن تكونوا كهم ... تكن مثلا وتكون عجب
стр. 283
وقالت تذكر رجلا من مراد يقال له زيد بن الجولان أقبل معتمرا حتى أذا كان بالوادي من حرى أدركه السيبل فاناخ راحلته ينتظر أنقطاع السيل فبصر به رجل من جرهم، وهو بأعلى الجبل فأرسل عليه صخرة فقتله وأخذ سلبه:
صار أرث أبن مضاض حارث ... فغدا الدهر له حتى بسل
فأتاه من مراد راكب ... عرض السيل له حتى نزل
بشماريخ حراء فهوت ... صخرة تنحط من رأس الجبل
رضخته رضخة حتى غدا ... كهشيم العود ما فيه بلل
فقال قصي يذكر أرثه وأرث قومه لولاية الحرم، وإن خزاعة وغيرهم تولوا من ذلك ما ليس لهم بحق:
ما من تراث أب كانت لهم وطنا ... بيت الخليل ولا من حر أسياف
هل غير إن بلادا خف عامرها ... لما أمر عليه المشرب الصافي
لاقوا من الموت ما لاقت بنوا أرم ... لم يبق منتعل منهم ولا حافي
اعرتموها كما قد كان أولكم ... يعيرها خلفيه من بعد أخلاف
فلما رأت أجماعهم على حربهم قالت:
اني نذير قصي من مجللة ... نكبا لا تبقى من حدها رأسا
متى يحل قصي أو يلم به ... يقرع لها ندما سنا وأضراسا
لا تلحدن كالحاد الفتى حجر ... جنب الحجون غدا يستوجر الكأسا
اراد بيت بني كعب بداهية ... ولم يحاضر لها كرها ولا أسا
فباهلته وقدت جيبها جزع ... اني بليت بها أخرت مقايا
стр. 284
فضرمة ثوبه نار محرقة ... صبة عليه صبيب الشر أنفاسا
فدعا قصي أناسا من قومه قريش وكنانة الى نصره على أخراج خزاعة عن الحرم فأبوا إن يجيبوه، وهابوا ذلك لما كانوا يرون من النقم بمن الحد بمكة فدعا أخاه زهرة وولده فابوا عليه أيضا فقال:
دعوت زهرة لا شدوا رحالهم ... على المطي ولا زالوا بجعجاعة
الى محرمة ما إن يطل بها ... قرح الحمام ولا يسعى بها الساعي
وقد بذلت لهم نفسي وقد عرفوا ... يوم المعرف كري بعد أدفاعي
ابوا علي وقالوا مشرب بلغ ... معقولة وصديق غير نفاع
فلما رأت خزاعة قصي وما يدعوا اليه أجمعوا على إن يخرجوه من مكة فعرف ذلك فخرج هاربا من تحت ليلته فسار في مضر فقال: يا بني أسماعيل نحن أحق بهذا البيت من غيرنا، فأنصروني، فنصروه، فسار في جمع من بني النضر بن كنانة وغيرهم فنزل بالبطحاء، فلما رأتهم خزاعة أستعدوا للقتال حتى أذا كان بينهم الترامي والتناضل والأخذ بالشعور تداعوا الى الصلح وإن يحكموا بينهم رجلا، فارادت خزاعة إن يحكموا الديان بن عبد المدان ورجل من آل محرق الغسانيين، فأبى ذلك قصي، فقالوا: فمن تريد؟ قال: بحكم يعمر بن عوف الكناني، فأبت خزاعة وقالوا لا نحكم رجلا من كنانة، فابى وأبوا، ثم تراضوا بيعمر بن عوف إن يحكم بينهم بفناء الكعبة، هذا في رواية.
وفي رواية أخرى إن حليلا لما أوصى بالمفتاح لأبنته حبى فقالت له: قد علمت أني لا أقدر إن أفتح البيت وأسدنه، فأذن لها في إن تولي ذلك بعلها قصيا، فصارت السدانة والمفتاح له بهذا السبب.
стр. 285
وفي رواية أخرى إنه قال لها سأجعل لك من ينوب عنمك في فتح البيت، فأوصى بذلك الى أبي غبشان الخزاعي، وقيل إنه كان يحمق، وكان ينوب عنها أذا أصابها من يصيب النساء، فخرج قصي وأبو غبشان٩٥ الى الطائف فشرب أبو غبشان فسكر فقال له قصي أتبيعني وكالتك في المفتاح؟ قال: نعم، فاشتراه منه بجمل كما قيل وزق خمر، فجاء به الى حبى فأخبرها فسرت بذلك، فصارت المفتاح لها والوكالة فيه لبعلها، وجعلت له ما كان لها أيضا فصارت الحجابة اليه. وقدم أبو غبشان فلامه قومهم فجحد البيع، وقال أنما رهنته، وأنكرت خزاعة إن يكون صاحبهم باع، فسار قصي في ولد أسماعيل فقال: هذا مفتاح أبيكم قد رده الله اليكم بغير ظلم ولا غدر، فانصروني، فنصروه، وأستنجد أخاه لأمه رزاح بن ربيعة بن حرام القضاعي ثما العذري من بني عذره بن سعد هذيم، فأنجده بنفسه وقومه، ومعه أخوته لأبيه جز ومحموده وجلهمة بنوا ربيعة بن حرام وقال في ذلك:
لما أتى من قصي رسول ... فقال الرسول أجيبوا الخليلا
نهضنا اليه نقود الجياد ... ونطرح عنا الملول الثقيلا
نسير بها الليل حتى الصباح ... ونطوي النهار الى إن يزولا
فلما مررنا على عنجر ... وأسهلن من مستناخ سبيلا
следующие страницы →