Полный текст (499 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
ما أرى في الناس طرا رجلا ... شهد الهيجا كسعد بن سيل
فارس أضبط فيه عسرة ... فاذا ما عاين القر نزل
وتراه يطرد الخيل كما ... يطرد الحر القطامي الحجل
وقيل أنما سمي عامر بن عمرو بن جعثمة الجادر، لانه بني جدار الكعبة من سيل كان أصابه في أيام جره، فوهى منه وقيل بل كان الحاج يتمسحون بالكعبة ويأخذون من طينها وحجارها تبركا به فكان هو موكلا بأصلاح ما يتشعث من ذلك فسمي الجادر. وكانت فاطمة بنت سعد قد ولدت لكلاب بن مرة زهرة وقصيا ثم هلك عنها فقدم ربيعة بن حرام القضاعي حاجا فتزوجها، وكان زهرة الأكبر وقصي طفلا وأسمه فس ما روي زيد، فحملته معها وقيل أنها سمته قصيا لأنها أقصته عن قومه، فنشأ في حجر ربيعة بن حرام فصارع يوما غلاما من قضاعة فصرعه فقال له أبو الغلام: الحق بقومك يا غلام فلست منا، قال: فممن أن؟ قال: سل أمك، فسألها فقالت: أنت خير منه حسبا وأكرم نسبا أنت أبن كلاب بن مرة وقومك في حرم الله، وعند بيته فاراد الخروج، فقالت: أني أخاف عليك، فأقم حتى يخرج حاج قضاعة. ففعل وأقام حتى
стр. 282
خرج معهم فأتى مكة وخزاعة مستولية عليها، وولاية البيت يومئذ وحجابته خليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن لحي والمفتاح بيده، فخطب اليه أبنته حبى بنت خليل، ولم يكن له ولد غيرها فعرف نسبه وشرفه فزوجه، فولدت له بنيه الأربعة، عبد مناف، وعبد الدار وعبد العزي وعبدا بن قصي. فلما حضرته الوفاة أوصى لقصي بالحجابة والولاية والمفتاح وقال له: إن ولدك ولدي ولست أخص بذلك غيرهم فأقسم بينهم مآثر مكة. فلما مات خليل أبت بنو أسلم بن قصي بن حارثة رهط خليل وقومهم من خزاعة إن يجيزوا لقصي ذلك، فهم بحبهم فنهته حبى بنت خليل زوجته، وحذرته النقمة ممن أرد الأخاد في الحرم، وذكرته بأحاديث جرهم وقولهم كيف يحل لنا إن نذبح أموالنا في الحرم ونأكلها ولا يحل لنا ذبح الصيد فالكل سواء. فقالت في ذلك أشعارا منها:
ما أستبت جرهم يوما ببلدتها ... اذ مثلوا بين شاة الحل والحرم
وأقسموا وهم بسيل بلدتهم ... لنجعلن شهور الحل كالحرم
٩٤ - هل من حموم لأقوام لتزجرهم من ... قبل إن يصبحوا لحمَّا على وضم
وقالت أيضا تحذره وتذكر أمرهم من شعر لها:
فلما غلوا وعلاهمهم ... وقال أسامة لأبن الضرب
ضعوا الخرج فاستخرجوا عنوة ... من أهل العمود وأهل القتب
وعصب الملوك من أهل الشام ... وصفوا اللجين وصفوا الذهب
اصابهم القرح فاستسلموا ... لريب الخطوب ودهر كلب
فانكم إن تكونوا كهم ... تكن مثلا وتكون عجب
стр. 283
وقالت تذكر رجلا من مراد يقال له زيد بن الجولان أقبل معتمرا حتى أذا كان بالوادي من حرى أدركه السيبل فاناخ راحلته ينتظر أنقطاع السيل فبصر به رجل من جرهم، وهو بأعلى الجبل فأرسل عليه صخرة فقتله وأخذ سلبه:
صار أرث أبن مضاض حارث ... فغدا الدهر له حتى بسل
فأتاه من مراد راكب ... عرض السيل له حتى نزل
بشماريخ حراء فهوت ... صخرة تنحط من رأس الجبل
رضخته رضخة حتى غدا ... كهشيم العود ما فيه بلل
فقال قصي يذكر أرثه وأرث قومه لولاية الحرم، وإن خزاعة وغيرهم تولوا من ذلك ما ليس لهم بحق:
ما من تراث أب كانت لهم وطنا ... بيت الخليل ولا من حر أسياف
هل غير إن بلادا خف عامرها ... لما أمر عليه المشرب الصافي
لاقوا من الموت ما لاقت بنوا أرم ... لم يبق منتعل منهم ولا حافي
اعرتموها كما قد كان أولكم ... يعيرها خلفيه من بعد أخلاف
فلما رأت أجماعهم على حربهم قالت:
اني نذير قصي من مجللة ... نكبا لا تبقى من حدها رأسا
متى يحل قصي أو يلم به ... يقرع لها ندما سنا وأضراسا
لا تلحدن كالحاد الفتى حجر ... جنب الحجون غدا يستوجر الكأسا
اراد بيت بني كعب بداهية ... ولم يحاضر لها كرها ولا أسا
فباهلته وقدت جيبها جزع ... اني بليت بها أخرت مقايا
стр. 284
فضرمة ثوبه نار محرقة ... صبة عليه صبيب الشر أنفاسا
فدعا قصي أناسا من قومه قريش وكنانة الى نصره على أخراج خزاعة عن الحرم فأبوا إن يجيبوه، وهابوا ذلك لما كانوا يرون من النقم بمن الحد بمكة فدعا أخاه زهرة وولده فابوا عليه أيضا فقال:
دعوت زهرة لا شدوا رحالهم ... على المطي ولا زالوا بجعجاعة
الى محرمة ما إن يطل بها ... قرح الحمام ولا يسعى بها الساعي
وقد بذلت لهم نفسي وقد عرفوا ... يوم المعرف كري بعد أدفاعي
ابوا علي وقالوا مشرب بلغ ... معقولة وصديق غير نفاع
فلما رأت خزاعة قصي وما يدعوا اليه أجمعوا على إن يخرجوه من مكة فعرف ذلك فخرج هاربا من تحت ليلته فسار في مضر فقال: يا بني أسماعيل نحن أحق بهذا البيت من غيرنا، فأنصروني، فنصروه، فسار في جمع من بني النضر بن كنانة وغيرهم فنزل بالبطحاء، فلما رأتهم خزاعة أستعدوا للقتال حتى أذا كان بينهم الترامي والتناضل والأخذ بالشعور تداعوا الى الصلح وإن يحكموا بينهم رجلا، فارادت خزاعة إن يحكموا الديان بن عبد المدان ورجل من آل محرق الغسانيين، فأبى ذلك قصي، فقالوا: فمن تريد؟ قال: بحكم يعمر بن عوف الكناني، فأبت خزاعة وقالوا لا نحكم رجلا من كنانة، فابى وأبوا، ثم تراضوا بيعمر بن عوف إن يحكم بينهم بفناء الكعبة، هذا في رواية.
وفي رواية أخرى إن حليلا لما أوصى بالمفتاح لأبنته حبى فقالت له: قد علمت أني لا أقدر إن أفتح البيت وأسدنه، فأذن لها في إن تولي ذلك بعلها قصيا، فصارت السدانة والمفتاح له بهذا السبب.
стр. 285
وفي رواية أخرى إنه قال لها سأجعل لك من ينوب عنمك في فتح البيت، فأوصى بذلك الى أبي غبشان الخزاعي، وقيل إنه كان يحمق، وكان ينوب عنها أذا أصابها من يصيب النساء، فخرج قصي وأبو غبشان٩٥ الى الطائف فشرب أبو غبشان فسكر فقال له قصي أتبيعني وكالتك في المفتاح؟ قال: نعم، فاشتراه منه بجمل كما قيل وزق خمر، فجاء به الى حبى فأخبرها فسرت بذلك، فصارت المفتاح لها والوكالة فيه لبعلها، وجعلت له ما كان لها أيضا فصارت الحجابة اليه. وقدم أبو غبشان فلامه قومهم فجحد البيع، وقال أنما رهنته، وأنكرت خزاعة إن يكون صاحبهم باع، فسار قصي في ولد أسماعيل فقال: هذا مفتاح أبيكم قد رده الله اليكم بغير ظلم ولا غدر، فانصروني، فنصروه، وأستنجد أخاه لأمه رزاح بن ربيعة بن حرام القضاعي ثما العذري من بني عذره بن سعد هذيم، فأنجده بنفسه وقومه، ومعه أخوته لأبيه جز ومحموده وجلهمة بنوا ربيعة بن حرام وقال في ذلك:
لما أتى من قصي رسول ... فقال الرسول أجيبوا الخليلا
نهضنا اليه نقود الجياد ... ونطرح عنا الملول الثقيلا
نسير بها الليل حتى الصباح ... ونطوي النهار الى إن يزولا
فلما مررنا على عنجر ... وأسهلن من مستناخ سبيلا
стр. 286
مررنا على النخل ما ذقنه ... وعالجن في مر ليلأ طويلا
فلما أنتهينا الى مكة ... أنخنا الركاب قبيلا قبيلا
وقال أيضا:
ابيّ في الحياة أخو قصي ... اذا ما ضامه ضيم أبيت
اذا يجني علي بذلت، نفسي ... ويفعل مثل ذلك إن جنيت
اخي لقد نزلت بدار قوم ... اجرّ بها الإزار أذا أنتشيت
نفينا عن منازلهم عليا ... فما لهم لذي الإحرام بيت
قوله عليا يعني بني عبد مناة بن كنانة كانوا يعرفون ببني علي لان علي بن مسعود الأزدي كان أخا أبيهم لامه، وهلك أبوهم وهم أطفال فتولى حضانتهم، فعرفوا ببني علي، فكانوا حلفاء خزاعة. وقال قصي يذكر نصر أخيه رزاح بن ربيعة له:
انا أبن العاصمين بني لؤي ... بمكة منبتي وبها ربيت
لنا البطحاء قد علمت معدُّ ... ومروتها رضيت بها رضيت
رزاح ناصري وبه أسامي ... فلست أخاف ضيما ما حييت
فلست لغالب إن لم تأثل ... بها أبناء قيدر والنبيت
стр. 287
قال فلما أجتمع الناس بمكة لحجهم الذي كانوا يحجونه، حارب قصي خزاعة بمن أنجده من بني أسماعيل ﵇، ومن أتاه مع أخيه رزاح من قضاعة فكثرت بينهم القتلى، ثم حكموا يعمربن عوف الكناني، وكان شريفا وكان هو وقومه بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة قد أعتزلوا الحرب، فاحصى القتلى ووضع قتيلا بقتيل، ففضل لخزاعة عشرة فقال: أني قد شدخت دماءهم، والحرم لقصي وقومه، وخزاعة جيران، فسمي بذلك الشداخ، وقيل بل حكم بينهم بان كل دم أصيب من خزاعة مطلول، وكل دم أصابته خزاعة فعليها عقله، والحرم لقصي وقومه، وخزاعة جيران فيه ولا يخرجون عنه، فقالت خزاعة: لا نرضى، قال: فأن رضيتم والا فأعدو على الحرب. فرضوا بذلك لضعفهم عن قصي ومن أجتمع له، وقيل أنهم كتبوا بينهم كتابا بان خزاعة جيران باسفل الوادي، فان دهم قريشا أمر كانت خزاعة عبيدا معه، وإن دهم خزاعة أمر كانت قريش بالخيار إن شاءوا نصروا وإن شاءوا خذلوا.
قال نوفل بن معاوية الكناني أحد بني الديل بن بكر بن عبد مناة: فقريش لا تشكر لنا هذا الحكم، ويقولون إن صاحبكم أنما حكم لنا بأرث آبائنا، ورد علينا حقنا وخزاعة تتهمنا. وقالت العرب في بيع أبي غبشان المفتاح: أخسر من صفقة أبي غبشان، فذهبت مثلا.
وفي رواية أخرى إن الذي كان خليل بن حبشية نصبه للنيابة عن أبنته
стр. 288
حبى في المفتاح هو أبو وهب سليمان بن عمرو أحد بني ملكان بن أفصى بن حارثة الخزاعي، فاشتراه منه قصي بزق خمر وقعود ولعله كان يكنى بأبي ٩٦ غبشان وأبي وهب أيضا، فأن العرب كانت تكني الرجل بالواحد والجماعة من ولد وهجيت خزاعة بذلك فقال الشاعر:
باعت خزاعة بيت الله أذ سكر ... بزق خمر وأثواب وأذواد
باعت سدانتها للبيت وأنصرفت ... عن المقام بظل البيت والوادي
وقال أخر:
اذا أفتخرت خزاعة في قديم ... وجدنا فخرها شرب الخمور
وباعت قبلة الرحمن جهلا ... بزق بئس مفتخر الفخور
وقالت حبى بنت خليل زوجة قصي حينئذ في ذلك:
ابو غبشان أظلم من قصي ... وأظلم من كنانتنا خزاعه
فلا تلحوا قصيا أذ شراه ... ولوموا شيخكم أذ كان باعه
стр. 289
النسيء
وفي رواية أخرى إن قصيا لما أجتمع له من أجتمع لنصره بمكة، وخرجوا الى حجهم الذي كانوا يحجونه، فلو يبق الا النفر وقد غلبت قبائل من العرب على أمور تفردت بها، وأبتدعت كنانة النسيء، وكانوا ينسئون الشهور يلي ذلك منهم بني ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة، وكانوا يسمون الذي يلي ذلك القلمّس، والقلمس السيد، وقيل إن أول من نسأ الشهور منهم سرير بن ثعلبة، ثم ولي ذلك بعده أبن أخيه عدي القلمس بن عامر بن ثعلبة، ثم ولي ذلك ولده من بعده، فكان فيهم الى إن ظهر الإسلام قال الشاعر:
قلامة قد ساسوا الأمور فأحسنوا ... سياستها حتى أقرت لمردف
وقيل إن أخر من نسأ منهم أبو ثمامة، جنادة بن عوف بن أمية بن قلع بن عباد بن حذيفة بن عبد بن فقيم بن عدي، وقيل إنه كان أطول النسأة عمرا فأنه نسأ أربعين سنة ثم ظهر الإسلام. وكان يقوم فيقول أنا الذي لا أعاب ولا أخاب، الا أنني قد أحللت دماء المحلين طي وخثعم الذين لا يعظمون الشهور، وأنسئت هذا الشهر فجعلته صفر يعني المحرم، فإذا
стр. 290
كان من قابل تركه.
وقد ذكر الله وهو أعلم وأحكم النسيء فيل كتابه فقال عز من قائل: (إنما النسيء زيادةً في الكفر يضلّ به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما) الأية. وكانوا يفخرون بذلك قال عمير بن قيس بن علقمة وعلقمة هو جذل الطعان بن فراس بن غنم بن ثعلبة بن مالك بن كنانة:
وأي الناس لم يسبق بوتر ... وأي الناس لم يعلك لجاما
السنا الناسئين على معد ... شهزر الحل نجعلها حرما
وقال أخر فيهم:
لهم النسيء يمشون تحته لوائه ... يحلّ الشهور تارةً ويحرّم
الأجازة
وكانت صفوة تلي الإجازة وصوفة بنو الغوث بن أخي تميم بن مرة بن أد طابخة بن الياس بن مضر وكان صوفة يعرف بالربيط لان أمه - وكانت جرهمية - كانت مئناثا فنذرت إن ولدت غلاما إن تعبده الكعبة فلما ولدت الغوث ربطته بفنائها فسمي الربيط ثم جاءته وقد نال منه
стр. 291
الحر فقالت: ما صار الا كانه صوفة فسمي صوفة. ولزمه الأسمان فكانت صوفة أول من تدفع من عرفة وأول من ترمي قال أوس بن مغراء السعدي:
لا يريمون بالتعريف موقفهم ... حتى يقال أجيزي آل صوفانا
ومن أمثالهم أجيزي صوفة. وكانت ربيعة بن نزار تقف عند المضيق عند العقبة فتجيز كندة لأنهم كانوا حلفاءهم فيقول الناس أقيموا حتى تجوز الأملاك من كنده وفي ذلك يقول أبو طالب بن عبد المطلب:
وكندة أذ ترمي الجمار عشية ... تجيزهم وحجاج بكر بن وائل
حليفان شد عقد ما أحتلفا له ... وردا عليه عاطفات الوسائل
وكانت أفاضة المزدلفة لبني زيد بن عدوان بن عمرو بن قيس عيلان بن مضر و أسم عدوان الحارث وكان أخر من ولي ذلك منهم أبو سيارة٩٧ عميلة بن الأعزل العدواني وكان يفيض على حمار أدلالا منه بعزة وثقة إنه لا يخاف أمرا يحتاج الى الفرار منه وقيل إن حماره عاش أربعين سنة لم يصبه فيها عرض فمن أمثالهم " اصح من حمار أبي
стр. 292
سيارة ". قال راجزهم:
نحن دفعنا عن أبي سيارة ... وعن مواليه بني فزاره
حين أفاض راكبا حماره ... مستقبل القبلة يدعو جاره
فدفعتهم قريش عن ذلك أيضاً. قال جزء بن ربيعة العدواني عدي قريش:
أخذت الحج من عدوان قسرا ... ولو أدركت صوفة لاشتفيت
وقيل إن صوفة لم تزل لها الأجازة الى إن أنقرضة فورث ذلك عنهم بنو تميم فوقع في بني سعد بن زيد مناة بن تميم فكانوا يجيزون وكان أخرهم الحارث بن صوفان أحمد بني شجنة بن عطارد بن عوف بن كعب بن سعد وعليه ظهر الأسلام. فاما المشهور من الأحاديث فهو إن قصيا وقف لصوفة بمن معه عند العقبة فمنعه الأجازة، وقال: نحن أولى بهذا منكم. فأقتتلوا قتالا شديدا ثم أنهزم صوفة، وغلبهم قصي على ما كان في أيديهم، فعلمت خزاعة حينئذ إنه سيحول بينهم وبين أمر مكة
стр. 293
والحرم، ويغلبهم على السدانة كما غلب صوفة على الأجازة.
وروى أبو بشر العمي عن محمد بن الحسن قال حدثنا علي بن الزبير عن أبراهيم بن المنذر عن محمد بن عمر الراسبي عن عمارة بن عبد الله بن عبيس الديلي عن جوبه بن عبيد بن شيبان بن أبي شيبان عن نوفل بن معاوية الديلي أحد بني الدئيل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، قال: كنا وخزاعة مع قصي لنصره ونحن نظن إنه أنما يريد منع صوفة الأجازة فلما ظهر عليهم ندمت خزاعة وبنو بكر بن عبد مناة بن كنانة، وعلموا إنه سيفعل بهم كما فعل بصوفة، وإنه سيحول بين خزاعة وأمر مكة والحرم، ويدفعهم عن السدانة والحجابة كما دفع صوفة عن الأجازة فأنحازوا عنه فنابذهم، وأجمع لحربهم وثبت معه أخوه لامه رزاح بن ربيعة القضاعي، ومعه ثلاثة أخوة له من أبيه من غير أمه وأم قصي، فاقتتلوا حتى كثرت القتلا ثم تداعوا الى الصلح، وإن يحكم بينهم رجل من العرب، فحكموا يعمر بن عوف فحكم بينهم بما حكم، وقال: لقد قرّش قوما شريفة أحسابهم غالية دماؤهم فكل دم أصابته منهم خزاعة فهو معقول، وكل دم أصابوه من خزاعة مطلول، فصار الحرم وولايته وسدانة البيت وحمايته لقصي وقومه، وصارت خزاعة جيرانا بأسفل الوادي، فقيل تقرشت قريش وأنخزعت خزاعة.
فلما أستولى قصي على الحرم جمع قومه فقال لهم: هل لكم إن تصبحوا بأهلكم في الحرم فلا تستحل العرب قتالكم فيه، ولا يستطيعون أخراجكم
стр. 294
منه وتسكنوه فتسودوا العرب، فاجابوه فاصبح بهم حول البيت وكانوا من قبل لا يبيتون من حوله، ولا يحدثون في الحرم حدثا ولا يواقعون فيه النساء، أنما يكونون حوله نهارا، ويخرجون عنه الى منازلهم بأطراف الحرم، وشعاب الوادي ليلا فلما نزل بقومه الحرم مشى اليه أشراف كنانة فقالوا له: إن هذا عند العرب عظيم ولو تركناك ما تركوك فأخرج عنه، فابى عليهم. وحضرت أيام الحج، فجمع قومه فقال لهم: قد حضر الحج وقد سمع الناس بما صنعتم ولا مكرمة عند العرب كأطعام الطعام، فليخرج كل أنسان منكم من ماله خرجا، وعليّ مثلكم جميعا، ففعلوا الا بني عامر بن لؤي خاصة فانهم أبووا إن يخوجوا في الرفادة شيء دون غيرهم من قبائل قريش، فجعل قصي على كل طريق من طرق مكة حظيرة ينحر فيها الجزر، ويطعم فيها الثريد ويسقى فيها اللبن والسويق فكل من جاء من طريق من الطرق دخل حظيرة من تلك الحظائر فأكل وشرب وصدر فقال بعضهم في ذلك:
آب الحجيج طاعمين دسما ... بجر الحشا مستحقبين شحما
وأوسعهم زيد قصي لحما ... ولبنا محضا وخبزا هشما
فحوى قصي مآثر مكة وبنى لنفسه دار الندوة يجتمع فيها قومه فيقضون فيها أمورهم دقيقها وجليها وحفر بئرين ساقيتين للحاج إحداهما: بالردم الأعلى بحيث كانت دار أبان بن عثمان من بعد
стр. 295
والأخرى بالجزورة بحيث صارت دار أم هانئ بنت أبي طالب من بعد وكانت تلك البئر تسمى العجول قال الراجز:
نسقي على العجول ثم ننطلق ... إن قصي قد وفى وقد صدق
بالري للحجاج وظام مغتبق
وقسم منازل مكة بين قومه أرباعا فسمت العرب قريشا قطين البيت وولي ولده بعده ما كان يليه كابرا من أكابر وزمزم مدفونة الى أيام عبد المطلب بن هاشم.
حفر زمزم
فروي إنه رأى في مناه قائلا يقول له: أحفر زمزم فقال: وما زمزم؟ قال: بره قال وما بره؟ قال ما ضن به على العالمين وأعطيته أحفر زمزم لا تنزف ولا تذم تروي الحجيج الأعظم بركة من الله القاها بين فرث ودم. قال بين لي قال: عند الحجرين الأسودين المتقابلين. قال: إن حجارة مكة كثرة سودها قال: عند نقرة الغراب الأعصم، وقيل الأسحم خليل رأيت الماء فقل هلم الى الوراء، أعطيته على رغم الأعداء. وفي رواية أخرى أحفر زمزم تراث أبيك الأقدم وجدك أبراهيم عند الركن والحرم بحيث الغراب الأعصم عند الفرث والدم عند قرية النمل، فخرج الى المسجد وجلس ينظر فانفلتت بقرة من جازرها بالجزورة فلحقها
стр. 296
فصرعها في الموضع وجزرها فجاء غراب أعصم فوقع على فرثها ودمها وقيل كان بين أساف ونائلة فشرع في حفرها فصعد عليه فنذر إن أنبطها الله على يدهو وأعانه عليها إن يذبح أحد ولده. وحفر فوجد سيوف وغزالا من ذهب مقرطا وحلية فلما رأت قريش ذلك قالوا له: أخذنا من هذا المال. فقال: إنه لبيت الله . فأخذ المال فحلى به الكعبة وجعل السيوف صفائح على بابها. وقال فيه خويلد بن أسد بن عبد العزى يمدحه:
اقول وما قولي عليهم بسبة ... اليك أبن سلمى أنت حافر زمزم
سقلية أبراهيم يوم أبن هاجر ... وركضة جبريل على عهد آدم
ومما روي في أسماء زمزم والله سبحانه أعلم: زمزم وهمزة جبريل ﵇ وركضة أسماعيل ﵇ وحفيرة عبد المطلب ويره وشراب الأبرار والسقيا وشراب من سغب وشفاء من سقم والمنسوبة.
ومما روي في أسماء مكة حرسها الله والله سبحانه أعلم: مكة وبكة وطيبة الكبرى وأم القرى وأياسة وأم حرم كانوا أذا نزلوا بها رحموا والبيت العتيق وصلاح وبنية أبراهيم ﵇ وكوثى والكعبة وحرم الله وبيت الله. فلما فرغ عبد المطلب من حفر زمزم
стр. 297
أخذ في الوفاء بنذره فجمع ولده وكانوا عشرة وكتب أسم كل رجل منهم على قدح ثم ضرب فصارت القرعة على عبد الله فأراد ذبحه أذا أصبح. فخرجت أمه وهي فاطمة بنت عمرو بن عايذ بن عمران بن مخزوم ليلا فأتت أباها فأستأذنت عليه فقيل له: أبنتك بالباب فقال: ما كانت أبنتي بسروب وما جاء بها الا الشر فدخلت عليه فقال: مالك يا بنية؟ فقالت الشر يا أبتاه إن أبني يذبح غدا. قال ولم؟ قالت: زعم زوجي إنه يريد إن يقي بنذره وقد أقرع بينهم فأصابت القرعة أبني الأصغر. فقال: كلا يا بنية زوجك رجل شريف حليم نطلب اليه، فلا يخرج من رأينا إن شاء الله فأرجعي الى بيتك، فقالت: يا أبتاه إن أبني يذبح، فقال: يا بنية فزوجك أحق بولده. فخرجت من عنده وقد كادت إن ينقطع ظهرها فأصابت المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، فقالتك يا عم أبني يذبح، وقد أقرع بينهم فأصابت القرعة أبني الأصغر وهو ذابحه بالغداة. فقال: هل أتيت أحدا غيري؟ قالت نعم أتيت أبي، قال: فما قال لك؟ قالت: زعم إن زوجي أحق بولدي، فقال صدق أبوك، ولكن زوجك رجل حليم شريف نطلب اليه ونرجوا الا يخرج من رأينا. فخرجت من عنده وقد٩٩ كادت إن ينقطع ظهرها فدخلت على عايذ بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم وكان رجل خبيثا شريرا فقالت يا عم إن أبني يذبح غدا قال: ولم؟ قالت زعم زوجي إنه يريد إن يفي بنذره لله تعالى. قال وهل أتيت أحدا غيري؟ قالت: نعم، أتيت أبي وعمي فزعما إنه أحق بولده، قال: فأرجعي قريرة العين، فلن يصل اليه والله أبدا حتى أضع السيف في مفرقه فأقده بأثنين وآخذ نصيبي وأعطيه نصيبه، أفترين عبد المطلب يرضى بذلك؟ فقالت هذا ما لا يكون أبدا، قال: فوالله ليكونن
стр. 298
أو ليخلين سبيله. فرجعت وقد طابت نفسها وأصبح الناس غادين الى المسجد ينظرون كيف يذبح، وأصبح عايذ غاديا في عنقه سيف حتى جلس مع الناس. ودخل الحارث بن عبد المطلب آخذا بيد عبد الله وبيده الشفرة، ودنا أبوه حتى جاء الى موضع زمزم، وحسر عن ذراعيه وأخذ الشفرة وأضجع الغلام. فقامت بنو مخزوم فأخذوا بيده وناشدوه، وقالوا: ننشدك الله يا أبا الحارث فأنك إن فعلت لم يزل الرجل منا ينذر النذر ثم يجيء بولده حتى يذبحه في هذا المكان، وقد كان في أبيك أبراهيم صلى الله عليه وآله سنّة فأقتد به، وافد أبنك بمالك حتى يرضى ربك، فان عجز مالك فأحلّ في أموالنا حتى ترضي ربك. قال أفترون هذا مجزيا قالوا: نعم فأخرج عشرا من الأبل فأقرع عليها وعلى الغلام فخرجت القرعة على الغلام فنادوا إن فاخرج خمسين وأقرع عليها فخرجت القرعة على الغلام، فأخرج مائة ثم أقرع عليها وعلى الغلام فخرجت القرعة على الابل، فصاح الناس قد رضي ربك. فقال: كلا حتى أقرع ثلاثا. فأقرع ثلاثا فخرجت على الأبل، فصاح الناس رضي ربك، ووثب الحارث فأجتره من تحت أبيه حتى خرج جبينه، ونحر عبد المطلب الأبل بجزوره، وتقسمتها قريش، وفي رواية أخرى إنه جعل يقرع على عشر عشر حتى بلغت ثمانين فأفاض وهو يقول:
عهد لربي أنا موف عهده ... اخاف ربي إن تركت وعده
فخرجت على الغلام. فقال إن ربي لم يقبل الفدا، فلما رأى الناس ذلك تفرقوا كراهة إن يشهدوا ذبحه فلم يبق غير خاله وهب بن عمرو بن عايذ بن عمران بن مخزوم فانه ثبت معه وهو يقول له: يا أبا الحارث زد ربك فانه سيرضى ولا تعجل فزاد عشرا، وأفاض فخرجت عليه فزاد عشرا فصارت مائة وأفاض وهو يقول:
стр. 299
لا هُمّ ربّ البلد المحرّم ... اجعل فداه مائة تقسم
ولا تر مكة الغداة بالدم
فخرجت على الأبل فقال: قد رضي ربك. فقال: ما أنصفت ربي إن القداح تخطئ وتصيب ولكني مفيض ثلاثا. فافاض ثلاثا فخرجت على الأبل فنحرها وقال الأبه:
الحمد لله العلي الأولي ... اجاب دعواتي وكان المبتلي
حتى تدوركت ولم ترمل
فهذا ما روي من حديث الذبيح الثاني عبد الله بن عبد المطلب، وهو مما يقوي إن أسماعيل ﵇ هو الذبيح الأول لقولهم: إن رسول الله (قال: أنا أبن الذبيحين. وإن كان الغناء وقع بدليل القرآن عن الأستدلال بغيره.
وكانت العرب في الجاهلية تعرف لولد أسماعيل ﵇ شرف نسبهم ولا ينكرون فضلهم، وكان ولد أسماعيل ﵇ يفخرون بفضلهم في النسب على غيرهم من العرب. فمن ذلك ما أخبرنا به محمد بن هبة الله بن جعفر أجازة عن أبن البّراج عن علي بن الحسين العلوي عن أبي عبد الله المرزباني عن أبي بكر بن دريد عن أبن أبي رياش عن أبيه أبي رياش أحمد بن أبي هاشم قال: لما قتل قيس بن زهير مالك بن بدر بأخيه مالك بن زهير في حرب الرهان بين أبني بغيض قال: الأن قرت عيني حين باء مالك بمالك، اليوم أنتصفنا من قومنا فان كفوا كففنا، وقال أبياتا يعرض فيها يذكر البقية والصلح منها قوله١٠٠:
عسى إن نعود بأحلامنا ... ونترك ما ها هنا أجمع
стр. 300
فان البلاء يجر الفناء ... وإن البقاء لنا أوسع
وما جئت الا الذي جئتم ... وكل الذي كان يستفظع
قتيل لنا ولكم مثله ... ووهي لنا ولكم يرقع
فبلغت الأبيات حذيفة بن بدر وكان ذا تيه وكبر لا يرى في نفسه إن أحدا من العرب مثله، فقال: كذب قيس لا يبؤ مالك بمالك ولا يكون ذاك أبدا فبلغ قوله بني زهير فقال ورقاء بن زهير:
تاني حذيفة ما مثله ... يحط الرئيس ولا يرفع
ايرفع عن مالك مالكا فقبح من ذينك الأوضع
كان أباك أبن ماء السماء ... او الملك المتقى تبع
او الأبرش في ملكه أو ... ابن الخير أو الأرع
وقيصر الملك أو عامر ... وعمرو وأبرهة الأروع
فبلغت الأبيات حذيفة فقال ما أحد ممن سمى الا وأنا خير منه ثم قال:
اتجعل قوما أذا ما أنتموا ... فقحطان أصل ومنجمعُ
وإن كان ملكهم ظاهرا ... وقد منحوا الملك وأستودعوا
كقوم أبوهم خليل الإله ... وأبن الخليل الرضا الأروع
وأسحق عمهم المصطفى ... ونوح سما بهم الأيفع
فان يملم القوم بعض البلاد ... فقد يملك الأرفع الأوضع
وعند الخواتم حمد الأمور ... ونحن الخواتم والمرجع
ونحن الصميم الصريح النضا ... ر والجوهر الخالص الأرفع
وكان رسول الله (أذا ذكر هاجر ترحم عليها.
стр. 301
وروي إنه ﵇ قال: " اذا أقتحمتم مصر فاستوصوا باهلها خيرا فان لهم ذمة ورحما ". فروي إن الرحم التي ذكرها لهم أنما عني بها هاجر ﵂ ومن فضلها إنه روي أنها خرجت في أول أمرها غضبى على سارة ﵂، فلقيها جبريل ﵇ فامره بالعود، وبشرها بأسماعيل ﵇. وري إن رسول الله (كان أذ أنشد قول الأفوه الأودي:
يا بني هاجر ساءت خطة ... ان تنالوا النصف منا أو تجاروا
" لعن الأفوه " وهذا البيت من قصيدة الأفوه المشهورة التي يفتخر بها على نزار وقد أجيب عنها قديما وحديثا فممن أجابه عنها في عصره الفند اليشكري، وأسمه شهل بقصيدة يفتخر بها عليه ويرد قوله منها في ذكر هاجر ﵂:
نحن أبناء معد ذي العلى ... وكنا من هاجر فخر كبار
стр. 302
ولدت أكرم من شد له ... عقد الحلم أذ شد الأزار
ان أسماعيل فخر وسنا ... حل في دار بها حل الفخار
عطف الناس على أعقابنا ... مثل ما حنت على البو الظؤار
فأرفعوا بيتا يساوي بيتنا ... هل لكم مثل حجار البيت جار
ليس بيت يرغب الناس معا ... ان يزوروه كبيت لا يزار
وروي إن رسول الله (سمع قائلا يقول:
اني أمروء حميري حين تنسبني ... لا من ربيعة آبائي ولا مضر
فقال: " ذلك أتعس لجدك، وأصغر لخدك وأنبأ لحدك وأبعد لك من الله ومن رسوله ". والعلم المشهور من ولد أسماعيل ﵇ الذي يجتمع اليه أنسابهم وتلتقي شعوبهم معد بن عدنان.
فضل معد بن عدنان
وكان فضل بن عدنان فيما روي، سديد الرأي، كامل العقل، كثير الشكر لله . وهو الغني بأسمه عن التعريف بآبائه، المقتنع بشهرته ونباهته عمن تقدمه ممن بينه وبين أسماعيل ﵇. وروي إنه كان بينه وبين أسماعيل ﵇ ثلاثون أبا، وقيل دون ذلك
стр. 303
وأكثر منه والنسب الموجود في أيدي الناس يدل على دون هذا العدد بكثير.
ووروي أن١٠١ رسول الله (كان أذا أنتسب فأنتهى الى معد بن عدنان أمسك .
اخبرنا الحسن بن محمد عن أبيه عن محمد بن عبدون عن أبي طالب الانباري عن أبي بشر العمي عن محمد بن الحسين التسميني عن هشام بن محمد عن أبيه عن أبي صالح عن عباس ﵁ قال: كان النبي (إذا أنتسب الى معد بن عدنان أمسك، وقال: كذب الناسبون. قال الله : (وقرونا بين ذلك كثيرا) .
وروي إن رسول الله (قال: " لا تنسبوا معدا فانه كان على حنفية أبراهيم صلى الله عليه وآله ". وروي أن بخت نصر لما فرغ من أخراب المسجد الاقصى ومدن بني أسرائيل وأنتسفهم قتلا وسبيا أري في منامه أو - امر بعض الانبياء إن يأمره - إن يدخل بلاد العرب فلا يستحيي بها أنيساً وذلك حين كفروا، وأتخذوا الالهة من دون الله غز وجل. وقتل أهل حضور نبيهم وأهل الرس نبيهم فنظم بخت نصر ما بين أيله والأبلة خيلاً ورجالاً، ثم دخلوا على العرب فأوحى الله سبحانه إلى
стр. 304
أرميا وأرخيا ﵉: إن الله قد أنذر قومكما، فلم ينتهوا فعادوا بعد الملك عبيداً، وبعد نعيم العيش عالة يسألون الناس وقد تقدمت الى أهل عربة بمثل ذلك فابوا الا لحاجة وقد سلطت بخت نصر عليهم لانتقم به منهم فعليكما معد بن عدنان الذي من ولده محمد الذي أخرجه أخر الزمان أختم به النبوة وأرفع به من الضعة فخرجا تطوى لهما الارض حتى سبقا بخت نصر فلقيهما عدنان فطوياه الى معد، وله يومئذ أثنتا عشر سنه فحمله رخيا على البراق وردف خلفه فانتهيا الى حران من ساعتهما، وطويت الارض لاروميا فاصبح بحران والحديث طويل هذا موضع الحاجة منه. فلما قضى بخت نصر غزوته رجع، ومات عدنان وبقيت بلاد العرب خرابأ مدة حياة بخت نصر. فلما هلك خرج معد بن عدنان معه أنبياء بني أسرائيل حتى أتى مكة فاقام أعلامها وحج، الانبياء معه، ثم سأل معد عمن بقي من ولد الحارث بن مضاض الجرهمي، فقيل له جوشن بن جلهمة فتزوج أبنته معانة، وولدت له نزار بن معد. وفي رواية أخرى إن الله سبحانه أوحى الى برخيا بن أخبيا بن زوبابيل بن شلشيل من ولد يهودا بن يعقوب ﵇ إن أئت بخت نصر فمره إن يغزو العرب الذين لا أغلاق لبيوتهم ولا أبواب، ويطأ بلادهم فيقتل
стр. 305
مقاتلتهم ويستبيح أموالهم، وأعلمه كفرهم بي، وأتخاذهم الآله دوني، وتكذيبهم أنبيائي ورسلي. فقد برخيا على بخت نصر فأخبره بما أوحى اليه وذلك في زمن معد بن عدنان، فوثب بخت نصر على من كان في بلاده من تجار العرب وسفارهم، وكانوا يقدمون بالتجارات ويمتارون الحب والتمر والثياب وغيرها، فجمع من ظفر به منهم وبنى لهم حيراً على النجف، وحصنه وضمهم فيه ووكل بهم حرساً ثم نادى الغزو وذكر مثل الحديث. فلما عاد بخت نصر وقد أخرب أرض العرب خلى عمن كان حبسة في الحائر فلم ينصرفوا منه، واتخذوه منزلا مدة حياة بخت نصر فهي الحيرة. وكان هذا سببها بنائها فلما هلك بخت نصر أنتقلوا الى الانبار، وخلت الحيرة فلم تزل خراباً الى أيام أردشير بن بابك، فأنه أستعمل عمرو بن عدي على العرب، وأمره إن يسكنها، ويتخذها منزلا فنزلها ونزل الناس معه فعمرت بذاك وقد تقدم ذكر ذلك. وقد ذكر الطبري هذه الخبار في أمر بن عدنان وأستوفى شرحها في تاريخه.
وروى أبن جمهور عن أبيه عن أبراهيم بن المنذر عن عبد العزيز بن عمران عن القاسم بن أصيهب عن الحجاج بن أرطاة بن أبي رباح عن أبن عباس ﵁ مثل ذلك إلا إنه قال في حديثه إن بخت نصر لما أوقع بأهل حضورا وأهل أرمينة حتى إذا أدبر الامر رداه الى موضعه من تهامة، فكان بمكة
стр. 306
وناحيتها مع أخواله من جرهم فأختلط بهم وناكحهم. وكان معد وولده أشراف العرب لم يكن أحد إلا يرى لهم فضلهم، وكان له من الولد عشرة أكبرهم ١٠٢ قضاعة وبه كان يكنى.
وروى أبن جمهور عن أبيه عن عباد بن أبراهيم عن هشام بن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله (: " أتدرون ما كان يكنى معد، كان يكنى بأبي قضاعة ". وقال عمرو بن جرير بن مغيث بن جرير بن عجلان البلوي:
فإن معدا كان يكنى ببكره ... قضاعة ما فينا له من يجمجم
وهذا مما يستدل به على إن قضاعة بن معد، أنهم نافلة في حمير والله أعلم.
وذكر نضر بن مزروع النسابة الكلبي أن قضاعة لم تزل متمسكة بنسبها الى معد بن عدنان مقيمة على ذلك حتى مضى صدر الخلافة معاوية، فذكر لهم عمرو بن مرة بن عامر بن مالك بن رفاعة الجهني نسبا في اليمن. وكانت لعمرو بن مرة صحبة وسابقة في الاسلام وطاعة في قومه، ولم يكن أطيع فيما ذكره من ذلك - إن كان ذكره - ثم قال وقد رجع عما قال من ذلك. ثم إن قضاعة أحدثت بينها وبين اليمن بالشام حلفا في أيام فتنة أبن الزبير ومروان أبن الحكم، وأبنه عبد الملك وذلك في أيام إغارات عمير بن الحباب السلمي على كلب، وإغارات حميد بن حريث الكلبي على قيس
стр. 307
عيلان، فلم تزل كلب واليمن يشددون ذلك الحلف ومالأهم عليه خالد بن يزيد بن معاويه خلافا لبني مروان، وقصدا لتوهين ملكهم، وتفريق أجماعة أهل الشام عنهم حتى كثر المنتسبون من قضاعة الى حمير، ثم لم يستحكم ذلك حتى كانت غزوة مسلمة بن عبد الملك القسطنطينية، فأظهر العصيبة والتحامل على كلب، ووقع بين كلب وقيس في فرس لكلب سبق فرساً لقيس شرَّ. فأرادت قيس إن تحول بين كلب وفرسهم، فعظم الامر بينهم حتى زحف بعضهم الى بعض، وأستبان لكلب ميل مسلمة وتحامله، وجساءتهم اليمن فاظهروا لهم الغضب، ورجعوا معهم وأرادوا بذلك أستمالتهم فأنصرفت كلب من غزوة القسطنطينية، وهي بأسرها تنتسب الى مالك بن حمير وتنتفى من معد. وقال شاعرهم عطاف بن شعفره من بطن منهم يقال لهم بنو بكر أبن أبي سود بن زيد الله بن رفيده بن ثور بن كلب:
يا أيها الداعي أدعنا وأبشر ... نحن بنو الشيخ اليماني الازهر
قضاعة بن مالك بن حمير ... النسب المعروف غير المنكر
قال نصر بن مزروع: فلم تزل قضاعة بعد غزوة القسطنطينية الى اليوم مختلفين في أنسابهم، الا إن أهل العلم منهم، والتقوى والسباقة في الاسلام لم يستحسنوا قط، ولم يستحلوا إن ينتفوا من أبيهم معد بن عدنان، ثم كان خالد بن عبد الله القسري حين ولي العراق بعد ذلك يعين على فساد نسب قضاعة، وأفسد نسب بجيله أيضاً وأعطى ذلك الأموال وأطمع أهل الطمع من قضاعة وبجيله. وكان ممن أنتفى من الشعراء
стр. 308
قضاعة من معد وأنتسب الى اليمن الآعور الكلبي وأسمه حكيم بن عياش، وهو الذي كان يهاجي الكميت بن زيد الاسدي ﵀ هذا ما ذكره نصر بن مزروع الكلبي النسابة وأقام على ذلك أدلة واضحة وأورد عليه شواهد حسنه وأستشهد عليه بأشعار كثيرة. فأما هشام بن محمد الكلبي فروي عنه أنه روى أن معانة بنت جوشن بن جلهمة، وقيل أسمها جلهمة، وكانت عند مالك بن عمرو بن مالك بن حمير، ثم خلف عليها بعد معد بن عدنان فجاءت معها بقضاعة بن مالك، فكان يقال له قضاعة بن معد، ثم ولدت لمعد بن عدنان أبنه نزار، وبه كان يكنى أبى جيدة وقيل أبا قضاعة وقنصاً وقناصة وسناماً والغوث وقيل وشكا وجيدان، وجيده، وعبيد الرماح، وهم في بني كنانة بن خزيمة، وحشدا وهم في عك وجياده والقحم، وقيل بل كانت معانة بيدا عند معد بن عدنان، فولدت له قضاعة، ثم خلف عليها مالك بن عمرو بن مالك بن حمير، فتبنى قضاعة فنسب اليه وقيل إن أسمة عمرو، فلما تقضع عن قومه أي بعد عنهم سمي قضاعة والله أعلم.
وقال بعض الرواة قضاعة عكبرة قال أبن الكلبي، ولا أدري ما هذا. و روي١٠٣ عن أبي عمرو بن علاء إنه قال لم تزل قضاعة
стр. 309
معدية في الجاهلية، ثم تحولوا فقالوا: قضاعة بن مالك بن عمرو وذلك لأن بني مالك بن عمرو أخوتهم لأمهم. وروى أن عمر بن عبد العزيز كانت أم أبيه كليبة، قال لبعض أخوال أبيه: إن على منكم لغضاضة. عضتكم حرب قوم، فانتفيتم من أبيكم، وأنتميتم الى غيرة، وكنتم أخوة قوم لأمهم، فصيرتم أنفسكم أخوتهم لابيهم وأمهم. قال هشام وكان عمرو بن مرة الجهني، أول من الحق قضاعة باليمن فقال فيه بعضهم:
أيا أخوتا لا ترغبوا عن أبيكم ... ولا تهلكوا في لجة لجها عمرو
وروى أبن الأعرابي عن المفضل الضبي عن القاسم بن معن وغيره، إن أول من الحق قضاعة بحمير، عمرو بن مرة الجهني، كانت له صحبة، فاتفقت الروايات عنه في ذلك.
وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت يا رسول الله قضاعة أبن من؟ قال أبن معد وأنشد أبو عمرو شاعر قديم:
стр. 310
قضاعة كان ينسب في معد ... فلج بها السافهة والضرار
فإن تعدل قضاعة عن معد ... تكن تبعا وللتبع الصغار
وزنيتم عجوزكم وكانت ... حصاناً لا يشم لها خمار
وكانت لو تناولها يمانٍ ... للاقى مثل ما لاقى يسار
وأكره إن يكون شعار قومي ... لذي يمن إذا ذعرت نزار
وقال كميت بن زيد الاسدي في ذلك:
وقد أحدثت فيهم قضاعة نسبة ... وقالوا أبونا مالك ثم حمير
وقال جميل بن معمر العذاري:
انا جميل في السنام من معد ... الدافعين الناس بالركن الاشد
وقال بثينة:
ربت في الروابي من معد ... وفضلت على المحصنات الغر وهي وليد
وأمثال هذه الاشعار والشواهد على نسب قضاعة الى معد بن عدنان
стр. 311
من شعرائهم لا تحصى كثره.
وأخبرنا الحسن بن محمد عن أبيه عن أحمد بن عبدون عن أبي طالب الانباري عن أحمد بن أبراهيم العمي عن عبد العزيز بن يحيى بن زيد الباهلي عن سليمان بن رفاعة عن مكحول، قال: أغار الضحاك بن معد على بني إسرائيل في أربعين رجلا من بني معد عليهم درائع الصوف، خاطمي خيولهم بحبال الليف، فقتلوا وسبوا، فقالت بنو إسرائيل: يا موسى إن بني معد أغاروا علينا وأنت بيننا، فادع الله عليهم، فتوضأ موسى ﵇ وصلى ثم قال: يا رب إن بني معد أغاروا على بني إسرائيل فقتلوا وسبوا، فسألوني إن أدعوك عليهم، فأوحى الله اليه: لا تدع عليهم فانهم عبادي، وأنهم ينتهون عند أول أمري وإن فيهم نبيا أحبه وأحب أمته، قال: يا رب وما بلغ من محبتك له؟ قال: أغفر أه ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال: يا رب فما بلغ من محبتك لامته؟ قال: موضع نبيهم مني. قال يا رب فاجعلني منهم، قال تقدمت وأستأخروا.
وروى أحمد بن أبراهيم العمي بإسناد أخر أيضاً قال لما بلغ بنو معد عشرين رجلا أغاروا على عسكر موسى ﵇، فدعا عليهم فلم يجب، ثم أغاروا فدعا عليهم فلم يجب صلاص مرات، فقال: يا رب دعوتك على قوم فلم تجبني فيهم بشيء قال يا موسى: دعوتني على قوم هم خيرتي في أخر الزمان. جاءت هذه الاخبار هكذا وفي التقدير والله أعلم إن موسى ﵇ كان قبل معد بن عدنان وأنهما لم يتعاصرا، ومما
стр. 312
يدل على ذلك ما تقدم من ذكر حمل أروميا وبرخيا ﵉ معد بن عدنان لما غزا بخت نصر العرب، وبخت نصر كان بعد موسى ﵇ بما شاء من الزمان، والاشبه بالصحيح إن تكون شكوى بني إسرائيل من بني معد الى بعض أنبيائهم الذين كانوا في ذلك العصر فسبحان العالم بكل شيء.
فضل نزار بن معد
وكان نزار بن معد وصي أبيه بوصيته دون غيره من ولده، ولما رآه من١٠٤ صلاحه وسؤدده وتفرس فيه من نجابته، وأوصى أخوته بطاعته وأمرهم بأكرامهم وتسويده. وكان القيم بأمرهم بعده، والمحافظ على شرفهم. وفي ولد نزار الشرف على ولد أعمامهم جميعا بفضل أبيهم ورئاسته. وروي إن أخوته شكوا اليه من ظلم عدوهم، وما ينالهم من جورهم، فقال: أركضوا عليهم بسم الله، فأطاعوه لما كان أبوهم أوصاهم به من طاعته ولزوم أمره وكانوا فيما روي سبعة، وقيل عشرة فركضوا على عدوهم، وظفروا فعجب الناس لذلك وحسدوهم على ظفرهم، وندم بنو معد على ما صنعوا، فقالوا لأخيهم نزار: إننا أطعناك لما كان أبونا أوصانا به من طاعتك، فركضنا على عدونا وقد جنينا مما جنينا، ونحن سبعة فمن لنا بعدونا؟ فقال: يا قوم أما كنتم تسمعون أباكم يقول في خطبته: أتقوا الله فأن في التقوى العز الاكبر، وأشكروه فان في الشكر المزيد، وأعلموا إن الله سبحانه إذا أراد بقوم خيراً وفقهم لطاعته، وإذا عصوه سلط عليهم من يذلهم، ثم يزيليهم عن معصيته. وهم
стр. 313
عصاة، وقد تبينت أنكم تغلبون وتملكون فلا تشتغلوا بشيء غير التوكل على خالقكم، وطلب الزيادة منه بحسن الشكر له والعبادة فانصرفوا عنه، فقال لابنه مضر وهو صبي: أعرف لي ما عند القوم، فرجع فقال له كلهم حزن لما صنع شكا في قولك. قال: فكيف أنت يا بني؟ قال: لا أشك في قولك. فتفرس فيه النجابة فكان أثر ولده عنده. وكان نزار يأمر بنيه بالتقوا فيقول: يا بني أتقوا الله فلما مات دفن بذات الجيش فكان قبره يعرف يقبر التقي. وأوصى الى أبنه مضر وجعل له قبة حمراء من أدم كانت له وما أشبهها، وجعل لربيعة الفرس وما أشبهها، ولاياد خادما له شمطاء وما أشبهها، ولانمار الحمار وما أشبهها فقيل مضر الحمراء، وربيعة الفرس، وإياد الشمطاء، وأنمار الحمار.
قال الحمار الشاعر:
نزار كان أعلم حين ولى ... لأى بنيه أوصى بالحمار
وقيل إنه أعطى أنمار جاريه له تدعى بجيله. فحضنت ولده فنسبوا اليها فقيل بجيلة. وأوصاهم إن أختلفوا في قسمة ماله إن ياتوا الأفعى الجرهمي بنجران ليحتكم بينهم، وكان حكما يحكم بين العرب، ولم يجد له نسبا في جرهم والذي وجدت في نسبه: إنه الافعى بن الحصين بن غنم
стр. 314
بن رهم بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ولعله نسب الى جرهم بجوار أو حلف، أو سبب غير ذلك، والله سبحانه أعلم. فأختلفوا فتوجهوا اليه فرأوا في طريقهم أثر جمل، فقال مضر: إنه أعور، وقال ربيعة: هو أزور، وقال أياد: هو أبتر، وقال أنمار: هو شرود. ثم ساروا فلقيهم شيخ ينشده فوصفوه له، فقال: ردوه علي، أو دلوني عليه، فقالوا: أنا لم نره، ولا نحن لسراق، فنازعهم وسار معهم الى الافعى، فلما أتوه نادى صاحب البعير، بعيري وصفوا لي صفته، ثم قالوا: لو لم نره، فقال لهم الافعى كيف وصفتموه ولم تروه؟ فقال مضر: رأيته يرعى جانباً، ويترك جانباً فعلمت إنه أعور، وقال ربيعة: رأيت أثره مختلفاً فعلمت إنه أزور، وقال أياد: رأيت بعره مجتمعاً فعلمت إنه أبتر، وقال أنمار: يرعى بالمكان الملتف ثم يتجاوزه الى مكان أرق منه نبتاً فعلمت إنه شرود، فقال الافعى: أنصرف أيها الشيخ، فليسوا بأصحاب بعيرك، ثم أنزلهم وأكرمهم وذبح لهم شاة، وقدم اليهم شراباً، وجلس بحيث يسمع حديثهم من غير إن يعلموا مكانه، فقال مضر: لم أر كاليوم خمراً لولا إن كرمتها غرست على قبر، وقال ربيعة: لم أر كاليوم لحماً لولا إنه أرضع بلبن كلبه. وقال أياد: لم أر كاليوم رجلا أسرى أولا إنه ليس لأبيه. قال أنمار: لا شيء أفجع في حاجتنا من كلامنا هذا. فلما سمع الافعى كلامهم نهض الى أمه بالسيف فتهددها وخوفها وسألها عن أمره، فأخبرته أن أباه كان لا يولد له. فأمكنت غيره من نفسها فحملت به، وسأل وكيله عن الخمرة، فقال. أنا اعتصرناها من كرمة غرسناها على قبر أبيك وسأل الراعي عن
стр. 315
اللحم فقال: شاة ماتت أمها فارضعتها بلبن ١٠٥ كلبة. فأتاهم فقال قصوا علي قصتكم فاخبروه باختلافهم فيما ترك أبوهم، فقال: إن القبة الحمراء وما أشبهها من الادم لمضر، فصار له الذهب والابل، وقضى بالخيل الدهم والخباء الاسود وما أشبهها لربيعة، وقضى بالخادم والشمطاء، وما أشبهها لاياد، فصارت له الخيل والبلق والبقر والماشية، وقضى لأنمار بالحمار وما أشبهه فصارت له الارض والدراهم. ثم سألهم عن معرفتهم بشأنه وبشأن اللحم والخمر فقال مضر: أما الخمرة فوجدت في رأسي منها ما لم أكن أعهده من غيرها، فعلمت إن ذلك من أسباب الموت وإن كرمتها نبتت على قبر وقال ربيعة: وأما اللحمة فأني وجدت فيه خبث ريح لم أكن أعرفها من اللحوم فعرفت إنه مغذو بلبن كلبة، وقال: وأما أنت فإني رايتك تبدأ بالسب من لم يسبك، فعلمت إن ذلك لا يكون إلا من خبث ولادة، فانصرفوا من عنده وأقتسموا مال أبيهم على ما قضى به بينهم، وكانت الرئاسة عليهم لمضر وهو القيم فيهم مقام أبيه.
فضل مضر بن نزار
وكان مضر بن نزار وصي أبيه، والقائم بامر قومه بعده، والحافظ لشرفهم وله الرئاسة عليهم غير مدافع، وهو واخوه ربيعة الكريمان الصريحان من ولد أسماعيل ﵇، وهما سلفا معد وغارا معد قال الفرزدق:
стр. 316
ومنا الذي أعطى يديه رهينة ... لغازي معد يوم عقد الذمائم
يعني عبد الله بن حكم بن زياد بن جوى بن سفيان بن مجاشع حين جعل نفسة رهينة عند ربيعة والأزد على ما كان لهم عند تميم وقبائل مضر من الديات في الحروب التي كانت بينهم بالبصرة.
وأخبرنا الحسن بن محمد أجازة عن أبيه عن أحمد بن عبدون عن أبي طالب الانباري عن أبي بشر أحمد بن أبراهيم العمي عن أحمد بن عمرو الزيبقي عن عبد الله بن المكرم الضبي عن محمد بن زياد عن الميمون بن مهران عم أبن العباس ﵁. قال: قال رسول الله (:: لا تسبوا مضر وربيعة، ولا تسبوا قيساً فأنه كان مسلماً ". وفي ولد مضر النبوة والشرف والثروة، ولهم الفضل على ولد أخوته وغيرهم من الناس.
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: يفضل مضر الناس بخلال كثيرة منها النبوة، والخلافة، والملك، وكل شريف في الاسلام من الناس أجمعين فمضر شرفته.
وأخبرنا الحسن بن محمد أيضاً بالاسناد المذكور الى أبي بشر العمي عن محمد بن الحسين عن محمد بن المثنى عن معاذ بن هشام عن أبي قتادة عن الحسن عن دغفل بن حنظلة قال: قال رسول الله (: " إذا أختلفت الناس فالحق في مضر ". وبهذا الاستناد المذكور عن أبي بشر العمي عن أحمد بن عمرو الزيبقي عن يحيى بن جعفر بن مواى بني هاشم عن أبي الحسن علي بن عاصم الخزاعي عن داود بن
стр. 317
أبي هند، قال: تنافر رجلان الى الشعبي في أي ولد نزار أشراف، فقال لهما: الم تسمعا بوصية نزار؟ قالا: بلى، قال فلمن سمعتما إنه جعل القبة؟ قالا لمضر، قال فإن القبة هي العلم المشهور الذي يلجأ اليه الخائف، ويقصده الوافد، ويشير اليه المشير، وينيخ بفنائه الضيف، وهي ملجأ أبن السبيل والمستغيث، وعندها تربط الفرس، وعنها ينبح الكلب، واليها يروح المال فصاحبها هو الرئيس.
وروي إن مضر لما حضرته الوفاة قال لبنيه ومن حضرهم من أهل بيته وأخوالهم: من يزرع شراً يحصد ندامة، وخير الخير أعجله، فاحملوا أنفسكم على مكروهها فيما أصلحكم، وأصرفوها عن هواها فيما أفسدكم، فليس بين الصلاح والفساد إلا صبر فواق. ثم خص بوصية أبيه الياس وأوصى اليه بوصية منها: أتق الله يا بني، فإنك أذا أتقيته بصّرك رشدك، وأذا مت فاقبرني حيت أقبض، فأني أخاف إن أقبر في موضع لا أستحقه. وتوفي بخيف منى ثاني يوم النحر فدفن حيت قبض فمسجد الخيف على قبره.
فضل الياس بن مضر
وكان الياس بن مضر وصي أبيه والرئيس بعده، والقائم بسؤدده، ومضر تتشعب شعبتين، وهما خندف وقيس، فخندف هم بنو الياس بن١٠٦ مضر وفيهم النبوة والثروة والشرف. وكانت العرب تعظم الياس تعظيم لقمان الحكيم، وكان حسن السياسة لقومه والحياط لهم والقيام بأمورهم والاصلاح لأحوالهم والمؤاساة لهم وفيه يقول الحارث بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار:
رؤفت وكنت بنا رحيما ... كأنك بيننا أدد أبونا
стр. 318
وأسماعيل قد أمسكت منه ... ومن نوح وكنت كما ولونا
لبست ثيابهم فقدمت بها ... فعم الناس فضلك أجمعينا
ونحن كذاك حولك في رفادٍ ... لديك كما لديك الصالحونا
إذا ما أمة ذكرت أخاها ... بحسن سياسةٍ فليسألونا
نطاع ما أضاع الدهر منا ... ويصلح جهده فينا أخونا
وروى أبو بشر العمى عن موسى بن سهل عن عبد الله بن الرحيم عن بكر بن عبد الملك عن زياد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أبي عمر قال: لما أدرك الياس بن مضر أنكر على بني أسماعيل ﵇ ما غيروا من سنن آبائهم، وبأن فضله عليهم ولان جانبه لهم حتى أجتمعوا عليه ورضوا به رضا لم يرضوه بأحد من بني أسماعيل ﵇ بعد أدد، فردهم الى سنن أبائهم حتى رجعت نيتهم تامة على أولها.
وروي إنه رد الى البيت الركن، وأهتدى اليه البدن، وقيل، إنه كان مصاحبا لذي الكفل ﵇ وتزوج ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وهي خندف فولدت له بنيه الثلاثة: مركة وطابخة وقامعة، ويقال فيه قمعة وقيل أن أسم مدركة عامر وأسم طابخة عمر. وقيل بل أسم مدركة عمرو، وأسم طابخة عامر، وأسم طابخة قامعة عمير.
ووري أنهم كانوا مع أبيهم وهم صبيان فسنح لهم صيد فطرده عمرو فأخذه وأعطاه عامراً فذبحه وطبخه. وقعد عمير لم يصنع شيئاً، فقال
стр. 319
الناس لعمرو أنك أدركت ما طلبنا فسمي مدركة وقال لعامر وأنت قد أنضجت ما طبخنا فسمي طابخة وقال لعمير وأنت قد جزنت فانقمعنا فسمي قامعة وغلبت عليهم هذه الأسماء فعرفوا بها. وأصاب الياس السل فلذلك يقال لمن أصابه السل به داء الياس.
قال الشاعر:
فلو كان داء الياس بي وأغاثني ... طبيب بارواح العقيق شفانيا
وقال أخر:
وقول الكاشحين أذا رأوني ... بداء الياس فهو كراه مودى
ومات حدث السن وخلف بنيه صغارا مع أمهم خندف فحزنت عليه حزننا شديدا وحرمت اللذات وآلت لا يظلها سقف بيت وخرجت تسيه في الأرض.
وروي إن الياس مات يوم خميس والعرب أذ ذاك تسمي الخميس مؤنسا وكانت خندف أذا طلعت الشمس من يوم الخميس لم تزل تبكي الى إن تغرب الشمس فضرب بها المثل.
قال الشاعر:
فلو إنه أغنى لكنت كخندف ... على الياس لما كانت الدهر تندب
стр. 320
اذا مؤنس لاحت عرانين شمسه ... بكت يومها حتى ترى الشمس تغرب
فلم يغن شيئا حزنها والتدامها ... وما طلها دهر وعيش معذب
وقالت سلما الغسانية وقد مات أخوها ثم أبوها فأكثرت البكاء عليهما حتى لامها قومها:
يلحون سلما إن بكت أباها ... وقبل ما قد فقدت أخاها
فحولوا العذل الى سواها ... عصتكم سلمى الى هواها
كما عصت خندف من نهاها ... خلت بنيها أسفا وراها
تبكي على الياس ما أتاها
وتركت خندف بنيها فكان الناس أذا رأوهم قالوا: بنو خندف ورقوا لهم لموت أبيهم وأشتغال أمهم بالحزن عنهم وغلب عليهم أسم أمهم بهذا السبب قال راجزهم:
اني أنا الأعور هذا نزبي ... امهتي خندف والياس أبي
يقال نبز ونزب١٠٧ .
ونشئوا فكانت الثورة فيهم والشرف الظاهر لهم على غيرهم. و
следующие страницы →