← История

История · id 30797

المناقب المزيدية في أخبار الملوك الأسدية

أبو البقاء الحلي

Полный текст (499 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ومنا الذي أعطى يديه رهينة ... لغازي معد يوم عقد الذمائم يعني عبد الله بن حكم بن زياد بن جوى بن سفيان بن مجاشع حين جعل نفسة رهينة عند ربيعة والأزد على ما كان لهم عند تميم وقبائل مضر من الديات في الحروب التي كانت بينهم بالبصرة. وأخبرنا الحسن بن محمد أجازة عن أبيه عن أحمد بن عبدون عن أبي طالب الانباري عن أبي بشر أحمد بن أبراهيم العمي عن أحمد بن عمرو الزيبقي عن عبد الله بن المكرم الضبي عن محمد بن زياد عن الميمون بن مهران عم أبن العباس ﵁. قال: قال رسول الله (:: لا تسبوا مضر وربيعة، ولا تسبوا قيساً فأنه كان مسلماً ". وفي ولد مضر النبوة والشرف والثروة، ولهم الفضل على ولد أخوته وغيرهم من الناس. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: يفضل مضر الناس بخلال كثيرة منها النبوة، والخلافة، والملك، وكل شريف في الاسلام من الناس أجمعين فمضر شرفته. وأخبرنا الحسن بن محمد أيضاً بالاسناد المذكور الى أبي بشر العمي عن محمد بن الحسين عن محمد بن المثنى عن معاذ بن هشام عن أبي قتادة عن الحسن عن دغفل بن حنظلة قال: قال رسول الله (: " إذا أختلفت الناس فالحق في مضر ". وبهذا الاستناد المذكور عن أبي بشر العمي عن أحمد بن عمرو الزيبقي عن يحيى بن جعفر بن مواى بني هاشم عن أبي الحسن علي بن عاصم الخزاعي عن داود بن

стр. 317

أبي هند، قال: تنافر رجلان الى الشعبي في أي ولد نزار أشراف، فقال لهما: الم تسمعا بوصية نزار؟ قالا: بلى، قال فلمن سمعتما إنه جعل القبة؟ قالا لمضر، قال فإن القبة هي العلم المشهور الذي يلجأ اليه الخائف، ويقصده الوافد، ويشير اليه المشير، وينيخ بفنائه الضيف، وهي ملجأ أبن السبيل والمستغيث، وعندها تربط الفرس، وعنها ينبح الكلب، واليها يروح المال فصاحبها هو الرئيس. وروي إن مضر لما حضرته الوفاة قال لبنيه ومن حضرهم من أهل بيته وأخوالهم: من يزرع شراً يحصد ندامة، وخير الخير أعجله، فاحملوا أنفسكم على مكروهها فيما أصلحكم، وأصرفوها عن هواها فيما أفسدكم، فليس بين الصلاح والفساد إلا صبر فواق. ثم خص بوصية أبيه الياس وأوصى اليه بوصية منها: أتق الله يا بني، فإنك أذا أتقيته بصّرك رشدك، وأذا مت فاقبرني حيت أقبض، فأني أخاف إن أقبر في موضع لا أستحقه. وتوفي بخيف منى ثاني يوم النحر فدفن حيت قبض فمسجد الخيف على قبره. فضل الياس بن مضر وكان الياس بن مضر وصي أبيه والرئيس بعده، والقائم بسؤدده، ومضر تتشعب شعبتين، وهما خندف وقيس، فخندف هم بنو الياس بن١٠٦ مضر وفيهم النبوة والثروة والشرف. وكانت العرب تعظم الياس تعظيم لقمان الحكيم، وكان حسن السياسة لقومه والحياط لهم والقيام بأمورهم والاصلاح لأحوالهم والمؤاساة لهم وفيه يقول الحارث بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار: رؤفت وكنت بنا رحيما ... كأنك بيننا أدد أبونا

стр. 318

وأسماعيل قد أمسكت منه ... ومن نوح وكنت كما ولونا لبست ثيابهم فقدمت بها ... فعم الناس فضلك أجمعينا ونحن كذاك حولك في رفادٍ ... لديك كما لديك الصالحونا إذا ما أمة ذكرت أخاها ... بحسن سياسةٍ فليسألونا نطاع ما أضاع الدهر منا ... ويصلح جهده فينا أخونا وروى أبو بشر العمى عن موسى بن سهل عن عبد الله بن الرحيم عن بكر بن عبد الملك عن زياد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أبي عمر قال: لما أدرك الياس بن مضر أنكر على بني أسماعيل ﵇ ما غيروا من سنن آبائهم، وبأن فضله عليهم ولان جانبه لهم حتى أجتمعوا عليه ورضوا به رضا لم يرضوه بأحد من بني أسماعيل ﵇ بعد أدد، فردهم الى سنن أبائهم حتى رجعت نيتهم تامة على أولها. وروي إنه رد الى البيت الركن، وأهتدى اليه البدن، وقيل، إنه كان مصاحبا لذي الكفل ﵇ وتزوج ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وهي خندف فولدت له بنيه الثلاثة: مركة وطابخة وقامعة، ويقال فيه قمعة وقيل أن أسم مدركة عامر وأسم طابخة عمر. وقيل بل أسم مدركة عمرو، وأسم طابخة عامر، وأسم طابخة قامعة عمير. ووري أنهم كانوا مع أبيهم وهم صبيان فسنح لهم صيد فطرده عمرو فأخذه وأعطاه عامراً فذبحه وطبخه. وقعد عمير لم يصنع شيئاً، فقال

стр. 319

الناس لعمرو أنك أدركت ما طلبنا فسمي مدركة وقال لعامر وأنت قد أنضجت ما طبخنا فسمي طابخة وقال لعمير وأنت قد جزنت فانقمعنا فسمي قامعة وغلبت عليهم هذه الأسماء فعرفوا بها. وأصاب الياس السل فلذلك يقال لمن أصابه السل به داء الياس. قال الشاعر: فلو كان داء الياس بي وأغاثني ... طبيب بارواح العقيق شفانيا وقال أخر: وقول الكاشحين أذا رأوني ... بداء الياس فهو كراه مودى ومات حدث السن وخلف بنيه صغارا مع أمهم خندف فحزنت عليه حزننا شديدا وحرمت اللذات وآلت لا يظلها سقف بيت وخرجت تسيه في الأرض. وروي إن الياس مات يوم خميس والعرب أذ ذاك تسمي الخميس مؤنسا وكانت خندف أذا طلعت الشمس من يوم الخميس لم تزل تبكي الى إن تغرب الشمس فضرب بها المثل. قال الشاعر: فلو إنه أغنى لكنت كخندف ... على الياس لما كانت الدهر تندب

стр. 320

اذا مؤنس لاحت عرانين شمسه ... بكت يومها حتى ترى الشمس تغرب فلم يغن شيئا حزنها والتدامها ... وما طلها دهر وعيش معذب وقالت سلما الغسانية وقد مات أخوها ثم أبوها فأكثرت البكاء عليهما حتى لامها قومها: يلحون سلما إن بكت أباها ... وقبل ما قد فقدت أخاها فحولوا العذل الى سواها ... عصتكم سلمى الى هواها كما عصت خندف من نهاها ... خلت بنيها أسفا وراها تبكي على الياس ما أتاها وتركت خندف بنيها فكان الناس أذا رأوهم قالوا: بنو خندف ورقوا لهم لموت أبيهم وأشتغال أمهم بالحزن عنهم وغلب عليهم أسم أمهم بهذا السبب قال راجزهم: اني أنا الأعور هذا نزبي ... امهتي خندف والياس أبي يقال نبز ونزب١٠٧ . ونشئوا فكانت الثورة فيهم والشرف الظاهر لهم على غيرهم. و

стр. 321

كان الياس وولده يتخذون الأخبية الحمر تمسكا بسنة مضر فكانت خندف تسمى مضر الحمراء فكانت قيس تتخذ الأخبية السود فقيل لهم مضر السوداء وكان ولد الياس غير مدافعين عن الشرف والفضل في ولد أسماعيل ﵇ ولا غيرهم. قال المرار بن منقذ العدوي من عدوية تميم وكانت أمه أسدية: انا أبن سراة فرعي آل زيد ... وفي أسد زنادي قد ورينا فضلنا الناس أنا أولهم ... وإن مكارم الأخلاق فينا ابا فابا أذا نحن أنتسبنا ... الى إن تبلغ الأنساب طينا فما من معشر ورثوا حصانا ... ولا بلغوا مساعي أولينا سوى إن النبوة في قريش ... وما يك فيهم فبنو أبينا وقال الفرزدق: وما قوم أذا العلماء عدوا ... صميم الأكرمين الى التراب بمختلفين إن هم فضلونا ... عليهم عند ذاك ولا غضاب فضل مدركة بن الياس وكان مدركة أبن الياس سيد أخوته ورئيس قومه والقائم فيهم مقام أبيه وفي ولده والثروة والشرف ولهم الفضل على ولد أخوته وغيرهم من العرب. اخبرنا القاضي أبو المعالي أحمد بن علي بن قدامة أجازة عن علي بن

стр. 322

الحسين العلوي عن أبي عبيد الله المزرباني عن أبي بكر الصولي عن أبي بكر بن دريد عن أبي حاتم عبيدة عن أبي زرارة بجال بن حاجب من ولد علقمة بن زرارة قال: خرج يزيد بن شيبان بن علقمة بن زرارة الدارمي حاجا قال: فلما شارفت البلد رأيت ركبا على أبل عتاق برحال ميس مابسة بالأدم في وسطه شيخ يحفون به فعدلت اليهم فسلمت عليهم وبدات بالشيخ ثم تأملتهم فلم أعرفهم فقلت ممن القوم؟ فأراموا هيبة للشيخ وأنتظارا لجوابه. فقال الشيخ: من مهرة بن حيدان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة. فقلت: حياكم الله وأنصرفت فصاح الي: قف أيها الرجل. فوقفت فقال: نسبتنا فانتسبنا لك فشاممتنا مشاممة الذئب الغنم ثم أنصرفت ولم تكلمنا فقلت ما أنكرت سوءا ولكني ظننت أنكم من عشيرتي فاناسبكم فانتسبتم نسبا لا أعرفه ولا أراكم تعرفوني. فامل الشيخ لثامه وحسر عمامته وقال: لعمري لئن كنت من جذم من أجذام العرب لاعفنك اليوم قلت: فاني من أكرم أجذامها قال: فان العرب بنيت على أربعة أركان: مضر وربيعة واليمن وقضاعة فمن أي الأركان أنت؟ قلت: من مضر قال: أمن الأرحاء أم من الفرسان؟ فعلمت إن الأرحاء خندف وإن الفرسان قيس فقلت: من الأرحاء قال: فانت أذا من خندف. فقلت: أجل قال: أفمن الأرنبة أم من الجمجمة؟ فعلمت إن الأرنبة مدركة والجمجمة طابخة فقلت: من الجمجمة قال: فانت أذا من طابخة. قلت أجل قال: أفمن الصميم أم من الوسيط فعلمت إن الصميم تميم وإن الوسيط الرباب فقلت من

стр. 323

الصميم قال: أذا أنت من تميم قلت أجل قال أفمن الأكرمين أنت أم من الاحلمين أم من الاقلين؟ فعلمت إن الاكرمين زيد مناة بن تميم وإن الاحلمين عمرو بن تميم وإن الاقلين الحارث بن تميم فقلت من الاكرمين قال: فانت أذا من زيد بن مناة قلت أجل قال أفمن الجدود أم من البحور أم من الثماد؟ فعلمت إن الجدود مالك وإن البحور سعد وإن الثمود بنو أمرئ القيس فقلت: من الجدود قال: فانت أذا من بني مالك قات أجل أفمن الذرى أم من الارداف؟ فعلمت إن الذرى حنظلة وإن الارداف قيس ومعاوية وهما الكردوسان فقات: من الذرى قال أذا من حنظلة قات أجل قال أفمن البدور أنت أم من الفرسان أم من الجراثيم؟ فعلمت إن البدور مالك وإن الفرسان يربوع وإن الجراثيم البراجم قلت من البدور قال فانت أذا من بني مالك بن حنظلة قلت أجل قال أفمن الارنبة أم من اللحيين١٠٨ أم من القفا؟ فعلمت إن الارنبة دارم وإن اللحيين طهيه والعدوية وإن القفا ربيعة فقلت من الارنبة قال: فانت أذا من بني دارم قلت أجل قال: أفمن اللباب أم من الهضاب أم من الشهاب؟ فعلمت إن اللباب عبد الله وإن الهضاب مجاشع وإن الشهاب نهشل فقلت من اللباب قال فانت أذا من عبد الله قلت أجل قال أفمن البيت أم من الذوافر؟ فعلمت إن البيت بنو زرارة وإن الذوافر الاحلاف فقلت من البيت قال فانت أذا من بني زرارة قلت أجل قال فان زرارة ولد عشرة: حاجبا ولقيطا وعلقمة ومعبدا وخزيمة ولبيدا وأبا الحارث وعمرا وعبد مناة وملكا

стр. 324

فلأيهم أنت؟ قات من بني علقمة فان علقمة شيبان بن علقمة لم يلد غيره فتزوج شيبان ثلاث نسوة: مهدد بنت حمران بن بشر بن عمرو بن مرثد فولدت له يزيد وعكرش بنت حاجب بن زرارة فولدت له المأمور عمرة بنت بشر بن عمرو بن عمرو بن عدس فولدت له فلانا فلأيهن أنت؟ فقلت للمرثدية قال فكن يزبد بن شيبان بن علقمة قلت فانني هو. فقال يا أبن أخي ما أفترقت العرب فرقتين بعد مدركة الا كنت في أفضلهم حتى زاحمك أخواك فلئن تلدني أم أحدهما أحب الي من إن تلدني أمك أتراني عرفتك يا أخا مضر؟ فقلت أي والله وأي معرفة أفلا ترى الى هذا الشيخ النسابة المبرز في هذا العلم كيف أستثنى بمدركة لعلمه بفضله وشرفه وفال ما أفترقت العرب فرقتين من بعد مدركة الا كنت في أفضلها لعمه بان التفاوت وقع بينهم في درجات الفضل من بعد مدركة وإن درجة مدركة هي أعلى الدرجات في الفضل والشرف. وقد لخبرنا بهذا الحديث محمد بن هبة الله عن محمد بن الحسن عن جماعة بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن الحسين بن سعيد عن أحمد بن جمهور عن أبي ذر عن عبد الله بن سليمان الهاشمي عن شيخ من بني تميم عن عقال بن شبه قال حدثني يزيد بن شيبان بن علقمة بن زرارة وذكر الحديث الا إنه خالف في اللفظ في موضع منه وقال أتيت حلفة يتحدثون فسلمت علهم وأذا رجل حسن الوجه حسن الحديث ظريف قد أيتولى على المجلس فقلت ممن القوم؟ فقالوا: من مهرة فانصرفت عنهم فقال: الحقوه فلحفني رجل فاخذ زمام ناقتي بمحجن في يده حتى أنتهى بي الى القوم فقال: يا هذا شاممتنا مشاممة الذئب الغنم ثم أنصرفت عنا فقلت أنكم أعتزيتم الى قوم لا أعرفهم ولا أظنهم

стр. 325

يعرفوني الرجل المميز والله لاتوهن بك الليلة في مثل لجج البحر ولاعرفنك إن كنت من العرب ثم خالف في بعض الاسماء. وقال في أخر الحديث فلما قال لي أتراني عرفتك يا أخا مضر قلت كيف ترى معرفتي بنسبي يا أخا مهرة قال: ما رأيت مثلك قط فقلت يا أخا مهرة؟ من أين علمت هذا النسب والعلم؟ قال سمعت أبي يخبر عن جدي إنه ممن قرأ هذا النسب على عقيل بن أبي طالب وإن عقيل بن أبي طالب سمعه من الاحنف بن قيس وإن الاحنف بن قيس تعلمه من قيس بن عاصم وإن قيس بن عاصم تعلمه من أكثم بن صيفي وإن أكثم بن صيفي تعلمه من عبد المطلب بن هاشم ولم ير أعلم بالنساب منه. ولم يزل مدركة رئيس أخوته وقومه يرون ذلك له كالفرض الواجب حتى حضرته الوفاة فجمع أهلله وولده فاوصى اليهم فقال: أوصيكم بتقوى الله ربكم وأحذركم باسمه ونكال نقمته وسطوته وأوصيكم بحسن الجوار لمن جاوركم وعفة فروجكم والسنتكم وأيديكم كلوا من حيث تقل التبعة في العاجل ويقل المتظلم منكم في الاجل وكونوا زينا لابائكم من بعدهم وورثوا ذلك أبناء كممن بعدكم وأعلموا إن أباءكم من لدن أسماعيل ﵇ لم يدلهم من يطعن في حسبه ولا يغمز في نسبه عليكم بذروات العفاف والصلاح والدين فانهن أنجب للاخيار وأولد للاطهار وأثلج للقلوب وأسكن لها في المغيب فان الرجل أذا غاب عن منزله وتصرف في أمره وفهمه لم يدر ما تحدث أهله بعده إن خامره سوء ظن وأذا وقع الاختيار موقعه طابت النفس بالانتجاع والمغيب١٠٩ وأشبه الولد أباه وأعرفو الفضل لكبرائكم وأعطفوا على

стр. 326

أصاغركم وأرحموا ضعفاءكم وأسوا فقراءكم فلتكن أيديكم واحدة على من ناوأكم. ثم خص بالوصية أبنه خزيمة سيد ولده. فضل خزيمة بن مدركة كان خزيمة بن مدركة سيد قومه بعد أبيه وفي ولده النبوة والثروة والشرف ولهم الفضل على من سواهم من قومهم ومن سائر الناس وكان متمسكا بسنن أبائه مقتديا بافعالهم سالكا لاثارهم. روى أبو بشر العمي عن أبراهيم بن محمد بن شكن بن عسل بن ذكوان عن أبي حاتم قال: قال أبو عبيدة: أول من أخلص من العرب بلا اله الا الله خزيمة بن مدركة كان أخلاص القوم سبحان الله. وروي إنه لما حضرته الوفاة قال لولده: أنتم بقية قوم نوح متناسلون من سلالة أبراهيم وأسماعيل ﵉ وقد ورثكم أباكم مجدا فصونوه ولا تهدموه باضاعته فقد سدتم العرب ودانت لكم عظموا شعائر الله وأخلصوا نياتكم وتقربوا اليه بالاعمال المرضية والافعال الزكية وصونوا لنفسكم عن كل دنية أعفوا عن الجاني وصلوا القاطع وأحسنوا الى المسيء ولا تميلوا الى الجمال في النساء وأطلبوا العفاف والدين ولا تردوا الاكفاء عن حرمكم وإن كانوا مقلين فان المال غاد ورائح وظل زائل وأعلموا أنكم من ثمرة قوم صالحين غرسكم طيب منبت، وأكرم محتد، وسيكون فيكم من تدين له العرب، ويسود العجم، فأنا نتوارث القول فيه. ولولا أشفاقي عليه لبحت والذي أقول سيكون. فهل يعلم في سائر الامم نسب أشرف من نسب يكون أصله أبراهيم الخليل وأسماعيل الذبيح ويخرج الله من فرعه محمداً خاتم النبيين صلى الله

стр. 327

عليه وعليهم أجمعين؟ والله سبحانه أعلم بخلقه. ومما يشهد به أدلة العقول وهي الادلة القاهرة إنه سبحانه أعلم بخلقه، نسبا أشرف، وعنصرا أطهر من هذا النسب لاختاره لرسول (فاخرجه منه. ووري إن ﵇ إنه قال: " ما أفترق الناس فرقتين من لدن آدم ﵇ الا كنت خيرهما حتى أنتهيت ". وإنه قال ﵇ " أنا صفوة من صفوة وخييرة من خيرة ". وقال (: " نقلت من أصلاب الطاهرة الى الارحام الطاهرة ناكحا لا سفاحا ". فهؤلاء الاكابر المذكورين آباء أسد بن خزيمة المدينين له ولولده إن يستضيئوا بمنارهم، ويستطيلوا على الناس نعمائهم لانه لم ينزل ينتقل في هذا النسب الطاهر، ويرث الشرف الظاهر عن أبائه هؤلاء كابر عن كابر من لدن أدم ﵇ الى أبيه الادنى خزيمة بن مدركة. فضل أسد بن خزيمة في نفسة اخبرنا الحسن بن محمد بن الحسن عن أبيه بن عبدون عن أبي طالب الانباري عن أبي بشر العمي عن محمد بن الحسن عن علي بن عبد العزيز عن الزبير عن محمد بن سلام عن أبي أيوب الحارث بن أيوب العنبري عن عمرو بن عبيد عن الحسين قال: قال رسول الله (: " لا تسبر مضر فانه قد أسلم، ولا تسبوا ربيعة فانه قد أسلم ". قال وفي رواية " لا تسبوا أسد بن خزيمة، ولا تميم بن مر، ولا تسبوا الحارث

стр. 328

بن كعب فقد كانوا مسلمين " وفرأت حديثا عن بعض حكماء العرب إنه كان يعبد الله سبحانه على ملة أبراهيم صلى الله عليه وآله ويكتم ذلك فلما حضرته الوفاة أطلع بنيه على أمر دينه وأوصاهم بالتمسك وقال لهم يا بني: تمسكوا بحنيفية أبراهيم صلى الله عليه وآله فأني على هذا الدين، أما أني لا أعلم أحد من العرب عليه الا أسد بن خزيمة وتميم بن مر. وقيل كانت في العرب ست أرحاء منها راحون في حندف وهما: أسد بن خزيمة، تميم بن مر فهؤلاء آباء سيف الدولة ملك العرب، وآباء قومه الذين اليهم ينتسبون وبانتمائهم اليهم١١٠ يبجحون وبفخرهم وبشرفهم يفخرون. قال المرار بن سعيد الأسدي يفتخر: من كان يرقا على خلج يعاب به ... فأنني ناطق بالحق مفتخر معالنا أتحدى الناس كلهم ... اعلوا البراز ولا تمسي لي الخمر اذا تشعب فرع كان أطوله ... فرعي ولي شجرات العيص والكبر كل أمرئ لا يلاقيني الى نسبي ... يود لو كان في قومي أذا ذكروا اذا القوم تسامت في مزاحفها ... وشد للمجد المعهد الازر فأي قرم يسامحني أذا جذبت ... ملوك خندف وبي جمهرت مضر فرعان منها يلف الحق بينهما ... قد طاب قوم هم منهم وقد كثروا فينا الامام ونور الناس كلهم ... فينا كواكبه والشمس والقمر والحاكمون بأمر الله أنزله ... من علمه وعلينا أنزل السور وقال ردي بن منظور بن سحيم الاسدي ثم الفقعسي أيضاً يفخر بمثل هذا المعنى:

стр. 329

ونحن خزيمة فينا الهدى ... ولولا خزيمة طال الفتن وما الناس الا رعايا لنا ... يقومها عدلنا والسنن ومن كان ذا أحنة منهم ... ضربناه حتى تموت الاحن ومن الاقيشر الاسدي الشاعر، وأسمه المغيرة بن الاسود بن وهب بمطر بن ناجية اليربوعي، وهو يخاطب على منبر الكوفة في أيام الضحاك بن قيس الشاري لما دعا الضحاك الى نفسة فقال: ابني تميم ما أمنبر ملككم ... لا يستقر قعوده يتمرمر ان المنابر أنكرت أشباهكم ... فدعوا خزيمة يستق المنبر وقال المرار بن سعيد أيضاً في مثله: بنو خزيمة قومي إن سألت بهم ... وجدتهم خير من يحفى وينتعل هم العرانين والاذناب غيرهم ... فكل قوم لقومي تابع حول لما تخير ربي وأصطفى زجلا ... من خلفه كان منا ذلك الرجل ثم الخلافة فينا لست واجدها ... في معشر غيرنا ما حنت الابل لنا المساجد نبنيها ونعمرها ... وفي المنابر قعدان لنا ذلل فلا نميل عليها حين نركبها ... ولا لهن بنا من معشر بدل نحن المقيمون هذا الناس كلهم ... بالمجد كانت لنا أشراقة الطول الا ترى إن هذا الناس قد نصحوا ... لنا على طول ما غشوا وما محلوا

стр. 330

نعلوا جماجمهم عند أختلافهم ... بالخافقات أذا ما مالت القلل فغد ثابوا وقومنا قناتهم ... حتى أستقاموا طريق الحق فاعتدلوا وكنت أنا قد نظمت قصيدة في مديح ملك العرب سيف الدولة أعز الله نصره فلما مر بي هذا المعنى الذي ذكره المرار في المنابر أستحسنته فاحببت ذكره فيها فقال: رقا في مراهط من خندف ... لاخمص من رامهن الذليل شوامخ لا تعتليها النسور ... ولا تتساند فيها الوعول فكنت له ثمرات العلى ... وفرغ مناسبها والاصول ومن كخزيمة يوم الفخار ... اذا أمتد للفخر عرض وطول قبيس تخيرهم ذو الجلال ... فمنهم خلائفة والرسول فكل الانام لهم تابع ... وكل العلى اليهم يؤول مطاياهم في طلاب العلا ... منابر ماثلة لا تزول تفوت الجياد وما مسها ... وجيف ولا نال منها دميل وتدرك أقصى مراعي العلى ... وما كان منها اليه رحيل وقلت في أخرى أمتدحته بها: من ذا كخندف أم من ذا كبهجتها ... بني خزيمة في بحبوحة النسب كانت خزيمة تدعى من تكرمها ... بالانف قدما وليس الانف كالذنب قوم علوا مضر فضلا كما فضلت ... على الورى مضر في المجد والحسب منهم نبي الهدى الميمون طائره ... خير الانام ومنهم كل منتخب١١٢

стр. 331

فكيف تقاس تلك الانساب المختلفة فيها المطعون عليها بنسب ملك العرب سيف الدولة أبي الحسن صدقة بن منصور بن دبيس بن علي بن مزيد بن مرثد بن الديان بن غدور بن عدلي بن جلد بن حيي بن عبادة بن مالك بن عمرو بن أبي المظافر ومالك بن عوف بن معاوية بن كسر بن ناشرة بن نصر بن سواءة بن سعد بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان وقد فاز دونهم وفاتهم بالولادة الابراهيمية ونمي من السلالة الاسماعيلية والجذم المعدي والغاز المضري والشعب الخندفي والانف الخزيمي الذي نزهه الله تعالى عن الشكوك وطهره من الريب والعيوب تكرمة منه لرسول الله (وطهره تطهيرا لعنصره فهو كالنهار وضاحا كالشمس ضياء غير متجاذب ولا متنازع فيه كما قال الميدان بن صخر الأسدي: اني أنا الميدان عند الضم ... لا كاتم لاسمي ولا معمي في الانف من خزيمة الاشم ... اخي قريش وتميم عمي وأنما أراد بقوله أني أنا الميدان قياسا بالميدان الذي تجري فيه الخيل فأراد أنني أذا نوسبت كشف نسبي سقم الانساب أذا ضمت اليه وقيست به كما تكشف جياد عتاق الخيل وجيادها المقرن منها أذا ضم اليها وأجري

стр. 332

في الميدان معها فجعل أسمه في ذلك حقيقة ومجاز وقال أبو تمام ﵀ في هذا المعنى: نسب كان عليه من شمس الضحى ... نورا ومن فلق الصبح عمودا عريان لا يكبو دليل من عمى ... فيه ولا يبغي عليه شهودا نسب على أول الزمان وأنما ... خلق المناسب ما يكون جديدا فليتامل من نظر في هذا الكتاب ما شرحناه ولينظر فيما وضجناه من فضل هذا النسب وشرف هذا الحسب إن شاء الله تعالى. بعونه وتوفيقه تم طبع الجزء الاول من المناقب المزيدية ويليه الجزء الثاني إن شاء الله تعالى

стр. 333

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ذكر فضله عليهم في العز والمنعة وفضله عليهم في عزه ومنعته ظاهر كظهورهم عليهم في دينه ونسبه لانهم لم كونوا ممن يقطع الجند الرساتين والامصار ولا يقسم فيهم الاموال وإنما كانوا حماة على عذارى العراق ونعز الاكاسرة الذي للاكاسرة وكانت البلاد باسرها للفرس ولم تكن العرب تذعن لهم بالطاعة كلها ولا تدين لهم باسرها وإنما كان يدين لهم منهم من قربت داره من أرضهم مرة وتحاربهم أخرى وكان أكثر ما يظفرون به في طاعة العرب إن يكفوا عن الاغارة على السواد وأطراف البلاد. وربما أجدب في أرضهم مرة وكانت الأرض التي تلي أرض الملوك مخصبة فرعوها باذنهم وأدوا الاتاوة اليهم ما داموا في أرضهم وبحيث يخافون إن يكسروهم بجموعهم وكذلك قال الشاعر فيما تقدم ذكره من الشعر الذي يحي به النعمان: جمعوا من نوافل الناس سيبا ... وحميرا موسومة وخيولا فإذا نزحوا عن أرضهم وبعدوا عن بلاده امتنعوا عليهم وكان جندهم الذين بهم امتناعهم وعزهم أهل الحيرة المسمون بتلك الاسماء المقدم ذكرها فكانوا يحاربون معهم طاعة لكسرى وحفظا لبيضتهم وأهليهم ومنازلهم وحماية لانفسهم وأموالهم ولا يمكنهم خذلانهم ولا التخلف عنهم وكانوا يغزون العرب أيضاً معهم طمعا في المغانم وكان جندهم الذين كانت تضعهم عندهم الاكاسرة فهم كانوا قوام ملكهم فإذا تأخروا

стр. 334

عنهم وهى أمرهم حتى يخافوا أهل الحيرة على أنفسهم فكيف غيرهم من العرب كحال المنذر بن ماء السماء حين تأخر عنه مدد قباذ بن فيروز وسارت إليه بكر بن وائل مع الحارث بن عمرو الكندي فلم يكن له بهم طاقة فخرج هاربا عن الحيرة إلى هيت فكان هناك حتى صلح أمره وقد تقدم ذكر ذلك. وكان كل من قربت أرضه من العرب من العراق يحتاج إلى الميرة ودخول البلاد للكيل فيطيعونهم لهذا السبب عند حاجتهم إليه م كانت العرب أيضاً لا تخلو في ذات بينها من الدماء والحروب والمغاورة فيما يليهم وما منهم حي إلا يغازي حيا أخر وهذا موجود بينهم إلى اليوم فيقتل بعضهم بعضا وينهب بعضهم مال بعض وكانت الحل تزيد على ما هي بينهم ألان بالسبي لأنهم كانوا يسبون النساء في الجاهلية وكان الملك إذا أراد غزوة حي من العرب أستمال أعدائهم عليهم واستضافهم إلى نفسه ومن معه من أجناد الحيرة المذكورين وأستنجد بقوم على قوم وضرب بعضهم ببعض وكانت العرب تتخذهم لذلك مجمعا يجتمعون عليهم للغزو والمغانم ولما في نفوس بعضهم على بعض من الأحقاد والذحول فكانوا إذا دعوهم إلى الغزو واجتمعوا عليهم فكثروا طلبا للغنائم والأطماع حتى تبلغ عدتهم كل مبلغ فإذا قفلوا تفرقت العرب إلى ديارهم ولم يبق معهم غير أهل الحيرة خاصة.

стр. 335

وكان لهم عمال على أطراف البلاد من العراق إلى البحرين حكم كل واحد منهم مع من بازائه من العرب في حمايته من البلاد لما يليه مثل هذا الحكم وكان في العرب من يدين لهم ويعطيهم الإتاوة وفيهم من يواثقهم ويهادنهم ولا يدين لهم وفيهم اللقاح من لا يدين لهم ولا يواثقهم فكانوا يسمون هؤلاء لقاحا يقولون حي لقاح إذا لم يكونوا في دين الملك ولا بينهم وبينه ميثاق. قال عمرو بن حوط بن سلمى بن هرمي بن رياح اليربوعي: لعمر أبيك والأنبياء تنمي ... لنعم الحي في الجلى رياح أبو دين الملوك فهم لقاح ... إذا هيجوا إلى الحرب أشاحوا وهو مأخوذ من قولهم لقحت الحرب بين القوم. ١١٤ ومثل قول أبي زمعة الأسود بن المطلب بن أسد عبد العزى بن قصي لقريش لما أتاهم أبن عمه عثمان بن الحويرث بن أسد بكتاب قيصر ليملكوه على مكة: إلا إن قريش لقاح لا تملك. فكانت الملوك لا تزال تغازي اللقاح من العرب ويغزونهم وبينهم القتل والسبي والآسر والنهب ونصب الحرب على سبيل التكافي والمماثلة. وكان أسد بن خزيمة وغطفان بن سعد حلفاء وكانوا لا يعرفون في العرب إلا بالحليفتين وكانوا لقاحا لملوك آل نصر ولا يديونهم لهم ولا ينوهم لقوتهم وكانوا على ذلك إلى أخر أيام النعمان الأصغر. ولذلك قال زهير في حصن بن حذيفة بن بدر:

стр. 336

ومن مثل حصن في الحروب ومثله ... لانكار ضيم أو لحق يحاوله إذا حل الحيا الاحاليف حوله ... بذي لجب ولجاته وصواهله ابي الضيم والنعمان يحرق نابه ... عليه فأفضى والسيوف معاقلة ومما يقوي ذلك ويدل عليه قول النعمان للنابغة: قد كان لك في قومك ممتنع وحصن - يعني بني ذبيان - ولم يأت الملوك أحد منهم إلا نفر معدودون من وأوفد أو مهاد أو تاجر أو ذي حلة أو مصاهر، كسنان بن أبي حارث بن ظالم، وزبان ومنظور أبني سيار، فإنهم كانوا يأتونهم لمثل هذه الاسباب. وممن أتاهم الربيع بن زياد العبسي فانه أتى النعمان الاصغر، وكان يسمى الكامل لجماله وعقله، وكان النعمان يحبه ويقربه، وإذا خلا على شرابه دعا به بالمنخل بن مسعود اليشكري والبنطاسي وهو طبيب كان له. وروي في تسميتهم الطبيب البنطاسي، إنه منسوب الى النطاس بن عامر أحد بني جاوان من ولد إسماعيل ﵇ ينسب ذلك اليه، وبسرجون بن توفيل، وهو تاجر من الروم من أهل الشام كان

стр. 337

نديما للنعمان يبايعه ويعامله ويسلفه ويطول مكثه عنده، فهؤلاء كانوا ندماءه الذين يأنس بهم ويختصهم، ولم يزل الربيع عند النعمان بهذه المنزلة الى أن رجز به عنده لبيد بن أبي ربيعة الجعفري، وهو غلام رجزه المشهور. أخبرنا أحمد أبن علي قدامة عن علي بن الحسين عن الصولي عن أبن دريد عن أبي عثمان ٠٠٠٠ قال: لما وفد الكلمة من بني عبس: وهم الربيع٠٠٠٠ وأنس الحفاظ بنو زياد، وبنو أم البنين ٠٠٠٠٠ جعفريون وهو عامر ملاعب الأسنة والطفيل ٠٠٠٠ الحكام بنو مالك ومعهم لبيد بن ربيعة غلام ٠٠٠٠٠بالغ. دخل بنو أم البنين الجعفريون على ٠٠٠ حضر لهم الربيع بغير الجميل، فاعترضهم بكلام نال به منهم، وشق عليهم، فخرجوا من عند عثمان وجمين. فأتوا رحلهم فرآهم لبيد فقال لهم: ما شأنكم؟ فقالوا له: في شأنك يا غلام، وأعاد عليهم فزجروه، فقال: والله لا سرحت لكم ركابا ولا حفظت لكم متاعا حتى تخبروني، فأخبروه. فقال. اغدوا بي غدا معكم فتسرون ما أصنع عند الملك. فقال بعضهم لبعض: انظروا صبيكم فان بات نائما فقد تكلم الصبيان، وإن بات ساهرا فاغدوا به معكم. فلما أمسى ركب رحلا من رحالهم وبات عاضا على قادمته ساهرا طول ليلته، فلما أصبحوا قالوا له: صف لنا هذه البقلة التربة، فاقتلعتها بيده، وقال:

стр. 338

هذه البقلة لا تؤهل داراً، ولا تدلي نارا، ولا جارا، وعودها ضئيل، وفرعها ذليل، وخيرها قليل بلدها شاسع ونبتها خاشع، وآكلها جائع، والمقيم عليها قانع، أقصر البقول فرعا، وأهونها قلعا، وأخبثها مرعى فحرمها لجارها وجدعا، إلقوابي أخا عبس أرجعه عنكم بتعس ونكسٍ، وأتركه من أمره في لبس. فغدوا به وقد رجلوا جمته وضفروا شعامها، والبسوه فرد نعل، وكذلك كانوا يفعلون إذا أرادوا الهجاء، والبسوه من ثيابهم ثوبا، ودخلوا به والدارميء بالوفود، والربيع جالس إلى جنب النعمان يأكل معه في لحسةٍ كانت بين يديه ليس يأكل معهما ثالث١١٥ فرجز لبيد فقال: يا رب هيجا هي خير من دعه ... في كل يوم هامتي مقزعة نحن بنو أم البنين الأربعة ... نحن خيار عامر بن صعصعة الضاربين الهام يوم الهيضة ... والمطعمون الجفنة المدعدعه إليك جاوزنا بلاد مسبعه ... إذ الفلاة أوحشت في المعمعة فاقبل النعمان عليه مستطرفا لفصاحته مع صغر٠٠٠٠ فقال:

стр. 339

مهلا أبيت اللعن لا تأكل معه. فقال: ٠٠٠٠٠ إن أسته من برصٍ ملمعه. فقال النعمان وما ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ فانه يدخل فيها أصبعه. يدخلها حتى يوارى أشجعه كأنه يطلب شيئاً ضيعه. فدفع النعمان لصحفة من بين يديه وقال: قبح الله هذا طعاما لقد خبث على منذ اليوم. فقال الربيع: أبيت اللعن إنه يكذب، وقد فعلت بأمه لا يكنى. وكانت أم لبيد في حجر الربيع، فقال لبيد: أنت لهذا الكلام أهل، أما إنها من نساء غير فعل وأنت المرء قال هذا في يتيمة. وفي رواية أخرى إن أم لبيد كانت عبيسة وكانت في حجر الربيع وإن أعمامه لما انصرفوا من عند الملك وأجمين، فسألهم عن شأنهم، فقالوا له: إن خالك صرف عنا وجه الملك، فلما قال الربيع هذه الكلمة قال له لبيد: أما إنها من نساء فعل فصدقة على ذلك لأنها كانت من قومه مسبة له وتهجينا. وأنصرف الربيع من المجلس خجلا فيعث اليه النعمان بضعف ما كان يصله به، وقال الحق باهلك، وأمر بوابه إن عاد إن يحجبه، فارسل اليه: أني لا

стр. 340

أرى قول هذا الصبي الا وقد وتر في سمعك منه وبلج في صدرك ولست بقابل ما بعثت به الي شيء ولا برائم مكاني حتى ترسل الي من يجردني ويفتشني فارسل اليه ما أنت بصانع بذلك شيئا ولا قادر على رد ما دلت به الالسن فالحق باهلك فأنصرف الى قومه وكتب اليهم: اني رحلت باجمالي الى سعة ... ما مثلها سعة عرضا ولا طولا ترعى الروائم أجوار البقول بها ... لا مثل رعيكم ملحا وعسيولا بحيث لو وردت لخم بأجمعها ... ما وازنة ريشة من ريش سمويلا فاثبت بأرضك بعدي وأخل متكئا ... مع النطاسي طورا وأبن توفيلا فكتب اليه النعمان: شرد برحلك عني حيث شئت ولا ... تكثر علي ودع عنك الأباطيلا فقد ذكرت بشيء لست حامله ... فجاوز الذكر أهل الشام والنيلا فما أتقاؤك منه بعدما جزعت ... خوض الركاب به أجرع سمليلا

стр. 341

فالحق بحيث وجدت الأرض واسعةً ... وأنشر بها الطرف إن عرضا وإن طولا قد قيل ذلك إن حقا وإن كذبا ... فما اعتذارك من شيء إذا قيلا فلم يعد إليه الربيع مدة حياته. وكانت سليم وهوزان تواثقهم ولا تدين لهم ويأخذون لهم التجائر فيبيعون لهم بعكاظ وغيرها فيصيبون معهم الأرباح. وربما آت الملك منهم الرجل والنفر فيشهدون مغازيه ويصيبون معه من الغنائم وينصرفون. ولم تكن لطائم الملوك وتجارتهم تدخل نجدا فما وراءه الا بخفراء من القبائل. وكان أهل الحيرة إذا خرج الملك بمقاتلتهم الى العرب خافوا إن يخالفه العرب الى الحيرة غازين فيتحصنون في حصونهم الى إن يعود وكان الملك ربما واثق من دنا أرضه من قبائل معد على إن لا يغزوا الحيرة إذا غاب عنها. وكان معظم من يجاورهم تميم وبكر بن وائل فهذه الاحوال كلها تدل على المناظرة والمماثلة والتكافي فيما بينهم وإنما روي من أحاديثهم النادر الذي لهم فيه الفخر والدلالة على علو الشأن والامر وأغفل ما سواه مما يدل على ضد ذلك. فمن أحاديثهم في ذلك بينهم حديث جذيمة الملك الأبرش مع الزباء الملكة: وذلك إنه كان بالجزيرة

стр. 342

ومشارف الشام ملك على العرب يقال له عمرو بن ظرب بن حسان بن أذينة بت السميدع أبن هوبر العمليقي من بقايا العماليق فغزاه جذيمة فالتقيا فقتل عمرو بن ظرب وهزم أصحابه ففي ذلك ١١٦ يقول الاعور بن عمرو بن هناءه بن مالك بن فهم الازدي: كأن عمرو بن ظرب لم يعش ملكا ... ولم تكن حوله الرايات تخفق لاقى جذيمة في شعواء مشعلة ... فيها حراشف بالنيران ترتشق فملكت الزباء بعده وبنت شاطئ الفرات الغربي قصرا حصينا وكانت تشتو عند أختها وتربع ببطن النجار وتصير بتدمر وعزوت على غزو جذيمة وطلبه بدم أبيها فقالت أختها زبيبة لها: يا زباء إن الحرب سجل وعثراتها لا تستقال وتدرين لمن تكون العاقبة وعلى من تكون الدائرة. فقبلت رأيها وتركت ذلك وأتت أمرها من وجوده الحيلة فكتبت اليه تعرفه ضعفها عن الملك وتدبيره وإن النساء لا يقمن بذلك وإنها لا تجد لنفسها كفؤا غيره وتدعوه الى

стр. 343

التزويج وإضافة ملكها إلى ملكه. فاستشار أصحابه فاشاروا عليه بذلك وشجعه أبن أخته عمرو بن عدي بن نصر اللخمي وقال له: إن أكثر من مع الزباء من قومي نماره بن لخم وليسوا ممن يقدم عليه بمكروه لاجلي. فشاور قصير بن سعد بن عمرو بن جذيمة بن قيس بن ربى بن نماره بن لخم وكانت أم قصير أمة لجذيمة تزوجها أبوه سعد بن عمرو فنهاه عن ذلك وقال: رأي فاتر وعدو حاضر فذهبت مثلا. فرداه من حضره القول ونازعوه في الرأي. فقال: أني أرى أمرا ليس بالخسا ولا الزكا فذهبت مثلا ثم قال لجذيمة أنك قد وترتها ز قتلت أباها فلا تملكه نفسك ولا تقع في حبائلها وكيب اليها إن تقبل هي اليك إن كانت صادقة فخافه فقال قصير: اني امروء لا يميل العجز ترويتي ... إذا أتت دون شيء مرة الوذم فقال له جذيمة ولكنك رجل رأيت في الكن لا في الضح فذهبت مثلا. وخالف قصيرا وأجمع على المسير اليها ففي ذلك يقول الحارث الغساني: غرور في صحفتها اليه ... وقدما أهلك الناس الغرور رأى رأيا فتابعه عليه ... جماعة قوم وعصا قصير وقدما كان أنذره والقى ... إليه النصح لو نفع النذير

стр. 344

٠٠ - ٠٠٠٠٠٠عدي بن زيد: دعا بالبقة الأمراء يوما ... جذيمة فأنتجوا عصبا ثبينا فطاوع أمرهم وعصى قصيرا ... وكان يقول لو نفع اليقينا لخطبته التي غدرت وخانت ... وهنّ ذوات غائلة لحينا ودست في صحيفتها إليه ... ليملك بضعها ولان تدينا وقال نهشل بن جري بن ضمرة بن جابر التميمي: ومولى عصاني وأستبد برأيه ... كما لم يطع بالبقتين قصير فلما أستبان غب أمري وأمره ... وولت بأعجاز الأمور صدور تمنى نبيت إن يكون أطاعني ... وقد حدثت بعد الأمور أمور فاستخلف جذيمة أبن أخته عمرو بن عدي بن نصر اللخمي وعمرو بن عبد الجن الجرمي وسار يغزو الفرات حتى نزل الفرضة وهي رحبة طوق ثم قال لقصير ما الرأي؟ قال تركت الرأي ببقة. فذهبت مثلا. وأستقبله رسل الزباء بالهدايا والألطاف فقال لقصير كيف ترى؟ فقال

стр. 345

له: خطر يسير يراد به خطب كبير. وكان لجذيمة فرس يقال لها العصا لا تلحق فقال له قيصر: أراكب العصا فستلقاك الخيل فان حيوك وساروا أمامك فهي صداقة وإن حيوك وأحاطوا بك وساروا حولك فالنجاء فان القوم غادرون فآبى عليه فركب قصير العصا وسار معه ولقيتهم الخيل فأحاطت بهم فأحس جذيمة بالآمر ونظر إلى قصير على العصا فقال: ويل أمه حزما على ظهر العصا فذهبت مثلا. ونجا قصير عليه فركضت يومها أجمع فقطعت أرضا بعيدة ونفقت عند غروب الشمس فبنى عليها برجا سمى برج العصا: وقالت العرب خير ما جاءت به العصا. قال عدي بن زيد: وأوضحت العصا الأنباء عنه ... ولم أر مثل فارسها هجينا١١٧ وأدخل جذيمة على الزباء فكشفت له عن عورتها وقد وقرتها وقالت أشوار عروس ترى؟ قال: بل شوار أمة ذفراء فقالت: والله ما بنا من عدم مواس ولكنه شيمة ما أناس فقال: بلغ المدى وجف الثرى وأمر غدر أرى فقالت: أنبئت إن دماء الملوك تشفي من الكلب ثم أجلسته على نطع وقربت إليه طستا تجمع فيه دمه وقد قيل لها إن قطر من دمه قطرة

стр. 346

خارج الطست طلب بدمه فقطر من دمه قطرة خارج الطست فقالت: لا تضيعوا دم الملك فقال جذيمة دعوا دما ضيعه أهله فنزف حتى مات فقال عدي بن زيد في ذلك: فاردته وجهل المرء يردي ... ويدنى للفتى الحين المبينا وفربت الاديم لراهشيه ... والفى فولها كذبا ومينا فبات نساؤه حزنا عليه ... مع الويلات يعلن الرنينا وذكر أبو بكر بن دريد في مقصورته فقال: وأخترم الوضاح من دون التي ... املها سيف الحمام المنتضى فما ظنك بملك قد أقبل بمجموعه وجنده وله أسباب كثيرة كل واحد منهم يقتضي الحشد والجمع والتجهيز والتحمل منها إنه يريد التزويج بملكة أخرى وهو مع طمعه بها خائف من غدرها لقتله أباها ومنها إنه يريد إن يستضيف الى ملكه ملكها فهو محتاج الى ضبطه وحياطته وقهر أهله ومن شأن من هم بأحد هذه الامور إن يقوي دواعي همته الى إظهار القوة والبلوغ في ذلك الى أقصى المكنة والمنافسة في إظهار قوة سلطانه وكثرة جنده وأعوانه فيخرج اليهم قوم من قصرهم بعض أهله لا كلهم كالمستقبلين له ويحس منها بالغدر ويرى إمارات التلف والقتل فلا يكون له ولمن معه قدرة على الخلاص من أيديهم والنجاة بحشاشة نفسه منهم لا بمهانعة ولا هرب حتى

стр. 347

يقود الى القتل كما تقاد الاضحية الى الذبح. فأي دليل عند المتأمل لأحوالهم أقوى من هذا على ضعف هذا الملك في نفسه وضعف أعوانه وقلة جنده وكيف يقاس من هذه صفته بملك العرب سيف الدولة وقد خرج في شرذمة يسير من عسكره سائرا ٠٠٠٠ على سبيل التفرج والتنزه غير متجهز لحرب ولا مستعد ٠٠٠٠ من سمع بمسيره من العرب والعجم٠٠٠٠٠٠ عن ديارهم وتحصنهم في بلادهم حتى٠٠٠٠. ثم إن هناك الزباء الملكة التي همت٠٠٠٠ احتالت عليه إلى إن دنا من قصرها ثم أخرجت٠٠٠٠ أحاطوا به وهو في عسكره وجمعه ومنعوه من٠٠٠٠٠٠٠ عليها فقتلته. وكان سبب قتلها٠٠٠٠ ولما أنهزم عن جذيمة أتى بلاد الحيرة فوجد الناس قد اختلفوا فطائفة منهم مع عمرو بن عدي بن نصر اللخمي وطائفة مع عمرو بن عبد الجن الجرمي فسفر بينهما حتى اتفقا وأنقاد عمرو بن عبد الجن لعمرو بن عدي ملك خاله جذيمة فلما أستقر أمره أشار عليه قصير بان يطلب الزباء بدم خاله فقال: وكيف لي بها وهي أبعد من عقاب الجو فذهبت مثلا. وقد كانت الزباء سألت كاهنة لها عن أمرها وكيف يكون هلاكها؟

стр. 348

فقالت لها: أني أرى حتفك على يد غلام غير أمين وهو عمرو بن عدي لو تعلمين يكون حتفك بيدك لا بيده لكنه من قبله وبسببه. فدعت الزباء رجلا مصورا حاذقا فجهزته وقالت له آت عمرو بن عدي فكن في حشمه وخالطهم ووابشهم ثم صوره لي قائما وقاعدا وماشيا وراكبا ومتلبسا ومتفضلا على سائر أحواله فإذا أحكمت ذلك فأتني به ففعل فكانت صورته عندها تكثر النظر اليها وكانت شديدة التحرز منه. فقال قصير لعمرو: أجدع أنفي وأضرب ظهري ودعني وإياها. فقال: ما أنا بفاعل ذلك ولا أنت بمستحق له مني. فقال: خل عني وخلاك الذم فذهبت مثلا فقال أنت أبصر فجدع أنفه وأثر بظهره فقيل: لامر ما جدع قصير أنفه وفيه يقول المتلمس: ففي طلب الأوتار ما حز أنفه ... قصير وخاض الموت بالسيف بيهس ١١٨ - وقال عدي بن زيد: كقصير ما إن رأى غير إن جد ... ع أشرافه لشكر قصير وقال في كلمة أخرى: ومن حذر المعاير والمخازي ... وهن المنديات لمن منينا

стр. 349

اطف لانفه الموسى قصير ... ليجدعه وكان به ضنينا وأنحاها لمرنه فأضحى ... طلاب الوتر مجدوعا مشينا وخرج قصير كالهارب من عمرو بن عدي حتى قدم على الزباء قالت ما الذي أرى بك يا قصير قال عمرو بن عدي زعم أني غررت خاله وغششته وزينت له المسير إليك حتى قتلته ففعل بي ما ترين ورأيت أني لا أكون عند أحد هو أبغض إليه منك. فقربته وأكرمته وسكنت إليه ووثقت به. فلما علم ذلك منها فال لها: إن لي بالعراق مالا فابعثيني أحمل مالي بها أحمل إليك من طرائفها وعطرها ونباتها وبرها وأمتعتها وتجائرها فتصيبين في ذلك أرباحا. فجهزته إلى العراق فلما قدمها أتى بالحيرة متنكرا ودخل على عمرو بن عدي مستخفيا فاخبره بشأني وقال له: جهزني بالبز والطرف والأمتعة لعل الله تعالى إن يمكن منها. ففعل فعاد إليها قصير بما أعجبها وازدادت ثقة به وأطمأنانية إليه ثم جهزته ثانية بأكثر مما جهزته أولا فعاد إلى العراق ولقى عمرا فتجهز من عنده أكثر من الأول ورجع به إليها فزادت ثقتها به ثم جهزته ثالثا فأتى عمرا وقال له: أجمع أصحابك وهيئ الغرائب والمسوح للمسير ففعل. وحمل كل رجلين في غرارتين على جمل وسار الليل وكمن النهار حتى أتى مدينة الزباء فأشرفت فرأت الإبل تكاد أخفافها تسوح في الأرض فقالت: مالي رأيت مشيها وئيدا ... اجندلا تحمل أم حديدا أم صرفانا باردا شديدا ... أم الرجال جثمانا قعودا

стр. 350

وكان قصير قد جعل مقاعد رؤوس الغرائر إلى دواخلها فدخلت الإبل عن أخرها فلما كان أخر بعير منها وكز البواب الغرارة بعصا في يده فأصابت جنب رجل فحبق فقال البواب: بشتا. قيل معناها في الجواليق شر. فلما أنيخت الإبل نشط القوم رؤوي الغرائر وخرجوا مصلتين بالسيوف فصاحوا في المدينة ووضعوا السلاح في أهلها. وكان للزباء نفق قد عرفه قصير فدل عمرا إليه فسبقها إلى بابه وأقبلت تريد النفق فلما رأته عرفته بصورته التي كانت عندها وكان لها خاتم تحت فصه سم فمصته وقالت: بيدي ولا بيدك يا عمرو فذهب مثلا. وجللها بالسيف حتى بردت وأصاب القوم ما كان في المدينة وانصرفوا ففي ذلك يقول عدي بن زيد: طلبت الزبا وقد جعلت لها ... حصنا ومسربة لها أنفاق حملت لها عمرا ولا بخشونة ... من أرض دومة رسله معناق حتى تجللها بأبياض صارم ... عضب يلوح كأنه مخرق ويقول أيضاً: وصادفت أمرء ألم تخش منه ... مخادعة وما أمنت أمينا آتها مرتين بما أحبت ... فأفعمت الخزائن والقطينا

стр. 351

فلما أرتد عنها أرتد قرم ... يجر الموت والصدر الضغينا فدس لها على الأنفاق عمرا ... بشكته وما خشيت كمينا وذكر أبن دريد ذلك فقال: وقد سما عمرو إلى أوتارها ... فاحتط منها كل عالي المستمى وأستنزل الزباء قسرا وهي من ... عقاب لوح الجو أعلى منتمى وسمعت العرب قصيرا في مدركي الأوتار بهذا السبب. فكيف تنسب هذه الملكة أيضاً إلى العز وقد خرج عليهم قوم من جواليق وغرائر محمولين على الإبل كما تحمل الأمتعة في وسط مدينتها ومستقرها ودار عزها وبين جندها فقتلوهم وإياهم وغنموا مالها وأموالها وليس في هذا إلا دليل على الضعف والوهن وإنه لم يكن ثم من الملك إلا الاسم فهذا وأمثاله١١٩ كان حدهم في ذلك بينهم. وذكر أبو عبيدة إن الزباء كانت رومية لا تتكلم العربية إلا في قسر. وقد ذكرنا في أول الحديث ما روي في نسبها والله أعلم. وأما حدهم مع ملوك العجم فلم يكن أحد منهم يذكر عند الاكاسرة إلا بالعبد. كان يقال لكسرى عن أحدهم إذا ذكر له في بعض الأمور عندك فلان، وإذا دخل عليه قبّل الأرض، وإذا خرج من عنده مشى القهقري حتى يغيب عنه وقد تقدم ذكر ذلك. وكانوا من الطاعة لهم على ما لم يكن

стр. 352

عليه مرازبنتهم وأساورتهم لان في المرازبة من كان ربما شاقق الاكاسرة في بعض الأحيان، وخرج عليهم، كرستم الادري وبهرام شيوبين وغيرهما، إذ لم يسمع بمثل ذلك عن ملوك العرب من الوقت الذي دان في عمرو بن عدي لاردشير بن بابك إلى إن أنقرض ملك الفريقين معا، يدل على ذلك ما تقدم ذكره من إن النعمان لما أراد إن ينتصر لم يجسر على ذلك حتى أستأذن كسرى، فكان من الطاعة له إلى هذا الحد. النعمان بن المنذر وعدي بن زيد ثم إن زيد بن عدي بن زيد لما كاده عند كسرى، وذكر عنده بناته وأخوا ته ووصف له جمالهن، قال له أكتب إليه في أنفاذهن. فهل بعد هذا التطاول والاستعلاء غاية؟ ثم إنه لما نقم عليه لم يقدر على المقام بالحيرة وأطراف العراق حتى خرج هاربا إلى جبلي طي، فأبت طي إن تجبره، وقالوا له: أنصرف عنا راشدا، فانه لا طاقة لنا بكسرى. فجعل يتنزل الاحياء حتى ضاقت عليه الأرض، فرجع إلى كسرى مستسلما فقتله. وكان الذي جر ذلك عليه سوء تدبيره لنفسه وما تم عليه منن الحيلة في أمر عدي بن زيد حتى قتله بعد مناصحته له، ومعاداته أخوته لاجله، ثم إنه أخذ بضد الجرم بعد ذلك وأغتره إلى أبنه زيد بن عدي، فسفر له إلى كسرى حتى وضعه ببابه في جملة تراجمة العرب، فكان حتفه في ذلك التدبير. وكان السبب في ذلك إن المنذر الاصغر هلك وله بنون عشرة أو أثنا عشرة أحدهم النعمان، وكان كل رجل منهم في حضانة رجل يتولى تدبير أمره،

стр. 353

فكإن النعمان في حضانة زيد بن حمار أبي عدي بن زيد، وكان الاسود بن المنذر أكبرهم وأعقلهم، وكانت أمه ماوية بنت الحارث من جلهم من تيم الرباب وفيه يقول الاعشى: لا تشكي الي وأنتجعي الاس ... ود أهل الندى وأهل النوال وكان الاسود في حضانة عدي بن أوس بن مرينا، وبنو مرينا أهل بيت من أشراف أهل الحيرة، وأظنهم ممن كان يعرف بالاحلاف. فذكر لكسرى موت المنذر، فامر بان يستخلف مكانه من ينظر في أمر الحيرة وفرج العرب إلى إن يولي ملكا، فذكر له جماعة فلم يولهم، ومكث زمانا فضجر وقال لأبعثن إلى الحيرة أثنى عشر الفا من الاساورة ولاملكنَّ عيهم رجلا من الفرس ولآمرهم إن ينزلوا في دور العرب وأوطانهم. وإن يملكوا عليهم نساءهم وأموالهم، ثم التفت فرأى عديا واقفا في التراجم فقال له: ويلك يا عدي الم يبق في آل المنذر من فيه خير؟ قال: بلى، إن في ولده لبقية وخيرا. قال فابعث فاشخصهم. فبعث فأشخصهم إلى المدائن وأنزلهم عنده وأكرمهم، وكان هواه مع النعمان لحضانة أبيه إياه فأسر إليه أني لست أملك غيرك، فلا يوحشك تقصير يجري مني في حقك دون أخوتك، فأنني إنما أغترهم بذاك، وكان يفضل أخوته عليه في التنزل والإكرام، ويقصر في حقه ويخلو بكل رجل منهم على حدة وانفراد، فيقول له إذا دخلت على الملك

стр. 354

فاليس أفخر ثيابك، وأكثر من الطيَّب وإذا وضع الطعام فتباطأ في أكلك، ونزره وصغر لقمتك، فإذا قال لك أتكفيني العرب؟ فقل نعم. فان قال لك: وأخوتك؟ فقل لا، إن بعضنا لا يقر لبعض، ليرى العز فيكم. وقال للنعمان خاصة إذا دخلت على الملك فالبس ثياب سفرك وتقلد سيفك، وإذا أكلت فعظم لقمتك وأسرع في أكلك وأكثر منه بجهدك، فان الملك يعجبه من يكثر الأكل من طعامه خصوصا من العرب، ويقول: لا خير في البدوي إذا لم يكن أكولا شرها ولا سيما إذا ما رأى من الطعام ما لا عهد له بمثله، فإذا قال لك أفتكفيني العرب؟ ١٢٠ فقل نعم، فان قال وأخوتك؟ فقل إن عجزت عن أخوتي فإني عن غيرهم أعجز. وخلا عدي بن أوس بن مرينا بالاسود فسأله عما أسر إليه عدي بن زيد فأخبره، فاقسم بصليبه ومعبوديته إنه ما نصحك، ولئن أطعتني لتخالفنه في كل ما أمرك به لتملكن، ولئن عصيتني ليملكن النعمان. فقال له الاسود: إن عديا لم يألنا نصحاً وهو الذي أشار على كسرى بنا فأشخصنا، وهو أعلم بأحوال كسرى منا، وأني إن خالفته أوحشته. فقال: فستعلم. فما أذن لهم كسرى أخذوا جميعا بما أوصاهم به عدي وأخذ النعمان بما أوصاه به في الاحوال كلها، فولاه كسرى وتوجه وشرفه. ثم إن عدي بن زيد بعد استقرار ملك النعمان صنع طعاما في بيعة ودعا عدي بن أوس ثم بن مرينا فتغدى عنده، ثم قال له: إن الحق من عرف الحق ثم لم يسلمه غلبة من كان مثلك، وما منكم أحد إلا أحب لصاحبه إن يملك وكان الاحب الي إن

стр. 355

يملك صاحبي النعمان، كما كان الأحب إليك إن يملك صاحبك الأسود، فلا تلمني على شيء كنت على مثله، ولا تحقد علي فأنك لو أمكنك إن تركب مني مثله لركبته، وإن معطيك من نفسي مثله. ثم قام فحلف له إن لا يبغيه غائلة أبدا، ولا يهجوه ولا يروي عنه خبراً، فلما نفذت يمينه قام عدي بن أوس بن مرينا في الموضع الذي قام منه، فحلف مثل يمينه لا يزال يهجوه، ويبغي له الغوائل ما بقي. وخرج النعمان إلى الحيرة وخرجوا معه، فقال عدي بن أوس بن مرينا في عدي بن زيد: ألا أبلغ عدياً عن عدي ... فلا تجزع وان رثت قواكا ايا كلباً يهر لغير فقر ... لتحمد أو يتم به غناكا فان تظفر فلم تظفر حميدا ... وإن تعطب فلا يبعد سواكا ندمت ندامة الكسعي لما ... رأت عيناك ما فعلت يداكا وخلا بالأسود بن منذر وقال له: أنك خالفتني أولا تخالفني أخير ولا تعجز عن طلب ثأرك من هذا المعدي الذي زوى الملك عنك، وحكمني في مالك فأنني أكيده. قال: ذاك اليك. وكان أبن مرينا ذا مال كثير فمد يده في ماله ومال الاسود فلم يكن يمض يوم إلا وفي ياب النعمان هدية منه حتى صار أكرم الناس عليه لا ينقضي لاحد عنه حاجة إلا على يده، وجعل إذا ذكر عنده عدي يحسن الثناء عليه ثم يقول بعد ذلك إلا إن فيه خديعة ومكراً. ورأى أصحاب النعمان كرامة أبن مرينا عنده ومكانه منه، فوافقوه على أغراضه، فواضعهم على إن يقولوا للنعمان إذا ذكر عدي عنده،
следующие страницы →