Полный текст (499 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
فلما أرتد عنها أرتد قرم ... يجر الموت والصدر الضغينا
فدس لها على الأنفاق عمرا ... بشكته وما خشيت كمينا
وذكر أبن دريد ذلك فقال:
وقد سما عمرو إلى أوتارها ... فاحتط منها كل عالي المستمى
وأستنزل الزباء قسرا وهي من ... عقاب لوح الجو أعلى منتمى
وسمعت العرب قصيرا في مدركي الأوتار بهذا السبب. فكيف تنسب هذه الملكة أيضاً إلى العز وقد خرج عليهم قوم من جواليق وغرائر محمولين على الإبل كما تحمل الأمتعة في وسط مدينتها ومستقرها ودار عزها وبين جندها فقتلوهم وإياهم وغنموا مالها وأموالها وليس في هذا إلا دليل على الضعف والوهن وإنه لم يكن ثم من الملك إلا الاسم فهذا وأمثاله١١٩ كان حدهم في ذلك بينهم.
وذكر أبو عبيدة إن الزباء كانت رومية لا تتكلم العربية إلا في قسر. وقد ذكرنا في أول الحديث ما روي في نسبها والله أعلم.
وأما حدهم مع ملوك العجم فلم يكن أحد منهم يذكر عند الاكاسرة إلا بالعبد. كان يقال لكسرى عن أحدهم إذا ذكر له في بعض الأمور عندك فلان، وإذا دخل عليه قبّل الأرض، وإذا خرج من عنده مشى القهقري حتى يغيب عنه وقد تقدم ذكر ذلك. وكانوا من الطاعة لهم على ما لم يكن
стр. 352
عليه مرازبنتهم وأساورتهم لان في المرازبة من كان ربما شاقق الاكاسرة في بعض الأحيان، وخرج عليهم، كرستم الادري وبهرام شيوبين وغيرهما، إذ لم يسمع بمثل ذلك عن ملوك العرب من الوقت الذي دان في عمرو بن عدي لاردشير بن بابك إلى إن أنقرض ملك الفريقين معا، يدل على ذلك ما تقدم ذكره من إن النعمان لما أراد إن ينتصر لم يجسر على ذلك حتى أستأذن كسرى، فكان من الطاعة له إلى هذا الحد.
النعمان بن المنذر وعدي بن زيد
ثم إن زيد بن عدي بن زيد لما كاده عند كسرى، وذكر عنده بناته وأخوا ته ووصف له جمالهن، قال له أكتب إليه في أنفاذهن. فهل بعد هذا التطاول والاستعلاء غاية؟ ثم إنه لما نقم عليه لم يقدر على المقام بالحيرة وأطراف العراق حتى خرج هاربا إلى جبلي طي، فأبت طي إن تجبره، وقالوا له: أنصرف عنا راشدا، فانه لا طاقة لنا بكسرى. فجعل يتنزل الاحياء حتى ضاقت عليه الأرض، فرجع إلى كسرى مستسلما فقتله. وكان الذي جر ذلك عليه سوء تدبيره لنفسه وما تم عليه منن الحيلة في أمر عدي بن زيد حتى قتله بعد مناصحته له، ومعاداته أخوته لاجله، ثم إنه أخذ بضد الجرم بعد ذلك وأغتره إلى أبنه زيد بن عدي، فسفر له إلى كسرى حتى وضعه ببابه في جملة تراجمة العرب، فكان حتفه في ذلك التدبير.
وكان السبب في ذلك إن المنذر الاصغر هلك وله بنون عشرة أو أثنا عشرة أحدهم النعمان، وكان كل رجل منهم في حضانة رجل يتولى تدبير أمره،
стр. 353
فكإن النعمان في حضانة زيد بن حمار أبي عدي بن زيد، وكان الاسود بن المنذر أكبرهم وأعقلهم، وكانت أمه ماوية بنت الحارث من جلهم من تيم الرباب وفيه يقول الاعشى:
لا تشكي الي وأنتجعي الاس ... ود أهل الندى وأهل النوال
وكان الاسود في حضانة عدي بن أوس بن مرينا، وبنو مرينا أهل بيت من أشراف أهل الحيرة، وأظنهم ممن كان يعرف بالاحلاف. فذكر لكسرى موت المنذر، فامر بان يستخلف مكانه من ينظر في أمر الحيرة وفرج العرب إلى إن يولي ملكا، فذكر له جماعة فلم يولهم، ومكث زمانا فضجر وقال لأبعثن إلى الحيرة أثنى عشر الفا من الاساورة ولاملكنَّ عيهم رجلا من الفرس ولآمرهم إن ينزلوا في دور العرب وأوطانهم. وإن يملكوا عليهم نساءهم وأموالهم، ثم التفت فرأى عديا واقفا في التراجم فقال له: ويلك يا عدي الم يبق في آل المنذر من فيه خير؟ قال: بلى، إن في ولده لبقية وخيرا. قال فابعث فاشخصهم. فبعث فأشخصهم إلى المدائن وأنزلهم عنده وأكرمهم، وكان هواه مع النعمان لحضانة أبيه إياه فأسر إليه أني لست أملك غيرك، فلا يوحشك تقصير يجري مني في حقك دون أخوتك، فأنني إنما أغترهم بذاك، وكان يفضل أخوته عليه في التنزل والإكرام، ويقصر في حقه ويخلو بكل رجل منهم على حدة وانفراد، فيقول له إذا دخلت على الملك
стр. 354
فاليس أفخر ثيابك، وأكثر من الطيَّب وإذا وضع الطعام فتباطأ في أكلك، ونزره وصغر لقمتك، فإذا قال لك أتكفيني العرب؟ فقل نعم. فان قال لك: وأخوتك؟ فقل لا، إن بعضنا لا يقر لبعض، ليرى العز فيكم. وقال للنعمان خاصة إذا دخلت على الملك فالبس ثياب سفرك وتقلد سيفك، وإذا أكلت فعظم لقمتك وأسرع في أكلك وأكثر منه بجهدك، فان الملك يعجبه من يكثر الأكل من طعامه خصوصا من العرب، ويقول: لا خير في البدوي إذا لم يكن أكولا شرها ولا سيما إذا ما رأى من الطعام ما لا عهد له بمثله، فإذا قال لك أفتكفيني العرب؟ ١٢٠ فقل نعم، فان قال وأخوتك؟ فقل إن عجزت عن أخوتي فإني عن غيرهم أعجز.
وخلا عدي بن أوس بن مرينا بالاسود فسأله عما أسر إليه عدي بن زيد فأخبره، فاقسم بصليبه ومعبوديته إنه ما نصحك، ولئن أطعتني لتخالفنه في كل ما أمرك به لتملكن، ولئن عصيتني ليملكن النعمان. فقال له الاسود: إن عديا لم يألنا نصحاً وهو الذي أشار على كسرى بنا فأشخصنا، وهو أعلم بأحوال كسرى منا، وأني إن خالفته أوحشته. فقال: فستعلم. فما أذن لهم كسرى أخذوا جميعا بما أوصاهم به عدي وأخذ النعمان بما أوصاه به في الاحوال كلها، فولاه كسرى وتوجه وشرفه. ثم إن عدي بن زيد بعد استقرار ملك النعمان صنع طعاما في بيعة ودعا عدي بن أوس ثم بن مرينا فتغدى عنده، ثم قال له: إن الحق من عرف الحق ثم لم يسلمه غلبة من كان مثلك، وما منكم أحد إلا أحب لصاحبه إن يملك وكان الاحب الي إن
стр. 355
يملك صاحبي النعمان، كما كان الأحب إليك إن يملك صاحبك الأسود، فلا تلمني على شيء كنت على مثله، ولا تحقد علي فأنك لو أمكنك إن تركب مني مثله لركبته، وإن معطيك من نفسي مثله. ثم قام فحلف له إن لا يبغيه غائلة أبدا، ولا يهجوه ولا يروي عنه خبراً، فلما نفذت يمينه قام عدي بن أوس بن مرينا في الموضع الذي قام منه، فحلف مثل يمينه لا يزال يهجوه، ويبغي له الغوائل ما بقي. وخرج النعمان إلى الحيرة وخرجوا معه، فقال عدي بن أوس بن مرينا في عدي بن زيد:
ألا أبلغ عدياً عن عدي ... فلا تجزع وان رثت قواكا
ايا كلباً يهر لغير فقر ... لتحمد أو يتم به غناكا
فان تظفر فلم تظفر حميدا ... وإن تعطب فلا يبعد سواكا
ندمت ندامة الكسعي لما ... رأت عيناك ما فعلت يداكا
وخلا بالأسود بن منذر وقال له: أنك خالفتني أولا تخالفني أخير ولا تعجز عن طلب ثأرك من هذا المعدي الذي زوى الملك عنك، وحكمني في مالك فأنني أكيده. قال: ذاك اليك. وكان أبن مرينا ذا مال كثير فمد يده في ماله ومال الاسود فلم يكن يمض يوم إلا وفي ياب النعمان هدية منه حتى صار أكرم الناس عليه لا ينقضي لاحد عنه حاجة إلا على يده، وجعل إذا ذكر عنده عدي يحسن الثناء عليه ثم يقول بعد ذلك إلا إن فيه خديعة ومكراً. ورأى أصحاب النعمان كرامة أبن مرينا عنده ومكانه منه، فوافقوه على أغراضه، فواضعهم على إن يقولوا للنعمان إذا ذكر عدي عنده،
стр. 356
يا أيها الملك إنه ليقول أترى النعمان لا يعلم أنني وليته وإنه عاملي!؟. ففعلوا ذلك ثم أفتعل عن عدي كتاباً إلى صاحب له في الحيره فيه مثل هذا القول، ووضع من أخذ الكتاب وأتى به النعمان، فأضطغن على عدي. على عدي. وكتب إليه أقسمت عليك إلا زرتني فاني مشتاق اليك، فأستأذن كسرى وخرج إلى الحيرة، فلما قدمها لم ينظر إليه النعمان حتى أرسل من أخذه فحبسه بالصنين. فجعل يكتب إليه بأشعار توثر في الصخر ويلين منها الحديد، ويستعطفه ويذكر بلاءه عنده ومناصحته له، فلا يزداد إلا جفوة وعليه قسوة فما كتب إليه قوله:
إلا من مبلغ النعمان عني ... وقد تهدى النصيحة بالمغيب
أحظي كان سلسة وقيداً ... وغلا والجواب على المجيب
وكنت لزاز خصمك لم أعرد ... وقد سلكوك في يوم عصيب
اعالنهم وأخفي كل سر ... كما بين اللحاء إلى العسيب
ففزت عليهم لما أصطرعنا ... ببابك فوزة القدح المصيب
فهل لك إن تدارك بعض أمري ... ولا تغلب على الرأي الصليب
стр. 357
فأن أهلك تجد فقدي وتخذل ... إذا التقت العوالي في الحروب
١٢١ - ومما كتب ليه أيضاً:
ليت شعري عن الهمام ويأتي ... ك بخير الأنباء عطف السؤال
أين عنا أخطارونا المال وإلا ... نفس إذ ناهدوا ليوم محال
ونضالي في حبك الناس يرمو ... ن وأرمي وكلنا غير آل
فاراني أخذت حتفي يكفي ... ولم الق ميتة الاقتال
ومما كتب به إليه أيضاً:
ابلغ النعمان عني مالكا ... انه قد طال حبسي وأنتظاري
قاعد يكرب نفسي بثها ... وحراماً كان حبسي واحتضاري
اجل نعمى ربها أولكم ... وذنوبي كان منكم وأصطهاري
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء أعتصاري
في أشعار كثيرة كتب بها إليه فلم يغن عنده فلما طال ذلك عليه كتب إلى أخيه أبيّ وكان بباب كسرى:
ابلغ أبياًّ على نأيه ... وهل ينفع المرء ما قد علم
بأن أخاك شقيق الفؤا ... د كنت به والهاً ما سلم
стр. 358
لدى ملك موثق بالحدي ... د أما بحق وأما ظلم
فأرضك أرضك إن تأتنا ... تنم نومة ليس فيها حلم
ولا أعرفنَّك كدأب الغلا ... م ما لم يجد عارماً يعتلم
فذكر لكسرى أمر عدي، وكلمه فيه فامر بأن يكتب إلى النعمان باطلاقه، وسأل أبيّ رسول كسرى إن يلقى عدياً قبل إن يلقى النعمان، وإن يعمل بما يأمره به، وكتب صاحب النعمان بباب كسرى إلى النعمان إنه قد كتبت اليك باطلاق عدي وقدم رسول كسرى فبدأ بعدي فدخل عليه في حبسة بالصنين، فقال له: أني جئت بأطلاقك فمالي عندك؟ قال: ما تحب ووعده عده سنيه، وفقال له: أرسل بالكتاب إلى النعمان، ولا تخرج من عندي، فانك إن خرجت من عندي قتلت، فلم يفعل وخرج بالكتاب، فأوصله إليه. وجاء أعداء عدي من بني مرينا وبني بقيله وغيرهم إلى النعمان. وقالوا له: إن رسول كسرى ذاهب بعدي، فان كان ذلك فلن يستبقك ولا أحداً منا فامرهم فخالفوا الرسول إليه فخنقوه ودفنوه. وجاء الرسول إلى النعمان فقال: نعم وكرامة إذا أصبحت فأدخل أنت إليه فأخرجه. فلما أصبح ركب إلى السجن فقال له السجان: إنه مات منذ أيام، وما اجترأنا على أعلام الملك بموته لعلمنا إن ذلك مما يشق عليه. فقال كذبت الم أكن أمس عنده وهو حي فباهته، فعاد إلى النعمان فقال أني كنت عند عدي أمس وهو حي، وإن السجان بهتني اليوم، وذكر إنه مات منذ أيام فقال: وكيف يبعث الملك بك اليّ فتبدأ به قبلي؟! كذبت أما أنت طالب للرشوة، وزجره ثم أعطاه من ماله ومال أعداء عدي أربعة آلاف مثقال ذهباً وجارية حسناء فلم يقنع فزاده حتى رضي، وأستوثق منه إنه يخبر كسرى بأن عدي مات قبل مقدمه ففعل
стр. 359
الرسول ذلك وأتضح للنعمان إنه احتيل عليه في أمر عدي وأجترأ عليه أعداؤه فطمعوه فيه حتى أثر ذلك عنده، فندم على ذلك أشد الندم وصار حديثه مثلاً يضرب به بعض الناس لبعض.
فروي إن مروان بن الحكم قال يوماً لمعاوية: إن مثلنا ومثلك كمثل عدي بن زيد نصح النعمان فاركسة في الحبس وكان لعدي أبن أسمه زيد يوجد عنده ما يوجد عند أبيه فخرج النعمان يوماً إلى صيده فرآه فعرف شبه عدي عليه فقال له ما أسمك يا غلام؟ قال: زيد. قال: أبن من؟ قال: أبن عدي، فادركته رقة عليه وحنوة لما كان من تفريطه في حق أبيه، فسفر له إلى كسرى حتى جعله مكان أبيه ببابه في التراجمة فقرب منه ولطف مكانه عنده. وكان قد حمل إلى الاكاسرة جارية جميلة من بعض مماليك المرازبة وكتب حاملها: قد بعثت إلى الملك بجارية كاملة الجمال حسنة الدلال تامة القامة، عظيمة الهامة برجاء دعجاء أسيلة الخدين، كحيلة العينين، طويلة الساعدين والساقين، لطيفة الكفين والقدمين، بداء الفخذين عظيمة المأكمتين ١٢٢ نقية النفس، حالكة الشعر دقيقة الخصر إن تركتها انتهت وإن أردتها اشتهت، ترعد شفتاها، وتتعصفر خداها وتحملق عيناها، وتبادرك الوثبة. فاستحسنوا هذه الصفة فامروا باثباتها في الدواوين. وربما كتبوها أحياناً وبعثوا بها في الافاق إلى عمالهم فإذا وجدت بهذه الصفة حملت اليهم ولم يكونوا يطلبون ذلك في العرب. فطلب
стр. 360
أبرويز تلك الصفة يوماً وزيد بن عدي حاضر فاغتنم الفرصة من النعمان لقتله أباه فقال له: إن عند عبدك النعمان بن المنذر عدة من بناته وأخوا ته ونساء أهل بيته بهذه الصفة، فقال أكتب إليه لحملهن. فقال: إن العرب يتكرمون في أنفسهم فيما يزعمون عن العجم، ويختارون العري والجوع والحر والسموم على الرياض والخصب وطيب أرض الملك ويسونها الحبس، وإن كتبت إليه مع من لا يعرف النساء غيبهن عن عينيه وعرض عليه غيرهن، وإن مضيت بنفسي لم يقدر على ذلك، فأبعثني وأبعث معي رجلا يفهم العربية حتى أبلغ ما تحب. فارسله وأرسل معه رجلا من الفرس يكسر بالعربية فجعل زيد: يكرم الرجل في طريقه ويلاطفه حتى غلب عليه، فلما دخلا على النعمان قال له زيد: إن الملك قد أحتاج إلى نساء لنفسه وولده وأراد إكرامك بصهره. فقال النعمان: أما وجد في مها السواد وعين فارس ما يكتفي به؟ فقال الفارسي لزيد: ما المها والعين؟ قال: كوان - أي البقر - فامسك الرسول. وقال زيد للنعمان: إنما أراد كرامتك، ولو علم إن ذلك يشق عليك ما طلبه منك. وكتب النعمان إلى كسرى: إن هذه الصفة ليست عندي وقال لزيد أعذرني عنده فوعده بذاك، ورجع زيد ورفيقه إلى كسرى. فلما دخلا عليه قال لزيد: أين ما ذكرت؟ قال: ليسأل الملك هذا الرجل فأني أكره إن القاه بالجواب. فقال الفارسي: قال لنا ما كان في بقر السواد وفارس ما يكتفي به الملك، فعرف الغضب في وجه كسرى وقال: رب عبد أراد ما هو أشد من هذا، ثم صار أمره إلى الثبات ولم يزد على ذلك. وبلغت هذه الكلمات النعمان فاستوحش.
стр. 361
وفي رواية إن زيد لما وصف لكسرى بنات النعمان كتب يخطبهنه إليه، ولم يرسل زيداً فكتب النعمان الجواب، ليس عندي ما يصلح للملك، فلو طلب الملك ذلك في عين السواد ومها لاصاب ما يصلح له. وكان زيد يقرأ عليه كتاب العرب، فقرأ عليه جوابه وكان كسرى يكسر بالعربية فقال له ما العين والمها؟ فأراد زيد إن يغضبه فقال: البقر فقال يقول لي أخطب البقر!!. ونقم عليه لذلك وأجنه في صدره وحقد عليه مع ما روي من ذنب قبل هذا كان له إليه. فأنه روي إن أبرويز لما أنهزم بالنهروان من بهرام شوبين دخل على أبيه هرمز وهو محبوس بالمدائن فاستشاره فقال: عليك يا بني بقيصر. فخرج فقطع الجسر وأتى الانبار في عدد يسير، وكتب إلى النعمان: أني قد خرجت في وجهي هذا، ولم يصبني أحد من أهل مملكتي، فاقدم علي، وليكن معك فرسك اليحموم، فإنه قد وصف لي. فظن النعمان إن أبرويز لا يصلح له بعد ذلك أمر ولا يستقيم له ملك فأطرحه وكتب يعتذر إليه من القدوم إليه فأضطغن عليه ذلك.
وفي رواية أخرى إن النعمان كان مع أبرويز يوم هزيمته من بهرام شوبين بالنهروان، وان هرمز بن أنوشروان كان قد أحاطته جيوش الترك والخزر والروم من كل جانب في وقت واحد فصالح الجميع وأرضاهم إلا الترك مع إنهم كانوا أخواله لان لمه واقم بنت خاقان ملك الترك، فإنه بعث لحربهم بهرام شوبين مرزبان من نسل أرش الرام فحاربهم فقتل شابه التركي ملكهم وأستأمن أبنه يرمود بن شابه فصار إلى هرمز وبعث بهرام بالغنائم إلى هرمز فقال بعض وزرائه: أعظم بعرس هذا زلته. وكتب إلى بهرام:
стр. 362
أنك قد احتجبت قرطي كذا ووشاحي كذا وأنت فيما خفي أخون. فاستوحش بهران وعصى " وحزب " بين هرمز وأبنه أبرويز، وضرب دراهم عليها أسم أبرويز، وبعث بها مع من نثرها بباب هرمز فخاف أبرويز أباه فهرب منه إلى أذر بيجان، فأتته مرازبتها ومرازبه جرجان وأصفهان وسجستان وهمدان مطيعين له. ١٢٣ ومنوه من أبيه وحبس هرمز بندويه وبسطام خالي أبرويز فكسرى السجن وخرجا، وثار معهما الغوغاء، فقبضا على هرمز وسملاه. وبلغ أبرويز ذلك فقدم من أذربيجان إلى المدائن، وقال لابيه: أني لم أجد إلى الهرب منك أو القتل وما لي ذنب اليك ولا فيما صنع بك، فدفع إليه هرمز الملك وعقد عليه التاج. وبلغ بهرام شوبين ذلك فسار يطلب المدائن، فجمع له أبرويز ولقيه بالنهروان فكانت بينهم وقعة لم يناصح فيها أصحاب أبرويز، وانحازوا إلى بهرام شوبين وطلب أبرويز المدائن فشهره فرسه شبداز، فخاف الطلب، فطلب من النعمان فرسه اليحموم فأبى إن يعطيه فقال له حسان بن حنظلة الطائي: أيها الملك حياتك للعالم خير من حياتي، فاركب فرسي هذا. وكان تحته فرس له يسميه الضبيب فركبه أبرويز وركب حسان شبداز فنجيا جميعاً في غمار الناس. ودخل أبرويز على هرمز فاستشاره فقال له: يا بني عليك بقيصر فاستنجده فمضى في رهط من أصحابه فعبر دجلة وقطع الجسر فتخلف عنه خالاه: بندوية وبسطام، فسألهما عن شأنهما فقالا: آنا نخاف إن يدخل بهرام
стр. 363
شوبين المدائم ويجد هرمز حياُ فيعقد التاج على رأسه، ويصير نفسه الفرمانداد الاعظم، ويكتب عن هرمز إلى قيصر: إن أبني ودعارا معه وثبوا علي فسملوا عيني. وهربوا اليكن فيشدنا قيصر وثاقاً ويبعث بنا إليه فعرف أبرويز إنهما يريدان قتل أبيه فحذهما ذلك وتبرأ منه فلم يقبلا، وعادا مسرعين فدخلا على هرمز فخنقاه بمقود وقيل بوتر ولحقا بابرويز، فلما قدم أبرويز على قيصر أنجده باخيه كاووس في عساكر كثيرة من الروم. وعاد فحارب بهرام شوبين وقهره وهزمه وأستقر له أمر ملكه، وأتاه حسان بن حنظلة فوصله وأكرمه وأقطعه ضياعاً بحظرنية، فكان أول عربي أقطع في السواد. وأقر النعمان على عمله على غم في صدره عليه. فلما بلغه جوابه عن النساء هاج حقده الاول فامسك عنه مديدة، ثم كتب إليه كتاباً نسخنه: " بسم الله الرحمن الرحيم والي الرحمة، من كسرى ملك الملوك إلى النعمان بن المنذر إن أقدم فأن للملك اليك حاجة ". فحمل وأهله وماله وأصبح راحلا فلحق بجبلي طي لصهر كان بينه وبينهم وكان عنده منهم امرأتان فرعة بنت سعد بن حارث بن لأم وزينب بنت أوس بن حارثة بن لأم، فلما أتاهم خافوا أن يجبره، فيغزوهم كسرى فمنعوه من دخول الجبلين وقالوا: تنحَّ عنا فلولا صهرك لقتلناك، فانصرف عنا راشداً إلى حيث شئت. فجعل يتنزل القبائل فلم يجره أحد إلا بنو عبس، فانه كانت له اليهم يد من أيام عمه عمرو بن هند، وذلك إن عمرو بن هند كان قد أسر مروان بن زنباع
стр. 364
بن رواحة بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس، فوفدت بنو عبس على النعمان، فانزلهم وأكرمهم وشفع لهم إلى عمه عمرو بن هند في أمر مروان بن زنباع حتى أطلقه بغير فدية، فكانوا يعرفون ذلك له فأتوه وقالوا له: كن فينا فأنا مانعوك مما نمنع منه أنفسنا، فقال لهم إنه لا طاقة لكم بكسرى ولا أحب إن أهلككم، وشكر لهم ما عرضوه عليه. ففي ذلك يقول زهير بن أبي سلمه
وقد رويت لخشيش بن مراد المري من مرة غطفان:
الم تر للنعمان كان بنجوة ... من الشر لو إن أمرءاً كان ناجياً
فغير عنه رشد عشرين حجة ... من الدهر يوم واحد كان غاوياً
فلم أر مسلوباً له مثل ملكه ... اقل صديقاً مسعداً أو مساوياً
فأين الذين كان يعطيهم القرى ... بغلاتهم والمئين الغواليا
وين الذين يحضرون جفانه ... إذا وضعت القوا عليها المراسيا
стр. 365
رأيتهم لم يشركوا بنفوسهم ... منيته لما رأوا إنها هيا
سوى إن حياً من رواحة أقبلوا ... وكانوا قديما يتقون المخازيا
يسيرون حتى حبسوا عند بابه ... عتاق المذاكي والقلاص النواجيا
فقال لهم خيراً وأثنى عليهم ... وودعهم وداع إلى تلاقيا
فذكر ذلك الاخطل أيضاً في مديحه للوليد بن عبد الملك بن مروان، ١٢٤ وكانت أم الوليد لم البنين ولادة بنت العباس بن جزء بن الحارث بن زهير بن جذيمة العبسي، حيث يقول:
لقد ولدت جذيمة من قريش ... فتاها حين تحزيها الأمور
بنوا عبس فوارس كل يوم ... يكاد الهام خشيتهم يطير
стр. 366
هم عطفوا على النعمان حتى ... اتاه بعطف ذي التاج البشير
فجازوه بنعماه عليهم ... غداة له الخورنق والسدير
ثم أقام النعمان سنة يرى نفسه سوقه، وماله تحيف، وإنعامه لا تروح عليه كما تسرح. فقالت له امرأته المتجردة: إن هذا العيش لا يصلح لك فعد إلى صاحبك فاعتذر إليه، فاتى بني شيبان بذي قار فنزل على هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود بن عامر بن عمرو المزدلف بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان وكان منيعاً فأجاره، وقال قد لزمني ذمامك وأنا مانعك ما بقي من عشيرتي الادنين رجل واحد، وإن كان ذلك غي مانعك بل هو مهلكي ومهلكك، وعندي رأي إن شئت سمعته. قال ما هو فأشار عليه بمثل ما أشارت عليه المتجردة، وقال له: إن الموت نازل بكل أحد، وكل أمر يجمل بالمرء إلى إن يصير سوقه بعد إن كان ملكاً فعد إلى صاحبك والق نفسك بين يديه، فإن صفح عنك عدت ملكاً، ولئن أصابك فلأن تموت كريماً خير لك من إن تتلعب بك ذؤبان العرب، وتأكل مالك فتعيش فقيراً أو تقتل ذليلاً مقهوراً، فقال هذا وأبيك الرأي فما أصنع بحرمي؟ قال هن عندي وفي ذمتي لا يخلص إليهن حتى يخلص إلى بناتي. فاختار خيلا وجوهراً وظرفاً وعصباً واقطاً وسمناً وحمل ذلك هدية إلى كسرى وكتب يعتذر إليه ويقول أنني قادم، فكتب إليه وقبل هديته وعاد رسوله فاخبره بأنه ما رأى له عنده شراً، فترك عند هانئ بن قبيصة ماله وسلاحه وأهله وأبنتيه هندا
стр. 367
- وهي صاحبة هذا الدير الباقي إلى اليوم بالحيرة - وحرقه وهي القائلة:
بيننا نسوس الناس والامر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة تتنصف
فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلب تارات بنا وتصرف
وسار حتى أتى قنطرة ساباط فلقيه زيد بن عدي فقال له: نعيمين أنج نعيم إن استطعت! فقال أفعلتها يا زيد والله لئن بقيت لالحقنك بأبيك ولاقتلنك قتلة ما قتلها عربي قط قال قد أخيت لك أخية ما يقطعها المهر الارن. ثم دخل المدائن فلما بلغ كسرى إنه بالباب أمر به فادخل على الفي جارية قد أقمن له يماطين ثم مشي به يقاد بينهن وهن يقلن له: أترى فينا ما يستغنى به الملك؟ ثم قيل إنه القاه للفيلة فقتله ففي ذلك يقول الاعشى:
هو المدخل النعمان بيتا سماؤه ... نحور الفيول تحت سقف مسردق
ويقول هانيء بن قبيصة الشيباني:
أن ذا التاج لا أبالك أضحى ... وذرى بيته تجور الفيول
أن كسرى عدا على الملك النعمان ... حتى القاه أم التليل
стр. 368
ام التليل من أسماء الداهية.
وقيل بل حبسه بساباط فلم يزل محبوسا حتى هلك في طاعون شيرويه - وهو طاعون أصاب الناس في أيام شيرويه فسمى طاعون شيرويه - ويقال إن كل جربة أو ناووس أو أكثر دارس في السواد فإنما هلك أهله في ذلك الطاعون وقد ذكر الاعشى هلاك النعمان بساباط في شعره حيث يقول:
ولا الملك النعمان حين لقيته ... بغبطة يعطي اللقوط ويافق
ويجبى اليه السيلحون وغيرها ... صريفون في أعمالها والخرنق
ويامر لليحمون في كل ليلة ... بقت وتعليق فقد كاد يسنق
يعالي عليها الجل كل عشية ... ويرفع نقلا بالضحى ويعرق
فذلك وما أنجى من الموت ربه ... بساباطحتى مات وهو مخزرق
وقال هانيء بن قصيبة الشيباني في أمر النعمان: ١٢٥
أن كسرى عدا على الملك النع ... مان حتى سقاه أم الرقوب
شرع الغي سنة فأتاه ... من ردى البغي حتفه بنصيب
أن بدلنا الأيام يوما بكسرى ... وأبن كسرى وظل يوم عصيب
كل ملك وإن تصعد يوما ... بأناس يعود للتصويب
стр. 369
يوم ذي قار
ثم لم يقتنع كسرى بقتل النعمان حتى كتب الى أياس بن قبيصة الطائي أين سلاح النعمان وأمواله ودروعه؟ وقيل إنها كانت أربع مائة درع فكتب اليه إنه وضعها في بكر بن وائل عند هانيء بن قبيصة الشيباني فارسل كسرى الى هانيء إن أحمل الي مال النعمان الذي عندك فقد علمت إنه عاملي ولا تكلفني إن أبعث الى قومك الجنود تقتل المقاتلة وتسبي الذرية. فارسل اليه هانيء أني أحد رجلين أما مكذوب عليّ فلا يجوز للملك إن يسمع فيّ الكذب أو مستودع فالحر لا يخون أمانته. فغضب كسرى وعزم على بعث الجنود اليهم وسمعوا بذلك فأغاروا على أطراف السواد فرفع الى كسرى ذلك فأزداد حنقا عليه وقد كان سمع بمطلع رسول الله (وظهور أمره وإن العرب تعز به حتى تقهر سائر الامم فتداخله حذر وأشفاق على ذلك وخاف ظهورهم على جنده فتثاقل على حمل الجنود وسأل عن عز أعزهم فذكروا له قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن عبد الله ذي الجدين بن عمرو بن الحارث بن همام بن مرة بن ذهل وهو أبو بسطام الفارس فأرسل إليه يدعوه فنهوه عن أتيانه وكان فيمن نهاه الأعشى الشاعر فعصاهم وقد عليه. فقال له: لو كنت تقدمت إليك من قبل ثم خالفت لقتلتك فانطلق فامنع قومك عن الفساد ووصله وأقطعه الابلة وجعل له طعمة من التمر ومائتا بعير لا تنقص كلما هلك منها بعير قام له عماله بعوضه وأعطاه عدة من الخيل فاحتفر
стр. 370
قيس لتلك الإنعام المحدثة والمبخشانية عرفت بحافره مبخش وأقام بالمكان وضمن لكسرى إن بكرا لا تدخل السواد ولا تفسد فيه. فجاء الحارث الرقاشي وهو الحارث بن وعله بن المجالد بن سري بن الريان بن الحارث بن مالك بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل وهو ورهطه يعرفون بالرقاسين ورقاس أم مالك بن شيبان بن ذهل وأخويه عامر وزيد مناة أبني شيبان عرف عقبهم بها فالرجل فيهم ينسب رقاشيا وهو الذي هجاه الأعشى فقال فيه:
آتيت حريثا عن جنابة ... فكان حريث عن عطائي جامدا
لعمرك ما أشبهت وعلة في الندى ... شمائله ولا أباه المجالدا
ومن ولده أبو ساسان الحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة دفع إليه أمير المؤمنين ﵇ الراية بصفين وهو يومئذ غلامو كان شجاعا شريفا في قومه. وقال له يوما بصفين يا بني أتقدر إن تتقدم برايتك هذه ذراعا؟ قال: نعم وعشرة. ثم تقدم بها إلى إن ناداه أمير المؤمنين ﵇ حسبك. وقال في ذلك وهي أبيات:
لمن راية سوداء يخفق ظلها ... إذا قيل قدمها حضين تقدما
стр. 371
وطال عمر الحضمي وله مع عبد الله بن مسلم الباهلي أخي عتيبة بن مسلم حديث في معاتبة جرت بينهما بسمرقند لما أحضر قتيبة القدور الفضية ليراها الناس والحكاية معروفة. فطلب الحارث من قيس نصيبا مما أعطاه كسرى فلم يعطه فحسده وضاره وقصد إفساد أمره عند كسرى وكان الحارث قصيرا ذميما وقد كان وفد على كسرى من قبل فرآه وعرفه فلما ضمن كسرى قيسا جنايات بكر بن وائل قال له وتضمن على الرجل اللوتا يعني الحارث قال نعم. وفي رواية أخرى إنه قال له وتضمن الرجل القوطاف فلا أدري هي لغة للعجم يسمون بها القصير أيضاً أم هو خطأ من الراوي؟. وبلغ ذلك الحارث فارسل إلى قيس: لا تضمن عني فخالفه. وضمن عنه ثقة١٢٦ منه بنفسه ومكانه من قومه فخرج الحارث في رجال من بكر بن وائل منهم الهيثم بن جرير بن أساف بن علباء الذهلي وأبنان لسنان السدوسي فأغاروا على بارق وغيرها من أطراف البلاد فغنموا وأثروا في مصانع كانت لكسرى آثار قبيحة وأفسدوا على العمال أمور العمارة. فرفع ذلك إلى كسرى فأرسل إلى قيس فدعاه فذكر له ما جرى منهم في السواد. فقال ذلك سفيه من قومي حسدني لمكاني عندك فاراد إفساد أمري. فقال له أفمن الحلماء استهدتك؟ وأمر به فسجن بالانبار. وفي رواية أخرى إنه قال له لعلك لم تعطه مما أعطيناك شيئا فأرسل اليه والى أشراف قومك فليقدموا حتى نعطهم مثل ما أعطيناك وإنما أراد قتلهم ففطن قيس لذلك فكتب اليه:
غنينا وأغنانا غنانا وغالنا ... مآكل عما عندكم ومشارب
стр. 372
فان نحن أرسلنا بالفي صحيفة ... فلا يقربنا منكم الدهر راكب
فلم يأته أحد منهم فحينئذ أمر بحبسه.
قال أبوا عبيدة وإنما كان ذلك عند أدبار أمر فارس ورقة ملكهم فقال قيس وهو في السجن شعرا منه:
الا من مبلغ قومي ومن ذا ... يخبر عن أسير في الاوان
الا أبلغ بني بكر الوكا ... فمن هذا يسد لكم مكاني
أيأكلهم أبن وعلة قد علمتم ... ويأمن هيثم وأبنا سنان
ويأمن فيكم الذهلي بعدي ... وقد سموكم سمة الهوان
وبلغ بكر إن قيسا حبس فقال الاعشى:
أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد ... وأنت أمرؤ ترجو شبابك وائل
تركت بني بكر وعز سيوفهم ... وهاجرت تبغي القسط أمك ثاكل
أطورين في عام غزاة ورحلة ... إلا ليت قيسا غرقته القوابل
كأنك لم تشهد قرابين حوله ... تعوث ضباع فيهم وغوائل
стр. 373
وهي أبيات.
ثم إن كسرى أرسل الى قيس وهو مسجون إن أرسل الى قومك فيأتوني برهائن منهم لاطلقك. فقيل إنه أرسل الى قيس وهو مسجون إن أرسل الى قومك فليأتوني برهائن منهم لاطلقك. فقيل إنه أرسل اليهم إن دعوني في يده ولا ترهنوا أحد منكم، وقيل بل أرسل يسألهم إنفاذ رهائنهم إلى كسرى، فلم يجيبوه لأنهم كانوا قبل ذلك قد رهنوه الاسود بن شريك فهلك عنده، فاتهموه إنه قتله، وفي ذلك يقول الأعشى:
من مبلغ كسرى إذا ما جاءه ... عني مالك مخشماتٍ شردا
آليت لا أعطيك من أبنائنا ... رهناً فيفسدهم كمن قد أفسدا
فاقعد عليك التاج معتصباً به ... لا تطلبن سوامنا فتعبدا
فلما أبطأت الرهائن على كسرى عزم على بعث الجنود الى بكر بن وائل وبلغ ذلك قيساً وهو في السجن فقال:
الا ليتني أرشو سلاحي وناقتي ... ليعلم قومي ما الذي أنا قائل
فاوصيكم بالله والصلح بينكم ... لينظر معروف ويزجر جاهل
وصاة امرئ لو كان فيكم أعانكم ... على الدهر والأيام فيها الغوائل
فأنا ثوينا في شعوب وأنكم ... آتتكم جنود جمة وقبائل
стр. 374
وان جنود الفرس قد يممتكم ... فما عز قومٍ إن هم لم يقاتلوا
وإياكم واللطف لا تقربنه ... ولا الزيف إن الزيف للمرء قاتل
ثم مات قيس في السجن. هذا في رواية.
وفي رواية أخرى إن كسرى إنما ضمن قيس من مسعود جرائر بكر بعد يوم ذي قار لأنه كان قد أستعمله على حماية الابلة من قبل، فلما علم بمسير جنود كسرى إلى قومه أتاهم مستخيفاً فأشار عليهم ببعض الرأي وعاد إلى الابلة، فوشي به إلى كسرى فاستقدمه فنهاه قومه إن يأتيه فأبى، وهو لا يعلم إن كسرى علم بما كان منه من أتيان قومه فقدم عليه فحبسه حتى هلك، وقال آخرون إنما أستقدم كسرى قيساً فضمنه وجرى له ذلك معه وطلب الرهائن من يوم القبة، وهو يوم كان بعد يوم ذي قار، والرواية الأولى أشبه بالصحيح، وأشعار قيس كالشاهد لها. ويقوى ذلك أيضاً ما هو معلوم من إن الأمر تفاقم بين الفرس وبكر بن وائل بعد يوم ذي قار عن الهدنة١٢٧ والموثقة، وأن يطمأن أحد منهم إلى كسرى فيأتيه، ولم تزل الفرس بعد يوم ذي قار تغزو من تخلف من بكر بن وائل في أطراف العراق، وبكر بن وائل تغاورهم إلى إن قدم المسلمون العراق.
رجع الحديث الى سياقة، ثم إن كسرى أشفق بما كان يسمع من أمر النبي (إن يبعث الجنود، فسار بنفسه
стр. 375
فقطع الفرات ونزل قصر مقاتل، فأتاه أياس بن قبيضة الطائي - وهو يومئذ عامله بالحيرة بعد النعمان - فلامه وقال له: ما هذا! أيسمع عنك إن أمه من الامم كرّتك حتى سرت اليها بنفسك، نحن نكفيك ما تريد، فاجعل مخرجك هذا الى الصيد والفرجة وعد الى مكانك، فقال له النعمان: إنه بلغني إن القوم أخوالك وما أنت بمناصحي من أمرهم، وكانت أم أياس ربعية وهو القائل:
فما ولدتني حاصن ربعية ... لئن أنا مالأت الهوى في أتباعها
- في أبيات له قد ذكرت في الحماسة - فيتصل اليه من ذلك. وقدم عليه النعمان أبن زرعة التغلبي فقال له: دعهم أيها الملك حتى يقيظوا، فإنهم إذا قاظوا تساقطوا على ماء لهم يعرف بذي قار كما يتساقط الفراش في النار، والنعمان هذا هو النعمان بن زرعة بن هرمي بن السفاح وأسم السفاح سلمة، وانما سمي السفاح لانه سفح ما كان في أسقية قومه بني تغلب من الماء يوم الكلاب الاول، وقال: إن شئتم فبادروا فاغلبوا على الماء، الا فموتوا عطشا. وهو مختلف في نسبه مطعون فيه، فيقال هو السفاح بن خالد بن كعب بن زهير بن تيم أسامة بن مالك بن الارقم بن كعب بن بكر بن حبيب بن غنم بن تغلب بن وائل، هذا قول من نسبه في تغلب. ومن
стр. 376
طعن فيه قال: هو السفاح بن عامر المثنمي بن عبد الله بن السجب بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد الله بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبره، فيقال إنه كان يعرف نسبه في كلب وإنه لصيق في تغلب فلأجل ذلك لم تحركه النخوة والحميه لبكر بن وائل. فلما قال كسرى هذا القول فسفر له فتفاءل بقوله كما قال بتساقط الفراش على النار وأعجبه. وقال: كيف بينك وبينهم، قال نتساقى حياض الموت. قال: فإني سأرسل معك الجنود فاشف نفسك وأشفي منهم. قال: سأفعل. وعاد كسرى الى المدائن وأمر أياساً بأن يذكي عليهم العيون، فإذا علم إنهم قد نزلوا بذي قار أعلمه، فلما علم أياس إنهم قد نزلوا ذا قار رفع ذلك اليه، وكان له مرزبان مقيم بالقادسية والقطقطانة في الف من الاساورة ويقال له الهامرز وكان ممن قتل بذي قار، ففيه يقول الاعشى:
وجاء القيل هامرز ... وقد آلى لنا قسما
فقتلنا القيل هامرزاً ... وروينا الكميت دما
ومرزبان آخر ببارق ولعلع في الف أخرى بقال له جلا برزين
стр. 377
فكتب اليهما جميعاً فسار بما كان معهما، وأرسل الى خالد بن زيد القضاعي من بهراء فسار بمن كان معه من قضاعة، وإلى النعمان بن زرعة فسار بمن كان معه من بني تغلب والنمر بن قاسط، وجعل أياس بن قبيصة الملك عليهم وبعث معهم زيد بن عدي بن زيد باللطيمة التي كان يجهزها الى باذان، الى اليمن كل عام. وقالوا: إذا توافت الجنود كلها بأرض بكر بن وائل فجهزو اللطيمة وأبعثوا رسائلكم اليهم فإن دفعوا اليكم مال النعمان وسلاحه ومائة غلام من أبنائهم رهائن على إن لا يفسدوا في البلاد فقبلوا ذلك منهم وناصرفوا عنهم والا فناجزوهم. فبلغ ذلك بكرا فذعروا وجزعوا وشفقوا واجتمعوا ووطنوا أنفسهم على الصب والقتال. وقالت هند بنت النعمان بن المنذر وهي يومئذ فيهم في جوار هانئ بن قبيصة الشيباني:
إلا أبلغ بني بكر الوكا ... لقد جد النذير بعنقفير
فليت الجيش كلهم فداكم ... ونفسي والسرير وذا السرير
كأني عند جدبهم اليكم ... معلقة الذوائب بالعبور
فلو أني أطلقت لذاك دفعاً ... إذاً لدافعته بدمي وزيري
فإن تك نعمةً بظهور بكر ... فأكرم بالبشارة للبشير١٢٨
وإن تك نكبة فعلي منها ... كمامير الدهيم بمستمير
والدهيم فيما ذكر ناقة الوف كانت لزبان بن المجالد الذهلي، فقتل
стр. 378
كثيف بن جني بن الحارث بن زهير بن جشم بن بكر التغلبي وأولاداً له بلطمة لطمه أبوهم، وجعل رؤوسهم في غرارة على الدهيم، وأرسلها فأتت أهلها، فقالت أمة لهم، عليها بيض. فقال زبان: انظري عم يفرخ البيض، فذهبت مثلا، ثم أخرجت الأمة الرؤوس حتى إذا كان آخرها، فقالت: هذا أخر البر علي القلوص، فذهبت مثلا. وقالت العرب تنسب الميرة ميرة الدهيم، قال الأعرج الطائي:
يقودهم سعد الى بيت أمه ... الا إنما يرجى الدهيم وما يدري
فأجروا اللطيمة وأرسلوا النعمان بن زرعة الى بكر بن وائل يطلبون منهم ما أمرهم كسرى بطلبته، ويعلمونهم إنهم إن لم يفعلوا ناجزوهم، فاستذم منهم وأتاهم يكلمهم وقال لهم: يا بني بكر بن وائل، أنتم طرفاي معا أعمامي وأخوالي، وقد أتاكم ما لا قبل لكم بهم أتتكم أحرار فارس، وقبائل العرب قبيلة منها تقاومكم وتنتصف منكم، فأدفعوا الي سلاح النعمان ورهائنكم ولا تهلكوا أنفسكم. فزجروه وطردوه وقالوا له: أنت الذي حملت كسرى علينا. فانصرف مغضباً فأتاه أخوه عمرو بن زرعة وبشير بن سوادة التغلبي أحد بني جندب بن حارث بن الارقم وهو - ابن سلوة وهي أمه بها كان يعرف - وكانت تحته فلانه بنت زرعة أخت النعمان وعمرو فقالا له: أتريد إن تهلك بكر بن وائل غدا، وتعين عليهم الغلف وما والله لكأنك غداو أنت مزق بين أرماحهم، فإنها طوال حداد عنك منها خبر وأثر في عمك وخالك، ولتجمل بهم صبرا عند البلاء حسنة وجوههم عند الموت. فقال لهما: أتهدداني بهم، لأقسمن غدا نساءهم في عضاريط من معي وصعاليك بني تغلب، فقالا: أنت وذاك. فانصرفا فأتيا بكر فمشيا يحضرانهم،
стр. 379
وبكر بن سوادة يقول لعمرو:
ولقد أتيت أخاك عمراً نصحة ... فعصى وضعيها بذات العجرم
فإذا أمرتك بعدها قيسا ... وتقدمن عند الكريهة مقدمي
سترى مقامي عند مضطرم الوغى ... ولبان مهري إذ أقول له أقدم
في حومة الموت التي لا تشتكي ... غرماتها الأبطال غير تغمغم
وكأنما أقدامهم وأكفهم ... كرب تساقط في خليج مفعم
وحبيب يرجون كل طمرة ... ومن اللهازم شخت غير مصرم
لا يصدفون عن الوغى بوجوههم ... في كل سابغة كلون العظلم
ودعا بني أم الرواغ فاقبلوا ... عند اللقاء بكل شاكٍ معلم
وسمعت يشكر تدعي بحبيب ... تحت العجاجة وهي تمطر بالدم
والجمع في ذهل كأن زهاءهم ... جرد الجمال يقودها أبنا شعثم
يمشون في حلق الحديد كما مشت ... أسد الغريف ليوم نحس مظلم
стр. 380
أيقنت إن سيذوق من والأهم ... ضرباٍ يطير عن الفراخ الجاثم
وذكر أبو عبيدة إن هذا الشعر لعمرو بن جني التغلبي يخاطب به امرأته - و كانت تغلبية - فنهى أخاها عمرو بن فلان التغلبي عن الاعانة على بكر بن وائل، فلامته وقالت أتنفس عليه إن يغنم من أموالهم؟ فقال هذا الشعر أو رواه بكسر الكاففي قوله أتيت أخاكِ وبكسره أيضاً في قوله مرارا أمرتك وقال فتبيني أو أقدمي عند الكريهة مقدمى كالهازئ بها، وروى ستري بالكسر أيضاً. ثم أصبحوا والتقوا يوم ذي قار وهو من أعظم الأيام وأحد الأيام الثلاثة المذكورة ويعرف بيوم ذي قار ويوم الحنو ويوم الحسى ويوم الجنايات ويوم ذات العجرم ويوم البطحاء. فأرسل من كان في جنود كسرى من العرب إلى بكر بن وائل أيما أحب إليكم إن نذهب تحت الليل عنهم أم نذهب إذا تراءى الجمعان؟ فأرسل إليهم بنو بكر بل تذهبون إذا تزاحمت الصفوف. ففعلوا ذلك وذهبوا وتركوا العجم، فحاربوا حتى أشتد بهم العطش فأضعفهم فكانت عليهم. وقتل يومئذ الهامرز خلايرزين، وحديث يوم ذي قار١٢٩ مشهور وقد استوفى شرحه في أيام العرب، وفيه يقول الأعشى في قصيدته الفائية:
ولو إن كل نزاري يشاركنا ... في يوم ذي قار ما أخطأهم الشرف
وكان سبب ذلك امتناع النعمان واعتذاره عن إنفاذ بناته وأخواته إلى كسرى.
الرسول (يعرض نفسه على القبائل
ولم تكن بكر وغيرها بحيث تثبت للفرس ولكن ذلك كان من المقدمات عز الإسلام وظهوره وببركة الرسول
стр. 381
(. وتصديقا من الله سبحانه لوعد رسول الله (لبكر بن وائل حين عرض نفسه على القبائل حتى انتهى إليهم فدعاهم إلى نصره وأعانته على تبليغ رسالة ربه . فإنه كان قبل ذلك قد خرج أبو بكر وعلي صلوات الله عليهما إلى عكاظ في مجتمع العرب بها، فبدأ بكنانة فوقف عليهم فدعاهم فقالوا له: قد عرفنا الذي تريد وما تدعونا إليه قبل اليوم، فإن أحببت أن نمنعك ممن يريد ظلمك منعناك، فكنت بين أظهرنا ممنوعا غير مضام، وإن كنت تريد منا إن نفارق دينناً ونكافح العرب من دونك، فهذا شيء لو دعانا إليه سيدنا يعمر بن عوف الشداخ ما أجبناه إليه أبداً لأن قريش منا ونحن منهم وبيننا وبينهم أرحام وجوار وقرابات، فانصرف عنا يا محمد وعليك بغيرنا. فانصرف (وهو يقرأ (فان تولوا فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب) . ثم صار إلى بني أسد ورئيسهم طليحة بن خويلد، فوقف عليهم ودعاهم، فقال له طليحة: إن رجلا عادى سادات قريش ونابذ سرواتها غير ممنوع عندنا، فانصرف عنا فلو علمت إن قريش تحب إن أكفها أمرك لفعلت. فانصرف (وهو يقرأ (وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم وأنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون) . ثم أتى بني تميم وفيهم الأقرع بن حابس وعطارد بن حاجب بن زرارة ومن أشبهها من سادات بني تميم فوقف عليهم ودعاهم، فقال له بعض القوم: أتأمرنا إن نهدف نحورنا نحو العرب من دونك! والله ما أردت ببني تميم خيراً، ولقد
стр. 382
بدأتنا بالحروب والذعورة فانصرف عنا. فانصرف ﵇ وهو يقرأ (ويا قوم أعملوا على مكانتكم أني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا أني معكم رقيب) . ثم صار الأيام فزارة وفيهم عيينة بن حصن فدعاهم ورغبهم في الأبطال فقال له عيينة: والله ما نفضنا رؤوسنابعد من هنوات الحرب وإنما حاربنا حيا واحدا من العرب وأنت تدعونا الأيام إن نقاتل مع الأسود والأبيض أنصرف عنا أيها الرجل فلا حاجة لنا فيما جئتنا به. فأنصرف ﵇ وهو يقول (أيحسبون إنما نمدّهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون) .
ثم صار الأيام بني عامر بن صعصعة وفيهم ملاعب الآسنة عامر بن مالك بن جعفر فجلس إليكم وتلا عليهم القرآن ودعاهم الأيام الأبطال فلما هم القوم إن يجيبوه ويؤمنوا به ورقت قلوبهم أقبل رجل من بني قشير يقال له بيحرة بن عامر. فقال: من هذا الرجل الغريب فيكم يا بني عامر؟ فقالوا: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد جاءنا يدعونا الأيام حظ أنفسنا وقد عزمنا إن نؤمن به ونصدقه ونقاتل عنه من ناوأه من العرب. فضحك بجير وقال: بئست الثمرة والله لقومك يا بني عامر أتنظرون الأيام رجل قد أخرجه قومه وكذبوه فتؤمنون به وبما يقول لكم وتقاتلون الناس من دونه حتى ترميكم العرب بقوس واحد الحقوا الرجل بقومه فأنهم لو علموا منه صدقا لاتبعوه. فقالت بنو عامر: أيها الرجل الصالح الحق بقومك فأنهم أحق بك من غيرهم. فقال (:
стр. 383
" ما لبيحرة لا أثبت الله له شجرة ولا أزكى له ثمرة " ثم أنصرف وهو يقرأ: (قال عما قليل ليصبحن نادمين) . ثم قال لأبي بكر وعلي: أمضيا بنا الأهم أحياء ربيعة لعلهم إن يجيبوا الأهم الأيمان فمر حتى أتى منازل ربيعة فوقف عليهم وتقدم أبو بكر وكان نسابا فسلم وقال ممن القوم؟ قالوا: من ربيعة قال أمن هاماتها أم من لهازمها؟ قالوا من لهازمها العليا قال من أيهم أنتم؟ قالوا نحن من ذهل الأكبر قال أمنكم حارثة بن عمرو صاحب اللواء وقائد الأحياء؟ قالوا: لا قال: أفمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة قالوا: لا قال: أفمنكم الحوفزان قاتل الملوك وسالبها١٣٠ أنفسها؟ قالوا: لا قال أفمنكم حسان بن مرة حامي الذمار ومنع الجار؟ قالوا: لا قال: أفمنكم أخوال الملوك من كندة؟ قالوا: لا قال: أفمنكم أصهار الملوك من لخم؟ قالوا: لا قال فلستم ذهل الأكبر أنتم ذهل الأصغر. فقام إلى دغفل بن حنظلة النسابة وهو يومئذ غلام وقد بقل وجهه يقول:
لنا على سائله إن نسأله ... فالعبء لا نعرفه ولا نحمله
ثم قال يا هذا قد سألت فلم نكتمك شيئا ونحن نريد إن نسألك فممن أنت؟ قال رجل من قريش. قال بخ بخ! أهل الرياسة والسؤدد وهداة
стр. 384
العرب وأزمتها منكم قصي بن كلاب الذي جمع قومه من كل أوب فأسكنهم مكة وقتل أعداءه نفاهم عنها وأنزل قومه منازلهم منها فسمته العرب مجمعا وفيه يقول الشاعر:
أبوكم قصي كان يدعى مجمعا ... به جمع الله القائل من فهر
قال لا. أفمنكم عبد مناف صاحب الوصايا وأبن الغطارف السادة؟ قال لا قال أفمنكم عمرو بن عبد مناف وهو هاشم الذي يقول فيه الشاعر:
عمرو العلى هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مستنون عجاف
قال: لا قال أفمنكم عبد المطلب وشيبة الحمد ومطعم طير السماء صاحب الأسماء العشرة الذي يقول فيه الشاعر: إنما عبد مناف جوهر زين الجوهر عبد المطلب
قال: لا. أفمن أهل الندوة أنت؟ قال: لا قال أفمن أهل الحجابة أنت؟ قال: لا قال أفمن أهل الردافة أنت؟ قال: لا قال أفمن أهل السقاية أنت؟ قال: لا قال أفمن ريحانت قريش أنت؟ قال: لا قال: فممن أنت؟ قال: رجل من بني تيم بن مرة فقال دغفل: أمكنت والله الرامي من الثغرة يا أخا تميم. فجذب أبو بكر خطام ناقته من يده فقال له: أما والله لو وقفت لأخبرتك أنك زمعة من زمعات قريش والله ما أنت
стр. 385
من الذوائب فيها. فمال أبو بكر الأهم رسول الله (- وهو ﵇ يبتسم - فقال له علي: لقد وقفت من الغلام على نافعة فقال: أجل يا أبا الحسن ما من طامة ألا وفوقها طامة والبلاء موكل بالمنطق. ثم مال النبي (الأهم مجلس أخر وإذا مشايخ لهم هيئات وراء حسن فوقف عليهم أبو بكر وسلم فردوا عليه ثم قال: من أنتم؟ فقالوا نحن بنوا شيبان بن ثعلبة فالتفت الأهم رسول الله (وقال له: بابي أنت وأمي ليس بعد هؤلاء عز في قومهم. وكان في القوم مفروق بن عمرو وهانئ بن قبيصة والمثنى بن حارثة والنعمان بن شريك. وكان أدناهم الأهم أبي بكر مفروق فجلس إلى وقال له: كيف العد فيكم فقال يزيد على الألف ولن تغلب الألف من قلة. فقال: كيف المنعة فيكم؟ فقال: علينا الجهد ولكل قوم حد قال فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم فقال مرة يدال لنا ومرة يدال علينا والنصر من عند اللهو إن أشد ما نكون لقاء حين نغضب وأشد ما نكون غضبا حين نلقى وأنا لنؤثر جيادنا على أولادنا والسلاح على اللقاح لعلك أخو قريش؟ فقال أبو بكر: إن كان بلغك إنه رسول الله فهو هذا فقال: بلغنا إنه يقول ذلك. ثم التفت الأهم رسول الله (فقال: الأهم ما تدعون يا أخا قريش؟ قال: أدعوكم الأهم شهادة ألا اله ألا الله وأني محمد رسول الله وأيقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام شهر رمضان وحج البيت وصلة الرحم وإن تمنعوني ما تمنعون منه أنفسكم وأولادكم قال:
стр. 386
والأهم ما تدعون أيضا؟ فتلا رسول الله (قوله سبحانه (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم، ألا تشركن به شيئا وبالوالدين إحسانا، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق، فنحن نرزقكم وإياهم، ولا تقربوا الفواحش ما قرب منها وما بطن، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله ألا بالحق، ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون، ولا تقربوا مال اليتيم ألا بالتي هي أحسن، حتى يلغ أشده، وأوفوا الكيل والميزان بالقسط، ولا نكلف نفسا ألا وسعها، وإذا قلتم فاعدلوا، ولو كان ذا قربى، وبعهد الله أوفوا، ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون، وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرقوا بكم عم سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) .
وقال الأعشى ما تدعون أيضاً يا أخا قريش؟ فتلا قوله (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والآثم والبغي بغير الحق، وإن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وإن تقولوا على الله ما لا تعلمون) فقال مفروق: دعوت والله الأعشى مكارم الأخلاق ومحاسن الأمور ومعالي الذكر ولقد أفك قوم كذبوك وردوا عليك قولك. فكأنه أحب إن يشرك هانئ بن قبيصة في الكلام فقال: وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا وسيدنا فقال هانئ: قد سمعت مقالتك وأعجبني قولك وأنا نرى إن تركنا ديننا وأتبعناك على دينك في مجلس واحد جلسته إلينا لم نفكر في أمرك ولم ننظر في عواقب ما تدعونا الأهم طيشة في العقل وعجلة في الأمر والذلة تكون مع العجلة ومن ورائنا قوم نكره إن نعقد عليهم عقدا دون أذنهم ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر. فكأنه أحب إن يشرك في القول
стр. 387
المثنى بن حارثة فقال: وهذا المثنى بن حارثة سيدنا وصاحب حربنا. فقال المثنى: أعجبني قولك وحلا في صدري وإن الحق وإن كان فيهم التجهم أحمد عاقبة من إبطائك العشواء والتملق غير أنا قد نزلنا بين هذين الصيرين. وقال النبي (: وما هذان الصيران؟ فقال: اليمامة والسماوة وأرض العرب وطفوف الريف وانهار كسرى وبلاد فارس على أخر عهد أخذه علينا كسرى لا نحدث حدثاً ولا نؤوي محدثاً، ولعل هذا الأمر الذي تدعونا إليه مما يكرهه الملوك وإن كان الحق فإن أحببت أن نمنعك وننصرك على العرب فعلنا فإن عذر صاحبهم مقبول ودينه مغفور وإن ذنب العرب عند كسرى وفارس غير مغفور وعذرهم غير مقبول. فقال رسول الله (: ما أسأتم الرد إذاً أفصحتم بالصدق إنه لا يقوم بدين الله إلا من حاطه في جميع جوانبه ثم قال لهم: أرأيتم إن لم تلبثوا إلا يسيراً حتى يوطئكم الله بلادهم ويمنحكم أموالهم ويفرشكم بساطهم أتسبحون الله وتقدسونه وتحمدونه؟ فقال النعمان بن شريك: اللهم إن ذلك لك. ثم نهض (وهو يقرأ (يا أيها النبي آنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً. وداعياً الأعشى الله بإذنه وسراجاً منير) ، قال علي ﵇: ثم التفت إلي الرسول (وقال: يا علي، قلت لبيك، قال: أي أحلام في العرب يدفع الله بها بأس بعضهم عن بعض، وبها يتجاورون في الحياة الدنيا؟ فأراد الله سبحانه تصديق قول رسول الله (، وتحقيق تلك
стр. 388
البشارة التي بشرهم بها، وظهور مقدمات عز الأحياء وقوة العرب به، وضعف أمر فارس وغيرهم من الأمم، والارهاص بظهور أمر رسول الله (وعلو شأنه فصنع لهم بما ألقاه في قلوبهم من الثبات والصبر وألقى في قلوب العرب الذين كانوا مع العجم من المواطأة بكر بن وائل عليهم والفرار عنهم. وروي إن يوم ذي قار كان بعد يوم بدر بشهرين وإنهم رفعوا لرسول الله (بذي قار فكان يراهم فروي عن أمير المؤمنين علي ﵇ إنه قال لم يلبثوا إلى يسيراً حتى خرج رسول الله (على أصحابه وقال: ادعوا الله لإخوانكم من ربيعة فقد أحاطت بهم أبناء فارس مع الهامرز ثم لم يلبث إلى يسيراً حتى خرج فقال: " احدوا الله على ما نصر به العرب من يومكم هذا فاليوم أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي نصروا " ولو لم يكن السبب في ذلك إلا قوله (لأصحابه: ادعوا الله لإخوانكم من ربيعة لكان في ذلك مقنع وكان النصر بدعائه مقروناً. فكيف وقد تقدمت بشارته ذلك وسبق به وعده ولولا ذلك لاصطلم كسرى ربيعة فانهم لم يكونوا يقومون بحرب بعض جنده كما روي عن المثنى بن الحارث الشيباني إنه قال: قد قاتلت العرب في الجاهلية والأحياء ولقد كانت مائة من العجم أشد علي من ألف من العرب في الجاهلية ومن ألف من العجم على مائة من العرب في الأحياء.
стр. 389
كسرى والعرب
فتتبع كسرى بكر بن وائل أيضاً هذا التتبع بسبب وديعة أودعها النعمان و أراد أن يستأصلهم ويعفي آثارهم لأجل ذلك فهذا كان حد ملوك نصر على ملوك الفرس لم يقدر النعمان على الامتناع من كسرى بسيفه ولا كان له جند يقاتلون دونه لا يصحبونه في مهربه فيكون بهم ممتنعاً وعن الاستجارة بالعرب مستغنياً حتى خرج من أهل بيته تأكل العرب أمواله وتغير على إنعامه وتترامى به المرامي وتطرده القبائل وتتفادى من إجارته وقربه حتى ضاقت عليه الأرض١٣٢ فعاد الأعشى كسرى ملقياً إليه بيده فقتله ثم بعث الجنود الأعشى القبيلة التي أجارته مطالباً لهم بودائعه فلولا ما وفق لهم من السبب الذي كانت نجاتهم به مقدمات عز الأحياء لاجتاحهم وإصطلمهم على إنه قد ظهر لبكر بن وائل من العز والامتناع ما لم يظهره للنعمان لأنهم أقاموا بدارهم ولو أرادوا الهرب لأمكنهم فثبتوا وقاتلوا وصبروا وكانت الكرة لهم والنعمان عجز عن الحرب والهرب فلم يستطع المقام ولا وجد من العرب مجيراً حتى أسلم نفسه وفي هذا دليل على أن كتائبه المسماة بتلك الأبطال كانت كلها دون القبيلة الواحدة أو إنهم لم يكونوا جنداً له على الحقيقة فيقسم فيهم الأموال فيقاتلون معه عدوه كائناً ما كان بل كانوا على ما روى أهل الحيرة وجنود الاكاسرة يصحبون ملوك العرب بالحيرة مستقام أمرهم فإذا اضطرب أمرهم تركوهم وأنفسهم كالمعلوم من أحوال أهل الأمصار إنهم إذا كان سلطانهم بينهم مقيماً فيهم نافذ الأمر عليهم تابعوا أمره وحاربوا معه عدوه فإذا بعد عنهم لم
стр. 390
ومن ينضاف إليه من العرب ويمتنع ما أمكنه الامتناع؟ فإن قتل في الحرب قتل كريماً وإن غلبته الأمور وهر كان حينئذ معذوراً لكنه رأى نفسه دون ذلك كله فهرب لما نظر في الكتاب بأول خاطر وقبل مواجهة حرب وبكر بن وائل أقاموا بدارهم مستيقنين للحرب آيسين من الصلح وقبول العذر فجمع لهم الجموع وسير إليهم الجنود وعندهم علم ذلك مستقتلين لم يريموا دارهم ولم يفارقوا أرضهم حتى كانت الكرة لهم. وفي هذا دليل على إن بكراً وحدها كانت أعز منه فكيف يستحق النعمان التسمية بملك العرب وهذه صفته ومبلغ عزته ولا يستحقه ويذهب به دونه من يبذل الملوك في رضاه الرغائب ويسمحون باستمالته والاعتضاد بطاعته بأنفسهم الذخائر والمواهب. فمن مناقبه وإن كانت لا يتهيأ حصر عددها ما يحسن ذكره هاهنا عقب ما ذكر في حديث النعمان ليقاس بفعله ويعارض بمثله ويستدل به على علو درجته: إن السلطان السعيد جلال الدولة أبو الفتح ملك شاه بن ألب أرسلان ﵁ وسمعت شيوخاً من العلماء بالسيرة يسمونه الاسكندر الثاني توفي في بغداد في شوال سنة خمس وثمانين وأربع مائة وبها من عساكره ما لا يحصى كثرةً فاجمع الأمراء والخاصكية وأكابر الدولة على أبنه محمود بن ملكشاه فأجلسوه على سرير الملك وخاطبوه بشاهنشاه وسلطان العالم ووقفوا قياماً أمام
следующие страницы →