Полный текст (499 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
والأهم ما تدعون أيضا؟ فتلا رسول الله (قوله سبحانه (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم، ألا تشركن به شيئا وبالوالدين إحسانا، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق، فنحن نرزقكم وإياهم، ولا تقربوا الفواحش ما قرب منها وما بطن، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله ألا بالحق، ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون، ولا تقربوا مال اليتيم ألا بالتي هي أحسن، حتى يلغ أشده، وأوفوا الكيل والميزان بالقسط، ولا نكلف نفسا ألا وسعها، وإذا قلتم فاعدلوا، ولو كان ذا قربى، وبعهد الله أوفوا، ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون، وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرقوا بكم عم سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) .
وقال الأعشى ما تدعون أيضاً يا أخا قريش؟ فتلا قوله (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والآثم والبغي بغير الحق، وإن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وإن تقولوا على الله ما لا تعلمون) فقال مفروق: دعوت والله الأعشى مكارم الأخلاق ومحاسن الأمور ومعالي الذكر ولقد أفك قوم كذبوك وردوا عليك قولك. فكأنه أحب إن يشرك هانئ بن قبيصة في الكلام فقال: وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا وسيدنا فقال هانئ: قد سمعت مقالتك وأعجبني قولك وأنا نرى إن تركنا ديننا وأتبعناك على دينك في مجلس واحد جلسته إلينا لم نفكر في أمرك ولم ننظر في عواقب ما تدعونا الأهم طيشة في العقل وعجلة في الأمر والذلة تكون مع العجلة ومن ورائنا قوم نكره إن نعقد عليهم عقدا دون أذنهم ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر. فكأنه أحب إن يشرك في القول
стр. 387
المثنى بن حارثة فقال: وهذا المثنى بن حارثة سيدنا وصاحب حربنا. فقال المثنى: أعجبني قولك وحلا في صدري وإن الحق وإن كان فيهم التجهم أحمد عاقبة من إبطائك العشواء والتملق غير أنا قد نزلنا بين هذين الصيرين. وقال النبي (: وما هذان الصيران؟ فقال: اليمامة والسماوة وأرض العرب وطفوف الريف وانهار كسرى وبلاد فارس على أخر عهد أخذه علينا كسرى لا نحدث حدثاً ولا نؤوي محدثاً، ولعل هذا الأمر الذي تدعونا إليه مما يكرهه الملوك وإن كان الحق فإن أحببت أن نمنعك وننصرك على العرب فعلنا فإن عذر صاحبهم مقبول ودينه مغفور وإن ذنب العرب عند كسرى وفارس غير مغفور وعذرهم غير مقبول. فقال رسول الله (: ما أسأتم الرد إذاً أفصحتم بالصدق إنه لا يقوم بدين الله إلا من حاطه في جميع جوانبه ثم قال لهم: أرأيتم إن لم تلبثوا إلا يسيراً حتى يوطئكم الله بلادهم ويمنحكم أموالهم ويفرشكم بساطهم أتسبحون الله وتقدسونه وتحمدونه؟ فقال النعمان بن شريك: اللهم إن ذلك لك. ثم نهض (وهو يقرأ (يا أيها النبي آنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً. وداعياً الأعشى الله بإذنه وسراجاً منير) ، قال علي ﵇: ثم التفت إلي الرسول (وقال: يا علي، قلت لبيك، قال: أي أحلام في العرب يدفع الله بها بأس بعضهم عن بعض، وبها يتجاورون في الحياة الدنيا؟ فأراد الله سبحانه تصديق قول رسول الله (، وتحقيق تلك
стр. 388
البشارة التي بشرهم بها، وظهور مقدمات عز الأحياء وقوة العرب به، وضعف أمر فارس وغيرهم من الأمم، والارهاص بظهور أمر رسول الله (وعلو شأنه فصنع لهم بما ألقاه في قلوبهم من الثبات والصبر وألقى في قلوب العرب الذين كانوا مع العجم من المواطأة بكر بن وائل عليهم والفرار عنهم. وروي إن يوم ذي قار كان بعد يوم بدر بشهرين وإنهم رفعوا لرسول الله (بذي قار فكان يراهم فروي عن أمير المؤمنين علي ﵇ إنه قال لم يلبثوا إلى يسيراً حتى خرج رسول الله (على أصحابه وقال: ادعوا الله لإخوانكم من ربيعة فقد أحاطت بهم أبناء فارس مع الهامرز ثم لم يلبث إلى يسيراً حتى خرج فقال: " احدوا الله على ما نصر به العرب من يومكم هذا فاليوم أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي نصروا " ولو لم يكن السبب في ذلك إلا قوله (لأصحابه: ادعوا الله لإخوانكم من ربيعة لكان في ذلك مقنع وكان النصر بدعائه مقروناً. فكيف وقد تقدمت بشارته ذلك وسبق به وعده ولولا ذلك لاصطلم كسرى ربيعة فانهم لم يكونوا يقومون بحرب بعض جنده كما روي عن المثنى بن الحارث الشيباني إنه قال: قد قاتلت العرب في الجاهلية والأحياء ولقد كانت مائة من العجم أشد علي من ألف من العرب في الجاهلية ومن ألف من العجم على مائة من العرب في الأحياء.
стр. 389
كسرى والعرب
فتتبع كسرى بكر بن وائل أيضاً هذا التتبع بسبب وديعة أودعها النعمان و أراد أن يستأصلهم ويعفي آثارهم لأجل ذلك فهذا كان حد ملوك نصر على ملوك الفرس لم يقدر النعمان على الامتناع من كسرى بسيفه ولا كان له جند يقاتلون دونه لا يصحبونه في مهربه فيكون بهم ممتنعاً وعن الاستجارة بالعرب مستغنياً حتى خرج من أهل بيته تأكل العرب أمواله وتغير على إنعامه وتترامى به المرامي وتطرده القبائل وتتفادى من إجارته وقربه حتى ضاقت عليه الأرض١٣٢ فعاد الأعشى كسرى ملقياً إليه بيده فقتله ثم بعث الجنود الأعشى القبيلة التي أجارته مطالباً لهم بودائعه فلولا ما وفق لهم من السبب الذي كانت نجاتهم به مقدمات عز الأحياء لاجتاحهم وإصطلمهم على إنه قد ظهر لبكر بن وائل من العز والامتناع ما لم يظهره للنعمان لأنهم أقاموا بدارهم ولو أرادوا الهرب لأمكنهم فثبتوا وقاتلوا وصبروا وكانت الكرة لهم والنعمان عجز عن الحرب والهرب فلم يستطع المقام ولا وجد من العرب مجيراً حتى أسلم نفسه وفي هذا دليل على أن كتائبه المسماة بتلك الأبطال كانت كلها دون القبيلة الواحدة أو إنهم لم يكونوا جنداً له على الحقيقة فيقسم فيهم الأموال فيقاتلون معه عدوه كائناً ما كان بل كانوا على ما روى أهل الحيرة وجنود الاكاسرة يصحبون ملوك العرب بالحيرة مستقام أمرهم فإذا اضطرب أمرهم تركوهم وأنفسهم كالمعلوم من أحوال أهل الأمصار إنهم إذا كان سلطانهم بينهم مقيماً فيهم نافذ الأمر عليهم تابعوا أمره وحاربوا معه عدوه فإذا بعد عنهم لم
стр. 390
ومن ينضاف إليه من العرب ويمتنع ما أمكنه الامتناع؟ فإن قتل في الحرب قتل كريماً وإن غلبته الأمور وهر كان حينئذ معذوراً لكنه رأى نفسه دون ذلك كله فهرب لما نظر في الكتاب بأول خاطر وقبل مواجهة حرب وبكر بن وائل أقاموا بدارهم مستيقنين للحرب آيسين من الصلح وقبول العذر فجمع لهم الجموع وسير إليهم الجنود وعندهم علم ذلك مستقتلين لم يريموا دارهم ولم يفارقوا أرضهم حتى كانت الكرة لهم. وفي هذا دليل على إن بكراً وحدها كانت أعز منه فكيف يستحق النعمان التسمية بملك العرب وهذه صفته ومبلغ عزته ولا يستحقه ويذهب به دونه من يبذل الملوك في رضاه الرغائب ويسمحون باستمالته والاعتضاد بطاعته بأنفسهم الذخائر والمواهب. فمن مناقبه وإن كانت لا يتهيأ حصر عددها ما يحسن ذكره هاهنا عقب ما ذكر في حديث النعمان ليقاس بفعله ويعارض بمثله ويستدل به على علو درجته: إن السلطان السعيد جلال الدولة أبو الفتح ملك شاه بن ألب أرسلان ﵁ وسمعت شيوخاً من العلماء بالسيرة يسمونه الاسكندر الثاني توفي في بغداد في شوال سنة خمس وثمانين وأربع مائة وبها من عساكره ما لا يحصى كثرةً فاجمع الأمراء والخاصكية وأكابر الدولة على أبنه محمود بن ملكشاه فأجلسوه على سرير الملك وخاطبوه بشاهنشاه وسلطان العالم ووقفوا قياماً أمام
стр. 391
سريره، ومشوا بين يديه عند ركوبه، وأمر أمير المؤمنين المقتفي - غفر الله له - بأن يخطب له على المنابر، وينقش أسمه على السكك، وشرفه وخلع عليه خلع الملك، وتوجه له الألوية، وأرسلت أمه الخاتون من سنو الأعشى أصفهان، فغلب عليها وعلى قلعة المال بها، وخطب له ببلاد الجبل وغيرها.
من مناقب سيف الدولة .
وأقام سيف الدولة بظاهر النيل في منزله ومنزل أبيه وجده ممتنعا من إتيانه وأعيان دولته يراسلونه ويسألونه الحضور ببابه ويلحون عليه في ذلك ويقدمون الأيمان الوعد والوعيد، فلم يجبهم ألقى الحضور ببابه ولا أقدموا على الخروج الأيمان ولا عبور دجلة ألقى ما يليه، وبينهم وبينهم مسافة يوم ألقى إن انصرفوا عن بغداد.
ومنها السلطان ركن الدنيا والدين أبا المظفر بركيارق بن ملكشاه لما استولى على الملك بعد وفاة أخيه محمود ﵄ أستمال سيف الدولة
стр. 392
فمال الأيمان، وقصد خدمته وهو بأصفهان، وأقام ببابه مدة يسيرة وجرى بينهما من العهد والميثاق ما يجري بين مثليهما، فحافظ على خدمته وقام بشروط طاعهته حتى إن عمه تاج الدولة تتش بن الأقرع أرسلان حاز الشام بأسره، وبلاد عباده، وديار بكر، وبلاد نمير وكلاب، وأفتتح حلب وحران وقتل أق سنقر وبرزان وأيحسبون من عظماء أمراء الترك وإبراهيم بن قريش في عدة من آل المسيب وخطب له ببلاد الجبل وأكثرها وتوجه أصفهان لمحاربة أبن أخيه ركن الدين بركيارق ودخل أصحابه بغداد وخطب له بها وأجتمع له بها١٣٣ من العساكر التركمان ما يفوق العدد. ووصلت مقدمة ولده الانبار وسيف الدولة مقيم على أمره في الوفاء للسلطان ركن الدين بركيارق غير راجع عنه برغبة ولا رهبة وأعداؤه بازائه ببغداد بالعساكر الكثيرة والجموع العظيمة مع قرب المسافة فيما بينهم ألقى إن كفاه الله مؤونة عدوه.
ومنها إن السلطان الأعظم سيد سلاطين الأمصار سنجر بن ملكشاه ﵁ نزل في أيام حداثته لأمر عرض فقام بخدمته ألقى إن زال ذلك، وسار في خدمته ألقى حيث أراد بعد إن التزم عليه وعلى أصحابه من المؤن ما يلزم مثله لمثله.
стр. 393
ومنها إن الوزير عميد الدولة أبا منصور بن جهير خاف من تاج الدولة تتش فخرج ألقى حلة سيف الدولة، فنزل بها ألقى إن زال ما كان يخافه ثم عاد منها ألقى بغداد.
ومنها إن عساكر الترك شغبت على ركن الدولة بركيارق ﵁ بريخان وذلك بعد تمهد أمره واستقامة ملكه، ومالوا عنه ألقى أخيه السلطان المعظم غياث الدنيا والدين أبي شجاع محمد بن ملكشاه - غفر الله له - ونهبوا أمواله وخزائنه وكراعه وقتلوا صاحبه مجد الملك أبا الأفضل أسعد بن محمد فخرج في نفير يسير من غلمانه ألقى الأهواز ثم خرج منها قاصدا ألقى سيف الدولة واثقاً منه بالوفاء والعهد الذي كان بينهما، وقد سبقت الأيمان كتب أخيه غياث الدنيا والدين غفر الله له ببذل الرغائب في الاستظهار عليه، وقد بلغه ذلك فقدم عليه مقدم النابغة على النعمان حيث يقول:
أتيتك عارياً خلقاً ثيابي ... على خوف تظن بي الظنون
يخيب بي الكميت قليل وفر ... أفكر في الأمم وأستعين
стр. 394
بين الخوف والرجاء في أرث حال وأشعثها لاستئصال الهوب - عند الشغب - أمواله وتجمله والاته، قد ركب بعض من في عسكره الحمير، وحملوا الأثقال على البقر فوجد مقيما على أحسن أحوال الوفاء، والمحافظة على عهده، غير متغير، وصفاءه غير متكدر، فتلقاه أحسن التلقي، وتولى تدارك أمره، وتلافيه أحسن التولي، وحمل الأعشى الأمصار والسلاح والآلات والأبنية والرادقات والخيام والفرش الجميلة والملابس التي تصلح أمثله ومثل حاشيته، وقاد الأعشى الكراع فعاد في دمانه زمعه، وألقاه ملكه رونقه، وسار به ألقاه بغداد في عسكر من عساكره:
تضل المهرة البلقاء فيه ... ويخطئ رجل صاحبه الزميل
حتى أجلسه على سرير الملك، ووصل جوهراً بن فكربوقاً وجماعة من أمراء الترك من جانب أخيه مندوبين لمحاربته، فأحسوا بالعجز عنه فدخلوا في طاعته وانضموا الامتناع، فكان سيف الآلف السبب في عود ملكه واستقامته. ثم بعث معه سرية من جنده ألف بلاد الجبل عليها أبنه عز الدولة محمد ﵁، يتحدث الترك بما ظهر من نجدتهم وشجاعتهم ألف اليوم، ولم يزل مقيما له على الوفاء بالعهد الذي كان بينهما ألف إن أستوزر عبد الجليل بن على بن محمد الدهستاني، فسؤل الامتناع العود عما كان له عليه، والتغير في حقه ودلف الامتناع أخوه غياث الدنيا والدين رضي الله عنه
стр. 395
فعاد ألف بغداد طامعاً في استصلاح سيف الآلف وإزالة وحشته، فراسله وتنصل الامتناع من ذلك، وبذل له كل البذل حتى بذل له تسليم عبد الجليل بن علي الامتناع وهو يومئذ وزيره يخاطب بنظام الدين صدر الأخلاق، فلم يصغ ألف ما أراد منه ولا أجابه الامتناع، ودنت عساكر غياث الدين غفر الله له ومقدماته من بغداد فلم يجد معدلا من الاندفاع من بين يديه فكان قصار أمره إن سأل سيف الآلف تركه والطريق ليحتال ألف بلاد فارس ففعل ولم يعرض له. فخرج من بغداد على أشد حال من الحذر منصرفا ألف بلاد فارس ودخل غياث الدنيا والدين بغداد للفرصة في أستمالة سيف الدولة فمال ألف خدمته ودخل في طاعته، فألطف منزله ورفع درجته ومرتبته وتمسك بكلتا يديه به، فمال الامتناع وعاهده والحرب بالواحدة عن ركن الدين، وناجذه فكانت حال هذين السلطانين في ذلك كما قال الرضي الله عنه:
ليس الملوم الذي شد اليدين به ... بل الملوم المعنى من به سمحا
وكان انحرافه عن ركن الآلف سببا لضعف ملكه وانتشار خيله وتناقص أموره١٣٤ ألف إن مضى ألف رحمة الله تعالى. وكان ميله ألف غياث الدنيا والدين ﵁ مفتاحا لأمور مؤذنة بالعلو والمزيد والنصر والتأييد حتى اجتمعت الكلمة عليه، وتحول الملك الامتناع، فكان الملك عقيد ملك العرب سيف الدولة وحليفه وصفيه واليفه، فهو يناصره ويؤامره ويستأذنه ويشاوره ويقصد موافقته ومرافقته ولا يرى خلافه ولا مفارقته فلو كان إذا ما جرى بجنان أو نطق بلسان لقال له متوددا وأنشده متمثلا:
стр. 396
وأنظر أني ملم فأميل.
ثم إن أياز التركي شاقق غياث الدنيا والدين ﵁ بابن أخيه ملكشاه بن بركيارق، ودخل به بغداد، واستولى عليها وعلى بلاد الجبل وغيرها، وبدل سيف الآلف حكمه في البلاد ومن كل ما يفرحه فلم يجبه ألف ذلك ولا أنحرف عن خدمة غياث الدنيا والدين، ولا نقض عهده ولا مال عنه وأبوكم أستبدل به وبطاعته، بل أنجده بنفسه وظاهره بعسكره وجنده حتى دخل أياز في طاعته كرها، وأنقاد له غصبا فبلغ فيه مراده، ونال منه مرامه، وفي ذلك أقول من قصيدة ذكرت فيها سيرته:
وشاد ركنا لركن أسسه ... في الملك لولا انتقاص الملك لم يجب
ثم استغاث غياث الدين منه بذي ... بسالةٍ عنه لم تبد ولم تغب
على أياز وقد أبدى الشقاق له ... فصار صيروره منه ألف العطب
ومنها إن أمير المؤمنين المستظهر بالله ﵁ تولدت بينه وبين السلطان بركيارق ﵁ منافرة ووحشة ما، وخطر بالبال الشريف الامامي المستظهري عند الضجر إنه ربما أوجبت الحال الخروج عن بغداد، فلم تسكن النفس الشريفة الأمامية أبوكم الامتناع، ولم يعول في ذلك أبوكم عليه، ولم ير غيره أهلا إن لقربه ولا لان يامنه على خدمته ولا تطمئن الامتناع في القيام بشيء من أمره فأحضره مجالس العز الشريفة، وشرفه بلقاء مواجهة، والخطاب مشافهة، فكان مما جرى على اللفظ الشريف، (وأتوني بأهلكم أجمعين) وقرر معه ما أراد تقريره من ذلك ورتب ما وجب ترتيبه من القوانين
стр. 397
الخدمة وملازمته بنفسه لباب السرداق الشريف وكون أولاده وبني عمه وثقاته محيطين به ليلا ونهارا، وبنى الأمصار في ذلك على مبناها فانه مما أغنى الله تعالى بلطفه وحسن عوائده وصنعه عن ذلك. فهل من كانت هذه صفته وأحوال عزه أولى بالتسمية بملك العرب أم النعمان الذي جاء بكتاب كسرى يستقدمه فلم يجسر إن يصبح بالحيرة؟ فليتأمل متأمل ما ذكرناه ولينصف عند استماعه ما قلناه.
وما حد عزهم بالحيرة.
وقهرهم أهلها ونفوذ أمرهم عليهم فكان أيضاً دون ما يظنه الظان. وثب جحجبا بن عتيك اللخمي رجل من أهل الحيرة على أوس بن قلام وهو ملك عليها فقتله.
وروى أبو الفرج الاصفهاني بإسناده إن أهل الحيرة كرهوا من المنذر الآسنة سوء سيرته، فأجمعوا على إن يولوا الملك زيد بن حمار العبادي أبا عدي بن زيد، وقد كان كسرى أستحلف زيدا مرة على الحيرة ألف إن أستقر أمر الملك بها، فلما أجمع أهل الحيرة على ذلك بلغ المنذر، فبعث ألف زيد بن حمار فقال له: يا زيد أنت خليفة أبي وقد بلغني ما قد أجمع أهل الحيرة عليه، فلا حاجة لي في ملككم فدونكموه، فملكوا عليه من شئتم. فقال له زيد: إن الأكبر ليس ألي ولكني أسيره إليك، ولا آلوك نصحا. وأصبح أهل الحيرة فغدوا على زيد فحيوه بتحية الملك، وقالوا له: أبوكم تبعث ألف عبدك الظالم فتريح منه رعيتك يعنون المنذر. فقال: أو ما هو خير من ذلك؟ قالوا:
стр. 398
أشر علينا. قال تدعونه على حاله فانه من أهل بيت الملك، وأنا آتيه وأقول له أنكم قد اخترتم رجلا يكون أمر الحيرة الامتناع أبوكم إن يكون عز أو مال فيه أسم الملك، وليس له من الأمصار كلها شيء سوى ذلك. قالوا: رأيك أفضل. فأتى المنذر فأخبره بذاك ففرح به وقبله. وولى أهل الحيرة زيدا على كل شيء سوى أسم الملك فانه كان للمنذر: وعرف المنذر لزيد موضع المنة في ذلك فقال له: يا زيد إن لك علي نعمة لا أكفرها ما عرفت حق سبد يعني صنما كان لهم. فهذا أيضاً حد عزهم بالحيرة ومبلغ١٣٥ تسلطهم على أهلها ونفوذ أمرهم فيها، وفي هذا أقوى دليل على إنهم لم يكن لهم جند سوى أهل ال؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ وليه، فكيف مشاققته في نفسي حوشي من ذلك.
وأما حد عزهم في العرب.
الذين كان في التقدير راعيا لهم أسم الملك عليهم فقد تقدم ذكر كونهم معهم على طبقات ثلاث: اللقاح، الذين كانوا يغازونهم، وأهل الهدنة الذين كانوا يعاهدونهم ويواثقونهم، وهذه ممثلة ومساواة من أهل هاتين المنزلتين للملوك هم وإياهم على حد سواء. وأما الطبقة الثالثة فهم الذين كانوا يدينون لهم فكانوا في أكثر زمانهم أيضاً يصانعون أهل هذه المنزلة استماله لهم وتقويا بهم على من سواهم حتى إن الملك كان يكون معهم
стр. 399
كالمولى عليه، وكان أقرب العرب منها دارا ربيعة وتميم.
فمن أحاديثهم معهم إن بني يربوع كانت تكثر الإغارة على أعمالهم والعبث في أطراف السواد ويفسدون فيه فلم يقدروا على كف أذيتهم حتى صانعوهم بان جعلوا لهم الردفة.
الردافة
والردافة إن يجلس رجل ألف جنب الملك ويشرب معه ويسير خلفه ويكون له كصاحب الجيش في عصرنا هذا أو نحو هذه المنزلة، فلما جعلوا الردافة لبني يربوع صارت لهم ضربة لازم عليهم لا يقدرون على عزلهم عنها ولا نقلها عنهم ألف غيرهم فكان الملك مع بني يربوع في الردافة كالمحجور عليه. روى أبو عبيدة معمر بن المثنى إن المنذر بن ماء السماء لما ملك وجه حاجب بن زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم وقدمه فسأله حاجب تحويل الردافة عن بني يربوع ألف بني دارم فقال هي لك يا أبا عركشة. قال: لا ولكن أجعلها للحارث بن عدس بن الحارث وكان شهاب الفارس حاضرا باب المنذر فلما سمع بذلك قال للمنذر:
стр. 400
إن بني يربوع لا يسلمون إليك الردافة ولا يخرجونها عن أيديهم فما تصنع بمحاربتهم؟ فقال له حاجب كذبت بنو يربوع مسلموها غير منازعي الملك فيها. فقال شهاب: إن حاجبا يغرك وقال حاجب: بيني وبينك مائة بعير يأخذها أنصحنا للملك. قال: قد فعلت. فتراهنا على ذلك وجهز المنذر أبنيه قابوس وحسان في جيش ألف بني يربوع فاقتتلوا بطخفة وهي ألف جنب ذات كهف فهزم جيش المنذر وأسر أبناه وجاءه الخبر فقال شهاب:
أنا نفير نفسيه ... نفرت حاجبا مائة
وقال حاجب: أصلح الله الملك مره إن فليخفف عني منها قال: بل يجعلها جيادا زربا. وأرسل المنذر فافتدى أبنيه من بني يربوع بالفي بعير ففي ذلك يقول جرير مفتخرا بقومه:
هم ملكوا الملوك بذات كهف ... وهم منعوا من اليمن الكلابا
فليتأمل متأمل حكم هذا الملك مع بني يربوع وهم قبيلة واحدة من قبائل تميم وحجرهم عليه في ملكه والزامهم إياه لأنفسهم ما لا يريده لنفسه ومحاربتهم له وقتلهم جنده وأسرهم أبنيه حتى يفديهما بالفدية العظيمة ليعلم إنه كان رعية لهم ولن يكون رعية له. وهذا الحديث جاء هكذا فذكرناه وغيره يدل على إن زرارة أبا حاجب عاصر المنذر بن ماء السماء وأبنه عمرو بن هند من بعده ولعل تقدم حاجب بن زرارة عند الملوك
стр. 401
كان في حياة أبيه والله أعلم.
ومن أحاديثهم أيضاً مع العرب
أن امرأ القيس الثاني غزا بكر بن وائل وكانت عادة الملوك إذا توجهوا ألف الغزو إن يذبحوا أول رجل يلقاهم سنة كانت لهم يتيمنون بها فلقي جيشه رجلا من بني أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان فأخذه الجيش وكانت العرب تعرف سنتهم تلك فقال الرجل لآخذيه: أذبح الملك أحدا؟ قالوا: لا. فخرج فأتوا به فقال له: أجرني على نفسي وأهلي ومالي وأدلك على عورة بكر بن وائل. فأجاره وكانت بكر قد سمعت بمسيره فاستعدت للقائه وجمعت له فجاء به حتى أورطهم فيهم فهزموا جيشه وغنموا أموالهم وأسروه وكان١٣٦ الذي أسره الناموس وهو سلمة بن مرة بن ذهل بن شيبان فنازعه في أمره رجل من بني أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان يقال له أبو ربيعة وأدعى أسره فاختصم فيه بنو مرة وبنو أبي ربيعة. وقال كل من الفريقين هو أسيرنا. وكان شراحيل بن مرة أخو سلمة الناموس قد جعل على نفسه إن لا يحلف على ما لم يره وكتم ذلك عن قومه فلم يطلع عليه أبوكم كعب بن عمرو بن أبي ربيعة وكان شراحيل في وقت أسر القوم للملك غائب فرضي بنو أبي ربيعة بأيمان خمسة من بني مرة إنه لاحق لهم في أسر الملك فدس الأعشى كعب بن عمرو إن اشترطوا عليه إن شراحيل أحد الخمسة فطلبوا ذلك منهم فبذلوه لهم وانتظروا قدوم شراحيل وهم لا يعلمون بما في نفسه فلما قدم أخبره قومه. قال: أفي الخمسة أنا؟ قالوا: نعم فقال لقد خبتم وخسرتم هذا عمل كعب بن عمرو فأني لم أطلع على أمري غيره ثم أتى بني أبي ربيعة فقال: يا بني أبي ربيعة أظننتم أنا لا نحلف على حقنا كذبتم لا نخليه لكم وسنحلف لكم وسنحلف عليه فصالحوه على إن أعطاهم ستين بعيرا
стр. 402
وخلص أسر الملك للناموس فقال الناموس في ذلك:
نضلت أبا ربيعة عن أسيري ... ففزت به وجمعهم شهود
إذا خطرت بنو همام حولي ... دفعت بهم عداوة من تليد
ثم إن الناموس باع امرأ القيس نفسه بفدي صالحه عليه وقدم به الحيرة ليأخذ الفداء وكان الناموس قصيرا فلما رأته نساء امرئ القيس قالت بنت له: أهذا القصير أسر أبي؟ فبلغ الناموس فقال:
أبوكم زعمت بنت امرئ القيس أنني ... قصير فقد أعيا أباها قصيرها
ورب طويل قد سلبت بنانه ... وعانقته والخيل تدمى نحورها
وقد علمت خيل امرئ القيس أنني ... اكر إذا ما الحرب شب سعيرها
ولو شهدتني يوم ألقيت كلكلي ... على شيخها لاشتد مني نكيرها
أتانا يرجي إن يؤوب بمغنم ... وقد حشدت بكر وثاب نفيرها
ومن أحاديثهم معهم أن عمرو بن هند بعث وائل بن صريم بن أسد تميم العبري ساعياً على بني تميم فأتى بني أسد بن عمرو بن تميم، وهو بطوليع، فنزل بهم لأخذها الأتاوة، فلما كان بالقربمن قليب يسقي فرسه على حوض من حياضه
стр. 403
دفعه رجل منهم، فالقاه في القليب. وأقبلوا حتى أشرفوا عليه وينادونه مرحبا بساعي الملك، ثم أمروا صبيانهم إن يشدخونه بالحجارة، فقاموا على رأس القليب يرمونه ويهزأون به ويقولون:
يا أيها الماتح دلوي دونكا ... آني رأيت الناس يحمدونكا
وبلغ عمرو بن هند ذلك فلم يستطع إن يصنع إن يصنع شيئاً حتى جمع أخوه باعث بن صريم جمعا من بني عبر، وسار ألف بني أسيد فأصاب منهم أسرى فذبحهم حتى ملأ من دمائهم دلواً ثم قال:
سائل أسيد هل ثأرت بوائل ... آم هل شفيت النفس من بلبلها
إذ أرسلوه ماتحاً لدلائهم ... فملأتها عقلاً ألف أسباها
آليت أثقف منهم ذا لحية ... أبدا فتنظر عينه في مالها
وقال المنخل في ذلك:
وقرى باعث أسيداً حروباً ... في النواحي يشب منها الضراما
جرد السيف ثائراً بأخيه ... يقتل الكهل منهم والغلاما
فملأنا حتى عراها ... برداً علق القلوب والسقاما
стр. 404
فاخذ أخوه بثأره ولم يصنع الملك شيئاً، ومما يشبه هذا الحديث ما روي إن أحد التبابعة بعث ألف قوم من اليهود يطاب منهم الإتاوة فكتبوا الامتناع:
العبد يتبعكم يريد حباكم ... ومحله بالمنزل المتدلل
آنا أناس لا يطار بأرضنا ... عض الرسول ببظر أم المرسل
ومن أحاديثهم معهم
أن المنذر بن ماء السماء كان بعد إن تزوج هند بنت الحارث بن عمرو بن حجر الكندي، وأولدها بنيه الثلاثة عمرا وقابوس والمنذر، فرأى بنت أخيها أمامة بنت فلان بن الحارث بن عمرو بن حجر فأعجبته فطلق١٣٧ هند عمتها وتزوجها وقال في هند:
كبرت وأدركها بنات أخٍ لها ... فأزلن أمتها بركض معجل
فولدت له أمامة غلاماً، فسماه عمراً أيضاً وغلب عليه أسم أمه عليه فقيل: عمرو بن أمامة، كما قيل لأخيه عمرو بن هند، فلما مات المنذر وملك أبنه عمرو بن هند قطع أخاه عمرو بن أمامة وجفاه فقال عمرو بن أمامة:
منع أبن أمك خيره ... وله الخورنق والسدير
فلامنعن منابت الضمران ... إذ منع القصور
стр. 405
بفوارس تردي كما ... تردي إلى الجيف النسور
آنا بنو العبلات نقضي ... دون شاهدنا الأمور
ولحق باليمن فأتى ملكها، فسأله إن يبعث معه قوما يقاتل بهم أخاه عمرو بن هند على نصيبه من الملك، فقال له: أختر من شئت فاختار مرادا فسرحهم معه، فلما صاروا بواد يقال له قضيب، تلاومت مراد وندموا على المسير معه، وعزموا على قتله، وكان فيهم هبيرة بن عمرو بن عبد يغوث بن العويل بن سلمة بن بداء بن عامر بن عوبثان المرادي فتمارض، فبلغ ذلك عمرا فأرسل إليه طبيباً فجعل طبيب مكاويه بالنار، ووضعها على أرضه فجعل يقول أصبت موضع الداء حتى كشح بطنه، فسمى بذلك المكشوح. وعاد الطبيب فأخبر عمرا بمرض هبيرة فصدقه، وأطمئن إلى ذلك، وبات تلك الليلة وقد أعرس بجارية من مراد، ومعه امرأة له غسانية. فلما جنهم الليل ثار به هبيرة بن عمرو في مراد، فسمعت الغسانية جلبة الخيل فقالت: يا عمرو أبيت اللعن، سال قضيب بماء أو حديد، فذهبت مثلاً. فقال لها: نامي غيري، فذهبت مثلاً. ثم هجم عليه القوم قثار إلى سيفه وهو يقول:
لقد عرفت الموت قبل ذوقه ... أن الجبان حتفه من فوقه
стр. 406
كل امرئ مقاتل بطوقه ... والثور يحمي جلده بروقه
وكان في مراد غلام أمرد أسمه جعيل بن الحارث، وكان عمرو بن أمامة قد لقيه من قبل ورآه فأعجبه، فقال لهم: نعم وصيف الملك أنت، فلما كان وقت هجوم القوم على عمرو ولقائه إياهم وهو يزجر بهذا الرجز بدره جعيل بن الحارث وهو يقول:
إني وصيف ملك تراني ... أما تراني رابط الجنان
أجبته لبيه إذ دعاني ... أفليه بالسيف إذا أستفلاني
ثم ضربه فقتل وقال رجل من مراد أسمه زنباع في ذلك، وقيل إنها لهبيرة أبن عمرو:
نحن ضربناه على بطنانه ... بالمرخ حيث أذن يرتابه
بكل عضب صارم بعضابه ... يلتهم القرن على أعترابه
ذاك وهذا السيل من شعابه ... نحن أرحنا الناس من عذابه
قلنا به قلنا به قلنا به ... فليأتنا الدهر بما أتى به
ثم عاد مراد إلى بلادها وأخذ جعيل بن حارث قاتل عمرو بن أمامه امرأته الغسانية، وأبنين يافعين كانا له معها، فأتى بهم عمرو بن هند بالحيرة فقال له: أيها الملك، قتلت عدوك وسترت عورتك وحملت إليك ولدك. فقال له: إن لك عندي جزاء، أنت له أهل ثم أمر إن تضرم له النار، وقال القوه فيها، فقال أيها الملك أني كريم فليلقني فيها كريم، فأمر أبنا له وأبن أخ إن يلقياه فيها، فلما أدنيا منها قال:
стр. 407
الخير لا يأتي به حبه ... والشر لا ينفع منه الجزع
ثم التزم الغلامين وقذف بنفسه في النار واجتذبهما معه فاحترقوا جميعاً.
ومن أحاديثهم معهم
أن عمر وبن هند مع ما كان يذكر به من السطور من بينهم حتى إن العرب كانت تسميه لهيبته مضرط الحجارة. قال لجلسائه يوماً: هل تعلمون أحداً من العرب من أهل مملكتي يأنف إن تخدم أمه أمي؟ قالوا: لا إلا أن يكون عمرو بن كلثوم بن غياث التغلبي، فإن أمه ليلى بنت مهلهل بن ربيعة. وعمها كليب بن وائل. وزوجها كلثوم بن عتاب وأبنها عمرو أبن١٣٨ كلثوم فأمسك ثم أرسل إلى عمرو بن كلثوم أن يزوره ويزور ليلى هنداً. فجاء عمرو في فرسان من بني تغلب فنزل في شاطئ الفرات، وصب طعاماً ودعا أهل مملكته وجلس في سرادقه بين خاصته، وجلس عمرو بن كلثوم، وجلست أمه هند في قبة منفردة في السرادق، وعندها ليلى بنت مهلهل، وقد كان قال لأمه إذا لم يبق لنا حاجة إلا في الطرف نحي خدمك ومري ليلى بأن تناولك شيئاً منها، فلما دعا بالطرف؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ثار التغلبيون الذين كانوا معه بمن في السرادق، فانتهبوا سلاحهم وخيولهم، وأخذوا خيل الملك وسلاحه ونجائبه وسبوا من ظفروا به من النساء ولحقوا بالجزيرة - ففي ذلك يقول عمرو بن كلثوم،
стр. 408
والحق هذه الأبيات في قصيدته، فانه كان قال القصيدة من قبل قتله وأنشده إياها على ما تقد ذكره:
بأي مشيئة عمرو بن هندٍ ... تطيع بن الوشاة وتزدرينا
تهددنا وتوعدنا رويداً ... متى كنا لامك مقتويناَ
فان قناتنا يا عمرو أعيت ... على الأعداء قبلك إن تلينا
إذا عض الثقاف بها أشمأزت ... وولته عشوزنة زيونا
عشورنة إذا انقلبت أرنت ... تدق القفا المثقف والجنينا
ويقول أفيون التغلبي وأسمه صريم بن معشر:
لعمرك ما عمرو بن هند وقد دعا ... لتخدم ليلى أمه بموفق
فقام أبن كلثوم إلى السيف مصلتاً ... فعممه من رأسه بالمخنق
وقال جابر بن حبناء:
стр. 409
وعمرو بن هند قد صقعنا جبينه ... بشنعاء تشفي سورة المتظلم
وقال الفرزدق الجرير:
ما ضر تغلب وائل أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحران
قوم هم قتلوا أبن هندٍ عنوة ... عمراً وهم قسطوا على النعمان
قتلوا الصنائع والملوك وأوقدوا ... نارين قد علتا على النيران
فلم يكن لهذا الملك من مواليه وحشمه وجلسائه وجنده وخدمه المحيطين بن المحدقين بسرادقه من يدفع عنه رجلا واحداً؟ ويكف يده أو يعاجله حين قتله فيقتله به أو يمنعه ويمنع الفرسان الذين معه من النهب والسبي بعد القتل؟ ومن صور في نفس الحال هذا الملك علم بحقيقتها.
ومن أحاديثهم معهم أن يزيد بن عمرو بن حنيف بن ثعلبه بن سعد بن ضبيعة البكري قتل حسان بن المنذر، وهو أبن هِرّ وهي أمه وذلك يوم شاحب وهو واد باليمامه ففي ذلك يقول الأعشى:
ومنا أبن عمرو يوم أسفل شاحب ... يزيد والفت خيله غمرانها
سما لابن هِرّ العجاج بطعنة ... تسيل تسيل على حيزومه نعرانها
стр. 410
ومن أحاديثهم معهم
أن ضمرة بن جابر بن قطن بن نشهل بن دارم كان كثير الإغارة على مملكة النعمان بن المنذر، وكان النعمان يطلبه فأعياه وأعجزه، فلم يجد في أمره حيلة إلا إن أرغبه وأمنه فأتاه وكان ضمره دميماً، فلما دخل على النعمان قال: لئن تسمع بالمعيدي خير من إن تراه. فقال ضمرة إن المرء باصغريه قلبه ولسانه إن قاتل قاتل بجنان، وإن نطق نطق ببيان. قال صدقت لله درك فهل لك علم بالأمور؟ قال: نعم. أني لابرم منها المسحول، وأنفض منها المجدول، وأجيلها حتى تجول ثم أنظر إلى ما تؤول، وليس للأمور بصاحب من لم ينظر في العواقب. قال فما السواة السوآء والدياء العياء؟ قال: أما السواة السوآء فالحيلة السحابة السليطة السبابه الخفيفة الوثابة التي تعجب من غير عجب١٣٩ وتغضب من غير غضب، الظاهر عيبها، المخوف عينها، فبعلها لا ينعم باله، ولا يحسن حاله، ولا يثري ماله، إن كان مكثرا لم ترض بماله، وإن كان مقلاً عيرته باقلاله، فاراح الله منها بعالها، ولا متع بها أهلها وكفاهم جهلها ولا جمع شملها. وما الداء العياء الذي ليس له دواء: فجار السوء الذي إن كان فوقك قهرك وحقرك، وإن كان دونك همزك ومكرك، وإن سألته منعك، وإن أعطيته كفرك، وإن ائتمنته خانك، وإن حدثته شانك، وإن غبت عنه سبعك وإن حضرته بهتك، فإذا وجدت كذلك جارك فخل له دارك، وعجل من فرارك وأبعد عنه جوارك، وإن كنت ضنيناً بالدار، فكن كالكلب الهرار عش ما عشت بذل وصغار. فقال النعمان: صدقت والله أبوك فما الفقر الحاضر والعجز الظاهر؟ قال: أما الفقر
стр. 411
الحاضر فالمرء لا تشبع نفسه، وإن كان من ذهب جلبه فطوقه طامع وقلبه جامع، وأما العجز الظاهر: فالشباب القليل الحيله اللزوم الحيله يحوم حولها ويطيع قولها، إن سخطت ترضاها وان رضيت تفداها فلا كان مثل هذا الأحياء ولا ولدت له مثله النساء. فقال النعمان يا ضمرة صف لي النساء فما رأيت رجلا أوصف منك فقال ضمرة:
متى تلق بنت الشعر قد نض ثديها ... كلؤلؤة الغواص يهتز جيدها
تجد لذة منها لخفة روحها ... وعزتها والحسن بعد يزيدها
وإن تلق يوما بنت عشرين حجة ... فتلك التي تلهو بها وتريدها
وبنت الثلاثين الشفاء حديثها ... هي العيش لم ينقض ولم يذو عدوها
وإن تلق بنت الأربعين فغبطة ... وخير النساء ودّها ووليدها
وصاحبة الخمسين فيها بقية ... من الباه واللذات صلب عمودها
وصاحبة الستين قد رق جلدها ... وفيها متاع والحريص يريدها
стр. 412
وإن تلق يوما بنت السبعين حجة ... هدبا فتلكم خزية يستعيدها
وبنت الثمانين التي قد تجردت ... من الكبر المحني وبان وريدها
وصاحبة التسعين يرعش رأسها ... وبالليل مكباب قليل هجودها
ومن تطلع الأخرى فقد ضل عقلها ... وتحسب إن الناس طراً عبيدها
فاستعقله وأستحسن كلامه وفصاحته، ثم صالحه على عدة كثيرة من الإبل يؤديها إليه على إن يكف عن أذيته والإغارة عليه.
ومن أحاديثهم معهم إن عمرو بن هند غزا الرباب يوم وجرة على ماء لها يعرف بالجفرين ومعه أخوه المنذر الأصغر، فقاتلوه فقتلوا رجالا من أشراف أصحابه، وهزموه ففي ذلك يقول ذو الرمة:
قتلنا على الجفرين آل محرق ... ولاقى أبو قابوس منا ومنذر
ومن أحاديثهم معهم إن النعمان غزا بجيشه بني عمرو بن تميم وهم بالحيرة فاغار عليهم فطرد
стр. 413
أبلهم فتبعوه وأمهلوه حتى أتعب ثم لحقوه فهزموه وقتلوا عسكره، وغنموا ما فيه ففي ذلك يقول أرقم بن مطرود رجل منهم:
نحن سقينا بالنجير النعمان ... كأساً من الشربان والذيفان
ويقول رجل منهم: ونحن على النجيرة قد صببنا على النعمان مرداة طحونا ومن أحاديثهم معهم:
أن النعمان أيضاً جمع كتائبه فجهزها إلى بني عامر وبعث على العسكر أخاه لامه وبرة بن رمانس الكلبي، وأستنجد أيضاً بقبائل من معد فضمها إليهم، وكأن فيمن أستنجده ضرار بن عمرو والرديم الكلبي وحبيش بن الدلف الضبي أحد بني السيد، وكان ضرار يومئذ شيخا كبيرا، وكان معه بنون تسعة كلهم قد شهد الحرب، فاقبل وبرة بن رومانس بهذا الجموع بعد تفرق الناس من عكاظ يريد بني عامر، وكانوا قد أنذروا به فأستعدوا للقائه فلما التقوا حمل يزيد بن عمرو الصعق، وكان قصيرا على وبرة بن رومانس وكان جسيما فاعتنقه فأخذه، وحمل عامر بن مالك ملاعب الآسنة على ضرار١٤٠ بن عمرو الضبي فطعنه وعليه درعان فسقط عن فرسه فلحق به بنوه حتى ركب، ثم فعل به ذلك ثانية وثالثة حتى طعنه طعنات يسقط بكل طعنه منها عن فرسه ثم يمنعه بنوه حتى يركب، ثم ناداه بعد ذلك: ويلك أحلني على رجل كريم فو الله لئن لم تفعل لأموتن أو لتموتن، فاستوثق منه، وأشار إلى الجيش لبن الدلف. فحمل عليه فأخذه عن فرسه أخذاً فلما كشف عن وجهه ازدراه، وكان حبيش أسود ذميما، فقال عامر:
стр. 414
اغدرا غدرا في السوء يظن إن ضرار كذبه فخاف حبيش إن يزدريه فيقتله، فقال له: إن كنت تريد اللبن فقد أصبت لبنا كثيرا، فأوثقه حتى أفتدى نفسه منه أربعمائة بعير. وفضحت بنو عامر وهم حي واحد عسكر النعمان وكتائبه ومن أستنجد به أيضاً عليهم وعاد ضرار بفل الجيش النعمان فاخبره بالأمر فقال: وكيف سلمت من سبع طعنات تسقط بكل واحدة منها إلى الأرض؟ فقال خلصني أجلي وإكراهي نفسي على المق الطوال يعني أمهات بنيه، ومكث نحو النعمان أسيرا في يد زيد بن الصعق حتى أفتدى نفسه منه بألفي ناقة صفراً وقينتين. وقدم به ليأخذ الفداء، فلما رآه النعمان قال له: كيف أسرت هذا؟ قال غاب قومه وحضر قومي.
وفي رواية أخرى عن ولد يزيد بن الصعق قال: دخلت مع أبي على الملك وهو في سرداقه بالحزن وذكر في هذه الرواية المنذر ولم يذكر النعمان قال: وهو يتغدى من إلية بين يديه وعسل، فجعل يقطع بتلل السكين من تلك الإلية ويلوثه بالعسل ويطعمني، ثم قال لأخيه: كيف أسرك هذا؟ فاستحى فأمسك. فقال: أني أبيت اللعن شهد قومي وغاب قومه. فقال الملك: أحسنت يا زيد، وما هو بأول حسن جئت به. والروايات مختلفة وفي ذلك يقول زيد بن الصعق:
ونحن غداة القريتين تواهنت ... خناذيذ معجر الغبار ضوائعا
تركنا أخا النعمان يرسف عاتباً ... وجدعن أخيار الملوك الصنائعا
стр. 415
بكل سنان في القناة تخاله ... شهاباً بدا في ظلمة الليل ساطعا
فحكمنا حبيشاً حين أرجف نجدة ... يعالج مأسوراً عليه الجوامعا
ولما هلك يزيد رثاه طفيل الغنوي فقال:
إذا أنتم أبتم قبلنا ... إلى الحي فانعوا أبا العايس
يزيد بن عمرو لإخوانه ... وللضيف يطرق والبائس
وللخيل يرجعها شزباً ... تهادى صدور قنا يابس
أباح الحماس وديانها ... وأفنى القبائل من ناهس
وأفرد سجنه من جابرٍ ... وجاء بواحد رومانس
فلم يكن للنعمان قدرة يشفي بها غيظة من بني عامر إلا بوجه كان تركه أحسن من فعاله أصابوا أسرى من بني جعفر بن كلاب يوم الغبيط فأرسل تجاره الذين كانوا يحملون له الأمتعة إلى سوق عكاظ، فابتاعوا له أسرى من بني يربوع بعكاظ فحبسهم عنده. وبلغ ذلك بني جعفر، فدخلوا عليه ووفد عليه عوف بن الاحوص ولبيد بن ربيعة في رجال من بني جعفر فدخلوا علي وهو على شرابه، فقال: ما الذي جرأكم علي حتى تأتوني بعد إن نلتم مني ما نلتم، فقال له
стр. 416
لبيد: الثقة بحلمك أيها الملك. فاقسم باغلظ قسم كان يقسم به لا قمت من مجلسي، ولا شربت كأسي ولا بلت في مثانتي، حتى تعطوني رضاي أو أضرب أعناقكم! فلما رأوا ذلك، قال لبيد: يا عوف، أما إن تكفينه وأكفيك من حوله، أو أكفيكه وتكفينهم؟ فقال عوف: يا لبيد إنهم يهابون شعرك، فاكفينهم حتى أكمله. فقام لبيد فأستكشف أصحاب النعمان وجلساءه. فقالوا: ما كنا لنعين عليكم مع علمنا بشرفكم - وقام عوف فأخذ بيد أبنين له، فقال: أبيت اللعن هذان أبناي بما تطلب منا. فشرب كأسه، ثم أخذت الخمرة منه، فصفح عنهم ثم قال لعوف: يا عوف، آينا اليوم أعظم منة من الآخر أنا أم أنت؟ فقال: بل أنت أبيت اللعن. فقال١٤١ لا بل أنت يا عوف لأنك أخرجتني من قسمي: ولولا ذلك لكنت بين أحد أمرين: أما إن أحنث فأكون أكذب العرب، أو إن أتم على قولي فاقدم على قتل قوم ليسوا من أهل مملكتي، وقد جاءوني وفداً مستسلمين. فلست أدري من أي أحوال لنعمان أعجب: من عجزه عن بلوغ غزه وأدرك ثأره منهم، وهو ملك العرب وهم قبيلة واحدة أم من ابتياعه أسراهم بماله وأخذهم إياهم من القد والقيود ليقتلهم، وهذا أقبح من الأول؟! ثم إنه لو تمم على قتلهم بعد إن صاروا بيده، أي ثأر كان يدرك لذلك أم أي غيظ كان يشفى به؟ وهل بسط اليد بالقتل وغيره إلى أسير موثق بالقيد إلا كبسطها إلى الميت؟! وهل هذا مما يدرك به ثأرا، وينفي به عارا، ويشفى به غيظ النفوس الأبية، أو يعد به من أفعال ذوي الأنوف الحمية أم من قسمه بأنه لأبال في مثانيه حتى يكون كذا؟ وهل يسمع من أرذال الناس وأوباشهم بمثل هذا القسم الغريب الفاحش العجيب؟ فكيف من ملك يلبس التاج ويجلس على السرير، ويقال له أبيت اللعن؟ وهل يجوز للعقلاء من السوق إن يتلفظوا على رؤوس الناس بمثل
стр. 417
هذا القسم؟ فكيف لملوكهم؟ وهل سمع للسفهاء يمين أعجب أو أفحش من هذا اليمين! فكيف للملوك الذين هم أهل لرجاحة الأعلام وتهذيب الكلام.
ويقضي ذكر ذلك من فعل النعمان ببني عامر إن نذكر ما يضادده من فعل الملك، ملك العرب سيف الدولة بهذه القبيلة بعينها في عصره فإن عسكر السلطان السعيد ملك شاه بن الب أرسلان ﵁، وهو الذي دانت له العرب والعجم، ظهرت على بني عقيل ومن معها من قبائل بن عامر بظاهر آمد، في سنة ثمان وتسعين وأربعمائة وإنهزام شرف الدولة مسلم وأسر قريش بن بدران بن كثير المسيب ﵀، وأسر من أشرافهم وأعيانهم جلق كثير وعدد جم فيهم جماعة كثيرة من آل المسيب، فاشتراهم سيف الدولة بكل ما كان في خزائنه، ثم كثروا عليه فاشترى بآنيه وحيلة مراكبه، ثم كثروا فاشترى بالكراع والسلاح، ثم كثروا فاقترض من أصحابه وحشده وحاشيته، ومن أمراء الترك وغيرهم، وكساهم وحملهم وردهم وسيرهم حتى الحقهم بقومهم. وسمعت من تحدث إن الترك كانوا يعنفون بأسراهم بالوثائق والضرب ويجنبوهم على الخيل، ويقولون لهم اشتروا أنفسكم فلا يعرفون حيلة إلا إن يقولوا لهم أمضوا بنا الأول معسكر سيف الدولة بن مزيد ليشترينا، فيجلبوهم إلى كما تجلب الأنعام فيشتريهم ويطلقهم إقتداء في ذلك بقول أبيه وجده في اصطناعهم الأمتان عليهم حتى عاتبه أرتق أمير الترك في ذلك، وطلب منه إن يسلمهم إلى فأبى، فهم بمشاغبه وأوعده الركوب إلى وأخذهم قهرا منه، وضايقه أشد المضايقة، وهو مقيم على الامتناع فلامه بعض أصحابه في ذلك وذكر له كثرة عدد من معه وإن ذلك يؤدي الأول سخط السلطان ملك شاه مع طول يده وطاعة العالم له،
стр. 418
فقال والله لا أسلمهم أبدا وإن ركب ألي لقيته وحدي، ثم كفاه الله مئونته. وسمعت مرشد بن أبي شتكين بعض حجابه يحكي: إن شرف الدولة مسلم بن قريش ﵀ أتاه بعد ذلك زائرا، وقصده شاكرا، فنزل بباب سرداقه فنادى الحاجب والحاشية الأول هاهنا ليدخل راكبا، فقال بل من هاهنا. فنزل بباب السرداق ونهض سيف الدولة فتلقاه وجلسا فأفاض شرف الدولة في شكره وشكر أبيه وجده وأعترف بصنائعه وصنائعها، فكان من جمل ما قاله له: إن نور الدولة وبهاء الدولة رحمهما الله كانا لنا عدة في كل عظيمة، وأنت الذي أزيدت، وكنت قد نظمت قصيدة في مديحه وذكرت فيها سيرته، فذكرت ذلك في أبيات منها وهي:
بأمد وبميافارقن له ... وقائع دونت من قبل في الكتب
كانت وقائع تتلوها صنائع لم ... تفسد بمن ولم تخلط ولم تشب
حنا على عامر منا برأفة ميمون ... النقيبة بر واصل حدب
فك العناة وأنسى في الهبات ولم ... تقطع أرحام سوابك ولم تخب١٤٢
ايتاش أسراهم من أرتق وهم ... في دين ذي سوس بالتاج متعصب
صنيع آبائه فيهم وعدتهم ... منهم على سالف الأيام والحقب
فلما عاد الأول بلاده أراد المسير الأول باب السلطان السعيد ملك شاه ﵁ فنهاه والده ﵁ وقال له: يا بني إن الذي فعلته من أبتاعيك أسرى العرب واصطناعهم قد انتهى الأول السلطان بغير شك، ولست آمن عليك، فأقم في حلتك وعشيرتك لأمضي أنا. فقال له إن أرخصي بنفسي وتعذيري بها في حفظك وتجشمي المشقة في دعتك والتعب في راحتك والبذلة في صونك وأجمامك أحب ألي من المقام مع ضد ذلك،
стр. 419
وقصد باب السلطان فقضى الله حوائجه وكفاه ما حذره، فهل في قصته الإنصاف إن يقاس ملك أشترى أسرى قبيلة ليربطهم ويوثقهم بمن اشتراهم ليمن عليهم ويطلقهم. ويسوي بين ما ابتاعهم ليشفي غيظه منهم ويوثقهم بمن ابتاعهم ليعتقهم، وهل يماثل بمن أراد ما أراد بهم من الفدية أو القتل بمن أطلق عناتهم والاسارى فشكر له ذلك أطفالهم والعذارى:
بمن معد يفديه بأنفسها ... طراً وتحسدها علياء اليمن
إذا أساء بهم دهر كعادته ... عفى إساءته إحسانه الحسن
يواصل كل علاءٍ خفي زمناً ... وكل مكرمةٍ مهجورةٍ قمن
ما البحر إذا جاش عرباه وهاج له ... موج يرصص في أثنائه السفن
فخلت فيه جبال الرمل بادية ... تنأى بها الريح أطواراً وتقترن
تلاحقت سيب كفيه إذ أنشأت ... منها سحائب جودٍ وبلها هتن
وأرتاح للمجد واهتزت شمائله ... له كما أهتز في إفنائه الغصن
لا يعتريه وراء البذل مندمة ... ولا على عرضه من فعله درن
إذ الحباحلها طيش الحلوم غدا ... كأنما قد رسا في دسته حصن
ومن أحاديثهم معهم إليه المنذر الأربعين لما نزل بالحارث بن حصن بن ضمضم بن عدي بن جناب الكلبي، ووهب له سلمى بنت الصائغ اليهودي أم أبنه النعمان بن المنذر على الوجه الذي تقدم ذكره، ورحل بها عنه أغار عليه في طريقه ضرار بن الرديم الضبي وأسم الرديم ضرار بن مالك بن زيد بن كعب بن
стр. 420
بجالة بن ذهل بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة بن ود بن طابخة بن الياس بن مضر في جيش عظيم فأخذها منه وأخذ كل ما كان معه، فانهزم المنذر وعاد الدولة الحارث بن حصن فشكا ألي ضراراً، وكان الحارث صديقا لضرار فأساله فيها فردها عليه، فلما ردها عليه قال المنذر للحارث: علق على الفرس لجامها، فوهب له إحدى أختيها اللتين كانتا عنده فرحل بهما جميعا.
ومن حديثهم معهم إليه هبيرة بن عامر بن سلمة بن الحر بن قشير أغار على النعمان وهو بسفوان، ماء بالقرب من البصرة فاكتسح أمواله وأخذ امرأته المتجرده ونساء من أهل بيته، وهرب النعمان، فلحق بالحيرة فلجأ إليها، ففي ذلك يقول النابغة الجعدي:
وظل لنسوة النعمان منا ... على سفوان يوم أرونان
فأرفد حليلته وجئنا ... بما قد كان جمع من هجان
فأي مذلة أعظم من هذه! يدخل على السوقة فكيف الملوك! وأمثال هذا من أحاديثهم مع العرب كثيرة إذا تتبع وجمع ضاع المعنى المقصود فيه، وبعد الالتفات الدولة الغرض معه.
الحارث بن ظالم المري
ولو لم يستدل على ضعف أمرهم الإلية بما نال النعمان من الحارث بن ظالم
стр. 421
المري من الضيم لكان في ذلك مقنع، فإنه قتل جاره ونهب ماله، وقتل أبن أخيه شرحبيل بن الأسود بن المنذر، وقد قيل بل هو أبنه. وكان قتله إياه بمرأى منه ثم فاته بعد ذلك كله بثأره فلم يظفر به وحديثه مشهور، وذلك إن خالد بن جعفر بن كلاب لما قتل زهير بن جذيمة العبسي لجأ الدولة النعمان فنزل عليه بالحيرة خوفا من بني عبس وتباعداً من شرهم. فقالت بنو عبس كيف نصنع بخالد وقد بعد مرامه علينا. فقال الحارث بن ظالم وكان فاتكاً مارداً: يا قوم عليكم بحرابكم فاصلوها وإن أكفيكم خالداً. فركب راحلته وجنب فرسه، وخرج حتى أتى الحية كالوافد الدولة النعمان. فنزل على النعمان في قبة بناها له فاجتمع هو وخالد يوما عند النعمان بالحيرة وبين يديه نطع عليها تمر فأكلا معه ثم١٣٤ إنه أدنى مجلس الحارث، فقال له خالد: أيها الملك من هذا الذي أدنيت مجلسه؟ فقال: هذا أبن عمك الحارث بن ظالم فارس العرب. فقال خالد إن لي عنده يدا لم يشكرها لي. فقال: الحارث وما يدك عندي يا خالد؟ قال: قتلت٠٠٠ قومك زهير بن جذيمة فطمعت بأن تسودهم بعده ولي٠٠٠ بذلك في حبوته. فقال الحارث: أني أشكرك أي أعطيك على ذلك يا خالد، وغضب حتى أرعد فجعل إذا أخذ تمرة سقطت من يده. فظن خالد إن الحارث ينتقي التمر فقال له أيتهن تريد لأناولكها؟ فقال له الحارث أيتهن تريد لاتركها لك؟ قيل وجعل يدس نوى ما يأكله من التمر تحت النطع الدولة ما يلي الحارث، فلما رفع النطع قال للملك: أبيت اللعن الإلية ترى ما أنوى الحارث لقد أكل وحده مثلما أكلنا جميعاً. فقال الحارث لكن أكلك التمر بنواه أعظم بطنك. فقال خالد: بل أعظمها دماء
стр. 422
قومك. فنهض الحارث يجر رداءه، فقال الملك لخالد: ما الذي أردت بكلام هذا الكلب، وأبيك لقد هجت على نفسك منه شرا. فقال: أبيت اللعن، لو كنت نائما ما جسر هذا إن يوقظني، فنمت هذه الكلمة أيضاً الدولة الحارث، فلما كان الليل أراد الملك إن يشغل الحارث عن خالد، فأرسل ألي جارية معها باطية من خمر وقال لها: قولي له الملك أحب كرامتك بإرسالي إليك بشراب من شرابه وأمرني إن لا أبرح حتى تشربه. فأخذه وأراها إنه يشربه ويصبه بين نحره وثوبه فانصرفت وقام الدولة رحل ناقته فجعل يكدمه حتى كسر شيئا منه فجعل يلوكه وعنده رفيق له أسمه خراش من بني محارب بن حفصة بن قيس بن عيلان بن مضر فقال له خراش: أني أراك تهم بأمر فيه هلاكك فقال له: ناشدتك الله والرحم الإلية توجهت حيث شئت وتركتني فذهب عنه وتركه. فركب الحارث فرسه ولبس سلاحه وأخذ بزمام ناقته حتى أبعد ثم أناخها على سمت طريقه وعقالها وعاد الدولة الحيرة وقد عرف منزل خالد في قبة كان ضربها عليه الملك فهجم على القبة فهتك أشراجها بالسيف ودخل فوجد خالدا نائما وأبن أخيه عروة الرحال بن عتبة بن جعفر مستيقظا فقال عروة: من أنت؟ قال أنا الحارث لئن نطقت لأعممتك به فسكت. ووكز الحارث خالدا برجله فأيقضه. وإنما فعل ذلك لما بلغه من قوله لو كنت نائما ما جسر ويمقظني. فلما استوى جالسا ضربه فقتله وخرج فركب فرسه وطار ونادى عروة وأ جوار الملك!! الإلية إن الحارث قتل خالدا فخرجت الخيل تطلبه ففاتهم فعادوا وقيل بل أدركوه فهابوا إن يقدموا عليه فعادوا فذكروا للملك إنه فاتهم.
стр. 423
ولحق الحارث بأرض ربيعة فاستجار ببني عجل ثم لحق بالجبلين فاستجار بطيء وسأل الملك عن أمر يغيظة به فدل على جيران له من بلي فأرسله إلى فاستاق أموالهم وقتل رجلا منهم وبلغ الحارث ذلك فجاء الدولة جيرانه فاستيقن أمرهم وما أخذ منهم ثم خرج مستخفيا نحو الحيرة ومعه نسوة من جيرانه قد عرفن موضع إلا فلما دنا منها سمعت امرأة منهن ناقة لها تحن وهي تحلب فعرفته وكانت تسميها اللفاع فقالت: هذا والله حنين ناقتي اللفاع فقال الحارث:
إذا سمعت حنة اللفاح ... فادعي أبا ليلى فلن تراعي
ذلك راعيك فنعم الراعي
ثم شد على الرعاء وهو يقول:
أنا أبو ليلى وسيفي المعلوب ... كم قد أغثت من حزين مكروب
فحبق البائن فقال الحارث: أست البائن أعلم. وأنهزم الرعاء وجمع أموال جيرانه وساق معها ما ساق من أبل النعمان حتى أخذ لقحة كانت لصبوح النعمان فناداه الراعي: هذه لقحة لصبوح الملك فألاح عليه بالسيف فذهب وسار مع جارته حتى أوصلهن مأمنهن ثم لحق ببلاد قومه من بني ذبيان. وكان الأسود بن المنذر قد جعل عند سنان بن أبي الحارثة أبنا له أسمه شرحبيل. وكانت تحت سنان امرأتان سلمى بنت ظالم أخت الحارث،
стр. 424
وسلمى بنت ربيعة من بني غنم بن دودان بن أسد بن خُزَيمة. وكانت إحداهما تلي رضاع شرحبيل وتريتهفأتى الحارث سناناً فلقيه خارجاً يرد الحيرة٤٤ فسأله أن يعيره سرجاً، فقال: إن لي عند أهلي سرجاً فأتخم فخذه، فقال: بآية ماذا؟ فقال له قولاً تعرفه المرأة، فجاءها يطلب الصبي منها، فقالت: ما تصنع به؟ قال: أتشفع به إلى الملك، فقالت: وأي شفاعة عند هذا الطفل؟! ٠٠٠أن آتي به أباه فقالت: إني أخاف لائمة بعلي، فقال: إني قد لقيته وطلبته منه، وقد بعثني إليك بآية كذا فزينته ورجلته ودفعته إليه. فأخذه فأتى به الحيرة، وقد سبقه سنان إليه فأتى بعض أصحاب النعمان فلما رأوه معه ظنوا إ أنه إنما جاء به مستشفعاً، فقالوا: مرحباً بك يا حارث وبمن جئت به، وظن سنان به شراً، وعلم إنه أحتال عليه فجعل يدنو منه ليمسك عنان فرسه والحارث يتأخر عنه ثم قال: أتعرفون هذا. فقالوا نعم فضربه فقتله، وطار فلم يقدروا عليه.
وفي رواية أخرى إنه أتى بالصبي حتى وقف بإزاء النعمان، وهو في مجلس له في ظهر الحيرة، فلما رأى النعمان الصبي معه خاف عليه فأراد أن يخادعه فقال: مرحباً بالحامل المحمول، فجزره بالسيف والنعمان يراه وذهب فلم يقدروا عليه.
وفي رواية أخرى أن الصبي كان مسترضعاً عند عمرو بن الخمس التغلبي وكانت عند أبن الخمس امرأة من بني أسد أسمها سلمى بنت ربيعة وقيل بنت كثير بن ربيعة من بني غنم بن دودان، فاحتال الحارث عليه وعليها
стр. 425
بالحيلة التي تقدم ذكرها حتى أخذ الصبي فقتله، فخاف أبن الخمس النعمان فهرب بأهله إلى الشام إلى ملوك غسان فنزل على ملك منهم يقال له النعمان. وقيل إن شرحبيل الذي قتله الحارث هو أبن النعمان لا أبن أخيه الأسود على ما تقدم ذكره، وإن الحارث قبل إن يقتل شرحبيل كان قد أغتال أبنا للأسود في متصيد له بظاهر الحيرة فقتله وقال:
ألا أبلغ النعمان عني رسالة ... وكيف تخطاك الخطوب العظائمُ
أخُصي حمارٍ بات يكدم لحمه ... أتؤكل جاراتي وجارُكَ نائم
ظننت أبا قابوس أنك فائتي ... ولماتذق ثُكلاً وأنفك راغمُ
ومنيت في الخلوات نفسك خاليا ... أحاديث طسمٍ إنما أنت حلمُ
فإن تك أذواداً أخذت فإنني ... تركت أبن سلمى رأسه متفاقمُ
علوتُ بذي الحيات مفرق رأسه ... وكان سلاحي تجتويه الجماجمُ
فتكت به يوماً كفتكي بخالدٍ ... ولا يركب المكروه إلا الأكارمُ
بدأتُ بفتك ثم عدت بمثله ... وثالثةٍ تبيض منها المقادمُ
فذكر الكميت بن زيد الأسدي ذلك في افتخاره بنزار على اليمن
следующие страницы →