Полный текст (499 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
المري من الضيم لكان في ذلك مقنع، فإنه قتل جاره ونهب ماله، وقتل أبن أخيه شرحبيل بن الأسود بن المنذر، وقد قيل بل هو أبنه. وكان قتله إياه بمرأى منه ثم فاته بعد ذلك كله بثأره فلم يظفر به وحديثه مشهور، وذلك إن خالد بن جعفر بن كلاب لما قتل زهير بن جذيمة العبسي لجأ الدولة النعمان فنزل عليه بالحيرة خوفا من بني عبس وتباعداً من شرهم. فقالت بنو عبس كيف نصنع بخالد وقد بعد مرامه علينا. فقال الحارث بن ظالم وكان فاتكاً مارداً: يا قوم عليكم بحرابكم فاصلوها وإن أكفيكم خالداً. فركب راحلته وجنب فرسه، وخرج حتى أتى الحية كالوافد الدولة النعمان. فنزل على النعمان في قبة بناها له فاجتمع هو وخالد يوما عند النعمان بالحيرة وبين يديه نطع عليها تمر فأكلا معه ثم١٣٤ إنه أدنى مجلس الحارث، فقال له خالد: أيها الملك من هذا الذي أدنيت مجلسه؟ فقال: هذا أبن عمك الحارث بن ظالم فارس العرب. فقال خالد إن لي عنده يدا لم يشكرها لي. فقال: الحارث وما يدك عندي يا خالد؟ قال: قتلت٠٠٠ قومك زهير بن جذيمة فطمعت بأن تسودهم بعده ولي٠٠٠ بذلك في حبوته. فقال الحارث: أني أشكرك أي أعطيك على ذلك يا خالد، وغضب حتى أرعد فجعل إذا أخذ تمرة سقطت من يده. فظن خالد إن الحارث ينتقي التمر فقال له أيتهن تريد لأناولكها؟ فقال له الحارث أيتهن تريد لاتركها لك؟ قيل وجعل يدس نوى ما يأكله من التمر تحت النطع الدولة ما يلي الحارث، فلما رفع النطع قال للملك: أبيت اللعن الإلية ترى ما أنوى الحارث لقد أكل وحده مثلما أكلنا جميعاً. فقال الحارث لكن أكلك التمر بنواه أعظم بطنك. فقال خالد: بل أعظمها دماء
стр. 422
قومك. فنهض الحارث يجر رداءه، فقال الملك لخالد: ما الذي أردت بكلام هذا الكلب، وأبيك لقد هجت على نفسك منه شرا. فقال: أبيت اللعن، لو كنت نائما ما جسر هذا إن يوقظني، فنمت هذه الكلمة أيضاً الدولة الحارث، فلما كان الليل أراد الملك إن يشغل الحارث عن خالد، فأرسل ألي جارية معها باطية من خمر وقال لها: قولي له الملك أحب كرامتك بإرسالي إليك بشراب من شرابه وأمرني إن لا أبرح حتى تشربه. فأخذه وأراها إنه يشربه ويصبه بين نحره وثوبه فانصرفت وقام الدولة رحل ناقته فجعل يكدمه حتى كسر شيئا منه فجعل يلوكه وعنده رفيق له أسمه خراش من بني محارب بن حفصة بن قيس بن عيلان بن مضر فقال له خراش: أني أراك تهم بأمر فيه هلاكك فقال له: ناشدتك الله والرحم الإلية توجهت حيث شئت وتركتني فذهب عنه وتركه. فركب الحارث فرسه ولبس سلاحه وأخذ بزمام ناقته حتى أبعد ثم أناخها على سمت طريقه وعقالها وعاد الدولة الحيرة وقد عرف منزل خالد في قبة كان ضربها عليه الملك فهجم على القبة فهتك أشراجها بالسيف ودخل فوجد خالدا نائما وأبن أخيه عروة الرحال بن عتبة بن جعفر مستيقظا فقال عروة: من أنت؟ قال أنا الحارث لئن نطقت لأعممتك به فسكت. ووكز الحارث خالدا برجله فأيقضه. وإنما فعل ذلك لما بلغه من قوله لو كنت نائما ما جسر ويمقظني. فلما استوى جالسا ضربه فقتله وخرج فركب فرسه وطار ونادى عروة وأ جوار الملك!! الإلية إن الحارث قتل خالدا فخرجت الخيل تطلبه ففاتهم فعادوا وقيل بل أدركوه فهابوا إن يقدموا عليه فعادوا فذكروا للملك إنه فاتهم.
стр. 423
ولحق الحارث بأرض ربيعة فاستجار ببني عجل ثم لحق بالجبلين فاستجار بطيء وسأل الملك عن أمر يغيظة به فدل على جيران له من بلي فأرسله إلى فاستاق أموالهم وقتل رجلا منهم وبلغ الحارث ذلك فجاء الدولة جيرانه فاستيقن أمرهم وما أخذ منهم ثم خرج مستخفيا نحو الحيرة ومعه نسوة من جيرانه قد عرفن موضع إلا فلما دنا منها سمعت امرأة منهن ناقة لها تحن وهي تحلب فعرفته وكانت تسميها اللفاع فقالت: هذا والله حنين ناقتي اللفاع فقال الحارث:
إذا سمعت حنة اللفاح ... فادعي أبا ليلى فلن تراعي
ذلك راعيك فنعم الراعي
ثم شد على الرعاء وهو يقول:
أنا أبو ليلى وسيفي المعلوب ... كم قد أغثت من حزين مكروب
فحبق البائن فقال الحارث: أست البائن أعلم. وأنهزم الرعاء وجمع أموال جيرانه وساق معها ما ساق من أبل النعمان حتى أخذ لقحة كانت لصبوح النعمان فناداه الراعي: هذه لقحة لصبوح الملك فألاح عليه بالسيف فذهب وسار مع جارته حتى أوصلهن مأمنهن ثم لحق ببلاد قومه من بني ذبيان. وكان الأسود بن المنذر قد جعل عند سنان بن أبي الحارثة أبنا له أسمه شرحبيل. وكانت تحت سنان امرأتان سلمى بنت ظالم أخت الحارث،
стр. 424
وسلمى بنت ربيعة من بني غنم بن دودان بن أسد بن خُزَيمة. وكانت إحداهما تلي رضاع شرحبيل وتريتهفأتى الحارث سناناً فلقيه خارجاً يرد الحيرة٤٤ فسأله أن يعيره سرجاً، فقال: إن لي عند أهلي سرجاً فأتخم فخذه، فقال: بآية ماذا؟ فقال له قولاً تعرفه المرأة، فجاءها يطلب الصبي منها، فقالت: ما تصنع به؟ قال: أتشفع به إلى الملك، فقالت: وأي شفاعة عند هذا الطفل؟! ٠٠٠أن آتي به أباه فقالت: إني أخاف لائمة بعلي، فقال: إني قد لقيته وطلبته منه، وقد بعثني إليك بآية كذا فزينته ورجلته ودفعته إليه. فأخذه فأتى به الحيرة، وقد سبقه سنان إليه فأتى بعض أصحاب النعمان فلما رأوه معه ظنوا إ أنه إنما جاء به مستشفعاً، فقالوا: مرحباً بك يا حارث وبمن جئت به، وظن سنان به شراً، وعلم إنه أحتال عليه فجعل يدنو منه ليمسك عنان فرسه والحارث يتأخر عنه ثم قال: أتعرفون هذا. فقالوا نعم فضربه فقتله، وطار فلم يقدروا عليه.
وفي رواية أخرى إنه أتى بالصبي حتى وقف بإزاء النعمان، وهو في مجلس له في ظهر الحيرة، فلما رأى النعمان الصبي معه خاف عليه فأراد أن يخادعه فقال: مرحباً بالحامل المحمول، فجزره بالسيف والنعمان يراه وذهب فلم يقدروا عليه.
وفي رواية أخرى أن الصبي كان مسترضعاً عند عمرو بن الخمس التغلبي وكانت عند أبن الخمس امرأة من بني أسد أسمها سلمى بنت ربيعة وقيل بنت كثير بن ربيعة من بني غنم بن دودان، فاحتال الحارث عليه وعليها
стр. 425
بالحيلة التي تقدم ذكرها حتى أخذ الصبي فقتله، فخاف أبن الخمس النعمان فهرب بأهله إلى الشام إلى ملوك غسان فنزل على ملك منهم يقال له النعمان. وقيل إن شرحبيل الذي قتله الحارث هو أبن النعمان لا أبن أخيه الأسود على ما تقدم ذكره، وإن الحارث قبل إن يقتل شرحبيل كان قد أغتال أبنا للأسود في متصيد له بظاهر الحيرة فقتله وقال:
ألا أبلغ النعمان عني رسالة ... وكيف تخطاك الخطوب العظائمُ
أخُصي حمارٍ بات يكدم لحمه ... أتؤكل جاراتي وجارُكَ نائم
ظننت أبا قابوس أنك فائتي ... ولماتذق ثُكلاً وأنفك راغمُ
ومنيت في الخلوات نفسك خاليا ... أحاديث طسمٍ إنما أنت حلمُ
فإن تك أذواداً أخذت فإنني ... تركت أبن سلمى رأسه متفاقمُ
علوتُ بذي الحيات مفرق رأسه ... وكان سلاحي تجتويه الجماجمُ
فتكت به يوماً كفتكي بخالدٍ ... ولا يركب المكروه إلا الأكارمُ
بدأتُ بفتك ثم عدت بمثله ... وثالثةٍ تبيض منها المقادمُ
فذكر الكميت بن زيد الأسدي ذلك في افتخاره بنزار على اليمن
стр. 426
فقال:
وسيف الحارث المعلوب أرى ... عُصيباً في الجبابرة الردينا
وأتلف واحد النعمان لما ... أراد به الجديرة أن يشينا
ثم إن الحارث خاف على قومه إن يقيم فيهم فيغزوهم الملك وبني عامر، فاستجار ببني دارم، فالتحفوا عليه وأجاروه، فجرت إجارتهم إياه يوم رحرحان. ثم خرج حتى أتى بلاد ربيعة ثم أتى مكة فانتسب قريشاً وأمتدح قريشاً وذكر نسبه فيهم وهجا قومه ثعلبة بن سعد وفزارة فقال:
فما قومي بثعلبة بن سعيد ... ة لا بفزارة الشعري الرقابا
وقومي إن سألت بنو لؤي ... بمكة علموا الناس الضرابا
في شعر له، وذكر ذلك أيضاً في شعر له هذا. وإنما قال ذلك لأن عوف بن سعد بن ذبيان وهو جده وجد رهطه بني مرة بن عوف تجلح عن سعد بن ذبيان إلى لؤي بن غالب والله سبحانه أعلم. ثم إنه خرج من مكة
стр. 427
إلى الشام فنزل بالنعمان الملك الغساني وعنده أبن الخمس التغلبي وهما جميعاً يخافان النعمان بن المنذر، يخافه الحارث لقتله ولده ويخافه أبن الخميس لما تم من حيلة الحارث عليه وعلى امرأته فيه حتى أخذه منهما جميعاً. وقد تقدم ذكر ذلك فضمهما جميعاً جوار الملك النعمان الغساني وفي نفس أبن الخمس على الحارث ما في نفسه. وكان للنعمان الغساني نلقة في حلقها مدية معلقة وهي مهملة لا تحفظ ولا يرعاها راع، بل ترعى حيث شاءت، وإنما أراد النعمان أن يسار للنلقة طاعة من تحت يده له، وكانت للحارث زوجة حامل فاشتهت شحمها فطلبته منه، فعمد الدولة الناقة وهي١٤٥ هاملة ترعى في بعض مرابعها فأناخها في مذنب ثم عقلها وكبت سبلتها أي نحرها ثم جب سنامها فأخذه فوجدت منحورة. فعظم ذلك على النعمان فقال له أبن الخمس: إن الحارث نحرها فاقتله. فقال له: كيف أغدر به ولم يتبين عدره؟ قال: فدس إلى امرأته من يعلم خبر ذلك. فدس إليها عجوزاً مسكينة فقالت لها: يا بنية إنني أشتهي حماً فان كان في بيتك منه شيء فأطعميني، فأعطتها منه شيئاً. فلما ذهبت لتخرج به دخل الحارث فقال: ما هذه العجوز؟ فأخبرته فعلم إنها عين عليه فخنقها وحفر لها في البيت ودفنها، فانقطع خبر العجوز عن الملك. فاخبر أبن الخمس، فقال له: غالها ما
стр. 428
غال الناقة فاقتل الرجل، فانه قد غدر بك فقال لا أقتله حتى أستبن قال: فارحل فإذا رحل الناس معك فاردد الدولة بيته من يحفره ففعل، ورد الدولة البيت الحارث من حفره فوجد العجوز مدفونة فيه فأخذه فدفعه إلى أبن الخمس، فقال له أقتله فلما قام ألي بالسيف، قال له: فيما روي أتقتلني يا أبن شر الأضماء! فقل: نعم يا أبن شر الأسماء، وقتله هذا ما جاء في الرواية.
وجاء في رواية أخرى ما يخالف ذلك وهو أن الحارث كان قتل الخمس التغلبي أبا عمرو بن الخمس ثم وداه، فلما أحتال عليه وأخذ أبن النعمان فقتله عرف النعمان إنه أحتال عليه فعذره في ذلك فلم يعرض له ولا رأى منه شراً. فلم يجد النعمان سبيلاً الدولة أدراك ثأره وشفاء غيضه من الحارث، فشاور في أمره فقيل له: أنك لا تجد ألي سبيلاً إلا بذلك، فأمنه وردَّ أبل جارته وأعطاه من الميثاق ما أراد، فجاءه فوضع يده في يده، وكان عنده في نفسه عليه ما في نفسه فسمر ليلة عند النعمان فقال له يا حارث: خبرني بأشجع رجل رأيت وأعجب أمر وقعت فيه، فقال: نعم أيها الملك، أني أقبلت في بعض أسفاري سادس ستة من اليمامة نريد الطائف، فلما كنا بموضع كذا إذا نحن بغلام معه أخت له لم يُرَ أجمل منها يطبخان قدراً لهما، وأقدر تغلي والغلام يسوطها بيده، فتعجبت منه فلما رآنا قال أدنوا حييتم أدنوا مرحباً، فدنونا فقدم لنا أقراص من خبز وذلك اللحم فأكلنا. وتحدثت معه وأصحابي في الجارية وحدثت نفسي بفرس كان معه ثم قلت له: خلِّ عن الجارية والفرس. فقال: أماّ الجارية فهي أختي فدونكم الفرس فهي لكم فقلنا بل نأخذهما معاً، فقال فأسلم على أختي، وقام إليها هي متئدة عنا غير بعيدة في خدر لها فناولها حربة، وقال: إن أنا ظفرت بالقوم وإلا فشأنك وحسبك.
стр. 429
ثم عاد إلينا مؤتزرا بشملة يهز القناة بيده فقال يا هؤلاء ما كافايتمونا بما صنعنا فإما إن تطلبوا العافية فأني أطلبها والإلية فليبرز الدولة رجل منكم، فقلنا نصفت، ثم قام له رجل من أصحابي فقال له: ما أسمك؟ فقد آليت على نفسي الإلية أقتل سميا لأبي، فقال أسمي ناهس فشهد عليه وهو يقول:
انك يا ناهس حقا ناهس ... والله لو تعلم من تمارس
وليت عن هندٍ وأنت آيس
فعلمنا أنم أسم أخته هند. ثم ضرب صاحبنا فقتله، فبرز ألي أخ له أسمه طمر فقلت له يا طمر لا يفوتك قاتل أخيك فسمعني فكر عليه وهو يقول:
كذبت أصحابك يا طمر ... نحن بنو شيبان لا نفر
فعلمنا إنه شيباني. ثم ضرب صاحبنا فقتله. فبرز ألي آخر منا فقال له: ما أسمك؟ فقال بكر، فكر عليه وهو يقول:
غدرتم بكراً وغير بكر ... وكل هذا طمع في الخدر
ولله لا حتى أفري ... يافوخ بكر وعظام الصدر
ثم شد عليه فقتله، فبرز ألي آخر فقال: ما أسمك؟ فقال جني، فشد عليه وهو يقول:
لا تزدريني لحديث سني ... إليه كنت أنيسا فأنني جني
دونك يا أبن اللؤم خذها مني
ثم شد عليه فقتله، فقام ألي الخامس فقال له: ما أسمك؟ فقال: جنايه، فشد عليه وهو يقول:
تطمع يا جاني الحروب جانيه ... أنك تسبي ختنا علانيه
стр. 430
تقتل قرناً وتحور غانيه ... إليه كان ذا حقا فأمي زانيه١٤٦
ثم ضربه فقتله، فبقيت وحدي فقال لي: ما أسمك؟ فقلت الحارث فقال: أنت سمي أبي، فلك الأمان، فقلت: ومن أنت؟ فقال: أني الحماس بن الحارث بن ضيغم، فبت أنا وهو على الكثيب، فلما نام قمت ألي فذبحته، وقصدت نحوه أخته فلما رأتني مقبلا إليها قالت: أقتلته؟ قلت نعم. فوضعت الحربة في نحرها فأدركتها وهي تشخط في دمها فقال له النعمان: أغدرت به مرتين؟ لقد هونت علي الغدر، بسنتك يستن فيك، ثم أمر به عمرو بن الخمس فقتله.
فهذه الحكايات كلها على اختلافها تدل على إن الحارث فات النعمان بوتره، فإما إن يكون قتله النعمان الملك الغساني على ما ذكر وقد قتل غيره، وأما إن يكون هو الذي قتله على ما تضمنته هذه الرواية فلم يقدر عليه الإلية بعد إن أمنه ووضع يده في يده فغدر به فقتله، وهذا مما لا يعتذر على من ليس له بسطة الملوك وقدراتهم إذا استخار لنفسه الغدر. وقد زعم قوم إن الذي قص عليه الحارث هذه القصة فقال له: لقد هونت علي الغدر. ثم قتله وهو الأسود بن المنذر أخو النعمان ورثاه رجل من بقايا جرهم فقال:
يا حار حنيا حرا قطامياً ... ما كنت ترعيا في البيت ضجعيا
وروى آخرون إنه لم يقتل وإنما كان لما نزل ببني دارم فجر نزوله عليهم يوم رحرحان. خرج الدولة أرض ربيعة فنام في فلاة فوقع به قوم من ربيعة ثم من عنزة من بني هزان، فأخذوه وسألوه من هو فلم يخبرهم، فضربوه حتى كاد إن يموت. فلما أخبرهم اشتراه منهم آخرون من بني قيس بن ثعلبة، وضربوه حتى كاد إن يموت ليخبرهم من هو فأبى. فأتوا به اليمامة فهرب
стр. 431
منهم، الدولة غلمان يلعبون فالتزم أحدهم، وقال له: أنا لك جار. وكان الغلام بجير بن جابر العجلي فأجاره، وجاء القيسيون فنازعهم فيه فقال لهم العجليون: إن شئتم فخذوا منا ما اشتريتم به، وإن شئتم حملناه على فرس وأعطيناه سلاحاً وأجزناه الوادي ثم دونكموه، فرضي القيسيون بذلك ورضي به الحارث أيضاً. فحمله العجليون وأجازوه الوادي وأتبعه القيسيون ففاتهم وصار إلى أرض بني قشير، فنزل بهم فأكرموه وكان عندهم إلى أن هلك.
من أخبار النعمان بن المنذر
وعلى اختلاف الروايات كلها واتفاقها فإنها دالة على أن الحارث فات النعمان بوتره عنده بل أخلد النعمان إلى أمر مستقبح مستهجن عند السوقة فكيف الملوك تتشرف عنه نفوس الكرام، وتتنزه عنه ذوو الحجى والأحلام جعل لنفسه يوم بؤس ويوم نعيم يخبط فيهما خبط عشواء، وفعل فعل العجماء، يكرم من أتاه في يوم نعيمه ولو إنه قاتل أبيه، ويقتل من جاءه في يوم بؤسه ولو كان عنده في منزلة ولده وأخيه، وياطخ الغريين فيما روي بدمائهم وأفتخر بذلك حتى مدح به فقيل فيه:
له يوم بؤس فيه للناس أبؤس ... ويوم نعيم فيه للناس أنعم
وقد روي أن هذا البيت في شعر للحسين بن مطير الأسدي يمدح به أمير المؤمنين المهدي ﵁ ولعله ضمنه شعره تضميناً. فمن جملة إعجابه في ذلك ما روي عنه إنه ركب في يوم من أيام نعيمه، فانفرد عن أصحابه فمر بشيخ جالس على غدير، فقال له: يا شيخ أتعرف النعمان؟ قال: نعم وربما نمت على بطن أمه أو مررت يدي على فرجها، فقال له: ويحك، النعمان بن المنذر! قال: قد أخبرتك أني سمعت. فلما انقضى كلامه
стр. 432
لحق النعمان قوم من أصحابه فحيوه بتحية الملك، والشيخ يسمع فعرف إنه النعمان. ثم قال له النعمان: كيف قلت يا شيخ؟ قال أبيت اللعن والله ما أعرف شيخا أكذب ولا آلام ولا أوضح من شيخ بين يديك، فاصفح عنه وأجاره ووصله. وركب يوم بؤسه فلقي عبيد أبن الأبرص الأسدي متوجها لبعض شأنه، وقيل بل كان قاصدا ألي ووافدا عليه، فقال: أنشدني يا عبيد. فأحس عبيد بأسراهم فقال: حال الجريض دون القريض، فقال أنشدني قولك أقفر من أهله ملحوب، فقال:
اقفر من أهله عبيد ... فاليوم لا يبدي ولا يعيد
فقال: أختر أي قتلةٍ شئت، فقال: اسقني الراح حتى الثمل وأفصدني الأكحل ففعل ولطخ بالغريين دمه. وقيل إن عمر عبيد يومئذٍ كان قد زاد على ثلاثمائة سنة، وقبح هذا الفعل من النعمان أشهر من إن يدل عليه، يعفو عن ذلك الشيخ ويأتيه رجل من العرب حسيب نسيب كبير السن شريف القبيلة وافداً عليه يرجو صلته، ويطلب جائزته قد قطع ألي المفاوز وعمل فيه المدائح، وأحسن به الظن، ١٤٧ وأوجب عليه حرمة الناس فلما لقيه وظن إنه قد نال مناه م بلغ ما أمله ورجاه قدمه فقتله بغياً وعتواً وتجهلاً، وهذا كما قال طرفة لعمه عمرو بن هند في مثل ذلك:
أبا منذر جازيت بالود سخطةً ... فماذا جزاء المبغض المتبغض
стр. 433
مجازاته في ذا المثال كرامة ... ولست لشيءٍ بعد بالمستعرض
وهل يعلم مضاددة في الأفعال أقبح أو أشنع من إن يصل المرء من سبه وشتمه، ويقتل من ثنى عليه ومدحه. وقد ذكر أبو تمام ﵀ أمر عبيد في شعره فقال:
من بعد ما ظنوا بان سيكون لي ... يوم ببغيهم كيوم عبيد
وقد أعتذر للنعمان وأحتج عنه في ذلك بان قيل: إنما كان يفعل هذا إظهاراً لقدرته وليملأ به صدور الناس رعباً فيهابونه. وليس هذا بعذر ولا حجة ولا يدل على عز ولا قدرة لانا نعلم إن السوقة لا الملوك إذا كان جالساً بفناء بيته بين أهله وأعوانه ورهطه وأتاه رجل مسترسل مستسلم غير خائف ولا حذر فألقى ألي بيده وأراد قتله أمكنه ذلك إذ لا قدرة له على الدفاع عن نفسه. وقد كانت العرب تتكرم عن قتل الأسير إذا يرد في أيديهم ويعدون في ذلك من دنيء الأفعال، وإن كان حكم في غير هذا الحكم الآن الأسير قبل أسره قد قصد بالمكروه فحارب وطاعن وضارب وربما كان إنما جاء غازياً أو قد أصاب قبل أسره دما وحال الزائر الوافد الراجي المؤمل بالضد من جميع ذلك، ثم إن للملوك فضلا على غيرهم من الناس في رصانة عقولهم، ورجاحة أحلامهم، ومراعاة سياساتهم، وعلمهم بإيراد الأمور مواردها ووضع الأفعال مواضعها وهم أيضاً بالصفح عمن أستوجب الانتقام أولى منهم بالفتك ممن أستحق الحباء والإكرام، فما دل النعمان بذلك من نفسه الإلية على نقص وجهل وسفاهة حلم، وقلة علم بسياسة الملك وعكس مضاددة، بين الأفعال ومجازاة المحسن بالإساءة والمسيء بالإحسان.
стр. 434
ووضع الندى في موضع السيف بالعلى ... مضرَّ كوضع السيف في موضع الندى
وفي هذا وأمثاله نقص للسياسة التي بها قوام الملك ولو كان هذا البطش منه بمن٠٠٠٠تقدم ذكره من الجنايات في أهله وماله وولده لكان ذلك أحوط لملكه وأحفظ لقانون سياسته وأحسن في التدبير منه وأنفى للعار عنه، فان للأنوف الحمية والنفوس الإبل تنازعاً الدولة الفتك بأهل العداوة والمغاورة وتميل الدولة العفو والحلم إذا حضرت القدرة كما قال بعض الحكماء القدرة تذهب الحفيظة. ووصف بعض الشعراء رجلاً مدحه بهذا الوصف فقال:
أسد ضارٍ إذا أم هجته ... وأبٍ بر إذا ما قدرا
فعكس النعمان ذلك وأخذ بضد الأحسن الأجمل، وعجز عمن أقدم بالمعروف عليه وفتك بمن وفد برجائه ألي فكانت صفته في ذلك كما قيل:
جهلا علينا وجبناً عن عدوِّهم ... لبئست الخلتان الجهل والجبن
وروي إنه عوتب في هذا فقال: " تعفو الملوك عن العظيم من الذنوب لفضلها
стр. 435
" " ولقد تعاقب اليسير وليس ذاك لجهلها " " إلا ليعرف فضلها ويخاف شدة ثكلها " وأي ذنب عظيم أو يسير كان أسلفه عبيد حتى يقتله مع قول بعض الحكماء: شر الملوك من خافه البريء.
على إن قتل عدي بن زيد وإن لم يكن يوم بؤسه كان سبب قتله أشد قبحا وأدل على ضعفه وقلة حرمه من قتله لعبيد، لان زيداً أبا عدي كان تولى حضانته وتربيته وكان عدي قد تزوج أبنته هنداً وقيل بل هي أخته وهي صاحبة هذا الدير بالحيرة، وهو الذي توصل له عند كسرى فتلطف في الحيلة على أخوته حتى ولاه الملك، وعاداهم جميعاً لأجله. فكافأه عن اصطناعه إياه وعداوته للناس في مودته بالقتل. وفي هذا الفعل أنواع كثيرة من القبائح فيها البغي والظلم وخلاف ما تقتضيه حسن سياسة الملوك ونقص ما يوجبه حسن التدبير وخفة حلم وإقامة لعذر الرعية في المشاققة والعصيان وغير ذلك، وهذه الخلال كلها من غير صفات الملوك.
من أخبار سيف الأيام
وأين ملك كانت هذه صفته وحقائق أفعاله من ملك١٤٨ كان أبو تمام وصفه بقوله:
أروع لا من رياحه الحرجف العصبي ... ولا من تحومه النحس
وكان أبو عبادة البحتري وصف مجلسه بقوله:
стр. 436
بحيث لا حجة الملهوف ذاهبةً ... هدراً ولا هفوة المظلوم تستلب
وهو على الأولياء غيث هاطل وعلى الأعداء سيف فاصل إذا نقم على قوم ملأ فجاج الأرض عليهم بجحافله، وأخذ مسالكها عليهم بكتائبه وقبائله، وحتى إذا ضاق الخناق وخرجت عليهم الآفاق وأم يجدوا منه معقلا يلجئهم ولا مهربا ينجيهم عادوا بعفوه عائذين وبحلمه لائذين واستسلموا ألي والقوا نفوسهم بين يديه واعتذروا فكان عذرهم عنده مقبولا، وطلبوا الأمان فكان مبذولا، وأوسعهم عفوا لا يكدره تثريب مقرونا ببشر لا يشوبه تنكر ولا تقطيب، وأضاف الدولة الصفح الحباء والدولة العفو جزيل العطاء فهو كما وصف البحتري:
عزيز إذا عاززته في ملمة ... فان جئته في جانب الذل أصحبا
وكفانا شاهد على ما ذكرناه ما عايناه في نوبة القيصري التركي أيلغازي بن أرتق أمير التركمان ومن أنضم إليهما من العرب لما اجتمعوا ببغداد ومنتهم الظنون الكاذبة والظنون والأطماع الخائبة مشاققته وعناده والإقدام عليه، فلم يلبثوا ببغداد الإلية ريثما أطلت عليهم جنوده المجنده وعساكره المنصورة المؤيدة بفرسان غطاريف كرام مساعير كما قال التهامي
سواء عندهم قول المنادي ... هلم الدولة الطعان أو الطعام
فلم يجدوا حيلة الإلية الهرب الدولة واسط على شرقي دجلة، فسار بازائهم على غربها فلم يبق لهم حيله الإلية طلب خاتم الأمان الذي منَّ به عليهم وسؤاله
стр. 437
الإحسان الذي أسداه إلى. فأمر الأجل أمين الأيام ثقة الملك أبا طالب محمد بن عبد الله بت حبشي غفر الله له بأن يعطيهم خاتمه ففعل فكانت صفتهم في تلك الحال كما وصفت في أبيات قلتها في المعنى:
ألقى إلى عفوه خاتماً ... مبشراً بالأمن من سطوته
من خوف جعل الأرض في أعينهم ... عليهم أضيق من خلقته
٠٠ - ٠٠٠ادراجهم راجعين وولوا على أعقابهم ناكصين. وقد ذكرت ذلك في أبيات من القصيدة التي ضمنتها سيرته فقلت:
والقيصري ومن أغوا بدعوته ... من كل محتطب للذنب مكتسبِ
ازاره ذات أركان ململمة ... رماه في مثل موج اللجة اللجبِ
إذا بدت في سرابيل الحديد حكت ... عروس قومٍ هفوفها من أذى الحربِ
تخال عارض مزن صوت راعدة ... جرس وبارقة لمع من القضبِ
تبني سماء على هاماتها أبدا ... في كل معترك من هامد التربِ
كالبحر رجراجةٍ كالليل مظلمة ... الإلية الاسنه منها فهي كالشهبِ
نفاه عن أرض بغداد وفاجأه ... بواسط لم ينل خيراً لم يصبِ
ماشح يومئذٍ في منزل وتد ... له ولا مدَّ للمغرور من طنبِ
فسد في وجهه الآفاق منجحراً ... بين الخفاء لفرط الخوف والغضبِ
فعاد بالعفو منه ثم أمنه ... فعاد أدراجه نكصاً على العقبِ
وكذلك كانت حال كربغا التركي أمير الجزيرة والموصل والعواصم وأطراف الشام إذ هم بما لم ينل ورام ما لم يبلغ فجمع وأحتشد ودخل بغداد فرأى إمارات الهلكة، وإنه قد ألقى بيده الدولة التهلكة فكان قصاره النجاة بالنفس والعود الدولة موضعه. ومن قبله ما حدثت يوسف بن أرتق نفسه بما
стр. 438
كذبته فيه فجمع التركمان ووصل الدولة أكناف مدينة السلام، ثم أنكفأ راجعاً وفرق من عسكره ما كان جامعاً. وقد ذكرت حال هذين أيضاً في القصيدة فقلت:
وكربغا إذ بغى ما عُزَّ مطلبه ... فعاد أسوأ مرجوعٍ ومنقلبِ
ويوسف قبل ما لاقاه من طمع ... نجته قريه بلقيل والحربِ
تبيَّتا حين ضلا إن غنمهما ... نفسيهما غير مغنوم ومنتهبِ
فعردا والمنايا تستزيرهما ... عن حادر بدم الاقرن مغتصبِ١٤٨
فليتأمل متأمل ما بين هذين الملكين من التباين في علو الشأن، وكثرة الجنود والأعوان، وطول اليد وعز الجند، وقهر الاشداد وكبت الأعداء والحساد، ليعلم قد ما بين درجتيهما من التباين في سائر أحوالهما، والتفاوت في علو منزلتهما، وأحتجاج من أحتج لمن تقدم من الملوك فانهم كانوا يذبحون أول من يلقاه يوم بؤسه إرهابا للناس مما لا يقدح في قضيته العقول والإفهام ولا يقوم به عذر عند ذوي الحجى والأحلام، وأين ملك يخبط خبط عشواء ليتهيبوه ويعبث فيهم عبث العجماء ليتجنبوه من ملك كان أبن الرقيات وصفه بقوله:
ملكه ملك رأفت ليس فيه ... جبروت منه ولا كبرياء
عليه من مهابة لولا ما يمازجها من كرمه ويخالطها من حسن شيمه لما ملأ نظره منه متأمل ولا نطق في مجلسه متكلم كما وصفته في قصيدة امتدحته بها فقلت:
يوم الحفل حين يقول عنه ... وقد خفقت لهيبته القلوب
стр. 439
كما زأر الهزير فلاذ منه ... ثعالب كل صولتها الضغيب
فليسوا بادئي قول ولولا ... تهلله لهابوا إن يجيبوا
اعني لو من المهابة في القلوب عن تكلف ما بعد من العيوب كما قال أبو تمام
له جلال إذا تسربله ... اكسبه البأو غير مكتسبه
وقال أيضاً:
إذا أحسن الأقوام إن يتطاولوا ... بلا سبب أحسنت إن تتطولا
ترفعت عن ذاك الترفع منهم ... وأوصاك نبل القدر إن تتنبلا
وكم وصف البحتري بقوله الذي كأنه إياه خاطب به:
دنوت تواضعاً وعلوت عزاً ... فشأناك ارتفاع وأتضاع
كذاك الشمس تبعد إن تدانا ... ويدنو الضوء منها والشعاع
وكما قال أيضاً:
ولم أره يأبى التواضع واحداً ... من الناس الإلية من علو أتضاعه
стр. 440
وكما قال التهامي:
لما تزايد في العلو تواضعاً ... لله زاد الله في عليائه
يتكبر عن التكبر وتعلو همته وشرفه عن الخيلاء والتجبر، يأمر عليه علو خطره، وينهاه جلالة قدره وتشرف عن الدنايا نفسه ويقضي عليه عدله كما قال أبو تمام ﵀:
يا أيها الملك الهمام وعدله ... ملك عليه في القضاء همام
تواضعه ثقة منه بشرفه الذي لا يدانى، ومجده الذي لا يسامى، فأني أفكرت في تواضع ذوي الشرف، وتكبر ذوي الضعة، فرأيت السبب في تواضع الشريف ثقته بشرفه، وإن سبب في تكبر الوضيع أسترابته بنفسه وعلمه بصغر قدره، فأحببت إن أنظم في هذا المعنى شيئاً فقلت:
ثقة الشريف بما تجمع فيه ... من مجده عن ثأوه يغنيه
فتراه في جلسائه متواضعا ... إذ كان شائع مجده يكفيه
وترى الوضيع إذا تسنم رتبة ... أو نال من دنياه ما يطغيه
مثل المريب منافسا في قدره ... متعلقاً من جهله بالتيه
متمسكا بالكبر يحسب إنه ... زين له من شينه ينجيه
باللؤم يعرف نفسه ويظن أن ... بتكبر عن نفسه ينفه
فيزيده ضعةً ومقتاً كبره ... في الأجنبيين وأهله وذويه
стр. 441
كالعير في الشرك القنيص إذا غدا ... ينزو لكي ينجو تمكن فيه
فمن مثل سيف الدولة الملك المهذب الذي لا تتداخل قوته عسف ولا يشوب تواضعه ضعف الذي يخاف الله في جميع أمره ويراقبه في علانيته وسره.
فهو كما وصف زهير حيث يقول:
مورث المجد لا يغتال همته ... عن الرياسة لا عجز ولا سأم
كلهندواني لا يخزيك مشهده ... يوم الجلاد إذا ما يضرب البهم ١٤٩
وفي صربته التقوى ويحجبه ... عن سيئ العبرات الله والرحم
وكيف لا يكون أولى بالتسمية بملك العرب من النعمان، وقد فاقه في خلال الملك كلها، وجاز دونه مقاليد المجد سائرها وكيف يقاس قدر النعمان بقدره وهو الكريم الأعراف المهذب الأخلاق الذي إذا تأمل متأمل جميل أفعاله وحن خلاله ذكر قول النجاشي في الحارث:
كل شيء يريده فهو فيه ... حسب ثاقب ودين قويم
وخطيب إذا أمطرت آلا ... جوه يشقي به الألذ الخصم
وحليم إذ أحبا حلها الجهل ... وطاشت من الرجال الحلوم
وشكم الحروب قد علم آلنا ... س إذا فل في الحروب السقيم
وصحيح الأديم من نفل العي ... ب إذا كاد لا يصح الأديم
كل هذا بحمد ربك فيه ... وسوى ذاك فيه وهو فطيم
وكيف يقاس ملوك كان أنالهم من العرب من الضيم ما تقدم ذكر اليسير منه، بملك تلجأ قبائل العرب بأسرها من الآفاق الدولة ظله وتنتجع كانتجاعها
стр. 442
مواقع الغيث من غامر فضله لا يأمن خائفهم الإلية بفنائه، ولا يستغني فقيرهم الإلية من عطائه، فساداتهم ورؤساؤهم ببابه وقوف، وأشرافهم حول صاحب جيشه عكوف، إذا رأوه ارموا إكراما وأطرقوا هيبةً وإعظاما تهدد القبيلة منهم ببعض أعوانه، وتنقاد لأحد فتيانه أمره في نفوسهم فما دونها نافذ وكل منهم به لائذ ليس لهم منتجع الإلية جوده والإلية ملاذ الإلية عموده كان أبى تمام وصف ربعه أمرعه الله بقوله
بمعرس العرب الذي وجدت به ... أمن المخوف ونجدة المنجود
حلت عرى أثقالها وهمومها ... أبناء إسماعيل فيه وهود
وهل من كانت هذه بعض صفاته أولى بالتسمية بملك العرب أم من كان يدنيه إن يشن الأعلام على العرب ويغزوهم فيسبي حرمهم، ويقتل فرسانهم ويطرد إنعامهم ويبيعهم أسراهم ويغزونه أيضاً ويغيرون عليه فيفعلون به مثل ذلك، حذو النعل بالنعل، وهل ملك القوم من كان معاشه من عطائه ونائله وجوائزه ونوافله؟ وأين ملوك تركض عليهم رعاياهم في أرضهم وتغزوهم في عقر دارهم، من ملك لا يطمئن من حوله من ملوك الأرض في ديارهم لخيفته ولا يأمنون في أرضهم لهيبته فكل منهم يبذل جهده ويستفرغ وسعه في الدخول له تحت شرائط الطاعة والانقياد في إرسال التباعة حتى يعقد له بالأمان عقداً ويعطيه عهداً، يقطع من العراق أقطاره ويعقد على الملوك حول أمصاره ويستخدمهم في أكنافه، ويستعملهم على أطرافه. فصاحب البصرة لم يطمئن حتى وثق بحسن عفوه بعد إن علم إنه لا
стр. 443
مهرب له في البر، فاستعد بعدة الهرب في البحر، وصاحب البطيحة معدود في حشمه محسوب من جنده وخدمه لم يخرج منها الإلية ألي ولا رأه غيره من الملوك مائلا بين يديه، ومن ببغداد من الترك إن سخط عليهم ناءوا وإن صفح عنهم دنوا لم يدخلوها الدولة بالأنعام منه عليهم ولولا ولوها الإلية بإحسان أسداه إلى، ومن بواسط من الترك أيضاً فمن جملة خدمه يأمر فيهم حاجب من حجابه ويسوسهم صاحب من أصحابه إن رضي عنهم آواهم وأدناهم وإن نفم عليهم نفاهم وأقصاهم، ومن بازائه بجبل بادرايا من أمراء التركمان فلولا بذلهم له شرائط الخدمة ويمسكهم منه توكيد الاذمة لما أقاموا بمكانهم لهيبته والخيفة من سطوته. ومراكز العرب ومناظر نجد كالمتهبب وجنين وصكاكة ودومة وغيرها تعرض عليه معاقل الفرات وقلاعها كالرحبة وغيرها في كل وقت تلقي مقاليدها إلينا ويطلب لها صاحب من أصحابه ليقتطعها، ويخطب لها بمولى من مواليه ليقرعها ويهاجر الخائف من آفاق الأرض لا يجد في رقعتها مأمناً أباح في جنابه، ولا يتخذ موطناً ولا مسكناً أباح حول أطنابه، فوفود العرب والعجم والبر والبحر له عامدون وببابه مترافدون، فمن ركب تطيش بهم السراب أو سفن تشق الجناب، فبابه المعمور كما قال التهامي١٥٠
ترى الملوك على أبوابه عصباً ... وفداً فدع غيرهم من سائر الامم
وجنابه باختلاف الأجناس كما قال المهلبي:
стр. 444
ترى قراقيره والعيس واقفةٌ ... والنون والضب والملاح والحادي
يجتمع فيه الأضداد، ويلتقي فيه الشتيتان من غير ميعاد، ويرى كل جنس أجناساً غيره يستطرفها، ويسمع لغات لا يعرفها.
يزدحم الوفد على بابه ... والمنهل العذب كثير الزحام
فإذا هم في أمر في بر أو بحر:
فما هو أباح إن يشير بلحظه ... فيمخر فلك أو تعد مقانيب
فهل تدل السيرة عند من تصفحها وتأملها على إن ملوك آل نصر جاءوني بعض هذا. وقد مدح الأعشى النعمان مبالغاً للحد في القول على عادة الشعراء متجاوزا، فذكر إن له خيمة مضروبةً تقف بقنائها الأبرص والخيل فقال:
له قبة مضروبةً بفنائها ... عناق المهارى والجياد الصوافن
ومدحه في كلمة له أخرى بأنه يعلف فرسه قتاً وشعيرا في كل ليلةٍ فقال:
ويأمر لليحموم في كل ليلة ... بقتٍ وتعليق فقد كاد يسنق
وهاهنا فصول ثلاثة تتضمن ذكر أفعال ثلاثة من أفعالهم المدونة المسطورة المروية المأثورة، فليعأرضها من شك فيما ذكرناه بأمثالها من أفعاله المرئية المشهورة الحاضرة المذكورة، وليقس بعضها ببعض فأنها تدل آلنا فرق كثير وتباعد وتباين وتضادد إذ كان العلم بالجميع حاصلاً والخلف فيه
стр. 445
زائلاً.
أحدها: إن ضرار بن عمرو الضبي أبا مرحب ربيعة بن حضية بن أرتم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع كان مرة بباب المنذر بن ماء السماء، وكان أبو مرحب ينبز أثيمة فاقتمرا فجعل ضرار إذا قمره أبو مرحب يقول كذب أثيمة ويكرر ذلك فغاظه، فضرب أبو مرحب بالقداح وأمطرت ضرار، فضرب ضرار بالسيف فقطع زنده ونهض هارباً، فدخل على المنذر فاخبره بما كان منه وسأله إن يجيره فعجز عن ذلك، وقال: لا أجير على بني حضية. فقال: فأدع لي شماخاً أخا بني مالك بن مازن بن عمرو بن تميم ليجيرني، فدعاه فسأله إن يجيره فقال قد أجرته على الناس أجمعين، فقال له: شمخت باشماخ، قال: فلم سمتني أمي شماخاً! فقال ضرار: ما هذا بمجيري فادع لي جشيش بن نمران فدعا له جشيش بن نمران بن سيف بن حميري بن رياح أبن يربوع فسأله إن يجيره فقال: أجرته على إن يخلص من قومي بقصاص أو ديَّة. فحمل حشيش ثقل جيرة ضرار عن المنذر، وقال بها دونه حين ضعف عنها، وقد كان أكثر ما ينال المنذر في ذلك إن يحمل ديَّة جرح أبي مرحب أباح إنه كان أعلم بأمور نفسه. فهذا من جمله أحوالهم، وفي مقابله ذلك إن ذوي الاحن والترات من العرب يلقي بعضهم بعضاً بباب ملك العرب سيف الدولة وفي حلته فكأنهم تلاقوا في أيام الجاهلية بالحرم في الأشهر الحرم حين كانوا ينزعون أسنتهم ويضعون أسلحتهم، فيرى أحدهم قالتل أبيه وأخيه
стр. 446
لا يقدر إن يملأ منه نظرة آلنا إن ينأوا عن بابه ويبعدوا عن جنابه ثم له دار بمدينه السلام قد ضاقت عن سعتها وخرجت عن فسحتها بالمستجيرين بها اللاجئين ألي فهي معتصم الناس ببغداد لا يجد الخائف سواها معقلاً ومعاذاً، ولا الجاني غيرها موثلاً وملاذاً، ولو كان قد جنى أعظم الجنايات وفات بالكثير من الأموال والألسن بينه وبين الاستطعام بحلاوة الأمن أباح إن يصل آلنا الدرب الذي يسلك ألي فيه، وقد بلغ المأمن وقصرت عنه الأيدي والألسن من غير إن يكون بهم من مواليه وخدمه وأعوانه وحشمه ينابذ عن المستجير بقول أو فعل أو يدافع دونه. بل ما أنعم به عليه مولانا أمير المؤمنين المستظهر بالله ﵇ من تمليكه هذه الدار أولاً وما شرفه به ثانياً من أوامره العالية ومراسمه السامية باحترامها إظهارا بذلك لمنزلته١٥١ المنيفة ولطيف مكانه من الخدمة الشريفة، فعرف ما خصه به من الإنصاف والمنة، فعاد ذلك لها كالسنة تهب إعظاما وتتحامى إجلالا وإكراما. فحدثت عن بعض الأكابر ببغداد إنه قال: إن الله تعالى منّ على الناس ببغداد أو على أهل بغداد بدار سيف الخصم ولولاها لهلك خلق كثير ممن يقصده العمداء والشحن. ومن جملة ذلك إن ثقة الملك أبا الغنائم بن ناكرا صاحب الأمير نجم الدين أيلغازي بن أرتق حين خرج صاحبه آلنا الجبل خاف فلجأ ألي، فكان مستجيراً بها وهو ينظر ببغداد وينوب عن صاحبه وينفذ أمره. ثم إن السلطان المعظم غياث الدنيا والدين لما أوقع باياز التركي ونقم على جماعة
стр. 447
من أمراء الترك ببغداد في سنة ثمان وتسعين وأربعمائة لجأ إليها قوم أمراء من كبراء أمراء الترك، فعفا عمن لجأ إليها واستجار بها احتراما له.
وحدثني جماعة من أهل بغداد ممن يخبر الأمور بها أن المستجيرين بهذه الدار - عمرها الله - يخرجون فيجلسون في شارعها ويمر طالبوهم بازائهم مجتازون فيقاولونهم ويتهاترونهم ويغشون بهم ثقة منهم بعز الملجأ الذي لجئوا إليه والمعقل الذي اعتصموا به، وتحصنوا فيه وينصرف أولئك عنهم بأيد قصيرة وعيمن حسيرة، ففي الوصول إليها نجاة الجاني وفكاك العاني.
حمتها مهابتُهُ في القلوب ... فصارت بذاك حريمُ الحريمِ
إذا ما أتى بابها خائفٌ ... حلَّ منه محل النَّجومِ
هذه صفت دار له هو بعيد منها ونأى عنها فأما ربعة الذي هو فيه ساكن وبه قاطن فهو عدة الوزراء وأصحاب المناصب والأكابر، وذوي المراتب مصور في أنفسهم إنهم متى نكبهم أمر أو نكبهم دهر كان ملجأهم ومفزعهم لا يأهلون لذلك غيره وتطمئن أنفسهم إلى سواه، فلو قصد قاص آلنا تعديد الأماثل وتسمية الأكابر الذين لجئوا إليه واستجاروا به لطلب معوزاً ورام معجزاً. فمن المستحق للتسمية بملك العرب من عجز أن يجير جانياً على رجل من اللأعراب قدر جنايته خدش أم تجير دار على الملوك والأمراء وأصحاب الأطراف الجناة المنسوب إليهم الجنايات العظيمة من القدح في الدول وما جرى مجرى ذلك، ومن المستحق أن يوصف بقول الشاعر:
متى يجر خائفاً تأمن مسارحه ... وإن يخف آمناً تقلق به الدارُ
стр. 448
والثاني فتكة البراض
إن النعمان بن المنذر جهز لطيمة على عكاظ، وقيل كانت لكسرى منفذة آلنا اليمن، فطلب لها خفيراً يجيرها على العرب، فقال له البراض بن قيس بن رافع الكناني أحد بني بكر بن عبد مناة بن كنانة ثم أحد بني جدي بن ضمرة بن بكر من رهط عمرو بن أمية الضمري الصحابي أحد العدائين ﵀ وكان مقيماً عنده قد خلعه قومه لكثرة جناياته: أنا أجيزها على بني كنانة. فقال النعمان: أُريد من يجيزها على أهل نجد، فقال له عروة أرحال بن عتبة بن جعفر بن كلاب: أنا أجيزها. فقال له البراض أتجيزها على بني كنانة وأهل تهامة يا عروة؟. فقال: نعم، أجيزها على الناس كلهم، أفكلب خليع يجيزها؟ يعني بذلك البراض ثم سار بها عروة وسار البراض معه، وهو لا يعلم بما في نفسه حتى إذا كانا بأرض أوارة بالقرب من فدك ووادي تيمن وذي ظلال وثب البراض بعروة فقتله وأستاق العير آلنا أرض كنانة، فأكلها هو وقومه، وقال يفتخر بذلك:
نقمت على المرء الكلابي فخرةً ... وكنت قديماً لا أقر فخارا
علوت بحد السيف مفرق رأسه ... فاسمع أهل الواديين خوارا
جششتُ به ضياع بطن أوارة ... فأثني علىَّ ما حييت أوارا
стр. 449
وقال في ذلك أيضاً:
وداهيةٌ يهال الناس منها ... شددت لها بني بكر ضلوعي
هتكت بها بيوت بني كلاب ... وأرضعت الموالي بالضلوعِ١٥٢
جمعت له يدي بنصل سيف ... أفل فخر كأجذع الصريعِ
وقال لبيد بن ربيعة بن جعفر بن كلاب يرثي عروة ويحث قومه على الطلب بدمه:
ابلغ إن عرضت بني كلاب ... وكعبٍ والخطوب لها موالي
وأبلغ إن عرضت بني نمير ... وأخوال القتيل بني هلالِ
بأن الوافد الرحال أمسى ... مقيماً عند تيمن ذي طلالِ
وكان عامر بن يزيد بن الملوح بن يعمر الشداخ سيد بني كنانة مجاوراً في أخواله بني نمير بن عامر بن بنجد، فهمّت بنو كلاب بقتله فمنعه أخواله وسيروه إلى أرض قومه، فكانت أبله لا تزال تنزع إلى مراتعها بنجد فأتبعته فقال:
تحنُّ بأعلى نخلتين كأنها ... ملاويحُ لما هيجت ذكرت ورداً
فقلت لها إن أبن قيس بن رافع ... آبى سيفه أن تهبطي أبداً نجدا
стр. 450
حرامٌ عليك بين غرٍّ ووجرةٍ ... إلى حائل لو أن هلكت به وجدا
وضرب المثل بفتكة البراض فقال أبو تمام:
والفتى من تعرقته الليالي ... والفيافي كالحية النضناضِ
صلتان أعداؤه حيث حلوا ... في حديثٍ من عزنه مستفاضِ
كل يومٍ له بصرف الليالي ... فتكة مثل فتكة البراضِ
وجر ذلك الفجار الأكبر بين كنانة وهوازن وتفاقم الأمر بينهم وصليت الحرب قريش وقبائل كنانة كلها، وقتل في تلك الحرب رجال من أشراف قريش، وسألت قريش وقبائل كنانة أبا طالب بن عبد المطلب أن يخرج رسول الله (معهم تيمناً به (وإستنصاراً على العدو وهو يومئذ غلام.
فروي أن أبا طالب إذا خرج به معهم كانت الكرة لكنانة على هوازن، وإذا تأخر عنهم كانت لهوازن على كنانة، فقالوا لأبي طالب: لا يغب عنا لا بلك. وإنما سمي فجار اللطيمة الفجار الأكبر لأن الحرب تكررت فيه بين كنانة وهوازن مراراً وترددت الوقائع بينهم سنيناً وتفاقم الأمر بينهم حتى استنجدت هوازن بقبائل قيس، فاستنجدت كنانة بقبائل
стр. 451
خندف، ولم يطفئ نار الحرب بينهم إلا الإسلام، ولم يكن بينهم في فجار الرجل وفجار الفرد وفجار المرأة إلا وقعة وقعة، فلأجل ذلك سمي فجار اللطيمة، الفجار الأكبر. وكان سببه حاجة النعمان آلنا من يخفر لطيمة من العرب فكان ذلك نتيجة خفارة عروة لها. وفي مقابلة ذلك إن الحاج اجتمعوا بمدينة السلام في سنة خمس وتسعين وأربعمائة وقد تعذر عليهم المسير إلى مكة - حرسها الله تعالى - لعوارض اتفقت فأمر مولانا أمير المؤمنين المستظهر بالله - غفر الله له - سيف الدولة بتسييرهم وبرز التوقيع الأسمى باليد العالية يأمره بذلك وعول فيه عليه، والسقيم مقاليد أمورهم إليه، فندب الأمير المرهف أبا المقلد حميد بن المقلد الأسدي العمري، وأمره بإجارتهم على العرب أجمعين، فسار بهم حتى أوردهم مكة حرسها الله تعالى. وصدر بهم حتى أناخوا بالكوفة، لم يرزأ أحد منهم بنقير، ولا لزم له خطام بعير، ولعله قد كان قطار من قطر بعض الأماثل من الحاج بعدة العير التي كانت تحمل لطيمة النعمان.
والثالث امرئ القيس والمعلىّ والسموأل
أن امرأ القيس بن حجر الكندي خاف المنذر بن ماء السماء ذا القرنيين ملك العراق، والحارث بن أبي شمر ملك الشام فاستجار منهما بالمعلىّ التغلبي أحد بني تيم بن غسان بن سعد بن زهير بن جشم الأرقم، وقومه نافلة فيه في جديلة طيء فطلبه الملكان معاً فمنعه المعلىّ فأرسل المنذر جيشه إليه يطلبوه فردهم غير ظافرين، ثم أرسل الحارث بن أبي شمر.
стр. 452
أيضاً جيشه فردهم على مثل ذلك، فلم يكن لهما معاً قدرة على الوصول إليه في جوار المعلىّ وفيه يقول أمرؤ القيس:
كأني إذ نزلت على المعلىّ ... نزلت على البواذخ من شمام١٥٣
فما ملك العراق على المعلىّ ... بمقتدرٍ ولا ملك الشام
أسد نشاص ذي القرنيين عنيِّ ... وعدي عارض الملك الهمام
اقر حشا امرئ القيس بن حجر ... بنو تيمٍ مصابح الظلام
ثم خرج أمرؤ القيس آلنا قيصر مستنجداً به على بني أسد ليطلبهم بدم أبيه فأودع السموءل بن عادياء اليهودي دروعاً كانت له فيل إنها كانت مائة درع، وكان السموءل بتيماء في قصره المعروف بالأبق، وخرج أمرؤ القيس فهلك في وجهه ذلك فطلب الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الشام الدروع من السموءل فأبى أن يسلمها إليه، ونزل بجيشه على قصره وسامه تسليمها، فأمتنع من ذلك فظفر بابن له وهو راجع من الصيد، فأخذه وخيره بين تسليم الدروع إليه أو قتل أبنه وأقسم إن لم يعطه الدروع ليذبحنه، فقال: إن لي فيه شريكاً أشاوره، ثم شاور أم الصبي فقالت له تجنب العار وأحفظ حرمة الجار فإنما هو حيضة أحيضها وقد جئتك بمثله. فصاح به لست بمعطيك الدروع فأصنع بأسيرك ما شئت فذبحه والسموءل ينظر إليه من أعلى القصر، وأنصرف عاجزاً عن افتتاح القصر.
стр. 453
وقد روي أن الحارث الذي جرى له هذا الحديث مع السموءل ليس بابن أبي شمر الغساني ملك الشام وإنه رجل من آل نصر بعثه المنذر بن ماء السماء أو أبنه عمرو بن هند لحصار السموءل ومطالبته بالدروع، فجرى ذلك معه. وقيل بل هو الحارث بن ظالم المريّ بعثه عمرو بن هند الملك من الحيرة فتولى حصار السموءل وقتل أبنه وأوهم الرواة في ذلك لتواتطؤ الأسماء، وهي رواية ضعيفة ولا فرق بين ذلك كله في غرضنا المقصود، وهو امتناع حصن السموءل على الكل وفي ذلك يقول السموءل.
وفيتُ بأدرع الكندي إنيّ ... إذا عاهدت أقواماً وفيتُ
بنى لي عادياً حصناً حصيناً ... وماء كلما شئت أستقيتُ
رفيعاً تزلق العقبان عنه ... إذا ما نابني أمرٌ أبتُ
فإن الماء ماءُ أبي وجديّ ... وبيري ذو حفرت وذو طويتُ
وأوصى عادياً قدماً بأن لا ... تهدم يا سموءل ما بنيتُ
وضرب المثل بوفاء السموءل. وفيه يقول الأعشى وقد أسره من بعد ذلك عمرو بن ثعلبة بن حصن بن الحارث بن ضمضم بن عدي بن جناب بن هبل الكلبي، وقد كان يطلبه من قبل فأسره وهو لا يعرفه فجعله مع أسرى
стр. 454
ودافعه في يده ثم مر بهم في طريقه على شريح بن عمران بن السموءل، وهو في قصر جده الأبلق بتيماء، فدس الأعشى إلى شريح بن عمران بن السموءل أن أستوهبني من ضيفك قبل أن يعرفني. فقال شريح لعمرو بن ثعلبة هب لي رجلاً من أسراك، قال له: خذ أيهم شئت قال هذا الأعمى. قال: وما تصنع به؟ خذ رجلاً فديته مائة بعير أو مائتان. فقال: لا آخذ أباح هذا فقد رحمته. فقال هو لك فأطلقه من القدّ وأدخله قصره فهمهم بهجاء عمرو بن ثعلبة فبلغ ذلك عمراً فقال لشريح: أردد عليّ هبتي فقال لا سبيل إلى ذلك خذ من مالي ما شئت عوضه، قال: فإنه يهجوني، قال: لا يهجوك أبداً. ثم نهى شريح الأعشى عن هجائه فقال لا أهجوه ما حييت، ثم خاف شريحاً أن يرده إلى عمرو فقال:
شريحُ لا تسلمني بعدما علقت ... حبالك اليوم بعد القدِّ أظافري
كن كالسموءل إذ طاف الهمام به ... في جحفلٍ كسواد الليل جرارِ
بالابلق الفرد من تيماء منزله ... حصنٌ حصينٌ وجارٌ غيرُ ختارِ
خيّره في خطتي خسفٍ فقال له ... أعرضها جهرة أسمعهما جارِ
стр. 455
فقال ثكل وغدر أنت بينهما ... فاختر فما فيهما حظٌ لمختارِ
فشك غير بعيدٍ ثم قال له ... اقتل أسيرك إني مانعٌ جاري
فسوف يعقبنيه إن فتكت به ... رب غفور وبيضٌ ذات أخدارِ
فإن له خالفا إن كنت قاتله ... وإن قتلت كريماً غير غدارِ
فقال مقتدراً إذ قام بذبحه ... أشرف سمؤل فأنظر في الدم الجاري
وذكر أبن قتيبة إن شريحاً هذا، هو شريح بن عمرو الكلبي وليس بابن السمؤل، وإنما ضربه الأعشى مثلاً له، وفي قصة السمؤل يقول الكميت١٥٤بن زيد الأسدي:
ولا السمؤل إذا قال الهمام له ... أياًّ تخير من ثكلٍ وإخفارِ
فأختار مكرمة الدنيا بواحدةٍ ... فعل المبايعِ نعمت صفقة الشاري
стр. 456
وقال محمد بن مناذر اليربوعي ثم الصبيري في ذلك:
فاعتبر يا بن عاديا أخي الحص ... ن بتيماء من سراة يهود
إذ أتاه الهمام يبتاع منه ... خفرة الجار بابنه المولود
فشرى بالوفاء مكرمة الدهر ... ولم يشر باللقاء الزهيد
أي عقدٍ شد السمؤل لو ... أمتع حياً وفاؤه بالخلودِ
وقد أكثر الشعراء في وصف ذلك. فهذا المنذر بن ماء السماء ذو القرنيين ملك العراق بعث جيشه الذي شبهه أمرؤ القيس لكثرته بالنشاص، والحارث بن أبي شمر بعث جيشه الذي شبهه أمرؤ القيس أيضاً بالعارض آلنا المعلىّ - وهو رجل من الأشراف - فلم يقدروا على افتتاح حصنه ولا الوصول آلنا جاره، وهذا الملك الغساني أو اللخمي - وثابتة على اختلاف الرواية في ذلك - نزل بجيشه العظيم وجحفله الجرار على قصر السموءل اليهودي فلم يقدر على فتحه حتى شفى غيظه بذبح صبي أقتنصه من الصيد وأنصرف غير ظافر بمراده، وحد حصن المُعلىّ وقصر السموءل وما يجري مجراها من معاقل العرب في قرب مرامها وقله امتناعها معروف.
وفي مقابلة ذلك أن ملك العرب سيف الدولة جهز سرية قليل عددها في جنده غير مؤثرة في عساكره في سنة سبع وتسعين وأربعمائة إلى عانة - وهي مشحنة بالترك - مع ملك أبن أرتق، ومن المعلوم أن الترك إذا كان منهم نفر في معقل لم يقدر من يروم فتحه على الدنو منه، ولا الإطاف به والفرات
стр. 457
مع ذلك محيط بها، ومناره محيط بها وحائل دونها، ومن المعلوم أن الخندق المدير يمنع من الوصول إلى المعقل، فكيف الفرات الجاري؟! فقطعت خيله ألي اللجة وافتتحها عنوة على الفور لم تمنع عليهم ساعة من النهار، وهلك بعض من كان فيها قتلاً وبعض غرقاً. وقد ذكرت ذلك في القصيدة فقلت:
ويومَ عانةَ لما أن غدا بُلك ... في أمره لبك من شدّةِ الرَّبِ
إذ كان أصحابُه الأشقَون يومئذٍ ... لنار فَيلِقه المنصور كالحَطَبِ
شابوا الفراتَ بقانٍ من دمائهم ... حتى بدا فيه لون من دم سربِ
فليتأمل السامع المنصف ما أوردناه ولينظر فيما شرحناه وليعارض بعض هذه الأمور ببعض، وليقس ببعضها بعضا ليعرف فضله على من تقدم من الملوك في عزه وسلطانه وكثرة جنده وأعوانه، وطول يده العالية إلى تناول كلمراد وبلوغ كل مرام فلو لم يستدل تفضيله عليهم إلا بما ذكرناه آنفاً من هذه الأقسام لكان في ذلك مقنع وقد نظم في هذه المعاني شيئاً:
أين الذي لم يحتمل عن جاره ... ما جره يوماً٠٠٠المسيرُ
حتى تحمله جشيش دونه ... كرما وقصر٠٠٠٠المنذرُ
ممن يجير دياره ورباعه ... ما كان٠٠٠٠٠وما لا يحصرُ
أم أين من سأل الأجرة عروة ... للطيمة كانت تحاط وتحفرُ
فأباحها البراض نهباً قومه ... بكراً٠٠٠الفجر الأكبرُ
وأذاق عروةَ حتفه بمهندٍ ... من حدَّه ماءُ المنية يقطرُ
فتوقفت في ذاك بين كنانة ... وهوازن نيران حربٍ تسعرُ
стр. 458
ممن أجاز الوفد نافد أمره ... حتى تضمنه منى والمشعر
وكلاهم منه بعز قاهر ... حتى أناخوا حيث كانوا ثوروا
من بعد إن سدت عليهم سبلهم ... لو لم يجرد سيفه المستظهر
أم أين من منع السمؤل جاره ... منه غداة به أطاف العسكر
ممن رعيل كتيبة من جيشه ... لا زال ذا ظفر يعز وينصر
قطع الفرات وموجه متلاطم ... متراكم من حول عانة يزخر
حتى رأى غنيمته النجا ... منهم وعاين ما يهول ويبهر١٥٥
ما نالت الشهباء نيلهم ولا ... كانت كذلك في المشاهد دوسر
ثم هاهنا فضل آخر: يقاس بفعل من هو عظم منهم ملكاً وأعلى درجة وقدرا، ونحن ذاكروه ليتامله المتأمل المنصف.
خبر حصار تبع يثرب
اخبرنا جماعة عن محمد بن الحسن بن علي عن أحمد بن عبدون عن أبي الفرج الاصفهاني يرفعه عن هشام بن محمد بن شرقي بن القطامي عن رجل من قريش، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر ﵁ في حديث طويل ذكره أخذنا موضع الحاجة منه: إن تبع الأخير وهو أبو كرب بن حسان بن تابع بن سعد الحميري أقبل يريد المشرق فمر بالمدينة فخلف عليها أبنا له، ومضى حتى قدم الشام، ثم قدم منه العراق، ثم نزل المشقر، فبلغه إن أبنه قتل بالمدينة غيلة فكر راجعا وهو يقول:
стр. 459
يا ذا المعاهد ما تزال ترود ... رمد بعينك عادها أم عود
منع الرقاد فما أغمض ساعة ... نبط بيثرب آمون قعود
لا تسقني بيديك إن لم تلقها ... حوراً كأن أشاءها مجرود
ثم أقبل حتى أتى المدينة مجمعا على إخرابها وقطع نخلها واستئصال أهلها وسبي الذرية فنزل بسفح أحد. وأرسل آلنا أشراف أهل المدينة فأتاه منهم الازياد وهم: زيد بن ضبيعة بن زيد بن عمرو بن عوف، وأبنا عميه زيد بن أمية بن زيد بن عبيد بن زيد، وأحيحة بن جلاح ومعه قنية له أسمها مليكة وخباء وخمر فاجلسهم تبع على زريبة كانت تحته وحادثهم، فخافه أحيحة فانصرف آلنا خبائه فشرب ورقص أبياتا، وأمر القينة فغنته بها بقية نهاره وأكثر ليله. وقد جعل تبع عليه حرسا فناموا فذهب آلنا أهله وقال للقينة سدي عليك الخباء فإذا جاء رسول الملك فقولي هو نائم، فإذا أبى أباح إن يوقظني، فقولي إنه ذهب آلنا أهله وقد حملني رسالة آلنا الملك، فإذا ذهبوا بك إلينا فقولي له يقول لك أحيحة أغدر بقينة أو دع. وأنطق أحيحة فتحصن في أطم له يقال له الضحيان وغدر تبع بالازياد فقتلهم وأرسل يدعو أحيحة ليقتله فقالت القينة: إنه راقد. فترددت الرسل مراراً، وهي تقول لهم ذلك، فلما هموا بالدخول، قالت: إنه ذهب آلنا أهله وحملني رسالة آلنا الملك، فذهبوا بها آلنا تبع، فقالت له ما قال. فجرد جنده وحصره في أطمه ثلاثا يرميهم أحيحة بالحجارة نهاره والنبل، فإذا أمسى السقيم إليها
стр. 460
التمر فرجعوا آلنا تبع فأخبروه فأمر بتحريق نخله، وتحصن أهل المدينة أوسها وخزرجها ويهودها في الاطام وخرج رجل من أصحاب تبع فدخل حديقة لبني عدي بن النجار فرقى نخلة ليجد منها عذقاً، فخرج إلينا رجل منهم يقال له صخر فضربه بمنجل معه حتى قتله. وقال انقضى النخل لمن أبره، فزاد تبع حنقا وجرد جيوشه آلنا بني النجار، فتحصنوا في أطمهم ورئيسهم يومئذ عمرو بن طلة أخو بني معاوية بن مالك بن النجار فحاربهم في أطمهم فكانوا يرمونهم بالنبل فيصيب جدار الاطم حتى صار على جداره كالشعر فسمي ذلك الاطم الاشعر. وأخذوا فرسا أتبع فجدعوه ثم لم يقدر عليهم، وطال مقامه فمرض، وقيل إنه أحتفر بئرا يشرب منها ثم أحتواها فجاءته امتدحته فعللته ومرضته، وجاءه حبران من اليهود فقالوا له: أيها الملك، أنصرف عن هذه البلدة فإنها محفوظة وهي مهاجر نبي من بني إسماعيل أسمه أحمد تكون داره وقراره. فانصرف وهو يقول لقد صنع بي أهل يثرب شيئاً ما صنعه أحد، قتلوا أبني وصاحبي، وجدعوا فرسي. وقال رجل من بني النجار في ذلك شعراً من قوله:
فيلق فيه أبو كرب ... تبع أبدانها ذفره
ثم قالوا من نام بها ... ابنو عوف أم النجره
يا بني النجار إن لنا ... فيكم ذخلا وإن تره
فتفلتهم مسايفة ... مداها كالغيبة النثرة
следующие страницы →