Полный текст (499 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وقال محمد بن مناذر اليربوعي ثم الصبيري في ذلك:
فاعتبر يا بن عاديا أخي الحص ... ن بتيماء من سراة يهود
إذ أتاه الهمام يبتاع منه ... خفرة الجار بابنه المولود
فشرى بالوفاء مكرمة الدهر ... ولم يشر باللقاء الزهيد
أي عقدٍ شد السمؤل لو ... أمتع حياً وفاؤه بالخلودِ
وقد أكثر الشعراء في وصف ذلك. فهذا المنذر بن ماء السماء ذو القرنيين ملك العراق بعث جيشه الذي شبهه أمرؤ القيس لكثرته بالنشاص، والحارث بن أبي شمر بعث جيشه الذي شبهه أمرؤ القيس أيضاً بالعارض آلنا المعلىّ - وهو رجل من الأشراف - فلم يقدروا على افتتاح حصنه ولا الوصول آلنا جاره، وهذا الملك الغساني أو اللخمي - وثابتة على اختلاف الرواية في ذلك - نزل بجيشه العظيم وجحفله الجرار على قصر السموءل اليهودي فلم يقدر على فتحه حتى شفى غيظه بذبح صبي أقتنصه من الصيد وأنصرف غير ظافر بمراده، وحد حصن المُعلىّ وقصر السموءل وما يجري مجراها من معاقل العرب في قرب مرامها وقله امتناعها معروف.
وفي مقابلة ذلك أن ملك العرب سيف الدولة جهز سرية قليل عددها في جنده غير مؤثرة في عساكره في سنة سبع وتسعين وأربعمائة إلى عانة - وهي مشحنة بالترك - مع ملك أبن أرتق، ومن المعلوم أن الترك إذا كان منهم نفر في معقل لم يقدر من يروم فتحه على الدنو منه، ولا الإطاف به والفرات
стр. 457
مع ذلك محيط بها، ومناره محيط بها وحائل دونها، ومن المعلوم أن الخندق المدير يمنع من الوصول إلى المعقل، فكيف الفرات الجاري؟! فقطعت خيله ألي اللجة وافتتحها عنوة على الفور لم تمنع عليهم ساعة من النهار، وهلك بعض من كان فيها قتلاً وبعض غرقاً. وقد ذكرت ذلك في القصيدة فقلت:
ويومَ عانةَ لما أن غدا بُلك ... في أمره لبك من شدّةِ الرَّبِ
إذ كان أصحابُه الأشقَون يومئذٍ ... لنار فَيلِقه المنصور كالحَطَبِ
شابوا الفراتَ بقانٍ من دمائهم ... حتى بدا فيه لون من دم سربِ
فليتأمل السامع المنصف ما أوردناه ولينظر فيما شرحناه وليعارض بعض هذه الأمور ببعض، وليقس ببعضها بعضا ليعرف فضله على من تقدم من الملوك في عزه وسلطانه وكثرة جنده وأعوانه، وطول يده العالية إلى تناول كلمراد وبلوغ كل مرام فلو لم يستدل تفضيله عليهم إلا بما ذكرناه آنفاً من هذه الأقسام لكان في ذلك مقنع وقد نظم في هذه المعاني شيئاً:
أين الذي لم يحتمل عن جاره ... ما جره يوماً٠٠٠المسيرُ
حتى تحمله جشيش دونه ... كرما وقصر٠٠٠٠المنذرُ
ممن يجير دياره ورباعه ... ما كان٠٠٠٠٠وما لا يحصرُ
أم أين من سأل الأجرة عروة ... للطيمة كانت تحاط وتحفرُ
فأباحها البراض نهباً قومه ... بكراً٠٠٠الفجر الأكبرُ
وأذاق عروةَ حتفه بمهندٍ ... من حدَّه ماءُ المنية يقطرُ
فتوقفت في ذاك بين كنانة ... وهوازن نيران حربٍ تسعرُ
стр. 458
ممن أجاز الوفد نافد أمره ... حتى تضمنه منى والمشعر
وكلاهم منه بعز قاهر ... حتى أناخوا حيث كانوا ثوروا
من بعد إن سدت عليهم سبلهم ... لو لم يجرد سيفه المستظهر
أم أين من منع السمؤل جاره ... منه غداة به أطاف العسكر
ممن رعيل كتيبة من جيشه ... لا زال ذا ظفر يعز وينصر
قطع الفرات وموجه متلاطم ... متراكم من حول عانة يزخر
حتى رأى غنيمته النجا ... منهم وعاين ما يهول ويبهر١٥٥
ما نالت الشهباء نيلهم ولا ... كانت كذلك في المشاهد دوسر
ثم هاهنا فضل آخر: يقاس بفعل من هو عظم منهم ملكاً وأعلى درجة وقدرا، ونحن ذاكروه ليتامله المتأمل المنصف.
خبر حصار تبع يثرب
اخبرنا جماعة عن محمد بن الحسن بن علي عن أحمد بن عبدون عن أبي الفرج الاصفهاني يرفعه عن هشام بن محمد بن شرقي بن القطامي عن رجل من قريش، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر ﵁ في حديث طويل ذكره أخذنا موضع الحاجة منه: إن تبع الأخير وهو أبو كرب بن حسان بن تابع بن سعد الحميري أقبل يريد المشرق فمر بالمدينة فخلف عليها أبنا له، ومضى حتى قدم الشام، ثم قدم منه العراق، ثم نزل المشقر، فبلغه إن أبنه قتل بالمدينة غيلة فكر راجعا وهو يقول:
стр. 459
يا ذا المعاهد ما تزال ترود ... رمد بعينك عادها أم عود
منع الرقاد فما أغمض ساعة ... نبط بيثرب آمون قعود
لا تسقني بيديك إن لم تلقها ... حوراً كأن أشاءها مجرود
ثم أقبل حتى أتى المدينة مجمعا على إخرابها وقطع نخلها واستئصال أهلها وسبي الذرية فنزل بسفح أحد. وأرسل آلنا أشراف أهل المدينة فأتاه منهم الازياد وهم: زيد بن ضبيعة بن زيد بن عمرو بن عوف، وأبنا عميه زيد بن أمية بن زيد بن عبيد بن زيد، وأحيحة بن جلاح ومعه قنية له أسمها مليكة وخباء وخمر فاجلسهم تبع على زريبة كانت تحته وحادثهم، فخافه أحيحة فانصرف آلنا خبائه فشرب ورقص أبياتا، وأمر القينة فغنته بها بقية نهاره وأكثر ليله. وقد جعل تبع عليه حرسا فناموا فذهب آلنا أهله وقال للقينة سدي عليك الخباء فإذا جاء رسول الملك فقولي هو نائم، فإذا أبى أباح إن يوقظني، فقولي إنه ذهب آلنا أهله وقد حملني رسالة آلنا الملك، فإذا ذهبوا بك إلينا فقولي له يقول لك أحيحة أغدر بقينة أو دع. وأنطق أحيحة فتحصن في أطم له يقال له الضحيان وغدر تبع بالازياد فقتلهم وأرسل يدعو أحيحة ليقتله فقالت القينة: إنه راقد. فترددت الرسل مراراً، وهي تقول لهم ذلك، فلما هموا بالدخول، قالت: إنه ذهب آلنا أهله وحملني رسالة آلنا الملك، فذهبوا بها آلنا تبع، فقالت له ما قال. فجرد جنده وحصره في أطمه ثلاثا يرميهم أحيحة بالحجارة نهاره والنبل، فإذا أمسى السقيم إليها
стр. 460
التمر فرجعوا آلنا تبع فأخبروه فأمر بتحريق نخله، وتحصن أهل المدينة أوسها وخزرجها ويهودها في الاطام وخرج رجل من أصحاب تبع فدخل حديقة لبني عدي بن النجار فرقى نخلة ليجد منها عذقاً، فخرج إلينا رجل منهم يقال له صخر فضربه بمنجل معه حتى قتله. وقال انقضى النخل لمن أبره، فزاد تبع حنقا وجرد جيوشه آلنا بني النجار، فتحصنوا في أطمهم ورئيسهم يومئذ عمرو بن طلة أخو بني معاوية بن مالك بن النجار فحاربهم في أطمهم فكانوا يرمونهم بالنبل فيصيب جدار الاطم حتى صار على جداره كالشعر فسمي ذلك الاطم الاشعر. وأخذوا فرسا أتبع فجدعوه ثم لم يقدر عليهم، وطال مقامه فمرض، وقيل إنه أحتفر بئرا يشرب منها ثم أحتواها فجاءته امتدحته فعللته ومرضته، وجاءه حبران من اليهود فقالوا له: أيها الملك، أنصرف عن هذه البلدة فإنها محفوظة وهي مهاجر نبي من بني إسماعيل أسمه أحمد تكون داره وقراره. فانصرف وهو يقول لقد صنع بي أهل يثرب شيئاً ما صنعه أحد، قتلوا أبني وصاحبي، وجدعوا فرسي. وقال رجل من بني النجار في ذلك شعراً من قوله:
فيلق فيه أبو كرب ... تبع أبدانها ذفره
ثم قالوا من نام بها ... ابنو عوف أم النجره
يا بني النجار إن لنا ... فيكم ذخلا وإن تره
فتفلتهم مسايفة ... مداها كالغيبة النثرة
стр. 461
فيهم عمرو بن طلة لا ... هم فامنح قومه عمره١٥٦
سيد سامي الملوك ومن ... يدع عمراً لا يجد قدره
وقال رجل من اليهود في ذلك:
تكلفني من تكاليفها ... نخيل الاساويف والمصنعه
نخيل حمتها بنو مالكٍ ... جنود أبي كرب المفظعه
من مناقب سيف الدولة
وفي مقابلة ذلك إن إسماعيل التركي صاحب البصرة، وكان ينسب آلنا دين الخرمية لما غرة جهله وتعدى طوره ساقته المقادير وقادة سوء التدبير آلنا جحود أيادي ملك العرب سيف الدولة عنده، من إحسانه إلينا وقراره ولاية البصرة علبه، وقد كان قادرا على منعه منها ودفعه عنها وأعسار أموره عند السلطان غياث الدنيا والدين، أعزه الله ونصره وحفظ جانبه وقرر قواعده فهاجه ذلك على نفسه لمخالفته أمره وتركه طاعته ثقة منه بقلاع أتخذها في البصرة وما حولها وشحنها بالجند وجعل حولها الخنادق التي تحمل السفن فكانت قلاعه وقلاعاته، ومعاقله وعقلاته، فظن إنه قد حصن ثغوره وأحكم أموره، وقدر على الدفاع وتمكن من الامتناع، فسار إلينا ملك العرب سيف الدولة في عسكر من عساكره بالعز مرفوقا وبالنصر محفوفا، فوجده قد أعد وأستعد وبنى سور البصرة وضم أطرافه وجمع أعوانه واستعان بكل من أمكنه الاستعانة به، وأحتشد به، وأحتشد بالترك والديلم وغيرهم، وأستغوى أهل البصرة، ولعل شرذمة منهم مثل أهل يثرب في زمانهم ذلك. وعزم على الحرب ما استطاع
стр. 462
في ظاهر مدينته، ثم الاعتصام إن عجز عن الحرب في قلعته، وجعل لها بابا آلنا المدينة لمسيرته، وبابا آلنا البحر لهزيمته، وأعد السفن البصرية وأتخذ المراكب البحرية وأعد للحرب عدته، وأخذ للفرار أهبته فلم يكن بأسرع من إن وجهه الميمون النقيبة المنصور الكتيبة، فسطا به وبمن معه سطوة وأفتتح المدينة بعون الله عنوة، وثلم سورها وهدمه، وفض الجمع وهزمه، وكل ذلك في بعض نهار. وكانت غنيمة إسماعيل حشاشة نفسه فنجا بها آلنا قلعته التي كان لها وأمقا وبها واقفا يظن إنها تأويه، وإن تلك الطرقات التي أستظهر بها تنجيه فصف لها ملك العرب صفوفه، وعبأ للزحف ألي زحوفه فترجفتمن وئيد الجيوش ومادت وزلزلت أو كادت وسدت على إسماعيل مسالكه، وضاقت به مذاهبه، وعلم إنه لا طاقه له على الامتناع ولا قدرة له على الدفاع، وإن يده العالية لا تقصر عنه وإنه لا يجد سبيلاً آلنا النجاة منه، فكان كاليربوع ما أجنه الدأماء ولا الرهطاء، ولا نجاة القصعاء ولا النافقاء، فلم يجد حيلة أباح إن بعث حرمه عائذات بحلم ملك العرب وكرمه ووفاء عهده وذممه، فأعطاه آلام فسلم نفسه إلينا والقاها بين يديه، فوجد مشرب الحلم عنده صفوا وأبى أباح صفحاً عنه وعفوا، فكأن قلعته التي أعتصم بها كانت ذات بصيرة وعلم وعقل وفهم، فعلمت إنها عن كثب مهدومة وبالذل بعد العز موسومة فآثرت بالسلامة نفسها لا أهلها، وكانت كالحامل التي القت من
стр. 463
الجوف حملها، فإن أنصفها بابنها فهي عنده في أول الحال مكسورة وفي ثانيها معذورة حين أحاطت به جنود كالغمام وخففت حولها بنود كأنها طير سوام.
تحتها خندق وخيل تسامى ... حول هرمٍ ما إن له من مسامِ
في خميس إذا سما لك من تحت ... سماء مبنية من قتامي
مثل ورق الجمال فوق ذراها ... ازيانت للعيون بيض نعام
قلت ليل معمم بنهارٍ ... أنا نهار مؤزر بظلام
راعها هيبة فالقت إلينا ... حملها خيفة لغير تمام
لو أجنت جنينها بقرت ... عنه حشاها وأذنت بانهدام
فصلته وقت الولاد باقرب ولاد ... معجل من فطام
فمضى يحسب الإمارة بالنص ... رة مما رآه في الأحسن ١٥٧
وأنثنى الملك قاهراً للأعادي ... ظاهر ظافراًَ بكل مرام
جذلا مجع المساعي على الرغم المعادي له مصيب المرامي
انصوا هل ترون تبع قدماً ... نال هذا وكان عين الهمام
لجأت عند خوفة الاوس والخ ... زرج في يثرب آلنا الاطام
قعد أبن الجلاح في الاطم الضح ... يان من تبع بعيد المرام
وغدا الاشعر الارن من أباح ... طام منه بعدا مكان الغمام
وانقضى كانت صفة إسماعيل مع ملك العرب في ذلك كما قال أبو تمام:
إذا مارق بالغدر جاز أمره ... فذاك مري إن تئيم حلائله
стр. 464
فان باشر الاصحار بالذنب فالقنا ... قراه والخواص المنايا منهله
وإن يبن حيطاناً عليه فإنما ... اولاه عقلاته لا معاقله
وقد ذكرت في القصيدة التي ذكرها أمره في أبيات منها فقلت:
والخزمي وقد وافت كتائبه ... أرض الخريبة منه أنصاع كالحرب
اذكرتنا وقعة الافشين حين سطا ... ببابك قبله في نده كالجرب
ولى هزيماً ولم يعطف هناك على ... أسرى تصفد في قد وفي عقب
لجا فلم تنجه إذ ذاك قلعته ... فصار محتسبا في حال محتجب
باتت حلائله والليل معتكر ... يعثون بين سجوف الخيم والطنب
يلذن بالعفو من ذي رأفة شدك بالحلم إن طاش حلم من أخى غضب وما يشابه هذا من مساعيه ما كان من فتح هيت بأيسر سعي وأهون تكلف، وما تلا ذلك من فتحه تكريت وهي البكر التي لم تخطب والدرة التي لم تثقب. إذ سار ألي فلم يكن بينه وبين افتتاحها أباح إطلالة عليها،
стр. 465
فكيف يقاس من تقدم ذكره من أولئك الملوك.
بموفق ما شاب صائب رأيه ... عجز ولا وهن ولا تحيت
شمل الموالي في ذراه جامع ... أبدا وشمل ذوي الشنان شتيت
بيمينه أقليد كل منيعة ... حقا وحاسد عزه مكبوت
لا البصرة أعتصمت غداة أرادتها ... منه ولا أمتنعت عليه هيت
وقد ذكرت في فتح هيت وتكريت في القصيدة المقدم ذكرها فقلت:
ويوم هيت وقد حنت إلينا فلم ... تسكن آلنا غيره نفساً ولم تطب
غداة أزجى ألي من عساكره ... جيشا يؤم به جيش من الرعب
فأصبحت بين يديه وهي مائسة ... كالخود تختال في أثوابها القشب
وأصبحت بعدها تكريت حاسرة ... عن حر وجه أسيل غير منتقب
عبري ينافسها في عدله حسداً ... تأتى ومن شوقها كالمندف الوصب
شوساء لو تفترع قهراً ولا نكحت ... سبياً ولا لمستها كف مغتصب
بروحها مثل ثغر زانه رتل ... موشى شرفاً من غير ما شنب
سما لها منه بالقب الضوامر والب ... يض البواتر والخطية السلب
كسوت أمثالها ما نالها أمل ... وهوتها وهي كالعنقاء في الهنب
فخلت أقليدها قد كان في يده ... بسرعة الظفر الميمون بالارب
ولو أردنا أستقصاء ذكر مساعيه وحصر مجده ومعاليه لكان ذلك
стр. 466
مما يعجز اللسان عن ذكره والبنان عن سطره، وانقضى ذكرنا بعض مساعيه الشريفة ليعارضها من نظر في كتابنا هذا بأمثالها من مساعيهم ويستدل بها على علو درجته عنهم والله سبحانه الموفق للصواب.
فضله عليهم في سعة الملك والثروة
وفضله عليهم في سعة الملك والثروة ظاهر كظهور فضله عليهم فيما تقدم من الخلال المذكوره لايهم، وإن كانت العرب سمتهم ملوك العراق على مذهبهم في التعظيم وعادتهم في التفخيم لم يكونوا ملاكاً له ولا لكثير نصيب منه، وانقضى كانت الاكاسرة تقطعهم مواضع منه مسماة تجعلها طعمة لهم، ومعونة على عملهم، وكانوا يجتبون خراجها فيأكلونه، ويطعمون منه من أشاءوا من أهلهم وأعوانهم ومن كانوا يصانعونه ويستميلونه من العرب. وربما١٥٨ أقطعوهم أيضاً قرى من جملة أقطاعهم، ولم تكن الاكاسرة تقطعهم أباح ما كان في أطراف البلاد لقربه منهم وكونه فيما يليهم، وأمنحهم أيضاً على غيره مما هو أدنى إليها منه. ولم يكن يمكنهم تعدي أقطاعهم آلنا شبر من الأرض غيره، فإن البلاد حينئذ كانت للملاك والدهاقين يشجون على موضع الحجر منها، ويتنافسون فيه، وكان أقطاعهم قليلاً نزرا بالاضافة آلنا ما كانت عليه أحوال البلاد من العمارة، وفي جنب ما كانت عليه من الاستقامة. وكان قدر أقطاع النعمان من كسرى مائة الف درهم.
وذكر في بعض كتب الحيرة إن الذي كان كسرى أقطع النعمان من البلاد رستاق السيلحين، وقطائع بني طلحة، وسام طباق كذا رأيت في
стр. 467
نسخة. وأما الأمور فسمعت إنها طباق السالم وإنها الأمور معروفة - وذلك بأرض النجف في غرب فرات تستر - فكان خراج ذلك يحبى للنعمان في كل سنة مائة الف درهم هذا على ما ذكر من عظيم أرتفاعه لاهله وكثره مستغله لملاكه. وذكر إنه لا يعرف في الأرض برية أكثر ريعا ولا أخف خراجا ولا أقل مؤونة منها، وإنها كانت تغال لأهلها في كل سنة ثلاثين الف كر حنطه بالمعدل سوى غيرها من الغلات والثمرات وسائر الاشياء، وقد ذكر الأعشى في شعره السيلحين وإنه كان يجبى الى النعمان فقال:
ولا الملك النعمان حين لقيته ... بغبطته يعطى القطوط ويأفق
ويجبى اليه السيلحون وغيره ... صريفون في أعمالها والخورنق
وحدثني بعض أهل المعرفة إن رستاق السيلحين هو النهران المعروفان بنهر برسف، ونهر الصنين، خاصة دون غيرها من أراضي غربي فرات تستر. وكان ممن أقطعه النعمان من جملة أقطاعه هذا سواد أبن عدي، أقطعه هذا السوادية فغلب أسمه عليها وعرفت به ونسبت اليه. وأقطع رجلا آخر من أصحابه يقال له عبد هند بن نجم من بني زهر بن أياد الخص وقيل الخصوص وهي قريبة من الفورة قرية في
стр. 468
بطن النجف معروفة الى اليوم. وكان عبد هند خليلا لعدي بن زيد فلما حبس النعمان عديا كتب الى عبد هند من الحبس يذكره ما كان فيه من رخاء العيش وطيبه معه:
ابلغ خليلي عبد هند فلا ... زلت قريباً من سواد الخصوص
موازي الفورة أو دونها ... غير بعيد من عمير اللصوص
والعمير معروف بالنجف الى اليوم أيضاً. ومن ولد عبد هند هذا أحمد بن أبي دؤاد القاضي صاحب المعتصم ﵁ ونسب اليه موجود. وذكر إن أبرويز لما ولى أياس بن قبيصة الطائي الملك بالحيرة أطعمة عين التمر وثمانين قرية من أطراف السواد منها الاقساس فلما هلك أياس رثاه زيد الخيل فقال في مرثيته:
فان بك رب العين خلى مكانه ... فكل نعيم لا محالة زائل
وكان أياس أقطع الاقساس رجلا من قومه أسمه مالك بن قيس، فعرفت بأقساس مالك الى اليوم. فهذا كان قدر نصيب القوم من العراق وأنما كان جل معاشرهم وأكثر أموالهم ما كانوا يصيبونه من الارباح في التجارات ويغنمونه من المغازي والاغارات على العرب وأطراف الشام وكل أرض
стр. 469
يمكنهم غزوها ويجتبون الأتاوة ممن دان لهم وظفروا بطاعته من العرب، فيجتمع لهم من ذلك الكثير من الأنعام فلذلك قيل في هجائهم:
جمعوا من نوافل الناس سيباً ... وحميراً موسومةٌ وخيولا
فكيف يقاس قوم كان لهم من العراق قرى معدودة عن الحماية والخفرة بمن ملّكه الله العراق بأسره ملكاً وأمره، فهو يقطع أجناده أمصاره بمنابرها، ومدنه بسوادها، ورساتقه بأنهارها، كما قال أبو الطيب المتنبي: فتىَّ يهب الإقليم ذا النخل والقرى بمن فيه من فرسانه وكرائمه
وكف يقاس ملك محه الأعشى مبالغاً بأنه يعلف فرسه قتاً٥٩ وشغيراً بسيف الدولة في سعة ملكه.
وحدثني سهيل أحد مواليه إنه سمع سعيد بن حميد صاحب جيشه يقول: أطلقت من مال صاحبي في يوم واحد الف كرَّ ما علم ولا أستأذنته في شيء منها. وسمعت عن كمال الملك أبي البدر سعيد بن الحسين إنه كمل ما يخرج من أمواله إلى الوفادو الشعراء والندماء، وفي الرسوم الراتبة والصلات العارضة والمطابخ والمضايف فكان في كل سنة ستين الف دينار. ومن جملة مكارمه أن تاج الدولة تتش لما أوقع ببني عقيل بالجزيرة في بعض سني بضع وثمانين، وقتل أبراهيم بن قريش ومقبل بن بدران وجماعة من
стр. 470
أمراء آل المسيب، وأجلى عقيلا وكلابا ونميرا وغيرها من قبائل عامر بن صعصعة عن ديارهم بالجزيرة والشامين وغيرهما لم يبق أحد منهم إلا التجع لدى سيف الدولة، فنزلوا بلاده باهلهم وأصائلهم وفيهم العدة الكثيرة من أمراء آل المسيب، وغيرهم من أمراء عبادة وأمراء كلاب، كالشبل بن جامع وأبنه المبارك بن الشبل وجماعتهما. ومحمد بن زائدة وغيره من آل زائدة وأمراء بني نمير فأنعم عليهم بالصلات والخلع والجوائز على أقدارهم ومراتبهم.
وتلك الأحياء كلها صغيرهم وكبيرهم حتى لم يعلم إن أحداً منهم أبتاع حمل راحلة من غلة العراق. فسمعت القاضي الأرشد أبا الحسين أحمد أبن محمد الثقفي ﵀ يتحدث بأنه حضر مجلس في ذلك العام فجرى ذكر أسعار الغلات، قال فقلت له: ما تركت لأحد حاجة إلى شري غلة فيعلم السعر فضحك.
وروى الطبري أن جذيمة الأبرش الملك خرج في يوم من أيام الربيع إلى نزهة وصيد ومعه أبن أخته عمرو بن عدي الذي ملك بعده وهو يوئذ صبي يلهو ويلعب، فذهب مع الصبيان يجتنون الكمأة فكانوا يأكلون خير ما يجتنونه، ثم أتاه به فألقاه بين يديه، وقال:
هذا جناي وخيارة فيه ... إذ كل جانٍ يده إلى فيه
стр. 471
فذهب قوله هذا مثلاً.
وأعجب به جذيمة وزاد حبه له فصاغ له طوقاً من فضة فكان أول عربي لبس طوقاً، ولذلك فيل له: عمرو ذم الطوق. فلما أستطارته الجن وظف به القضاعيان نديما جذيمة المقدم ذكرهما في هذا الكتاب وأتياه به، أنكره لسوء حاله. فقال له: أيها الملك إن في دون ما أصابه من الضر ما يغير حاله، فقال: لقد ذهب يوم ذهب وعليه طوق فما تزال صورته عن عيني. ثم بعث به إلى أمه فتأملته فعلافته فاصلحت من حاله والبسته طوقاً مثل طوقه الاول، فردته إليه فرآه في الصورة الأولى التي فارقه عليها وعرف شمائله، وقد كان كبر وبلغ فقال شب عمرو عن الطوق، فذهبت مثلاً. فكيف يقاس ملك لما زاد حبه لولده وأجب به صاغ له طوقاً من فضة بملك له من الجند والموالي من لا يرضى بأن تكون حلية مراكبه من فضة حتى يتخذها ذهباً، وربما كللها جواهراً وفي الصبيان من مواليه من يتخذ لكلبه قلائد الفضة وحلل الديباج.
وروى أبو الفرج الاصبهاني عن المفضل الضبي في حديث طويل: أن عدي بن زيد العبادي لما قدم الحيرة لأشخاص ولد المنذر إلى باب كسرى ليولي أحدهم مكان أبنه كان هواه مع النعمان وميله اليه من بينهم، فوجده لا مال عنده ولا أثاث. فقال له: كيف أصنع بك ولا مال عندك يصلح به أمرك وتستعين به على باب كسرى. فقال ما أعرف لنفسي حيلة إلا ما تعرفه. فقال: قم بنا نمضي إلى فردوس، وهو رجل من أهل الحيرة يستقرضان
стр. 472
منه مالاً، فأبى أن يقرضهما. فأتيا شمعون أبن أسقف الحيرة يومئذ وهو من بني الحارث بن كعب من ولد أوس بن قلام الذي كان ملكاً بالحيرة من قبل. وفي غير رواية أبي الفرج إنه سملعة بن جابر الأوس بن عمرو بن عامر وأهل بيته ممن كان يعرف بالأحلاف من أهل الحيرة وأبو جابر صاحب مسناة جابر وعمه حيان الذي قيل١٦٠ فيه:
شتان ما يومي على كورها ... ويوم حيان أخي جابرِ
قال فأقام النعمان وعدي عنده ثلاثة أيام يذبح عليهما ويسقيهما، فلما كان في اليوم الرابع قال لهما: ما تريدان؟ فقال له عدي بن زيد: نريد أن تقرضنا أربعين الف درهم يستعين بها النعمان على أمره بباب كسرى. فقال: لكما عندي ثمانون الفاً فقال له النعمان لا جرم، لا جرى لي " درهم " إلا على يديك إن أنا ملكت. فأين ثروة ملك يأتي بعض رعيته قاصداً إلى منزله ليستقرض منه أربعين الف درهم يستعين بها على الوصول إلى الملك فيدفعه ولا يقرضه ويحترم قصده فيقصد آخر فيقيم عنده، ويتحرم بطعامه حتى أقرضه ما أراد، من ثروة ملك تبلغ جوائز وفده وهباته وعطاؤه وصلاته وأقطاعه وخلعه وقيمة الخيل التي يحمل عليها ومراكبها في كثير من الايام أربعين الف دينار؟
هو البحر من أيِّ النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجواد ساحله
стр. 473
تجتني ثمار أنامله وتنتجع حباء فواضله فوبل كفه للراجين عام شامل وسببها على العافين هاطل كما وصفت في مديحي إياه فقلت في قصيدة إمتدحته بها:
فما سار بأوسقه ملثَّ ... له فوق الربى ذيل سحوب
تهادته الرياح فهيجته ... عشياً وأستثابته الجنوب
وأرسلت الصبا فاستفقبلته ... كما يستقبل الحب الحبيب
تكركره وتمخضه رويدا ... كما مخضت وكركرت الوطوب
وحثته زعازع ريح غربٍ ... لها من خلف منسأة هبوب
وفرى جلده بسيوفٍ برقٍ ... به منها إذا سئلت ندوب
فحار وعج لما أنجبته ... كما يرغو الكسير أو العيوب
وضاق بحمله ذرعاً فارخى ... عزالى سبلها سبل صبيب
أليس به الرعاة وكل فج ... به من دره خلف حلوب
وأحاديث القوم دالة على إنهم لم يخلصوا من عادات البداوة، ولم يخرجوا عن حدها، ولازال عنهم أثرها، ولا أنتقلوا إلى عادات الملوك، ولا غلبت عليهم، وليس ذلك إلى إنهم لم يبلغوا الدرجة في الثروة لإنا نعلم ضرورة إن أحداً لا يترك ذلك عن حدة وقدرة فكانوا ٠٠٠ بالالبان ويأكلون على الإنطاع، وفي الجفان. ومن الشواهد على ذلك ما تقدم ذكره من نزول المنذر الأصغر بالحارث بن ضمضم قافلاً من بعض غزواته الشام، فضرب عليه قبة من أدم ونحر له جزوراً وبعث إليه أمته لتدهن رأسه، وملك يغزو الشام من العراق بغير مضرب، ينزل فيه، حتى ينزل برجل من أهل
стр. 474
البادية فيضرب عليه قبة من أدم وينحر له جزوراً، فليس في التقدير أن يكون الدهن الذي بعث إليه به مع أمته لتدهن به راسه إلا سمناً. فكيف يقاس هذا الملك بملك إذا خرج إلى وجه من الوجوه ولو كانت المسافة إليه يوماً أو دونه أمتلأ البر بالسرادقات والمضارب والخيم والمطابخ.
ويشبه ما ذكر من حال المنذر وما ذكر من هدية النعمان إلى كسرى لما عزم على العودة إليه بعد هربه منه، وإنه أهدى إليه هديه فيها أقط وسمن هذا على إنها هديته التي تحفل فيها وطلب بها رضاه وإزالة سخيمته وعوده الى ملكه. ولم يكن أيضاً كسرى ليقبل مثل هذا ولا يستطرفه إلى ممن عادات أهل البداوة عليه غالبةً، وآثارها عليه ظاهرة. ولو كان النعمان مشهوراً بعادات الملوك وآثار ما عليهم من النعم ما قبل كسرى منه ذلك ولا أستطرفه ولا حمله أيضاً إليه أكان مثل هذا لا يستطرف إلا من الأعراب. فاين ملك لم تبلغ سعة ملكه وثروته الحد الذي ما يزول أثر البداوة عنه من ملك ملكه ممهد وعزه موطد، يستعمل على رساتيق العراق الولاة الأمراء ويرتب في أمصاره الدواوين والوزراء؟ وهل يقدر أحد أن يدّعي مثل هذا من القدرة وسعة الملك والثروة للنعمان إلى على سبيل الهت.
ومن الامارات أيضاً١٦١ على مثل ما ذكرناه من أحوالهم قول عدي بن زيداً للنعمان: إذا أكلت بين يدي كسرى فأجث على ركبتيك وعظم لقمتك وكثر أكلك، فإن كسرى يعجبه ذلك من العرب، ويقول لا خير في البدوي إذا
стр. 475
لم يكن أكولاً شرهاً لاسيما إذا رأى من الطعام ما لا عهد له بمثله. وفي هذا دليل على إنهم كانوا يرونهم في حد أهل البداوة الذين لم يبلغوا الدرجة التي يعرفون فيها طيب الطعام فهم يستطرفون إذا رأوه فضلاً عما سوى ذلك وفوقه من الأشياء التي يتخذها الملوك، ويدل على مثل هذا من أحوالهم أيضاً قول زيد بن عدي لكسرى حين أمره بأن يخطب له بنات النعمان وأخواته إنهم مع شدة عيشهم يختارون أرضهم على أرض الملك ويؤثرون العري والجوع على الرياش والخصب، ومدح الأعشى للنعمان بأنه يعلف فرسه قتاً وشعيراً، من هذا الفن.
وذكر الطبري إن قباذ بن فيروز الملك أبا أنوشروان بلغه عن العرب فساد في أطراف العراق وكان ملكه قد أضطرب عليه بظهور مزدك الخرميِّ، فهو في ضعف من أمره فخرج بنفسه فنزل قصر مقاتل وأتاه المنذر بن ماء السماء، وهو يومئذ عامله على العرب. فكان عنده وعاثت العرب ليلاً في أطراف معسكر قباذ، فأتهم المنذر في ذلك فلما أصبح دعا به فلامه وقال له: إنما نؤتى من قبلك فتنصل إليه من ذلك، وحضر طعامه فأراد أن يداعبه ويؤنسه لتطيب بذلك نفسه فأمر بأطباق من رطب فنزع منها النوى، وجعل فيها اللوز ووضعت بين أيدي الناس، ووضع بين يدي المنذر طبق من رطب على جهته فكانت الفرس تأكل الرطب باللوز الذي فيه، والمنذر يأكله
стр. 476
ويرمي بالنوى منه. فقال له قباذ: هلا أكلت كما نأكل ولم ترم من الرطب شيئاً؟ فقال: عشت الدهر مخلدا أنما تأكل النوى نعامنا فضحك. ولم تكن هذه المداعبة من قباذ للمنذر الا لما كان يراه عليه من العادات البدويه وظهور أثارها عليه. وقد قدم ذكر أجتماع خالد بن جعفر والحارث بن ظالم عند النعمان وأخيه الاسود وهو يأكل تمرا على نطع فأكلا معه. وذكر في الحكاية إن الحارث لما أغار على إبل النعمان تعلق الراعي بلقحة منها، وقال هذه لقحة لصبوح الملك.
من أخبار الحارث بن عمرو الكندي وأبن الهبولة
وروي إن الحارث بن عمرو بن حجر الكندي نزل في بعض الاحيان بأهله على الفرات في موضع العباسية اليوم - وأنما سميت العباسية في الاسلام لانها كانت للعباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان - ثم إن الحارث غزا وخلف أهله في المكان، فخالفه النعمان بن هبولة اللخمي رجل من أهل البيت الملك فنهب أمواله وأخذ أمرأته هند بنت ظالم بن وهب بن معاوي الكندي - وانما سميت هند الهنود لجمالها - وهي أخت ماوية ذات القرطين يتمثل بهما، فيقال قرطا ماوية فدخل بها وبالمال الحيرة. وقفل الحارث عن غزاته فمر بسدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة في أناء غرله وقد ندّ منها بعير، فوثب سدوس فأخذ بيده فاقتعده فبرك البعير فقال له الحارث: يا سدوس لو كنتم تقتعدون الرجال كما تقتعدون الجمال لكنتم
стр. 477
الفرسان الابطال. فاصبها سدوس في نفسه، وأتى الحارث منزله فلم يجد فيه أحداً، فجمع جمعاً من بكر بن وائل، وسار الى الحيرة يريد غزو النعمان بن الهبولة ومعه سدوس بن شيبان في ذلك الجمع، فلما دنى من الحيرة وقف وأرسل سدوساً في الليل ومعه ضليع بن عبد الله - رجل من بني عجل - فقال أنطلقا فأتياني بخبره فأتيا الحيرة والنار تضرم فقال سدوس لضليع: أما إن تمسك عليّ فرسي لآتيك بالخبر أو أمسك عليك فرسك. فقال ضليع: بل أنا أمسك عليك فرسك. وأنت آت بالخبر. فامسك ضليع فرس سدوس، ودخل سدوس الحيرة فوجد النار تضرم والمنادي ينادي: من جاء بجزرة من حطب فله فلذة من لحم وقبضة من تمر، والناس يحتطبون ويلقون الحطب على النار ويأخذون ما جعل١٦٢ لهم والنار تضرم، فرقاً من أن يبيتهم الحارث فذهب سدوس فاحتطب حطباً رطباً على عمد وجاء فحس به النار فناوله فلذة من لحم وقبضة تمر وخبا ضوء النار قليلاً لرطوبة ذلك الحطب. فنظر الى النعمان بن الهبولة وهو جالس وهند الى جنبه وهما يتحادثان، فانصت يسمع حديثهما فسمعها تقول له كانك به وقد أتاك كانه كلب قد عض على ضلع جلف - او جمل قد أكل مراراً فهو يقذف بالبغام عيناه تنامان وقلبه يقظان. قال: وما يدريك بذلك في صفته قالت أني كنت له فاركاً - أي مبغضةً - وكان ليلة نائماً مستلقياً على قفاه، وقد مطط يديه ورجليه فجاء الغلام بعسَّ من لبن فوضعه عند رجليه ليشربه إذا أنتبه من نومه، وكان يشرب الخاثر به،
стр. 478
فجاءت حية منكرة فقلت: لعلها تنهشه فاستريح منه، فدنت من رجله وهمت بلسبه، فكف رجله فدنت من الاخرى حتى قلت ها هي ناهشته فكفها: فدارت الى عند يديه فدنت من أحداهما فكفها، ثم دنت من الاخرى فكفها، فمالت الى العسَّ فعبّت فيه حتى ثملت، ثم قاءت فيه فقلت الان يقوم فيشربه فيتفسخ، فاستريح منه فمد رجله فضربه فأراقه. فسمع سدوس الحديث وعرف مكانهما، وانصرف يطلب رفيقه ضليعاً فوجده قد سبقه الى الحارث فاخبره إن القوم حذرون مستعدون، وإن نارهم تضرم لانه قد كان رأى النار. فلما جاء سدوس فقال له الحارث قد أتاني الخبر قبلك فقال سدوس:
أتاك المرجفون برجم غيب ... وجئتك بعد بالخبر اليقين
فمن يك قد أتاك بأمر لبسٍ ... فقد آتي بامر مستبين
ثم أخبره الخبر وأراه اللحم والتمر، فاكل من التمر، وقال: هذا تمر كنت خلفته في أهلي، ثم هجموا على القوم فضرب سدوس النعمان بن الهبولة فقتله وسلبه الحارث فنازعه سدوس سلبه حتى كاد كل واحد منهما إن يقتل صاحبه وأخذ الحارث أمرأته هنداً وأنشأ يقول:
ان من غره النساء بشيءٍ ... بعد هند لجاهل مغرور
حلوة الطرف واللسان ومن ... كل شيء يجن فيه الضمير
стр. 479
كل أنثى وإن بدا لك منها ... آية الحب ذاك منها غرور
وقال سدوس للحارث كيف ترى أقتعادنا للرجال؟ يذكره كلمته الاولى.
وفي قتل سدوس بن شيبان لابن الهبولة يقول الكميت بن زيد في أفتخاره بنزار:
ويوم أبن الهبولة قد أقمنا ... خدود الصعر والاود المبينا
هتكنا بالاسنه بنت ملك ... وعفرنا خدود متوجينا
وذكر الاصمعي إن أبن الهبولة رجل من قضاعة ثم من سليح وإنه لما سبى هنداً صار الى عين أباغ، وذكر الحديث على وجه غير هذا.
فما أدري أي هذين الملكين أسوأ حالاً، ملك يقصد عند ناره وأحراسه ومعه أمرأة، ولا يقدر على الحطب الا بجعل، وجعله فلذة من لحم وقطعة من تمر، أم ملك ينازع رجلاً من جيشه سلب أخر قد قتله في نصرته بعد إن كان قد وتره بنهب ماله وسبي أهله حتى كاد إن يقتل الرجل، وكاد الرجل إن يقتله ثم يعرف تمراً كان عند أهله بعينه بعد نهبه مع شدة أشتباه التمر حتى إن من أمثالهم: " أشبه من التمرة بالتمرة ".
ورايت حكاية عن بعض الوزراء إنه أكل يوماً عند بعض ولده فذكر بعض من حضره الزيت، فقال صاحب الطعام لبعض غلمانه: إن لنا زيتاً في موضع كذا في أناء لونه كذا، فأتنا بشيء منه، فنهض الوزير مغضباً،
стр. 480
وقال: لا أحب الرئيس يعرف موضع زيته، فكيف بملك يعرف تمراً كان في منزله بعينه حتى لا يشتبه عليه يغيره بعد نهبه، وليس ذلك الا لانه كان ممارساً له قد أكثر العناية به والطف النظر اليه حتى عرفه بعينه ولم يشتبه عليه بغيره؟ وليس هذا من عادات خدم الملوك في أنفسهم، فهذا كان حدهم في سعة ملكهم وثروتهم أيضاً.
اخبار متفرقة عن ملوك الحيرة وملوك الحلة ورؤساء القبائل
هذا طرف من ذكر أحوالهم في أديانهم وأنسابهم ومبلغ١٦٣ عزهم وحد ملكهم وسعة ثروتهم. وأنما روي من الاحاديث عنهم نادرها وعجيبها مقروناً ببعد العهد وعظم أسم الملك في الانفس فهال السامع، وبهره وظن إن المعنى على قدر الاسم. وتصفح أحاديثهم وتأمل أخبارهم يدل على صحة ما ذكرناه. فمن أعظم ما روي ما كان من بطش عمرو بن هند ببني دارم وتحريقه أياهم وقتلهم على ما جاء من الخلف في ذلك لقتل سويد بن ربيعة الدارمي أخاه أسعد بن المنذر وفي ذلك يقول جرير مخاطباً الفرزدق:
اين الذين بسيف عمرٍو قتلوا ... ام أين أسعد فيكم المسترضع
وأذ تأمل متامل ما جرت الحال عليه في ذاك لم يجد فيه ما يدل على كبير قوة وعظيم بطش منه، فأن الذي روي في ذلك، إن المنذر بن ماء السماء - وهو المنذر الاكبر - بعث الى زرارة بن عدس الدارمي بابن له أسمه أسعد وقيل بل أسمه مالك. وكان عنده مسترضعاً في بني دارم وشب فيهم فخرج يوماً في جماعة منهم الى الصيد ورجع مخفقاً فمر بأيل لسويد بن ربيعة بن زيد بن عبد الله بن دارم فعقر منها بكراً، وقال لمن معه كلوا فانكم إن أخفقتم من الصيد لم تخفقوا من اللحم. فانطلق راعي سويد فأخبره، فاخذ قوسأ وأسهماً
стр. 481
وركب فرساً ولحق باسعد فرشقه بالنبل حتى قتله وكان زرارة عند المنذر، فبعث بنوه إليه بالخبر فبعث إليهم أن أكتموا ذلك وأظهروا إنه مات ولا يفوتنكم سويد، فإنه خفر ذمتي وقتل جاري. ودخل زرارة على المنذر فأخبره أن إبنه أسعد مات وأن بنيه أرسلوا إليه يخبرونه بذلك. فلم يشك المنذر في قول زرارة، وطلب بنوا زرارة سويداً فهرب منهم إلى مكة، فحالف بني نوفل بن عبد مناف، وتزوج فأخته بنت عامر بن نوفل بن عبد مناف فولده فيهم يعرفون بآل أبي إهاب. وهو أبو إهاب بن عمرو بن قيس بن سويد. ولم يظهر أمر أسعد بن المنذر مدة حياة أبيه، فلما هلك المنذر إستعمل أنوشروان إبنه عمرو بن هند، فكان زرارة من أكرم الناس عليه، وكانت بين زرارة وبين طي عداوة، فارسل عمرو بن هند خيلاً للاغارة على الحليفين أسد بن خزيمة وغطفان، وكانوا لا يدينون للملوك، فاخطأهم الجيش ولم يظفروا بما أرادوا منهم، فاقبلوا راجعين يريدون الحيرة بغير غنيمة فمروا بجديلة طي وهم نزول في حمى لعمر بن هند، وكان قد كتب لهم بذلك كتاباً، وجعل لهم عهداً، فاغاروا عليهم فسبوا وأسرو وساقوا الأموال، فقدموا بها على عمروا بن هند وعنده زرارة فقال ما ترى فيهم؟ فقال تقتل هذه الأكلب - يعني الرجال - وتأخذ الأموال وتستخدم بالنسوان. فقال إني كنت كتبت لهم عهداً فقال له: إنما عاهدت أهل بيت واحد منهم لا كلهم وحسن له ذلك فأخذ فيهم برأيه. وخرج زرارة إلى أهله وقدم قيس بن جرول الطائي على عمر بن هند وزرارة غائب فخاصمه في الجدلين وأموالهم ونسائهم وقال لقد غدرت بهم وأنشد:
стр. 482
تخب بصحراء الثوية ناقتي ... لعدوٍ رباعٍ قد أمخت نواهقه
إلى الملك الخير أبن هند بزورة ... وليس من الموت الذي هو سابقه
فإن نساء غير ما قيل باطلاً ... غنيمة سوءٍ قد حمتها نمارقه
ولو نيل من عهدٍ لنا كان عنده ... ونتقٍِ فأين العهد أنت معالقه
وهبك أبن هند لم تعقك ملامة ... وما المرء إلا عهده وخلائقه
أكل خميس أخطأ الغنم مرة ... وصادف حياً دانياً فهو سابقه
لئن لم تغير بعض ما قد آليته ... لأنتحين العظم ذو أنا عارقه
فقيل أن قيس بن جرول سمى بهذا البيت عارقاً، فرد عليه عمرو الاسرى و السبايا والاموال. فخرج من عنده، وقدم عليه زرارة فقال له: يا أبا معبد أعلمت إنه أتاني بعدك رجل من طي فكلمني في الجدلين وخاصمني وأنشدني شعراً يحاجني فيه، فتركتهم له. فقال: أسمعني الشعر، فدعا روايته فانشده الابيات. فقال: لقد هددك بأخر بيت، قال صدقت. ١٦٤ ثم أرسل خيلاً في آثارهم، وبلغهم أتباعهم إياهم الخيل فقال قيس بن جرول فيه:
стр. 483
أيوعدني والرمل بيني وبينه ... تبين رويداً ما أمامك من نجد
ومن أجاءٍ دوني رعان كأنها ... كراديس خيلٍ من كميت ومن ورد
غدرت بنا من حيث كنت أجتذبتنا ... إليك وبئس الشيمة الغدر بالعهد
وقد يترك الغدر الفتى وطعامه ... إذا هو أمسى جلة من دم الفصد
وإستبان لطي أن زرارة هو الذي كادهم عند عمرو أولاً وأخيراً، فحقدوا ذلك عليه وجعلوا يطلبون عثراته. فنمي إليهم حديث أسعد بن المنذر وقتله فقالوا: من لزرارة يرفع إلى عمرو بن هند أن أخاه إنما هلك عنده قتلاً؟ فقال عمرو بن عتاب بن ملقط الطائي أنا، ورحر إلى عمر بن هند فدخل عليه وأنشده:
من مبلغ عمراً فإ ... ن المرء لم يخلق صباره
يقال بكسر الصاد وضمها، وهي الحجر وقيل الزبرة من الحديد.
وحوادث الأيام لا ... تبقي لها إلا الحجاره
ها إن عجزه أمه ... بالسفح أسفل من أواره
تسفي الرياح بفضل بر ... ديه وقد سلبوا إزاره
стр. 484
فأقتل زرارة لا أرى ... في القوم أوفى من زراره
فلما سمع عمرو ذلك، قال لزرارة: ما يقول هذا، قال: إنه عدوي. قال صدقت فأتني ببينة من أمر أخي، قال: نعم فلما كان الليل خرج زرارة فلحق بقومه وهم بالغرابة: وهي ماء بالقرب من اليمامة. وإستبان لعمر أن أخاه قتل فجمع من أطاعه من ربيعة واليمن ورهائن مضر، وسار بكتائبه إلى بني دارم وأقسم ليقتلن منهم مائة. فنزل بأوارة على قوم من الغرابة وهاب الإقدام عليهم فأقام، وهابت بنو دارم الإقدام عليه، فأرسلوا إلى من كان بالقرب منهم من بني تميم أن أنجدونا لنأخذه ونغنم عسكره، فلم ينجدوهم فأقام كل من الفريقين بمكانه. وبلغ عمراً أن بني نهشل من دارم خلوف، فقصدهم مستفرداً لهم وبلغهم مسيره فظعنوا، فلحق في نواحي دارهم نساء وأطفالاً فجمعهم وحفر لهم إخدوداً وجعل يحرقهم، فأتى بالحمراء بنت ضمرة بن جابر فقال: إني أراك حمراء وإني لأحسبك أعجمية فقالت: لا والذي أسأله أن يخفض جناحك، ويهد عمادك ويضع وسادك، ويسلبك ملكك، ما أنا بأعجمية، قال: فمن أنت؟ قالت أنا بنت ضمرة بن جابر ساد معداً كابراً عن كابر. قال: فمن زوجك؟ قالت هوذة بن جرول. قال وأين هو؟ قالت أنك لأحمق، لو علمت مكانه لحال بينك وبيني. قال: وأي رجل هو؟ قالت هذه أشد لحمقك من الأولى أعن هوذة بن جرول تسأل! هو طويل العماد رفيع الوساد طيب العرق سمين المعرق لا ينام ليله، ولا يشبع ليلة يضاف، يأكل ما وجد ولا يسأل عما فقد. فقال لولا إني أخاف
стр. 485
أن تلدي مثل بعلك أو مثل أخيك لأطلقتك. قالت: أما والله ما أدركت ثأراً، ولا إكتسبت الا عاراً ولا قتلت إلا نساء أعاليهن ثدي وسافلهن دمي، وما من فعلت به هذا بغافل عنك والحرب سجال، ومع اليوم غد. فأمر بها فجرت إلى النار فقالت: الا فتى مكان عجوز، فذهبت مثلاً ثم لبث لا يقدر على أحد منهم يومه أجمع وإذا راكب توضع فأناخ إليه، فقال من أنت؟ قال رجل من البراجم. فقال ما الذي جاء بك؟ قال سطع الدخان وشممت القتار وكنت قد أقويت منذ أيام فظننت وليمة. فحرقه فقال بعض أصحابه إن الشقي وافد البراجم، فذهبت مثلاً. وإنه لم يحرق من بني تميم رجلاً غيره، وأن عامة من حرقه النساء، وسمي بذلك محرقاً ونادى له به الشعراء فقال الطرماح مفتخراً:
ودارم قد قذفنا منهم مائة ... في جاحم النار إذ ينزون بالخدد
ينزون بالمشتوى منها ويوقدها ... عمرو ولولا شحوم القوم لم تقد
وقال إبن دريد:
ثم إبن هند باشرت نيرانه ... يوم أوارت تميم بالصلا١٦٥
وقال لقيط بن زرارة ما كان من خذلان قبائل تميم لهم وتأخرهم عن نصرتهم ويلومهم على ذلك ويعيبهم قبيلة قبيلة:
стр. 486
انا بالغرابة قد أقمنا ... مراجفنا كما عتب الكسير
وأسلمنا قبائل من تميم ... لهم عدد إذا نسبوا كثير
اسيد والهجيم لهم رعاء ... وأبرام من الجعراء عور
وإن تطلب ربائعهم تجدها ... ببطن السعد ليس لهم ظهور
ويربوع بأسفل ذي طلوح ... وقوفاً ما تحل ولا تسير
وإن تطلب طهية في تميم ... تجدها العمى ليس لها بصير
وأحياء البراجم حول كبل ... كرحل الذبح ليس لها جبور
وسعد شر من ركب المطايا ... بأرض حين تنجد أو تخور
وعوف أخبث الاحياء حياً ... والأمه إذا غلت القدور
وحمان بن كعب ليس فيها ... غناء في الامور ولا نكير
ومنقرها وعبشمس وعمرو ... تراها وهي بالادمان نسور
والام من علمت بنو عدي ... وضبة إذ تقسمت الامور
فلم نعلمهم فتيان حرب ... إذا ما الحي صبحهم نذير
وقال الاسود بن يعفر يلوم بني دارم على طاعتهم عمر بن هند ورويت للقيط أيضاً:
ابلغ لديك مالك ... مغلغلة وسراة الرباب
بأن أمراً أنتم حوله ... تحفون قبته بالقباب
يهين سراتكم عامراً ... ويقتلكم مثل قتل الكلاب
فلو كنتم إبلاً أملحت ... لقد نزعت للمياه العذاب
стр. 487
ولكنكم غنم تصطفى ... ويترك سائرها للذئاب
فلا وأبيك أبي الشر ما ... اتيت بقتلهم من صواب
ولا منه إن خير الملو ... ك أعظمهم منة والرقاب
فعاد بنو دارم لقاحاً لعمرو بن هند بقية أيام ملكه الى إن هلك.
وليس في هذه الحكاية ما يدل على عظم جيوشه وقوه جنود، بل فيها ما يدل على ضد ذلك لان بني دارم قبيلة واحدة من بني تميم، أقاموا بازائه بالغرابة وقد تجهز اليهم محتشدا بكتائبه ومن أستنجد به من العرب الذين كانوا في طاعته ولم يبق خلفه بقية، يريد إن يبر قسمه ويقتل منهم مائة بأخيه بزعمه فلم يقدر على الاقدام عليهم مع هذا الحال. وأقاموا بأزائه لا يقدمون عليه، وأستنجدوا قومهم طمعاً بقهره فلم ينجدوهم، وهذه مماثلة منهم له ومقاواة، وعلى هذا القياس أذ كانت بنو دارم خاصة وأوقفوه وأمتنعوا عليه، وضعف عن الاقدام عليهم، فلو إن قومهم أنجدوهم أو بعضهم لا صطلموه، وليس في التقاطه نساء منقطعات عن فريق مرتحل وتحريقهم ما يقضي على طول يده الى الحد الذي يسبق اليه ظن الظان إنه لو طمع بالظفر بالرجال ما أحتمل العار بتحريق النساء، لان هذا من أذم الافعال عند العرب. ثم في حديث أسعد بن المنذر وقتله على الوجه الذي قتل عليه، وعما خبره عن أبنه وأخيه وأوضح دليل على ما أردنا من الغرض المقصود في أيضاح كونهم دون الطبقة التي تدعى لهم في كل أحوال ملكهم عن شأن الملوك بكثير. هذا أسعد بن المنذر يشتد به الجوع ويحتمل الضر على عقر بكرة لاعرابي سيء الحال ليأكل هو ومن كان معه ممن خرج للصيد، ويقول لهم إن أخففتم من الصيد لم تخفقوا من اللحم. وهذا يدل على إنه أنما خرج يطلب الصيد ليسد به
стр. 488
جوعته، ولم يخرج اليه متنزها ولا متفرجا. ثم إنه لفعله ذلك حمل سويدا لفقره وضره وسوء حاله على الهجوم عليه وقتل بالبكر الذي عقره فنكأ بعقره قلبه، وأخراجه حتى هجم عليه بالقتل، ثم تكتم قتله ولا يظهر ويدعي إنه مات، ومضى عليه السنون ويهلك أبوه ويملك أخوه ثم لا يظهر أمر قتله الا من جهة عدو لبني دارم نمي اليه خبره فرفعه الى ١٦٦ أخيه يريد كيدهم عنده لا للتقرب اليه. فلينظر ناظر في أحوال هذا الملك أبن الملك أخي الملوك الثلاثة كيف حمله الجوع على ما أتلف به نفسه، فأين كانت مطابخه وصناديق طعامه التي يجد مثلها أمثال الناس وسوقتهم ويستصحبونها في متصيداتهم وأسفارهم فكيف الملوك! ثم يرشقه أعرابي بالنبل حتى يقتله، فأين كان خواصه وجنده ومواليه وحشمه المحدقون به الممانعون عنه حتى تتلف أنفسهم دونه؟ ثم أين كانت أمواله التي يهب منها لسويد أمثال بكره فيرضيه بما قد قتل؟ أين البريد الذي يركض الى أبيه بقتله؟ وأين النجب والمهاري التي تذهب اليه مسرعة مبادرة بذكر مصابه؟ وأين الخدم والموالي والحشم الذين ينصرفون الى أهله بعد هلاكه؟ وأين الخيول التي تحدق لاجله؟ وأين المها الابل التي تعقره على قبره كما كان يفعل أكثر سوق العرب؟ فكيف الملوك وأين لداته وأترابه الذين يؤنسونه ويصحبونه كما يكون مع ولد رؤساء الناس وأمثالهم؟ فكيف ملوك فيوضح أحدهم كيفية الحال في هلاكه. وقد قنعنا من هذا كله بمولى كان يكون يكون معه يأتي أباه بخبر قتله محققاً على جليته ويستغنى به عن الشك به عن الشك والتهمة ولا يمكن قاتليه ستر أمره وطي خبرة وأدعاء موته حتى يظهر ذلك من قبل أعدائهم بعد دهر طويل، فأن خبره هذا الملك الوحيد المنفرد المسكين المقتول ضيعه ببكر قيمته عشرون درهما أنما أنطوى عن
стр. 489
أبيه وأهل بيته لوحدته وأنفراده وصنيعته وكونه في " بني " دارم منفرداً بغير ثان. فلذلك أمكنهم ستر جنايتهم على تغطية فعلتهم ولو كام معه شخص واحد من كل ما ذكرنا ما تم لهم ذلك، ولا قدروا على ستر أمره وطي خبره، فلولا عدوهم الذي وشى بهم إلى أخيه بعد هلاك أبيه لما طهر له من خبر أبداً. وإذا كان أخوه مبسوط اليد عظيم القدرة فلم لم يطلب سويداً الجاني، ويبعث كتائبه وعساكره لأخذه ويشفي غيظه بقتله وأتلاف نفسه، لا بنساء لا ذنوب لهن ولا علم عندهن، فبالله الا أنصفتم أيها السامعون، فإنكم إن فعلتم وتأملتم صورة هذا الملك بقلوبكم وأفكاركم وصورتم حاله في أنفسكم وأوهامكم علمتم حقيقة أحوال القوم وأستدللتم بهذا الحديث وحده على صحة ما تقدم ذكره.
ويشبه هذا من أحوالهم ما روى من حديث إياس بن قبيصة ملك العرب بعد النعمان. وكان يوم ذي قار على جنود كسرى كلها من العرب والعجم. فروي إنه لما أراد السير إلى بكر بن وائل يومئذ طلب من أبي ثوب التميمي من بني تيم الله بن ثعلبة وكان بينهما رحم فرساً كانت لابي ثوب أسمها الحمامة. فقالت بنو تيم الله بن ثعلبة لأبي ثوب لا تعطه الفرس فإنه إنما يريد غزونا عليها، فقال ما كنت لاقطع له رحماً ولا أمنعه فرساً، فدفعها إليه، فلما ظهرت بكر بن وائل على جنود كسرى إنهزم إياس على الحمامة وكانت لا تلحق، وفيها يقول إياس بن قبيصة:
стр. 490
غذاها أبو ثوب فلما رأيتها ... دخيساً تفوت العين حين تراها
فأتى كسرى يخبره خبر الجيش، وكان من عادة كسرى إذا جاءه من يخبره بهزيمة جيش من جنوده إن يخلع كتفه. فلما كان بباب كسرى ذكر ذلك من عادته، فخاف إن يخلع كتفه إن هو صدقه. فدخل عليه فقال له: قتلنا بكر بن وائلو أتيناك بطلبك فقال زه، فلما خرج من عنده قعد على فرسه فلحق بعين التمر. ثم جاء بعده رجل من الفرس قد نجا على فرسه له جواد، فقال: هل قدم على الملك قبلي أحد بخبر الجيش؟ قيل نعم إياس بن قبيصة. فظن إن إياسا قد صدق كسرى فخلع كتفه، فقال بالفارسية ثكلت أياس أمه، ودخل مطمئنا يظن إن الامر قد وقع بغيره. فاخبر كسرى بهزيمتة الجيش. فأمر بخلع كتفه، ونجا أياس بكتمان الخبر. فليتأمل متأمل أيضاً حال هذا الملك كيف كان بريد نفسه لم يكن له من يقدم بالخبر عن الجيش الذي كان هو زعيمه، والمقدم عليه غيره، فجاء معرضا نفسه لهذا الامر مغررا كما ١٦٧ يفعل الرسل والفيوج لا الملوك، ثم ينظر في مكانه عند الاسرى وحده عنده في سقوط المنزلة وعلم هو بذلك من أمر نفسه مخافة إن يخلع كتفه كما يفعل بالعبد الآبق واللص السارق، وعلم إنه ليس عنده هوادة ولا مزية عن غيره بحيث يحمد عن فعل ذلك به، فلولا ما فطن له من ستر الامر عنه وتعجيل الهرب منه لما نجا من ذلك الفعل الشنيع والامر الفظيع، وتلك المثلة القبيحة والسيرة السيئة التي كان يسار بها في أرذل الناس وأدوانهم، وهذا يدل على منزله دون هذه المنازل كلها. وكيف يقاس ملوك هذه صفاتهم بملك يغترف من بحر جوده فقير العرب والغني. ويعم قريبهم والقصي كما يعلم الأرض من صوب المزن، ويجود سهلها والحزن، كما وصفت أبيات في مثل هذا المعنى
стр. 491
من قصيدة أمتدحته بها فقلت:
ارقت لبراقٍ دائم اللمعان ... اقض وسادي موهنا وشجاني
يكاد يريني بالغري معالما ... بنجدٍ عراني حبها وعناني
فبت أجافي الجنب مني أسمه ... يسابقه قلبي الى الخفقان
إذا نبضت أولاه أنبض عندها ... فؤاد مشوق دائم الرجفان
كأن النعامى حملت منه بديلاً ... او أنشقت رضوى وهضب أبان
فجائت به كاليل يدلج تحته ... بما أذهبا من كلكل وجران
يجر على الافاق أذيال هيدب ... رعابيله فوق الاكام دواني
إذا ما بدا فيه حسبت سناءه ... ضياء ضارم في ظلام دخان
يشق الذرى منه ويفرى أديمه ... صوارم لجت فيه باللمعان
إذا أثخنته عج بالرعد صارخاً ... وفاضت عيون منه بالهملان
فعم جاده سهلها وجبالها ... وأقطارها ما ضمه الافقان
كما عم من نوال أبن مزيد ... وجادهم من سبيه المتداني
وفاض عليهم من هني نواله ... وبذل يدٍ تهمي به وبنان
تساوى الروى فيه وذو غنى ... وقاصٍ بعيد في البلاد ودان
فما النصف إن فكرت يفضي لجوده ... بفضل على الشؤبوب ذي النقبان
لأني رايت الغيث يحيى نويله ... جمادا ويحيى أشرف الحيوان
وللغيث وقت يرتجى فيه صوبه ... وجودك مرجو بكل أوان
فليس إذا ما أقلع الغيث معلقاً ... ولا ذا أختصاص مثله بزمان
اما ملوك آل جفنه الغسانيون الذين كانت القياصرة تستعملهم بالشام، فانهم كانوا على الذهب والفضة أقدر من آل نصر، وأظهر منهم سعه وترفا، وأكثر ملوكا. روي إن عدتهم بالشام تسعة وثلاثون ملكاً، الا إن صيت آل
стр. 492
نصر أبعد وشرفهم أذهب على أن٠٠٠٠ مع القياصرة دون حد ملوك العراق مع الاكاسرة، لان كسرى لما بعث جنوده الى بكر بن وائل بذي قار جعل إياس بن قبيصة الملك على من بعثه من العرب والعجم، وبعث هرقل جنوده لحرب المسلمين باليرموك، وكان ممن بعثه فيهم جبلة بن الايهم الملك الغساني ملك العرب بالشام يومئذ، فجعله في طاعة صقلاب البطريق وتحت يده، وصقلاب خصي كان هرقل جعله على جنوده يومئذ من الروم وغيرهم، ولم ير جبلة بن الايهم فضلا للتقدم عليه. وكانت حالهم وحال ملوك كندة وحمير مع٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠حال فقتلوهم كل مقتل على وجه، وفي كل مكان، وإن كانت أخبارهم بذلك شائعة موجودة، فلا بد من الالمام بذكر طرفها منها: قتل جشيش بن نمران اليربوعي ثم الرياحي معاوية لكندي الملك، وهو أبن كبشة يوم ذي نجب ففي ذلك يقول جرير مفتخرا.
لقد ضرب أبن كبشة أذ لحقنا ... جشيش حيث تفليه الفوالي
فاسر حبيش بن دلف الضبي عمرو بن الحارث بن أبي شمر الغساني، فجز ناصيته وشرط عليه حباء يحمله اليه في كل سنه ما عاش، وفي ذلك يقول
стр. 493
خالي الذي غصب الملوك نفوسهم ... واليه كان حباء بن جفنة يحملُ
وقد تقدم ذكر ذلك. وأغار أبن ظبية ملك من ملوك غسان على بني نهشل يوم الترويح فقتلوه وهزموا جيشه، وفيه يقول الفرزدق: ونحن جعلنا لابن ظبية حكمه من الرمح إذ نقع السنابك ساطع وأوثق قيس بن معد يكرب الكندي أبو الأشعث بن قيس قماً من العرب - وكان يهودياً - فوافق آخر الميثاق يوم جمعة وهو مدة الميثاق وسار اليهم فقتلوا أبنين له وهزموه ولذلك شهر بالغدر هو وبنوه بعده. وقيل أعرق الناس في الغدر عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث بن قيس، غدر قيس بهؤلاء، وغدر الاشعث بأمير المؤمنين علي صلواة الله عليه وآله، وغدر محمد بن الاشعث بمسلم بن عقيل ﵁، وغدر عبد الرحمن بن محمد بالحجاج بن يوسف. وأقتتل سلمة الغلفاء وأخوه شرحبيل أبنا الحارث بن عمرو بن حجر الكندي يوم الكلاب الاول، ومع سلة بنو تغلب والنمر بن قاسط وبنو سعد بن زيد مناة بن تميم، ومع شرحبيل بكر بن وائل وبنو عمرو بن تميم والرباب، وجعل كل واحد من الملكين لمن جاءه برأسه الآخر مائة بعير. فأنهزمة بكر بن وائل ومن كان معها وقتل شرحبيل، قتله أبو حنش عصم بن النعمان بن مالك بن عتاب بن سعد بن زهير بن جشم الارقم التغلبي، قيل إنه حمل عليه والناس يقتتلون حوله فطعنه فقتله، ونزل فأحتز رأسه، وقيل بل تبعه عند هزيمته ومع أبي حنش ذو السنينة - وهو حبيب
стр. 494
بن عتبة بن بعج بن عتبة بن سعد بن زهير بن جشم الارقم - وكان أخاه لامه، أمهما جميعا سلمى بن عدي أخي كليب ومهلهل، فعطف شرحبيل حين أرهقاه على ذي السنينة فضربه فقطع رجله. فنادى ذو السنينة أبا حنش قتلني الرجل، فقال أبو حنش: قتلني الله إن لم أقتله. ومات ذو السنينة. وجد أبو حنش في الركض يطلب شرحبيل فلما أدركه، قال: يا أبا حنش اللبن اللبن. قال قد هرقت لبناً كثيرا، فقال: يا أبا حنش أملك بسوقه؟! قال إنه كان ملكي، ثم طعنه فصرعه، ثم نزل فأحتز رأسه وأتى به أخاه سلمة فالقاه بين يديه، فقال هلا القيته إلقاءً رفيقا! قال إن الذي ناله وهو حي شر من هذا، فمن لي بهنيده. قال قتلت أخي وتطلبها مني فخرج مغضبا وهو يقول:
قتلت شرحبيل بن عمرو بن حارث ... هماما عليه التاج وأبن همام
فلا ترجون بإبن المرار نصيحتي ... ولا ود قوم مغضبين رغام
قتلت لك الساعي عليك وحوله ... تميم وراميت الذين ترام
فلما بلغ سلمة شعره قال:
الا أبلغ أبا حنش رسولا ... فمالك لا تجيءُ الى الثواب
ومالك لا تجيءُ الى هجان ... نصبة الغوارب كالهضاب
تعلم إن خير الناس ضرا ... قتيل بين أحجار الكلاب
تلاعب حوله عمرا فراراً ... وأسلمه جعاسيس الرباب
стр. 495
فبلغ أبا حنش شعره فقال:
اخاف أجيءُ نحوك ثم تحبو ... حباء أبيك يوم صنيعات
وتلكم خزية عظمة وجلت ... تقلدها أبوك الى الممات
فبلغت هذه الاشعار معد يكر بن عكب التغلبي فقال:
قل لذي الآكل المرار خذ المل ... ك ولا تبكين قيل الكلاب
قد قتلنا لك أبن أمك والمل ... ك عقيم مقطع الانساب
فأعتدل يا بن ذي المرار على ... القصد ولا يغررنك تيه الشباب
وأخترن بين ما يقول لك النا ... س وحرب تحر برد الشراب
ثم أجتمع مع أبي حنش جماعة من بني تغلب، فأتوا سلمة فقالوا له: إن الغدر لا يحسن بالملوك، فإن أنصفتنا من نفسك، وإلا أنصفنا أنفسنا منك، وقد ضمنت في قتل أخيك ما تعلم، فقتله صاحبنا، فأعطه ما ضمنت وإلا أخذناه منك غصباً، فقال أفعل وأمر له به. ثم أستوحشت ١٦٩ تغلب بعد ذلك منه لهذا السبب، ورأوا إنهم قد وتروه بقتل أخيه وأخذ ماله، فصاروا له لقاحا وطردوه عنهم فنزل في بكر بن وائل. ثم إنهم أسروه بعد ذلك في بعض حروبهم، أسره عبيد بن فرعص التغلبي فذهب به يقوده، فلقيه عمرو بن دوس التغلبي فضربه فقتله. ففيه يقول أمرؤ القيس:
следующие страницы →