← Общие книги

Общие книги · id 30798

التنصير مفهومه وأهدافه ووسائله وسبل مواجهته

علي بن إبراهيم الحمد النملة

Полный текст (130 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ولا يغيب عن البال ممارسات المنظمات الدولية السياسية وغيرها تجاه المسلمين في البوسنة والهرسك، والتردد الواضح في اتخاذ قرارات حاسمة لنصرة المظلوم على غرار ما حدث في منطقة الخليج العربية في الآونة الأخيرة، عندما غزت العراق جارتها الكويت في ١١ / ١ / ١٤١١ هـ الموافق ٢ / ٨ / ١٩٩٠ م. [التبادل الثقافي] ١٣ - التبادل الثقافي: التبادل الثقافي يعدّ أحد الوسائل المهمة والمختلفة للتنصير. وتقوم معاهدات واتفاقيات ثقافية بين بلاد المسلمين والبلاد الأجنبية يكون نصيب المسلمين ومنها غالبا عرض " الفلوكلور الشعبي " من رقص وغناء ولباس الذكور والإناث، وأكلات شعبية وصناعات يدوية ونحوها، وقد يسمح بتوزيع كتيبات ونشرات وشرائح وأفلام عن البلاد العارضة ونهضتها المادية. ويكون نصيب البلاد الأجنبية إقامة المراكز الثقافية الدائمة، واستقطاب رجال الفكر والثقافة من أبناء البلاد نفسها، وجلب المحاضرين من مفكرين وأساتذة جامعات ورجال سياسة وقانون. وتعمل هذه المراكز على إيجاد قوائم للمراسلة، وتتابع ذوي التأثير على المجتمع وتزودهم بالمطبوعة والنشرات والأشرطة المسموعة والمرئية المسموعة، وتدعوهم للمناسبات الاجتماعية والوطنية، وبعضهم للدينية النصرانية التي تمر على بلادهم. وكل هذه وسائل تتغير وتتبدل وتطوع بحسب ما يقتضيه المقام، ويتناسب مع الأشخاص المستهدفين. ولعل معظم أوجه النشاط الفني والرياضي تدخل في المفهوم العام للتبادل الثقافي، وهناك خطوات عملية فنية ورياضية واضحة فيه رائحة التنصير. وتستغل هذه المعاهدات الثقافية للوصول إلى أوساط الشباب من خلال أوجه النشاط الرياضية الدولية والإقليمية والمحلية، توزع فيها النشرات والأشرطة والكتاب المقدس. وتحشد الميزانيات

стр. 72

الهائلة لهذه الوسيلة. ويظهر هذا بجلاء في المباريات الدولية، حيث يحضرها مئات الآلاف ويشاهدها مئات الملايين. حتى لو لم يصل الأمر إلى هذا التصور الواضح، فإن استغلال هذه المباريات بالتنصير لا يمكن تجاهله. [التجارة والاقتصاد] ١٤ - التجارة والاقتصاد: للتجار ورجال الأعمال جهود واضحة في نقل الأفكار. ونحن نعلم أن الإسلام قد انتشر في آسيا وإفريقيا عن طريق التجارة بالدرجة الأولى. والتجار ورجال الأعمال الغربيون يحملون معهم أفكارهم إلى بلاد المسلمين، ويعملون على خدمة الكنيسة في مجالهم، دون وضوح بارز. وهذا ما فعله الفرنسيون في لبنان وسورية، والمغرب العربي، وجنوب الصحراء الكبرى، في البلاد التي احتلوها. يقول أنيس صايغ في كتابه لبنان الطائفي: " كانت فرنسا تعتبر نفسها حامية المسيحيين في الشرق، وخاصة الموارنة في لبنان، ودعمت فرنسا هذه السياسة المستترة بثوب ديني يتعهد العلاقات التجارية والإرساليات التبشرية بين لبنان وفرنسا. فقد ضاعفت فرنسا عنايتها بأمور التجارة، وأرسلت القناصل وأسست المكاتب والمراكز الثابتة لتسهيل أمورها (١) ولا تزال هذه الوسيلة سارية المفعول، وبخاصة مع إصرار معظم الدول الإسلامية على الانخراط في ركب الحضارة المادية الحديثة، في الوقت الذي لا تزال تعاني فيه من نقص في الخبرات البشرية المحلية والإمكانات المادية، فتضطر إلى الاقتراض وجلب

стр. 73

الشركات الأجنبية بعمالها وإدارتها الأجنبية. وربما استخدمت بعض العاملين المحليين، وأملت عليهم أنماطها الإدارية، ودخلت من خلالها إلى ما تريد (١) . [وسائل الإعلام] ١٥ - وسائل الإعلام: وسائل الإعلام من إذاعة وصحافة وتليفزيون وسينما ومسرح، بالإضافة إلى وسائل الاتصال ونقل المعلومات، كلها تسهم في حملات التنصير، وهي من الوسائل المختفية. أما الوسائل الإعلامية الصريحة فهذه موجودة وكثيرة وتوجه إلى عدة لغات، وتغطي عددا كبيرا من ساعات البث. (٢) وقد بدأت الإذاعات تدخل في الشبكة

стр. 74

الدولية الإنترنت، ولا يستبعد، بأي حال، أن تستغل في التنصير، لأنها وسيلة فاعلة وقابلة للانتشار السريع، والوصول إلى آماد بعيدة. أما الوسائل الإعلامية غير الصريحة فتأتي ضمن المسلسلات والأفلام والبرامج الوثائقية والتعليمية، التي تطبع دائما بنمط العيش الغربي بما فيه من ثقافة وممارسات دينية لا تخلو منها المصطلحات والأمثال والسلوكيات. حتى أفلام الصور المتحركة (الكرتون) الموجهة للأطفال تصبغ بهذه الصبغة التي تشعر المتابع أحيانا أنها مقصودة متعمدة. وتعمد إلى تأليف المشاهدين والمستمعين والقرّاء على الثقافة الغربية، التي لم تستطع التخلص من التأثير الديني عليها في معظم سلوكياتها ومثلها ومبادئها. بل ر بما لا تريد التخلص من هذا التأثير الديني، وتسعى إلى تعميقه وترسخيه ما دام سيحقق تبعية ثقافية تقود إلى تبعيات أخرى. ويقول فريد د. أكوورد في بحث له عن " الإرسال الإذاعي الحالي الموجه للمسلمين ": إن اللغة الإنجليزية مهمة لكل عربي يرغب في متابعة تعليمه أو يود الهجرة، ولقد كتبنا إلى هيئة الإذاعة البريطانية التي لديها سلسلة ممتازة من برامج تعليم اللغة الإنجليزية للناطقين بالعربية. ولقد منحتنا السلسلة وأذنت لنا بتقديمها عبر إذاعتنا، وقد أجرينا بالفعل تعديلات على السلسلة استخدمناها كطُعم، وفي الختام كنا نتوجه بالسؤال عما إذا كان المستمع يرغب في نسخة مجانية من كتاب يحتوي على العربية والإنجليزية جنبا إلى جنب، وعندئذ نرسل له نسخة من الإنجيل بالعربية

стр. 75

والإنجليزية " (١) وتعد القاهرة وبيروت ثم الخرطوم من أكبر المدن في المحيط الإسلامي التي تسهم في هذه الوسيلة الإعلامية من خلال استغلال الصحف المأجورة في أكثر الأحيان، وغير المأجورة في أحوال نادرة. هذا عدا الصحف ووسائل الإعلام الأخرى والإذاعات الصريحة التي تنشر التنصير (٢) والإعلام يعد من الوسائل الحديثة غير التقليدية، وبخاصة في مجالات استغلال تقنية الاتصال وتقنية المعلومات، بحيث يمكن من خلال استغلال البث المباشر بث المواعظ والخطب والبرامج التنصيرية الموجهة، التي يمكن تقنيا مشاهدتها في جميع المجتمعات التي وصلت إلى مستوى تقني متقدم. ولا يقتصر الأمر على هذه المجتمعات التي وصلت إلى مستوى تقني متقدم. ولا يقتصر الأمر على هذه المجتمعات، بل تنقل التقنية إلى المجتمعات الأقل تقدما من خلال إحداث محطات محلية (إ ف. إم.) صغيرة تنصيرية تبث هذه البرامج الإعلامية. وكذا الحال مع الأجهزة الشخصية العارضة للأفلام والبرامج الجاهزة كأجهزة (الفيديو) وغيرها من الوسائل الناقلة للمعلومات، بالإضافة إلى استغلال تقنية المعلومات الحديثة مثل البريد الإكتروني، وشبكات المعلومات القابلة للاشترك الشخصي، مثل الشبكة الدولية الإنترنت. [المنح الدراسية]

стр. 76

المنح الدراسية وسيلة من وسائل التنصير المختفي، ذلك أن بعض المنظمات التنصيرية تختار من النجباء ومن يتبين عليهم قسط عال من الذكاء، وتسهل لهم مواصلة دراساتهم الجامعية والعليا في الغرب، وترعاهم بالمنح المباشر، أو بإعطائهم الإعانات المقطوعة، أو الإسهام في بعثهم إلى الجماعات والمعاهد العليا. ومن جهة أخرى يجد العائدون من البعثات الخارجية إلى البلاد الإسلامية المجالات أمامهم مفتوحة في كثير من هذه البلدان " لما يتوقع منهم من الإسهام في تنمية البلاد، بجهودهم العلمية التي اكتسبوها من البعثات، كما وهو مضمون وحديث جاردنر السابق ذكره (١) ومن هذا المنطلق تقوم محاولات للتقليل من إعطاء المنح الدراسية في الجامعات العربية والإسلامية، وبخاصة في البلاد العربية الغنية بمؤسساتها العلمية والتعليمية ومواردها الطبيعية كما تقوم المحاولات للحد من انتشار تأثير هذه المؤسسات التعليمية من خلال التضييق على المتخرجين منها، عندما يعودون إلى بلادهم، فلا يجدون عملا يرتزقون بواسطته. [التنمية] ١٧ - التنمية: ومن الوسائل الحديثة إسهام الجمعيات التنصيرية في مجالات التنمية تحت شعار " من الكنيسة إلى المجتمعات ". وقد أنشئت لهذه الصدود لجان مثل هيئة مجلس الكنائس للإسهام في أعمال التنمية، " وتعمل هذه الهيئة في حقوق التنمية المتنوعة

стр. 77

المختلفة مثل إقامة القرى الزراعية وعقد الدورات التدريبية المهنية لمختلف التخصصات التقنية والفنية، وتقديم القروض المباشرة على الفلاحين عن طريق مؤسسات (وحدات الإقراض) ومشروعات التهجير الداخلي للسكان وغير ذلك " (١) وتسهم هذه الهيئات إسهاما مباشرا في هذه المجالات، ومن خلال هذا الإسهام تسعى الجمعيات إلى تحقيق بعض الأهداف. ولو لم يكن إلا الإسهام هدفا لكان كافيا في إشعار المجتمعات أن المنصرين إنما يسعون إلى رخاء المجتمعات وإخراجها من أسر التخلف والجهل وقلة الإمكانيات. هذا عدا ما يصحب فترة الإسهام من اتخاذ وسائل أخرى تكون مقاومتها غير ميسورة، إذا ما أشعر الأهالي أو الحكومات أن التصدي لها فيه مدعاة إلى التخلي عن الإسهام في مجالات التنمية بمشروعاتها المختلفة. وقد تعرّضت السودان إلى ضغوط رسمية دولية عندما سعت إلى إخراج بعض المؤسسات التنصيرية من السودان. وكانت الضغوط صريحة بقطع الإعانات والقروض إذا ما تم الإبعاد. [التقويم المستمر] ١٨ - التقويم المستمر: السعي دائما إلى تقويم الأساليب والاستمرار في المؤثر منها، وطرح تلك التي عفا عليها الزمن وكان هذا من أهم الأهداف التي جاء بها مؤتمر كلورادو بالولايات المتحدة الأمريكية الذي عقد سنة ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨م، حيث سعى إلى

стр. 78

تطوير أساليب تنصيرية تتماشى مع معطيات العصر الحديث وتطوراته (١) فاقترح المؤتمرون في هذا المؤتمر أساليب ووسائل ليست كلها جديدة بحتة، ولكنها تطوير لأساليب ووسائل تقليدية ألبست لباس العلمية والدراسة والتخطيط المسبق، كأسلوب الفلاح، واختيار التربة والتأثير النفسي، وإيقاظ اللغات واللهجات المحلية بترجمة الإنجيل إليها، والمطبوعات والبث الإذاعي والإعلامي بعامة، والحلقات الدراسية بالمراسلة، والاهتمام بمشكلات الشعوب الإسلامية، والحوار الإسلامي النصراني (٢) . على الطريقة النصرانية التي ترفض التخلي عن مسلمات تريد فرضها في الحوار وعلى المحاورين من المسلمين سلاح ذو حدين، فكما يعدونه وسيلة للتنصير نعده نحن وسيلة للمواجهة وللدعوة بحسب النظرة إلى الحوار وأصوله وطرقه ومنطلقه.

стр. 79

[الفصل الرابع وسائل مساندة للتنصير] [تمهيد] الفصل الرابع وسائل مساندة للتنصير

стр. 80

تمهيد ومع الوسائل المباشرة التي اتخذها المنصرون في سبيل الوصول إلى المجتمعات الإسلامية، وغير الإسلامية، نجد أن هناك ظروفا تهيأت للمنصرين، وهيأت لهم الطريق للتوغل في المجتمعات " الأخرى "، وقد ساندتهم في تحقيق أهدافهم التنصيرية. ومن هذه الأساليب ما هو قديم طارئ، ومنها ما هو قديم يتجدد، ومنها كذلك ما هو جديد لم يكن وله وجود من قبل. ومن أبرز الوسائل المساندة للتنصير والمنصرين الآتي: [الاحتلال] ١ - الاحتلال: الوسيلة المساندة الأولى والأقوى - فيما يبدو لي - هي الاحتلال (الاستعمار) . وقد دعا المنصرون المستعمرين إلى احتلال البلاد الإسلامية وغير الإسلامية، وعندما احتلت البلاد ذلل المحتلون العقبات أمام المنصرين، واستطاعوا أن يقيموا مؤسساتهم في بلاد المسلمين بكل سهولة. والتآزر بين المحتلين والمنصرين جانب فرضته الكنيسة، وجعلته مجالا للانتقام لأولئك الذين أخرجوا من فلول الحملات الصليبية، ولذا قيلت العبارة المشهورة في القدس، في العقد الرابع من القرن الرابع عشر الهجري، الثاني من القرن العشرين: " اليوم انتهت الحروب الصليبية " (١) . وقريب من هذا ما قاله الجنرال غورو عندما دخل دمشق الشام ووقف على قبر صلاح الدين الأيوبي،

стр. 81

وقال: " ها قد عدنا يا صلاح الدين " (١) . وقد وقف المنصرون ورجال السياسة (المستعمرون) وجها لوجه حول أي الفريقين يجب أن يتقدم الآخر. والمعروف في التاريخ أن المنصرين هم الذين يدخلون البلاد أولا، ثم يتلوها المستعمرون. إلا أن المنصرين رغبوا في تقدم الجيوش عليهم مع بداية القرن الثالث عشر الهجري - التاسع عشر الميلادي، وذلك بعد أن أدرك الحكام المحليون أن دخول المنصرين يعني احتلال البلاد، فيجد المنصرون من ذلك عنتا ومشقة. وكان المنصر واطسون قد اقترح أن تتعاون الحكومات الغربية في سبيل منع انتشار الإسلام بين القبائل الوثنية في إفريقيا، حتى تكون مهمة التنصير أهون عندما يزول المنافس (الإسلام) ، ولا يزال المنصرون يخشون هذه المناقشة خشية شديدة (٢) . ويرى المنصرون " أن السيادة الغربية في قطر إسلامي ما معناها تسهيل انتقال المسلمين إلى النصرانية، أما فقدان هذه السيادة فينتج عنه حركة عكسية تماما " (٣) .

стр. 82

ويصرح بذلك أيضا، الأب دوفوكو في مذكراته التي كتبها في ١٦ / ٩ / ١٣٣٤ هـ ١٦ / ٧ / ١٩١٦ م، إذ يقول: " أعتقد أنه إذا لم يتم تنصير المسلمين في مستعمراتنا بشمال إفريقيا، فإن حركة وطنية ستقوم بها على غرار ما حدث في تركيا، وإن نخبة من المثقفين ستتكون في المدن الكبرى متأثرة بالفكر الفرنسي دون أن يكون لها إحساس الفرنسيين ولا طيبوبتهم، وإن هذه النخبة ستحتفظ بمظاهر الإسلام، رغم ضياع روحه، لتؤثر بها على الجماهير، ومن جهة أخرى فإن جمهور الشعب من البدو والرحل سيبقى جاهلا عديم الصلة بنا متمسكا بإسلامه حاقدا على الفرنسيين، محتقرا لهم بدافع من وازعه الديني وأشياخه ومعاملة الفرنسيين من رجال السلطة. . . . . . " (١) وقد عاش هذا الأب بين الطوارق المقاومين لكل تسرب أجنبي. وكأن الاحتلال بهذه الجهود المبذولة للمنصرين يرد لهم الجميل عندما دعوا له ومهدوا له. وفي هذا يقول المنصر الأمريكي جاك مندلسون: " لقد تمت محاولات نشيطة، لاستعمال المبشرين، لا لمصلحة الكنيسة وإنما لخدمة الاستعمار والعبودية " (٢) وكما يقول نابليون الأول (٣) في جلسة مجلس الدولة في تاريخ ١٢ / ٢ / ١٢١٩ هـ

стр. 83

٢٢ - / ٥ / ١٨٠٤ م: " إن في نيتي إنشاء مؤسسة الإرساليات الأجنبية، فهؤلاء الرجال المتدينون سيكونون عونا كبيرا لي في آسيا وإفريقيا وأمريكا. سأرسلهم لجمع المعلومات عن الأقطار. إن ملابسهم تحميهم وتخفي أية نوايا اقتصادية أو سياسية" (١) . [السياسة] ٢ - السياسة: الحكومة الغربية وسيلة مساندة للتنصير. والمعلوم، نظريا، عن الحكومات الغربية أنها حكومات علمانية، وهذا يقتضي عدم اهتمامها بالدين إلا بالقدر الذي يكفل الحرية الدينية والممارسات الشخصية للشعائر الدينية. وعلمانية الدولة لا تعني عدم تديُّن القائمين عليها. ولكن الوجهة النظرية تقول بعدم إقحام الدين في شئون الدولة، بحيث يكون له أثر في قراراتها الداخلية والخارجية. ومهما أحسنا الظن في علمانية الدولة الغربية بخاصة، إلا أننا لا يمكن بحال أن نغفل جهودها في مؤازرة المنصرين من خلال الهبات والتسهيلات وتبني المشروعات ودخول المنصرين في عمليات إخبارية تخدم هذه الدول، ودخول رجال المخابرات بين المنصرين. [المواطنون] ٣ - المواطنون: والمواطنون الغربيون يساندون المنصرين مساندة قوية. فالميزانيات المرتفعة للمنصرين ومؤسساتهم إنما تأتي من المواطنين الغربيين أفرادا كانوا أو ممثلين لمؤسسات تجارية

стр. 84

واقتصادية. وحملات التبرعات تتكرر في وسائل الإعلام وفي الشوارع، وفي البريد يوميا. وتزداد بكثرة أيام الآحاد، حيث يتردد بعض الناس هناك على الكنائس ويكون الجانب الروحي على قدر من الاستيقاظ بعد المواعظ الملهبة للحماس. ومن لا يذهب إلى الكنيسة هذا اليوم يتعرض لهذه المواعظ الملهبة للحماس. ومن لا يذهب إلى الكنيسة هذا اليوم يتعرض لهذه المواعظ من خلال شاشات التليفزيون أو الإذاعات المحلية التي ترتبط بالكنيسة بأجر (١) . [الفقر] ٤ - الفقر: تعد ظروف الفقر والفاقة التي خلفتها مجموعة من العوامل البشرية والكوارث الطبيعية الحالَّة بالمسلمين بقضاء الله وقدره إحدى الوسائل المساندة لحملات التنصير. وهي وسيلة مساندة قوية. فهؤلاء المنصرون لديهم من الإمكانات المادية ما يجعلهم قادرين على الوصول إلى المناطق المنكوبة مهما كانت وعرة أو نائية ما دام فيها فقراء معوزون يأكل الجفاف من جلودهم. وهم على هذه الحال مستعدون لقبول أي إغاثة تصل إليهم دون النظر إلى مصدرها والأهداف من ورائها، ولا مجال هنا للتفكير في الانتماءات العقدية والفكرية لأن التفكير في هذه الحال يتوقف، وعندما يعاود الذهن القدرة على التمييز يرفع علامة استفهام عريضة؛ أين المسلمون منا؟ [الأمراض] ٥ - الأمراض: وكذا تفشي الأمراض والأوبئة يعد مرتعا خصبا للتنصير والمنصرين ولأي دعوة أو توجه. وتبرز هنا وسائل التنصير المتعلقة بالتطبيب والتمريض. ويمكن أن يتصور امرؤ منظر أم تحمل رضيعا شاحب الوجه بارز الأوداج متضخم البطن ليستقر في ذهن هذا المرء استعداد هذه الأم على منح ابنها لأي شخص سيعمل على شفائه بأي اسم من الأسماء يستخدم هذه الوسيلة. والمنصرون يعرفون استغلال الموقف هذا فيعزون محاولات شفاء الطفل إلى عيسى ابن مريم ﵉ فإذا أراد الله المريض أن يشفى قيل لأهله إن هذا كان بفضل عيسى، فيكون لعيسى ما يريده له هؤلاء المنصرون، وما لا يريده هو ﵇ لنفسه. [قلة الوعي] ٦ - قلة الوعي: وقلة الوعي بالدين وبالحياة والجهل المطبق بين الناس، واختلاط الحق بالباطل عند كثير منهم، واختلاط الصدق بالخرافة، وانتشار البدع، كل هذه عومل كفيلة باستقبال المنصرين وما يحملون من أفكار. والمخرج هنا أن منطلق هؤلاء المنصرين ديني. فهم لا يدعون إلى نبذ الدين، ولا يدعون إلى ترك الصلاة والصيام أو قيام أي علاقة بين العبد والرب بأي طريقة، ولكنهم يرسخون هذه المفهومات بطريقتهم هم وليس بالطريقة الفطرية التي يولد عليها الجميع وينشأ عليها البعض. وقد ذكر زويمر أن "مادي الاعتقاد بالتمائم وتأثيرها يؤخر أحوال الشعوب الإسلامية ويزيدها شقاء" (٢) . ووجود الوعي الديني والأخذ بأسباب الحضارة والمدنية يعد عائقا أمام حملات

стр. 85

التنصير. ويؤيد هذا ما ذكره زويمر نفسه، حيث يقول: "إن الخطة الفاسدة الخطرة التي تفضي ببث مبادئ المدنية مباشرة ثم نشر المسيحية ثانيا عقيمة لا فائدة ترجى منها، لأن إدخال الحضارة والمدنية قبل إدخال المسيحية لا تحمد مغبته، بل تنجم عنه مساوئ كثيرة تفوق المساوئ التي كانت قبلا " (١) . ويؤيد هذا أيضا قول أحدهم في مؤتمر كلورادو ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨م: "إن غالبية المسلمين الذين يحتمل أن يتنصروا هم من الذين يعتنقون ما يطلق عليه الإسلام الشعبي (أو إسلام العامة) ، وهم أرواحيون، يؤمنون بالأرواح الشريرة والجن ويعرفون القليل جدا عن الإسلام الأصيل، كما يؤمن هؤلاء بدرجة كبيرة بالتعاويذ التي يعتقدون أنها تمدهم بالقوة لمواجهة شرور الحياة وتحدياتها" (٢) . أما الجن فيؤمن به المسلمون، وأما الأرواح الشريرة والتعاويذ فلا ينبغي أن يكون لها مكان في قلوب المسلمين، ولا في حياتهم اليومية، لأن عقيدة التوحيد التي نؤمن بها ونتبناها لا تدع مجالا للخرافة أن تنخر في حياتنا، فتهدمها، وما تفشي هذه التعاويذ، واستشراء الخرافة في بعض المجتمعات المسلمة إلا نتيجة حتمية للبعد عن العقيدة الصافية التي يقلل من شأنها وشأن دعاتها، وتوجه لهم الاتهامات بالتخلف والانحراف. [الاستعداد الذاتي] ٧ - الاستعداد الذاتي: ولدى المنصرين، في مجملهم، الاستعداد الذاتي للانخراط في حملات التنصير لدوافع مختلفة، أبرزها المغامرة والرحلات والدخول في مجتمعات مختلفة عن المجتمع

стр. 86

الغربي، ثم تأتي الدوافع الدينية المقصودة أولا من وراء الحملات. وليست الدوافع الدينية مع وجودها هي المؤشر الأول للاستعداد الذاتي لجميع المنصرين، لأن أعدادا منهم -ولو كانت محدودة - تتخلى عن الهدف التنصيري، وربما تحولت عن النصرانية إلى الإسلام أو إلى غيره، واتجهت إلى مجال الدعوة إلى هذا التوجه الجديد، وبخاصة الإسلام، بين النصارى وربما المسلمين، وقد وجدت حالات كهذه. وهي قليلة ومحدودة، ولكنها على أي حال تبرز شيئا من شعور هؤلاء المنصرين تجاه دعوتهم إلى النصرانية. وقد قابلت حالات من هذا القبيل في الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وفي المملكة العربية السعودية كانوا قد هيئوا ليصبحوا منصرين، ومارسوا التنصير في بلادهم، وفي بعض المناطق الإسلامية، ولكنهم اهتدوا وأصبحوا دعاة إلى الإسلام يكفرون عن نشاطهم الذي كانوا يقومون به قبل الهداية. [الضمانات المالية] ٨ - الضمانات المالية: وفي الوقت ذاته يتلقى المنصرون ضمانات مالية واجتماعية من المنظمات والمؤسسات التنصيرية لا تقتصر عليهم فحسب، وإنما تشمل أهلهم وأولادهم، من حيث تأمين السكن والإعاشة والتربية والتعليم، والحصول على المنح العلمية للدراسة في جامعات عالية المستوى. وأقرب مثال على هذا الدعم المادي الضخم أنه اتصل بي، أيام البعثة، أحد مندوبي منظمة من المنظمات تدعو نفسها جمعية الفورسترز Foresters وطلب مقابلتي. وبعد تمنع مني وإصرار وإلحاح منه سمحت له بالمقابلة. وضربت له موعدا زارني فيه في بيتي، وعرض علي برامج المنظمة وأوجه نشاطها، وسألني إن كنت أرغب في الانضمام للمنظمة، إلا أنه قبل أن يسمع إجابتي على العرض طلب مني أن يعرض علي أربعة أسئلة، تحدد الإجابة عليها مدى رغبتي في الانضمام، ولو بعد حين. وكان السؤال الأول هو مدى قبولي رعاية الجمعية لابني، المولود حديثا، من

стр. 87

الروضة حتى يتخرج من الكلية. والسؤال الثاني كان عن مدى قبولي لتأمين مسكن لي على أحد الشواطئ في ولاية فلوريدا أو في ولاية كاليفورنيا، عندما أصل إلى سن التقاعد، وحيث كانت إجابتي على السؤالين بالنفي رفض المندوب طرح السؤالين الباقيين، إذ لم تكن هناك فائدة من عرضهما، بعدما تبين له عدم رغبتي في قبول مثل هذه الإغراءات. وقد كررت ذكر هذا الموقف في مناسبات متعددة لأنه يبرز تجربة ذاتية في التعامل مع هذه المنظمات، مع أني كنت أتمنى أني لم أجب على كل سؤال على حدة، وانتظرت حتى ينهي المندوب أسئلته الأربعة، ولكن فات علي ذلك، وفات علي السؤالان الأخيران إلى الآن. [الحقد الكمين] ٩ - الحقد الكمين: وكما أن البعض يدفعه الإيمان بما يقوم به من تنصير، نجد أن البعض الآخر يدفعه الحقد الكمين الموروث ضد المسلمين بخاصة، وضد الأجناس الأخرى بعامة. ويصحب هذا الحقد لدى البعض الرغبة في تأكيد سيطرة الرجل الأبيض التي إن لم تصل عن طريق الاحتلال المباشر (الاستعمار) والتبعية السياسية فإنها تصل عن طريق التنصير، حيث إشباع الجانب الروحي أولا، ثم تتحقق الجوانب الأخرى بعدئذ، وهذا الجانب قد يؤكد لنا عدم حصر الحملات التنصيرية من خلال العاملين بها على الدافع الديني المحض فحسب. بل إن هناك دوافع قد تكون أحيانا ذاتية تقود البعض إلى الانحراف في الحملات التنصيرية. [التسيب في التعاليم] ١٠ - التسيب في التعاليم: والنصرانية تعرضت للتحريف منذ القدم، أي منذ تدخل اليهود ممثلين في شاؤول أو بولس في تصريف أمور النصرانية. وهذه التحريفات المستمرة أكسبت النصرانية تسيبا في التعاليم قد يسميه البعض بالمرونة، فكان الاستعداد للتنازل عن بعض التعاليم الدينية قائما، حتى التعاليم التي كانت صارمة والتي تتعلق بالطلاق

стр. 88

والتعدد والسماحة وغيرها تُنوزل عنها. فكان التنازل عن المبادئ والمثل مساندا للمنصرين في شق طريقهم في المجتمعات وبين القبائل، التي تخضع لأوامر شيخ القبيلة، الذي يخضع بدوره لضغط مستمر من المنصرين بقبول النصرانية، مع البقاء على ما هو عليه من عادات وتقاليد محلية لا تتفق بالضرورة مع أولويات الرسالات السماوية. وإن لم يقبل بالنصرانية فليتخل عن الإسلام - إن كان مسلما أو قريبا من الإسلام - ولا مانع لدى المنصرين في سبيل الوصول إلى هذه الغاية من التضحية بتعاليم المسيح عيسى ابن مريم ﵉ الموروثة التي يدعون إليها في مجتمعاتهم نظريا على أحسن الأحوال. [تجهيز المنصرين] ١١ - تجهيز المنصرين: ومؤسسات التنصير من جمعيات ومنظمات تعمد إلى تجهيز المنصرين تجهيزا تاما مستغلة فيهم استعدادهم الذاتي للرحلة والمغامرة. فتعمل هذه المؤسسات على تعليمهم اللغات والطباع والعادات والأديان السائدة وجوانب الضعف فيها، وإن لم يكن فيها جوانب ضعف أوجدوا فيها هذه الجوانب، كما هو الحال في موقفهم من الإسلام، مستعينين لهذا العمل بافتراءات المستشرقين القديمة والحديثة. فينطلق المستشرقون والمنصرون وهم على دراية بالمجتمعات المقدمين عليها. كما أنهم على استعداد لمواجهة الصعاب والعقبات فيما يتعلق بالتعامل أو العيش أو العادات الغذائية أو السكن، يشاطرون الناس طعامهم ومعاشهم ومسكنهم ولباسهم أحيانا، وإن لم يكونوا على قناعة تامة بما يعملون، وبخاصة في مجالات العادات الغذائية والتقاليد الأخرى. وفي مجتمعاتنا العربية أكلوا لحم الجزور وشربوا حليب الخلفات ولبنها، بل جلسوا تحت النياق يحلبونها، وأكلوا الأقط والكمأ، بل ربما جربوا أكل الجراد والحيوانات البرية التي لم يعهدوا في حياتهم ومجتمعاتهم الغربية، وهم أولئك الذين يعتقدون أن الجمل حيوان متوحش خشن. وعلى مثل هذا يقاس الوضع في المجتمعات الأخرى في آسيا وإفريقيا.

стр. 89

[تساهل المسلمين] ١٢ - تساهل المسلمين: وتساهل بعض المسلمين والحكام المحليين ورؤساء القبائل وشيوخها، ولا سيما في شرق إفريقيا، واستقطابهم للمنصرين والترحيب بهم وتقريبهم وإعطاؤهم التسهيلات لإقامة مؤسساتهم التنصيرية، يعد إحدى الوسائل المساندة للتنصير. فقد فتح البعض الأبواب على مصاريعها للمنصرين، وعدهم المنقذين من التخلف والرجعية والجهل والانطوائية (١) . وتذكر الأميرة سالمة بنت السيد سعيد البوسعيدي في كتابها (٢) .

стр. 90

مذكرات أميرة عربية أن التسامح مع المنصرين قد وصل إلى إقامة الكنائس في مجتمع مسلم خالص (١٠٠%) . كما هي الحال في زنجبار، كما وصل إلى السماح للمنصرين بالعمل بهذه المجتمعات والوقوف في وجه من يتصدى لهم أو يحذر منهم أو يضيق عليهم. ورغم أن هذه الأميرة العربية قد تنصرت ورحلت إلى مجتمع نصراني إلا أن مذكراتها تقطر بالأسى لما وصلت هي إليه، ولما وصل إليه أهلها وبعض أبناء عشيرتها في زنجبار (١) . وليس الحال هنا مقصورا على هذه المذكرات أو هذه الأميرة، بل إن أمراء عربا آخرين كانت لهم مواقف يسروا فيها للمنصرين السبيل إلى تحقيق شيء من تطلعاتهم، في الوقت الذي كانوا يتوقعون قدرا من المقاومة، ولا سيما إذا جاء هؤلاء المنصرون بثياب الأطباء والممرضات، مما يدخل في التنصير المختفي الذي مر ذكره في الفصل الأول من هذه المناقشات، وإلا لا يتصور أن يسمح الأمراء والحكام العرب بالدخول التنصيري الصريح في مجتمعات كلها مسلمون، إذ إنهم

стр. 91

يحسبون لشعوبهم حسابا، وإنما قاموا عليهم ليخدموهم (١) . ويدخل في هذا إيجاد حكام نصارى على أغلبية مسلمة، بحيث تكون هذه الأغلبية أقلية، ويمكن هؤلاء الحكام للإرساليات التنصرية الحرية في التنقل بين المدن والقرى والأرياف، ويقدمون لها الحماية اللازمة على حساب سكان البلاد المسلمين. وفي هذا يذكر المنصر كينيث لاتورث أنه " يجب أن نذكر على كل حال أنه لم يحدث انتقال واسع من الإسلام إلى النصرانية في قطر ما إلا بعد أن تبدل ذلك القطر بحكومته الإسلامية حكومة غربية مسيحية، وذلك فقط إذا كانت هذه الحكومات الغربية المسيحية تنهج سياسة فعالة في مساعدة الإرساليات" (٢) . ولا تعني

стр. 92

عبارة (الحكومات الغربية) السيطرة الغربية المباشرة، إذ إن هذه السيطرة المباشرة قد زالت مع زوال الاحتلال من بلاد المسلمين. [تأليف الأذهان] ١٣ - تأليف الأذهان: وهناك وسائل أخرى مساندة وغير واضحة للجميع، كالتأليف على الرموز والشعائر النصرانية كالصلبان والأجراس، والمناسبات الدينية والثقافية، وغيرها من وسائل تأليف الأنظار والأذهان. ومن ذلك المحاولات المستمرة لإقامة الكنائس للإرساليات والمدارس والأندية تكون مرتفعة ومتميزة " حتى تؤثر في عقول الزائرين وفي عواطفهم وخيالاتهم. إن ذلك في اعتقاد المبشرين يقرب غير النصارى من النصرانية" (١) . ولا تعني هذه الأبنية وجود نصارى في الأماكن التي تبنى بها، ولكن يحضر لها من يشغلها أوقات العبادة، وإذا ما اعترضت بعض التحديات هذه الطريقة، كأن يرفض المسلم بيع بيته أو أرضه من أجل إقامة مؤسسه تنصيرية عليه، أغروه بالمال الكثير ليرحل إلى مكان آخر (٢) . وفي عاصمة عربية إسلامية تعد بوابة المسلمين إلى إفريقيا هي الخرطوم يجد

стр. 93

الواصل إليها عن طريق الجو أول ما يصادفه ناد تنصيري، ثم تليه على الطريق إلى المدينة مقبرة للنصارى، ثم تليها كنيسة نصرانية، فيحس المرء أنه في مدينة نصرانية، أو غالبية أهلها من النصارى. (١) . وتقوم كنيسة على مدخل المطار الجديد في البحري أرضها مائة ألف مربع (٠٠٠، ١٠٠م٢) . وهذا شكل من أشكال تغيير طابع العاصمة الإسلامي إلى طابع نصراني (٢) . وهناك وسائل عدة لتأليف الأنظار والأسماع على الرموز والأسماء النصرانية. ومنها ما شاع في الأسماء، وخاصة الإناث وأسماء الأماكن التجارية والمطاعم ومرافق الخدمات التجارية العامة التي فشت الآن في المجتمعات المسلمة، وأصبحت عنوانا من عنوانات الانخراط في ركب الحضارة والتقدم. وهذه وغيرها وسائل للتأليف على المفهوم العام والشامل للتنصير الذي انتقل من مجرد إدخال غير النصارى في النصرانية على ما ورد التأكيد عليه عند الحديث عن المفهوم واستعراض الوسائل المباشرة. إلا أنه لا بد من شيء من التوازن في النظر إلى التأليف بالرموز. فليس بالضرورة أن كل ما يوحي بالتأليف يدخل في مفهوم التأليف على الرموز. والتثبيت، دائما،

стр. 94

يعين على الوصول إلى الحكم القاطع، أو القريب من القطع، ذلك أن بعض المتابعين قد يصاب بالحساسية المفرطة حول كل ما يوحي بالتأليف على رموز شائعة في الثقافات الأخرى. والحساسية مطلوبة، والحذر مهم، ومع هذا فينبغي أن يكون كل شيء بقدر.

стр. 95

[الفصل الخامس في مواجهة التنصير] [تمهيد] الفصل الخامس في مواجهة التنصير

стр. 96

تمهيد لم يقف المسلمون - على العموم - مكتوفي الأيدي أمام الحملات التنصيرية. ورغم العرض لبعض الوسائل للتنصير والمنصرين، التي كان من بينها تساهل بعض المسؤولين المسلمين في مواقفهم من المنصرين، وتساهل بعض الأهالي، إلا أنه كانت هناك مواجهة مستمرة، ولا تزال قائمة، للحملات التنصيرية. ويبدو أن هناك اتفاقا بين المهتمين بالإسلام والمسلمين على المواجهة، لتكون هدفا من أهداف الدعوة إلى الله في الزمن الحاضر. على أن المواجهة لا تتوقف عند مجرد حماية المجتمعات المسلمة من غائلة التنصير. بل إنها تتعدى ذلك إلى درء الفتنة، (١) وعلى أنه لا يفهم من كون التصدي

стр. 97

للتنصير والمنصرين هو غاية في حد ذاته، ولكن الدعوة إلى الله تعالى تقتضي العمل على التغلب على الصعاب التي تعترض الطريق. ومن أبرز هذه الصعاب - على ما يبدو لي - هي هذه الحملات التي لا تزال تتواصل على المجتمع المسلم. وتتحقق المواجهة بمجموعة من الوسائل، هي - دائما - خاضعة للتغيير والتبديل والتكييف بحسب البيئات التي تقوم فيها المواجهة. والمهم عند المسلمين أن هذه المواجهات بأساليبها المتعددة لا تخرج بحال من الأحوال عن الإطار المباح شرعا، مهما كانت قوة الحملات التنصيرية، ومهما اتخذت هي من وسائل غير نزيهة، فاتخاذ المنصرين وسائل غير نزيهة لا يسوغ لنا نحن المسلمين اتباع هذا المنهج، فالله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا (١) . وهذا يصدق على مجالات المواجهة بخاصة، وعلى مجالات الدعوة بعامة، (٢) بل إن وسائل المواجهة هي في ذاتها أساليب للدعوة، فقصدنا نحن المسلمين من هذه المواجهة ليس مجرد المواجهة والصد فحسب، بل الدعوة إلى الله بهذه المواجهة، بحيث نسعى إلى هداية هؤلاء المنصرين، أو بعض منهم، في الوقت الذي نحمي فيه مجتمعنا المسلم من الحملات. ولا نبتغي بهذا كله إلا وجه الله تعالى والدار الآخرة، ولذا فإن روح المنافسة غير الشريفة في هذا المجال، وفي غيره، غير واردة

стр. 98

في مواجهتنا للتنصير، لأن الندية هنا غير متحققة، بل إننا نعتقد أننا نصارع الباطل بما عندنا من الحق. وفي هذا الصراع بين الحق والباطل ضدية لا ندية. ومهما جرى هنا من سرد لوسائل المواجهة فلا بد من التأكيد على عدم شموليتها، وعدم انطباقها بالضرورة على جميع الأحوال والبيئات. وأي وسيلة لا تخرج عن الإطار الشرعي وتتحقق بها المصلحة أو تغلب فيها المصالح على المفاسد فهي مطلوبة بحسب الحاجة إليها. ولعل من وسائل مواجهة الحملات التنصيرية في المجتمع المسلم الخطوات التالية: [الدعوة إلى الله] ١ - الدعوة إلى الله: الدعوة إلى الله تعالى على بصيرة، فالمواجهة العلمية أن نقدم للآخرين من مسلمين وغير مسلمين البديل الذي نعتقد أنه الحق وهو الإسلام الذي جاء به القرآن الكريم وجاءت به سنة المصطفى محمد ﷺ . وأساليب الدعوة متعددة ومتنوعة، وبعضها يناسب مجتمعات ولا يناسب أخرى. فالدعوة المباشرة أسلوب، والدعوة بالإغاثة أسلوب، والدورات أسلوب، والمنح الدراسية أسلوب، وكل ما يحقق الهدف ولا يتعارض مع الشرع أسلوب تفرضه أحيانا الحال أو الزمان أو المكان. والدعوة إلى الله تعالى تتطلب العلم الشرعي أولا ثم الفقه فيه. وهما يعدان من أوليات مؤهلات الداعية إلى الله تعالى. [السياسة] ٢ - السياسة: والحكومات الإسلامية يمكن أن تمارس أثرا فاعلا في التصدي للتنصير بعدم تقديم التسهيلات للمنصرين في المجتمعات المسلمة، وبالتأكيد على الوافدين إلى بلاد

стр. 99

المسلمين من غير المسلمين باحترام ثقافة البلاد وعدم اتخاذهم أي إجراء عام يتعارض مع هذه الثقافة أو يتناقض معها، وبإحلال البديل الحق الذي يتقدم المنصرون بما يبدو أنه مماثل له، ذلك البديل المؤصل المناسب للبيئة المسلمة، وبمراقبة البعثات الدبلوماسية الأجنبية وإشعارها دائما وبوضوح أنها مطالبة بالاقتصار على مهماتها المناطة بها والمحددة لها، وعدم الإخلال بهذه المهمات بالخروج إلى المجتمع ومحاولة تضليله دينيا وثقافيا واجتماعيا. كما أن البعثات الدبلوماسية المسلمة في البلاد المسلمة عليها مهمة المواجهة بالأساليب التي تراها مناسبة بحيث تحد من المد التنصيري. في المجتمعات المسلمة التي تعمل بها. وهذا مناط أولا بالبعثات الدبلوماسية التي تمثل بلادا غنية بالعلم والعلماء، وغنية بالإمكانات التي يمكن أن تحل محل الإمكانات التنصيرية. وعليها في البلاد غير المسلمة أن تقدم البديل الحق إن لم يكن مباشرة فلا أقل من أن تمثل بلادها الإسلامية تمثيلا يليق بها في الممارسات الرسمية والفردية، إذ إنه ينظر إلى هؤلاء الممثلين الدبلوماسيين على أنهم حجة على دينهم وثقافتهم ومثلهم. [هيئات الإغاثة] ٣ - هيئات الإغاثة: وقد ظهرت على الساحة الإسلامية مجموعة من الهيئات الإغاثية الإسلامية وجمعياتها ولجانها. وهي مع تواضع تجربتها وافتقارها إلى الخبرة والعراقة، إلا أنها، مع قلة إمكاناتها، قد اقتحمت الساحة بفاعلية وهي تشكل تهديدا عمليا واضحا للجمعيات التنصيرية (١) . والمطلوب في هذه الوسيلة تكثيف أعمالها وتعددها النوعي

стр. 100

وليس بالضرورة الكمي. وأظن هذا التعدد ظاهرة صحيحة، إذا ما روعيت فيها الدقة والأمانة والإخلاص في العمل، والبعد عن القضايا الجانبية التي تضر بالعمل ولا تعين عليه. كما أن التنسيق مطلب جوهري وملح بين الهيئات، فالغرض هو الوصول إلى المنكوبين، والهدف الأسمى من هذا كله هو تحقيق حمل الأمانة التي أراد الله تعالى لهذا الإنسان أن يحملها. [علماء الأمة] ٤ - علماء الأمة: والعلماء وطلبة العلم يناط بهم عمل عظيم في المجال. فهم الذين يديرون الدفة العلمية والفكرية، وهم الذين يملكون القدرة بعلمهم وحكمتهم على ميزان الأشياء، ويملكون كذلك القدرة على التأثير. والمطلوب من العلماء وطلبة العلم الولوج إلى المجتمعات المسلمة بعلمهم مباشرة عن طريق الزيارات المستمرة وأوجه النشاط العلمي والثقافي الجماعي والفردي، وعن طريق المحاضرات والمؤلفات والرسائل القصيرة والنشرات الموجهة قصدا إلى العامة. وهم مطالبون بالداخل بالاستمرار في تنبيه الناس لأخطار التنصير، ودعوة العامة والخاصة من المسلمين للإسهام في مواجهة الحملات التنصيرية بحسب القدرة المادية، والبشرية، وبحسب الخبرة وغيرها من الإمكانات. وإنه لمن المفرح حقا أن التصدي للتنصير بدأ يأخذ بعدا وشكلا عموميا بين الناس، بعد أن كان محصورا على قلة منهم، وبين أوساط المتعلمين والمفكرين والمثقفين فقط. بل لقد قيل في زمن مضى إنه من العيب على العلماء وطلبة العلم التصدي للحملات التنصيرية والإرساليات في حقبة الكفاح القومي، فلا يجب

стр. 101

أن تذكر كلمة إسلام أو نصرانية أو مسيحية أو مسلم أو نصراني أو مسيحي، (١) ليصبح الجميع إخوانا في القومية، ويصبح الدين لله والوطن للجميع. وكان هذا المطلب من جانب واحد، إذ إذن الإرساليات كانت تترى على المجتمع المسلم، ومنه المجتمع العربي، بشتى أشكالها وأساليبها. ومع هذا يطلب من الدعوة إلى الإسلام أن تتوقف من منطلق قومي جيء به ليحل محل الإسلام، لا ليحل محل الأديان جميعها، ذلك أن القومية إنما انطلقت على أيدي نصارى العرب. وتلك حالة مرت بها الأمة في زمن مضى. وقد آذن نجمها بالأقوال، حيث لم توفق في أن تكون هي البديل للإسلام. ونرى بوادر التخلص منها قد ظهرت منذ زمن على أيدي العلماء الذين نظروا للعربية على أنها مساندة للدين، لا منافسة له. والمطلوب المزيد من هذا التصدي والمزيد من فضح الأساليب وتقديم الأدلة القوية والبراهين الواضحة على هذه الحملات التنصيرية رغبة في الإقناع، مع التثبيت الدائم من المعلومات الواردة لتقوى الحجة ويقوى قبولها. [التجارة والاقتصاد] ٥ - التجارة والاقتصاد: والتجار ورجال الأعمال والموسرون مطالبون بالإسهام في التصدي للتنصير، سواء أكانوا في أماكن أعمالهم، أم في البلاد التي يتعاملون معها. فكما انتشر الإسلام في شرق آسيا وجنوب الصحراء الكبرى في إفريقيا عن طريق التجارة ورجال الأعمال

стр. 102

الأوائل، يمكن أن تستمر هذه الوسيلة مع وجود تحديات وبيئات وأساليب وطرق تختلف عن السابق. وهم مطالبون أن يكونوا قدوة في أعمالهم وتعاملاتهم وتعاملهم مع الآخرين من مسلمين وغير مسلمين، ذلك أنهم يمثلون ثقافة وخلفية ينظر إليها من خلالهم. وهذا مطلب المقل. إذ إن المهمات المناطة برجال الأعمال والتجار تتعدى مجرد القدوة إلى محاولة زرعها بالحسنى بين الفئات التي يتعاملون معها. ولعل التجار ورجال الأعمال وأصحاب المصانع ممن تضطرهم أعمالهم إلى استقدام الطاقات البشرية من القوى العاملة يسعون بجدية إلى التركيز على المسلمين من المستقدمين. وحيث إن هذا المطلب قد لا يتيسر في جميع الأحوال فإن على التجار ورجال الأعمال وأصحاب المصانع أن يتنبهوا إلى ضرورة المراقبة الدقيقة والمتابعة المستمرة لأولئك الذين لا يدينون بالإسلام. والعاملون عموما أمانة في أعناق أصحاب هذه المؤسسات، ويحتاجون إلى الرعاية والعناية من المسلمين وغير المسلمين. والمهم هنا هو التأكد من أن العاملين من غير المسلمين لم يأتوا لأغراض فكرية أو ثقافية أو دينية أخرى تحت ستار العمل، بغض النظر عن طبيعة العمل في كونه تخصصا دقيقا أو فنيا أو حرفيا يقوم به أشخاص تظهر عليهم البساطة والأمية والتخلف. وهذا الأمر ليس مقصورًا على مؤسسات القطاعات الأهلية، بل إن القطاعات الحكومية تجلب الخبرات والطاقات البشرية المؤهلة وغير المؤهلة أحيانا، فيسرى عليها هذا المطلب الحيوي، مع الأخذ بالحسبان أنه يندس بين هؤلاء العاملين مرشدون روحيون مقصودون لحماية العاملين من الاطلاع الدقيق على حقيقة الإسلام، مع ربطهم المستمر بدينهم. ومن أجل ألا تكون مسألة قبول هذه الفكرة في متابعة العاملين في جميع المؤسسات فردية وخاضعة لمدى اقتناع صاحب العمل بها، في الوقت الذي ينظر فيه

стр. 103

إلى الإنتاجية مؤشرا ومقياسا للأداء، فإن على الغرف التجارية المحلية والإقليمية أن تسهم في معالجة هذه الناحية بطريقتها في الاتصال بالتجار ورجال الأعمال بالاجتماع بهم، وعقد الندوات أو المحاضرات أو كتابة المقالات والنداءات في إصدارات الغرفة الدورية، أو ما تراه هي مناسبا لإيصال هذه الفكرة. وفي الداخل يهب رجال الأعمال والتجار والموسرون داعمين للأعمال الخيرية الموثوقة. وهم بحق عصب الأعمال الخيرية والدعوية، ودون ولوجهم أعمال الخير بالبذل وتبني المشروعات تقف الدعوة والإغاثة مشلولة تتفرج على الآخرين وهم يتبرعون بسخاء للمنظمات والجمعيات التنصيرية يصل إلى حد وقف مشروعات بأكملها على المنظمات والوصية لها بكامل التركة أو بجلها بعد الموت، وهكذا. [شباب الأمة] ٦ - شباب الأمة: وشباب الأمة يملكون الطاقة والقوة وشيئًا من الفراغ والرغبة، فيخوضون غمار المغامرة. ومع شيء من التوجيه يمكن أن يسهم الشباب في التصدي للتنصير والمنصرين عن طريق التطوع، فيكونون سندا للعاملين في مجالات الدعوة والإغاثة. ولا يشترط في الجميع أن يكونوا دعاة بالمفهوم الشائع للداعية، ولا يشترط أن يكونوا علماء يملكون زمام الفتوى، ولا يشترط أن يطلب منهم التغير السريع في المجتمعات التي يتطوعون للعمل بها، فكل هذه المتطلبات تترك للتخطيط والتنظيم والمسح. ولا يقلل من جهود الشباب المساندة والعاملين في مجالات الدعوة والإغاثة، فإن هذه المساندة مهمة ومطلوبة. ولا أظن أن عملا يمكن أن يقوم بفاعلية جيدة إن لم توجد هذه الجهود المساندة. ولا أظن أن أمر الاهتمام بالمسلمين في مجالات الدعوة والإغاثة ينبغي أن يترك للاجتهادات الشخصية المدفوعة أحيانا بالحماس، المفتقر إلى الخلفية الجيدة في أمور الدعوة والإغاثة، وإلا جاءت النتائج عكسية مؤلمة لمن عملوا

стр. 104

بهذه المجالات. وقد أسهم مجموعة من الشباب المتطوعين. ويسهمون، في هذه المجال عندما تهيأ لهم الموجهون الناصحون في إفريقيا أيام المجاعة، وفي آسيا أيام الجهاد في أفغانستان، فكان الشباب مثالا للتفاني والتضحية تركوا وراءهم في ديارهم الخير والجاه والنعمة والرفاهية، ورضوا أن يعيشوا في الكهوف وبين الجبال، ويكتفوا بالقليل من الزاد والراحة. هذا في وقت يظن البعض فيه أن مجموعات غير قليلة من هؤلاء لا يصلح لأي شيء سوى حياة مرفهة. [المؤسسات العلمية] ٧ - المؤسسات العلمية: وهناك مؤسسات علمية ومؤسسات تعليمية كالجامعات والمعاهد العليا ومراكز البحوث. وهذه منتشرة في أنحاء العالم الإسلامي، ويتوقع لها أن تسهم في مجال التركيز على الحملات التنصيرية، فتبين خطرها على الأمة عن طريق نشر الكتاب الذي يعالج هذه المشكلة، وعن طريق عقد الندوات والدعوة إلى المحاضرات والمؤتمرات المحلية والإقليمية والدولية لوضع الخطط والاستراتيجيات لمواجهة التنصير، وعن طريق إصدار دورية علمية، وأخرى ثقافية تعينان بالتنصير وتتابعان تحركاته، حيث تخلو الساحة من هذه الإصدارات. ولا يوجد - على حد علمي -دورية علمية أو مجلة ثقافة واحدة تخصصت بهذه الظاهرة، يمكن الرجوع إليها لمتابعة أنشطة المنصرين. وفي المقابل نجد مجموعات من المجلات التنصيرية المدعومة من الجمعيات التنصيرية (١) . كما لا توجد

стр. 105

- على حد علمي - مؤسسة علمية أو تعليمية واحدة تضع من اهتماماتها الأولية والمستمرة والمرسومة متابعة هذه الظاهرة ورصد تحركاتها وإطلاع المهتمين على خططها وأعمالها (١) . وفي المقابل نجد الجمعيات التنصيرية والجامعات التي تخصصت في تخريج المنصرين (٢) . والمؤسسات العلمية والتعليمية من مراكز وجمعيات تملك القدرات العلمية والبشرية لترجمة الكتب النافعة والرسائل الموجزة، ونشرها بين الأقليات المسلمة وبين المسلمين عموما ممن لا يتحدثون اللغة العربية، كما تملك القدرة على تكليف من يجيدون اللغات بالترجمة والتحفيز عليها، كأن تكون حافزا للترقية في الجامعات مثلا. كما يطلب من هذه المؤسسات القيام بترجمة بعض ما ينشر من مؤتمرات المنصرين ووقائع لقاءاتهم وجهودهم في حملاتهم، وذلك رغبة في إطلاع

стр. 106

الأمة على ما يراد بها. [رابطة العالم الإسلامي] ٨ - رابطة العالم الإسلامي: ورابطة العالم الإسلامي تقوم بجهود مشهودة في سبيل الدعوة إلى الله تعالى. ويتطلع إليها المسلمون في بذل المزيد في مواجهة التنصير، بما تملك من قدرة على التأثير. وقدرة على الوصول إلى من يمكن فيهم التأثير، وإن لم تكن قادرة قدرة مباشرة على التصدي لهذه الحملات التنصيرية في المجتمع المسلم، ولكنها تسهم على أي حال في هذا المجال، وبخاصة أن أهدافها تنص على دحض الشبهات، والتصدي للأفكار والتيارات الهدامة التي يريد منها أعداء الإسلام فتنة المسلمين عن دينهم، وتشتيت شملهم وتمزيق وحدتهم والدفاع عن القضايا الإسلامية بما يحقق مصالح المسلمين وآمالهم، ويحل مشكلاتهم. وينتظر منها المزيد في اتخاذ الوسائل التي أعلن عنها، وذلك، مثلا، بإقامة لجنة، تحت مظلة الرابطة، تعني بظاهرة التنصير وتعمل على متابعتها ورصدها (١) .

стр. 107

[الندوة العالمية] ٩ - الندوة العالمية: والندوة العالمية الدائمة للشباب الإسلامي تكثف من نشاطها في أوساط الشباب، وتحمل لهم المنهج الصحيح، وتزيد من المخيمات الشبابية في إفريقيا وآسيا ثم أوروبا والأمريكتين، وتجلب لهم العلماء وطلبة العلم والكتب والرسائل والنشرات الإسلامية المنقولة إلى اللغات التي يتقنونها. وتركز في نشاطها الثقافي في هذه المخيمات على الأخطار التي يواجهها هؤلاء الشباب في عقر دارهم، وبين ظهرانيهم (١) ومن بين هذه الأخطار والتحديات هذه الحملات التنصيرية المنتشرة. [منظمة المؤتمر الإسلامي] ١٠ - منظمة المؤتمر الإسلامي: ومنظمة المؤتمر الإسلامي والمنظمات المنبثقة عنها تملك شيئا من القدرة على التأثير السياسي على الحكام رؤساء الدول الإسلامية وملوكها. والمنظمات المنبثقة عنها. كالبنك الإسلامي للتنمية وصندوق التضامن الإسلامي والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، (٢) تملك القدرة على تبني المزيد من المشروعات التي يمكن

стр. 108

أن يسبق بها المنصرون. [الجمعيات الإسلامية] ١١ - الجمعيات الإسلامية: والجمعيات الإسلامية المحلية الطلابية والمعنية بالجاليات والأقليات المسلمة في غير بلاد المسلمين، وبخاصة في أوروبا والأمريكتين هي أيضا مطالبة بالإسهام في المواجهة، إذا إن التنصير ليس موجهًا إلى المجتمعات المسلمة فحسب، بل إن الجاليات المسلمة تتعرض لهجمات تنصيرية مسعورة، فيها خطورة بالغة على الأجيال المسلمة القادمة. [الجماعات الإسلامية] ١٢ - الجماعات الإسلامية: والجماعات الإسلامية على اختلاف أسمائها وتوجهاتها تتحمل جزءا غير قليل

стр. 109

من المسؤولية في وضع برنامج لمواجهة التنصير ضمن اهتماماتها وأنشطتها، وتستخدم في هذا كل الوسائل الممكنة لها والمتاحة في بيئتها ما دامت تتماشى مع شرع الله تعالى، أو لا تتعارض معه، ولعل هذا البرنامج يطغى على بعض البرامج الجانبية التي تهتم بها بعض الجماعات، وتشغل بها المترددين عليها مما هو مدعاة إلى إيجاد فجوات لا مسوغ لها من بين المسلمين أنفسهم، بل إن وجود مجلس أعلى، أو مجالس عليها قرية، توحد هذه الجماعات قصدا إلى مواجهة إرساليات التنصير أصبح مطلبا حيويا، يبرز من خلاله التنسيق والتشاور واستخدام الخبرات والإمكانات (١) . [العلم بالنصرانية] ١٣ - العلم بالنصرانية: ولا بد من التعرف على عقائد النصارى واختلافها باختلاف الطوائف من كاثوليكية وبروتستانتية وأرثودوكسية، بالإضافة إلى الطوائف الرئيسية الأخرى، وما بداخل هذه الطوائف الرئيسة من انقسامات (٢) ومواقفها من طبيعة المسيح عيسى ابن

стр. 110

مريم ﵉ وأمه الصديقة مريم ﵍ ومواقفها من عقيدة التثليث، ومواقف هذه الطوائف ـ من قضايا إيمانية تتعلق بنزول عيسى ابن مريم ﵉ آخر الزمان ـ ومسألة البعث والجزاء والحساب، وغيرها من معتقدات القوم المبثوثة في الأناجيل، قصدا إلى التنبيه لعدم الوقوع فيها، ورغبة في السيطرة على مفهوم التنصير عند الحديث عنه. [الحوار] ١٤ - الحوار: ولا بد من قيام جهة علمية برسم طريقة للحوار مع النصارى في مجالات العقيدة. ومع أن هذا الموضوع غير مرغوب فيه لدى بعض المهتمين، إلا أنه عند الاستعداد له بالعلم الشرعي وبالعلم بالملل والنحل، والنصرانية بخاصة، قد يدخل في دعوة القرآن الكريم إلى أهل الكتاب إلى كلمة سواء بيننا وبينهم ألا نعبد إلا الله تعالى ولا نشرك به شيئا، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] (١) .
следующие страницы →