وقال أَبو الدرداء ﵁: (مَا الإِيمانُ؛ إِلَّا كَقَمِيصِ أَحَدكُمْ يَخْلَعُهُ مرة وَيَلْبَسُهُ أخرى، وَاللهِ مَا أَمِنَ عَبد عَلَى إِيمانهِ إِلَّا سُلِبَهُ فَوجدَ فَقْدَه) (١) .
وقد ثبت عن ابن عباس ﵁ أَنه كان يدعو غلمانه غلاما غلاما، فيقول: (أَلا أزوجك؟ ما من عبد يزني؛ إِلا نزع الله منه نور الإِيمان) (٢) .
وسأَله عكرمة، كيف ينزع منه الإِيمان؛ قال: (هكذا- وشبك بين أَصابعه ثمَ أَخرجها- فإِن تاب عاد إِليه هكذا- وشبك بين أَصابعه) (٣) .
стр. 107
[الأصل الثالث موقف أهل السنة من مسألة التكفير]
[لا يكفرون أَحدا بعينه من المسلمين ارتكب مكفِّرا إِلا بعد إِقامة الحجة التي يكفر بموجبها]
الأصل الثالث
موقف أهل السنة من مسألة التكفير
стр. 108
ومن أُصول عقيدة السَّلف الصالح؛ أَهل السنة والجماعة:
أنهم لا يكفرون أَحدا بعينه من المسلمين ارتكب مكفِّرا إِلا بعد إِقامة الحجة التي يكفر بموجبها؛ فتتوافر الشروط، وتنتفي الموانع، وتزول الشبهة عن الجاهل والمتأول، ومعلوم أَن ذلك يكون في الأُمور الخفية التي تحتاج إِلى كشف وبيان، بخلاف الأَشياء الظاهرة؛ مثل جَحْد وجودِ الله، وتكذيب الرسول- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وجحدِ عموم رسالته، وختمهِ للنبوة.
وأَهل السنة لا يكفرون المكره إِذا كان قلبه مطمئنا بالإِيمان. ولا يكفِّرون أَحدا من المسلمين بكلِّ ذنب، ولو كان من كبائر الذنوب التي هي دون الشرك؛ فإِنَهم لا يحكمون على مرتكبها بالكفر، وإنمَا يحكمون عليه بالفسق ونقص الإيمان، ما لم يستحل ذنبه؛ لأنَّ الله- ﵎ يقول:
стр. 109
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] (١) .
ويقول سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] (٢) .
وإذا مات العبد على ذنب- دون الشرك- لم يستحله؛ فَأَمرُه إِلى الله تعالى، إِن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له؛ خلافا للفرق الضالة التي تَحْكُمُ على مرتكب الكبيرة بالكفر، أَو بالمنزلة بين المنزلتين.
وقد حذر النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَن يكفر أَحد أَحدا دون برهان، قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَيما امْرِئٍ قَالَ لأَخِيه: يَا كَافِر، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، إِنْ كَانَ كَمَا قال، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْه» (٣) .
وقال: «مَنْ دعَا رَجُلا بِالكفْر، أَوْ قَالَ: عَدُوُّ اللهِ، وَلَيْسَ كَذلِك إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ» (٤) .
стр. 110
وقال: «لا يَرْمِي رَجُل رَجُلا بالفُسُوق، وَلا يَرْميهِ بِالكُفْر، إِلَّا ارْتدتْ عَلَيْهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذلِك» (١) .
وقال: «ومَنْ رَمى مُؤْمِنا بِكُفْر، فَهُوَ كَقَتْله» (٢) .
وقال: «إِذَا قَالَ الرجلُ لأَخِيه: يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا» (٣) .
[فرق بين الحكم على القول والمعين]
وأَهل السنة والجماعة: يُفَرِّقُونَ بين الحُكْم المطلق على أَصحاب البدع بالمعصية أَو الكفر وبين الحكم على شخص معين- ممن ثبت إِسلامه بيقين- صدرت عنه بدعة من البدع، بأنَّه عاصٍ أَو فاسق أَو كافر، فلا يحكمون عليه بذلك حتى يبينَ له الحق، وذلك بإِقامة الحجة وإزالة الشبهة، وهذا في الأَشياء الخفية، لا في الأُمور الظاهرة؛ ثم هم لا يكفرون المعَيَّن إلا إِذا تحققت فيه الشروط وانتفت الموانع (٤)
стр. 111
وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رَسُول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: " كَانَ رَجُلانِ في بَنِي إِسرْائِيلَ مُتَؤاخِيَيْن، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُذْنِبُ، وَالآخَر مُجْتَهد في العِبَادَةِ، فَكَانَ لاَ يَزَالُ المُجْتَهِدُ يَرَى الآخَرَ عَلَى الذنب، فَيَقُولُ: أَقْصِرْ. فَوَجَدَهُ يَوْما عَلَى ذَنب، فَقَالَ لَهُ: أَقْصِرْ. فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبي أَبُعِثْتَ عَليّ رقيْبا؟ فَقَالَ: وَاللهِ! لاَ يَغْفِرُ اللهُ لَكَ- أَو لا يُدْخِلُكَ اللهُ الجَنةَ! - فَقُبض أَرْواحُهُمَا، فَاجْتمَعَا عِنْدَ رَب العالمين، فَقَالَ لِهَذا المُجْتَهِد: كُنْت بِيَ عَالِما، أَو كُنْتَ عَلَى ما في يَدي قادِرا؟ وَقَالَ لِلْمُذْنِب: اذْهَبْ فَادْخُل الجنة بِرَحْمَتِي، وَقَالَ للآخَرِ: اذْهَبوا بِهِ إِلَى النَّارِ ". قال أَبو هريرة: والذي نفسي بيده! لتكَلَمَ بكلمة، أوبَقَتْ دنياه وآخرته (١)
стр. 112
[أنواع الكفر]
والكفر ضد الإِيمان إِلا أَن الكفر في لسان الشرع كفران: إِذ يَردُ الكفر في النصوص مرادا به أَحيانا الكفر المخرج عن الملة، وأَحيانا يُرادُ به الكفر غير المخرج عن الملة، وذلك أَن للكفر شُعَبا كما أَن للإِيمان شُعَبا، والكفر ذو أصول وشعب متفاوتة؛ منها ما يوجب الكفر، ومنها ما هي من خصال الكفَّار:
أَولا- كفر أَكبر مخرج من الملة، ويسمى الكفر الاعتقادي: هو ما يناقض الإِيمان ويُبْطِل الإِسلام، ويوجب الخلود في النار، ويكون بالاعتقاد والقول والفعل، وينحصر في خمسة أَنواع:
١ - كفر التكذيب: هو اعتقاد كذب الرسل، أَو ادعاء أَن الرسول جاء بخلاف الحق، أَو مَن ادعى أَن الله حرم شيئا أَو أَحلَهُ مع علمه أَن ذلك خلاف أَمر الله ونهيه.
٢ - كفر الإِباء والاستكبار مع التصديق: وذلك بأن يقر أَنَّ ما جاء به الرسول- ﷺ حق من رَبِّه، لكنه يرفض اتباعه أَشرا وبطرا واحتقارا للحق وأَهله؛ ككفر إِبليس فإِنَه لم يجحد أَمر الله ولم ينكره، ولكن قابله بالإِباء والاستكبار.
٣ - كفر الإِعراض: بأَن يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول لا يصدقه، ولا يكذبه، ولا يواليه، ولا يعاديه، ولا يصغي إِليه البتة،
стр. 113
ويترك الحق لا يتعلَمه ولا يعمل به، ويهرب من الأَماكن التي يذكر فيها الحق؛ فهو كافر كفر إِعراض.
٤ - كفر النفاق: وهو إِظهار متابعة ما جاء به الرسول مع رفضه وجحده بالقلب؛ فهو مظهر للإِيمان به مبطن للكفر (١) .
٥ - كفر الشك: بأَن لا يجزم بصدق النَّبي ولا كذبه؛ بل يشك في أَمره، ويتردد في اتباعه، إِذ المطلوب هو اليقين بأَن ما جاء به الرسول من رَبِّه حق لا مرية فيه، فمن تردد في اتباعه لما جاء به الرسول- ﷺ أَو جوَّز أَن يكون الحق خلافه؛ فقد كَفر كُفر شكّ وظن.
وهذه الأَنواع من الكفر، موجبةٌ للخلود في النَّار، ومحبطة لجميع الأَعمال، إِذا مات صاحبها عليها، قال تعالى:
стр. 114
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦] (١) وقال: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] (٢) .
ثانيا- كفر أَصغر غير مخرج من الملة: أَطلقه الشارع على بعض الذنوب على سبيل الزجر والتهديد؛ لأَنَها من خصال الكفر، وما كان من هذا النوع فمن كبائر الذنوب، وهو مقتض لاستحقاق الوعيد دون الخلود في النار، ومن الأَمثلة على ذلك: قتال المسلم، والحلف بغير الله تعالى، والطعن في النسب، والنياحة على الميت، وقول المؤمن لأخيه المؤمن يا كافر. . إِلى غير ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] (٣) .
وقال النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «سِبابُ المُسْلِمِ فُسُوق، وَقِتالُهُ كُفْر» (٤)
стр. 115
وقال: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» (١) وقال: «من حلف بغير الله فقد أشرك، أو كفر» (٢) وقال: «اثنتان في الناس هما بهم كفر؛ الطعن في النسب والنياحة على الميت» (٣) .
стр. 116
[الأصل الرابع الإيمان بنصوص الوعد والوعيد]
الأصل الرابع
الإيمان بنصوص
الوعد والوعيد
стр. 117
ومن أُصول عقيدة السلف الصالح، أَهل السُّنَة والجماعة:
الإِيمان بنصوص الوعد والوعيد، يؤمنون بها، ويُمِرونها كما جاءت، ولا يتعرضون لها بالتأويل، وَيُحَكِّمُونَ نصوص الوعد والوعيد، كقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] (١) .
ويعتقدون بأَن عواقب العباد مبهمة لا يَدْري أَحدٌ بما يُخْتَمُ له؛ لكن مَن أَظهر الكفر الأكبر حكم عليه به، وعومل معاملة الكفار. قال النبِي- ﷺ : «إِن الرجُلَ لَيَعمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنّة؛ فِيما يَبْدو لِلناسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرجلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ؛ فِيمَا يَبْدُو للناس، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجنةِ» (٢)
стр. 118
وقال: «إِن أَحَدكُمْ لَيعْمَلُ بِعَملِ أَهْلِ الجَنةِ حَتَى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَا ذِراع؛ فَيَسْبقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ؛ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النار فَيدْخُلُها، وَإِن أَحَدكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النار، حَتَى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَها إِلا ذِراعٌ؛ فَيَسْبقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ؛ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجنة فَيَدْخُلُهَا» (١) .
ولكن يشهدون لمن مات على الإِسلام بظاهر إسلامه- من المؤمنين والمتقين- على العموم؛ بأنه من أَهل الجنة، إِن شاء الله.
قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥] (٢) وقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ - فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥] (٣) .
وقال النَبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أنهُ لاَ إِلهَ إِلَا اللهُ، دَخَلَ الجَنَّةَ» (٤) . ويشهدون بأَنَّ الكفارَ، والمشركين، والمنافقين من أَهل النَّار.
стр. 119
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩] (١) وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦] (٢) . وقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] (٣) .
وأَهل السنة والجماعة: يشهدون للعشرة المبشرين بالجنة، كما شهد لهم النبِي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وكلُّ من شهد له النبي- ﵌ بالجنَّة شهدوا له بها.
قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَبو بَكْرٍ في الجَنةِ، وَعُمَرُ في الجنة، وَعُثْمَانُ في الجَنة، وَعَلي في الجَنّةِ، وَطَلْحَةُ في الجنةِ، والزبيْرُ في الجنةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْف في الجنة، وَسعدُ بنُ أَبي وَقَّاص في الجنَّة، وَسَعيدُ بنُ زَيْد في الجنَّة، وَأَبو عُبَيْدَةَ بنُ الجَراح في الجنةِ» (٤)
стр. 120
وقد ثبت لكثير من الصحابة الشهادة بالجنة، كعكاشة بن محصن، وعبد الله بن سلام، وآل ياسر، وبلال بن رباح، وجعفر بن أبي طالب، وعمرو بن ثابت، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة، وفاطمة ابنة الرسول ﵌، وخديجة بنت خويلد، وعائشة، وصفية، وحفصة، وجميع زوجاته صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وغيرهم، ﵃ أَجمعين.
وأَمَّا مَن جاءت النصوص بأَنَّهم من أَهل النار، فنشهد لهم بذلك، منهم أَبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب، وامرأته أُم جميل أَروى بنت حرب وغيرهما ممن ثبت في حقهم ذلك.
وأَهل السُّنَة والجماعة: لا يجزمون لأَحد بعينه كائنا من كان؛ بجنة ولا نار إِلا من جزم له رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولكن يرجون للمحسن، ويخافون على المسيء (١) .
ويعتقدون أَنَّ الجنَّة لا تجب لأَحد، وإنْ كان عمله حسنا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَه الله بفضله فيدخلها برحمته، قال الله تعالى:
стр. 121
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١] (١) .
وقال النبِي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَا مِنْ أَحَد يُدْخِلُهُ عَمَلُهُ الجنة " فقيل: ولا أَنتَ؟ يا رسول الله! قالَ: " وَلا أَنا؛ إِلا أَنْ يَتَغمدَني رَبي بِرحْمَة» (٢) وأَهل السُّنَّة والجماعة: لا يوجبون العذاب لكل مَن توجه إِليه الوعيد- في غير ما يقتضي الكفر- فقد يغفر الله له بما فعله من طاعات، أَو بتوبة، أَو بمصائب وأَمراض مكفرة، قال الله تعالى:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] (٣) .
قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَريقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْك عَلَى الطَرِيقِ فأخرَه، فَشكَرَ الله له؛ فَغَفَرَ لَه» (٤) .
وأَهل السُنَّة والجماعة: يعتقدون أَن لكلِّ مخلوقٍ أَجلا، وأَنَّه
стр. 122
لن تموت نفسٌ إِلَّا بإذن الله كتابا مؤجلا، فإِذا جاء أَجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، وإن مات أَو قُتل؛ فإِنٌما لانتهاء أَجله المسمى له، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥] (١) .
وأَهل السُّنَة والجماعة: يعتقدون أَنَّ وعد الله للمؤمنين بالجنة ووعيده بتعذيب العصاة الموحدين، وتعذيب الكفار والمنافقين في النار حق، قال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] (٢) .
ولكن الله سبحانه يعفو عن عصاة الموحدين بفضله وكرمه، وقد وعدَ الله تعالى بالعفو عن الموحدين، ونفاه عن غيرهم. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] (٣) .
стр. 123
[الأصل الخامس الموالاة والمعاداة في عقيدة أهل السنة]
الأصل الخامس
الموالاة والمعاداة
في
عقيدة أهل السنة (١) ومن أُصول عقيدة السَّلف الصالح؛ أَهل السُّنة والجماعة:
الحب في الله والبغْضُ في الله، أَي الحب والولاءُ للمؤمنين، والبغضُ للمشركينَ والكفار والبراءة منهم، قال الله تعالى:
стр. 124
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] (١) وقال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨] (٢) .
وأَهل السنَّة والجماعة: يعتقدون أَن الموالاة والمعاداة من الأصول المهمة، ولها مكانة عظيمة في الشرع تتضح من الوجوه الآتية:
أَولا - أَنها جزء من شهادة (لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) فإِنَّ معناها البراءةُ من كل ما يُعبدُ من دون الله، كما قال الله تعالى:
﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (٣) .
ثانيا - أَنها أَوثق عرى الإيمان، قال النبي- ﷺ :
«أَوْثقُ عُرَى الإِيمان: الموالاَةُ في الله والمعاداةُ في الله، والحب في الله، والبغضُ في اللَّه» (٤) .
ثالثا - أَنَّها سبب لتذوق القلب حلاوة الإِيمان ولذَّة اليقين.
стр. 125
قال النَّبِيُ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ثَلاثٌ مَنْ كُن فيهِ وَجَدَ حَلاَوةَ الإِيمان: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولهُ أَحَب إِليهِ ممّا سِواهُمَا، وَمَنْ أَحَب عَبْدا لاَ يُحِبهُ إِلَا للهِ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعودَ في الكُفْر بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى في النَّارِ» (١) .
رابعا - أَنه بتحقيق هذه العقيدة يستكمل الإِيمان، وقال- ﷺ :
«مَنْ أَحبَ لله، وَأَبْغَضَ لله، وَأَعْطَى لله، وَمَنعَ لله؛ فَقَد اسْتكمَلَ الإِيمان» (٢) .
خامسا - لأَن من أحب غير الله ودينه، وكره الله ودينه وأَهله، كان كافرا بالله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤] (٣) .
سادسا - أَنَّها الصلة التي على أَساسها يقوم المجتمع المسلم.
قال النبِي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُم حَتَى يُحِبّ لأَخِيهِ مَا يُحبّ لِنَفْسِهِ» (٤)
стр. 126
وأَهل السنة والجماعة: يعتقدون بأن الموالاة والمعاداة واجبةٌ شرعا؛ بل من لوازم شهادة: (لا إلَهَ إِلا اللهُ) وشرط من شروطها، وهي أَصل عظيم من أُصول العقيدة والإيمان يجب على المسلم مراعاته، وقد جاءت النصوص الكثيرة لتأكيد هذا الأَصل، منها قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] (١) وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١] (٢) .
وأَهل السُّنَّة والجماعة: يقَسِّمُونَ النَّاس في الموالاة والمعاداة إِلى ثلاثة أَقسام: أولا- مَن يستحق الولاء المطلق: وهم المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وقاموا بشعائر الدِّين مخلصين له، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ - وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٥ - ٥٦] (٣) .
стр. 127
ثانيا- مَن يستحق الولاء من جهة والبراء من جهة أخرى: مثل المسلم العاصيِ الذي يهمل بعض الواجبات، ويفعل المحرمات التي لا تصل إِلى الكفر؛ فيجب مناصحة هؤلاء، والإنكار عليهم، ولا يجوز السكوت على معاصيهم، بل ينكر عليهم ويؤمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وتقام عليهم الحدود والتعزيرات حتى يكفوا عن معاصيهم، ويتوبوا من سيئاتهم؛ كما فعل النبي- ﷺ مع عبد الله بن حمار عندما أُتِيَ به وهو شارب للخمر، ولعنه بعض الصحابة؛ فقال- ﷺ : «لاَ تَلْعَنوهُ إِنه يُحب الله وَرَسُولَه» (١) . ومع هذا فقد أَقام عليه الحد.
ثالثا- مَن يستحق البراء المطلق: وهو المشرك والكافر، سواء كان يهوديا، أَو نصرانيا، أَو مجوسيا، أَو ملحدا، أَو وثنيا، وهذا الحكم ينطبق أَيضا على من فعل المكفرات من المسلمين؛ كدعاء غير الله، أو الاستغاثة بغيره، أَو التوكُّل على غيره، أَو سَبِّ الله ورسوله أَو دينه، أَو فصل الدِّين عن الحياة اعتقادا بأنَّ الدِّين لا يلائم هذا العصر، أَو نحو ذلك- بعد
стр. 128
إقامة الحجة عليهم- فعلى المسلمين أَن يجاهدوهم ويضيقوا عليهم، ولا يتركوهم يَعيثُونَ في الأَرض الفساد، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التحريم: ٩] (١) وقال: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] (٢) .
وأَهل السنة والجماعة: يرون أَنَّ الموالاة في الله لها حقوق يجب أَن تؤدى، منها: أَولا - الهجرة من بلاد الكفر إِلى بلاد المسلمين، ويُستثنى من ذلك المستضعف، ومَن لا يستطيع الهجرة لأَسباب شرعية.
ثانيا - نصرة المسلمين، ومعاونتهم بالنفس والمال واللسان، ومشاركتهم في أَفراحهم وأَحزانهم.
ثالثا - أَن يحب للمسلمين ما يحبه لنفسه؛ من الخير ودفع الشر، وعدم السخرية منهم، والحرص على محبَّتهم ومجالستهم ومشاورتهم.
стр. 129
رابعا - أَداء حقوقهم من عيادة المريض، واتباع الجنائز، والرفق بهم، والدعاء والاستغفار لهم، والسلام عليهم، وعدم غشهم في المعاملة، ولا أكل أموالهم بالباطل.
خامسا - عدم التجسس عليهم، ونقل أَخبارهم وأَسرارهم إِلى عدوهم، وكف الأَذى عنهم، وإصلاح ذات بينهم.
سادسا - الانضمام إِلى جماعة المسلمين، وعدم التفرق عنهم، والتعاون معهم على البر والتقوى والأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وأَهل السُّنة والجماعة: يرون المعاداة في الله تقتضي أُمورا، منها: أولا - بغض الشرك والكفر وأَهله، إضمار العداوة لهم.
ثانيَاَ - عدم اتخاذ الكفار أَولياء وعدم موادّتهم، ومفاصلتهم مفاصلة كاملة؛ حتى لو كانوا من ذوي القربى.
ثالثا - هجر بلاد الكفر، وعدم السفر إِليها إِلا لضرورة مع القدرة على إِظهار شعائر الدِّين.
رابعا - عدم التشبه بهم فيما هو من خصائصهم، دينا ودنيا؛ فالدّين كشعائر دينهم، والدنيا كطريقة الأكل والشرب واللباس، ونحوها من عادتهم، وما لم ينتشر في المسلمين، لأَنَّ ذلك يورث
стр. 130
نوعا من المودة والموالاة في الباطن، والمحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر.
خامسا - أَلا يناصِرَ الكفار، ولا يمدحهم، ولا يعينهم على المسلمين، ولا يستعين بهم؛ إلا عند الضرورة وعلى كفار أَمثالهم، ولا يَرْكَن إِليهم، وهجر صحبتهم ومجالسهم، ولا يتخذهم بطانة له يحفظون سره، ويقومون بأهم أَعماله.
سادسا - أَلا يشاركهم في أَعيادهم وأَفراحهم، ولا يهنئهم عليها، وكذلك لا يعظمهم ولا يخاطبهم؛ بالسيد والمولى، ونحوها.
سابعا - أَلَّا يستغفر لهم، ولا يترحم عليهم.
ثامنا - عدم المداهنة والمجاملة والمداراة لهم على حساب الدين.
تاسعا - عدم التحاكم إِليهم، أَو الرضى بحكمهم، وترك اتباع أَهوائهم ومتابعتهم في أَي أَمر من أمورهم؛ لِأَنَّ متابعتهم يعني ترك حكم الله ورسوله.
عاشرا - أَلا يبدأهم بتحية الإسلام: " السَلاَمُ عَلَيْكُمْ ".
стр. 131
[الأصل السادس التصديق بكرامات الأولياء]
الأصل السادس
التصديق
بكرامات الأولياء
стр. 132
ومن أُصول عقيدة السلف الصَّالح، أَهل السنة والجماعة: التصديق بكرامات الأَولياء (١) وهي ما قد يُجريه الله تعالى على أَيدي بعض الصالحين من خوارق العادات إِكراما لهم؛ كما دلَّ على ذلك الكتاب والسنة، قال الله ﵎:
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ - الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ - لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤] (٢) .
стр. 133
وقال النَبِي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِن اللهَ ﵎ يَقُولُ مَنْ عَادَى لِي وَلِيَاَّ فَقَدْ آذَنْتهُ بِالحَرْبِ» (١) .
ولكن لأَهل السُّنَة والجماعة ضوابط شرعية في تصديق الكرامات، وليس كل أَمرٍ خارق للعادة يكون كرامة؛ بل قد يكون استدراجا أَو يدخل فيها ما ليس منها من الشعوذة وأَعمال السحرة والشياطين والدجالين، والفرق واضح بين الكرامة والشعوذة:
* فالكرامة: من الله وسببها الطاعة، وهي مختصة بأهل الاستقامة: قال الله ﵎: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] (٢) * والشعوذة: من الشيطان وسببها الأَعمال الكفرية والمعاصي، وهي مختصة بأهل الضلال: قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] (٣) .
стр. 134
وأَهل السُّنة والجماعة: يصدقون بأن في الدنيا سحرا وسحرة (١) قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ﴾ [يونس: ٨٠] (٢) وقال: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] (٣) وقال: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] (٤) .
إلا أنهم لا يضرون أحدا إلا بإذن الله، قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢] (٥) .
стр. 135
ومن اعتقد بأن السحر يضر، أَو ينفع بغير إذن الله؛ فقد كفر. ومن اعتقد إِباحته وجب قتله؛ لأَنَّ المسلمين أَجمعوا على تحريمه، والساحر يستتاب؛ فإِن تاب وإلّا ضُربت عنقه.
ومن أصول عقيدة أَهل السنَّة والجماعة: التصديق بالرّؤيا الصالحة، وهي جزء من النبوة، والفراسة الصادقة للصالحين حق، قال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] (١) .
قال النَبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَمْ يَبْقَ مِنَ النبوةِ إِلَّا المبَشِّرات» قالوا: وما المبشرات؛ قال: «الرؤيا الصالِحة» (٢) .
وأَهل السنة والجماعة: يؤمنون بأَن الله تعالى خلق شياطين الجن توسوس لبني آدم وتتربص بهم، وتتخبطهم، قال الله تعالى:
[الأصل السابع منهج أهل السنة والجماعة في التلقي والاستدلال]
الأصل السابع
منهج
أهل السنة والجماعة
في
التلقي والاستدلال
стр. 138
ومن أُصول عقيدة السلف الصالح؛ أَهل السُّنَّة والجماعة: في منهج التلقي والاستدلال اتباعُ ما جاء في كتاب الله- وما صح من سنة نبيه- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ظاهرا وباطنا، والتسليمُ لهما، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] (١) .
وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «تَرَكْتُ فِيكُم أَمْرَيْنِ، لَنْ تَضِلوا ما تمَسَّكْتُمْ بِهِما: كِتابَ الله وَسنةَ رَسُولِه» (٢) .
стр. 139
وأَهل السنة والجماعة: لا يقولون كتاب الله ثم سنَّة رسوله- ﷺ بل كتاب الله وسنة رسُوله معا لأن السنة مقرونة مع كتاب الله، ولأَن الله فرض طاعة رسوله، وسنتُهُ- ﷺ مبينة للمعنى الذي أَراده الله.
ثُم- أَهل السُّنَّة والجماعة - بعد ذلك يتبعون ما كان عليه الصحابة من المهاجرين والأَنصار عموما، والخلفاء الراشدين خصوصا، وأَوصى النبي- ﷺ باتباع الخلفاء الراشدين خصوصا؛ ثمَّ يتبعون الذين يلونهم من القُرون المفضَّلة الأولى، فقال ﷺ : «عَلَيْكمْ بِسُنتي، وَسُنةِ الخلَفَاءِ المهْدِيِّينَ الراشدين؛ تَمَسكُوا بها، وَعَضوا علَيْهَا بالنواجِذِ، وَإِياكُمْ وَمُحْدَثات الأمُورِ؛ فإِن كُلّ مُحْدَثَة بِدْعَة، وَكُل بِدْعَةٍ ضَلاَلة» (١) .
وعلى ذلك فإِن مرجع أَهل السنة عند التنازع؛ هو كتاب الله، وسُنَّة رسوله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (٢) .
وصحابة رسول الله- ﷺ مرجع أَهل السنة والجماعة في فهم الكتاب والسنَّة، ولا يعارَضُ شيء عندهم من الكتاب أَو السنَّة
стр. 140
الصحيحة؛ بقياسٍ، ولا ذوق، ولا كشف، ولا قول شيخ، ولا إمام؛ لأن الدين قد اكتمل في حياة الرسول- ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] (١) .
وأَهل السنة والجماعة: لا يقدمون على كلام الله، وكلام رسُوله- ﷺ كلامَ أَحد من الناس، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١] (٢) .
ويعلمون بأن التقدم بَينَ يَدي الله ورسوله من القول على الله بغير علم، وهو من تزيين الشيطان.
والعقل الصريح عندهم يوافق النقل الصحيح، وعند الإِشكال يقدمون النقل ولا إِشكال؛ لأن النقل لا يأتي بما يستحيل على العقل أَن يتقبله، وإنما يأتي بما تحار فيه العقول، والعقل يصدق النقل في كلِّ ما أَخبر به ولا عكس.
ولا يُقللون من شأن العقل؛ فهو مناط التكليف عندهم، ولكن يقولون: إِنَّ العقل لا يتقدم على الشرع- وإلَّا لاستغنى الخلق عن
стр. 141
الرسل- ولكن يعمل داخل دائرته، ولهذا سُموا أَهل السُّنَّة لاستمساكهم واتباعهم وتسليمهم المطلق لهدي النَبِيِّ ﷺ .
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] (١) .
وأَهل السنة والجماعة: يأَخذون بعد الكتاب والسنَّة بما أَجمع عليه علماء الأُمة، ويعتمدون عليه، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِن اللهَ لا يَجْمَعُ أمتي عَلى ضَلاَلَة، وَيَدُ الله مع الجماعَة، ومَنْ شَذَّ شَذَّ في النار» (٢) .
فهذه الأمة معصومة من الاجتماع على باطل، ولا يمكن أَن تجمع على ترك الحق.
ولا يعتقدون العصمةَ لأَحد غير رسول الله- ﷺ -ويرون الاجتهاد فيما خفي من الأَمر بقدر الضرورة، ومع هذا لا يتعصبون لرأي أَحدٍ حتى يكون كلامه موافقا للكتاب والسُّنٌة، ويعتقدون أَنَّ المجتهد يخطئ ويصيب؛ فإِن أَصاب فله أَجران: أَجر الاجتهاد وأَجر الإِصابة، وإن أَخطأ فله أَجر الاجتهاد فقط؛ فالاختلاف
стр. 142
عندهم في المسائل الاجتهادية، لا يوجب العداوة ولا التهاجر بل يُحب بعضهم بعضا، ويوالي بعضهم بعضا، ويصلي بعضهم خلف بعض، مع اختلافهم في بعض المسائل الفرعية.
ولا يلزمونَ أَحدا من المسلمين التقيد بمذهب فقيه مُعين، ولكن لا يرون أَيضا بأسا بذلك إِذا كان اتباعا لا تقليدا (١) وعلى المسلم أَنْ ينتقل من مذهب إلي آخر لقوة الدليل، وطالب العلم إِذا كانت عنده أَهلية يستطيع أَن يعرف بها أَدلَة الأَئَمة عليه أَن يعمل بها، وينتقل من مذهب إِمام في مسألة إِلى مذهب إِمام آخر، أَقوى دليلا وأَرجح فقها في مسألة أُخرى، ولا يجوز له الأَخذ بقول أَحد دون أَن يعرف دليله؛ لأَنهُ يصبح بذلك مقلدا، وعليه أَن يبذل ما يستطيعه من النظر في الاختلاف حتى يترجح لديه شيء،
стр. 143
فإِنْ لم يمكنه الترجيح، يصبح حكمه حكم العامِّي؛ فيسألُ أَهل العلم.
وأَن العاميَ الذي لا يحسن النظر في الدليل فلا مذهب له بل مذهبه مذهب مفتيه؛ فالواجب عليه أَن يسأل أَهل العلم بالكتاب والسنَّة، قال الله ﵎: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] (١) .
وأَهل السنة والجماعة: يقولون إِن الفقه في الدِّين لا يتم ولا يستقيم إِلَّا بالعلم والعمل معا؛ فمن حصل علما كثيرا ولم يعمل به أَو لم يَهْتَدِ بهدي النبِي- ﷺ ولم يعمل بالسنة فليس بفقيه.
стр. 144
[الأصل الثامن وجوب طاعة ولاة أمر المسلمين بالمعروف]
الأصل الثامن
وجوب
طاعة ولاة أمر
المسلمين بالمعروف
стр. 145
ومن أُصول عقيدة السلف الصالح، أَهل السُّنَّة والجماعة:
أَنَهم يرون وجوب طاعة ولاة أُمور المسلمين ما لم يأمرُوا بمعصية؛ فإِذا أَمَرُوا بمعصية فلا تجوز طاعتهم فيها، وتبقى طاعتهم بالمعروف في غيرها، عملا بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (١) .
ولقول رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ أَطَاعَني فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى الله، ومَنْ يُطعِ الأَميرِ فَقَدْ أَطاعَني، ومَنْ يَعصِ الأميرَ فَقدْ عَصاني» (٢)