﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا - أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا - وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥٢] (١) .
وقد بين الله الحكمة من بعثة الرسل الكرام، فقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥] (٢) .
ولقد أَرسل الله رُسلا وأَنبياء كثيرين منهم من ذكره لنا في كتابه أَو على لسان نبيِّه- ﷺ -ومنهم مَنْ لمْ يخبرنا عنهم، قال تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] (٣) .
وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (٤) .
стр. 72
والمذكور من أَسمائهم في القرآن الكريم خمسةٌ وعشرون رَسولا ونَبيا، وهم: أَبو البشر آدم، إِدريس، نوح، هود، صالح، إِبراهيم، لوط، إِسماعيل، إِسحاق، يعقوب، يوسف، شعيب، أَيوب، ذو الكفل، موسى، هارون، داود، سليمان، إِلياس، اليسع، يونس، زكريا، يحيى، عيسى، ومحمد خاتم الأَنبياء والرسل، صلوات الله وسلامه عليهم أَجمعين.
وقد فَضَّلَ الله تعالى بعض الأَنبياء والرسل على بعض، وقد أَجمعت الأمَّةُ على أَن الرسلَ أَفضل من الأَنبياءِ، والرسُل بعد ذلك متفاضلون فيما بينهم، وأَفضل الرُسُل والأَنبياء أُولو العزم، وهم خمسة: محمد، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وأَفضل أُولي العزم نبي الإِسلام، وخاتم الأَنبياء والمرسلين ورسول رَبِّ العالمين؛ محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال الله ﵎: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] (١) .
стр. 73
[الإِيمان بالرسل مُجْمَلٌ والإِيمان بنبينا مُفَصل]
وأَهل السُّنَة والجماعة: يؤمنون بهم جميعا مَن سمى الله منهم ومَن لم يُسَم، من أَولهم آدم ﵇. . . إِلى آخرهم وخاتمهم وأَفضلهم نبينا محمد بن عبد الله، صلى الله عليهم أَجمعين.
والإِيمان بالرسل إِيمان مُجْمَلٌ، والإِيمان بنبينا محمد - صلى الله عليه وعلى آله ومسلَم- إِيمان مُفَصل يقتضي ذلك منهم اتباعه فيما جاء به على وجه التفصيل.
(مُّحَمَّدٌ رسُول اللهِ)
" صلى الله عليه وعلى آله وسلم "
هو: أَبو القاسم محمدُ بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مَناف بن قُصَيّ بن كِلاب بن مُرَّة بن كَعب بن لُؤيّ بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النّضْر بن كِنانة بن خُزَيْمة بن مدْركة بن إِلياس بن مُضَر بن نِزَار بن مَعَدّ بن عَدْنان، وعَدْنان من ولد نبي الله إِسماعيل بن إِبراهيم الخليل على نبيِّنا وعليهما السلام.
وهو خاتم الأَنبياء والمرسلين، ورسول الله إِلى النَّاس أَجمعينْ، هو عبدٌ لا يعبد، ورسول لا يُكَذَّب، وهو خير الخلائق، وأَفضلهم وأَكرمهم على الله تعالى، وأَعلاهم درجة، وأَقربهم إِلى الله وسيلة.
стр. 74
وهو المبعوث إِلى الثقلين، بالحق والهدى، بعثه الله رحمة للعالمين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (١) .
أَنزل عليه كتابه وائتمنه على دينه، وكلَفه بتبليغ رسالته، وقد عصمه من الزلل في تبليغه لهذه الرسالة، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] (٢) .
ولا يصح إِيمانُ عبدٍ حتى يؤمن برسالته، ويِشهد بنبوته، ومن أَطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] (٣) .
فقد كان كل نبي يبعث إِلى قومه خاصة، ومحمَّد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعث إِلى النَّاس كافَّة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] (٤) .
[معجزات الرسول]
وأَهل السُنَّة والجماعة: يؤمنون بأنَّ الله تعالى أَيدَ نبيَّهُ- صلى الله عليه وعلى آله وسالَم- بالمعجزات الظاهرة والآيات الباهرة: * ومن تِلكَ المعجزات وأَعظمها القرآن الذي تحدى الله به أَفصح الأُم وَأَبْلَغَهَا وأَقْدَرَها على المنْطِقِ.
стр. 75
* ومن أكبر المعجزات- بعد القرآن- التي أَيَّدَ الله نبيَّه- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بها؛ معجزة الإِسراءِ والمعراج. فأَهل السُنة: يؤمنون أَن النبي- ﷺ -عُرِجَ به في اليقظة بروحه وجسده إِلى السماء، وذلك في ليلة الإِسراء، وقد أُسري به ليلا من المسجد الحرام إِلى المسجد الأَقصى بنص القرآن.
قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] (١) .
ثم عُرج به- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى السماء، حيث صعد حتى السماء السابعة، ثم فوق ذلك حيث شاء الله من العُلا، وكان ذلك عند سدرة المنتهى عندها جنَة المأوى.
وأكرمه الله بما شاء وأَوحى إِليه وكلَمه، وشرع له خمس صلوات في اليوم والليلة، ودخل الجنة فاطلع عليها، واطلع على النَّار، ورأَى الملائكة، ورأَى جبريل على صورته الحقيقية التي خلقه الله عليها، وما كذب فؤاد النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ما رأَى، بل كان كلُّ ما رآه بعينَيْ رأسه حقا، تعظيما له وتشريفا على سائر الأَنبياء وإظهارا لعلو مقامه- صلى الله عليه وعلى آله
стр. 76
وسلم- فوق الجميع، ثم نزل بيت المقدس وصلى إماما بالأَنبياء- عليهم الصلاة والسلام- ثم عاد إِلى مكة قبل الفجر (١) .
قال تعالى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى - وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى - عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى - عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى - إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى - مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى - لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٢ - ١٨] (٢) .
ومن معجزاته أَيضا؛ صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
* انشقاق القمر: آية عظيمة أَعطاها الله لنبيِّه- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دليلا على نبرته، وكان ذلك في مكة حينما طلب المشركون منه آية.
* تكثير الطعام له، وقد وقع هذا منه- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أكثر من مرة.
* تكثير الماء ونبعه من بين أَصابعه الشريفة، وتسبيح الطعام له وهو يُؤكل، وقد وقع هذا الشيء كثيرا من الرسول- ﷺ .
* إِبراء المرضى، وشفاء بعض أَصحابه على يديه- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بدون دواء حسي.
* أَدب الحيوان معه، وإذعان الأَشجار إِليه، وتسليم الأَحجار عليه؛ صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 77
* الانتقام العاجل من بعض مَن خانه وعانده- ﷺ .
* إِخباره ببعض الأُمور الغيبية، وإخباره عن الأُمور التي وقعت بعيدا عنه فور وقوعها، وإخباره عن أُمورٍ غيبية لم تكن حدثت، فحدثت بعد ذلك كما أَخبر به صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
* إِجابة دعائه- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عامة.
* وحِفْظُ الله له- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وكف الأَعداء عنه، عن أَبي هريرة ﵁ قال: «قال أَبو جهل: هل يُعَفِّرُ محمد وجهه بين أَظهركم؟ قال: فقيل: نعم ! قال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأَطَأَنٌ على رقبته أو لأُعَفِّرَنَّ وجهه في التراب. قال: فَأَتَى رسولَ الله- ﵌ وهو يصلي زعم لَيَطأُ على رقبته، قال: فما فجأهم منه؛ إِلِّا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إِنَّ بيني وبينه لخندقا من نارٍ وهَوْلا وأجنحة.
فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " لَوْ دَنا، لاَخْتَطَفتهُ الملائِكَةُ؛ عُضْوا عُضْوا» (١)
стр. 78
[الركن الخامس الإيمان باليوم الآخر]
[الاعتقاد الجازم والتصديق الكامل بيوم القيامة]
الركن الخامس
الإيمان باليوم الآخر أَهل السُّنَّة والجماعة: يعتقدون ويؤمنون باليوم الآخر، ومعناه الاعتقاد الجازم والتصديق الكامل؛ بيوم القيامة، والإيمان بكلِّ ما أَخبر به الله- في كتابه الكريم، وأَخبر به رسوله الأَمين - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مما يكون بعد الموت، وحتى يدخل أَهل الجنَّة الجنة، وأَهل النار النَّار.
لقد أكَد الله- ذكر اليوم الآخر في كتابه العزيز في مواضعَ كثيرة وربط الإِيمان باليوم الآخر بالإِيمان بالله.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤] (١) .
стр. 79
وأَهل السُنة والجماعة: يؤمنون بأَن وقت قيام الساعة علمه عند الله تعالى، لا يعلمه أَحد إِلّا الله، قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] (١) .
وإذا كان الله قد أَخفى وقت وقوع الساعة عن عباده، فإِنه قد جعل لها أَمارات وعلامات وأَشراطا تدلُّ على قرب وقوعها.
ويؤمنون بكل ما يقع من أَشراط الساعة الصُغرى والكُبرى التي هي أَمارات على قيام الساعة لأنَّها تدخل في الإِيمان باليوم الآخر.
[علاماتُ الساعة الصغرى]
علاماتُ الساعة الصغرى: وهي التي تتقدم الساعة بأزمان متطاولة، وتكون من النوع المعتاد وقد يظهر بعضها مصاحبا للأشراط الكبرى، وعلامات أَشراط الساعة الصغرى كثيرة جدا ونذكر الآن شيئا مما صح منها: فمن ذلك بعثةُ النبي محمد ﷺ ، وختمُ النبوة والرسالة به، وموته- ﷺ ، وفتح بيت المقدس، وظهور الفتن، واتباع سَنَن الأم الماضية من اليهود والنصارى، وخروج الدجالين، وأَدعياء النبوة.
ووضع الأَحاديث المكذوبة على رسول الله- ﷺ -ورفض سُنته، وكثرة الكذب، وعدم التثبت في نقل الأَخبار، ورفع العلم والتماس العلم عند الأَصاغر، وظهور الجهل والفساد، وذهاب
стр. 80
الصالحين، ونقض عُرى الإِسلام عُروة عُروة، وتداعي الأُم على أُمة محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ثم غُربةُ الإِسلامِ وأَهله.
وكَثرة القَتْل، وتمنِّي الموتِ من شدة البلاء، وغبطة أَهل القبور وتمني الرجل أَن يكون مكان الميت من شدة البلاء، وكثرة موت الفَجْأة والموت في الزلازل والأَمراض، وقلة عدد الرجال، وكثرة النساء، وظُهورهن كاسيات عاريات، وتفشي الزنا في الطرقات، وظهور أَعوان الظلمة من الشرطة الذين يجلدون النَّاس.
وظُهور المعازف، والخمر، والزِّنا، والربا، والحرير، واستحلالها، وظهور الخسف والمسخ والقذف.
وتضييع الأَمانة، وإسناد الأَمر إلى غير أَهله، وزعامةُ الأَراذل من الناس، وارتفاع أَسافلهم على خيارهم، وولادَة الأَمَةِ ربتها، والتطاول في البنيان، وتباهي الناس في زخرفة المساجد، وتغير الزمان؛ حتى تُعْبَد الأَوثان، ويظهر الشرك في الأُمة.
والسلام على المعارف فقط، وكثرة التجارة، وتقارب الأَسواق ووجودُ المال الكثير في أَيدي النَّاس مع عدم الشكر، وكثرة الشُّح، وكثرة شهادة الزور، وكتمان شهادة الحق، وظهور الفحش، والتخاصم والتباغض والتشاحن، وقطيعة الرحم، وسوء الجوار.
وتقارب الزمان وقلةُ البركة في الأَوقات، وانتفاخُ الأَهلَة،
стр. 81
وحدوث الفتن كقطع الليل المظلم، ووقوع التناكر بين الناس، والتهاون بالسنن التي رَغَّبَ فيها الإسلام، وتشبه الشيوخ بالشباب. وكلام السباع والجمادات للإِنس، وحسر ماء الفرات عن جبلٍ من ذهب، وصدق رؤيا المؤمن.
وما يقع من مدينة رسول الله- ﷺ حيث تنفي الخبثَ، فلا يبقى فيها إِلَّا الأَتقياء الصَّالحون، وعودة جزيرة العرب مروجا وأَنهارا، وخروج رجل من قحطان يدين له الناس.
وكثرة الروم وقتالهم للمسلمين، وقتال المسلمين لليهود حتى يقول الحجر والشجر: «يا مُسْلِمُ هَذا يَهُودِيّ؛ فَتَعالَ فَاقتُلهُ» (١) . وفتح روما كما فتحت القسطنطينية. . إِلى غير ذلك من علامات الساعة الصغرى الثابتة في الأَحاديث الصحيحة.
[علاماتُ الساعة الكبرى]
علاماتُ الساعة الكبرى: وهذه هي التي تدلُ على قرب قيام الساعة، فإِذا ظهرت كانت الساعة على إِثرها، وأَهل السّنة يؤمنون بها كما جاءت عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ومنها:
ظهور المهدي: وهو محمَد بن عبد الله؛ من أَهل بيت النَّبِيّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ويخرج من قِبَل المشرق يملك
стр. 82
سبع سنين، يملأ الأَرض قسطا وعدلا بعدما مُلئت ظلما وجورا، تنعم الأُمة في عهده نعمة لم تَنْعَمْها قط، تُخرِج الأَرض نباتها، وتُمطِر السماء قطرها، ويُعطي المال بغير عدد.
وخروج المسيح الدجال (١) ونزول المسيح عيسى ابن مريم ﵇ عند المنارة البيضاء شرقي دمشق الشام، وينزل حاكما بشريعة محمد ﵌ عاملا بها، وأَنَّه يقتل الدجال، ويحكم في الأَرض بالإِسلام، ويكون نزوله على الطائفة المنصورة التي تُقاتل على الحق، وتكون مُجتمعة لقتال الدَّجَّال، فينزل وقت إِمامة الصلاة يصلي خلف أَمير تلك الطائفة.
وخروج يأجوج ومأجوج، والخُسوفات الثلاثة: خَسْفٌ بالمشرق، وخَسْف بالمغرب، وخَسْف بجزيرة العرب، وخروج الدخان، وطُلوعُ الشمس من مغرِبها، وخروج دابَّة الأَرض وتكليمها للناس، والنار التي تحشر الناس.
وأَهل السُنة والجماعة: يؤمنون بكل ما يكون من أُمور الغيب بعد الموت، مما أَخبر به الله ورسوله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من سكرات
стр. 83
الموت، وحضور ملائكة الموت، وفرح المؤمن بلقاء رَبِّه، وحضور الشيطان عند الموت، وعدم قبول إيمان الكافر عند الموت، وعالَم البَرْزَخ، ونعيم القبر وعذابِه وفتنتِه، وسؤال الملكين وأَن الشهداءَ أحياء عند ربهم يُرزقون، وأَنَ أَرواح أَهل السعادة مُنَعَّمَةٌ، وأَرواح أهل الشقاوة مُعَذبة.
ويؤمنون بيوم القيامة الكبرى الذي يحيي الله فيه الموتى، ببعث العباد من قبورهم، ثمَ يحاسبهم.
ويؤمنون بالنفخ في الصور، وهي ثلاث نفخات:
الأولى: نفخة الفزع.
الثانية: نفخة الصعق؛ التي يتغير بها العالم المشاهد، ويختلف نظامه، وفيها الفناء والصعق، وفيها هلاك من قضى الله إِهلاكه.
الثالثة: نفخة البعث والنشور والقيام لِرَبِّ العالمين.
ويؤمنون بالبَعْثِ والنُّشُور، وأَنَّ الله يَبْعثُ مَن في القبور؛ فيقوم الناس لرَبِّ العالمين حفاة عراة غُرْلا، تدنو منهم الشمس، ومنهم مَن يلجمه العرق، وأَول مَن يُبْعَث وتنشق عنه الأَرض هو نبينا محمد ﷺ -وعلى آله وسلم.
وفي ذلك اليوم العظيم يخرج النَاس من الأَجداث كأَنَهم جراد نشر، مسرعين مهطعين إِلى الداعي، وقد خفتت كلُّ حركة، وخيم الصمت الرهيب، حيث تنشر صحف الأَعمال؛ فيكشف
стр. 84
المخبوء، ويظهر المستور، ويفتضح المكنون في الصدور، ويكلم الله عباده يوم القيامة ليس بينه وبينهم ترجمان، ويدعى النَّاس بأسمائهم وأسماء آبائهم.
ويؤمنون بالميزان الذي له كفتان تُوزن به أَعمال العباد.
ويؤمنون بما يكون من نشر الدواوين، وهي صحائف الأَعمال، فآخذ كتابه بيمينه، وآخذٌ كتابه بشماله، أَو من وراء ظهره.
والصراط منصوب على متن جهنم، يتجاوزه الأَبرار، ويزل عنه الفجَّار (١) .
والجنة والنار مخلوقتان، وموجودتان الآن، لا تَفْنَيان أَبدا، وقد خلقهما الله تعالى قبل الخلق، والجنة دار المؤمنين الموحِّدين والمتقين، والنَّار دار الكافرين؛ من المشركين، واليهود، والنصارى، والمنافقين، والملحدين، والوثنيين؛ ودار المذنبين.
стр. 85
ويؤمنون بأن أمة محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أُولى الأمم محاسبة يوم القيامة، وأُولى الأُم في دخول الجنة، وهم نصف أَهل الجنة، ويدخلُ الجنَّة منهم سبعون أَلفا بغير حساب.
ويؤمنون بعدم خلود الموحدين في النار، وهم الذين دخلوا النَّار بمعاص ارتكبوها غير الإِشراك بالله تعالى، لأنَ المشركين خالدون في النَار لا يخرجون منها أَبدا، والعيِاذ بالله.
ويؤمنون بأَن حوض نبيِّنا- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في عرصات القيامة ماؤه أَشَدُّ بياضا من اللبن، وأَحلى من العسل، وريحهُ أَطيبُ من المسك، وآنيته عدد نجوم السماء، وطوله شهر وعرضه شهر، مَن شرب منه لا يظمأ أَبدا، ويَحرم ذلك على من ابتدع في الدِّين، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
«حَوضي مَسيرةُ شَهْرٍ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، وَريحُهُ أَطْيَبُ مِنَ المسكِ، وكيزانُهُ كنُجوم السَّماء، مَنْ شَرِبَ مِنْهَا فَلاَ يَظمأ أَبدا» (١) وقال: «إِنِّي فَرَطُكُم عَلَى الحَوْضِ، مَنْ مرّ عَلي شَرِبَ وَمَنَ شَربَ لَمْ يَظمأ أَبدا. لَيَردَنَّ عَليَّ أَقْوَامٌ أَعرِفُهُم وَيَعرفونَني، ثم يُحَالُ بَيني وَبْينهُم» . وفي رواية: «فَأَقولُ: إِنَهُمْ منِّي؛ فيقالُ: إنكَ لاَ تَدري مَا أَحْدَثُوا بَعدَكَ، فَأَقولُ: سُحْقَاَ سحْقا لِمَنْ غيَّرَ بَعْدِي» (٢) .
стр. 86
والشفاعة والمقام المحمود لنبيِّنا محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يوم القيامة، وشفاعته لأَهل الموقف لفصل القضاء بينهم هي المقام المحمود، وشفاعته لأَهل الجنة أَن يدخلوا الجنَّة، ويكون الرسول- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَول داخل فيها، وشفاعته لعمه أَبي طالب أَن يُخفَّف عنه من العذاب.
وهذه الشفاعات الثلاث خاصة بالنَبِيِّ- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وليست لأَحد غيره.
وشفاعته- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لرفع درجات بعض أُمَّته ممن يدخلون الجنة إِلى درجات عليا، وشفاعته- ﵌ لطائفة من أُمَّته يدخلون الجنة بغير حساب.
وشفاعته- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في أَقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة، وفي أَقوام آخرين قد أُمِرَ بهم إِلى النَّار أَن لا يدخلوها.
والشفاعة في إِخراج عصاة الموحِّدين من النَار، فيشفع لهم فيدخلون الجنَّة.
وهذه الشفاعة تُشاركه فيها الملائكة، والنبيُّون، والشهداء، والصدِّيقون، والصالحون، والمؤمنون، ثم يُخرِجُ الله- تبارك
стр. 87
وتعالى- من النَار أَقواما بغير شفاعة؛ بل بفضله ورحمته (١) فأَما الكفار فلا شفاعة لهم، لقوله تعالى:
﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] (٢) .
وعمل المؤمن يوم القيامة يشفع له أَيضا، كما أَخبر بذلك النبِي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقال:
«الصَيامُ وَالقرآن يَشْفَعانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ القِيامَةِ» (٣) والموت يؤتى به يوم القيامة؛ فيُذبَحُ كما أَخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
«إِذَا صَارَ أَهلُ الجنةِ إِلَى الجنَّةِ، وَصَارَ أَهلُ النارِ إِلَى النار، أتيَ بالموْتِ حَتَى يُجْعَلَ بَيْنَ الجنةِ والنارِ؛ ثُمَ يُذْبَحُ، ثم يُنادِي مُناد: يَا أَهْلَ الجنة! لا مَوْتَ. وَيَا أَهْلَ النارِ! لا مَوْتَ؛ فَيَزْدَادُ أَهْلُ الجَنّة فَرَحا إِلَى فَرَحِهِمْ، وَيْزدَادُ أَهْل النارِ حُزْنا إِلَى حُزْنِهِم» (٤)
стр. 88
[الركن السادس الإيمان بالقدر]
الركن السادس
الإيمان بالقدر أَهل السُنة والجماعة: يعتقدون اعتقادا جازما أَن كل خيرٍ وشرٍ يكون بقضاء الله وقدره، وأَن الله فعالٌ لما يريد فكل شيء بإِرادته ولا يخرج عن مشيئته وتدبيره، وعَلِمَ كل ما كان وما يكون من الأَشياء قبل أَن تكون في الأَزل، وقَدر المقادير للكائنات حسبما سبق به علمه واقتضته حكمته، وعَلِمَ أَحوال عباده، وعَلِمَ أَرزاقهم وآجالهم وأَعمالهم، وغير ذلك من شؤونهم؛ فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإِرادته. وملخصه: هو ما سبق به العلم وجرى به القلم، مما هو كائن إِلى الأَبد، قال تعالى:
﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] (١) وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] (٢) .
стр. 89
وقال النَبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا يُؤمِنُ عَبْدٌ حَتَى يُؤْمِنَ بالقَدَرِ خَيْرهِ وَشرِّهِ مِنَ اللهِ، وَحَتَى يَعْلَمَ أَن مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ ليُخْطِئَهُ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَه» (١) .
وأَهل السنَّة يقولون: الإِيمان بالقدر لا يتم إِلا بأَربعة أُمور، وتُسمى: مراتب القدر، أَو أَركانه، وهذه الأمور هي المدخل لفهم مسألة القدر، ولا يتم الإيمان بالقدر إِلا بتحقيق جميع أَركانه؛ لأَنَ بعضها مُرتَبِط مع بعض فمن أَقر بها جميعا اكتمل إيمانه بالقدر، ومن انتقص واحدا منها، أَو أكثر فقد اختلٌ إيمانه بالقدر.
المرتبة الأولى: العلم: الإيمان بأَن الله تعالى عالم بكلِّ ما كانَ، وما يكونُ، وما لم يكنْ، لو كانَ كيف يكون؛ جملة وتفصيلا، وأَنَه عَلِمَ ما الخلق عاملون قبل خلقهم، وعَلِمَ أَرزاقهم وآجالهم وأَعمالهم وحركاتهم وسكناتهم، وعلم منهم الشقي والسعيد، وذلك بعلمه القديم الذي هو موصوف به أَزلا، قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٥] (٢) .
стр. 90
المرتبة الثانية: الكتابة: وهي الإِيمان بأَنَ الله كتب ما سبق به علمه من مقادير المخلوقات في اللوح المحفوظ، وهو الكتاب الذي لم يُفرّط فيه من شيء؛ فكلّ ما جرى وما يجري وكلَ كائن إِلى يوم القيامة؛ فهو مكتوب عند الله تعالى في أُم الكتاب، ويسمى: الذكر، والإِمام، والكتاب المبين، قال تعالى:
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] (١)
وقال النبِي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ أَوَلَ ما خَلَقَ اللهُ القَلمَ فقال: اكتبْ، قَالَ: ماَ أَكْتُب؟ قال: اكتب القَدَر، مَا كَانَ، وَمَا هُوَ كاَئِن إِلى الأَبَد» (٢) .
المرتبة الثالثة: الإِرادة والمشيئة: أَي: أَن كل ما يجري في هذا الكون فهو بإِرادة الله ومشيئته الدائرة بين الرحمة والحكمة، يهدي من يشاء برحمته، ويُضل مَن يشاء بحكمته، لا يُسأل عمَّا يفعل لكمال حكمته وسلطانه، وهم يُسألون، وما وقع من ذلك، فإِنٌه مطابق لعلمه السابق المكتوب في اللوح المحفوظ، فمشيئة الله نافذة، وقدرته شاملة، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يخرج عن إِرادته شيء.
стр. 91
قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] (١) .
وقال النَبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِن قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلهَا بَيْنَ إِصْبعيَنِ مِنْ أَصَابِع الرحمنِ، كَقَلْب وَاحِد؛ يُصرِّفهُ حَيْثُ يَشَاءُ» (٢) .
المرتبة الرابعة: الخلق: وهي الإيمان بأن الله خالقُ كل شيء، لا خالقَ غيرُهُ ولا رب سواه، وأَن كل ما سواهُ مخلوق؛ فهو خالق كلِّ عاملٍ وعمله، وكل متحرك وحركته، قال الله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] (٣) .
وأَن كل ما يجري من خير وشرٍ، وكفر وإيمانٍ، وطاعة ومعصيةٍ شاءهُ الله، وقَدَرَه، وخلقه، قال الله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٠٠] (٤) وقال: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١] (٥) .
وأَن الله تعالى الخالق المتفرد بالخلق والإِيجاد؛ فهو خالق كلِّ شيءٍ بلا استثناء، لا خالق غيرهُ ولا رَبَّ سواهُ، قال تعالى:
стр. 92
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] (١) .
وأَن اللهَ يُحبُ الطاعةَ ويكرهُ المعصيةَ، ويهدي من يشاء بفضله ويُضِل مَن يشاء بعدله، قال الله تعالى:
﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الزمر: ٧] (٢) .
ولا حجة لِمَنْ أَضلَه ولا عذر له؛ لأَنَّ الله قد أَرسل الرسل لقطع الحجة، وأَضاف عمل العبد إِليه وجعله كسبا له، ولم يكلفه إِلا بما يستطيع، قال الله ﵎:
﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٧] (٣) .
وقال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] (٤) وقال: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] (٥) . وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] (٦) .
ولكن لا ينسب الشرّ إِلى الله لكمال رحمته؛ لأَنه أَمر بالخير ونهى عن الشّر، وإنَّما يكون الشر في مقتضياته وبحكمته.
стр. 93
قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] (١) .
والله تعالى مُنزَّه عن الظلم، ومُتصفٌ بالعدل، فلا يظلم أَحدا مثقال ذرة، وكل أَفعاله عدل ورحمة، قال الله تعالى:
﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩] (٢) .
وقال: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] (٣) .
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] (٤) .
والله تعالى لا يُسأل عمَا يفعل وعماَ يشاء، لقوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] (٥) .
فالله تعالى خلق الإنسان وأَفعاله، وجعل له إِرادة، وقدرة، واختيارا، ومشيئة وهبها الله له لتكون أَفعاله منه حقيقة لا مجازا، ثم جعل له عقلا يُميِّز به بين الخير والشرِّ، ولم يحاسبه إِلا على أَعماله التي هي بإِرادته واختياره؛ فالإنسان غير مُجبر بل له مشيئة واختيار فهو يختار أَفعاله وعقائده؛ إِلَّا أَنَّه تابع في مشيئته لمشيئة
стр. 94
الله، وكل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فالله تعالى هو الخالق لأَفعال العباد، وهم الفاعلون لها؛ فهي من الله خلقا وإيجادا وتقديرا، ومن العبد فعلا وكسبا.
قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ - وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩] (١) .
ولقد رد الله تعالى على المشركين حين احتجُّوا بالقدر، وقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] (٢) فرد الله عليهم كذبهم، بقوله: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨] (٣) .
وأَهل السنة والجماعة: يعتقدون أَن القدر سر الله في خلقه، لم يطَلع عليه مَلَكٌ مُقرَّب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ضلالة، لأن الله تعالى طوى علم القدر عن أَنامه، ونهاهم عن مرامه، قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] (٤) .
стр. 95
وأَهل السنة والجماعة: يُخاطبون ويحاجون من خالفهم من الفرق الضالة والمنحرفة؛ بقول الله ﵎: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] (١) .
وهذا هو الذي آمن به السلف الصَّالح من الصحابة والتابعين ومنَ تبعهم بإِحسان؛ رضوان الله تعالى عليهم أَجمعين.
стр. 96
[الأصل الثاني مسمى الإيمان عند أهل السنة والجماعة]
[تعريف الإيمان]
الأصل الثاني
مسمى الإيمان
عند أهل السنة والجماعة
فقول القلبِ: اعتقادهُ، وتصديقهُ، وإقراره، وإيقانه.
وقولُ اللسانِ: إقرارهُ العمل؛ أَي النطق بالشهادتين، والعمل بمقتضياتها.
وعملُ القلبِ: نيَّتهُ، وتسليمهُ، وإخلاصهُ، وإذعانهُ، وحُبُّه وإرادته للأعمال الصالحة.
وعملُ اللسان والجوارح: فعلُ المأمورات، وتركُ المنهيات.
(ولا إيمان إِلا بالعملِ، ولا قول ولا عمل إِلا بنيَّة، ولا قول ولا عمل ولا نيهَ إِلَّا بموافقة السنة) (١) .
وقد أَطلق الله تعالى صفة المؤمنين حقا في القرآن للذين آمنوا، وعملوا بما آمنوا به من أُصول الدِّين وفروعه، وظاهره وباطنه وظهرت آثار هذا الإِيمان في عقائدهم، وأَقوالهم، وأَعمالهم الظاهرة والباطنة، قال الله ﵎:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ - الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ - أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤] (٢) .
стр. 99
وقد قرن الله- الإِيمان مع العمل في كثير من الآيات في القرآن الكريم، فقال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٧] (١) . وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت: ٣٠] (٢) . وقال: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] (٣) . وقال: ﴿وَالْعَصْرِ - إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ - إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣] (٤) .
وقال النَّبِي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «قل آمنت بالله؛ ثم استقم» (٥) وقال: «الإِيمانُ بِضْع وسَبْعونَ شُعْبَة؛ فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لاَ إِلَهَ إِلا اللهُ، وَأَدْناهَا إمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالحَيَاءُ شعبة مِنَ الإِيمانِ» (٦) .
стр. 100
فالعلم والعمل متلازمان لا ينفك أَحدهما عن الآخر، والعمل صورة العلم وجوهره.
وقد وردت أَدلة كثيرة من الآيات والأحاديث على أَنَّ الإِيمان درجات وشعب، يزيد وينقص، وأَنَّ أهله يتفاضلون فيه.
قال الله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١] (١) وقال: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤] (٢) . وقال: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] (٣) . وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] (٤) .
وقال النبِيُ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ أَحَبَّ للهِ، وَأبْغَضَ لله فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإِيمان» (٥) .
وقال: «مَنْ رَأى مِنْكُمْ منْكَرا فَلْيُغَيِّرهُ بِيَدِه، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِه، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمان» (٦) .
стр. 101
وهكذا تَعلَم الصَّحابة وفَهِمُوا - رضوان الله تعالى عليهم- من رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَن الإٍيمان اعتقاد، وقول، وعمل، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.
قال أَمير المؤمنين عليّ بن أَبي طالب ﵁: (الصَّبْرُ مِن الإِيمان بِمَنْزِلَة الرَأْسِ مِن الجَسَد، مَنْ لا صَبْرَ لَهُ لا إِيمانَ لَه) (١) .
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: (اللَهُمّ زِدْنا إِيمانا، ويَقينا، وفِقْها) (٢) .
وكانَ عبدُ الله بن عباس، وأَبو هريرة، وأَبو الدرداء ﵃ يقولون: (الإِيمانُ يَزيدُ ويَنْقُص) (٣) .
وقال وكيعُ بن الجرَّاح رحمه الله تعالى: (أَهْلُ السُّنَة يقولون: الإِيمانُ قولٌ وعمل) (٤) .
وقال إِمام أَهل السُّنَّة أَحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: (الإِيمانُ يَزيدُ وَيَنْقُص؛ فَزِيادَتُهُ بالعَمَلِ، ونُقْصَانُهُ بِتَرْكِ العَمَل) (٥) .
стр. 102
وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: (لَيْسَ الإِيمانُ بالتَحلي وَلا بالتَمَنّي، وَلَكِنْ مَا وَقَرَ في القُلوب وَصدقَتْهُ الأَعْمالُ) (١) .
وقال الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى: (الإِيمانُ قولٌ وعمل، يزيدُ وينقص، يزيدُ بالطاعة وينقص بالمعصية، ثم تلا: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١] (٢) .
وقال الحافظ أَبو عمر بن عبد البر، في " التمهيد ": (أَجْمَعَ أَهْلُ الِفقهِ وَالحَديثِ عَلَى أَن الإِيمانَ قَولٌ وَعَمَل، وَلا عَمَلَ إِلا بنية، والإِيمانُ عِنْدَهُمْ يَزيدُ بالطاعَة، ويَنْقُص بالمعْصيَة، وَالطَاعَاتُ كلها عِنْدَهُمْ إِيمان) (٣) .
وعلى هذا كان جميع الصحابة والتابعين ومَن تبعهم بإِحسان من المحدِّثين والفقهاء وأَئمة الدِّين ومَن تبعهم، ولم يخالفهم أَحد من السَّلف والخلف؛ إِلا الذين مالوا عن الحقِ في هذا الجانب.
وأَهلُ السنَّة يقولون: من أَخرج العمل عن الإِيمان فهو مرجئ مبتدع ضال.
стр. 103
ومن يُقِر بالشهادتين بلسانه ويعتقد وحدانية الله بقلبه، ولكن قصر في أَداء بعض أَركان الإِسلام بجوارحه لم يكتمل إيمانه، ومن لم يُقر بالشهادتين أَصلا لا يثبتُ له اسم الإِيمان ولا الإِسلام.
[الاستثناء في الإِيمان]
وأَهل السُّنَّة والجماعة: يَرون الاستثناء في الإِيمان، أَي القول " أَنا مؤمن إِن شاء الله " ولا يجزمون لأنفسهم بالإِيمان، وذلك من شدة خوفهم من الله، وإثباتهم للقدر، ونفيهم لتزكيةِ النَّفس؛ لأَن الإِيمان المطلق يشمل فعل جميع الطاعات، وترك جميع المنهيات، ويمنعون الاستثناء إِذا كان على وجه الشك في الإيمان. والأَدلة على ذلك كثيرة في الكتاب والسنة وآثار السلف، وأَقوال العلماء، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا - إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] (١) .
وقال: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢] (٢) .
وكان النَّبِي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول حين يدخل المقبرة: «السلاَمُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الديارِ مِنَ المُؤْمِنينَ وَالمُسْلِمين وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاَحِقُون، أَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ العافِية» (٣) .
стр. 104
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: (مَنْ شَهدَ عَلَى نَفْسِه أَنهُ مُؤمن؛ فَلْيَشْهَد أَنَّهُ في الجَنةِ) (١) .
وقال جرير: سمعتُ منصورَ بن المعتمر، والمغيرة، والأعمش والليث، وعمارة بن القَعقاع، وابن شُبرمة، والعلاء بن المسيِّب ويزيد بن أَبي زياد وسفيان الثوري، وابن المبارك، ومَن أَدركت: (يَسْتَثْنُونَ في الإِيمانِ، ويَعيبُونَ عَلَى مَنْ لا يَسْتَثْنِي) (٢) .
وسُئلَ الإِمام أَحمد بن حنبل عن الإِيمان؛ فقال: (قَوْلٌ وَعَمَل وَنِية) . قيل له: فإِذا قال الرجل: مؤمن أَنت؟ قال: (هَذه بِدْعَة) . قيل له: فما يَرد عليه؟ قال: يقول: (مُؤْمِن إِنْ شَاءَ اللهُ) (٣) .
والعبد- عند أَهل السّنَّةِ والجماعة- لا يُسلب وصف الإِيمان منه بفعل ما لا يكفر فاعله من المحذورات، أَو ترك ما لا يكفر تاركه من الواجبات، والعبد لا يخرج من الإِيمان إِلا بفعل ناقض من نواقضه.
ومرتكب الكبيرة لا يخرج من الإِيمان، فهو في الدُّنيا مؤمن ناقص الإِيمان؛ مؤمن بإِيمانه فاسق بكبيرته، وفي الآخرة تحت مشيئة الله، إِن شاء غفر له، وإن شاء عذَّبه.
стр. 105
والإِيمان يقبل التبعيض والتجزئة، وبقليله يُخرج الله مِن النار مَن دخلها، قال النَّبِيُ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا يَدْخُل النار مَنْ كَانَ في قَلْبهِ مِثْقالُ حَبَّة مِنْ خَرْدَل مِنْ إِيمان» (١) .
ولذلك فأَهل السنَّة والجماعة لا يُكفِّرونَ أَحدا من أَهل القبلة بكل ذنب إِلا بذنب يزول به أَصل الإِيمان، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] (٢) .
وقال النَبِيَ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَتَانِي جِبْريل- ﵇ فَبَشرنِي أَنَهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أمَّتِك لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئا دَخَلَ الجَنّة، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَق؛ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سرَقَ» (٣) .
وقال أَبو هريرة ﵁: (الإِيمانُ نَزَه؛ فَمَنْ زَنَا فَارَقَهُ الإِيمانُ، فَإِنْ لامَ نَفْسَهُ وَراجَعَ؛ راجعَه الإِيمان) (٤) .
стр. 106
وقال أَبو الدرداء ﵁: (مَا الإِيمانُ؛ إِلَّا كَقَمِيصِ أَحَدكُمْ يَخْلَعُهُ مرة وَيَلْبَسُهُ أخرى، وَاللهِ مَا أَمِنَ عَبد عَلَى إِيمانهِ إِلَّا سُلِبَهُ فَوجدَ فَقْدَه) (١) .
وقد ثبت عن ابن عباس ﵁ أَنه كان يدعو غلمانه غلاما غلاما، فيقول: (أَلا أزوجك؟ ما من عبد يزني؛ إِلا نزع الله منه نور الإِيمان) (٢) .
وسأَله عكرمة، كيف ينزع منه الإِيمان؛ قال: (هكذا- وشبك بين أَصابعه ثمَ أَخرجها- فإِن تاب عاد إِليه هكذا- وشبك بين أَصابعه) (٣) .
стр. 107
[الأصل الثالث موقف أهل السنة من مسألة التكفير]
[لا يكفرون أَحدا بعينه من المسلمين ارتكب مكفِّرا إِلا بعد إِقامة الحجة التي يكفر بموجبها]
الأصل الثالث
موقف أهل السنة من مسألة التكفير
стр. 108
ومن أُصول عقيدة السَّلف الصالح؛ أَهل السنة والجماعة:
أنهم لا يكفرون أَحدا بعينه من المسلمين ارتكب مكفِّرا إِلا بعد إِقامة الحجة التي يكفر بموجبها؛ فتتوافر الشروط، وتنتفي الموانع، وتزول الشبهة عن الجاهل والمتأول، ومعلوم أَن ذلك يكون في الأُمور الخفية التي تحتاج إِلى كشف وبيان، بخلاف الأَشياء الظاهرة؛ مثل جَحْد وجودِ الله، وتكذيب الرسول- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وجحدِ عموم رسالته، وختمهِ للنبوة.
وأَهل السنة لا يكفرون المكره إِذا كان قلبه مطمئنا بالإِيمان. ولا يكفِّرون أَحدا من المسلمين بكلِّ ذنب، ولو كان من كبائر الذنوب التي هي دون الشرك؛ فإِنَهم لا يحكمون على مرتكبها بالكفر، وإنمَا يحكمون عليه بالفسق ونقص الإيمان، ما لم يستحل ذنبه؛ لأنَّ الله- ﵎ يقول:
стр. 109
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] (١) .
ويقول سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] (٢) .
وإذا مات العبد على ذنب- دون الشرك- لم يستحله؛ فَأَمرُه إِلى الله تعالى، إِن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له؛ خلافا للفرق الضالة التي تَحْكُمُ على مرتكب الكبيرة بالكفر، أَو بالمنزلة بين المنزلتين.
وقد حذر النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَن يكفر أَحد أَحدا دون برهان، قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَيما امْرِئٍ قَالَ لأَخِيه: يَا كَافِر، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، إِنْ كَانَ كَمَا قال، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْه» (٣) .
وقال: «مَنْ دعَا رَجُلا بِالكفْر، أَوْ قَالَ: عَدُوُّ اللهِ، وَلَيْسَ كَذلِك إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ» (٤) .
стр. 110
وقال: «لا يَرْمِي رَجُل رَجُلا بالفُسُوق، وَلا يَرْميهِ بِالكُفْر، إِلَّا ارْتدتْ عَلَيْهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذلِك» (١) .
وقال: «ومَنْ رَمى مُؤْمِنا بِكُفْر، فَهُوَ كَقَتْله» (٢) .
وقال: «إِذَا قَالَ الرجلُ لأَخِيه: يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا» (٣) .
[فرق بين الحكم على القول والمعين]
وأَهل السنة والجماعة: يُفَرِّقُونَ بين الحُكْم المطلق على أَصحاب البدع بالمعصية أَو الكفر وبين الحكم على شخص معين- ممن ثبت إِسلامه بيقين- صدرت عنه بدعة من البدع، بأنَّه عاصٍ أَو فاسق أَو كافر، فلا يحكمون عليه بذلك حتى يبينَ له الحق، وذلك بإِقامة الحجة وإزالة الشبهة، وهذا في الأَشياء الخفية، لا في الأُمور الظاهرة؛ ثم هم لا يكفرون المعَيَّن إلا إِذا تحققت فيه الشروط وانتفت الموانع (٤)