[دليل علو الشأن]
س: ما دليل علو الشأن وما الذي يجب نفيه عن الله ؟
جـ: اعلم أن علو الشأن هو ما تضمنه اسمه القدوس السلام الكبير المتعال وما في معناها، واستلزمته جميع صفات كماله ونعوت جلاله، فتعالى في أحديته أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عونا له، أو ظهيرا أو شفيعا عنده بدون إذنه أو عليه يجير، وتعالى في عظمته وكبريائه وملكوته وجبروته عن أن يكون له منازع أو مغالب أو ولي من الذل أو نصير، وتعالى في صمديته عن الصاحبة والولد والوالد والكفؤ والنظير، وتعالى في كمال حياته وقيوميته وقدرته عن الموت والسنة والنوم والتعب والإعياء، وتعالى في كمال علمه عن الغفلة والنسيان وعن عزوب مثقال ذرة عن علمه في الأرض أو في السماء، وتعالى في كمال حكمته وحمده عن خلق شيء عبثا وعن ترك الخلق سدى بلا أمر ولا نهي ولا بعث ولا جزاء، وتعالى في كمال عدله عن أن يظلم أحدا مثقال ذرة أو أن يهضمه شيئا من حسناته، وتعالى في كمال غناه عن أن يطعم أو يرزق أو يفتقر إلى غيره في شيء، وتعالى في جميع ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله عن التعطيل والتمثيل، وسبحانه وبحمده وعز وجل وتبارك وتعالى وتنزه وتقدس عن كل ما ينافي إلهيته وربوبيته وأسماءه الحسنى وصفاته العلى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧] ونصوص الوحي من الكتاب والسنة في هذا الباب معلومة مفهومة مع كثرتها وشهرتها.
[معنى قوله ﵇ في الأسماء الحسنى من أحصاها دخل الجنة]
س: ما معنى قوله ﷺ في الأسماء الحسنى «من أحصاها دخل الجنة» ؟
جـ: قد فسر ذلك بمعاني منها: حفظها ودعاء الله بها والثناء عليه
стр. 37
بجميعها، ومنها أن ما كان يسوغ الاقتداء به كالرحيم والكريم فيمرن العبد نفسه على أن يصح له الاتصاف بها فيما يليق به وما كان يختص به نفسه تعالى كالجبار والعظيم والمتكبر، فعلى العبد الإقرار بها والخضوع لها وعدم التحلي بصفة منها، وما كان فيه معنى الوعد كالغفور الشكور العفو الرؤوف الحليم الجواد الكريم، فليقف منه عند الطمع والرغبة، وما كان فيه معنى الوعيد كعزيز ذي انتقام شديد العقاب سريع الحساب، فليقف منه عند الخشية والرهبة. ومنها شهود العبد إياها وإعطاؤها حقها معرفة وعبودية، مثاله من شهد علو الله تعالى على خلقه وفوقيته عليهم واستواءه على عرشه بائنا من خلقه مع إحاطته بهم علما وقدرة وغير ذلك، وتعبد بمقتضى هذه الصفة بحيث يصير لقلبه صمدا يعرج إليه مناجيا له مطرقا واقفا بين يديه وقوف العبد الذليل بين يدي الملك العزيز، فيشعر بأن كلمه وعمله صاعد إليه معروض عليه فيستحي أن يصعد إليه من كلمه وعمله ما يخزيه ويفضحه هنالك، ويشهد نزول الأمر والمراسيم الإلهية إلى أقطار العوالم كل وقت بأنواع التدبير والتصرف من الإماتة والإحياء والإعزاز والإذلال، والخفض والرفع والعطاء والمنع وكشف البلاء وإرساله ومداولة الأيام بين الناس إلى غير ذلك من التصرفات في المملكة التي لا يتصرف فيها سواه، فمراسيمه نافذة فيها كما يشاء ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥] فمن وفى هذا المشهد حقه معرفة وعبودية فقد استغنى بربه وكفاه، وكذلك من شهد علمه المحيط وسمعه وبصره وحياته وقيوميته وغيرها ولا يرزق هذا
стр. 38
المشهد إلا السابقون المقربون.
[ما يضاد توحيد الأسماء والصفات]
س: ما ضد توحيد الأسماء والصفات؟
جـ: ضده الإلحاد في أسماء الله وصفاته وآياته، وهو ثلاثة أنواع: الأول: إلحاد المشركين الذين عدلوا بأسماء الله تعالى عما هي عليه وسموا بها أوثانهم، فزادوا ونقصوا فاشتقوا اللات من الإله والعزى من العزيز ومناة من المنان.
الثاني: إلحاد المشبهة الذين يكيفون صفات الله تعالى، ويشبهونها بصفات خلقه وهو مقابل لإلحاد المشركين، فأولئك سووا المخلوق برب العالمين، وهؤلاء جعلوه بمنزلة الأجسام المخلوقة وشبهوه بها تعالى وتقدس.
الثالث: إلحاد النفاة المعطلة، وهم قسمان: قسم أثبتوا ألفاظ أسمائه تعالى ونفوا عنه ما تضمنته من صفات الكمال فقالوا: رحمن رحيم بلا رحمة، عليم بلا علم، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، قدير بلا قدرة، وأطردوا بقيتها كذلك. وقسم صرحوا بنفي الأسماء ومتضمناتها بالكلية، ووصفوه بالعدم المحض الذي لا اسم له ولا صفة، سبحان الله وتعالى عما يقول الظالمون الجاحدون الملحدون علوا كبيرا ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]
[جميع أنواع التوحيد متلازمة]
س: هل جميع أنواع التوحيد متلازمة فينافيها كلها ما ينافي نوعا منها؟
جـ: نعم هي متلازمة، فمن أشرك في نوع منها فهو مشرك في البقية، مثال ذلك دعاء غير الله وسؤاله ما لا يقدر عليه إلا الله، فدعاؤه إياه عبادة بل
стр. 39
مخ العبادة، صرفها لغير الله من دون الله، فهذا شرك في الإلهية، وسؤاله إياه تلك الحاجة من جلب خير أو دفع شر معتقدا أنه قادر على قضاء ذلك، هذا شرك في الربوبية حيث اعتقد أنه متصرف مع الله في ملكوته، ثم إنه لم يدعه هذا الدعاء من دون الله إلا مع اعتقاده أنه يسمعه على البعد والقرب في أي وقت كان وفي أي مكان ويصرحون بذلك، وهو شرك في الأسماء والصفات حيث أثبت له سمعا محيطا بجميع المسموعات، لا يحجبه قرب ولا بعد، فاستلزم هذا الشرك في الإلهية الشرك في الربوبية والأسماء والصفات.
[الدليل على الإيمان بالملائكة من الكتاب والسنة]
س: ما الدليل على الإيمان بالملائكة من الكتاب والسنة؟
جـ: أدلة ذلك من الكتاب كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨] وتقدم الإيمان بهم من السنة في حديث جبريل وغيره، وفي صحيح مسلم أن الله تعالى خلقهم من نور (١) والأحاديث في شأنهم كثيرة.
[معنى الإيمان بالملائكة]
س: ما معنى الإيمان بالملائكة؟
جـ: هو الإقرار الجازم بوجودهم وأنهم خلق من خلق الله مربوبون مسخرون و ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ - لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧] ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]
стр. 40
﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ - يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠] ولا يسأمون ولا يستحسرون.
[بعض أنواع الملائكة]
س: اذكر بعض أنواعهم باعتبار ما هيأهم الله له ووكلهم به؟
جـ: هم باعتبار ذلك أقسام كثيرة، فمنهم الموكل بأداء الوحي إلى الرسل وهو الروح الأمين جبريل ﵇، ومنهم الموكل بالقطر وهو ميكائيل ﵇، ومنهم الموكل بالصور وهو إسرافيل ﵇، ومنهم الموكل بقبض الأرواح وهو ملك الموت وأعوانه، ومنهم الموكل بأعمال العباد وهم الكرام الكاتبون، ومنهم الموكل بحفظ العبد من بين يديه ومن خلفه وهم المعقبات، ومنهم الموكل بالجنة ونعيمها وهم رضوان ومن معه، ومنهم الموكل بالنار وعذابها وهم مالك ومن معه من الزبانية، ورؤساؤهم تسعة عشر، ومنهم الموكل بفتنة القبر وهم منكر ونكير، ومنهم حملة العرش، ومنهم الكروبيون، ومنهم الموكل بالنطف في الأرحام من تخليقها وكتابة ما يراد بها، ومنهم الملائكة يدخلون البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم، ومنهم ملائكة سياحون يتبعون مجالس الذكر، ومنهم صفوف قيام لا يفترون، منهم ركع سجد لا يرفعون، ومنهم غير من ذكر ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣١] ونصوص هذه الأقسام من الكتاب والسنة لا تخفى.
[دليل الإيمان بالكتب]
س: ما دليل الإيمان بالكتب؟
جـ: أدلته كثيرة منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦] وقوله
стр. 41
تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٣٦] الآيات، وغيرها كثير، ويكفي في ذلك قوله تعالى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ [الشورى: ١٥]
[تسمية الكتب في القرآن]
س: هل سميت جميع الكتب في القرآن؟
جـ: سمى الله منها في القرآن: هو، والتوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى، وذكر الباقي جملة فقال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ - نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ - مِنْ قَبْلُ﴾ [آل عمران: ٢ - ٤] وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] وقال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى - وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٦ - ٣٧] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] فما ذكر الله منها تفصيلا وجب علينا الإيمان به تفصيلا، وما ذكر منها إجمالا وجب علينا الإيمان به إجمالا، فنقول فيه ما أمر الله به رسوله: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ [الشورى: ١٥]
[معنى الإيمان بكتب الله ]
س: ما معنى الإيمان بكتب الله ؟
جـ: معناه التصديق الجازم بأن جميعها منزل من عند الله ، وأن الله تكلم بها حقيقة، فمنها المسموع منه تعالى من وراء حجاب بدون واسطة الرسول الملكي، ومنها ما بلغه الرسول الملكي إلى الرسول البشري، ومنها ما كتبه الله تعالى بيده كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١] وقال تعالى لموسى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] وقال تعالى في شأن
стр. 42
التوراة: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] وقال في عيسى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٤٦] وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] وتقدم ذكرها بلفظ التنزيل، وقال تعالى في شأن القرآن: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦] وقال تعالى فيه: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ - نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ - بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥] الآيات، وقال تعالى فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ - لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢] الآيات، وغيرها كثير.
[منزلة القرآن من الكتب المتقدمة]
س: ما منزلة القرآن من الكتب المتقدمة؟
جـ: قال الله تعالى فيه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧] وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١] قال أهل التفسير: مهيمنا مؤتمنا وشاهدا على ما قبله من الكتب ومصدقا لها، يعني يصدق: ما فيها من الصحيح، وينفي ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير، ويحكم عليها بالنسخ أو التقرير، ولهذا يخضع له كل متمسك بالكتب المتقدمة ممن لم ينقلب على عقبيه، كما قال ﵎: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ - وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٣]
стр. 43
وغير ذلك.
[ما يجب التزامه في حق القرآن على جميع الأمة]
س: ما الذي يجب التزامه في حق القرآن على جميع الأمة؟
جـ: هو اتباعه ظاهرا وباطنا والتمسك به والقيام بحقه، قال الله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا﴾ [الأنعام: ١٥٥] وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠] وهي عامة في كل كتاب والآيات في ذلك كثيرة، وأوصى النبي ﷺ بكتاب الله فقال: «فخذوا بكتاب الله وتمسكوا به» (١) وفي حديث علي مرفوعا: «إنها ستكون فتن» (٢) . «قلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: " كتاب الله» . وذكر الحديث.
[معنى التمسك بالكتاب والقيام بحقه]
س: ما معنى التمسك بالكتاب والقيام بحقه؟
جـ: حفظه وتلاوته والقيام به آناء الليل والنهار وتدبر آياته وإحلال حلاله وتحريم حرامه والانقياد لأوامره، والانزجار بزواجره والاعتبار بأمثاله والاتعاظ بقصصه والعمل بمحكمه والتسليم لمتشابهه والوقوف عند حدوده، وينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، والنصيحة له بكل معانيها والدعوة إلى ذلك على بصيرة.
[حكم من قال بخلق القرآن]
س: ما حكم من قال بخلق القرآن؟
جـ: القرآن كلام الله حقيقة حروفه ومعانيه، ليس كلامه الحروف
стр. 44
دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف، تكلم الله به قولا وأنزله على نبيه وحيا، وآمن به المؤمنون حقا، فهو وإن خط بالبنان وتلي باللسان وحفظ بالجنان وسمع بالآذان وأبصرته العينان لا يخرجه ذلك عن كونه كلام الرحمن، فالأنامل والمداد والأقلام والأوراق مخلوقة، والمكتوب بها غير مخلوق والألسن والأصوات مخلوقة، والمتلو بها على اختلافها غير مخلوق، والصدور مخلوقة والمحفوظ فيها غير مخلوق، والأسماع مخلوقة والمسموع غير مخلوق، قال الله تعالى:
﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ - فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨] وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف: ٢٧] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] وقال ابن مسعود ﵁: " أديموا النظر في المصحف ". والنصوص في ذلك لا تحصى، ومن قال القرآن أو شيء من القرآن مخلوق فهو كافر كفرا أكبر يخرجه من الإسلام بالكلية؛ لأن القرآن كلام الله تعالى منه بدأ وإليه يعود، وكلامه صفته، ومن قال شيء من صفات الله مخلوق فهو كافر مرتد يعرض عليه الرجوع إلى الإسلام فإن رجع وإلا قتل كفرا ليس له شيء من أحكام المسلمين.
[صفة الكلام ذاتية أو فعلية]
س: هل صفة الكلام ذاتية أو فعلية؟
جـ: أما باعتبار تعلق صفة الكلام بذات الله واتصافه تعالى بها، فمن صفات ذاته كعلمه تعالى بل هو من علمه، وأنزله بعلمه، وهو أعلم بما ينزل، وأما باعتبار تكلمه بمشيئته وإرادته فصفة فعل، كما قال
стр. 45
النبي ﷺ : «إذا أراد الله أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي» (١) . الحديث - ولهذا قال السلف الصالح ﵏ في صفة الكلام: إنها صفة ذات وفعل معا، فالله لم يزل ولا يزال متصفا بالكلام أزلا وأبدا وتكلمه وتكليمه بمشيئته وإرادته، فيتكلم إذا شاء متى شاء وكيف شاء بكلام يسمعه من يشاء وكلامه صفته لا غاية له ولا انتهاء ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥]
[التعريف بالواقفة وبيان حكمهم]
س: من هم الواقفة وما حكمهم؟
جـ: الواقفة هم الذين يقولون في القرآن: لا نقول هو كلام الله ولا نقول مخلوق. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: (من كان منهم يحسن الكلام فهو جهمي، ومن كان لا يحسنه بل كان جاهلا جهلا بسيطا فهو تقام عليه الحجة بالبيان والبرهان، فإن تاب وآمن بأنه كلام الله تعالى غير مخلوق، وإلا فهو شر من الجهمية) (٢) .
[حكم من قال لفظي بالقرآن مخلوق]
س: ما حكم من قال لفظي بالقرآن مخلوق؟
جـ: هذه العبارة لا يجوز إطلاقها نفيا ولا إثباتا؛ لأن اللفظ معنى مشترك بين التلفظ الذي هو فعل العبد، وبين الملفوظ به الذي هو القرآن، فإذا أطلق القول بخلقه شمل المعنى الثاني، ورجع إلى قول الجهمية، وإذا
стр. 46
قيل: غير مخلوق شمل المعنى الأول الذي هو فعل العبد، وهذا من بدع الاتحادية، ولهذا قال السلف الصالح رحمهم الله تعالى: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع (١) .
[دليل الإيمان بالرسل]
س: ما دليل الإيمان بالرسل؟
جـ: أدلته كثيرة من الكتاب والسنة، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا - أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا - وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥٢] وقال النبي ﷺ : «آمنت بالله ورسله» (٢) .
[معنى الإيمان بالرسل]
س: ما معنى الإيمان بالرسل؟
جـ: هو التصديق الجازم بأن الله تعالى بعث في كل أمة رسولا منهم يدعوهم إلى عبادة الله وحده والكفر بما يعبد من دونه، وأن جميعهم صادقون مصدقون بارون راشدون كرام بررة أتقياء أمناء هداة مهتدون، وبالبراهين الظاهرة والآيات الباهرة من ربهم مؤيدون، وأنهم بلغوا جميع ما أرسلهم الله به، لم يكتموا، ولم يغيروا، ولم يزيدوا فيه من عند أنفسهم حرفا ولم ينقصوه، ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥] وأنهم كلهم على الحق المبين، وأن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلا، واتخذ محمدا ﷺ خليلا وكلم موسى تكليما، ورفع
стр. 47
إدريس مكانا عليا، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الله فضل بعضهم على بعض ورفع بعضهم درجات.
[اتفقت دعوة الرسل على أصل العبادة وأساسها]
س: هل اتفقت دعوة الرسل فيما يأمرون به وينهون عنه؟
جـ: اتفقت دعوتهم من أولهم إلى آخرهم على أصل العبادة وأساسها، وهو التوحيد بأن يفرد الله تعالى بجميع أنواع العبادة اعتقادا وقولا وعملا، ويكفر بكل ما يعبد من دونه، وأما الفروض المتعبد بها فقد يفرض على هؤلاء من الصلاة والصوم ونحوها مالا يفرض على الآخرين، ويحرم على هؤلاء ما يحل للآخرين، امتحانا من الله تعالى ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]
[الدليل على اتفاق الرسل في أصل العبادة]
س: ما الدليل على اتفاقهم في أصل العبادة المذكورة؟
جـ: الدليل على ذلك من الكتاب على نوعين مجمل ومفصل. أما المجمل فمثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] الآيات، وأما المفصل فمثل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ﴾ [الأعراف: ٧٣] ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥] ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥] ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ - إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧] وقال موسى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨]
стр. 48
﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢] ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص: ٦٥] وغيرها من الآيات.
[الدليل على اختلاف شرائع الرسل في الفروع]
س: ما دليل اختلاف شرائعهم في فروعها من الحلال والحرام؟
جـ: قول الله : ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: ٤٨] قال ابن عباس ﵄: (شرعة ومنهاجا) : سبيلا وسنة. ومثله قال مجاهد وعكرمة والحسن البصري وقتادة والضحاك والسدي وأبو إسحاق السبيعي، وفي صحيح البخاري: قال النبي ﷺ : «نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات، ديننا واحد» (١) . يعني بذلك التوحيد الذي بعث الله به كل رسول أرسله وضمنه كل كتاب أنزله، وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي والحلال والحرام ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]
[هل قص الله جميع الرسل في القرآن]
س: هل قص الله جميع الرسل في القرآن؟
جـ: قد قص الله علينا من أنبائهم ما فيه كفاية وموعظة وعبرة، ثم قال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤] فنؤمن بجميعهم تفصيلا فيما فصل، وإجمالا فيما أجمل.
[جملة الرسل الذين سماهم الله في القرآن]
س: كم سمى منهم في القرآن؟
جـ: سمى منهم فيه آدم ونوح وإدريس وهود وصالح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف ولوط وشعيب ويونس وموسى وهارون
стр. 49
وإلياس وزكريا ويحيى واليسع وذا الكفل وداود وسليمان وأيوب، وذكر الأسباط جملة، وعيسى ومحمد ﷺ وعليهم أجمعين.
[أولو العزم من الرسل]
س: من هم أولو العزم من الرسل؟
جـ: هم خمسة ذكرهم الله على انفرادهم في موضعين من كتابه: الموضع الأول: في سورة الأحزاب - وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧] الآية، الموضع الثاني: في سورة الشورى وهو قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] الآية.
[أول الرسل]
س: من أول الرسل؟
جـ: أولهم بعد الاختلاف نوح ﵇، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [غافر: ٥]
[متى كان الاختلاف]
س: متى كان الاختلاف؟
جـ: قال ابن عباس ﵄: كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا، " فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين " (١) .
[خاتم النبيين والدليل على ذلك]
س: من هو خاتم النبيين؟
جـ: خاتم النبيين محمد ﷺ .
стр. 50
س: ما الدليل على ذلك؟
جـ: قال الله تعالي: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] وقال النبي ﷺ : «إنه سيكون بعدي كذابون ثلاثون كلهم يدعي أنه نبي وأنا خاتم النبيين ولا نبي بعدي» (١) . وفي الصحيح قوله لعلي ﵁: «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» (٢) . وقوله ﷺ في حديث الدجال: «وأنا خاتم النبيين ولا نبي بعدي» (٣) . وغير ذلك كثير.
[خصائص النبي ﷺ ]
س: بماذا اختص نبينا محمد ﷺ عن غيره من الأنبياء؟
جـ: له ﷺ خصائص كثيرة قد أفردت بالتصنيف منها: كونه خاتم النبيين كما ذكرنا، ومنها: كونه ﷺ سيد ولد آدم كما فسر به قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] وقال النبي ﷺ : «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» (٤) ومنها: بعثته ﷺ إلى الناس عامة جنهم وإنسهم كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] الآية، وقال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] .
стр. 51
وقال ﷺ : " «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» (١) وقال ﷺ : «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (٢) . وله ﷺ من الخصائص غير ما ذكرنا فتتبعها من النصوص.
[معجزات الأنبياء]
س: ما هي معجزات الأنبياء؟
جـ: المعجزات هي أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم عن المعارضة، وهي إما حسية تشاهد بالبصر أو تسمع كخروج الناقة من الصخرة، وانقلاب العصا حية، وكلام الجمادات، ونحو ذلك، وإما معنوية تشاهد بالبصيرة كمعجزة القرآن، وقد أوتي نبينا ﷺ من (كل ذلك) ، فما من معجزة كانت لنبي إلا وله ﷺ أعظم منها في بابها، فمن المحسوسات: انشقاق القمر، وحنين الجذع، ونبع الماء من بين أصابعه الشريفة، وكلام الذراع، وتسبيح الطعام، وغير ذلك مما تواترت به الأخبار الصحيحة ولكنها كغيرها من معجزات الأنبياء التي انقرضت بانقراض أعصارهم ولم يبق إلا ذكرها، وإنما المعجزة الباقية الخالدة هي هذا القرآن الذي لا تنقضي عجائبه و ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]
стр. 52
[دليل إعجاز القرآن الكريم]
س: ما دليل إعجاز القرآن؟
جـ: الدليل على ذلك نزوله في أكثر من عشرين سنة متحديا به أفصح الخلق وأقدرها على الكلام وأبلغها منطقا وأعلاها بيانا قائلا: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣] ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] فلم يفعلوا ولم يروموا ذلك مع شدة حرصهم على رده بكل ممكن مع كون حروفه وكلماته من جنس كلامهم الذي به يتحاورون، وفي مجاله يتسابقون ويتفاخرون، ثم نادى عليهم ببيان عجزهم وظهور إعجازه ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] وقال ﷺ : «ما من الأنبياء من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» (١) وقد صنف الناس في وجوه إعجاز القرآن من جهة الألفاظ والمعاني والأخبار الماضية والآتية من المغيبات وما بلغوا من ذلك إلا كما يأخذ العصفور بمنقاره من البحر.
[دليل الإيمان باليوم الآخر]
س: ما دليل الإيمان باليوم الآخر؟
جـ: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ - أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٧ - ٨] وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ - وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ [الذاريات: ٥ - ٦] وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الحج: ٧] إلى غير
стр. 53
ذلك من الآيات.
[معنى الإيمان باليوم الآخر]
س: ما معنى الإيمان باليوم الآخر وما الذي يدخل فيه؟
جـ: معناه التصديق الجازم بإتيانه لا محالة، والعمل بموجب ذلك. ويدخل في ذلك الإيمان بأشراط الساعة وأماراتها التي تكون قبلها لا محالة. وبالموت وما بعده من فتنة القبر وعذابه ونعيمه وبالنفخ في الصور وخروج الخلائق من القبور وما في موقف القيامة من الأهوال والأفزاع وتفاصيل المحشر: نشر الصحف، ووضع الموازين، وبالصراط والحوض، والشفاعة وغيرها، وبالجنة ونعيمها الذي أعلاه النظر إلى وجه الله ، وبالنار وعذابها الذي أشده حجبهم عن ربهم .
[متى تكون الساعة]
س: هل يعلم أحد متى تكون الساعة؟
جـ: مجيء الساعة من مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤] وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧] الآية، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا - فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا - إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٤] الآيات، ولما «قال جبريل للنبي ﷺ : فأخبرني عن الساعة. قال: " ما المسئول عنها بأعلم من السائل» (١) وذكر أماراتها وزاد في رواية: «في خمس لا يعلمهن إلا الله تعالى» ، وتلا الآية السابقة.
стр. 54
[مثال أمارات الساعة من الكتاب]
س: ما مثال أمارات الساعة من الكتاب؟
جـ: مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ - وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٦ - ٩٧] الآيات، وقوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] الآيات، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] الآيات وغيرها.
[مثال أمارات الساعة من السنة]
س: ما مثال أمارات الساعة من السنة؟
جـ: مثل أحاديث طلوع الشمس من مغربها، وأحاديث الدابة، وأحاديث الفتن كالدجال والملاحم، وأحاديث نزول عيسى، وخروج يأجوج ومأجوج، وأحاديث الدخان، وأحاديث الريح التي تقبض كل نفس مؤمنة، وأحاديث النار التي تظهر، وأحاديث الخسوف وغيرها.
[دليل الإيمان بالموت]
س: ما دليل الإيمان بالموت؟
جـ: قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١] وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وقال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ - وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧] وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] قال
стр. 55
تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] وغير ذلك من الآيات، وفيه من الأحاديث ما لا يحصى، والأمر مشاهد لا يجهله أحد وليس فيه شك ولا تردد، ولكن عناد واستكبار ولا يعمل على موجب إيمانه به وبما بعده إلا عباد الله المخلصون، ونؤمن أن كل من مات أو قتل أو بأي سبب كان إن ذلك بأجله لم ينقص منه شيئا، قال الله تعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الرعد: ٢] وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]
[دليل فتنة القبر ونعيمه أو عذابه من الكتاب]
س: ما دليل فتنة القبر ونعيمه أو عذابه من الكتاب؟ جـ: قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] وقال تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ - النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦] وقال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣] وقال تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١] وغير ذلك من الآيات.
[دليل فتنة القبر ونعيمه أو عذابه من السنة]
س: ما دليل ذلك من السنة؟
جـ: الأحاديث الصحيحة في ذلك بلغت مبلغ التواتر، فمنها حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد ﷺ ؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد
стр. 56
الله ورسوله. فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة. فيراهما جميعا» - قال قتادة: وذُكر لنا أنه يفسح في قبره، ثم رجع إلى حديث أنس - قال: «وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس. فيقال: لا دريت ولا تليت. ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين» (١) . وحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة» (٢) . وحديث القبرين وفيه: «إنهما ليعذبان» (٣) . وحديث أبي أيوب ﵁ قال: «خرج النبي ﷺ وقد وجبت الشمس، فسمع صوتا فقال: " يهود تعذب في قبورها» (٤) . وحديث أسماء: «قام رسول الله ﷺ خطيبا فذكر فتنة القبر التي يفتتن فيها المرء، فلما ذكر ذلك ضج المسلمون ضجة» (٥) وقالت عائشة ﵂: «ما رأيت رسول الله ﷺ بعدُ صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر» (٦) . «وفي قصة الكسوف وأمرهم ﷺ " أن يتعوذوا من عذاب القبر» (٧) . وكل هذه الأحاديث في الصحيح،
стр. 57
وقد سقنا منها نحو ستين حديثا من طرق ثابتة عن الجماعة من الصحابة يرفعونها في شرحنا على (السلَّم) فليراجع.
[دليل البعث من القبور]
س: ما دليل البعث من القبور؟
جـ: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج: ٥] إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ - وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٦ - ٧] وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا - أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٦ - ٦٧] الآيات، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ - وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ - قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٧ - ٧٩] إلى آخر السورة، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣] إلى آخر السورة، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩] وغيرها من الآيات، وكثيرا ما يضرب الله تعالى لذلك مثلا بإحيائه الأرض بالماء فتصبح تهتز مخضرة بالنبات بعد موتها بالجدب إذ كانت قبل هامدة، بذلك ضرب النبي ﷺ المثل في حديث العقيلي الطويل حيث قال: «ولعمر إلهك ما يدع على ظهرها من مصرع قتيل
стр. 58
ولا مدفن ميت إلا شقت القبر عنه حتى تجعله من عند رأسه فيستوى جالسا، فيقول: ربك (مهيم) ؟ لما كان فيه. يقول: رب، أمس اليوم. ولعهده بالحياة يحسبه حديثا بأهله. فقلت: يا رسول الله كيف يجمعنا بعدما تمزقنا الرياح والبلى والسباع؟ قال: أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله، الأرض أشرفت عليها وهي مدرة بالية فقلت: لا تحيا أبدا. ثم أرسل ربك عليها السماء فلم تلبث عليك إلا أياما حتى أشرفت عليها وهي بشرية واحدة، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعهم من الماء على أن يجمع نبات الأرض، فيخرجون من الأصواء من مصارعهم» (١) . الحديث، وغيره كثير.
[حكم من كذب البعث]
س: ما حكم من كذب البعث؟
جـ: هو كافر بالله وبكتبه ورسله قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل: ٦٧] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الرعد: ٥]
стр. 59
وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] وغيرها من الآيات، وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «قال الله تعالى (كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد» (١) .
[دليل النفخ في الصور وكم نفخات ينفخ فيه]
س: ما دليل النفخ في الصور وكم نفخات ينفخ فيه؟
ج: قال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] ففي هذه الآية ذكر نفختين الأولى للصعق والثانية للبعث، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] الآية، فمن فسر الفزع في هذه الآية بالصعق فهي النفخة الأولى المذكورة في آية الزمر، ويؤيده حديث مسلم وفيه: «ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا (٢) - قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله - قال - فيصعق ويصعق الناس، ثم يرسل الله، أو قال: ينزل الله مطرا كأنه الطل، أو قال: الظل، شعبة الشاك فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه مرة أخرى فإذا هم قيام ينظرون» . الحديث، ومن فسر الفزع بدون الصعق فهي نفخة ثالثة متقدمة على النفختين، ويؤيده ما في حديث
стр. 60
الصور الطويل، فإن فيه ذكر ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة القيام لرب العالمين.
[صفة الحشر من الكتاب]
س: كيف صفة الحشر من الكتاب؟
جـ: في صفته آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤] الآية، وقوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧] الآيات، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا - وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٥ - ٨٦] الآيات، وقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً - فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ - وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ - وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ٧ - ١٠] الآيات، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] وهو نقل الأقدام إلى المحشر. كأخفاف الإبل، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [الإسراء: ٩٧] وغير ذلك من الآيات كثير.
[صفة الحشر من السنة]
س: كيف صفته من السنة؟
جـ: قال النبي ﷺ : «يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين راهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار تقيل معهم حيث قالوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسى معهم حيث أمسوا» (١) . وعن أنس بن مالك ﵁ «أن رجلا قال: يا نبي الله كيف يحشر الكافر على وجهه؟ قال: " أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم
стр. 61
القيامة» (١) وقال ﷺ : «إنكم محشورون حفاة عراة غرلا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] الآية، وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم» (٢) . الحديث، «وقالت عائشة ﵂ في ذلك: يا رسول الله، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض. فقال: " الأمر أشد من أن يهمهم ذلك» (٣) .
[صفة الموقف من الكتاب]
س: كيف صفة الموقف من الكتاب؟
جـ: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ - مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٢ - ٤٣] الآيات، وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨] الآيات، وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] الآيات، وقال تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] الآيات، وقال تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] الآيات، وغير ذلك كثير.
[صفة الموقف من السنة]
س: كيف صفة الموقف من السنة؟
جـ: فيها أحاديث كثيرة منها: عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : « ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] قال: " يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» (٤) . وحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ
стр. 62
قال: «يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعا ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم» (١) . وهذه في الصحيح، وغيرها كثير.
[صفة العرض والحساب من الكتاب]
س: كيف صفة العرض والحساب من الكتاب؟
جـ: قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨] الآيات، وقال تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الكهف: ٤٨] الآيات، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ - حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ - وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ [النمل: ٨٣ - ٨٥] وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ - فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ - وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨] وقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ - عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣] وقال تعالى ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] الآيات، وغيرها كثيرة.
[صفة العرض والحساب من السنة]
س: كيف صفة ذلك من السنة؟
جـ: فيه أحاديث كثيرة، منها قوله ﷺ : «من نوقش الحساب عذب» . «قالت عائشة ﵂: أليس يقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] ؟ قال: " ذلك العرض» (٢) وقال ﷺ : «يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم. فيقال: قد سئلت ما هو أيسر من ذلك» - وفي رواية: «فقد
стр. 63
سألتك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي فأبيت إلا الشرك» (١) . وقال ﷺ : " «وما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة ولو بكلمة طيبة» ، وقال ﷺ : «يدنو أحدكم - يعني المؤمنين - من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقول: أعملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم. ويقول: عملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم، فيقرره، ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» (٢) وغير ذلك من الأحاديث.
[صفة نشر الصحف من الكتاب]
س: كيف صفة نشر الصحف من الكتاب؟
جـ: قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا - اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير: ١٠] وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] إلى قوله: ﴿الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧] وفي آية الانشقاق: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الانشقاق: ٧] وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق: ١٠] فهذا يدل على أن من يؤتى كتابه بيمينه يؤتاه من أمامه، ومن يؤتى كتابه بشماله
стр. 64
يؤتاه من وراء ظهره، والعياذ بالله .
[دليل نشر الصحف من السنة]
س: ما دليل ذلك من السنة؟
جـ: فيه أحاديث كثيرة منها: قوله ﷺ : «يدنى المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه، تعرف ذنب كذا؟ يقول: أعرف، يقول: رب أعرف مرتين، فيقول: سترتها في الدنيا وأغفرها لك اليوم، ثم تطوى صحيفة حسناته، وأما الآخرون أو الكفار فينادى عليهم على رؤوس الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨] وقالت عائشة ﵂: قلت يا رسول الله، هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة؟ قال: " يا عائشة أما عند ثلاث فلا، أما عند الميزان حتى يثقل أو يخف فلا، وأما عند تطاير الكتب إما يعطى بيمينه وإما يعطى بشماله فلا، وحين يخرج عنق من النار» (١) . الحديث بطوله رواه أحمد وأبو داود، وغير ذلك من الأحاديث.
[دليل الميزان من الكتاب وبيان صفة الوزن]
س: ما دليل الميزان من الكتاب وكيف صفة الوزن؟
جـ: قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]
стр. 65
وقال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٨ - ٩] وقال تعالى في الكافرين: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] وغير ذلك من الآيات.
[دليل الميزان من السنة وبيان صفة الوزن]
س: ما دليل ذلك وصفته من السنة؟
جـ: فيه أحاديث كثيرة، منها حديث البطاقة التي فيها الشهادتان، وأنها ترجح بتسعين سجلا (١) من السيئات، كل سجل منها مدى البصر، ومنها قوله ﷺ في ابن مسعود ﵁: «أتعجبون من دقة ساقيه، والذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد» (٢) وقال ﷺ : «إنه ليؤتى بالرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة " - وقال -: " اقرءوا ": ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] » (٣) وغير ذلك من الأحاديث.
стр. 66
[دليل الصراط من الكتاب]
س: ما دليل الصراط من الكتاب؟
جـ: قال الله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا - ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢] الآيات.
[دليل الصراط من السنة]
س: ما دليل ذلك وصفته من السنة؟
جـ: فيه أحاديث كثيرة منها: قوله ﷺ في حديث الشفاعة: «يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم "، قلنا: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: " مدحضة مزلة عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شوكة عُقيفاء تكون بنجد، يقال لها السعدان، يمر المؤمن عليها كالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يسحب سحبا» (١) . الحديث في الصحيح، وقال أبو سعيد ﵁: بلغني أن الجسر أدق من الشّعرة وأحد من السيف " (٢) .
[دليل القصاص من الكتاب]
س: ما دليل القصاص من الكتاب؟
جـ: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٧] إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر: ٢٠] الآيات، وقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٦٩] الآيات.
[دليل القصاص وصفته من السنة]
س: ما دليل القصاص وصفته من السنة؟
стр. 67
جـ: فيه أحاديث كثيرة منها قوله ﷺ : «أول ما يقضى بين الناس في الدماء» (١) وقوله ﷺ : «من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلل منه اليوم فإنه ليس ثم دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه» (٢) . وقوله ﷺ : «يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقص لبعضهم من بعض» (٣) مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة. كلها في الصحيح، وغيرها كثير.
[دليل الحوض من الكتاب]
س: ما دليل الحوض من الكتاب؟
جـ: قال الله لنبيه محمد ﷺ : ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] السورة.
[دليل الحوض وصفته من السنة]
س: ما دليل وصفته من السنة؟
جـ: فيه أحاديث كثيرة بلغت مبلغ التواتر منها: قوله ﷺ : «أنا فرطكم على الحوض» (٤) وقوله ﷺ : «إني فرط لكم وإني شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن» (٥) وقوله ﷺ : «حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه فلا يظمأ أبدا» (٦) وقوله ﷺ : «أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا
стр. 68
الكوثر» (١) . وغير ذلك من الأحاديث فيه كثيرة.
[دليل الإيمان بالجنة والنار]
س: ما دليل الإيمان بالجنة والنار؟
جـ: قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ - وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٤ - ٢٥] الآية، وغيرها ما لا يحصى. وفي الصحيح من دعاء النبي ﷺ في صلاة الليل: «ولك الحمد، أنت الحق ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، النبيون حق، ومحمد ﷺ حق، والساعة حق» (٢) . الحديث، وقوله ﷺ : «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» (٣) . أخرجاه، وفي رواية: «من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء» .
[معنى الإيمان بالجنة والنار]
س: ما معنى الإيمان بالجنة والنار؟
جـ: معناه التصديق الجازم بوجودهما وأنهما مخلوقتان الآن، وأنهما باقيتان بإبقاء الله لهما لا تفنيان أبدا، ويدخل في ذلك كل ما احتوت عليه هذه من النعيم وتلك من العذاب.
[الدليل على وجود الجنة والنار الآن]
س: ما الدليل على وجودهما الآن؟
جـ: أخبرنا الله أنهما معدتان، فقال في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وقال في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] وأخبرنا أنه تعالى
стр. 69
أسكن آدم وزوجه الجنة قبل أكلهما من الشجرة، وأخبرنا تعالى بأن الكفار يعرضون على النار غدوا وعشيا، وقال النبي ﷺ : «اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء» (١) . الحديث، وتقدم في فتنة وعذاب القبر: «إذا مات أحدكم يعرض عليه مقعده» (٢) الحديث، وقال ﷺ : «أبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم» (٣) وقال ﷺ : «اشتكت النار إلى ربها فقالت: ربي أكل بعضي بعضا، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير» (٤) وقال ﷺ : «الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء» (٥) وقال ﷺ : «لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة فقال: اذهب فانظر إليها» (٦) . الحديث، وقد عرضتا عليه ﷺ في مقامه يوم كسفت الشمس وعرضت عليه ليلة الإسراء، وفي ذلك من الأحاديث الصحيحة ما لا يحصى.
[الدليل على بقاء الجنة والنار وأنهما لا يفنيان]
س: ما الدليل على بقائهما لا تفنيان أبدا؟
стр. 70
جـ: قال الله تعالى في الجنة: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] وقال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] وقال تعالى فيها: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] وقال تعالى: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان: ٥١] إلى قوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] وغيرها من الآيات، فأخبر تعالى بأبديتها وأبدية حياة أهلها، وعدم انقطاعها عنهم وعدم خروجهم منها، وكذلك النار قال تعالى فيها: ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ١٦٩] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا - خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٤ - ٦٥] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] وقال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] وقال تعالى: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] وقال تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾ [طه: ٧٤] وغير ذلك من الآيات، فأخبرنا تعالى في هذه الآيات وأمثالها أن أهل النار الذين هم أهلها خلقت لهم وخلقوا لها، أنهم خالدون فيها أبدا، فنفى تعالى خروجهم منها بقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] ونفى انقطاعها عنهم بقوله: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٧٥] ونفى فناءهم فيها بقوله: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾ [الأعلى: ١٣] وقال النبي ﷺ : " «أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون» (١) . الحديث، وقال ﷺ : «إذا
стр. 71
صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار ثم يذبح ثم ينادي منادٍ: يا أهل الجنة لا موت، يا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم» (١) وفي لفظ: كل خالد فيما هو فيه، وفي رواية: «ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] » ، وهي في الصحيح، وفي ذلك أحاديث غير ما ذكرنا.
[الدليل على أن المؤمنين يرون ربهم ﵎ في الدار الآخرة]
س: ما الدليل على أن المؤمنين يرون ربهم ﵎ في الدار الآخرة؟
جـ: قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ - إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وقال تعالى في الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] فإذا حجب أعداءه لم يحجب أولياءه، وفي الصحيحين عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: «كنا جلوسا مع رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال: " إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا» (٢) وقوله: كما ترون هذا، أي كرؤيتكم هذا القمر، تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي، كما أن قوله في حديث تكلم الله بالوحي: " ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله: كأنه سلسلة على صفوان " (٣) . وهذا تشبيه للسماع بالسماع، لا للمسموع بالمسموع، تعالى الله أن يشبهه في ذاته أو صفاته شيء من خلقه، وتنزه النبي ﷺ أن يحمل شيء من
стр. 72
كلامه على التشبيه، وهو أعلم الخلق بالله ، وفي حديث صهيب عند مسلم: «فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم » (١) ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وفي الباب أحاديث كثيرة صحيحة صريحة ذكرنا منها في شرح (سلم الوصول) خمسة وأربعين حديثا عن أكثر من ثلاثين صحابيا. ومن رد ذلك فقد كذب بالكتاب وبما أرسل الله به رسله، وكان من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] نسأل الله تعالى العفو والعافية، وأن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه آمين.
[دليل الإيمان بالشفاعة وممن تكون ولمن تكون]
س: ما دليل الإيمان بالشفاعة، وممن تكون، ولمن تكون، ومتى تكون؟
جـ: قد أثبت الله الشفاعة في كتابه في مواضع كثيرة بقيود ثقيلة، وأخبرنا تعالى أنها ملك له ليس لأحد فيها شيء، فقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] فأما متى تكون؟ فأخبرنا أنها لا تكون إلا بإذنه كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: ٣] ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] وأما ممن تكون؟ فكما أخبرنا تعالى أنه لا تكون إلا من بعد إذنه، أخبرنا أيضا أنه لا يأذن إلا لأوليائه المرتضين الأخيار كما قال تعالى: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨] وقال: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] وأما لمن تكون؟ فأخبرنا أنه لا يأذن أن يشفع إلا لمن ارتضى كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]
стр. 73
﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] وهو سبحانه لا يرتضي إلا أهل التوحيد والإخلاص، وأما غيرهم فقال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] وقال تعالى عنهم: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ - وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١] وقال تعالى فيهم: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] وقد «أخبرنا النبي ﷺ أنه أوتي الشفاعة، ثم أخبر أنه يأتي فيسجد تحت العرش ويحمد ربه بمحامد يعلمه إياها، لا يبدأ بالشفاعة أولا حتى يقال له: " ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع» (١) . الحديث، ثم أخبر أنه لا يشفع في جميع العصاة من أهل التوحيد دفعة واحدة، بل قال: «فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة» ، ثم يرجع فيسجد كذلك فيحد له حدا إلى آخر حديث الشفاعة، وقال له أبو هريرة ﵁: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه» (٢) .
[أنواع الشفاعة الست وأعظمها]
س: كم أنواع الشفاعة وما أعظمها؟
جـ: أعظمها الشفاعة العظمى في موقف القيامة في أن يأتي الله تعالى لفصل القضاء بين عباده وهي خاصة لنبينا محمد ﷺ ، وهي المقام المحمود الذي وعده الله كما قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] وذلك أن الناس إذا ضاق بهم الموقف وطال المقام واشتد القلق وألجمهم العرق التمسوا الشفاعة في أن يفصل الله بينهم فيأتون آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى بن مريم
стр. 74
وكلهم يقول نفسي نفسي إلى أن ينتهوا إلى نبينا محمد ﷺ فيقول: «أنا لها» (١) كما جاء مفصلا في الصحيحين وغيرهما.
الثانية: الشفاعة في استفتاح باب الجنة، وأول من يستفتح بابها نبينا محمد ﷺ ، وأول من يدخلها من الأمم أمته.
الثالثة: الشفاعة في أقوام قد أمر بهم إلى النار أن لا يدخلوها.
الرابعة: في من دخلها من أهل التوحيد أن يخرجوا منها فيخرجون قد امتحشوا وصاروا فحما، فيطرحون في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل.
الخامسة: الشفاعة في رفع درجات أقوام من أهل الجنة وهذه الثلاث ليست خاصة بنبينا ﷺ ولكنه هو المقدم فيها ثم بعده الأنبياء والملائكة والأولياء والأفراط يشفعون ثم يخرج الله تعالى برحمته من النار أقواما بدون شفاعة لا يحصيهم إلا الله فيدخلهم الجنة.
السادسة: الشفاعة في تخفيف عذاب بعض الكفار، وهذه خاصة لنبينا محمد ﷺ في عمه أبي طالب كما في مسلم وغيره: «ولا تزاد جهنم يلقى فيها وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط، وعزتك، ويبقى في الجنة» (٢) فضل عمّن دخلها فينشئ الله تعالى أقواما فيدخلهم، وفي ذلك من النصوص ما لا يحصى فمن شاءها وجدها من الكتاب والسنة.
стр. 75
[معنى حديث لن يدخل الجنة أحد عمله والجمع بينه وبين آية وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ]
س: هل يدخل الجنة أو ينجو من النار أحد بعمله؟
جـ: قال رسول الله ﷺ : «قاربوا وسددوا واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله - قالوا: يا رسول الله ولا أنت؟ قال: ولا أنا إلا أني يتغمدني الله برحمة منه وفضل» . وفي رواية: «سددوا وقاربوا وأبشروا فأنه لن يدخل الجنة أحد عمله - قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة واعلموا أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل» (١) .
س: ما الجمع بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]
جـ: لا منافاة بينهما بحمد الله فإن الباء المثبتة في الآية هي باء السببية لأن الأعمال الصالحة سبب في دخول الجنة، لا يحصل إلا بها إذ المسبب وجوده بوجود سببه، والمنفي في الحديث هي باء الثمنية، فإن العبد لو عمر عمر الدنيا وهو يصوم النهار ويقوم الليل ويجتنب المعاصي كلها لم يقابل كل عمله عشر معشار أصغر نعم الله عليه الظاهرة والباطنة، فكيف تكون ثمنا لدخول الجنة، " ﴿رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨]
[دليل الإيمان بالقدر جملة]
س: ما دليل الإيمان بالقدر جملة؟
جـ: قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] وقال تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢] وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: ٤٧] وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] الآية.