← Акыда

Акыда · id 30821

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة = 200 سؤال وجواب في العقيدة الاسلامية

حافظ بن أحمد حكمي

Полный текст (137 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار ثم يذبح ثم ينادي منادٍ: يا أهل الجنة لا موت، يا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم» (١) وفي لفظ: كل خالد فيما هو فيه، وفي رواية: «ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] » ، وهي في الصحيح، وفي ذلك أحاديث غير ما ذكرنا. [الدليل على أن المؤمنين يرون ربهم ﵎ في الدار الآخرة] س: ما الدليل على أن المؤمنين يرون ربهم ﵎ في الدار الآخرة؟ جـ: قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ - إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وقال تعالى في الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] فإذا حجب أعداءه لم يحجب أولياءه، وفي الصحيحين عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: «كنا جلوسا مع رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال: " إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا» (٢) وقوله: كما ترون هذا، أي كرؤيتكم هذا القمر، تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي، كما أن قوله في حديث تكلم الله بالوحي: " ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله: كأنه سلسلة على صفوان " (٣) . وهذا تشبيه للسماع بالسماع، لا للمسموع بالمسموع، تعالى الله أن يشبهه في ذاته أو صفاته شيء من خلقه، وتنزه النبي ﷺ أن يحمل شيء من

стр. 72

كلامه على التشبيه، وهو أعلم الخلق بالله ، وفي حديث صهيب عند مسلم: «فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم » (١) ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وفي الباب أحاديث كثيرة صحيحة صريحة ذكرنا منها في شرح (سلم الوصول) خمسة وأربعين حديثا عن أكثر من ثلاثين صحابيا. ومن رد ذلك فقد كذب بالكتاب وبما أرسل الله به رسله، وكان من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] نسأل الله تعالى العفو والعافية، وأن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه آمين. [دليل الإيمان بالشفاعة وممن تكون ولمن تكون] س: ما دليل الإيمان بالشفاعة، وممن تكون، ولمن تكون، ومتى تكون؟ جـ: قد أثبت الله الشفاعة في كتابه في مواضع كثيرة بقيود ثقيلة، وأخبرنا تعالى أنها ملك له ليس لأحد فيها شيء، فقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] فأما متى تكون؟ فأخبرنا أنها لا تكون إلا بإذنه كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: ٣] ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] وأما ممن تكون؟ فكما أخبرنا تعالى أنه لا تكون إلا من بعد إذنه، أخبرنا أيضا أنه لا يأذن إلا لأوليائه المرتضين الأخيار كما قال تعالى: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨] وقال: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] وأما لمن تكون؟ فأخبرنا أنه لا يأذن أن يشفع إلا لمن ارتضى كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]

стр. 73

﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] وهو سبحانه لا يرتضي إلا أهل التوحيد والإخلاص، وأما غيرهم فقال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] وقال تعالى عنهم: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ - وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١] وقال تعالى فيهم: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] وقد «أخبرنا النبي ﷺ أنه أوتي الشفاعة، ثم أخبر أنه يأتي فيسجد تحت العرش ويحمد ربه بمحامد يعلمه إياها، لا يبدأ بالشفاعة أولا حتى يقال له: " ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع» (١) . الحديث، ثم أخبر أنه لا يشفع في جميع العصاة من أهل التوحيد دفعة واحدة، بل قال: «فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة» ، ثم يرجع فيسجد كذلك فيحد له حدا إلى آخر حديث الشفاعة، وقال له أبو هريرة ﵁: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه» (٢) . [أنواع الشفاعة الست وأعظمها] س: كم أنواع الشفاعة وما أعظمها؟ جـ: أعظمها الشفاعة العظمى في موقف القيامة في أن يأتي الله تعالى لفصل القضاء بين عباده وهي خاصة لنبينا محمد ﷺ ، وهي المقام المحمود الذي وعده الله كما قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] وذلك أن الناس إذا ضاق بهم الموقف وطال المقام واشتد القلق وألجمهم العرق التمسوا الشفاعة في أن يفصل الله بينهم فيأتون آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى بن مريم

стр. 74

وكلهم يقول نفسي نفسي إلى أن ينتهوا إلى نبينا محمد ﷺ فيقول: «أنا لها» (١) كما جاء مفصلا في الصحيحين وغيرهما. الثانية: الشفاعة في استفتاح باب الجنة، وأول من يستفتح بابها نبينا محمد ﷺ ، وأول من يدخلها من الأمم أمته. الثالثة: الشفاعة في أقوام قد أمر بهم إلى النار أن لا يدخلوها. الرابعة: في من دخلها من أهل التوحيد أن يخرجوا منها فيخرجون قد امتحشوا وصاروا فحما، فيطرحون في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل. الخامسة: الشفاعة في رفع درجات أقوام من أهل الجنة وهذه الثلاث ليست خاصة بنبينا ﷺ ولكنه هو المقدم فيها ثم بعده الأنبياء والملائكة والأولياء والأفراط يشفعون ثم يخرج الله تعالى برحمته من النار أقواما بدون شفاعة لا يحصيهم إلا الله فيدخلهم الجنة. السادسة: الشفاعة في تخفيف عذاب بعض الكفار، وهذه خاصة لنبينا محمد ﷺ في عمه أبي طالب كما في مسلم وغيره: «ولا تزاد جهنم يلقى فيها وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط، وعزتك، ويبقى في الجنة» (٢) فضل عمّن دخلها فينشئ الله تعالى أقواما فيدخلهم، وفي ذلك من النصوص ما لا يحصى فمن شاءها وجدها من الكتاب والسنة.

стр. 75

[معنى حديث لن يدخل الجنة أحد عمله والجمع بينه وبين آية وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ] س: هل يدخل الجنة أو ينجو من النار أحد بعمله؟ جـ: قال رسول الله ﷺ : «قاربوا وسددوا واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله - قالوا: يا رسول الله ولا أنت؟ قال: ولا أنا إلا أني يتغمدني الله برحمة منه وفضل» . وفي رواية: «سددوا وقاربوا وأبشروا فأنه لن يدخل الجنة أحد عمله - قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة واعلموا أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل» (١) . س: ما الجمع بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] جـ: لا منافاة بينهما بحمد الله فإن الباء المثبتة في الآية هي باء السببية لأن الأعمال الصالحة سبب في دخول الجنة، لا يحصل إلا بها إذ المسبب وجوده بوجود سببه، والمنفي في الحديث هي باء الثمنية، فإن العبد لو عمر عمر الدنيا وهو يصوم النهار ويقوم الليل ويجتنب المعاصي كلها لم يقابل كل عمله عشر معشار أصغر نعم الله عليه الظاهرة والباطنة، فكيف تكون ثمنا لدخول الجنة، " ﴿رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨] [دليل الإيمان بالقدر جملة] س: ما دليل الإيمان بالقدر جملة؟ جـ: قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] وقال تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢] وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: ٤٧] وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] الآية.

стр. 76

وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٦] وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ - أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦ - ١٥٧] وغير ذلك من الآيات، وتقدم في حديث جبريل: «وتؤمن بالقدر خيره وشره» (١) وقال ﷺ : «واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك» (٢) وقال ﷺ : " «وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل» (٣) وقال ﷺ : «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس» (٤) وغير ذلك من الأحاديث. [مراتب الإيمان بالقدر] س: كم مراتب الإيمان بالقدر؟ جـ: الإيمان بالقدر على أربع مراتب: المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، وأنه تعالى قد علم جميع خلقه قبل أن يخلقهم، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأقوالهم وأعمالهم وجميع حركاتهم وسكناتهم وأسرارهم وعلانيتهم ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هو منهم من أهل النار. المرتبة الثانية: الإيمان بكتابة ذلك، وأنه تعالى قد كتب جميع ما سبق به علمه أنه كائن، وفي ضمن ذلك الإيمان باللوح

стр. 77

والقلم. المرتبة الثالثة: الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وهما متلازمتان من جهة ما كان وما سيكون ولا ملازمة بينهما من جهة ما لم يكن ولا هو كائن؛ فما شاء الله تعالى فهو كائن بقدرته لا محالة وما لم يشأ الله تعالى لم يكن لعدم مشيئة الله إياه لا لعدم قدرة الله عليه، تعالى الله عن ذلك وعز وجل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤] المرتبة الرابعة: الإيمان بأن الله تعالى خالق كل شيء، وأنه ما من ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا فيما بينهما إلا والله خالقها وخالق حركاتها وسكناتها سبحانه، لا خالق غيره ولا رب سواه. [دليل المرتبة الأولى الإيمان بالعلم] س: ما دليل المرتبة الأولى وهي الإيمان بالعلم؟ جـ: قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الحشر: ٢٢] وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] وقال تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ﴾ [سبأ: ٣] وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] الآيات، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥] وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] وقال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٠] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] وقال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]

стр. 78

وفي الصحيح قال رجل: «يا رسول الله أيعرف أهل الجنة من أهل النار؟ قال: " نعم ". قال: فلم يعمل العاملون؟ قال: " كل يعمل لما خلق له أو لما يسر له» (١) «وفيه: سئل النبي ﷺ عن أولاد المشركين؟ فقال: " الله أعلم بما كانوا عاملين» (٢) وفي مسلم قال رسول الله ﷺ : «إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم» (٣) وفيه: قال ﷺ : «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة» (٤) وفيه: وقال ﷺ : «ما منكم من نفس إلا وقد علم الله منزلها من الجنة والنار» قالوا: يا رسول الله، فلم نعمل أفلا نتكل، قال: «لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له» (٥) ثم قرأ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى - وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٥ - ٦]- إلى قوله - ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠] وغير ذلك من الأحاديث. [دليل المرتبة الثانية الإيمان بكتابة المقادير وما يدخلها من التقادير] س: ما دليل المرتبة الثانية، وهي الإيمان بكتابة المقادير؟ جـ: قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] وقال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج: ٧٠] وقال تعالى في محاجة موسى وفرعون: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى - قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥١ - ٥٢]

стр. 79

وقال تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر: ١١] وغير ذلك من الآيات. وقال ﷺ : «ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة» (١) . رواه مسلم، وفيه قال سراقة بن مالك بن جعشم: يا رسول الله، بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيم العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما نستقبل؟ قال: «لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير» ، قال: ففيم العمل؟ فقال: «اعملوا فكل ميسر» - وفي رواية - «كل عامل ميسر لعمله» (٢) وغير ذلك من الأحاديث. س: كم يدخل في هذه المرتبة من التقادير؟ جـ: يدخل في ذلك خمسة من التقادير كلها ترجع إلى العلم، التقدير الأول: كتابة ذلك قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، عندما خلق الله القلم وهو التقدير الأزلي. الثاني: التقدير العمري، حين أخذ الميثاق يوم قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الثالث: التقدير العمري أيضا عند تخليق النطفة في الرحم. الرابع: التقدير الحولي في ليلة القدر. الخامس: التقدير اليومي، وهو تنفيذ كل ذلك إلى مواضعه. [دليل التقدير الأزلي] س: ما دليل التقدير الأزلي؟ جـ: قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] الآيات، وفي الصحيح: قال النبي ﷺ :

стр. 80

«كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال وعرشه على الماء» (١) وقال ﷺ : «إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب فقال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة» (٢) . الحديث في السنن، وقال ﷺ : «يا أبا هريرة جف القلم بما هو كائن» (٣) . الحديث في البخاري، وغير ذلك كثير. [دليل التقدير العمري يوم الميثاق] س: ما دليل التقدير العمري يوم الميثاق؟ جـ: قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآيات، وروى إسحاق بن راهويه «أن رجلا قال: يا رسول الله، أتبتدأ الأعمال أم قد مضى القضاء؟ فقال: " إن الله تعالى لما أخرج ذرية آدم من ظهره أشهدهم على أنفسهم ثم أفاض بهم في كفيه فقال: هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار، فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار» (٤) . وفي الموطأ أن عمر بن الخطاب ﵁ سئل عن هذه الآية

стр. 81

: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] فقال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله ﷺ يسأل عنها فقال رسول الله ﷺ : «إن الله ﵎ خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه حتى استخرج منه ذريته فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون» (١) . الحديث بطوله، وفي الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان فقال: «أتدرون ما هذان الكتابان» ؟ فقلنا، لا يا رسول الله، إلا أن تخبرنا. فقال للذي في يده اليمنى: «هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيه ولا ينقص منهم أبدا» (٢) فقال أصحابه: ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه؟! فقال: «سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل» ، ثم قال رسول الله ﷺ بيده فنبذهما ثم

стр. 82

قال: «فرغ ربكم من العباد فريق في الجنة وفريق في السعير» . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. [دليل التقدير العمري الذي عند أول تخليق النطفة] س: ما دليل التقدير العمري الذي عند أول تخليق النطفة؟ جـ: قال الله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢] وفي الصحيحين قال النبي ﷺ : «إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» (١) . وفيه روايات غير هذه، عن جماعة من الصحابة بألفاظ أخر والمعنى واحد. [دليل التقدير الحولي في ليلة القدر] س: ما دليل التقدير الحولي في ليلة القدر؟ جـ: قال الله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ - أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الدخان: ٤ - ٥] الآيات. وقال ابن عباس ﵄: يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من موت أو حياة ورزق ومطر، حتى الحجاج يقال: يحج فلان، ويحج فلان، وكذا قال الحسن وسعيد بن جبير ومقاتل وأبو عبد الرحمن السلمي وغيرهم.

стр. 83

[دليل التقدير اليومي] س: ما دليل التقدير اليومي؟ جـ: قال الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] وفي صحيح الحاكم: قال ابن عباس ﵄: إن مما خلق الله تعالى لوحا محفوظا من درة بيضاء، دفتاه من ياقوتة حمراء قلمه نور وكتابه نور ينظر فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة أو مرة، ففي كل نظرة منها يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، فذلك قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] (١) . وكل هذه التقادير كالتفصيل من القدر السابق، وهو الأزلي الذي أمر الله تعالى القلم عندما خلقه أن يكتبه في اللوح المحفوظ، وبذلك فسر ابن عمر وابن عباس ﵄ قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] (٢) . وكل ذلك صادر عن علم الله، الذي هو صفته ﵎. [ما يقتضيه سبق المقادير بالشقاوة والسعادة] س: ماذا يقتضيه سبق المقادير بالشقاوة والسعادة؟ جـ: اتفقت جميع الكتب السماوية والسنن النبوية على أن القدر السابق لا يمنع العمل ولا يوجب الاتكال عليه، بل يوجب الجد والاجتهاد والحرص على العمل الصالح، ولهذا لما أخبر النبي ﷺ أصحابه بسبق المقادير وجريانها وجفوف القلم بها قال بعضهم: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل قال: «لا، اعملوا فكل ميسر» ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥] الآية، فالله قدر المقادير وهيأ لها

стр. 84

أسبابا، وهو الحكيم بما نصبه من الأسباب في المعاش والمعاد، وقد يسر كلا من خلقه لما خلقه له في الدنيا والآخرة، فهو مهيأ له ميسر له، فإذا علم العبد أن مصالح آخرته مرتبطة بالأسباب الموصلة إليها كان أشدّ اجتهادا في فعلها والقيام بها وأعظم منه في أسباب معاشه ومصالح دنياه، وقد فقه هذا كل الفقه من قال من الصحابة لما سمع أحاديث القدر: ما كنت أشدّ اجتهادا مني الآن. وقال النبي ﷺ : «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز» (١) . وقال ﷺ لما قيل له: «أرأيت دواء نتداوى به ورقى نسترقيها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: " هي من قدر الله» (٢) . يعني أن الله تعالى قدر الخير والشر وأسباب كل منهما. [دليل المرتبة الثالثة وهي الإيمان بالمشيئة] س: ما دليل المرتبة الثالثة وهي الإيمان بالمشيئة؟ ج: قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] وقال تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا - إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] وقال تعالى: ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩] ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المائدة: ٤٨] ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة: ٢٥٣] ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ [محمد: ٤] وقال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]

стр. 85

﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] وغير ذلك من الآيات ما لا يحصى. وقال ﷺ : «قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفها كيف يشاء» (١) وقال ﷺ في نومهم في الوادي: «إن الله تعالى قبض أرواحكم حين شاء وردها حين شاء» (٢) وقال: «اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء» (٣) «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا ما شاء الله وحده» ، وقال ﷺ : «من يرد الله تعالى به خيرا يفقهه في الدين» (٤) «وإذا أراد الله تعالى رحمة أمة قبض نبيها قبلها، وإذا أراد الله هلكة أمة عذبها ونبيها حي» (٥) . وغير ذلك من الأحاديث في ذكر المشيئة والإرادة ما لا يحصى. [الإرادة في النصوص جاءت على معنيين] س: قد أخبرنا الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله وبما علمنا من صفات أنه يحب المحسنين والمتقين والصابرين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا يحب الكافرين ولا الظالمين ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد، مع كون كل ذلك بمشيئة الله وإرادته وأنه لو شاء لم يكن ذلك فإنه لا يكون في ملكه ما لا يريد، فما الجواب لمن قال: كيف يشاء ويريد ما لا يرضى به ولا يحبه؟

стр. 86

جـ: اعلم أن الإرادة في النصوص جاءت على معنيين: إرادة كونية قدرية وهي المشيئة ولا ملازمة بينها وبين المحبة والرضا بل يدخل فيها الكفر والإيمان والطاعات والعصيان والمرضيّ والمحبوب والمكروه وضده، وهذه الإرادة ليس لأحد خروج منها ولا محيص عنها كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة: ٤١] الآيات، وغيرها. وإرادة دينية شرعية مختصة بمراضي الله ومحابه، وعلى مقتضاها أمر عباده ونهاهم كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦] وغيرها من الآيات، وهذه الإرادة لا يحصل اتباعها إلا لمن سبقت له بذلك الإرادة الكونية، فتجتمع الإرادة الكونية والشرعية في حق المؤمن الطائع وتنفرد الكونية في حق الفاجر العاصي، فالله سبحانه دعا عباده عامة إلى مرضاته، وهدى لإجابته من شاء منهم كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] فعمم سبحانه الدعوة وخص الهداية بمن شاء ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ [النجم: ٣٠] [دليل المرتبة الرابعة من الإيمان بالقدر وهي مرتبة الخلق] س: ما دليل المرتبة الرابعة من الإيمان بالقدر وهي مرتبة الخلق؟ جـ: قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] وقال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣] وقال

стр. 87

تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١] وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠] وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] وقال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا - فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ٨] وقال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٨] وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧] وغير ذلك من الآيات، وللبخاري في خلق أفعال العباد عن حذيفة مرفوعا: «أن الله يصنع كل صانع وصنعته» (١) وقال النبي ﷺ : «اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها إنك وليها ومولاها» (٢) وغير ذلك من الأحاديث. [معنى قول النبي ﵇ والخير كله في يديك والشر ليس إليك] س: ما معنى قول النبي ﷺ : «والخير كله في يديك والشر ليس إليك» (٣) مع أن الله سبحانه خالق كل شيء؟ جـ: معنى ذلك أن أفعال الله كلها خير محض من حيث اتصافه بها وصدورها عنه ليس فيها شر بوجه، فإنه تعالى حكم عدل وجميع أفعاله حكمة وعدل يضع الأشياء مواضعها اللائقة بها كما هي معلومة عنده ، وما كان في نفس المقدور من شر فمن جهة إضافته إلى العبد لما يلحقه من المهالك، وذلك بما كسبت يداه جزاءا وفاقا، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]

стр. 88

وقال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤] [للعباد قدرة على أعمالهم ولهم مشيئة وإرادة] س: هل للعباد قدرة ومشيئة على أفعالهم المضافة إليهم؟ جـ: نعم للعباد قدرة على أعمالهم، ولهم مشيئة وإرادة، وأفعالهم تضاف إليهم حقيقة وبحسبها كلفوا وعليها يثابون ويعاقبون، ولم يكلفهم الله إلا وسعهم، وقد أثبت لهم ذلك في الكتاب والسنة ووصفهم به، ولكنهم لا يقدرون إلا على ما أقدرهم الله عليه، ولا يشاءون إلا أن يشاء الله، ولا يفعلون إلا بجعله إياهم فاعلين، كما تقدم في نصوص المشيئة والإرادة والخلق، فكما لم يوجدوا أنفسهم لم يوجدوا أفعالهم، فقدرتهم ومشيئتهم وإرادتهم وأفعالهم تابعة لقدرته ومشيئته وإرادته وفعله، إذ هو خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم ومشيئتهم وأفعالهم، وليس مشيئتهم وإرادتهم وقدرتهم وأفعالهم هي عين مشيئة الله وإرادته وقدرته وأفعاله، كما ليس هم إياه، تعالى الله عن ذلك، بل أفعالهم المخلوقة لله قائمة بهم لائقة بهم مضافة إليهم حقيقة، وهي من آثار أفعال الله القائمة به اللائقة المضافة إليه حقيقة، فالله فاعل حقيقة، والعبد منفعل حقيقة، والله هاد حقيقة، والعبد مهتد حقيقة، ولهذا أضاف كلا من الفعلين إلى من قام به، فقال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٧٨] فإضافة الهداية إلى الله حقيقة وإضافة الاهتداء إلى العبد حقيقة، فكما ليس الهادي هو عين المهتدي، فكذلك ليس الهداية هي عين الاهتداء، وكذلك يضل الله من يشاء حقيقة وذلك العبد يكون ضالا حقيقة، وهكذا جميع

стр. 89

تصرف الله في عباده، فمن أضاف الفعل والانفعال إلى العبد كفر، ومن أضافه إلى الله كفر، ومن أضاف الفعل إلى الخالق والانفعال إلى المخلوق كلاهما حقيقة، فهو المؤمن حقيقة. [أليس ممكنا في قدرة الله أن يجعل كل عباده مؤمنين] س: ما جواب من قال: أليس ممكنا في قدرة الله أن يجعل كل عباده مؤمنين مهتدين طائعين مع محبته ذلك منهم شرعا؟ جـ: بلى هو قادر على ذلك كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المائدة: ٤٨] الآية، وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] وغيرها من الآيات، ولكن هذا الذي فعله بهم هو مقتضى حكمته وموجب ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته؛ فقول القائل: لم كان من عباده الطائع والعاصي كقول من قال: لم كان من أسمائه الضار النافع، والمعطي والمانع، والخافض الرافع، والمنعم والمنتقم. ونحو ذلك؛ إذ أفعاله تعالى هي مقتضى أسمائه وآثار صفاته، فالاعتراض عليه في أفعاله اعتراض عليه في أسمائه وصفاته، بل وعلى إلهيته وربَوبيته: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ - لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢ - ٢٣] [منزلة الإيمان بالقدر من الدين] س: ما منزلة الإيمان بالقدر من الدين؟ جـ: الإيمان بالقدر نظام التوحيد كما أن الإيمان بالأسباب التي توصل إلى خيره وتحجز عن شره هي نظام الشرع، ولا ينتظم أمر الدين ويستقيم إلا لمن آمن بالقدر وامتثل الشرع، كما قرر النبي ﷺ الإيمان بالقدر ثم قال لمن قال له: «أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: " اعملوا فكل ميسر لما خلق له» ، فمن نفى القدر زاعما منافاته للشرع فقد عطل الله تعالى عن علمه وقدرته وجعل العبد مستقلا بأفعاله

стр. 90

خالقا لها، فأثبت مع الله تعالى خالقا، بل أثبت أن (جميع المخلوقين خالقون) ، ومن أثبته محتجا به على الشرع محاربا له به نافيا عن العبد قدرته واختياره التي منحه الله تعالى إياها وكلفه بحسبها زاعما أن الله كلف عباده ما لا يطاق، كتكليف الأعمى بنقط المصحف، فقد نسب الله تعالى إلى الظلم وكان إمامه في ذلك إبليس لعنه الله تعالى إذ يقول: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] وأما المؤمنون حقا فيؤمنون بالقدر خيره وشره وأن الله خالق ذلك كله، وينقادون للشرع أمره ونهيه ويحكمونه في أنفسهم سرا وجهرا، والهداية والإضلال بيد الله يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله، وهو أعلم بمواقع فضله وعدله ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ [النجم: ٣٠] وله في ذلك الحكمة البالغة والحجة الدامغة، وأن الثواب والعقاب مترتب على الشرع فعلا وتركا على القدر، وإنما يعزون أنفسهم بالقدر عند المصائب، فإذا وفقوا لحسنه عرفوا الحق لأهله فقالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] ولم يقولوا كما قال الفاجر: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] وإذا اقترفوا سيئة قالوا كما قال الأبوان: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] ولم يقولوا كقول الشيطان الرجيم: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] وإذا أصابتهم مصيبة قالوا: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] ولم يقولوا كما قال الذين كفروا: ﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٥٦]

стр. 91

[شعب الإيمان] س: كم شعب الإيمان؟ جـ: قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وقال النبي ﷺ : «الإيمان بضع وستون» ، وفي رواية: «بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» " (١) . س: بم فسر العلماء هذه الشعب؟ جـ: قد عدها جماعة من شراح الحديث وصنفوا فيها التصانيف فأجادوا وأفادوا، ولكن ليس معرفة تعدادها شرطا في الإيمان بل يكفي الإيمان بها جملة، وهي لا تخرج عن الكتاب والسنة، فعلى العبد امتثال أوامرهما واجتناب زواجرهما وتصديق أخبارهما، وقد استكمل شعب الإيمان والذي عددوه حق كله من (أمور الإيمان) ، ولكن القطع بأنه هو مراد النبي ﷺ بهذا الحديث يحتاج إلى توقيف. س: أذكر خلاصة ما عدوه؟ جـ: قد لخص الحافظ في الفتح ما أورده ابن حبان بقوله: إن هذه الشعب تتفرع من أعمال القلب وأعمال اللسان وأعمال البدن، فأعمال القلب المعتقدات والنيات على أربع وعشرين خصلة،

стр. 92

الإيمان بالله، ويدخل فيها الإيمان بذاته وصفاته وتوحيده بأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] واعتقاد حدوث ما دونه والإيمان بملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره، والإيمان باليوم الآخر، ويدخل فيه المسألة في القبر والبعث والنشور والحساب والميزان والصراط والجنة والنار، ومحبة الله والحب والبغض فيه ومحبة النبي ﷺ واعتقاد تعظيمه، ويدخل فيه الصلاة عليه ﷺ واتباع سنته والإخلاص، ويدخل فيه ترك الرياء والنفاق والتوبة والخوف والرجاء والشكر والوفاء والصبر والرضا بالقضاء والتوكل والرحمة والتواضع، ويدخل فيه توقير الكبير ورحمة الصغير وترك التكبر والعجب وترك الحسد وترك الحقد وترك الغضب، وأعمال اللسان، وتشتمل على سبع خصال: التلفظ بالتوحيد وتلاوة القرآن وتعلم العلم وتعليمه، والدعاء والذكر ويدخل فيه الاستغفار واجتناب اللغو وأعمال البدن، وتشتمل على ثمان وثلاثين خصلة منها ما يتعلق بالأعيان وهي خمس عشرة خصلة: التطهر حسا وحكما ويدخل فيه إطعام الطعام وإكرام الضيف، والصيام فرضا ونفلا والاعتكاف والتماس ليلة القدر والحج والعمرة والطواف كذلك، والفرار بالدين ويدخل فيه الهجرة من دار الشرك والوفاء بالنذر والتحري في الإيمان وأداء الكفارات، ومنها ما يتعلق بالاتباع وهي ست خصال: التعفف بالنكاح والقيام بحقوق العيال، وبر الوالدين ويدخل فيه اجتناب العقوق وتربية الأولاد وصلة الرحم وطاعة السادة والرفق بالعبيد، ومنها ما يتعلق بالعامة، وهي سبع عشرة خصلة: القيام بالإمارة مع العدل ومتابعة الجماعة وطاعة أولي الأمر

стр. 93

والإصلاح بين الناس، ويدخل فيه قتال الخوارج والبغاة والمعاونة على البر، ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود والجهاد، ومنه المرابطة وأداء الأمانة، ومنه أداء الخمس والقرض مع وفائه وإكرام الجار وحسن المعاملة، ويدخل فيه جمع المال من حله وإنفاقه في حقه، ويدخل فيه ترك التبذير والإسراف، ورد السلام وتشميت العاطس وكف الضرر عن الناس واجتناب اللهو وإماطة الأذى عن الطريق، فهذه تسع وستون خصلة، ويمكن عدها سبعا وسبعين خصلة باعتبار إفراد ما ضم بعضها إلى بعض مما ذكر، والله أعلم. [دليل الإحسان من الكتاب والسنة] س: ما دليل الإحسان من الكتاب والسنة؟ جـ: أدلته كثيرة منها قوِله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان: ٢٢] ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] وقال النبي ﷺ : «إن الله كتب الإحسان على كل شيء» (١) وقال ﷺ : " «نعما للعبد أن يتوفى يحسن عبادة الله وصحابة سيده نعما له» (٢) . س: ما هو الإحسان في العبادة؟ جـ: فسره النبي ﷺ في حديث سؤال جبريل لما قال له: «فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (٣)

стр. 94

فبين ﷺ أن الإحسان على مرتبتين متفاوتتين، أعلاهما عبادة الله كأنك تراه، وهذا مقام المشاهدة، وهو أن يعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله تعالى بقلبه وهو أن يتنور القلب بالإيمان وتنفذ البصيرة في العرفان حتى يصير الغيب كالعيان، وهذا هو حقيقة مقام الإحسان. الثاني: مقام المراقبة وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه واطلاعه عليه وقربه منه فإذا استحضر العبد هذا في عمله وعمل عليه فهو مخلص لله تعالى؛ لأن استحضاره ذلك في عمله يمنعه من الالتفات إلى غير الله تعالى وإرادته بالعمل، ويتفاوت أهل هذين المقامين بحسب نفوذ البصائر. [ما يضاد الإيمان] س: ما هو ضد الإيمان؟ جـ: ضد الإيمان الكفر، وهو أصل له شعب، كما أن الإيمان أصل له شعب، وقد عرفت مما تقدم أن أصل الإيمان هو التصديق الإذعاني المستلزم للانقياد بالطاعة، فالكفر أصله الجحود والعناد المستلزم للاستكبار والعصيان، فالطاعات كلها من شعب الإيمان وقد سمى في النصوص كثير منها إيمانا كما قدمنا، والمعاصي كلها من شعب الكفر وقد سمى في النصوص كثير منها كفرا كما سيأتي، فإذا عرفت هذا عرفت أن الكفر كفران، كفر أكبر يخرج من الإيمان بالكلية وهو الكفر الاعتقادي المنافي لقول القلب وعمله أو لأحدهما، وكفر أصغر ينافي كمال الإيمان ولا ينافي مطلقه وهو الكفر العملي، الذي لا يناقض قول القلب ولا عمله ولا يستلزم ذلك. [كيفية منافاة الكفر الاعتقادي للإيمان بالكلية] س: بين كيفية منافاة الكفر الاعتقادي للإيمان بالكلية وفصل ليّ ما أجملته في إزالته إياه؟ .

стр. 95

جـ: قد قدمنا لك أن الإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، فقول القلب هو: التصديق، وقول اللسان هو: التكلم بكلمة الإسلام، وعمل القلب هو: النية والإخلاص، وعمل الجوارح هو الانقياد بجميع الطاعات، فإذا زالت جميع هذه الأربعة قول القلب وعمله وقول اللسان وعمل الجوارح زال الإيمان بالكلية، وإذا زال تصديق القلب لم تنفع البقية، فإن تصديق القلب شرط في اعتقادها وكونها نافعة، وذلك كمن كذب بأسماء الله وصفاته أو بأي شيء مما أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه، وإنزال عمل القلب مع اعتقاد الصدق، فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان كله بزواله وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب، وهو محبته وانقياده كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول بل ويقرون به سرا وجهرا ويقولون: ليس بكاذب ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به. [أقسام الكفر الأكبر المخرج من الملة] س: كم أقسام الكفر الأكبر المخرج من الملة؟ جـ: علم مما قدمناه أنه أربعة أقسام: كفر الجهل والتكذيب ، وكفر جحود، وكفر عناد واستكبار، وكفر نفاق. [كفر الجهل والتكذيب] س: ما هو كفر الجهل والتكذيب؟ جـ: هو ما كان ظاهرا وباطنا كغالب الكفار من قريش ومن قبلهم من الأمم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٧٠] وقال تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ - حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٣ - ٨٤] الآيات

стр. 96

وقال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩] الآيات، وغيرها. س: ما هو كفر الجحود؟ جـ: هو ما كان بكتمان الحق وعدم الانقياد له ظاهرا مع العلم به ومعرفته باطنا ككفر فرعون وقومه بموسى، وكفر اليهود بمحمد ﷺ . قال الله تعالى في كفر فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] وقال تعالى في اليهود: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] : ما هو كفر العناد والاستكبار؟ جـ: هو ما كان بعدم الانقياد للحق مع الإقرار به ككفر إبليس؛ إذ يقول الله تعالى فيه: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [ص: ٧٤] وهو لم يمكنه جحود أمر الله بالسجود ولا إنكاره، وإنما اعترض عليه وطعن في حكمه الآمر به وعدله وقال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] وقال: ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣] وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] [كفر النفاق] س: ما هو كفر النفاق؟ جـ: هو ما كان بعدم تصديق القلب وعمله مع الانقياد ظاهرا رئاء الناس، ككفر ابن سلول وحزبه الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ - يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ - فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ٨ - ١٠] إلى قوله تعالى:

стр. 97

﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠] وغيرها من الآيات. [الكفر العملي الذي لا يخرج من الملة] س: ما هو الكفر العملي الذي لا يخرج من الملة؟ جـ: هو كل معصية أطلق عليها الشارع اسم الكفر مع بقاء اسم الإيمان على عامله، كقول النبي ﷺ : «لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض» (١) وقوله ﷺ : «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» " (٢) فأطلق ﷺ على قتال المسلمين بعضهم بعضا أنه كفر، وسمى من يفعل ذلك كفارا، مع قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] فأثبت الله تعالى لهم الإيمان وأخوة الإيمان ولم ينف عنهم شيئا من ذلك. وقال تعالى في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] فأثبت تعالى له أخوة الإسلام ولم ينفها عنه، قال النبي ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، والتوبة معروضة بعد» . زاد في رواية: «ولا يقتل وهو مؤمن - وفي رواية - ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم» (٣) . الحديث في الصحيحين مع حديث أبي ذر فيهما أيضا، قال ﷺ : «ما من عبد قال لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة " قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: " وإن زنى وإن سرق ثلاثا، ثم قال في الرابعة: " على رغم أنف أبي

стр. 98

ذر» (١) . فهذا يدل على أنه لم ينف عن الزاني والسارق والشارب والقاتل مطلق الإيمان بالكلية مع التوحيد فإنه لو أراد ذلك لم يخبر بأن من مات على لا إله إلا الله دخل الجنة وإن فعل تلك المعاصي، فلن يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، وإنما أراد بذلك نقص الإيمان ونفي كماله، وإنما يكفر العبد بتلك المعاصي مع استحلاله إياها المستلزم لتكذيب الكتاب والرسول في تحريمها بل يكفر باعتقاد حلها وإن لم يفعلها، والله أعلم. [السجود للصنم والاستهانة بالكتاب وسب الرسول والهزل بالدين] س: إذا قيل لنا: هل السجود للصنم والاستهانة بالكتاب وسب الرسول والهزل بالدين ونحو ذلك هذا كله من الكفر العملي فيما يظهر، فلم كان مخرجا من الدين وقد عرفتم الكفر الأصغر بالعملي؟ جـ: اعلم أن هذه الأربعة وما شاكلها ليس هي من الكفر العملي إلا من جهة كونها واقعة بعمل الجوارح فيما يظهر للناس ولكنها لا تقع إلا مع ذهاب عمل القلب من نيته وإخلاصه ومحبته وانقياده، لا يبقى معها شيء من ذلك، فهي وإن كانت عملية في الظاهر فإنها مستلزمة للكفر الاعتقادي ولا بد، ولم تكن هذه لتقع إلا من منافق مارق أو معاند مارد، وهل حمل المنافقين في غزوة تبوك على أن ﴿قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] إلا ذلك مع قولهم لما سئلوا: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥] قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ - لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] ونحن لم نعرف الكفر الأصغر بالعملي مطلقا، بل

стр. 99

بالعملي المحض الذي لم يستلزم الاعتقاد ولم يناقض قول القلب ولا عمله. [أقسام الظلم والفسوق والنفاق] س: إلى كم ينقسم كل من الظلم والفسوق والنفاق؟ جـ: ينقسم كل منهما إلى قسمين: أكبر هو الكفر، وأصغر دون ذلك. [مثال كل من الظلم الأكبر والأصغر] س: ما مثال كل من الظلم الأكبر والأصغر؟ جـ: مثال الظلم الأكبر ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] ومثال الظلم الذي دون ذلك ما ذكر الله تعالى بقوله في الطلاق: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٣١] [مثال الفسوق الأكبر والأصغر] س: ما مثال كل من الفسوق الأكبر والأصغر؟ جـ: مثال الفسوق ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧] وقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] وقوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٤] ومثال الفسوق الذي دون ذلك قوله تعالى في القذفة: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] روي أنها

стр. 100

نزلت في الوليد بن عقبة. [مثال النفاق الأكبر والأصغر] س: ما مثال كل من النفاق الأكبر والأصغر؟ جـ: مثال النفاق الأكبر ما قدمنا ذكره في الآيات من صدر البقرة، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] إلى قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] الآيات، وقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] وغير ذلك من الآيات، ومثال النفاق الذي دون ذلك ما ذكره النبي ﷺ بقوله: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» (١) . وحديث: «أربع من كن فيه كان منافقا» (٢) الحديث. [حكم السحر والساحر] س: ما حكم السحر والساحر؟ جـ: السحر متحقق وجوده وتأثيره مع مصادفة القدر الكوني، كما قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ﴾ [البقرة: ١٠٢] وتأثيره ثابت في الأحاديث الصحيحة، وأما الساحر فإن كان سحره مما يتلقى عن الشياطين، كما نصت عليه آية البقرة فهو كافر، لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] إلى قوله: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] الآيات.

стр. 101

[حد الساحر] س: ما حد الساحر؟ جـ: روى الترمذي عن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : «حد الساحر ضربه بالسيف» (١) وصحح وقفه وقال العمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وهو قول مالك بن أنس، وقال الشافعي رحمه الله تعالى: إنما يقتل الساحر إذا كان يعمل من سحره ما يبلغ الكفر فأما إذا عمل دون الكفر فلم ير عليه قتلا، وقد ثبت قتل الساحر عن عمر وابنه عبد الله وابنته حفصة، وعثمان بن عفان، وجندب بن عبد الله، وجندب بن كعب، وقيس بن سعد، وعمر بن عبد العزيز، وأحمد، وأبي حنيفة وغيرهم ﵏. [تعريف النشرة وبيان حكمها] س: ما هي النشرة وما حكمها؟ جـ: النشرة هي حل السحر عن المسحور فإن كان ذلك بسحر مثله فهي من عمل الشيطان، وإن كانت بالرقى والتعاويذ المشروعة فلا بأس بذلك. [الرقى المشروعة] س: ما هي الرقى المشروعة؟ جـ: هي ما كانت من الكتاب والسنة خالصة وكانت باللسان العربي،

стр. 102

واعتقد كل من الراقي والمرتقي أن تأثيرها لا يكون إلا بإذن الله ، «فإنَّ النبي ﷺ قد رقاه جبريل ﵇» (١) ورقى هو كثيرا من الصحابة وأقرهم على فعلها بل وأمرهم بها وأحل لهم أخذ الأجرة عليها، كل ذلك في الصحيحين وغيرهما. [الرقى الممنوعة] س: ما هي الرقى الممنوعة؟ جـ: هي ما لم تكن من الكتاب ولا السنة، ولا كانت بالعربية، بل هي من عمل الشيطان واستخدامه والتقرب إليه بما يحبه، كما يفعله كثير من الدجاجلة والمشعوذين والمخرفين وكثير ممن ينظر في كتب الهياكل والطلاسم كشمس المعارف، وشموس الأنوار وغيرهما مما أدخله أعداء الإسلام عليه وليست منه في شيء، ولا من علومه في ظل ولا فيء، كما بيناه في شرح السلم وغيره. [حكم التعاليق من التمائم والأوتار والحلق والخيوط والودع ونحوها] س: ما حكم التعاليق من التمائم والأوتار والحلق والخيوط والودع ونحوها؟ جـ: قال النبي ﷺ : «من علق شيئا وكل إليه» (٢) . «وأرسل ﷺ في بعض أسفاره رسولا أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت» (٣) وقال ﷺ : «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» (٤) وقال ﷺ :

стр. 103

«من علق تميمة فلا أتم الله له، ومن علق ودعة فلا ودع الله له» (١) وفي رواية: «من تعلق تميمة فقد أشرك» (٢) «وقال ﷺ للذي رأى في يده حلقة من صفر: " ما هذا "؟ فقال: من الواهنة. قال: " انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا» (٣) وقطع حذيفة ﵁ خيطا من يد رجل، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] وقال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: (من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة) (٤) وهذا في حكم المرفوع.

стр. 104

[حكم التعاليق من القرآن] س: ما حكم المعلق إذا كان من القرآن؟ جـ: يروى جوازه عن بعض السلف، وأكثرهم على منعه كعبد الله بن عكيم، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن مسعود وأصحابه ﵃ وهو الأولى، لعموم النهي عن التعليق، ولعدم شيء من المرفوع يخصص ذلك، ولصون القرآن عن إهانته إذ قد يحملونه غالبا على غير طهارة، ولئلا يتوصل بذلك إلى تعليق غيره، ولسد الذريعة عن اعتقاد المحظور والتفات القلوب إلى غير الله ، لا سيما في هذا الزمان. [حكم الكهان] س: ما حكم الكهان؟ جـ: الكهان من الطواغيت وهم أولياء الشياطين الذين يوحون إليهم كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١] الآية، ويتنزلون عليهم ويلقون إليهم الكلمة من السمع فيكذبون معها مائة كذبة كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ - تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ - يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣] وقال ﷺ في حديث الوحي: " «فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض، فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة» (١) . الحديث في الصحيح بكماله، ومن ذلك الخط بالأرض الذي يسمونه ضرب الرمل، وكذا الطرق بالحصى ونحوه.

стр. 105

[حكم من صدق كاهنا] س: ما حكم من صدق كاهنا؟ جـ: قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] الآية، وقال تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] وقال تعالى: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ [النجم: ٣٥] وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] وقال النبي ﷺ : «من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » (١) وقال ﷺ : «من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوما» (٢) . [حكم التنجيم] س: ما حكم التنجيم؟ جـ: قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥] وقال تعالى: ﴿وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤] وقال النبي ﷺ : «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد» (٣) . وقال النبي ﷺ : «إنما أخاف على أمتي التصديق بالنجوم والتكذيب بالقدر وحيف الأئمة» (٤) وقال ابن عباس ﵄

стр. 106

في قوم يكتبون أبا جاد وينظرون في النجوم: " ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق " (١) وقال قتادة رحمه الله تعالى: خلق الله هذه النجوم لثلاث زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك فقد أخطأ حظه وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به (٢) . [حكم الاستسقاء بالأنواء] س: ما حكم الاستسقاء بالأنواء؟ جـ: قال الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] وقال النبي ﷺ : «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالأنواء، والنياحة» (٣) وقال ﷺ : «وقال الله تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب» (٤) . [حكم الطيرة وما يذهبها] س: ما حكم الطيرة وما يذهبها؟ جـ: قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١] وقال النبي ﷺ : «لا

стр. 107

عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر» (١) وقال ﷺ : «الطيرة شرك، الطيرة شرك» . قال ابن مسعود وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل (٢) وقال ﷺ : «إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك» (٣) ولأحمد من حديث عبد الله بن عمرو: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك " قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: " أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك» (٤) وقال النبي ﷺ : «أصدقها الفأل ولا ترد مسلما، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات

стр. 108

إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك» (١) . [حكم العين] س: ما حكم العين؟ جـ: قال النبي ﷺ : «العين حق» (٢) «ورأى ﷺ جارية في وجهها سفعة فقال: " استرقوا لها فإن بها النظرة» (٣) وقالت عائشة ﵂: «أمرني النبي ﷺ أو أمر النبي ﷺ أن يسترقى من العين» (٤) وقال ﷺ : «لا رقية إلا من عين أو حمة» (٥) . وكلها في الصحيح، وفيها أحاديث غير ما ذكرنا كثيرة، ولا تأثير لها إلا بإذن الله، وقد فسر بها قوله : ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ [القلم: ٥١] عن كثير من السلف ﵃. [أقسام المعاصي وبماذا تكفر السيئات] س: إلى كم قسم تنقسم المعاصي؟ جـ: تنقسم إلى صغائر هي السيئات، وكبائر هي الموبقات. س: بماذا تكفر السيئات؟ جـ: قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] فأخبرنا الله تعالى أن السيئات تكفر

стр. 109

باجتناب الكبائر وبفعل الحسنات، وكذلك جاء في الحديث: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها» (١) وكذلك جاء في الأحاديث الصحيحة أن إسباغ الوضوء على المكاره، ونقل الخطا إلى المساجد والصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان وقيام ليلة القدر وصيام عاشوراء وغيرها من الطاعات أنها كفارات للسيئات والخطايا، وأكثر تلك الأحاديث فيها تقييد ذلك باجتناب الكبائر، وعليه يحمل المطلق منها فيكون اجتناب الكبائر شرطا في تكفير الصغائر بالحسنات وبدونها. [تعريف الكبائر] س: ما هي الكبائر؟ جـ: في ضابطها أقوال للصحابة والتابعين وغيرهم فقيل: هي كل ذنب ترتب عليه حد، وقيل: هي كل ذنب أتبع بلعنة أو غضب أو نار أو أي عقوبة، وقيل: هي كل ذنب يشعر فعله بعدم اكتراث فاعله بالدين وعدم مبالاته به وقلة خشيته من الله، وقيل غير ذلك، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة تسمية كثير من الذنوب كبائر على تفاوت درجاتها فمنها كفر أكبر كالشرك بالله والسحر، ومنها عظيم من كبائر الإثم والفواحش وهو دون ذلك كقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق والتولي يوم الزحف وأكل الربا وأكل مال اليتيم وقول الزور، ومنه قذف المحصنات الغافلات المؤمنات وشرب الخمر وعقوق

стр. 110

الوالدين وغير ذلك، وقال ابن عباس ﵄: " هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع) (١) اهـ. ومن تتبع الذنوب التي أطلق عليها أنها كبائر وجدها أكثر من السبعين، فكيف إذا تتبع جميع ما جاء عليه الوعيد الشديد في الكتاب والسنة من إتباعه بلعنة أو غضب أو عذاب أو محاربة أو غير ذلك من ألفاظ الوعيد، فإنه يجدها كثيرة جدا. [ما تكفر به جميع الصغائر والكبائر] س: بماذا تكفر جميع الصغائر والكبائر؟ جـ: تكفر جميعها بالتوبة النصوح، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التحريم: ٨] وعسى من الله محققة، وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] الآيات، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ - أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [آل عمران: ١٣٥ - ١٣٦] الآيات وغيرها، وقال النبي ﷺ : «التوبة تجب ما قبلها» ، وقال ﷺ : «لله أفرح بتوبة عبده من رجل نزل منزلا وبه مهلكة ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته حتى اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله قال: أرجع إلى مكاني فنام نومة ثم رفع رأسه، فإذا
следующие страницы →