← Акыда

Акыда · id 30868

مصباح الظلام في الرد على من كذب الشيخ الإمام ونسبه إلى تكفير أهل الإيمان والإسلام

عبد اللطيف آل الشيخ

Полный текст (590 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ومراده: أن السكوت سائغ في أصول الإيمان وفروعه، حتى ما دلت عليه كلمة الإخلاص، ولم يفرق بين ما يسوغ السكوت فيه (١) وما لا يسوغ (٢) . وقول أحمد ومالك صريح في أنه لا يسوغ السكوت، وإنما يترك الخصام بعد التعريف والبيان، وهذا يشهد لكلام الشيخ ويؤيده، فإن (٣) الشيخ ﵀ يأمر بالتصريح والبيان؛ وينهى عن الخصام والمراء والهذيان. والرسل عليهم الصلاة والسلام (٤) لم يسكتوا عن الدعوة والإبلاغ لما أرسلوا به حيث لم يقبل منهم، بل استمروا على ذلك حتى أتاهم أمر الله. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ - وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤ - ٣٥] (٥) [الأنعام ٣٤، ٣٥] . وأصل الإسلام ومبانيه لها حال وشأن ليس لغيرها من السنن؛ ولذلك يكفر جاحدها، ويقاتل عليها، بل يكفر تاركها عند جمهور السلف بمجرد الترك، أفيسوغ السكوت للعالم عن إبلاغ الجهال وتعليمهم؟ .

стр. 107

قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] الآية [النحل / ١٢٥] . وقال: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] [العنكبوت / ٤٦] . وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨] (١) الآية [يوسف / ١٠٨] . وقال تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢] [الفرقان / ٥٢.] . وفي (٢) الحديث: " «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» " (٣) . سبحان الله! ما أقبح ما (٤) تلاعب الشيطان بابن آدم. ألا هل عم في رأيه متأمل ... وهل مُدْبر بعد الإساءة مقبل وهل أمة مستيقظون لرشدهم ... فيكشف عنه النعسة (٥) المتزمل فقد طال هذا الغي واستخرج الكرى ... مساويهمو لو أن ذا الميل يعدل

стр. 108

[فصل بيان أن الأحكام تبنى على قواعد وأصول الشريعة لا على ظواهر الأحوال] فصل [٣٩] قال المعترض: (وهذا الرجل (١) خرج في بلد قد (٢) غلب عليها أحكام الإسلام، وشيدوا منارهم لداعي الفلاح؛ وعمروا مساجدهم ومدارسهم بالأوقاف، مظهرين لشعائر الإسلام بعلمائهم؛ فكفَّرهم وحكم على من لم يصرِّح بعداوتهم بالكفر، كما تراه من كلامه صريحا، فلو قدَّر أنهم فعلوا منكرا من الشرك فما دونه كيف يكفر من لم يصرح بعداوتهم؟ إذ لا يكون التصريح إلا باليد واللسان؛ ولم يفعل ذلك جعفر وأصحابه ﵃ (٣) مع الذين جعلوا الله ثالث ثلاثة، وكذلك النجاشي. وهذا ظاهر بحمد الله من الكتاب والسنَّة ظهورا لا خفاء به؛ ضد ما كفَّر به هذا الرجل الأمة لو كان تأصيله صحيحا. كيف وهو (٤) أفسد الفاسد وأبطل الباطل؟) . والجواب أن يقال: تقدَّم مضمون هذا الكلام مكررا، فما وجه إيراده وتكريره؟ وقد مرَّ جوابه بحمد الله مفصلا، ومن أفلس من الحجج

стр. 109

والبينات، أكثرَ من الترداد والهذيان، ولم يذكر هنا من أدلة إسلامهم إلا تشييد المنار، وعمارة المساجد والمدارس بالأوقاف، وقد تقدَّم الجواب عن هذا، وأن بني حنيفة وبني عبيد القداح والمختار بن أبي (١) عبيد؛ بل والتتار عندهم مساجد ومدارس، ولهم صدقات وأوقاف، والإيمان بالله ورسوله، والكفر بالطاغوت، أمر وراء ذلك كله، لا يدركه إلا من سبقت له السعادة، وعقل عن الله خطابه ومراده، مع أن هذا الشيخ لم يُكفِّر من أهل نجد إلا من قام وجدَّ في إطفاء نور الله، وإنكاره توحيده، ومن جحد البعث من بواديهم وأعرابهم، ولم يُكفّر (٢) إلا بعد قيام الحجة وظهور الدليل على الإيمان بالله ورسله، ووجوب الكفر بما عبد من دونه، فالخصومة في الأصل الأصيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وأما قوله: (مظهرين لشعائر الإسلام بعلمائهم) . فهي عبارة جاهل (٣) فإن العلماء لا يلزم من وجودهم وجود الإسلام في الناس، ولا يلزم من عدمهم عدمه، والأنبياء وجدوا في الأمم السابقة الذين لم يستجيبوا لهم ولم يؤمنوا، ووجد من العلماء (٤) المؤمنين كثير بين أظهر المشركين وهم معدودون (٥) من المستضعفين المعذورين. وإن أراد أن الباء سببية، وأن المراد (٦) أظهروه بسبب العلماء، [٤٠] ،

стр. 110

فأي مزية في هذا لو فرضت صحته؟ مع أن الخصم يمنعه؟ وأحكام الإسلام إنما تؤخذ عن العلماء. وأما قوله: (وحكم على من لم يصرّح بعداوتهم بالكفر) . فهو كذب لم يقل هذا في أهل نجد كافة، ولا في أهل بلد خاصة، بل هو مستمسك (١) بأصل عظيم، وسلطان مبين، وكلامه وتقريره في وجوب عداوة المشركين الذين يحادون الله ورسوله، وليس في كلامه تعرض لأهل البلد التي ظهر فيها، لا تصريحا ولا إشارة، بل كلامه عام، كما أن دليله الذي استدلَّ به (٢) عام، فهو بحمد الله من الراسخين، لا من المتهوكين الجاهلين. وقوله (٣) (فلو قدر أنهم فعلوا منكرا من الشرك فما دونه كيف (٤) يكفر من لم يصرح بعداوتهم؟) . يقال: قد تقدم مرارا أن الشيخ ﵀ لم يُكفر، وإنما قال: (لا يستقيم إسلام إلا بالتصريح بعداوة المشركين) ، فأين في هذا تكفيرهم لولا حجاب الجهل والهوى (٥) الذي أورد المعترض موارد الخسار والردى. وقوله: (ولم يفعل ذلك جعفر وأصحابه) .

стр. 111

تقدم ما فيه، وأنه كذب على المهاجرين الأولين، ونسبهم إلى مداهنة المشركين ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] [الشعراء / ٢٢٧] . وقوله: (لو كان تأصيله صحيحا، كيف وهو أفسد الفاسد (١) وأبطل الباطل؟) . جوابه أن يقال: إن معرفة الفاسد، وإدراك بطلان الباطل يتوقف على أمرين: أحدهما: حياة القلب. والثاني: معرفته وعلمه بالحق والباطل، والصحيح والفاسد، والصواب والخطأ. ومن (٢) نظر في كلام هذا الرجل من أهل العلم والإيمان تيقن موت قلبه، وأنه لا يدرك الحسيَّات والضروريات من أمر دينه. قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] [فاطر / ٢٢] . وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩] [الرعد / ١٩] . ، والآيات في المعنى كثيرة، وإذا عدم العلم والنور، وأضيف إلى ذلك العداوة والبهت ونحوهما من الشرور، فمن أي باب يأتي العلم والتوفيق والتمييز بين الطيب والخبيث، والصالح والفاسد، والباطل [٤١] ، والحق، والخطأ والصواب؟ .

стр. 112

قال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا (١) عَامِلُونَ﴾ [فصلت: ٥] [فصلت / ٥] . [استقامة الإسلام بالتزام الواجبات] ثم ساق المعترض كلامًا لشيخ الإسلام فيمن بلغته دعوة الرسول ﷺ في دار الكفر، فآمن به واتقى الله ما استطاع، وأنه مؤمن من أهل الجنة، وكلام تقي الدين أبي العباس (٢) يؤيد ما ذكره شيخنا ﵀، فإنه قال (٣) (إذا اتقى الله ما استطاع، كما فعل النجاشي وغيره ممن لم يهاجر ولم تبلغه جميع شرائع (٤) الإسلام) وهذا حق؛ والشيخ يقول به، ولا يكلف العبد فوق طاقته، ولا بما لم يبلغه من الشرائع، [فهذا] (٥) إذا لم يكن عنده من يعلمه. وفي كلام الشيخ: (أن يوسف ﵇ دعاهم فلم يجيبوه، وكذلك النجاشي لم يطيعوه في الدخول في الإسلام) ، وهذا كله يؤيد كلام شيخنا، ويشهد بكذب المعترض على النجاشي، وعلى مؤمن آَل فرعون، وامرأة فرعون، وعلى المهاجرين إلى الحبشة. وشيخنا لم يقل: (إنه لا يستقيم إسلام النجاشي وأمثاله) ، وليس لهم ذكر في كلامه، والكلام في قاعدة أصلية (٦) كلية، وهي: استقامة الإسلام بالتزام الواجبات وعدمها بعدم بعضها. هذا كلامه ﵀.

стр. 113

[الإنسان لا يكلف إلا ما يستطيع] وقول الشيخ تقيّ الدين في النجاشي: (إنه لم يهاجر، ولم يجاهد (١) ولا حجَّ؛ بل قد روى (٢) ولم يكن يصلي الصلوات (٣) الخمس) إلى آخر كلام الشيخ ﵀، فسياقه في (٤) أن الإنسان لا يكلِّف إلا ما يستطيع لا بما لا يعلم أو بما (٥) يعجز عنه. قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] [البقرة / ٢٨٦] . والوسع (٦) دون الطاقة، هذا مراد الشيخ. فأين فيه أن عداوة المشركين لا يجب التصريح بها (أو أن (٧) الإسلام يستقيم بدون ذلك؟ غايته أن يُعذر بالعجز عن التصريح) (٨) وشيخنا ﵀ كلامه في حال القدرة والاستطاعة، لا في حال العجز وعدم العلم. وقد مر البيان أن شيخنا يطلق حيث أطلق القرآن. قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (٩) يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] [المجادلة / ٢٢] .

стр. 114

وقوله: (قوما) نكرة في سياق النفي فتعم، وهذا من فقه الشيخ [٤٢] ، ﵀، حيث يطلق ما أطلقه القرآن ويقيد ما قيده (١) والعاجز له حال غير حال القادر، وحكم سوى حكمه. فإن كان يلزم من الآية ونصها الذي هو أشد وأبلغ من كلام الشيخ وقوله: (لا يستقيم إسلام إلا بالتصريح بعداوة المشركين) فإن كانت الآية تدل (٢) على كفر النجاشي، ومهاجرة (٣) الحبشة، ومن ذكر هذا المعترض، فكلام الشيخ يدل على ذلك، وإن لم تدل على (٤) . نفي الإيمان عمن واد المحادين لله ورسوله فكلام الشيخ أولى؛ لأن الآية فيها نفي الإيمان (٥) وكلام الشيخ غاية ما فيه عدم استقامة الإسلام، وما أجيب به عن الآية يجاب به عن (٦) كلام الشيخ، فتأمله فإنه مفيد جدًّا. ومثل هذا قول الشيخ (٧) (وكثيرا ما يتولَّى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيا، بل وإماما وفي نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها فلا يمكنه، بل هناك ما يمنعه ولا يكلّف الله نفسا إلا وسعها) . فإن هذا الكلام غايته أن يدل على أن (٨) التكاليف بحسب الوسع، وليس في كلام شيخنا ما يخالف هذا.

стр. 115

وأيضا: فكلام تقي الدين فرضه ومحله في الواجبات التي هي دون أصل الدين، ودون عيب الشرك والتنديد، وليس في كلامه أن الرجل يخفي إسلامه ويتولَّى قاضيا، وبأي شيء حينئذٍ يحكم؟ فالمحتج به على كتمان أصل الإسلام ملبوس عليه لا يفرق بين الأحكام ولا يدري معنى الكلام. وأما قول المعترض: (وكفر (١) بترك الهجرة إليه) . فقد تقدم كلام الشيخ بنقل العدول الثقات أنه بريء من هذا، وأن نسبته إليه من البهت. والشيخ لا يرى أن الهجرة شرط في الإسلام، وإن قال به بعض الأعلام، فالشيخ لا يخرج عن قول جمهور الأمة وأئمتها، والمعترض يخترع (٢) أقوالا كاذبة وآراء فاسدة وينسبها إلى الشيخ، ثم يأخذ في التفريع عليها، وأن القول بها قول الخوارج. وقد صنف رسالة في أن أتباع الشيخ خوارج كما صرح به هنا. وهكذا حال كل مبتدع ومبطل يخوض (٣) بغير علم ولا عدل، ومن أمعن النظر في كلامه وجده كسراب بقيعة، يحسبه الظمآَن ماء حتى إذا [٤٣] ، جاءه لم يجده شيئا. وقد ذكر ابن القيِّم وغيره، أن عُبَّاد القبور والمشايخ نسبوا أهل

стр. 116

التوحيد والسنة إلى بدعة الخوارج وطريقتهم (١) فالداء قديم ورثه هذا وأمثاله عن الغلاة في عبادة الصالحين وعبادة الشياطين ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة: ١١٣] [البقرة / ١١٣] . والخوارج كفَّرت بأمور ظنَّتها ذنوبا وليست كذلك، وبذنوب محققة دون الشرك والتنديد، وأما الرسل وأتباع الرسل فكفَّروا من لم يؤمن بالله، أي: بربوبيته، وإلهيَّته، وتوحيده، وإفراده بالعبادة، ومن جعل له ندًّا يدعوه ويعبده، ويستغيث به ويتوكَّل عليه ويعظّمه، كما فعلت الجاهلية من العرب، ومشركوا (٢) أهل الكتاب، فتكفير هؤلاء ومن ضاهاهم وشابههم ممن أتى بقول أو فعل يتضمَّن العدل بالله، وعدم الإيمان بتوحيده وربوبيته وإلهيته وصفات كماله، والإيمان برسله (٣) وملائكته، وكتبه، والإيمان بالبعث بعد الموت، وكل ما شابه هذا من الذنوب المكفرة كما نصَّ عليه علماء الأمة، وبسطوا القول فيه، حتى كفَّروا من أنكر فرعا مجمعا عليه إجماعا قطعيا، كما مرَّت حكايته عن الحنابلة. وأمَّا الخوارج فلم يفصِّلوا ولم يفقهوا مراد الله ورسوله، فكفَّروا بكل ذنب ارتكبه المسلم.

стр. 117

فمن جعل التكفير بالشرك الأكبر من هذا الباب، فقد طعن على الرسل (١) وعلى الأمة، ولم يميز بين دينهم ومذهب الخوارج، وقد نبذ نصوص التنزيل واتبع (٢) غير سبيل المؤمنين. وأما استدلاله بقول لقمان على أن التصريح بالعداوة لا يجب. فهذا من غرائب جهله، ونوادر حمقه، أين في قوله: ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ [لقمان: ١٦] (٣) [لقمان / ١٦] . أين (٤) فيه أن الإيمان يكمل (٥) ويستقيم بغير تصريح بعداوة المشركين؟ فنصّ الآية: أن جميع الأعمال يأتِ بها لله لا يغادر (٦) شيئا منها حسنها وسيئها، ثم إذا أتى بها اللطيف الخبير، أي: المدرك لدقائق الأشياء وخفياتها، الخبير بما فيها وما لها وعليها، فيقبل عمل من اتقاه وأراد وجهه (٧) ولم يجعل له عدلًا يدعوه ويحبه كما يدعو الله ويحبّه، [٤٤] ، ويرد عمل المشرك العادل (٨) بربه المُسَوّي بينه وبين خلقه، كما دلَّت على ذلك النصوص القرآنية والأحاديث النبوية.

стр. 118

وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] [المائدة / ٥] . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] الآية [الزمر / ٦٥] . وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] [الفرقان / ٢٣] .

стр. 119

[فصل في حكم موادة المشركين ومناقشة المعترض في ذلك] فصل قال المعترض: (ومن خطئه الواضح الفاضح أنه استدلَّ للآية الكريمة، وإنما فيها المودة لمن حاد الله ورسوله، فهو بهذه العبارة أنزل نفسه بمنزلة (١) فوق منزلة الرسول ﷺ بحيث من وادّ من حادّه من الأمة فهو كافر بذلك، والصحابة ﵃ (٢) يجعلون من وادَّ (٣) من حاد الله ورسوله منافقا معصوم الدم والمال؛ كما نهى الله ﵎ المؤمنين عن موادتهم في السورة بعدها؛ لأن ذلك من خُلُق المنافقين الذين دخلوا في الإسلام بشهادتي الإخلاص) . فيقال في جوابه: قف يا من له نور يمشي به في الناس على ما في هذا الكلام من الكذب والبهت (٤) وقول الزور، وقد تقدَّم نص كلام الشيخ؛ وأنه قال: (لا يستقيم للإنسان إسلام إلا بالتصريح بعداوة المشركين) ، ولم يقل بعداوة من عاداني، أو عادى أتباعي، أو لم (٥)

стр. 120

يطعني، حتى يقال: إنه أنزل نفسه بمنزلة فوق الرسول. وسائر علماء الأمة من عهد أبي بكر إلى وقتنا هذا يلزمون الناس بما في كتاب الله تعالى وما في سنَّة رسوله ﷺ من أصول الدين وفروعه؛ ويثبتون من الأحكام ما أثبت الكتاب والسنَّة، وينفون ما نفاه الكتاب والسنَّة، لا يختلفون في ذلك؛ وحكمهم وإلزامهم إنما هو بطاعة الله ورسوله، وليس إلزاما بطاعتهم ورأيهم واجتهادهم، ومن نسب أحدا منهم إلى أنه يدعو بذلك (١) إلى نفسه، وينزِّل نفسه منزلة الرسول فقد خاب وافترى، وبهت أهل العلم وخلاصة الورى. ومن المعلوم أن طاعة العلماء فيما أمروا به من دين الله وشرعه [٤٥] طاعة لله (٢) ورسوله؛ لأنها المقصودة بالأصالة، وطاعة أولي العلم تقع تبعا وضمنا لا استقلالا، فلا يترك الحق والدين والتزام ذلك لما فيه من طاعة الآمر والناهي، ومن تركه لذلك (٣) فقد استكبر على الله ورد الحق استصغارا واحتقارا لقائله والداعي إليه، وهذه العلة هي التي أوجبت لكثير من الناس تكذيب الرسل ورد ما جاءوا به. قال تعالى عن آل فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] [النمل / ١٤] . وقال تعالى عمن كذَّب عبده ورسوله محمدا ﷺ من أشراف قومه ورؤسائهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] [الزخرف / ٣١] .

стр. 121

والآيات في [هذا] (١) المعنى كثيرة، وليس قولهم: إن من حادَّ الرسول من الأمة يكون (منافقا، بل قد يكون بذلك كافرا) (٢) أو منافقا أو فاسقا، فالكلام والحكم فيه تفصيل يطلب من محله. وبهذا يستبين كذب المعترض على الصحابة، وعدم معرفته لأقوالهم وجهله بأحوالهم، والثابت المحفوظ عنهم- بنقل العدول الثقات- يوافق كلام الشيخ، ولا يجعلونه منافقا معصوم الدم والمال؛ بل يفصلون كما تقدم. والنفاق إذا ظهر يجري على (٣) صاحبه ما اقتضاه الدليل من كفر وقتل، ولا عصمة للمال والدم مع الظهور (٤) . فهذا (٥) الرجل جاهل بالأحكام والأقوال، وقد سلك واديا مُهلكا، وطريقا ضالة عن طرق (٦) أهل الهدى، فاضطره الحال إلى ما ترى، وقد قاتل أبو بكر مانعي الزكاة، واستباح دماءهم وأموالهم لما عصوا ما رآه، وثبت عنده من أدلة الشرع وأحكامه، أفتراه داعيا إلى نفسه، مقاتلا على طاعته من دون الله ورسوله؟ . والشيخ لم يتعد (٧) أمر الله ورسوله فيما دعا (٨) إليه، فلأيّ شيء.

стр. 122

خُصَّ بهذا البهت؟ وأنه يدعو إلى نفسه؛ وأنه أنزلها بمنزلة (١) فوق الرسول؟ سبحانك هذا بهتان عظيم و " «تكفير المسلم كقتله» " بنص الحديث (٢) وهذا القول الذي نسبه إلى الشيخ كفر لا شك فيه، فإن من أنزل نفسه منزلة الرسول، وكفَّر المسلمين بموادة أعدائه يكفر بذلك. [٤٦] وهذا الرجل لا يتحاشى من نسبه الشيخ إلى الكفر والضلال والفساد. فالحمد لله على ما منَ به من خزي أعداء دينه ورد كيدهم، وظهور عباده المؤمنين عليهم. قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] الآية [غافر / ٥١] . وفي الحديث: " «من دعا إلى هدى كان له أجره وأجر من اتبعه إلى يوم القيامة من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئاً» " (٣) . والمعترض لضلاله (وخبث طويته) (٤) يلمز الداعي إلى الهدى بأنه يدعو إلى نفسه. قال تعالى:

стр. 123

﴿الَّذِينَ (١) يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ (٢) وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٧٩] [التوبة / ٧٩] . فإذا كان هذا فيمن سَخِر بالمتصدقين، فكيف بمن يلمز ويسخر بأئمة الدين، الدعاة إلى توحيد رب العالمين؟ وقال تعالى لنبيه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ - إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٥] [الحجر / ٩٥ ,٩٤] . وقول المعترض: (إنَ ذلك من خُلق المنافقين الذين دخلوا في الإسلام بشهادتي (٣) الإخلاص) يطلعك على جهله، وعدم ممارسته لصناعة العلم. ويقال له: إن جنس الموادة للمشركين قد تقع (٤) من مسلم قد برئ من النفاق الأكبر، وآية سورة الممتحنة نزلت في (٥) حاطب بن أبي بلتعة وهو بريء من النفاق بشهادة رسول الله ﷺ ، فإنه لما اعتذر إليه، وقال: " «إني لم أفعل هذا رغبةً عن الإسلام ولا شكا فيه، وإنَما أردت أن تكون لي عند القوم يد تحمي أقاربي ومن لي بمكة " أو نحو هذا الكلام، فقال النبي ﷺ : "صدق» " (٦) فكيف يجعله هذا المعترض منافقا وقد شهد

стр. 124

بدراً، وقال النبي ﷺ لعمر: " «ما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم» " (١) قال الشاعر: فليصنع القوم (٢) ما شاؤوا لأنفسهم ... هم أهل بدر فلا يخشون من حرج وأول السورة يدل على إيمانه، وأن المشركين من أعدائه. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١] [الممتحنة / ١] . فهذا المعترض يسب أصحاب رسول الله ﷺ ويرميهم بالنفاق لكثافة [٤٧] جهله، وعدم فهمه، وقد قال في هذه الآية بما لا يعلم. وفي الحديث: " «من قال في القرآن بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار» "، وفي رواية " «برأيه» " (٣) . ثم احتج المعترض بحديث عِتْبان وما قيل في مالك بن الدُخْشُم، وقول النبي ﷺ : " «ألا تراه، قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» "، وقول الرجل: "أما نحن والله لا نرى وده ولا حديثه (٤) إلا إلى المنافقين " الحديث (٥) وقد ساقه المعترض مستدلا به على أن موادة المنافقين لا تضر، وأن التصريح بعداوتهم لا يجب (٦) .

стр. 125

وهذا القول في الحقيقة وهذا الفهم الضال فيه الرد والاعتراض على قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] [المجادلة / ٢٢] . وشيخنا رحمه الله تعالى لم يأتِ بشيء من كيسه، إنما هو القرآن والسنَة. قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] الآية [الكهف / ٢٩] . وهذا الحديث لا يدل على ما قاله المعترض أصلا، ولا يفهم منه أن المودة غير محرمة إلا أضل وأبلد الحيوان (١) فإن الرسول ﷺ ما أقرَّ القائل: " إنه منافق لا يحب الله ورسوله "، وما أقره على قوله: " أما نحن والله لا نرى ودّه ولا حديثه إلا إلى المنافقين "، بل أنكر ذلك ورده ﷺ منبها على أن قوله: "لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله " براءة له مما نسب إليه، ومانع يمنع (٢) مما قيل فيه. ومن عرف الإخلاص واليقين ومنزلتهما من الإيمان، عرف أن من أعطيهما ووفق لهما لا يقع منه موادة للمنافقين والمشركين، ومن ذاق طعم الإيمان فالله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما. وإنَّما تقع الموادة لأعداء الله من خلل في الإخلاص واليقين، ونقص في التوحيد، والتزام التوحيد الواجب يمنع (٣) من ترك واجب أو فعل محرم، وإنما يقع الغلط (٤) من

стр. 126

عدم العلم بحدود ما أنزل الله على رسوله. فمن عرف الإيمان والتوحيد، وعرف حدودهما (١) الجامعة المانعة انفتح له باب عظيم في الفهم عن الله ورسوله لا يفهمه إلا خواص العارفين، فتأمَّله يطلعك (٢) على أسرار غفل عنها الأكثرون ولما حُجب هذا المعترض عن معرفة حدود ما أنزل الله، وصار معه من (٣) الهوى والإعجاب ما اقتضى جهله بنفسه؛ وخوضه في أمر يقصر عنه فهمه وإدراكه، فلا جرم حيل بينه وبين رشده، وخُلي بينه وبين نفسه، فنعوذ. بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وشماتة الأعداء.

стр. 127

[فصل في الرد على المعترض في فهمه لشروط الاجتهاد وبيان الحق في ذلك] فصل قال المعترض: (وقد قال (١) العلماء كلاما معناه قاله ابن القيم في الأعلام: لا يجوز لأحد أن يأخذ من الكتاب والسنَّة ما لم تجتمع فيه شروط الاجتهاد (من جميع (٢) العلوم. قال: ولو اجتمعت شروط الاجتهاد) (٣) في رجل لم يجب الأخذ بقوله دون نظرائه) . اهـ. والجواب أن يقال: هذا لسان جاهل، وتركيبُ نبطي (٤) لا يدري شيئا من صناعة العلم، وابن القيم ينزَّه عن هذا اللفظ، وهذا التركيب، ولا يقول (٥) (ما لم تجتمع فيه شروط الاجتهاد من جميع العلوم) ، فإن البحث ما هكذا إيراده ولا تقريره والعلوم فيها ما لا دخل له هنا ولا اعتبار، كعلم الطب والهندسة والإنشاء، وقرض (٦) الشعر وميزاته، والعلم بالرسم وإتقانه، ومعرفة التاريخ.

стр. 128

وأما بالنظر للمعنى: فابن القيم ﵀ قد شنَّ الغارة على من قال: (لا يجوز لأحد (١) أن يأخذ من الكتاب والسنَّة ما لم تجتمع فيه شروط الاجتهاد) ، وأوسع (٢) قائله تجهيلا وتخطئة، وقال (٣) (هذا سد لباب أخذ العلم والهدى من كتاب الله وسنَّة رسوله) . وذكر في هذا المبحث (٤) من النصوص والآثار والمناظرة (٥) بين المجتهد والمقلد ما لا تتسع له هذه (٦) الرسالة، وذكر هذه العبارة رادًّا لها مجهلا لقائلها. والقصد: أن المعترض كَذَب على ابن القيم كما كذب على شيخنا، وحكى عكس ما قاله ابن القيِّم. فنعوذ بالله من زيغ القلوب ورين (٧) الذنوب. ومراد المعترض: القدح في شيخنا، حيث استدلَّ بآية سورة " قد سمع" على تحريم موادة المشركين، ووجوب التصريح بعداوتهم. وحاصل قوله: أن الكتاب والسنَّة لا يأخذ منهما أحد إلا من اجتمعت فيه شروط قلَّ أن توجد ولو (٨) في آحاد الأئمة المقلدين، فكيف

стр. 129

بغيرهم؟ وهل هناك نبذ للكتاب وراء الظهر فوق هذا الصنيع لو كانوا [٤٩] يعلمون؟ والاستدلال بالنصوص القرآنية والظواهر الجليّة (١) من الكتاب والسنَّة ليس من مسائل الاجتهاد التي تكلَّم ابن القيِّم مع خصومه فيها وجهلهم بقولهم (٢) (لا يجتهد إلا من اجتمعت فيه الشروط) فإنَّ المسائل الاجتهادية ما كان للاجتهاد والنظر مساغ فيها، وأما النصوص والظواهر فلا تسوغ مخالفتها اجتهادا، وذلك كمعرفة الله، وإثبات توحيده، وصفات كماله، ووجوب الصلوات، والأركان الإسلامية، والأصول الإيمانية، ونحو ذلك من النصوص التي لا يسوغ مخالفتها والعدول عنها، والمعترض جاهل (٣) لا يفرق بين مسائل الاجتهاد وغيرها. وقد رأيت لخدنه داود بن جرجس كلاما في هذا المبحث يزعم: (أنَّ المجتهد إذا اجتهد في عبادة غير الله وأدَّاه اجتهاده إليها يكون مأجورا) ، فأوردنا عليه اجتهاد النصارى المثلثة، والصابئة المتفلسفة، والمجوس المشركة ونحوهم، ومن اجتهد، وقال بحل ما قتله الله من الميتة، وقاسه على المذكاة قياس الأولى، ومن رأى باجتهاده من غلاة الرافضة والشيعة والنصيرية (٤) ؛ جواز إسناد التدبير والتصريف في العالم إلى الأولياء وأئمة الشيعة، ورأى باجتهاده أن هذا من الكرامة التي تجوز للأولياء، وهكذا (٥)

стр. 130

يقال في دفع شبه أهل البغي (١) والضلال. (ثم استدل المعترض) (٢) بحديث: " «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» " الحديث (٣) على أنَّ ما صدر من الشيخ من الكلام في المباحث العلمية والأصول الدينية من تكفير مشرك أو أخذ ماله، والكلام في قبيح أفعاله يدخل في النهي عن الأعراض والدماء والأموال (٤) . ولا أدري هل هذا المعترض يرى كلام جميع العلماء في أهل الشرك وعبادة غير الله من هذا الباب، أو هو (٥) يخص الشيخ ﵀ بهذا لعظيم عداوته (٦) وغليظ غباوته؟ وكأنه فهم من (٧) الحديث: أنه عام تدخل فيه وفيما دلَّ عليه من التحريم، دماء المشركين والمرتدين وأموالهم وأعراضهم. [٥٠] ولو سلمنا له هذا الفهم الفاسد لكان نسخا لجميع ما في الكتاب والسنَّة من الأمر بقتال المشركين وسبي نسائهم، وغنيمة أموالهم، واستباحة أعراضهم، فينسخ من القرآن والسنَّة ما يعزّ استقصاؤه وحصره،

стр. 131

وتضع الحرب أوزارها بين الناس إلى يوم القيامة، وما أظن جُهَّال أهل الكتاب ينتهون (١) إلى هذه الغاية. فإن زعم أنه لم يُرِد هذا، وأن استحلال دماء المشركين وأموالهم باقٍ إلى يوم القيامة. قيل له: ما وجه استدلالك على الشيخ بالحديث الخاص بالمؤمنين وعباد الله الموحدين؟ والشيخ لم يقاتل إلا على رأس الأمر وهو شهادة أن لا إله إلا الله، لم يقاتل على غيرها وعلى غير التزامها. والرجل المعترض آفته وعلَّته ما تقدَّم تصريحه به من أن عبَّاد القبور ومن يدعو الأولياء والصالحين ليسوا بمشركين، بل هم من عباد الله المؤمنين الذين تحرم دماؤهم وأموالهم، والله المستعان. وقوله: (قال حجة الإسلام الغزالي: لترك ألف كافر ولا قتل مسلم واحد) . فيقال: قتل المسلم عظيم (٢) وأي مسلم قتله الشيخ؟ وقد سبق أن النزاع مع هذا في أصل الإسلام والتوحيد. ثم قوله: (قال حجة الإسلام) إن كان المعترض يعتقد هذا، وأنه (٣) حجة للإسلام، وقوله يُرْجع إليه بين الأنام، فقد ردَّ هذا المعترض على جمهور الأمة، لا (٤) سيما الحنابلة؛ وقد (٥) شنَّعوا عليه في كتابه

стр. 132

" الِإحياء" وأمثاله من تأليفه، وجزموا بأنه مخالف لأهل السنَّة والجماعة في كثير من السمعيَّات والعقليَّات، وقوله لا يحتج به عند أهل مذهبه في مسائل (١) الذيول والتفريعات؛ فكيف بأصول الإسلام؟ . قال تلميذه [أبو بكر] (٢) ابن العربي المالكي (٣) (شيخنا أبو حامد دخل في جوف الفلسفة ثم أراد أن يخرج فلم يحسن) . انتهى. وأما قول شيخ الإسلام، فيمن أوجب تقليد إمام بعينه: فهو كلام ظاهر وجيه؛ لكن المعترض وضعه في غير موضعه وأزال بهجته؛ لأنه استدلَّ (٤) به على ردّ ما يورده العلماء من نصوص الكتاب والسنَة، ولم يفرِّق بين مسائل التقليد والاجتهاد، وبين النصوص الظاهرة وما يعلم من [٥١] الدين بالضرورة، وما أجمع عليه بين الأمة فخلط البحثين، ولم يفرق بين المقامين، ولو قال هذا (٥) أحد على هذا (٦) الوجه الذي أراده المعترض لوجب رد قوله كائنا من كان. [بيان أن الشيخ لم يوجب على أحد متابعته بل نهى عن ذلك] ثم قال المعترض: (فهذا الرجل بقوله وفعله قد أوجب (٧) متابعته في كل ما يقول، وكفَّر مخالفيه في ذلك، وهو لم يوافقه على ذلك أحد من

стр. 133

علماء الأمة من جميع أقطارها، بل أنكروا عليه فبإنكارهم عليه جعلهم بذلك (١) كفارا حلال (٢) الدم والمال، وضمن لمن تبعه على ذلك من قوله: الجنة بتكفير الأمة وقتالها، ونهب أموالها) وأطال الكلام بما حاصله: (أن شاعرهم سبَّ علماء نجد: ابن فيروز وأبا الخيل، وأن هذا الرجل يذكر في درسه مسبتهم وما قيل فيهم، وأكثر من هذا الهذيان) . والجواب أن يقال: ليس بعجيب صدور هذا البهت والسب عن هذا المعترض، وفي المثل: (إذا ظهر السبب بطل العجب) . كيف وقد تعدَّدت أسباب عدواته وبهته وزوره؟ ويكفي في هذه الدعوى ردَّها ومنعها واطراحها (٣) . ومعاذ الله أن يوجب (٤) على أحد متابعته أو متابعة غيره إلا رسول الله ﷺ ، وهذه رسائل الشيخ ومصنفاته ينهى عن ذلك ويشدِّد فيه، ويأمر بتجريد المتابعة لرسول الله ﷺ (٥) وينكر ما اعتاده الناس من الغلو في رأي العلماء واجتهادهم، وتنزيل ذلك منزلة النصوص النبويّة، وقد عقد باباً في كتاب التوحيد لهذه المسألة. قال ﵀ (٦) (باب من أطاع العلماء والأمراء (٧) في تحليل

стр. 134

ما حرَّم الله أو تحريم (١) ما أحل الله فقد اتخذهم أربابا من دون الله) . واستدل بقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] [التوبة / ٣١] . وذكر حديث عدي بن حاتم (٢) وذكر من الآثار عن أهل العلم ما يقضي ببراءته ويشهد بعلمه، وأن هذا المعترض لا يتحاشى عن قول الزور وشهادته، وقد قضى عمر بن الخطاب ﵁ في شاهد الزور أن يُسوَّد وجهه ويطاف به (٣) ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت: ١٦] وقوله: (ولم يوافقه على ذلك أحد من علماء الأمة) . إن أراد أنهم لم يوافقوه في وجوب طاعته في كل ما يقوله (٤) فهو لم يدع هذا (٥) ولا قاله، ونبرأ إلى الله من قائله، وقد قال مالك بن أنس - وبقوله نقول ويقول شيخنا-: " كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا

стр. 135

صاحب هذا القبر " (١) يعني رسول الله ﷺ . وأما قوله: (بل أنكروا عليه، وبإنكارهم عليه (٢) جعلهم كفارا حلال (٣) الدم والمال) ، فقد كذب وافترى، ولم يُكَفِّر أحدا خالفه في رأيه وهواه وجميع ما يقول (٤) وإنَّما كفَّر بالشرك بالله وعبادة غيره، واتخاذ الوسائط والأنداد في المسألة والتوكُل والإنابة، والتكفير بهذا لا يضاف إليه، بل هو حكم يضاف إلى كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ ، وما جاءت به الرسل عن الله. وأما قوله: (وضمن لمن تبعه على ذلك الجنة بتكفير الأمة وقتالها ونهب أموالها) . فقد تكرَّر الجواب عن مسألة التكفير للأمة (٥) وقتالها. وأما ضمان الجنة: فهذه الكلمة العوراء لا تصدر إلا عن غبي قد تمادى في الوقاحة والسفاهة، والله ورسوله قد وعد المؤمنين الجنة والمغفرة والرضوان، ورتَّب على أصول الإيمان وشعبه من الثواب والجزاء والمغفرة ما لا يخفى على من آمن بالله ورسوله وأجاب المرسلين. وأما الشهادة لمعين من أهل القبلة بجنة أو نار: فلا يشهد لأحد (٦)

стр. 136

بذلك إلا من (١) شهد له رسول الله ﷺ ، وهذا ذكره العلماء في كتب العقائد. والمعترض قد التحق بأكذب الخلق الذين يكذبون على الله وعلى (٢) رسوله، وعلى علماء أمته، وقد كنَّا في غنية عن رد أكاذيبه لسقوطها وظهور هجنتها، لولا ما قيل: (لكل ساقطة لاقطة) ، وخوفاً أن تصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة. وأما قوله: (ويقول شاعره في أشعار كثيرة) . فنسبة هذا الشاعر إلى الشيخ معدودة من زور هذا المعترض، (والكلام نبطي لا يعتبر وزنا) (٣) ثم لو فرض (٤) صحة هذا، وأن الشيخ قرَّره واستحسنه، لم يكن في ذلك ما يعاب به (٥) الشيخ ويذم به، وقد شاع عن ابن فيروز وأبا (٦) الخيل [٥٣] ما لا يخفى على من عرف دعوة الشيخ، وما جرى من أهل عصره وقد هجا شعراء الإسلام كثيراً ممن صدَّ عن سبيل الله وصدف عن آياته. ويذكر عن ابن فيروز أنه قال: (لو دعاني ابن عبد الوهاب إلى شهادة أن لا إِله إلا الله ما تبعته) ، والواقع يشهد بذلك.

стр. 137

وقوله عن الشيخ: (إنه يحلف في رسالة من رسائله أن كُفْر الشيخ محمد بن فيروز أعظم من كفر فرعون إذ هو (١) قد أنزل نفسه منزلة الكليم موسى ﵊، والشيخ ابن فيروز منزلة فرعون، فابن فيروز مكث علمه في الأرض ونفع الله به العباد والبلاد، وهو كما ترى تسفك به الدماء وتنهب به الأموال حتى قاد على أهل نجد الدواهي العظام التي لا تطاق ولا ترام) . فيقال لهذا المعترض: أنت مطالب أولا بتصحيح نقلك عن الشيخ وأنه صدر منه هذا الكلام، والناقل يطالب بالصحة، والمدعي يطالب بالدليل، فلا تعطى بمجرَّد دعواك؛ ولا يسلم لك ما دون هذا، ولو في حق آحاد العوام، وقد تقدَم البرهان على جهلك وكثرة كذبك، وشهادتك للزور (٢) وثبتت عداوتك للشيخ في أول أمرك وآخره، فأي عاقل وأي حاكم يقبل منك هذا النقل وهذا الكلام الذي لا سند له، بل هو من جنس أوضاع اليهود والنصارى فيما ينسبونه (٣) إلى رسول الله ﷺ من الأكاذيب والأباطيل التي يصدُّون بها الناس عما جاء به من الهدى ودين الحق، ويقولون: هو يسفك الدماء، ويأخذ الأموال ويسبي الذراري. وفي الإنجيل: "من ضربك على خدك الأيمن فأدِر له خدك الأيسر"، ونحو هذا الكلام، فما أكثر وراثة هذا الرجل لأولئك الأقوام، وما أسرع ما نسي أصل الملة والإسلام؟

стр. 138

فالحمد لله الذي أخزى هذا الرجل ونشر له في الناس ما يليق بأمثاله ممَّا (١) اقتضته الحكمة الإلهية والمشيئة الربَّانية، ولقد تفوَّه بعض أقاربه بذمه وتكفيره (٢) بمجرَّد الإطلاع على كلامه. ولو فرضنا أن الشيخ رحمه الله تعالى (٣) صدر منه (٤) هذا الكلام، نظرا إلى أنه (٥) عرف ثم أنكر، وأقبل ثم أدبر، وصد عن دين (٦) الله بشبهات (٧) ينسبها إلى شرعه المطهر، وإلى ما جاء به محمد ﷺ صاحب [٥٤] ، الناموس الأكبر، ويظهر للناس في ثياب العلماء ورسم الفقهاء ووظيفة المعلمين، وهو في الحقيقة يصدّ عن دين (٨) الله ويدعو إلى عبادة الصالحين ودعائهم مع الله؛ وصرف الوجوه إلى غير باريها وفاطرها، فبهذه الاعتبارات هو أغلظ (٩) ممن أتى الأمر وصدَّ عن السبيل من غير نسبة لذلك إلى دين الله وما جاءت به رسله، وفي القرآن العزيز من الكشف عن حال هذا الضرب من الناس، وأنهم من أبعد الخلق عن الله، وأغلظهم حجابا وأشدهم كفرا ما يعرفه من فقه عن الله.

стр. 139

قال (١) تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦] [آل عمران / ٨٦] ، والآيات في هذا المعنى كثيرة. وقول المعترض (٢) (ابن فيروز مكث علمه في الأرض ونفع الله به العباد والبلاد) . فيقال: هذه الدعوى لا تحتاج لدليل يبطلها؛ وبرهان يردها غير شهادة الحس والواقع، وما يعرفه سائر الناس من الخاصة والعامة، بل آثار ابن فيروز في الصد عن سبيل الله، ومسبة أئمة الإسلام، وجعل شيخ الإسلام طاغوتا (٣) يجب الكفر به؛ معروف مشهور عند أهل الإحساء وغيرهم كما قال في منظومته التي أولَها: أنامل كف (٤) السعد قد أثبتت خطا (٥) ... بأقلام أشياخ لنا حررت ضبطاً فإنه أقذع فيها، وأتى من نصرة عبادة القبور، وأهل الغلو في الأنبياء والصالحين، وتسمية من أنكر هذا طاغوتاً، بما يدل على آثاره ونفعه في البلاد والعباد، فإن كان هذا عند المعترض هو العلم ونفع العباد والبلاد فنعم؛ هذا صار منه، ومدحه به، وأثنى عليه كل مشرك بالله ربِّ العالمين، يسوى بين الله وبين خلقه في خالص حقه، وقد اتَّخذ أعداء الدين منظومته نزهة لمجالسهم وتحفة لأشياعهم.

стр. 140

وقد ردَّ عليه الشيخ حسين بن غنام الإحسائي رحمه الله تعالى بمنظومة أجاد فيها وأفاد، وأولها: على وجهها الموسوم بالشؤم (١) قد خطا ... عروس هوى ممقوتة (٢) زارت الشطا تخطت , فأخطت في المساعي مرامها ... ومرسلها عن نيل مقصوده أخطا (٣) وثارت لنار الشرك تذكى ضرامها (٤) ... وسارت فبارت والإله لها قطا لقد شوهت ما زخرفته بزورها ... كما أنها بالمين (٥) قد أحكمت ربطا وقد جاء منشيها بزور ومنكر ... وفحش وبهتان يعط به عطا وحان به داعي العناد لمهيع ... تنكب عن سبل الهداية واشتطا (٦) وضل عن الإرشاد (٧) والحق واعتدى ... وغط أناساً في طريقته غطا وجاوز منهاج الهداية (٨) راضياً ... عن الدين بالدنيا , فما نالها بسطا يحاول تشييداً ورفعاَ لما وهت ... قواعده فوق البسيطة وانحطا في أبيات له رحمه الله تعالى. [٥٥] ولابن فيروز رسائل ومصنفات في الصد عن سبيل الله، ورد ما جاء

стр. 141

به شيخنا من الدعوة إلى الله، وتجريد المتابعة لرسوله، وهي باقية يتداولها كل زائغ مرتاب، كهذا المعترض (١) ولو كلف أن يأتي عن ابن فيروز بمسألة واحدة انتفع بها الناس (٢) في بيان التوحيد وأصل دين المرسلين، وإبطال ما عليه أكثر الناس من عبادة الصالحين لما وجد إلى ذلك سبيلاً. وقول المعترض في شيخنا: (وهو (٣) كما ترى تسفك به الدماء وتنهب به الأموال؛ حتى قاد على أهل نجد الدواهي العظام التي لا تطاق ولا ترام) . فهذا الكلام لا يعترض به إلا جاهل بأيام الله وأخبار الناس، وما قصَّ الله عن رسله وأكابر أوليائه، والناس مذ كانت الدنيا فريقان. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: ٤٥] [النمل / ٤٥] . وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] الآية [آل عمران / ١٤٦] . وقال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآية [آل عمران / ١٨٦] . وقال تعالى: ﴿الم - أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٢] (٤) [العنكبوت١-٢] .

стр. 142

وقال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] [البينة / ٤] . وقال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ - إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] [هود / ١١٨، ١١٩] . وفي الحديث: " «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده» " (١) وفي السيرة من أخباره ومغازيه وما جرى بسبب مبعثه ﷺ من القتال بين العرب (وقبائلها وبين الفرس والعرب والروم) (٢) والقبط وأهل الكتاب وما جرى بين مؤمن هؤلاء الناس والأمم وبين كافرهم من النزاع والاختلاف والقتال على تعاقب الدهور والأعصار، مما (٣) تستبين به سنة الله التي قد خلت في عباده، وفي الحديث: " «إن من كان قبلكم [كان] (٤) يوضع المنشار على رأس (٥) الرجل منهم حتى يخلص إلى قدمه، ما يصده ذلك عن دينه» (٦) .

стр. 143

وهذا الغبي ارتاع مما لا نسبة بينه (١) وبين ذلك من الامتحان، ولم ينظر إلى ما حصل من اللطف لأهل الإيمان، عند نزول المحن والافتتان، وما أعطوا بذلك من حسن العاقبة والعز والظهور، وأنهم لا يضرهم من [٥٦] خذلهم ولا من خالفهم، ولم (٢) يدر ما في ذلك من الحكم والمصالح التي لا يحيط بها إلا الله الذي قدرها ودبرها ولو لم يكن في ذلك إلا قيام حجج الله وآياته، وتمييز الخبيث من الطيب لكان كافيا (٣) فالمؤمن يراه من أدلة الإيمان وبرهان صدق الرسول، والمنافق والمرتاب يراه من الدواهي العظام التي لا تطاق ولا ترام، كما أخبر الله تعالى عن قوم فرعون أنهم إذا أصابتهم سيئة اطيروا بموسى ومن معه. قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٣١] [الأعراف / ١٣١] . فانظر إلى هذه الوراثة القبطية تطلعك على حكمته، تعالى في إبقاء ورثة لأعداء الرسل. فسبحان من بهرت حكمته العقول، وصدقت أقضيته ما جاءت به رسله من النصوص والنقول، ليس كمثله شيء في أفعاله (كما أنه لا مثيل له) (٤) في ذاته وصفاته، وهب بعض عباده من الفهم عنه والإيمان به.

стр. 144

ما دلهم على معرفته عند كل حادث وحركة وسكون، وخذل من شاء عن ذلك فباء عند المحن والاختبار (١) بصفقة المغبون، وتشاءم بما جاء به أئمة الهدى وما قاله الصالحون.

стр. 145

[فصل فيه مناقشة مسألة سبي المرتدات وتأصيل قاعدة دفع الضرر وجلب المصلحة] فصل قال المعترض: (ولما قيل له لم لا تسبون إذا كانوا كفارا كما تسبى الصحابة ﵃؟ قال لهم: إن السبي حق كما أن قتلهم حق وجعل أموالهم فيئا وغنائم، ولكن الناس لا يحتملون ذلك في نسائهم وأولادهم، فقيل له: كيف يترك الحق؟ قال: يترك الشيء لشيء أكبر منه والنبي ﷺ ترك نقض الكعبة وجعلها على قواعد إبراهيم ﵊ (١) ؛ لأن قريشا حدثاء عهد بكفر) . فالجواب أن يقال: قد تقدم أن هذا الرجل لا يقبل له قول (٢) ولا يحتج (٣) بخبره، بل يجب اطراحه وتركه. ولو فرضنا أن الشيخ قال هذا، فكلام السلف وخلافهم في سبي نساء المرتدين معروف عند أهل العلم، وقد أفتى به أبو بكر وعمل به مدة خلافته، والناس تبع له في ذلك؛ ثم إن عمر رأى خلاف هذا وأن
следующие страницы →