← Акыда

Акыда · id 30868

مصباح الظلام في الرد على من كذب الشيخ الإمام ونسبه إلى تكفير أهل الإيمان والإسلام

عبد اللطيف آل الشيخ

Полный текст (590 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قيامنا مع الباطل (١) على باطل (٢) فيما فات، ونقوم له مثنى وفرادى، ونتوكل على الله عسى أن يتوب علينا، ويعيذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا وأن يهيدنا سبل السلام، وأن يجعلنا من الداعين إلى الهدى، لا من الدعاة إلى النار. فنحمد الله الذي لا إله إلا هو حيث من علينا بهذا الشيخ في آخر هذا الزمان (٣) وجعله بإذنه وفضله (٤) هاديا للتائه الحيران، نسأل الله العظيم أن يمتع المسلمين به ويعيذه من شر كل حاسد وباغ ويبارك في أيامه وأن يجعل جنة الفردوس مأواه وإيانا، وأن ينفعنا بما بينه (٥) فلقد بين دين نبيه ﷺ على رغم أنف كل جاحد وصار علما للحق حين طمس، ومصباحا (٦) للهدى حين درست أعلامه ونكس، وأطفأ الله به الشرك بعد ظهوره حين عبدت الأوثان صرفا بلا رمس، ولم يزل من الله عليه برضاه ينادي: أيها الناس، هلموا إلى دين نبيكم الذي بعث به إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ثم لم ينقم منه وعليه إلا أنه يقول: (٧) أيها الناس اعبدوا ربكم، وأعطوه حقه الذي خلقكم لأجله، وخلق لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ (٨) إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]

стр. 177

وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] وقال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠] وفسر إسلام الوجه: بالقصد في العبادة في (١) فإن دعا (٢) غير الله، أو قصد غير الله، أو نذر لغير الله، أو استغاث بغير الله (أو توكل على غير الله) (٣) أو التجأ إلى غير الله. فهذه عبادة لمن قصد بذلك، وهذا (٤) والله الشرك أكبر. وإنا نشهد بذلك وقمنا مع أهله ثلاثين سنة، وعادينا من أمر بتجريد التوحيد العداوة البينة التي ما بعدها عداوة. فالواجب علينا اليوم نصر الله ودينه وكتابه ورسوله، والتبري من الشرك وأهله وعداوتهم، وجهادهم باليد واللسان، لعل الله أن يتوب علينا ويرحمنا ويستر مخازينا. وأكبر من هذا: البدو الذين لا يدينون دين الحق، لا يصلون

стр. 178

ولا يزكون ولا يورثون، ولا لهم نكاح صحيح، ولا حكم عن الله ورسوله يدينون به صريح (١) ونقول: هم إخواننا في الإسلام (٢) سبحانك هذا بهتان عظيم ومكابرة لما جاء به رسول رب العالمين. ونقول: (٣) لا خلاف أن التوحيد لا بد (٤) أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل من هذا شيء لم يكن الرجل مسلما، فإن (٥) عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس (٦) وإن عمل بالتوحيد عملا ظاهرا وهو لا يفهمه ولا يعتقده بقلبه فهو منافق شر من الكافر، أعاذنا الله وإياكم من الخزي يوم تبلى السرائر. فالواجب علينا وعلى من نصح نفسه أن يعمل العمل الذي يحصل به فكاك نفسه (٧) وأن يعبد الله ولا يعبد غيره. فالعبادة حق الله على العبيد، ليس لأحد فيها شرك، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فضلا عن السفلة والشياطين. وحق الله علينا أن نجأر إليه (٨) بالليل والنهار، والسر والعلانية في

стр. 179

الخلوات والفلوات عسى أن يتوب علينا ويعفو عنا (١) ما فات، ويعيذنا من مضلات الفتن، فالحق بحمد الله وضح وابلولج، وماذا بعد الحق إلا الضلال, ولا حول ولا قوة إلا بالله (٢) وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.

стр. 180

[مناقشة جعل الشيخ علماء نجد كعقداء البدو في أخذهم العقبات على أهل الغارات] وأما قول المعترض: (إن الشيخ كان (١) يقول في رسائله: إن علماء [٧١] ، نجد كعقداء البدوفي أخذهم العقبات على أهل الغارات) . فيقال لهذا الغبي: إن كان الشيخ قال هذا أو نحوه؟ فله وجه ظاهر؟ يعرفه من عرف حال رؤسائهم في أكل الرشا (٢) ووضع الجعل على الفتاوى (٣) والأحكام. وقد صنف الشيخ رحمه الله تعالى رسالة في إبطال هذا، وأنه من السحت، وناظر على ذلك من ناظر، وأقام الحجج، والرسالة عندي لولا خشية التطويل لسقتها. وإذا كان الحال هكذا فما المانع من تشبيههم بعقداء البدو؟ إذا أكلوا السحت وارتشوا في الحكم والقضاء، بل ربما كانت العقداء أخف منهم ضررا لوجوه: منها: أن العقداء يعترفون بالتحريم، وهؤلاء يعتقدون الحل.

стр. 181

ومنها: أن عقداء البدو لا ينسبون ذلك ويضيفونه إلى دين الله، وهؤلاء يجعلونه من المباحات الشرعية التي دل الكتاب على إباحتها. إذا عرفت هذا فهذه العبارات لا تصدر من مثل الشيخ، ومن مارس كلامه عرف أن هذه القولة ليست منه، فإن قوله: (علماء نجد) يدخل تحته كل عالم، والشيخ لا يقول هذا في جميعهم؟ لأن منهم من يتورع. وأيضا فإطلاق اسم العلم عليهم لا يحسن في مقام الذم، والشيخ أفقه من أن يطلق (١) هذا الاسم هنا. وقول هذا الرجل: (أن رجلا عاقلا وصى للشيخ بأن أهل نجد يأخذون على الخط (٢) وقد نص العلماء على الرخصة) . فقائل هذا: سفيه لا عاقل، كيف يأخذ (٣) ثلاثة حمران أو أربعة أو عشرة على خط ما يساوي فلسا (٤) ولا يجيز هذا إلا سفيه لا يدري أحكام الله، وأسفه منه من يحتج بقوله، ويسود به القرطاس. فيا ضيعة الأعمار تمشي سبهللا. وليت هذا كان حظه السبهلل، كيف وقد صار على نصيب وافر من معاداة دين الله وأوليائه والصد عن سبيله، ومدح من عبد غيره وتعلق على سواه من الآلهة، نعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا. وقول المعترض فيما نقل عن هذا السفيه: (أن البدو يأخذون أبيض

стр. 182

الظهر، والشيخ يأخذه كله، أبيضه وأسوده بغير رضى ولا حق، وعقداء البدو يأخذونه عن تراض لا ينكره منكر) . فيقال لهذا المعترض وأمثاله من الجاهلين: إن أبيض الظهر وأسوده وأحمره وأصفره يؤخذ قهرا من الحربيين، مذ أحل الله الغنائم لعبده ورسوله محمد ﷺ ، والحكم باق إلى يوم القيامة في جميع الغنائم والفيء والجزية والعشور المأخوذة من أعداء الله، فإن كان ذلك عندك لا يباح منه إلا أبيض الظهر برضى أهل الكسب، فهو اللائق بعقلك وعلمك ودينك، وكل (١) إناء بالذي فيه ينضح. لو شعرت أن مقتضى هذا الكلام تفضيل عقداء البدو على أئمة الهدى لعرفت أنك من أضل من أقلته الغبراء وأظلته الخضراء، ولكن لا تشعر بما تحت هذا الكلام. [رد دعوى المعترض أن الشيخ استباح البلاد وجعلها لعياله وأتباعه] وأما قوله: (واستبحت بلدانهم، وجعلتها بأجمعها لعيالك وأتباعك) . فيقال: لو فرض أن عياله (٢) صاروا من جند التوحيد، ومن المجاهدين في سبيل الله، ومن الدعاة إلى توحيده (٣) فما المانع من أكلهم أموال من صد عن سبيل الله وأشرك به، وقاتل ليعبد غيره، ويدعي [٧٢] سواه، ويعظم ويرجى من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا (٤)

стр. 183

وأما أكل أموال المسلمين: فنبرأ (١) إلى الله من ذلك ومن فاعله، وقد تقدم أن الشيخ (٢) من أعظم الناس قياما بحق الإسلام ورعاية له. وجميع ما تقدم من الاعتراضات بناء على معتقد باطل، وهو أن من تفوه بالشهادتين لا يضره ذنب (٣) ولا يخل بإيمانه ولا ينقض إسلامه (٤) شرك، ولا تجهم، ولا القول بالاتحاد والحلول، ولا غير ذلك من المكفرات، حتى المباني لا تعتبر عند هؤلاء الضلال في الحقيقة كما هو نص قولهم، ومعرفة هذا (٥) القول وتصوره يكفي في بطلانه عند من عرف الإسلام. وأما وضع الفريضة والزكاة في موضعها، وإعطاؤها أهلها: فلا يعرفه ويعرف مستحقها وحكم الله فيها، إلا من عرف دينه وما جاءت به رسله، وأما من لم يعرف الإسلام والتوحيد، ولا (٦) الشرك والتنديد، ولم يتصور حق الله على العبيد (٧) فماله والكلام فيما لا يعنيه، وما لا (٨) يعرفه ولا يدريه؟ . تمنيت أن تمسى فقيها مناظرا ... بغير عناء , والجنون فنون

стр. 184

[مسألة أخذ الزكاة من المدين وأن فعل الشيخ يوافق مذهب السلف] وقد ظهر جهلك في قولك: (وتأخذ زكاة الثمار ولو أن ثمرة الإنسان ما تكفي عشير ما عليه من الدين) ، ولم تعلم أن جمهور العلماء قالوا بأخذها من المدين في الأموال الظاهرة، كما هو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وهو قول مالك والشافعي (١) وروى عن الإمام أحمد أنه قال: (٢) (قد اختلف ابن عمر وابن عباس؛ وقال ابن عمر: يخرج ما أنفق واستدان على ثمرته وأهله (٣) ويزكي ما بقي، وقال ابن عباس: يخرج ما استدان على ثمرته ويزكي ما بقي، وإليه أذهب، لأن المصدق إذا جاء فوجد إبلا أو غنما لم يسأل (٤) أي شيء على صاحبها من الدين) ؟ . وظاهر هذا: أن هذه رواية ثالثة تخص ما أنفق على الزرع والثمرة. وسبب اختلافهم: هل الزكاة عبادة، أو حق مرتب في المال للمساكين؟ فمن رأى أنها (٥) حق لهم قال: لا زكاة على الذي عليه الدين، لأن حق صاحب الدين مقدم (٦) على حق المساكين بالزمان، وهو في الحقيقة مال صاحب الدين.

стр. 185

ومن قال: أنها عبادة، قال تجب على من بيده مال، لأن ذلك هو شرط التكليف وعلامته المقتضية للوجوب على المكلف، سواء كان عليه دين أم لم يكن، وأيضا فقد تعارض حق الله وحق الآدمي (١) فحق الله أحق أن يقضى. وأما الفرق بين الثمار وغيرها، فحجته ترك عماله ﷺ وعمال خلفائه (٢) البحث والاستفصال، وعدم النص المقتضي لذلك. وسلك أبو عبيد: القاسم بن سلام مسلكا آخر فقال: (إن كان لا يعلم دينه إلا بقوله لم يصدق، وأن علمه (٣) من غيره لم تؤخذ منه) ، كذا قال. إذا عرفت هذا- (والخلاف في غيرها معروف، نحيل طالب العلم على كلام أهل العلم والفقه في مظانه) (٤) فمخالفة رسول الله ﷺ إنما تصدق وتتحقق فيمن خالفه في الحكم على من عبد الأولياء والصالحين بأنه مسلم، وأن ماله ودمه معصوم، مع الشرك بالله وعبادة الأوثان، ومسبة ورثة دينه وأهل الدعوة إلى سبيله، ونسبتهم وتسميتهم خوارج ضلال، ومن (٥) عبد القباب، وأشرك برب الأرباب، هم من (٦) أمة محمد ﷺ الذين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، وخالفت رسول الله ﷺ ، (٧)

стр. 186

فيما (١) سودت به الأوراق من المسبة والشقاق، والله لم يتعبدنا بالسب، ولم يجعله شرعا ودينا ينسب إليه وإلى رسله (٢) وإنما هو حرفة الجاهلين المفلسين من العلم والإيمان؟ كالنساء والصبيان، وأما أنت فهو حاصل ردك؟ وغاية قدح زندك (٣) [٧٣] وأما قوله: (والمنكر لذلك يكون كافرا فاجرا) . هذه الجملة كأخواتها السابقة واللاحقة من الكذب وشهادة الزور وأما قوله: (إن الشيخ يستدل بفعل الصديق) . فنعم ونعم الإمام هو. وأما قوله: (وهيهات هيهات ما بعد ما بينهما، وإنه لكما قال عمر بن أبي ربيعة (٤) أيها المنكح الثريا سهيلا إلخ. فجوابه أن يقال: قرب المشابهة وبعدها يعرفها أولوا العلم، الذين

стр. 187

زكاهم وعدلهم رسول الله ﷺ بقوله: " «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله» (١) وقد قام الدليل والبرهان على جهلك بأصل الدين والإيمان، وأنك لا تفرق بين الكفر والإسلام، والشرك والتوحيد، والعدل والجور، فمن يقبل حكمك القاسط؟ ومن يلتفت إلى قولك الساقط؟ ما أنت بالحكم الترضي حكومته ... ولا الأصيل , ولا ذا الرأي والجدل (٢) وقد شهد أهل العلم والدين لهذا الشيخ، بأنه من المتبعين لآثار رسول الله ﷺ ، وآثار أئمة الدين في أصل دعوته وأحكامه في الأموال وغيرها. وأما قوله: (فطالع كلام العلماء في "الإقناع " وغيره من كتب الأصحاب) ، فمن طالعها وعرف سيرة الشيخ وصنيعه في جبايتها وإخراجها علم أنه من أحق الناس أن ينسب إليه العدل وموافقة أهل العلم (٣) وأنه أولى الناس بهم، وأقربهم إلى دين الله ورسوله؟ ولكن لا حيلة في المتكبر عن قبول الحق والاعتراف به، ولولا حجاب الكبر ودائه القاتل (٤) لما اختلف على الرسل اثنان؟ ولما عبدت الأصنام والأوثان؟ والله المستعان.

стр. 188

[فصل بيان مقصود الشيخ بقوله ونكفره بعد التعريف] فصل قال المعترض: (ثم قال في الجواب المذكور: "ونكفره بعد التعريف إذا عرفناه وأنكر! (١) فنقول: أولا هذا الذي عرفه به من تأويلاته يطالب أولا بصحتها، وهل وافقه عليه علماء الأمة الذين (٢) لا يصلح هو [٧٤] ، أن يكون من نظرائهم كما مر، فإن أنكروا عليه ولم يوافقوه كما هو الواقع فلا كلام، إذ لا قبول لقوله (٣) على هذه الحالة بنص علماء الأمة ﵃، وقد (٤) قال تعالى فيمن لن يتبع (٥) سبيل المؤمنين ما قال. فإن وافقوه على ذلك، وقد علم عدم موافقتهم له (٦) فعلى تقدير موافقتهم له- لو فرضنا ذلك- فلا يقوم بتعريفه حجة حتى يتبين للجاهل ويعلم أن ما يقوله حق، كما نص على ذلك العلماء، إذ هو بهذه العبارة جعل تعريفه له حجة بمجردها بمنزلة تعريف الرسول ﷺ ، الذي قامت به

стр. 189

الحجة بالآيات الباهرات، التي تعجز قوى البشر عنها: من انشقاق القمر، وتسليم الحجر، وانقياد الشجر، ونزول العذق، وكلام الظبي (١) والضب، وتظليل الغمام، ونبوع الماء بين أصابعه ريا، وتسبيح الطعام، وحنين الجذع، وسجود الجمل، والإسراء، وتكثير الطعام، وأعظم من ذلك القرآن المجيد، وما لا يحصى من المعجزات بالاستقصاء والتعديد، وأما هذا فليس تعريفه بحجة حتى يعلم المعرف أن ما عرف (٢) به هو الحق ثم يعاند) . اهـ. والجواب أن يقال: على (٣) هذا الكلام من الظلمة والوحشة، واضطراب (٤) التركيب ما يقضي بسقوطه وجهل قائله، وعدم معرفته لمواقع الخطاب، وقول شيخنا- ﵀ في جوابه للشريف: "ونكفره بعد التعريف إذا عرفناه وأنكر) قول صحيح (٥) فإن العلماء - رحمهم الله تعالى- ذكروا أن المرتد يستتاب ويعرف؛ فإن أصر وأنكر يكفر بذلك، ولو كان المستتيب له من آحاد أمراء المسلمين أو عامتهم؟ فكيف بقضاتهم وعلمائهم؟

стр. 190

[سياق الأدلة على كفر من أشرك بالله وجعل له ندا] وأما قول المعترض: فنقول: أولا: هذا الذي عرفه به من تأويلاته، يطالب أولا بصحتها) . فيقال لهذا الملحد: إن الذي يشير إليه الشيخ، ويعرف به هو نصوص القرآن والسنة، وإجماع علماء الأمة، وما ذكره الفقهاء في كتبهم في تكفير من أشرك بالله، وجعل له ندا يعبده ويدعوه ويستجير بحماه، وأدلة هذا في كتاب الله، وفي سنة رسول الله (١) أكثر من أن تحصر. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] (٢) الآية (٣) وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦] [النساء / ١٣٦] . وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ١١] [التوبة / ١١] . وقال: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] (٤) . وقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] (٥) . وقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] [الإسراء / ٢٣] .

стр. 191

وقال: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩] [الإسراء / ٣٩] . وقال: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] [يوسف / ٣٩] والآية بعدها (١) . وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ [يونس: ١٠٦] [يونس / ١٠٦] . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] [المؤمنون / ١١٧] . وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦] [الإسراء / ٥٦] . وقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [الجن / ١٨] . وكقوله (٢) ﷺ : «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده» (٣) «وفي حديث عمرو بن عبسة لما قدم على رسول الله ﷺ أول المبعث قال: "فقلت له: بأي شيء أرسلك؟ قال: بأن يوحدوا الله ولا (٤) يشرك به شيء، وتكسر الأوثان وتصل الرحم» (٥) وقوله: «أمرت

стр. 192

أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» (١) . ومعلوم أن المراد هنا قولها على وجه يحصل به إفراد (٢) الله بالعبادة وترك ما يعبد معه، والبراءة منه، وأما مجرد اللفظ مع المخالفة للحقيقة فليس مرادا بإجماع أهل العلم، ولذلك جاء في «حديث معاذ لما بعثه إلى اليمن: "فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله» ، وفي رواية: " «إلى أن يوحدوا الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات» " (٣) . والمقصود منه: أنه جعل الغاية توحيد الله (٤) بالعبادة والاستجابة لذلك والتزامه هو مدلول شهادة أن لا إله إلا الله، وأما مجرد القول والتلفظ فليس هو عين المراد. وأما العلماء فقد وافقوا على ذلك، وقرروه، وذكروا الإجماع عليه، وأن الإيمان لا بد فيه من اعتقاد الجنان، وإقرار اللسان، وعمل الأركان، وجهلوا من اقتصر في تعريف مسماه على أحد هذه الثلاثة. وأما كون الشيخ لا يصلح أن يكون من نظرائهم: فالذي يصلح أن يكون من نظرائهم عند هذا الملحد هو ابن سلوم، وابن فيروز، وأمثالهما

стр. 193

ممن (١) صرح بعداوة الدين، ومسبة شيخ المسلمين، وكل أحد يميل إلى جنسه ويصبو إلى ما يشاكله، "والأرواح أجناد (٢) مجندة، فلأرواح أهل الإيمان واليقين من الألفة والمشاكلة ما يوجب المودة والألفة ولو تباعدت الديار وتناءت الأشباح، بخلاف أهل الشرك والفجور، فإن بينهم وبين الأرواح الطيبة من الوحشة والنفور والبغضاء ما يزداد بقرب الديار ورؤية الأبصار، وبين أرواح بعضهم من بعض من ذلك ما هو مشاهد محسوس. وقوله: (فإن أنكروا عليه ولم يوافقوه كما هو الواقع فلا كلا) . يقال في جوابه: وافقه على وجوب توحيد الله والبراءة مما عبد معه جميع الرسل وأتباعهم إلى يوم القيامة، ووافقوه على تكفير من أبى ذلك ورده إذا قامت عليه الحجة. ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] [النحل / ٣٦] وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] [الأنبياء / ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا (٣) أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] [الزخرف / ٤٥] وأما أعداء شيخنا المحادون لله ورسوله من ضلال المنتسبين (٤) إلى

стр. 194

الملة: فليسوا من أهل العلم، بل ولا من أهل الإيمان؛ فلا يغتر بقولهم ولا يلتفت إليهم؛ لأنهم الأئمة في عبادة القبور وجعلها أوثانا تعبد (١) كما لا يلتفت إلى خلاف (٢) . القدرية والمجبرة والجهمية الذين جحدوا صفات الله، وأنكروا علوه واستواءه على عرشه، وأنه (٣) . يتكلم بحرف وصوت، وجعلوا نفيهم وتعطيلهم أصولا دينية يجب على الناس اعتقادها؟ فهؤلاء وأمثالهم لا يعتبر إنكارهم، ولا يستشهد بوفاقهم (٤) . وأما قوله: (وقد قال تعالى (٥) فيمن لم يتبع سبيل المؤمنين ما قال) . فكأن الرجل لا يعرف التلاوة ولا يحفظ الآية، ونقول: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] [النساء / ١١٥] وسبيل المؤمنين هو الصراط المستقيم، وهو ما كان عليه ﷺ من الإسلام والتوحيد. فسره بهذا أهل العلم. وأنت عكست الأمر، وجعلت من شاق الله ورسوله بمدح الشرك وأهله والدعوة إليه، وخرج عن سبيل المؤمنين، واتبع غيره (٦) هم العلماء

стр. 195

الأمجاد النقاد الذين يعتد بوفاقهم وخلافهم، وهذا عين المشاقة والمحادة (١) لله ورسوله، وقد ولاك ما توليت، وأتاح لك ما اخترت وتمنيت، وصار أعداء دين الله هم أولياؤك وأشياخك وحزبك وأشياعك الذين تدين بأقوالهم، وترجع إلى آرائهم، وتحتج بها في موارد النزاع، فتحقق هذا الوصف فيك، وأما إصلاء جهنم فأمره إلى الله الذي بيده الملك وإليه يرجع الأمر كله فيقضي بين عباده بعلمه، وهو أسرع الحاسبين. [رد اشتراط المعترض في قيام الحجة معرفة علم المخاطب بالحق] وأما قوله: (فعلى تقدير موافقتهم لا يقوم بتعريفه حجة حتى يتبين للجاهل ويعلم أن ما يقوله حق) . أقول في جوابه: هذا الرجل من المحن على الدين، ومن أكابر المحرفين للكلم عن مواضعه، أي عالم وأي فقيه اشترط في قيام الحجة والبيان معرفة علم المخاطب بالحق؟ . قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ (٢) إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] [الفرقان / ٤٤] . وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥] [الأنعام / ٤٥، الإسراء / ٤٦] وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ (٣) بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا - الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤] [الكهف / ١٠٣، ١٠٤]

стр. 196

وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] [فصلت / ٤٤] . وأمثال هذه الآيات التي تدل على عمايتهم وعدم معرفتهم للحق كثير، ولم يقل هذا (١) أحد قبل هذا الغبي، وإنما يشترط فهم المراد، للمتكلم والمقصود من الخطاب، لا أنه حق. فذاك طور ثان، هذا هو المستفاد من نص الكتاب السنة، وكلام أهل العلم لا ما قاله هذا المخلط الملبس. وفي كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد (٢) حدثني أبو سعيد بن يعقوب الطالقاني أنبأنا المؤمل بن إسماعيل سمعت عمارة بن زاذان (٣) قال: بلغني أن القدرية يحشرون يوم القيامة مع المشركين؟ فيقولون: والله ما كنا مشركين، فيقال لهم (٤) إنكم أشركتم من حيث لا تعلمون، قال: وبلغني أنه يقال لهم يوم القيامة: "أنتم خصماء الله ". انتهى. فهؤلاء ما عرفوا الحق ولا عقلوه. وأما قوله: (إذ هو (٥) جعل تعريفه حجة بمجردها بمنزلة تعريف الرسول ﷺ الذي قامت به الحجة بالآيات الباهرات) ، إلى آخر عبارته. فيقال لهذا المخلط: تعريف أهل العلم للجهال بمباني الإسلام،

стр. 197

وأصول الإيمان والنصوص القطعية (١) والمسائل الإجماعية حجة عند أهل العلم، تقوم بها الحجة، وتترتب عليها الأحكام، أحكام الردة وغيرها، والرسول ﷺ أمر بالتبليغ عنه، وحث على ذلك، وقال [الله] (٢) في الاحتجاج والنذارة في كتابه العزيز (٣) ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] [الأنعام / ١٩] ومن الذي يبلغ وينقل نصوص الكتاب والسنة غير أهل العلم وورثة الرسل؟ فإن كانت الحجة لا تقوم بهم وبيانهم أن هذا من عند الله، وهذا كلام رسوله، فلا حجة بالوحيين، إذ النقل والتعريف يتوقف على أهل العلم؟ كما أن بيان المعاني المقصودة والتأويلات المرادة (٤) يتوقف على أهل العلم؟ وتقوم الحجة بهم، وهم نواب الرسول ﷺ في الإبلاغ عنه وقيام الحجة بهم كما قال علي بن أبي طالب في حديث كميل بن زياد: "بلى " لن تخلو الأرض من قائم لله بحججه (٥) كي لا تبطل حجج الله وبيناته " (٦) إلى آخر كلامه، وفي الحديث: " «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله» (٧) .

стр. 198

وبالجملة: فالحجة في كل زمان إنما تقوم بأهل العلم ورثة الأنبياء. وما ذكر هذا المعترض من الآيات التي تعجز قوى البشر عنها هي آيات ومعجزات دالة على رسالته ونبؤته ﷺ وليست دالة على أنه لا يقبل من علماء أمته بيان ودعوة إلى الله إلا إذا حصل لهم مثل ما حصل له، كما يشير إليه كلام هذا الضال، وهي أيضا براهين لأتباعه وعلماء أمته؟ لأنهم يبلغون عنه. [حديث سجود الجمل للنبي ﷺ ] وفي عبارة المعترض: (أن الجمل سجد له) ، وهذا مما لا أصل له. بل جاء (١) الجمل يشتكي كثرة العمل، وحن إليه، وأما السجود فلا سجود؟ لأن حديث سجود الجمل رواه الدارمي (٢) من حديث إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصغير (٣) الأسدي المكي (٤) قال فيه (٥) يحيى القطان: ليس بالقوي، وكذلك قال النسائي، وقال عبد الرحمن ابن أبي حاتم (٦) ليس بقوي في الحديث، وليس حده الترك. قلت: يكون مثل أشعث بن سوار (٧) في الضعف؟ قال: نعم. وقال عمرو

стр. 199

بن علي (١) كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه، وقال في موضع آخر: رأيت عبد الرحمن بن مهدي، وذكر إسماعيل بن عبد الملك وكان قد حمل عن سفيان عنه (فقال: اضرب على حديثه. وقال أبو موسى محمد بن المثنى: ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن يحدثان عن سفيان عنه) (٢) وكان عبد الرحمن يحدث عنه، ثم أمسك عنه. (فما حدث عنه) (٣) وقال البخاري: يكتب حديثه. وقال ابن حبان: يقلب ما يروي. انتهى. وقوله: (ونبوع الماء بين أصابعه ريا) . عبارة نبطية، فيها من اللحن موضعان تعرف بهما أنه أجنبي عن سائر العلوم. الأولى: في قوله: " نبوع " فإن المصدر "نبع من باب ضرب يضرب ضربا، ولا يجوز ضرب يضرب ضروبا، وجواز هذا الوزن في جمع (٤) فعل قليل جدا، والذي ذكره المعترض يريد به المصدر لا الجمع بخلاف فعل ساكن العين، فإنه يجمع على فعول ككرم وكروم، وصقر وصقور. واللحنة الأخرى قوله: ريا"، فالحال لا تصلح هنا. إذ صاحبها لا يصلح أن يكون (٥) المصدر ولا الجمع على قدرته، فالكلام نبطي ساقط.

стр. 200

وأما قوله: (أما هذا فليس تعريفه بحجة حتى يعلم المعرف أن ما عرفه (١) به هو الحق ثم يعاند) [فقد] (٢) تقدم ما فيه، وهذا محض تكرير وإسهاب (٣) مفلس، لا يدري ما يقول: فدع عنك الكتابة لست منها ... ولو سودت وجهك بالمداد

стр. 201

[فصل في بيان كفر من عرف التوحيد ولم يتبعه مع عدم بغض للدين وأهله ولم يمدح الشرك] فصل قال المعترض: (ثم قال في جوابه المذكور: فنقول: أعداؤنا معنا على أنواع. النوع الأول: من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله ﷺ الذي أظهرناه للناس، وأقر أيضا أن هذه الاعتقادات في الحجر والشجر الذي هو دين غالب الناس أنه الشرك بالله الذي بعث الله رسوله ينهى عنه، ويقاتل أهله ليكون الدين كله لله، ومع ذلك (١) لم يلتفت إلى التوحيد ولا تعلمه ولا دخل فيه، فهذا كافر نقاتله بكفره، لأنه عرف التوحيد فلم يتبعه، مع أنه لا يبغض دين الرسول ولا من دخل فيه، ولا يمدح الشرك ولا يزينه للناس) . ثم قال المعترض: (فنقول: يا غوثاه إلى الله تعالى، كيف يقول: إنه عرف التوحيد والشرك ومع ذلك إنه لا يبغض دين الرسول ﷺ ولا من دخل فيه، " ولا يمدح الشرك ولا يزينه للناس، ثم يقول: ولا تعلمه ولا دخل فيه) (٢) ما هذا التناقض الباهر؛ الذي يعرفه البليد دون الماهر؟)

стр. 202

والجواب أن يقال: آفتك الفهم السقيم؟ والمعتقد الذميم، الخارج عن الصراط المستقيم. قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] [الأنعام / ١١٠] لو عرفت حدود ما أنزل الله علي رسوله، وعرفت الإيمان بحده الشرعي، والتوحيد بحده، لظهر لك أن المعرفة لا تقتضي الإيمان والتوحيد، وأكثر أعداء الرسل عرفوا الحق والصدق، ولكنهم لم يلتفتوا إليه ولم يعبأوا به ولا تعلموه، كحال هذا الذي ذكره الشيخ. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] [فصلت / ١٧] وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] [الأنعام / ٣٣] . وقال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤] [النمل / ١٤] . قال شيخ الإسلام في كتاب "الإيمان " (١) في بيان (٢) غلط المرجئة: (الثاني: ظنهم أن كل من حكم الشارع بأنه كافر مخلد في النار؛ فإنما ذلك لأنه لم يكن في قلبه شيء من العلم والتصديق، وهذا أمر خالفوا به الحس والعقل والشرع وما أجمع عليه طوائف بني آدم السليمي

стр. 203

الفطرة وجماهير النظار، فإن الإنسان قد يعرف أن (١) الحق مع غيره، ومع هذا (٢) يجحد ذلك لحسده إياه، أو لطلب علوه (عليه، أو لهوى النفوس، ويحمله ذلك الهوى على أن يتعدى) (٣) عليه ويرد ما يقول بكل طريق، وهو في قلبه يعلم أن الحق معه، وعامة من كذب الرسل علموا أن الحق معهم، وأنهم صادقون لكن إما لحسدهم، وإما لإرادتهم العلو والرياسة، وإما لحبهم (٤) دينهم الذي كانوا عليه، وما يحصل لهم به من الأغراض، كالأموال والرياسة وصداقة أقوام وغير ذلك، فيرون في اتباع الرسل ترك الأهواء المحبوبة إليهم، وحصول أمور مكروهة إليهم فيكذبونهم ويعادونهم، فيكونون من أكفر الناس، كإبليس وفرعون مع علمهم بأنهم على الباطل، والرسل على الحق، ولهذا لا يذكر الكفار حجة صحيحة تقدح في صدق الرسل وإنما يعتمدون على مخالفة أهوائهم، كقولهم لنوح: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١] [الشعراء / ١١١] . ومعلوم أن اتباع الأرذلين لا يقدح في صدقه في (٥)) . انتهى المقصود (٦) . وفي قصة أبي طالب وأمره لابنه علي بن أبي طالب ﵁ بأن يلزم ما دعاهم إليه رسول الله ﷺ ، مع محبته للرسول ﷺ وعدم بغض دينه ومن دخل فيه ونصرته ومدحه، ومع ذلك لم يرغب عن ملة

стр. 204

عبد المطلب، وحكم الله بكفره ونهى رسوله عن الاستغفار له، وهذا في أول السيرة يفهمه صغار الطلبة، وقد خفي على ضخم العمامة واسع الأردان. قال [أبو طالب] ، (١) في منظومته المشهورة: لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا , ولا يعني بقول الأباطل وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل (٢) وقال: (٣) وعرضت" دينا قد عرفت بأنه ... من خير أديان البرية دينا (٤) ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا (٥) لولا الملامة أوحذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا ومع ذلك كله لا تعلم الدين (ولا دخل) (٦) فيه، فهو من النوع الذي مثل به الشيخ. وأصل الأشكال على هذا المعترض الجاهل: أنه لم يفرق بين المعرفة وبين التعلم والدخول في الدين، فلذلك استغرب وصاح وناح، وبجهله أعلن وباح، وزعم أن العبارة فيها تناقض باهر ظاهر، يعرفه البليد

стр. 205

دون الماهر؟ وأهل العلم عرفوا التوحيد والإيمان بأنه: قبول ما جاء به الرسول من الهدى ودين الحق باطنا وظاهرا، وإيثاره على غيره، وهذا يدخل فيه علم القلب (١) وعمله، وقول (٢) اللسان وعمل (٣) الأركان، فأين هذا من مجرد المعرفة وعدم البغض؟ وقد قيل فيمن لم يأخذ بالحق ويلتزمه مع معرفته له: فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم وقد تقدم عن هذا أنه قال فيمن قال: "لا إله إلا الله إنه من أهل التوحيد والإيمان، ومن أمة محمد ﷺ ولا (٤) يضره عنده عبادة الصالحين والأوثان، ولا يحول بينه وبين ذلك، وهنا زعم أن المعرفة هي الإيمان والدخول فيه، هذا هو التناقض والتدافع والاضطراب، الذي لا يرتضيه أولو الأحلام والألباب. وفي قول هذا من المؤاخذة اللفظية: أن "البليد" لا يختص بمعرفة دون الماهر، فكيف يقول: (يعرفه البليد دون الماهر) ؟ وأظنه يريد: فكيف الماهر، ولكنه ارتبك على عادته في العجمة، ولسنا بصدد هذا! وإنما المقصود بيان كذب هذا في دعوى التناقض، وأن هذا وصفه، وقد شنع سلف الأمة وأئمتها على من قال: (إن الإيمان هو التصديق) . وبدعوه وضللوه وذكروا لقوله من اللوازم المكفرة ما لا يتسع له هذا الجواب. فسبحان من صد عن معرفة الهدى والرشاد كل من صدف عن دينه وتوحيده، وسعى في الأرض بالفساد.

стр. 206

تنبيه: حرف المعترض كلام الشيخ، فحذف منه ما يبين مراد الشيخ. وأول كلامه ﵀ (١) (سألني الشريف عما نقاتل عليه، وعما نكفر الرجل به؟ فأخبرته بالصدق، وبينت له أيضا الكذب الذي يبهت (٢) به الأعداء، فسألني أن أكتب له فأقول: أركان (٣) الإسلام الخمسة أولها الشهادتان، ثم الأركان الأربعة، فالأربعة إذا أقر بها وتركها تهاونا فنحن وإن قاتلناه على فعلها فلا نكفره، بتركها، والعلماء اختلفوا في كفر التارك لها كسلا من غير جحود. ولا نقاتل إلا على ما أجمع عليه العلماء كلهم وهو: الشهادتان) . انتهى.

стр. 207

[فصل في بيان كفر من عرف أن التوحيد دين الله وأن الاعتقاد في الشجر والحجر شرك وأعرض عنه ولم يقبله] فصل قال المعترض: (ثم كيف يفر هذا، ويقتل ويؤخذ ماله، وييتم أولاده (١) بهذا الهذيان البارد؟ ويجعل هذا الصنيع المارج دين الله ورسوله، المرتب للمجاهد (٢) فيه جنة المأوى والرضوان من الرحمن، وأنه الذي أرسل الله (٣) به رسوله وأنزل به كتابه؟ سبحانك هذا بهتان عظيم، وافتراء على الله في عباده (٤) وبلاده، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) . ثم قال: (والاعتقاد في الشجر والحجر ليس هو دين غالب الناس) . وزعم أن هذا افتراء واجتراء، وأن الغالب قول الرسول ﷺ في أمته التي هي خير أمة أخرجت للناس: " «لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة» " (٥) وحديث: " «لن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله» " (٦)

стр. 208

ثم قال: (وأهل البدع طريقتهم (١) الجهل والافتراء، فإن وجد في الأمة من يريد التبرك بشجر أو حجر فلا أو سمع من طريقة خاتم الرسل ﷺ مع أصحابه ﵃ وأرضاهم يوم حنين، وكذا طريقة كليم الرحمن موسى بن عمران ﵊ مع أصحابه، فيقال لمن أراد (٢) ذلك ما قالوا، ويقف حيث وقف رسل الله تعالى، وهذا الرجل يطلب طريقا غير طريقهم، ولازم قوله هذا تكذيب الرسول ﷺ ، حيث لم يجعل دينه قائما مستقيما ظاهرا، وأنه الذي أظهره للناس، فأي ذلك يصدق: هذا الرجل؟ أم الرسول- ﷺ والعيان بالبيان ما أغوى صاحب الهوى) . انتهى. والجواب أن يقال: هذا القول الذي قاله شيخنا وقرره في تكفير من عرف أن التوحيد دين الله، وأن الاعتقاد في الشجر والحجر هو الشرك الذي قاتل عليه رسول الله ﷺ ، ومع هذه المعرفة أعرض عنه ولم يقبله تعلما وعملا، هو الذي دل عليه الكتاب العزيز والسنة النبوية. قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] [فصلت / ١٣] . ولم يقل فإن لم يعرفوا؛ بل رتب ذلك على نفس الإعراض. وقال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى - وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤] [طه / ١٢٣، ١٢٤]

стр. 209

وقال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النجم: ٢٩] (١) [النجم / ٢٩] . وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] [النساء / ٦٥] وقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] (٢) [البقرة / ١٧٧] . وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] [البينة / ٥] فدلت هذه الآية (٣) على أن المعرض عما جاء به الرسول من الهدى ودين الحق يكفر إن (٤) عرف ولم ينكر، وأن الإيمان بالله ورسوله لا بد فيه من الانقياد والاعتقاد والعمل باطنا وظاهرا، وذكر السلف في ردهم على المرجئة والجهمية أن الإيمان قول وعمل ونية، ودلت سنة رسول الله ﷺ على ذلك في غير ما حديث، كحديث: " «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا

стр. 210

لا إله إلا الله» " (١) وحديث: " «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله» " (٢) وحديث عمرو بن عبسة وقد تقدم قريبا (٣) وغير ذلك مما لو أفرد لاحتمل مجلدات. فمن قال فيمن ذهب إلى مدلول هذا وقرره (٤) (أنه هذيان بارد) فهو كفور جاحد (٥) ومكابر معاند، ولئيم حاسد، والجهاد لم يشرع إلا لإلزام المكلفين بما جاء من توحيد الله، والتزام دين المرسلين، لا لمجرد المعرفة فقط، وقد جاهد (٦) ﷺ هذا الضرب من الناس، واستباح دماءهم وأموالهم؟ واليهود يعرفون الرسول كما يعرفون أبناءهم. وقد قال تعالى في شأنهم: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] [البقرة / ١٤٦] فمن جعل مجرد المعرفة هي الإيمان والقتال لأهلها الذين لم يلتزموا ما جاءت به الرسل، بل أعرضوا عنه قتال مفتر ظالم وصنيع مارج، فهو من أعظم الخلق صدا (٧) عن سبيل الله، وهدما لقواعد دينه، وكذبا على شريعته، وتلبيسا على عباده، وردا لما جاءت به رسله، وجهلا بالإيمان وحقائقه.

стр. 211

ولازم قوله (١) هذا: الطعن على رسول الله ﷺ بقتاله (٢) من عرف أنه على الحق، وأنه رسول الله، وكذلك فيه: طعن (٣) على من قاتل على الشهادتين أو على ركن من أركان الإسلام، كقتال الصديق على الزكاة، وجهاد من منعها، وفيه: طعن على جميع أهل العلم الذين أباحوا القتال على الامتناع عن فعل بعض شرائع الإسلام الظاهرة. وكذلك من نفى ورد ما قاله الشيخ وقرره من أن الاعتقاد في الحجر والشجر هو دين غالب الناس في هذه الأوقات، فمن أنكر هذا وجادل فيه فهو مكابر معاند، لأن هذا قد اشتهر، وعرفه جمهور البشر، فليس في أرض فارس وما وراء النهر إلا عبادة قبور (٤) الأئمة وأهل البيت وغيرهم، والاعتقاد فيهم النفع والضر، والعطاء والمنع، والنصر والقهر، وغير ذلك من أفعال الربوبية، وكذلك العراق باديته وحاضرته، إلا أفرادا قليلا (٥) والأكثر لهم فيمن يعتقدونه من الأولياء أو غيرهم (٦) كعبد القادر (٧) والكاظم وغيرهما ما لا يجهله أبلد الناس وأشدهم تغفيلا، وهكذا كل بلد وكل مصر وكل بادية، لهم من الولائج والمعبودات والاعتقادات في القبور والأشجار التي يرجون منها البركة ما لا يخفى على أحد.

стр. 212

[الأدلة على فساد الأزمنة كلما تباعد العهد بالنبوة الخاتمة] فمن جحد هذا كله وزعم أن الأكثر هم خير أمة أخرجت للناس وأن دين الإسلام لا يزال قائما بهم، وإن أمر أكثر الناس لا يزال مستقيما حتى تقوم الساعة، فهو من أكذب الناس وأضلهم، وأجهلهم بالنصوص ومعانيها. وقد صح عنه ﷺ أنه قال: " «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا (١) كما بدأ فطوبى للغرباء. قيل: من هم (٢) يا رسول الله؟ قال: النزاع من القبائل» " (٣) وقد تقدم ذلك، وتقدم (٤) حديث: " «لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه» " (٥) .، وفي الحديث: " «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» (٦) (٧) "، وعن ابن مسعود: «يأتي على الناس زمان يكون المؤمن فيه أذل من النقد» (٨) وقال ﷺ : " «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول

стр. 213

ذي الخلصة» " (١) وفي حديث ثوبان: ( «ولا» (٢) تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى يعبد (٣) . فئام من أمتي الأوثان " (٤) وهذا لا يخالف قوله في حديث معاوية: " «لا تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى تقوم الساعة» " (٥) لأن المراد بالأمة: أهل الاستقامة والمتابعة والإجابة لا جميع أمة الدعوة، فإن "الأمة" تطلق ويدخل (٦) فيها من بلغته الدعوة، كما في حديث: " «ما من رجل من هذه الأمة يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن إلا كان من أهل النار» " (٧) وغربة الدين قررها أهل العلم، وأفردوها بالتأليف، وهي أكثر وأشهر من حديث معاوية وحديث جابر ﵄. وما زعم المعترض من أن حديث معاوية متواتر، قول لا أصل له، لأن المتواتر ما رواه عدد كثير يستحيل تواطؤهم على الكذب. وأما قوله: (وأهل الباع طريقتهم الجهل والافتراء) فنعم؟ والله، وهو الذي سودت به أوراقك واعتراضاتك من أولها إلى آخرها، ولأهل

стр. 214

العلم من النقد والتمييز ما يكفي عن بيان جهلك والإطناب في ذلك. [التفريق في الحكم بين من عرف الحق وأصر وعاند ومن عرف فتاب] وأما قوله: (فإن وجد في الأمة من يريد التبرك بشجر أو حجر، فلا أوسع من طريقة خاتم الرسل) إلى آخر عبارته. فشيخنا- ﵀ ما خرج عن طريقتهم، ولا فارق منهاجهم، وقد قام أحسن قيام على من أراد ذلك ونصح وبلغ، وقرر واستدل، فمن قبل وأطاع الله ورسوله سار فيه بسيرة المؤمن مع أخيه، وأكرمه وأحبه لله وفيه، كما فعل رسول الله ﷺ بأبي واقد الليثي وأصحابه (١) .، وكما فعل موسى بن عمران ﵇ مع بني إسرائيل (٢) . . والنزاع فيمن رد على الأنبياء، ولم يقبل منهم، وتبرك بالشجر والحجر وعاند وقاتل على ذلك (٣) وهذا المعترض خلط (٤) المسألتين، وجعل من عبد الأشجار وعاند وأصر، بمنزلة من استفتى ثم تاب واستغفر، وزعم أن طريقة رسل (٥) . الله ترك المصر المعاند، وعدم تكفيره، كما هي (٦) سيرتهم في المنيب التائب، فكذب على رسل (٧) الله؟ ولبس على خلق الله، واستباح لحوم العلماء، وبهرج على الجهال، وقد صار إلى الله وقدم عليه، وهو أحكم الحاكمين وإله العالمين.

стр. 215

وكل مسلم وعاقل يعلم أن رسول الله ﷺ قاتل من تأله بالأشجار والأحجار (١) واستكبر عن توحيد الملك الغفار. قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى - وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى - أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢١] [النجم / ١٩ - ٢١] . فهل هذه المذكورات في الآية الكريمة إلا أحجار وأشجار (٢) وهل قاتل رسول الله ﷺ من عظمها وتأله بها وتبرك؟ وهل استباح دماءهم وأموالهم ونساءهم؟ أو كيف الحال يا معشر الضلال؟ وهل قال (٣) موسى لبني إسرائيل لما (٤) ﴿قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا (٥) إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ - إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ - قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٨ - ١٤٠] [الأعراف / ١٣٨ - ١٤٠] . فصح أن هذا المعترض الملحد إنما صاح، وأنكر ما ثبت من طريقة رسل الله وأوليائه فيمن عبد الشجر والحجر، وأنها (٦) ضاقت بهذا الرجل، وخرج عن رق العبودية إلى أودية الجهالة والضلالة يزعم أنها أوسع، وينسبها إلى الرسل فبعدا للقوم الظالمين (٧) وبؤسا للملحدين والمحرفين.
следующие страницы →