← Акыда

Акыда · id 30868

مصباح الظلام في الرد على من كذب الشيخ الإمام ونسبه إلى تكفير أهل الإيمان والإسلام

عبد اللطيف آل الشيخ

Полный текст (590 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ولازم قوله (١) هذا: الطعن على رسول الله ﷺ بقتاله (٢) من عرف أنه على الحق، وأنه رسول الله، وكذلك فيه: طعن (٣) على من قاتل على الشهادتين أو على ركن من أركان الإسلام، كقتال الصديق على الزكاة، وجهاد من منعها، وفيه: طعن على جميع أهل العلم الذين أباحوا القتال على الامتناع عن فعل بعض شرائع الإسلام الظاهرة. وكذلك من نفى ورد ما قاله الشيخ وقرره من أن الاعتقاد في الحجر والشجر هو دين غالب الناس في هذه الأوقات، فمن أنكر هذا وجادل فيه فهو مكابر معاند، لأن هذا قد اشتهر، وعرفه جمهور البشر، فليس في أرض فارس وما وراء النهر إلا عبادة قبور (٤) الأئمة وأهل البيت وغيرهم، والاعتقاد فيهم النفع والضر، والعطاء والمنع، والنصر والقهر، وغير ذلك من أفعال الربوبية، وكذلك العراق باديته وحاضرته، إلا أفرادا قليلا (٥) والأكثر لهم فيمن يعتقدونه من الأولياء أو غيرهم (٦) كعبد القادر (٧) والكاظم وغيرهما ما لا يجهله أبلد الناس وأشدهم تغفيلا، وهكذا كل بلد وكل مصر وكل بادية، لهم من الولائج والمعبودات والاعتقادات في القبور والأشجار التي يرجون منها البركة ما لا يخفى على أحد.

стр. 212

[الأدلة على فساد الأزمنة كلما تباعد العهد بالنبوة الخاتمة] فمن جحد هذا كله وزعم أن الأكثر هم خير أمة أخرجت للناس وأن دين الإسلام لا يزال قائما بهم، وإن أمر أكثر الناس لا يزال مستقيما حتى تقوم الساعة، فهو من أكذب الناس وأضلهم، وأجهلهم بالنصوص ومعانيها. وقد صح عنه ﷺ أنه قال: " «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا (١) كما بدأ فطوبى للغرباء. قيل: من هم (٢) يا رسول الله؟ قال: النزاع من القبائل» " (٣) وقد تقدم ذلك، وتقدم (٤) حديث: " «لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه» " (٥) .، وفي الحديث: " «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» (٦) (٧) "، وعن ابن مسعود: «يأتي على الناس زمان يكون المؤمن فيه أذل من النقد» (٨) وقال ﷺ : " «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول

стр. 213

ذي الخلصة» " (١) وفي حديث ثوبان: ( «ولا» (٢) تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى يعبد (٣) . فئام من أمتي الأوثان " (٤) وهذا لا يخالف قوله في حديث معاوية: " «لا تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى تقوم الساعة» " (٥) لأن المراد بالأمة: أهل الاستقامة والمتابعة والإجابة لا جميع أمة الدعوة، فإن "الأمة" تطلق ويدخل (٦) فيها من بلغته الدعوة، كما في حديث: " «ما من رجل من هذه الأمة يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن إلا كان من أهل النار» " (٧) وغربة الدين قررها أهل العلم، وأفردوها بالتأليف، وهي أكثر وأشهر من حديث معاوية وحديث جابر ﵄. وما زعم المعترض من أن حديث معاوية متواتر، قول لا أصل له، لأن المتواتر ما رواه عدد كثير يستحيل تواطؤهم على الكذب. وأما قوله: (وأهل الباع طريقتهم الجهل والافتراء) فنعم؟ والله، وهو الذي سودت به أوراقك واعتراضاتك من أولها إلى آخرها، ولأهل

стр. 214

العلم من النقد والتمييز ما يكفي عن بيان جهلك والإطناب في ذلك. [التفريق في الحكم بين من عرف الحق وأصر وعاند ومن عرف فتاب] وأما قوله: (فإن وجد في الأمة من يريد التبرك بشجر أو حجر، فلا أوسع من طريقة خاتم الرسل) إلى آخر عبارته. فشيخنا- ﵀ ما خرج عن طريقتهم، ولا فارق منهاجهم، وقد قام أحسن قيام على من أراد ذلك ونصح وبلغ، وقرر واستدل، فمن قبل وأطاع الله ورسوله سار فيه بسيرة المؤمن مع أخيه، وأكرمه وأحبه لله وفيه، كما فعل رسول الله ﷺ بأبي واقد الليثي وأصحابه (١) .، وكما فعل موسى بن عمران ﵇ مع بني إسرائيل (٢) . . والنزاع فيمن رد على الأنبياء، ولم يقبل منهم، وتبرك بالشجر والحجر وعاند وقاتل على ذلك (٣) وهذا المعترض خلط (٤) المسألتين، وجعل من عبد الأشجار وعاند وأصر، بمنزلة من استفتى ثم تاب واستغفر، وزعم أن طريقة رسل (٥) . الله ترك المصر المعاند، وعدم تكفيره، كما هي (٦) سيرتهم في المنيب التائب، فكذب على رسل (٧) الله؟ ولبس على خلق الله، واستباح لحوم العلماء، وبهرج على الجهال، وقد صار إلى الله وقدم عليه، وهو أحكم الحاكمين وإله العالمين.

стр. 215

وكل مسلم وعاقل يعلم أن رسول الله ﷺ قاتل من تأله بالأشجار والأحجار (١) واستكبر عن توحيد الملك الغفار. قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى - وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى - أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢١] [النجم / ١٩ - ٢١] . فهل هذه المذكورات في الآية الكريمة إلا أحجار وأشجار (٢) وهل قاتل رسول الله ﷺ من عظمها وتأله بها وتبرك؟ وهل استباح دماءهم وأموالهم ونساءهم؟ أو كيف الحال يا معشر الضلال؟ وهل قال (٣) موسى لبني إسرائيل لما (٤) ﴿قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا (٥) إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ - إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ - قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٨ - ١٤٠] [الأعراف / ١٣٨ - ١٤٠] . فصح أن هذا المعترض الملحد إنما صاح، وأنكر ما ثبت من طريقة رسل الله وأوليائه فيمن عبد الشجر والحجر، وأنها (٦) ضاقت بهذا الرجل، وخرج عن رق العبودية إلى أودية الجهالة والضلالة يزعم أنها أوسع، وينسبها إلى الرسل فبعدا للقوم الظالمين (٧) وبؤسا للملحدين والمحرفين.

стр. 216

والشيخ- ﵀ (١) وقف حيث وقف الرسل، وأنكر ما أنكروا، وقاتل على ما عليه قاتلوا، وأنت وأمثالك من الضالين وقفتم في طريقهم (٢) فمن أنكر ما أنكروه، وقاتل من (٣) قاتلوه، تصديتم للرد عليه، والذب عنهم، ودفعتم في صدر نصوص الكتاب والسنة بشبهات ساقطة، وأقوال ضالة، لا تروج على من عرف الإسلام وحقيقته، فأنتم جند محضرون لمن عبد الشجر والحجر. [بيان المقصود بإظهار الدين وعدم لزوم المظهر للدين تكذيب الرسول] وأما قوله: (ولازم قوله هذا تكذيب الرسول، حيث لم يجعل دينه قائما مستقيما ظاهرا؟ وأنه (٤) الذي أظهره للناس) . فيقال لهذا المعترض: إن كان إظهار العلماء والأئمة لدين الإسلام وبيانه للناس، وذكر حدوده يلزم منه تكذيب الرسول، فأي عالم وأي صحابي وأي خليفة هدى لم يقع منه بيان، وإظهار وكشف لحقيقة الإسلام وحدود الإيمان؟ بل آحاد المؤمنين لا بد أن يقع منه هذا (٥) ولو لأهل بيته وأولاده، ومعلموا (٦) . الصبيان أظهروا لهم من كتاب الله وعلموهم ما لم يكونوا يعلمونه، فإن كان الدين لا يحتاج لإظهار وتبيين، أو كان، الإظهار يستلزم تكذيب الرسول، فليس على وجه الأرض مؤمن إلا من سكت عن ذكر دين الإسلام وتعليمه للناس والدعوة إليه، ولم يسلك سبيل

стр. 217

الرسول وسبيل من اتبعه في الدعوة إلى الله على بصيرة، ومن دعا وأظهر للناس شيئا من الدين فلازم قوله تكذيب الرسول! . فلا إله إلا الله!! ما أشد ما تلاعب الشيطان بهذا المغرور وأمثاله، حتى جعلوا متابعة الرسول وسلوك سبيله تكذيبا له أو لازمه التكذيب؟ . وهذا الضرب من الناس هم من شر الدواب المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ - وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢ - ٢٣] [الأنفال / ٢٢، ٢٣] وأول الناس بين حقيقة الإسلام وما يدخل فيه- بعد رسول الله ﷺ (١) أبو بكر الصديق ﵁، فإن عمر قال له: أتقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : " «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» (٢) فقال الصديق ﵄ (٣) ألم يقل: "إلا بحقها" فإن الزكاة من حقها، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها (٤) إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. قال عمر ﵁: فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق (٥) وأجمع العلماء على تصويب أبي بكر وقتال من منعها، أفيلزم من

стр. 218

بيان أبي بكر لعمر تكذيب الرسول (١) سبحانك (٢) نبرأ إليك مما أتى به هذا المفتري (٣) وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: وإن للإسلام شرائع وفرائض وحدودا وسننا، فإن أعش فسأبينها لكم، وإن أمت فلست على صحبتكم بحريص (٤) فيلزم من هذا- عند المعترض- خطأ عمر وتجهيله، وهذا الرجل يسب أئمة الإسلام وهو لا يشعر.

стр. 219

[فصل في بيان كفر من عرف التوحيد ثم تبين في السب والعداوة وفضل أهل الشرك] فصل قال المعترض: (ثم قال في جوابه: "النوع الثاني من عرف ذلك ولكنه تبين في سب دين الرسول مع ادعائه أنه عامل به، وتبين في مدح دين أهل الكويت وفضلهم (١) على من وحد الله. فهذا أعظم من الأول كفرا". وفيه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] [البقرة / ٨٩] . وهو ممن قال الله فيهم: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢] [التوبة / ١٢] . قال المعترض: (انتهى كلامه بحروفه، فاستيقظ أرشدك الله لسبيله المستقيم، وانظر إلى هذا الكلام السقيم، بقلب واع فهيم، كيف هذا، الذي هو (٢) وصف بما يذكر يسب دينا قد عرفه (٣) وهو عامل به، ثم ينزل عليه هذا الرجل هذه الآية التي نزلت في أهل الكتاب من بعثة النبي ﷺ وصفته، فأنزل هذا الرجل نفسه بمنزلته، وكابر بذلك على الغوغاء وسفك

стр. 220

الدماء (١) ونهب بذلك الأموال على ذلك، والآية الأخرى نزلت في صناديد قريش على الصحيح من قول المفسرين كابن عباس ﵄؛ وهم الذين هموا بإخراج الرسول ﷺ باجتماعهم على ذلك في دار الندوة. ثم قال تعالى: ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [التوبة: ١٣] [التوبة / ١٣] ، بقتالهم يوم بدر. وقيل: قضية خزاعة. فهؤلاء هموا بإخراج الرسول بنطق القرآن المجيد، والذين وصفهم هذا الرجل، وعظم كفرهم لو رأوا الرسول ﷺ لوقوه بأنفسهم، ولم يرفعوا إليه أبصارهم (٢) تعظيما له بأبي هو وأمي ونفسي، ولبذلوا له ما بأيديهم، ثم إن هذا الرجل جعل أهل الكويت الذين شيدوا المساجد والمنار لداعي الفلاح، وأظهروا شعائر (٣) الإسلام، وبذلوا أموالهم على ذلك، واجتهدوا في المحافظة على أعمال الخير، طلبا لما عند الله تعالى، كالذين نزلت فيهم هذه الآيات بل كفر من ودهم (٤) وأثنى عليهم، فضلا عن تكفيرهم، فأي تكفير للأمة المحمدية أبلغ من هذا؟ إذ أهل الكويت من عرض هذه الأمة أهل القبلة المحمدية الإبراهيمية، ويا سبحان الله، فأين الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس؟ أيراها هذا الرجل هو وأتباعه الذين حجروا الواسع، وأين دين الله الظاهر المستقيم قبل هذا الرجل، الذي يزعم أنه

стр. 221

أظهره للناس؟ أفلا يستحي القابل لهذا الكلام دون القائل؟) . انتهى كلام المعترض بحروفه. والجواب أن يقال: هذا النقل اعتراه من التحريف والكذب ما اعترى غيره، والمحفوظ عن الشيخ- ﵀ أنه قال (١) (وتبين في مدح من عبد يوسف والأشقر، ومن عبد أبا علي والخضر من أهل الكويت، وفضلهم على من وحد الله تعالى؟ وترك الشرك) ، والمعترض غير هذا وقال: (وتبين في مدح دين أهل الكويت) وفرق بين العبارتين فإن من، عبد يوسف، ومن (٢) عبد أبا علي والخضر من أهل الكويت أو غيرهم مع معرفته لدين الرسول (٣) ومسبته له لا يستريب مسلم في كفره وردته، بخلاف ما (٤) لو قال ما زعمه المعترض. وهذا الحذف والتحريف موروث عن اليهود، كما فعل ابن صوريا (٥) لما أخفى آية الرجم وكتمها (٦) وقد ذكر (٧) تعالى أنه جعلهم كذلك محرفين، ولعنهم وجعل قلوبهم قاسية بنقضهم الميثاق والعهد، الذي أخذه (٨) عليهم على أيدي رسله وأنبيائه.

стр. 222

قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المائدة: ١٣] (١) الآية [المائدة / ١٣] . إذا عرفت ذلك: فكلام شيخنا في غاية الوضوح والظهور، ودليله دال على هذا. فإن قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] [البقرة / ٨٩] نص على تكفير هذا النوع الذي ذكره الشيخ، وهو من عرف ثم تبين في السب والعداوة وتفضيل أهل الشرك, فهذا بعينه هو الذي دلت عليه الآيتان (٢) . وأما قول المعترض: (كيف هذا الذي وصف يسب دينا قد عرفه وهو عامل به) . فيقال له: أما معرفته له مع مسبته فلا يستغرب ذلك؟ ولا يمتنع وجوده، وهو نص الآية في اليهود ونحوهم، ممن عرف ولم يلتزم، بل أصر وعاند، وقد (٣) قال ﷺ : " «لتتبعن سنن من كان قبلكم» " (٤) فلا يستغرب ذلك ويرده على الشيخ إلا من هو (٥) أجهل الناس بكتاب الله ودينه وشرعه؟ ومن أجهلهم بحال أعدائه في كل زمان ومكان، ولكن هذا الرجل خرف وزاد قوله: " وهو عامل به " ومعلوم أن العامل به لا يسبه

стр. 223

ولا يعاديه إذا عمل به حقيقة العمل؟ ولكن هذه من كيسه، زادها (١) لسبك التلبيس. والشيخ- ﵀ مثل بمن عرف ثم سب، ومدح دين المشركين ولم يقل: وهو عامل به. وأما قوله: (ثم ينزل عليه هذا الرجل هذه الآية التي نزلت في أهل الكتاب من بعثة النبي- ﷺ وصفته) . فيقال لهذا المغرور: إن من منع تنزيل القرآن، وما دل عليه من الأحكام على الأشخاص والحوادث التي تدخل تحت العموم اللفظي، فهو من أضل الخلق وأجهلهم بما عليه أهل الإسلام وعلماؤهم، قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، ومن أعظم الناس تعطيلا للقرآن وهجرا له، وعزلا عن الاستدلال به في موارد النزاع. وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] [النساء / ٥٩] . والرد إلى الله: هو الرد إلى كتابه، وإلى الرسول رد (٢) إلى سنته. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] [الشورى / ١٠] . وقال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] [الأنعام / ١٩] . فنصوصه وأحكامه عامة، لا خاصة بخصوص السبب. وما المانع من تكفير من فعل ما فعلت اليهود من تكفيرهم

стр. 224

بالصد (١) عن سبيل الله والكفر به، مع معرفته؟ . وهذا الرجل لا يبدي قولة في اعتراضه وتلبيسه إلا هي أكبر من أختها في الجهالة والضلالة، ولو كنت تعرف الكتاب العزيز، وما دل (٢) عليه من الحدود (٣) والأحكام والاعتبار؟ لأحجمت عن هذه العبارات التي لا يقولها إلا أفلس الخلق من العلم والإيمان. يا خاسرا هانت عليه نفسه ... إذ باعها بالغبن من أعدائه لو كنت تعلم قدر ما قد بعته ... لفسخت ذاك البيع قبل وفائه (٤) أو كنت كفؤا للرشاد وللهدى ... أبصرت , لكن لست من أكفائه وأما قوله: (فأنزل هذا الرجل نفسه بمنزلته (٥) وكابر بذلك على الغوغاء وسفك الدماء. . .) إلخ. فيقال: إن كلام الشيخ ﵀ فيمن كفر بدين الرسول، وسنته مع معرفته له، كائنا من كان، عرف الشيخ أو لم يعرفه، وليس في الكلام تصريح على ذكر الشيخ وطاعته، بل هو حكم شرعي عام، فنسبة من قاله ورميه بأنه نزل (٦) نفسه منزلة الرسول من أعظم البهت والفرية على أهل العلم والدين، والعلماء في قديم الزمان وحديثه هم الموقعون (٧) عن الله

стр. 225

ورسوله، المترجمون لوحيه وتنزيله، فمن رد عليهم ولم يقبل منهم - زعما منه أنهم يدعون إلى أنفسهم (١) ففيه مشابهة بمن رمى الرسل بذلك من قوم نوح وقوم فرعون، وقد تقدم ما قالوه لأنبيائهم. وقال تعالى فيمن استكبر عن متابعة الرسل، ولم يرضهم في التبليغ عن الله، واتهمهم في ذلك: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا (٢) لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١] [الفرقان / ٢١] فوصفهم بالكبر والعتو الكبير؛ لما اقترحوا هذه الاقتراحات، ولم يسلموا لما جاء به (٣) من الوحي والآيات، وهكذا كل مستكبر وعات، عما جاءت (٤) به الرسل، وما قرره أهل العلم، يرده ولا يقبله قدحا فيهم وزعما منه أنهم يدعون إلى أنفسهم، وأنه لا يصلح أن يكون تابعا، فما أقرب المشابهة بين هؤلاء الضلال وإخوانهم الأولين، أتواصوا به؟ بل هم قوم طاغون. وأما قوله: (والآية الأخرى نزلت في صناديد قريش على الصحيح من قول المفسرين، كابن عباس ﵄ (٥) وهم الذين هموا، بإخراج الرسول ﷺ (٦) باجتماعهم على ذلك في دار الندوة) .

стр. 226

فالجواب أن يقال: اللسان لسان جاهل، والقول غير مستقيم ولا عادل، والآية نزلت (١) فيمن عاهد الرسول على مدة معينة من المشركين يوم صلح الحديبية، وقد شهده (٢) وعاهده على الصلح كثير ممن لم يحضر دار الندوة، ولم يشهد رأيهم فيها، والآية عامة الحكم عند أهل العلم، وإن كان سببها خاصا، ولهذا استدل بها من قال: لا تقبل توبة من يسب الرسول ﷺ أو من طعن في دين الإسلام، أو ذكره بتنقص كما ذكره ابن كثير، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرهما من أهل العلم، وهو الذي قاله شيخنا ﵀ واستدل بالآية عليه. وأي مانع يمنع من تكفير هذا النوع، وإن كان سبب نزول الآية قوما مضوا وانقرضوا؟ فالحكم بحمد الله باقي، والدليل واضح، والمنار يلوح، وقد أنزل الله القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، ولم يخص به قوما دون قوم. وإن مضى أمس بأهل عرفانه فنحن من أبناء هذا اليوم. وقوله تعالى في وصف هؤلاء في الآية التي بعدها يراد به التحريض والإغراء بهم (٣) وكل وصف على حدته مبيح لقتالهم ودمائهم، ولذلك قاتلهم رسول الله ﷺ (٤) كافة، ولم يخص أهل دار الندوة كما ظنه هذا الغبي، فعلى عقله العفاء، والسلام على (عباد الله) (٥) الذين اصطفى.

стр. 227

وأعجب شيء أنه استدل على إيمان من يسب دين الرسول ومدح الشرك بأنه لو رأى الرسول ﷺ لوقاه بنفسه، ولم يرفع إليه بصره تعظيما له. فيقال لهذا المفتري: وما يشعرك أنه لو رآه لكفر به كما كفر بدينه. قال تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ - وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩ - ١١٠] [الأنعام / ١٠٩، ١١٠] . ثم لو وقى الرسول بنفسه (١) ولم يرفع إليه بصره، وبذل له ماله كما فعل أبو طالب، أي شيء يغني عنه ذلك مع مسبة التوحيد وعدم التزامه (٢) ومدح الشرك والثناء على أهله؟ والإسلام والإيمان وراء ذلك كله، لا بد فيه من معرفة الحق وإمارته والانقياد له وإيثاره على ما عداه، والجهل بحدود ما أنزل الله أوجب لهؤلاء الفجار أن يتلاعبوا (٣) بدين الله ويقوموا (٤) في نصر الكفر والكفار، فالحمد لله على ردع هؤلاء وكبتهم، وإظهار خزيهم وكشف جهلهم. [بيان تحريف المعترض كلام الشيخ بالطعن على أهل الكويت] وأما قوله: (ثم إن هذا الرجل جعل " (٥) أهل الكويت الذين، شيدوا المساجد والمنار لداعي الفلاح، وأظهروا شعائر (٦) الإسلام وبذلوا

стр. 228

أموالهم على ذلك، واجتهدوا في المحافظة على أعمال الخير طلبا لما عند الله كالذين نزلت فيهم هذه الآيات. . .) إلى آخر قوله فيهم. فقد تقدم أن الشيخ لم يذكر أهل الكويت ولا مثل بهم، وإنما هو تحريف من هذا المعترض، وتنفير وصد عن سبيل الله. ثم لو فرض أنهم كما ذكر في بناء المساجد والمنار، وبذل الأموال في ذلك، فما الفرق بينهم وبين (١) أهل خراسان وطبرستان والري وغيرهما (٢) (من بلاد فارس) (٣) وقد نص العلماء على أن الشخص لا يدخل في الإسلام إلا بعبادة (٤) الله وحده لا شريك له، والبراءة مما عبد (٥) من دونه، والكفر بالطواغيت (٦) مع التزام بقية الأركان والعمل بها. وهذا الغبي لم يحسن ولم يعرف ما يمدح به أهل الكويت إلا بأمر شاركهم فيه من عبد عليا والحسين والعباس، وشاركهم فيه الجهمية والباطنية والزنادقة، وهذا هو اللائق بحال هذا الرجل وعلمه (٧) وهو غاية ما عنده. وكذلك قوله: (إنهم من أهل القبلة المحمدية الإبراهيمية) هو من

стр. 229

هذا القبيل، وفيه إشعار بأنه لم يعرف مراد العلماء (بقولهم: "أهل القبلة لا يكفرون بالذنوب " ولم يعرف مراد العلماء) (١) ولا أصل هذه الكلمة وما تساق له. فكلامه ظلمات بعضها فوق بعض، وقد أنكر الإمام أحمد قول الناس: " لا نكفر أهل القبلة بذنب"، مع أن مراد من قاله مراد صحيح، لا يمنعه أحمد، لكن الشأن في الألفاظ والعمومات، وما يسلم منها وما يمنع. وأما قوله: (فأين الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس؟) . يقال له (٢) قد ضيقت واسعا، إن كانت الأمة عندك خصوص أهل الكويت، فهذا الكلام إلى هذيان (٣) المجانين أقرب منه إلى لسان المتشرعين (٤) . ثم ما المانع أن يكون الشيخ وأتباعه من (٥) خير أمة أخرجت للناس؟ ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤] [النساء / ٥٤] . وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]

стр. 230

﴿أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا﴾ [الزخرف: ٣٢] [الزخرف / ٣١، ٣٢] وقد روى الطبراني في الكبير بسنده إلى ابن عباس (١) " «كنتم خير أمة أخرجت للناس، قال: هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار» " (٢)

стр. 231

[فصل بيان كفر من كره من يدخل في التوحيد ومحبة أن يبقى على الشرك] فصل قال المعترض: (ثم قال: النوع الثالث من عرف التوحيد وأحبه واتبعه، وعرف الشرك وتركه، ولكنه يكره من دخل في التوحيد، فهذا كافر، فيه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩] [محمد / ٩] . ثم قال المعترض: (فنقول حينئذ: فيالله العجب! كيف يقول: من عرف التوحيد وأحبه واتبعه، وعرف دين المشركين وتركه، ثم يقول: ولكنه يكره من دخل في التوحيد، فهل هنا (١) توحيد من غير دين الله ورسوله ﷺ حتى يكره هذا؟ . فهذا من كلامه من الهذيان، وهو من الجمع بين الأضداد الممتنع عقلا وشرعا، أفلا يستحي قابل هذا الكلام دون القائل له، وهو يرى تناقضه وهذيانه؟ ولكن لو قال: إن هذا النوع الذي يحب التوحيد ويعمل به، ويكره الشرك وينكره قد كره قول هذا الرجل بتكفيره الأمة المحمدية (٢) لصدق، إذ هذا هو الحقيقة، وهو الواقع؛ لأن هذا الرجل جعل طاعته ركنا سادسا لأركان الإسلام) .

стр. 232

والجواب أن يقال: في هذا من التحريف والبهت قسطه، فإن الذي في النسخ المتداولة المحفوظة (١) "ويحب من بقي على الشرك ". ومعلوم أن معرفة التوحيد ومحبته واتباعه قد يعتريه ناقض ينقضه ومبطل يبطله، أو محبط يحبطه، وذلك يحصل بأمور: منها: كراهة من يدخل في التوحيد (ويلتزمه، ومحبة من يبقى على الشرك ولا يدخل في التوحيد) (٢) لغرض له في ذلك كرياسة (٣) وتحصيل مال، ونحو ذلك من الأغراض الفاسدة. وقد ذكر الفقهاء كثيرا من هذا النوع في باب حكم المرتد، تجري ممن يظهر محبة التوحيد، وجهل المعترض أوجب له الحيرة والشك. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ (٤) وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ (٥) بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا - أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١] (٦) [النساء / ١٥٠] . فهؤلاء آمنوا ببعض (٧) وأحبوه وتابعوه، ولم يلتزموا الإيمان بجميع

стр. 233

الرسل، وما جاء به الرسل (١) ولم يحبوه كله، بل فرقوا بين شعب الإيمان وأصوله، وأرادوا أن يتخذوا سبيلا بين الإيمان بالكل ورد الكل. فهذا عين ما قرره شيخنا (٢) فإن كراهة إيمان بعض الخلق كراهة لما أنزل الله فافهمه. قال في "الإقناع " في باب حكم المرتد (٣) (أو كان مبغضا لما جاء به الرسول) (٤) يعني فيكفر. وإذا أبغض دخول الناس في دين الله والتزامه، فهو مبغض لما جاء به الرسول بلا ريب، ويكفي المؤمن في تكفير من كره بعض ما أنزل الله هذه الآية التي ذكر المصنف. ومعلوم أن المتابعة لم تحصل من هذا الصنف على وجه الكمال، وكذا الحب، لكن معه من الحب والمتابعة ما لا يحصل به نجاته وإسلامه. يوضح هذا: أن من أحب الإسلام والتزمه (٥) واتبعه (٦) ولكن، جوز نبوة مسيلمة أو غيره ممن يدعي النبوة، يكفر بذلك؟ ولا ينجيه ما معه من الإسلام والمتابعة، وهكذا غلاة القدرية ونحوهم، ممن له تعبد ومتابعة في كثير من الأركان والشعب.

стр. 234

فإن قيل: إنما كفر من جوز نبوة مسيلمة أو غيره لرده (١) الكتاب السنة والإجماع. قيل: وكذلك من كره دخول الناس في التوحيد، وأحب بقاءهم (٢) ". على الشرك (٣) فقد خالف الكتاب السنة والإجماع. وبهذا تعلم: أن المحبة ذات مراتب، لا يلزم من وجود بعضها وجود غيره، وكذلك المتابعة، ومن لم يستكمل الإيمان الواجب في الحب والمتابعة قد يقع منه ما ينافيهما فيجتمع الضدان، ولا يستحيل ذلك لا عقلا ولا شرعا، أما العقل: فقد جوز اجتماع الأضداد كافة النظار والمتكلمين، ومثلوا ذلك (٤) . وأما الشرع: فإجماع السلف والأئمة على أن الشخص يجتمع فيه مادتان متضادتان: كفر وإسلام، توحيد وشرك، طاعة وفسق؟ إيمان ونفاق، وهو لأيتهما (٥) غلب، ولو عقل المعترض لعرف المراد، لكنه جهل فاعترض، وجعل جهله وعقله الضال ميزانا يزن به، فلا أحكم ممن قضى له بالخذلان وعدم العلم بحقائق الإسلام والإيمان. ثم لا يمكن أن يقع تصويره الذي صور، ورأيه الذي ارتضى وقرر، من أن الذي يحب التوحيد ويكره الشرك قد كره قول الشيخ، وما قرره

стр. 235

وأبداه من معرفة دين الله وتوحيده وتكفير من رده وصد عنه وأباه، وتكفير الأمة لم يقع من الشيخ بحمد الله. وتقدم الجواب عنه، وتقدم أن الأمة في رأي هذا الرجل ودعواه هم عباد القبور، ومن عبد عليا والحسين وأمثالهما، أو (١) جعل لهم تدبيرا وتصريفا مع الله، هؤلاء هم الأمة عند هذا الضال، وشبهته أنهم يقولون لا اله إلا الله، ولم يدر أيضا نصوص الفقهاء على أن من أتى بمكفر من فعل أو قول أو اعتقاد لا يدخل في الإسلام إلا بتركه والتوبة منه، وإن قال: لا إله إلا الله (٢) والحمد لله حمدا كثيرا لا نحصي ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما أثنى به عباده الذين اصطفى.

стр. 236

[فصل مناقشة مسألة المؤمن المقيم ببلاد المشركين ولا يمكن ترك وطنه ويقاتل أهل التوحيد مع أهل بلده] فصل قال المعترض: (ثم قال في جوابه: النوع الرابع: من سلم من هذا كله، ولكن أهل بلده يصرحون بعداوة أهل التوحيد واتباع الشرك وساعين في قتالهم، ويعتذر أن ترك وطنه يشق عليه، فيقاتل أهل التوحيد مع أهل، بلده، ويجاهد بماله ونفسه (١) فهذا أيضا كافر، فإنهم لو يأمرونه بترك الصوم ولا يمكنه الصيام إلا بفراقهم فعل، ولو يأمرونه بتزوج امرأة أبيه (٢) ولا يمكنه ذلك إلا بمخالفتهم فعل، فهذا أيضا كافر، وهو ممن قال الله فيه: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ [النساء: ٩١] [النساء / ٩١] . قال المعترض: انتهى كلامه. فتأمل رحمك الله هذا الكلام فقد كفر فيه، وفيما قبله بالطاعة بأن من لم يطعه فيما قال، ويهاجر إليه فهو كافر بذلك، حلال الدم والمال، وليس له عنده غفران، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " «من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله الجنة هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها» " (٣) فصح بهذا

стр. 237

الحديث الصحيح أن ترك الهجرة إذا وجبت ليس بكفر، كما يقوله هذا الرجل، (ونحن نستيقن أن هذا الرجل) (١) الذي وصف (٢) بالكفر أن أهل بلده لو يأمرونه بألا يقول شهادتي الإخلاص ولا يمكنه ذلك إلا بفراقهم لفعل، فأين الكفر الذي حكم عليه هذا الرجل به؟ ثم ماذا لو ترك الهجرة الواجبة لو فرضنا صحة قوله؟ إنما هي تكون معصية، وقد يعذر كما عذر النجاشي وامرأة فرعون، وكذا جعفر وأصحابه بعد أن استقر النبي ﷺ بدار الهجرة، فجعل هذا الرجل الهجرة- على فرض صحة قوله- شرطا لصحة الإيمان، وأنت ترى قول الله تعالى ورسوله ﷺ . والجواب أن يقال: من زعم أن هذا الكلام الذي ساقه الشيخ وقرره يدل على تكفير من ترك طاعته ولم يهاجر إليه، فهو من أضل الخلق وأعظمهم جرأة على البهت والكذب، وأشدهم مكابرة على شهادة الزور، وفي الحديث: " «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله» " قالها ثلاثا (٣) . وصريح كلام الشيخ ﵀ في رجل تبع أهل بلده في قتال أهل التوحيد إيثارا لبلده ووطنه، فيبذل (٤) نفسه وماله ويقاتل (٥) أهل التوحيد.

стр. 238

هذا نص الشيخ وصريح كلامه، فمن أين أخذ هذا الثور الأعجم أنه يكفر بترك طاعته؟ . واستدل الشيخ على هذا بقوله تعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ [النساء: ٩١] [النساء / ٩١] والآية ظاهرة الدلالة على هذه المسألة، فإن من تكلم بالإسلام، ولم يعتزل أهل الكفر بل صار معهم، وقاتل أهل التوحيد لغرض من أغراضه الدنيوية تناولته الآية، وشمله نصها الصريح؟ وقد جعل الله لحقن دمه حدًّا وفعلا يتميز به إسلامه، وهو اعتزال قتال المسلمين، وإلقاء السلم إليهم بالانقياد، وكف اليد عن قتالهم، ومتى (١) لم يحصل ذلك منهم ولم ينقادوا له، فقتالهم واجب أينما ثقفهم المؤمنون، وقد جعل الله لهم (٢) عليهم حجة ظاهرة، هذا صريح الآية ونصها (٣) . فأتى (٤) هذا المعترض المخلط ببهت لا يدل عليه كلام الشيخ لا تصريحا ولا تلويحا، واستدل بحديث أبي هريرة على إيمان من قاتل المسلمين مع المشركين، وآثر وطنه (٥) على التزام الإسلام، وترك القتال، والحديث إنما هو في شأن الهجرة، وقد حمله كثير من أهل العلم على من أظهر دينه، فلم تجب عليه الهجرة، وبعضهم حمله على الأعراب الذين

стр. 239

أسلموا ولم يهاجروا إلى رسول الله ﷺ ويجاهدوا معه، كما يدل عليه آخر الحديث. فلم يعرف هذا المعترض معنى الحديث ولا موضوعه، واستدل به على مسألة أجنبية عنه، ليس لها دخل فيه، فإن الكلام هنا (١) فيمن قاتل المسلمين تحت راية المشركين، وسعى في الصد عن سبيل الله، لا فيمن ترك الهجرة فقط. وأما عذره عن هذا الرجل الذي مثل به الشيخ بأن أهل بلده لو يأمرونه بألا يقول شهادتي الإخلاص ولا يمكنه ذلك إلا بفراقهم لفعل: فهذه (٢) مبنية على أن مجرد القول يكفي في الإيمان (٣) مع التلبيس بالمنافي والمعارض، وهذا ليس من أقوال علماء الأمة وأئمتها؟ بل هو من أقوال أهل الجهل والضلال؟ المخالفين للكتاب والسنة (وإجماع الأمة، ثم أطال المعترض الكلام في شأن الهجرة والعاجز عنها) (٤) وذكر النجاشي - وهذا شأن الجاهل إذا أورده أهل العلم المضائق تكثر بما (٥) ليس له، وحاد عن جواب المسألة، وفي المثل (٦) "الأقرع يفتخر بجمة ابن عمه، والأحمق يذكر خالته إذا عيب بأمه". ومن العجب تكراره أن الشيخ يكفر بالعموم، وقوله:

стр. 240

(أي (١) تكفير بالعموم وإيجاب للهجرة أبلغ من هذا؟) . وهو كما ترى في نوع خاص من الأمة، وقسم من أقسام لا (٢) يحصيها إلا الله. ثم أخذ المعترض في تجهيل الشيخ ونسبته إلى الهوى؛ وأنه لم يأخذ ما ذهب إليه عن العلماء، ولم يجلس عند عالم يتعلم منه بعد (٣) تعليم أبيه، وأن أباه نهاه عما بدر منه من ترهاته (٤) وقال: (ويل للناس منك) . وأن أهل البصرة أخرجوه؟ ثم نهاه أخوه، وأن أتباعه لو طلبت منهم طريقا يتصل إلى النبي ﷺ لم تجدها، وأنهم لا يعرفون ذلك، وأنهم، يأخذون عن حدثني قلبي عن ربي، وأنه لا يحسن الفرائض فضلا عن العول والحساب والمناسخات (٥) وأطال بخرافات كقوله: (سموا "الإقناع " المقلاع (٦) و "الدليل" المتيه (٧) وجعل له مختصرا من "الشرح الكبير" و "المغني " و " الإنصاف"، حل (٨) فيه قيوده، وكدر وروده، وقصر أتباعه عليه، وقال: اجتهدوا، وحاشا أني سمعت عندهم لأصول الفقه

стр. 241

ذكرا أو (١) النحو والعربية، بل يتهكمون (٢) بمن يطريها دون من يتليها) . وأطال بهذيان بهذا الضرب يتنزه العاقل عن ذكره. وجوابه أن يقال: أما ما صدر من مسبته الشيخ وتجهيله ونسبته إلى الهوى: فالحكم بينك وبينه إلى الله الذي إليه تصير الأمور، ويحكم بعدله بين المؤمن والكافر (٣) وأهل البر والفجور (٤) وشهادة الحال والمصنفات والدعوة الإسلامية، وما أورده من الأدلة والبراهين هي الشاهد المصدق، والبرهان المحقق، ولا عبرة بقدح أمثالك، وإنكار فضائله، كما أنه لا عبرة بقدح جميع من كذب الرسل وسفههم، ونسبهم إلى الجهل والافتراء والجنون والسحر، وغير ذلك مما هو مذكور في كتاب الله، وفي الأخبار والسير، ومشابهة حالك وأقوالك بأقوال أسلافك وأشباهك، تكفي المؤمن في رد أباطيلك؟ وعدها من الزور البين. وقد اشتهرت (٥) رحلة الشيخ للعلم وطلبه وسماعه، كما ذكره صاحب التاريخ حسين بن غنام وغيره (٦) وقد تقدم ذلك. [الرد على دعوى المعترض أن والد الشيخ نهاه وأن أهل البصرة أخرجوه وسياق الأدلة أن طاعة الآباء لا تحمد مطلقا] وأما كون أبيه نهاه: فهذا لم يثبت، ومثل هذا المعترض أخباره تلحق بأخبار الوضاعين المفترين، الذين أجمع أهل العلم على رد أخبارهم وعدها من الزور البين.

стр. 242

ثم لو سلمنا هذا النقل، فأي حجة وأي دليل فيه على أن الحق مع أبيه في ذلك؟ ومتابعة الآباء لا تحمد مطلقا، وقد ذم الله تعالى من تمسك بدين آبائه، ولم يقبل ما جاء (١) من الهدى ودين الحق الذي يخالف عادة الآباء وما نشأوا عليه (٢) قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا (٣) مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] [الزخرف / ٢٣] وقال محمد بن إسماعيل (٤) ﵀ (٥) كذلك أهل للكتاب (٦) تتابعوا ... على ملة الآباء فردا على فرد وهيهات كل في الديانة تابع (٧) ... أباه , كأن الحق في الأب والجد وقد (٨) قال هذا قبلهم (٩) كل مشرك ... فهل قدحوا هذي العقيدة عن زند وأما كون أهل البصرة أخرجوه: فهذا من جنس ما قبله، لم ينقله أحد يعتد به.

стр. 243

ولو قدر وقوعه لكان من أدلة فضل الشيخ وعلمه، وأنه على طريقة مستقيمة ودعوة نبوية. قال تعالى عن قوم (١) شعيب: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨] (٢) [الأعراف / ٨٨] . وقال تعالى عن قوم لوط: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] [النمل / ٥٦] . وقد أخرج نبينا ﷺ ، وقال له (٣) ورقة بن نوفل - لما ذكر له ما يرى في مبدأ النبوة وما ينزل عليه-: " «هذا الناموس الذي أنزل الله (٤) على موسى، يا ليتني فيها جذعا، يا ليتني (٥) أكون حيا إذ يخرجك (٦) قومك، فقال النبي (٧) ﷺ : أو مخرجي هم؟ قال: نعم، لم (٨) يأت رجل بمثل (٩) ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا» (١٠)

стр. 244

وقد عرف عن (١) أهل الكويت وأهل البصرة في ذلك الوقت، أنهم يدعون الأشقر وأبا علي وأمثالهما ممن يعتقدون صلاحه، فلا عجب من رد الحق وإخراج أهله: والحق منصور وممتحن فلا ... تعجب , فهذى سنة الرحمن [بيان فضل الشيخ في طلبه العلم ومشيخته ورحلته] وأما قوله: (إن أتباعه لو طلبت منهم طريقا يتصل إلى النبي ﷺ لم تجدها من جهته، ولا يعرفن ذلك، وإنما هو حدثني قلبي عن ربي) (٢) فيقال لهذا الملحد: جميع ما بأيديهم من كتب العلوم إنما أخذوها (٣) عن أشياخ ثقات، يؤخذ عنهم حفظا وأمانة، وطرق الأخذ متعددة ولو إجازة عامة وان بعدت الديار وتناءت الأقطار، كما يعرفه أهل فن المصطلح، وقد وسعوا في ذلك؟ لما دونت الدواوين وجمعت العلوم، وميز الصحيح والحسن والضعيف والمرفوع، والموقوف والمتصل والمنقطع والغريب والمشتهر (٤) واشتهرت رحلة شيخنا ﵀ وسماعه للعلوم واجتماعه بأعيان وقته. وقد أخذ الفقه عن أبيه عن جده سليمان بن علي مفتي الديار النجدية في وقته، وسنده المتصل بأئمة المذهب إلى الإمام أحمد معروف مقرر عندهم.

стр. 245

وسمع الحديث عن أشياخ الحرمين في وقته (١) ورحل إلى البصرة، وسمع من أشياخها (٢) وإنما أنكر هذا المفتري ما من الله به (٣) عليه من الفهم في كتاب الله وسنة رسول الله، ومعرفة الحدود الشرعية، وما دلت عليه النصوص؟ وأهل العلم تفاوتوا في هذا تفاوتا عظيما. [استنباط الأحكام غير موقوف على السماع] ولم يقل أحد من أهل العلم: إن الاستدلال بكتاب الله وسنة، رسوله وأخذ الأحكام منها واستنباطها موقوف على سماع ذلك عن أحد، وإنما هو فهم يمن به تعالى على من يشاء من عباده، كما في حديث علي ﵁: "ما خضنا رسول الله ﷺ بشيء إلا ما في هذه الصحيفة أو فهم يؤتيه الله من شاء من عباده) (٤) وفي حديث: " «مثل ما بعثني الله به من الهدى ودين الحق كمثل غيث أصاب أرضا، فكان منها طائفة قبلت الماء وأنبتت العشب والمرعى؟ وكان منها طائفة إنما هي قيعان لا تنبت الكلأ ولا تمسك الماء» (٥) " (٦) .

стр. 246

فقد مثل ﷺ هذا الوحي بالغيث (١) وقلوب الناس بالأرض، وقسمها هذا التقسيم البديع المطابق للحال (٢) والواقع. ومثل هذا المعترض ينكر على أهل العلم ما يبدونه من الأحكام والأسرار، والحدود المأخوذة من كتاب الله، وإن كان المستند نصا ظاهرا زعما منه أن هذا يتلقى عن الأشياخ. وينبغي أن يسأل هذا وأمثاله عما استنبطه الأئمة ودونوه من المسائل الأصولية والفروعية، أسمعوها وأخذوها عن أشياخهم، مسألة مسألة، وحكما حكما، وفرعا فرعا حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ ، ويقال قال رسول الله ﷺ «المياه ثلاثة» (٣) إلى آخر كتاب الإقرار؟ . فإن زعم ذلك، أضحك من جهله كافة العقلاء، وإن سلم أن أكثره وغالبه فهوم واستنباطات أخذت من نصوص الكتاب والسنة وكلام الأئمة في المسائل الاجتهادية وغيرها (٤) فما الموجب (٥) لهذا الصياح والإنكار على فرد من أفراد الأمة دون سائرهم، لولا الشك في أصل الإيمان، وعدم معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله؟ . وهذا كله تنزل مع هذا المعترض، وإلا فما جاء به الشيخ من الدعوة إلى توحيد الله وإخلاص الدين له يعرف بالضرورة من دين الإسلام، ولا يحتاج لنظر ولا استدلال.

стр. 247

وهل (١) يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل؟! ولا يقال لمن مستنده الكتاب والسنة: إنه يأخذ عن قلبه عن ربه، وإنما يأخذ عن كلام الله (٢) وسنة نبيه. وهذه الكلمة قالها بعض مشايخ القوم، فيمن أحدث طريقة أو عبادة وخلوة أو رياضة لم يدل عليها كتاب ولا سنة، وقد صرح بهذا زنادقة الصوفية، كما نقل عن بعضهم: (كيف يأخذ عن عبد الرزاق من يأخذ عن الملك الخلاق) ؟ ويسمون أهل العلم والأثر: (أهل القشور) ؟ ويقولون: (نحن نأخذ عن الله بلا (٣) واسطة. وهؤلاء هم المعنيون بهذا، وقد وضعه هذا الملحد فيمن تمسك بالكتاب والسنة ودعا إلى ما دعت إليه الرسل، وأخرج الكلام عن موضوعه ومحله، وهذا من جنس التحريف، ولي الألسن الذي وصف الله به اليهود. وأما قوله: "لا يحسن الفرائض؟ فضلا عن العول والمناسخات والحساب) (٤) فهذا من القحة والبهت، ومن طالع كتاب "التوحيد وغيره من مصنفاته عرف فضل الشيخ وعلمه، وأنه من أدق الناس فهما، وأغزرهم علما، وإنما يرجع أهل نجد في وقته إليه في سائر العلوم

стр. 248

الشرعية (١) والفرائض وغيرها، وهذه كتبه وفتاويه ومصنفاته تشهد بذلك. ثم لو قدر أن غيره (٢) أفرض منه وأحسب، هل يقتضي ذلك التفضيل مطلقا، ويوجب أن يرد ما جاء به من الحق والهدى؟ وقد ورد (٣) " «أفرضكم زيد» (٤) ومع ذلك فالسابقون الأولون أفضل منه، وأعلم وأفقه عن الله ورسوله، وقد يحسن الحساب بعض أهل الذمة من أهل الكتاب. وهذا شيخك ابن سلوم له مصنف في الحساب، وهو من أضل الناس في معرفة دين الله وشرعه في غالب الأبواب. وقد كان في سكوت هذا الرجل ستر لجهله. وعنز السوء تبحث عن حتفها بظلفها. قال الشاعر: فكان كعنز السوء قامت بظلفها ... إلى مدية تحت التراب تثيرها وأما قوله: (سموا "الإقناع" المقلاع) . فيقال: نسبة هذا إلى الشيخ من أوضح الكذب وأظهره، وإن أخطأ بعض أتباعه فخطأ التابع فيما يختص به لا يقدح في متبوعه، وكم أخطأ

стр. 249

مخطئ من هذه الأمة وغيرها من أتباع المشايخ والأئمة، بل وأتباع الرسل، وقد قال ﷺ : " «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» " (١) لما بلغه ما فعل ببني (٢) جذيمة. وأما قوله: (وجعل له مختصرا من "الشرح الكبير" و "المغني " و " الإنصاف ") . فيقال: هذا يكذب ما قبله، إذا كان الرجل له عناية بكلام الفقهاء وأهل العلم وتأليفهم، وكيف ينسب إليه ما تقدم؟ . وأما قوله: (حل فيه قيوده وكدر وروده) . فهي جملة كاذبة خاطئة؟ بل هذب أحكامه، وقرب مقاصده ومرامه؟ وأحسن في تهذيبه، وأجاد في اختصاره وتقريبه؟ وهذا مما يدل على كثافة حجاب هذا المعترض، وأنه لا يدري شيئا من العلوم. وأما قوله: (إنه لم يسمع عندهم لأصول الفقه والنحو والعربية ذكرا بل يتهكمون بمن يطريها دون من يتليها) . فيقال: أنت وأمثالك من أشد الناس نفورا عنهم وبعدا، ومرباك ومأواك ساحل العراق، وما يلي مشهد علي والحسين من تلك البلاد، فما يدريك عنهم؟ وقد اعترفت أن (٣) بعض الناس نصحك عن الأخذ عنهم ففعلت، ولم تقدم الدرعية، ولم تر من فيها من الجهابذة الذين شاع فضلهم، واشتهر علمهم، ونقله العدول وشهدت به الآثار والمؤلفات، ورجع إليهم

стр. 250

أهل اليمن وأهل صنعاء في كثير من المسائل والمشكلات، فوجدوا عندهم من العلوم ما يثلج الصدر، ويكشف العمى، وقد كثر الإقراء في "الدرعية " في علوم العربية حتى حضر درس الشيخ حسين بن غنام الجم الغفير، والخلق الكثير. ثم أنت أيها الرجل قد كشف الله عن سوأتك وأبدا خزيك، فقل جملة تمر بنا من كلامك إلا وفيها من اللحن أو بشاعة التركيب، أو تعقيد العبارة (١) أو هجنتها ما يشهد وينادي بأنك من أبلد الخلق، وأضلهم عن حسن التعبير ومعرفة العربية. وهذه الجملة بعينها التي الكلام بصددها قد لحنت فيها لحنا فاحشا، وذلك في قولك: (يتهكمون بمن يطريها دون من يتليها) ، وهي من "أفحش " اللحن؟ لأن " تلا " بابه " يتلو". قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٢٩] [فاطر / ٢٩] . ولم يقل: "يتلي". وقال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] [العنكبوت / ٤٥] . ولم يقل: "اتلي " وأمثال هذا كثير، ولو تتبعت ما في كتابه من هذا لطال الكلام.
следующие страницы →