← Акыда

Акыда · id 30868

مصباح الظلام في الرد على من كذب الشيخ الإمام ونسبه إلى تكفير أهل الإيمان والإسلام

عبد اللطيف آل الشيخ

Полный текст (590 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فقد مثل ﷺ هذا الوحي بالغيث (١) وقلوب الناس بالأرض، وقسمها هذا التقسيم البديع المطابق للحال (٢) والواقع. ومثل هذا المعترض ينكر على أهل العلم ما يبدونه من الأحكام والأسرار، والحدود المأخوذة من كتاب الله، وإن كان المستند نصا ظاهرا زعما منه أن هذا يتلقى عن الأشياخ. وينبغي أن يسأل هذا وأمثاله عما استنبطه الأئمة ودونوه من المسائل الأصولية والفروعية، أسمعوها وأخذوها عن أشياخهم، مسألة مسألة، وحكما حكما، وفرعا فرعا حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ ، ويقال قال رسول الله ﷺ «المياه ثلاثة» (٣) إلى آخر كتاب الإقرار؟ . فإن زعم ذلك، أضحك من جهله كافة العقلاء، وإن سلم أن أكثره وغالبه فهوم واستنباطات أخذت من نصوص الكتاب والسنة وكلام الأئمة في المسائل الاجتهادية وغيرها (٤) فما الموجب (٥) لهذا الصياح والإنكار على فرد من أفراد الأمة دون سائرهم، لولا الشك في أصل الإيمان، وعدم معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله؟ . وهذا كله تنزل مع هذا المعترض، وإلا فما جاء به الشيخ من الدعوة إلى توحيد الله وإخلاص الدين له يعرف بالضرورة من دين الإسلام، ولا يحتاج لنظر ولا استدلال.

стр. 247

وهل (١) يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل؟! ولا يقال لمن مستنده الكتاب والسنة: إنه يأخذ عن قلبه عن ربه، وإنما يأخذ عن كلام الله (٢) وسنة نبيه. وهذه الكلمة قالها بعض مشايخ القوم، فيمن أحدث طريقة أو عبادة وخلوة أو رياضة لم يدل عليها كتاب ولا سنة، وقد صرح بهذا زنادقة الصوفية، كما نقل عن بعضهم: (كيف يأخذ عن عبد الرزاق من يأخذ عن الملك الخلاق) ؟ ويسمون أهل العلم والأثر: (أهل القشور) ؟ ويقولون: (نحن نأخذ عن الله بلا (٣) واسطة. وهؤلاء هم المعنيون بهذا، وقد وضعه هذا الملحد فيمن تمسك بالكتاب والسنة ودعا إلى ما دعت إليه الرسل، وأخرج الكلام عن موضوعه ومحله، وهذا من جنس التحريف، ولي الألسن الذي وصف الله به اليهود. وأما قوله: "لا يحسن الفرائض؟ فضلا عن العول والمناسخات والحساب) (٤) فهذا من القحة والبهت، ومن طالع كتاب "التوحيد وغيره من مصنفاته عرف فضل الشيخ وعلمه، وأنه من أدق الناس فهما، وأغزرهم علما، وإنما يرجع أهل نجد في وقته إليه في سائر العلوم

стр. 248

الشرعية (١) والفرائض وغيرها، وهذه كتبه وفتاويه ومصنفاته تشهد بذلك. ثم لو قدر أن غيره (٢) أفرض منه وأحسب، هل يقتضي ذلك التفضيل مطلقا، ويوجب أن يرد ما جاء به من الحق والهدى؟ وقد ورد (٣) " «أفرضكم زيد» (٤) ومع ذلك فالسابقون الأولون أفضل منه، وأعلم وأفقه عن الله ورسوله، وقد يحسن الحساب بعض أهل الذمة من أهل الكتاب. وهذا شيخك ابن سلوم له مصنف في الحساب، وهو من أضل الناس في معرفة دين الله وشرعه في غالب الأبواب. وقد كان في سكوت هذا الرجل ستر لجهله. وعنز السوء تبحث عن حتفها بظلفها. قال الشاعر: فكان كعنز السوء قامت بظلفها ... إلى مدية تحت التراب تثيرها وأما قوله: (سموا "الإقناع" المقلاع) . فيقال: نسبة هذا إلى الشيخ من أوضح الكذب وأظهره، وإن أخطأ بعض أتباعه فخطأ التابع فيما يختص به لا يقدح في متبوعه، وكم أخطأ

стр. 249

مخطئ من هذه الأمة وغيرها من أتباع المشايخ والأئمة، بل وأتباع الرسل، وقد قال ﷺ : " «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» " (١) لما بلغه ما فعل ببني (٢) جذيمة. وأما قوله: (وجعل له مختصرا من "الشرح الكبير" و "المغني " و " الإنصاف ") . فيقال: هذا يكذب ما قبله، إذا كان الرجل له عناية بكلام الفقهاء وأهل العلم وتأليفهم، وكيف ينسب إليه ما تقدم؟ . وأما قوله: (حل فيه قيوده وكدر وروده) . فهي جملة كاذبة خاطئة؟ بل هذب أحكامه، وقرب مقاصده ومرامه؟ وأحسن في تهذيبه، وأجاد في اختصاره وتقريبه؟ وهذا مما يدل على كثافة حجاب هذا المعترض، وأنه لا يدري شيئا من العلوم. وأما قوله: (إنه لم يسمع عندهم لأصول الفقه والنحو والعربية ذكرا بل يتهكمون بمن يطريها دون من يتليها) . فيقال: أنت وأمثالك من أشد الناس نفورا عنهم وبعدا، ومرباك ومأواك ساحل العراق، وما يلي مشهد علي والحسين من تلك البلاد، فما يدريك عنهم؟ وقد اعترفت أن (٣) بعض الناس نصحك عن الأخذ عنهم ففعلت، ولم تقدم الدرعية، ولم تر من فيها من الجهابذة الذين شاع فضلهم، واشتهر علمهم، ونقله العدول وشهدت به الآثار والمؤلفات، ورجع إليهم

стр. 250

أهل اليمن وأهل صنعاء في كثير من المسائل والمشكلات، فوجدوا عندهم من العلوم ما يثلج الصدر، ويكشف العمى، وقد كثر الإقراء في "الدرعية " في علوم العربية حتى حضر درس الشيخ حسين بن غنام الجم الغفير، والخلق الكثير. ثم أنت أيها الرجل قد كشف الله عن سوأتك وأبدا خزيك، فقل جملة تمر بنا من كلامك إلا وفيها من اللحن أو بشاعة التركيب، أو تعقيد العبارة (١) أو هجنتها ما يشهد وينادي بأنك من أبلد الخلق، وأضلهم عن حسن التعبير ومعرفة العربية. وهذه الجملة بعينها التي الكلام بصددها قد لحنت فيها لحنا فاحشا، وذلك في قولك: (يتهكمون بمن يطريها دون من يتليها) ، وهي من "أفحش " اللحن؟ لأن " تلا " بابه " يتلو". قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٢٩] [فاطر / ٢٩] . ولم يقل: "يتلي". وقال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] [العنكبوت / ٤٥] . ولم يقل: "اتلي " وأمثال هذا كثير، ولو تتبعت ما في كتابه من هذا لطال الكلام.

стр. 251

[فصل بيان أن الكفر بالطاغوت شرط لا يحصل الإسلام بدونه] فصل قال المعترض: (فصل: وقال في مسائله على توحيده في حديث طارق بن أشيم ﵁ الذي في صحيح مسلم: " «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله » " (١) فقال عليه: وهذا من أعظم ما يبين لك (٢) معنى "لا إله إلا الله! فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال، بل (٣) ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم دمه وماله (٤) حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، هذا كلامه) (٥) . ثم قال: (فيا لها من مسألة ما أجلها، ويا له من بيان ما أوضحه، وحجة ما أقطعها للمنازع) . انتهى كلامه. ثم قال المعترض: (فتفكر بعقلك هذا الكلام، وتفهم لقول

стр. 252

رسول الله ﷺ في قوله: " «من قال لا إله إلا الله» " ثم أعرض عليه كلام هذا الرجل وما حكم عليه به، حتى ترى مخالفته له أوضح من الشمس حيث حمله ما لا يحتمله عقلا ولا شرعا ولا لغة سواء جعلناه من عطف الخاص على العام. كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] [البقرة / ٢٣٨] . وقوله: من (١) ﴿كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] [البقرة / ٩٨] . أو جعلنا الواو واو الحال، أو جعلنا الواو شرطا فيكون تأكيد أو تحقيقا لما (٢) يلزم باللفظ بشهادة الإخلاص؟ لأنها المطلوبة بما تضمنته في (٣) جميع الأحاديث، وهي المنجية من الخلود في النار. وفي مسند البزار عن عياض الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : " «إن لا إله إلا الله كلمة على الله كريمة، لها عند الله مكان، وهي كلمة من قالها صادقا أدخله الله الجنة، ومن قالها كاذبا حقنت دمه، وهو إلى الله تعالى غدا فمحاسبه» (٤) وعند البيهقي، وصححه البزار، والطبراني في معجميه (٥) وأبى نعيم في "الحلية" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " «من قال لا إله إلا الله نفعته يوما

стр. 253

من دهره (١) يصيبه قبل ذلك ما أصابه» " (٢) وعند أبي داود بسند حسن، من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " «ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله، ولا نكفره بذنب؟ ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار» " (٣) . فهذا قول رسول الله (٤) ﷺ ، وهذا الرجل يقول: لا ينفعه التلفظ بها، بل ولا معرفة معناها. إلى آخر كلامه، فإذا كان التلفظ بها مع معرفة معناها والإقرار بها وكونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، لا يعصم دمه وماله بذلك فما العاصم له حينئذ من هذا الرجل على كلامه على (٥) هذا؟ فلا أكبر حينئذ من ذلك لله تعالى ورسوله ﷺ محادة ومحاربة ومكابرة ومضادة، فإن هذا الرجل بهذا الكلام لم يجعل الكفر بالطاغوت داخلا في كلمة الإخلاص، كما تراه واضحا فاضحا من قوله، ولو كان فقيها لعلم أن هذا كما لو شرط في عقد ما يقتضيه العقد زيادة تحقيق إذا

стр. 254

جعلنا الواو شرطا، وهو بكلامه هذا جعلها (١) شرطا زائدا عليها، فما فائدة إذا تسميتها بكلمة الإخلاص؟ فأين المسلم حينئذ عنده؟ وهذا من جملة خزعبلاته، وجهله بلغة العرب، وتحكيمه لعقله على دقله وجهله، فأبو جهل حينئذ وناديه أعلم منه بلا إله إلا الله، فإنها تنفي جميع ما عبد من دون الله تعالى، حين دعاهم (٢) ﷺ إليها، فصفقوا (٣) بأيديهم، وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥] [ص / ٥] أفيقول قول هذا الرجل عاقل؟ فهذا الرجل ينطق لسانه بما لا يحكم (٤) جنانه، أو ما علم في حديث طارق بعينه أنه متضمن شهادة أن محمدا رسول الله؟ ومن لوازمها، كما نص عليه العلماء الأمناء، والعجب ممن يعظم هذا الكلام كما عظمه صاحبه، ولا يرى ظهور غائلته، فهلا قال ﷺ لأسامة بن زيد حين قتل الرجل بعد أن قال لا إله إلا الله: أكفر بما يعبد من دون الله، بعد أن شهد أن لا إله إلا الله؟ بل قال له رسول الله ﷺ : " «كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ " حين (٥) قال أسامة: "إنما قالها تعوذا من القتل " فجعل ﷺ يردد عليه: "كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة"، وهو يقول: يا رسول الله استغفر لي، حتى تمنى أسامة ﵁ أنه (٦) أسلم

стр. 255

يومئذ،» والحديث جميعه في الصحيحين (١) وكذا (٢) حديث أبي هريرة في الشفاعة، وقصة النعلين (٣) وحديث عبادة بن الصامت (٤) وحديث عثمان بن عفان ﵁ (٥) والكل في الصحيحين، لا نطيل بذكرها وقد ذكرناها في "غسل الدرن، مستوفاة) . والجواب أن يقال: في نسبة التوحيد إليه أعني إلى شيخنا: ما يشعر ببراءة (٦) هذا الرجل منه، والكتاب الذي يشير إليه ليس فيه إلا كلام الله وكلام رسوله، أورده المصنف ﵀ مستدلا به على ما وضع من الأبواب والتراجم، فالبراءة منه براءة من كتاب الله وسنة نبيه (٧) ولا شك في كفر من قصد ذلك، ولا أرى لقول المعترض في عبارته: (أن الشيخ ذكره في مسائله على توحيده) إلا ما يشعر بهذا، والله أعلم بقصده ومراده.

стр. 256

وتقرير الشيخ على هذا (١) الحديث من أحسن التقارير (٢) وأدلها وأبينها، فإنه استدل بالجملة المعطوفة الثانية على أن الكفر بالطاغوت وما عبد من دون الله (شرط في تحريم الدم والمال، وأن لا عصمة بمجرد القول والمعرفة ولا بمجرد ترك عبادة ما عبد من دون الله) (٣) بل لا بد من الكفر بما عبد من دون الله، والكفر فيه بغضه (٤) وتركه، ورده، والبراءة منه ومعرفة بطلانه، وهذا لا بد منه في الإسلام. قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] (٥) [البقرة / ٢٥٦] . فجمع بين الإيمان بالله والكفر بالطاغوت في هذه الآية ولها نظائر في كتاب الله. كقوله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ - إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧] [الزخرف / ٢٦، ٢٧] فدلت هذه الآية وما قبلها على أن الكفر بالطاغوت شرط لا يحصل (٦) الإسلام بدونه، وهكذا هذا الحديث مثل هذه الآيات، فان الإيمان بالله هو شهادة لا إله إلا الله، ومع ذلك ذكر الكفر بالطاغوت معه في حصول الاستمساك بالعروة الوثقى.

стр. 257

وقد يفرد الإيمان ويخص بالذكر، فيدخل فيه الكفر بالطاغوت، كشهادة أن لا إله إلا لله، فإنها دالة على الإيمان بالله المتضمن للكفر بالطاغوت وعبادة الله وحده لا شريك له. وقد يجمع بينهما كما (١) في حديث طارق، فيستفاد معنى زائد وحكم آخر، سواء كانت الجملة الثانية مؤكدة أو مؤسسة، وأيضا فإن دلالة الألفاظ والأسماء تختلف في حال اقترانها وانفرادها، ومعلوم أن الجملة المعطوفة أفادت فائدة أخرى، وحصل بها حكم لم يحصل بالجملة الأولى، (على القول بأنها مؤسسة، وكذا القول بأنها مؤكدة. فإن النفي في الجملة الأولى) (٢) يتضمن الكفر بما عبد من دون الله على وجه العموم المستفاد من النفي، وفي الجملة الأخرى خصت أحد (٣) المعاني المستفادة من الجملة الأولى، تنبيها على أنه أجل معانيها وأهمها وهذا مشهور في كلام الله وكلام رسوله وكلام العرب. وقول الشيخ: إنه لا يحرم دمه وماله حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله هو نص الحديث ومنطوقه وصريحه. وهذا المفتري يقول: (حمله ما لم يحتمل، وخالفه خلافا أوضح من الشمس) ، فأي جهل وكذب ومكابرة ورد للنصوص أعظم من هذا؟ فنعوذ بالله من الجهل والعمى، والضلال بعد الهدى، وإنكار ما قاله شيخنا مما دل عليه النص هو الباطل شرعا وعقلا ولغة. ولو جعلناه من عطف المرادف، أو عطف الخاص على العام فهو

стр. 258

دال على كل تقدير بمنطوقه على أن الكفر بالطاغوت وما عبد من دون الله لا بد منه في الإيمان والإسلام؟ ولا عصمة للدم والمال إلا بذلك، وإنكار هذا مكابرة ظاهرة. فإن الكفر بما عبد من دون الله إن كان من مدلول الجملة الأولى، والثانية مؤكدة فالحكم الذي قرره الشيخ ثابت بالأولى، مؤكد بالثانية، وهذا أقوى في الدلالة على ما قاله وما قرره، وليس فيه ما يستريح به هذا المعترض؛ لكنه لا يتأتى على قواعد العربية، لأن الحال وصف فضلة مفهم للحالية؟ ويشترط في كون الجملة حالا شروط لا تتأتى هنا (١) فقوله: (أو جعلنا الواو شرطا أو للحال) كلام جاهل بقواعد العربية لا يدريها، فالواو لا تقع شرطا، وإنما تقع للعطف والتشريك، والجملة بعدها لا تصح أن تكون للحال، فإنها جملة فعلية ماضوية لا تقع (٢) حالا، ولغير ذلك من موانع الحالية كما يعلم من باب الحال في "الخلاصة" وغيرها من كتب العربية. وهذا الغمر يرمي أتباع الشيخ بعدم العلم بالعربية، وهو فيها (٣) أشد لحنا، وأفسد تركيبا من البربر والديلم، أين أنت ومعرفة معاني الحروف والتراكيب؟ ليس ذا (٤) عشك ادرجي.

стр. 259

وقوله: "لما يلزم باللفظ بشهادة الإخلاص" فيه جهل عظيم، لأن شهادة أن لا إله إلا الله دلت على الكفر بما عبد من دون الله تضمنا لا التزاما؟ ولم يقل أحد من المسلمين والعرب: إنها دلت على ذلك التزاما إلا على قول (١) طائفة ضالة من المتكلمين، يزعمون أن معناها: لا قادر على الاختراع إلا الله، وأما كون شهادة الإخلاص هي المنجية من الخلود في النار فنعم، ولكن لا بد من العلم واليقين، وحصول ما دلت عليه من النفي والإثبات، وهذا لنا لا علينا؟ وهو يشهد لهذا الحديث الذي فيه زيادة: "وكفر بما يعبد من دون الله ". وقد قدمنا أن شهادة الإخلاص دالة على الكفر بالطاغوت في حال إفرادها، وكذلك في حال اقترانها بغيرها. فهذه الأحاديث التي ساق المعترض كلها لنا بحمد الله، دالة على ما قرره شيخنا ونص عليه في حديث طارق، شاهدة له (٢) مقررة لمعناه، كحديث عياض، وحديث أبي هريرة، وكذلك حديث أنس، كل هذا يدل على أن الكفر بالطاغوت لا بد منه في عصمة المال والدم. والمعترض أوردها محتجا بها على دعواه أن اشتراط الكفر بما يعبد من دون الله من زيادات شيخنا، وأنه مخالف للأحاديث، وأنها لا تحتمله عقلا ولا شرعا ولا لغة، وإنما المراد مجرد لفظها والوعد بالجنة والانتفاع بها، وعدم تكفير قائلها وإخراجه من الإسلام، كل هذا عند المعترض لا يشترط فيه الكفر بما يعبد من دون الله المذكور في حديث طارق،

стр. 260

وجعل نص الحديث ومنطوقه مما لا يدل عليه حديث طارق ولا هذه الأحاديث، فلا يشترط الكفر بالطاغوت عنده (١) بل هو من زيادات شيخنا، ومن الخزعبلات عند هذا المعنى وعلى زعمه، والحديث مشهور عند أهل العلم، فجعله من الخزعبلات، مع العلم بأن الرسول قد قاله ردة صريحة عند كافة أهل الفقه والفتوى، فسبحان من طبع على قلبه بحكمته، وجعل ثيران المدار، أهدى منه لمعرفة ما يدل على توحيد العزيز (٢) الغفار. وأما قوله: (في حديث أنس: " «ثلاث من أصل الإيمان» - إلى قوله- «ولا نخرجه من الإسلام بعمل» ") ، فالصحيح وقفه، وليس من المرفوع (٣) والجملة الأخيرة وهي قوله (٤) "والجهاد ماض منذ بعثني الله " فهي تروى. وأما قوله: (وهذا الرجل يقول: لا ينفعه التلفظ بها ولا معرفة معناها) . فهذا كذب، لم يقل: لا ينفعه، وإنما قال شيخا: (فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال، بل ولا معرفة معناها (٥) فحرف هذا المفتري (٦) وبهت الشيخ بقول (٧) لم يصدر، مع (٨) أنه حكى قوله بنفسه، فنعوذ بالله من جهد البلاء.

стр. 261

وأما قوله: (فإذا كان التلفظ بها مع معرفة معناها والإقرار بها وكونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له لا يعصم ماله ودمه (١) بذلك فما العاصم له حينئذ من هذا الرجل على كلامه) . فنقول: الكلام كلام رسول الله ﷺ ، هو الذي جاء بهذا من عند الله تعالى وتقدس؟ واشترط الكفر بما عبد من دون الله في عصمة المال والدم، مع المعرفة والتلفظ، وكونه لا يدعو إلا الله، فمن رد ذلك فقد رد على عبد الله ورسوله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم النبي العربي الأمي الذي بشرت به الأنبياء، وقامت الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة على رسالته وصدق مقالته، فمن رد ذلك فهو المحاد لله ورسوله، المحارب له، المكابر لنصوصه، لا من آمن به وأخذ بقوله ودعا إليه الناس وبلغه الأمة. إذا عرفت هذا، فقول المعترض: (فهذا الرجل بهذا الكلام لم يجعل الكفر بالطاغوت داخلا في كلمة الإخلاص) ، فيه رجوع عن قوله الأول، وهدم لأساسه وقاعدته، وقد تقدم حكاية قوله الصريح في رد اشتراط هذا في عصمة (المال والدم) (٢) ثم رجع القهقري وانحط إلى وراء، وزعم أن الشيخ لم يدخل الكفر بالطاغوت في كلمة الإخلاص، فأين هذا من تقريره الأول؟ والشيخ لم ينف دخوله، وإنما اشترطه في عصمة المال والدم، وذكر أنه نص الحديث، وأن حديث طارق أفاد أن هذه الجملة بخصوصها لا بد منها، ولم يتعرض لنفي دلالة كلمة الإخلاص عليها، ولا في كلامه ما يفهم منه ذلك، بل فيه ما يؤيده.

стр. 262

ويقال لهذا: إن رجعت عن دعواك الأولى وأقررت أن الكفر بما يعبد من دون الله لا بد منه في العصمة، فما هذا الاعتراض والطعن والذم لمن اشترطه وقال به؟ . وما أحسن قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ - إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ - يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ - قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ - الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ [الذاريات: ٧ - ١١] [الذاريات / ٧ - ١١] . فنزل هذه الآيات وأمثالها على هذا المعترض وأشباهه تجد فيها من وصفهم وعيبهم وذمهم بالاختلاف، وتدافع الأقوال ونفى العلم واليقين، وأنه لم يحصل لهم إلا مجرد خرص وخدس، ليس من العلم في شيء، وأنهم في غمرة السهو والجهل، وعدم الإيمان، فمتى تتفق أقوالهم؟ وتسلم عقولهم (وتعلم قلوبهم) (١) ؟ وتنشرح صدورهم آيات الحق وداعيه؟ فيا لك من آيات حق لو اهتدى ... بهن مريد الحق كن هواديا ولكن على تلك القلوب أكنة ... فليست وإن أصغت تجيب المناديا ومن تناقضه وتدافع أقواله، قوله: (ولو كان فقيها لعلم (أن هذا كما لو شرط في عقد ما يقتضيه العقد زيادة تحقيق) (٢) . فإن هذا يهدم ما قبله إن كانت كلمة الإخلاص تقتضي هذا وتدل على أن الكفر بما يعبد من دون الله لا بد منه، فما هذه الخصومة؟ وكيف تقول فيما قبل: (إن مخالفته للحديث أوضح من الشمس، وأنه حمله ما لا يحتمله عقلا ولا شرعا ولا لغة؟) فما هذا التناقض؟ تذكر المخالفة وتزعم أنها واضحة، وأن الحديث ما دل على ما قاله الخصم ثم ترجع

стр. 263

وتقول: (هذا كما لو شرط في عقد ما يقتضيه العقد زيادة تحقيق؟) . فتبا لك آخر الدهر، أين الفقه الذي تدعيه؟ لو صحت العقول لعدك السامع لهذا من صنف المعتوهين، ومن أهل الهذيان لا من أهل الفقه والبيان. وإذا دلت عليها الجملة الأولى فالمعنى حينئذ واحد، والشيخ ما نفى دلالة الأولى على المعنى المراد، وإنما قرر أن الجملة الثانية فيها مزيد بيان وتوضيح يستفيده الذكي والبليد، والضعيف والشديد، وهذا محض الفقه، ومن أنكره فهو الجاهل بلغة العرب واصطلاح (١) الشرع، المحرف للكلم عن مواضعه، المصادم للأحاديث النبوية بالحرفة اليهودية. وكلامه ومسبته للشيخ عنوان على علم الشيخ وفضله ومخالفة عقله لعقله، ولو أثنى عليه هذا الملحد لشك بعض الناس في فضل الشيخ، وقال: أي جامعة بينهما؟ كما أن سفهاء الجاهلية وسقطهم بينهم وبين الرسل والصديقين أشد منافرة (٢) وأعظم مباينة، وبين المؤمنين والمنافقين كذلك. قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣] [البقرة / ١٣] ، ووصفهم بالاستهزاء بأوليائه وعباده. ثم قال: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] [البقرة / ١٥] . وكذلك هذا الرجل صرح بالاستهزاء بتوحيد الله وبمن قاله، ووصفه بدقل العقل والجهل.

стр. 264

فسبحان من اقتضت حكمته، وجود ورثة وأتباع لأعدائه وأعداء (١) رسله، كما اقتضت وجود أوليائه وأتباع رسله، ومضت إرادته تعالى ومشيئته بوجود الضدين واجتماع الجنسين، إلى أن يأتي أمر الله وهم في خصومة يختصمون في ربهم، وسيحكم بينهم بعدله ويزيد أولياءه من رحمته وفضله. وأما قوله: (فأبو جهل حينئذ وناديه أعلم منه بلا إله إلا الله) . أقول: جوابه: أن من تفكر (٢) في قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ - إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ - الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ - وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ - وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٩] [الحجر / ٩٤ - ٩٩] لم يبق في صدره حرج ولا ضيق من سفاهة الجاهلين، واستهزاء المستهزئين، وإلحاد الضالين. والله سبحانه يعلم من الذي أبو جهل وناديه أعلم منه بلا إله إلا الله، أهو من يدعو الناس إلى عبادة الله وإسلام الوجوه له، وترك التعلق على الأنداد والشفعاء والشركاء، أو هو من قام يدعو إلى عبادة الصالحين، والجن والشياطين، ويجهل من أنكر عليهم ويعاديه، ويرميه بأنه كفر الأمة أهل لا إله إلا الله، وأن من عبد عليا والحسين والعباس وعبد القادر وأمثالهم هم (٣) خير أمة أخرجت للناس، وهم الذين عمروا المساجد، وهم وهم وهم؟ .

стр. 265

وسيعلم هذا إذا انكشف الغطاء، وآن الرحيل واللقاء، ماذا جنى على نفسه؟ وفي أي الموارد أوردها؟ وأي المهالك ساقها إليه وأنزلها؟ . وفي الحديث: " «يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» " (١) ومن وقف على ما قالته الرافضة في السابقين الأولين، (من المهاجرين) (٢) والأنصار وأكابرهم (٣) وسادتهم، كأبي بكر وعمر وعثمان، لم يستغرب ما يجري من أهل المعاندة والفجور، المعروفين بالقحة وشهادة (٤) الزور. اللهم إنا فارقناهم في مرضاتك، وعاديناهم لجلال ذاتك، فحل بيننا وبين من أشرك بك، وصد عن سبيلك، وجحد توحيدك، وعادى أولياءك. اللهم إنا نتوسل إليك بتوحيدك الذي أنكره (٥) المشركون ألا تجمع بيننا وبينهم في دار الهوان والشقاء، اللهم إن عبدك ورسولك الصادق المصدوق، قال فيما صح عنه " «المرء مع من أحب» " (٦) . اللهم إنا نشهدك، ونشهد ملائكتك، وأولي العلم من خلقك على محبتك، ومحبة رسلك، وأوليائك، وعبادك الصالحين.

стр. 266

اللهم فاجعلنا مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. اللهم رحمتك نرجو ومغفرتك نأمل (١) فلا تخيب رجاءنا وحقق فيك آمالنا. وما أحسن ما قال الشافعي ﵁: "ما أرى الناس ابتلوا بشتم أصحاب رسول الله ﷺ إلا ليزيدهم الله بذلك ثوابا عند انقطاع أعمالهم" (٢) . وأما قول المعترض: (إن حديث طارق بعينه متضمن شهادة أن محمدا رسول الله ﷺ ، ومن لوازمها) . فيقال: ومن نفى ذلك؟ ومن الذي رده؟ وإذا تضمن الشهادة بالرسالة فتضمنه للكفر بما عبد من دون الله أولى، فما هذا الإنكار والجهل الجهار؟ . وأما حديث أسامة: ففيه وفي أمثاله من الأحاديث التي دلت على الكف عمن قال: "لا إله إلا الله ". دلالة على أن الكفر بما يعبد من دون الله لا بد منه، وإنما اختلفت دلالة الألفاظ ومعانيها، في حالة الأفراد والاقتران، كما تقدم. وأيضا يقال لهذا: إن أنكرت دلالة: "لا إله إلا الله " على الكفر بما يعبد من دون الله أبطلت كلامك الذي قبل هذا بأسطر، ورجعت إلى (٣)

стр. 267

بنائك بالهدم، وإن أثبتها وجعلت كلمة الإخلاص دالة عليه بطل اعتراضك على الشيخ؟ لأن حاصل تقريره وكلامه: أن هذا لا بد منه في عصمة المال والدم، فلا ندري ما هذا الروغان؟! جهد المغفل في الزمان مضيع ... وإن ارتضى أستاذه وزمانه كالثور في الدولاب يسعى وهو لا ... يدري الطريق فلا يزال مكانه وأما حديث أبي هريرة في الشفاعة، وحديث عبادة، وحديث عثمان: فكلها دالة على وجوب الكفر بما عبد من دون الله، إما تضمنا أو مطابقة، وهذا المعترض لا يعقلها وإن أوردها، وكيف يعقلها من عادى أهلها وعابهم، ونصر من خالفها، ونقضها وردها؟ وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] [الجمعة / ٥] وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ - وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا (١) فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦] [الأعراف / ١٧٥، ١٧٦] (٢)

стр. 268

[فصل في التوسل بالأنبياء والصالحين] فصل وقال المعترض: (ومن ذلك قوله في شبهة قال فيها: وأما الجواب المفصل فإن أعداء الله لهم اعتراضات وشبه كثيرة على دين الرسل، [١٠٧] ، يصدون بها الناس عنه، منها قولهم: نحن لا نشرك بالله شيئا؛ بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له؟ فضلا عن عبد القادر وغيره، ولكن أنا مذنب والصالحين (١) لهم جاه عند الله وأطلب من الله تعالى بهم، فجاوبه بما تقدم وأقرأ عليهم ما ذكر الله في كتابه، إلى أن ذكر قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] الآية [الإسراء: ٥٧] . إلى أن قال: (فإن قال الكفار يريدون منهم وأنا أشهد (٢) أن الله هو النافع الضار المدبر، لا أريد إلا منه، والصالحين (٣) . ليس لهم من الأمر شيء، ولكن أقصدهم أرجو الله بشفاعتهم. فالجواب: أن هذا قول المشركين سواء بسواء، فاقرأ عليه قوله

стр. 269

تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣] [الزمر: ٣] انتهى كلامه. ثم قال المعترض: (فجعل بكلامه هذا- كما ترى- التوسل بذات الصالحين، والرسل عليهم الصلاة والسلام، وطلبه جل وعلا بأوليائه من دين المشركين الشرك الأكبر المخرج من الملة، وكفر به- كما ترى- صريحا من قوله، فصار حينئذ كلامه عن الرد عليه مريحا في (١) فإذا علمت أن أهل الغار الذين حديثهم في الصحيحين (٢) كنطق القرآن لأنه ﷺ لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى؟ وقد توسلوا إلى الله تعالى بصالح أعمالهم فأنجاهم الله تعالى بذلك، وأزاح عنهم الصخرة بقدرته الكاملة التي خلق الصخرة بها وأوجدها وجبلها التي هي منه، حتى خرجوا. وقوله ﷺ في حديث السنن في الدعاء للقاصد للصلاة: " «لا أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا» " (٣) وقد قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] [الصافات: ٩٦] . وقد قرن في (٤) ذلك بلفظ واحد جل ذكره، وتقرر عندك، هل ترى

стр. 270

أعمال بني آدم أفضل عند الله تعالى من (١) ذات سيد البشر ﷺ ؟ مع أن (٢) في حديث الأعمى الذي في السنن، وصححه الترمذي من حديث عثمان بن حنيف ﵁ ورواه الطبراني، والحاكم، والبيهقي (٣) عن عثمان بن حنيف أنه علمه رجلا له عند عثمان بن عفان (٤) حاجة، فتعسر قضاؤها في خلافته ﵁، فقال (٥) الرجل، فتيسرت حين توسل إلى الله تعالى بنبيه ﷺ فهل ترى الصحابة ﵃ يُعَلِّمُون الناس الشرك الأصغر؟ فضلا عن الأكبر كما يقوله هذا الرجل صريحا؟ أو ترى سلف الأمة الصالح وعلماءهم (٦) يَرْوُون وينقلون لأمته أفعال الشرك وأقواله ليعملوا به أو يجيزون ذلك أو روايته؟ سبحان الله ما أعمى عين الهوى عن الهدى) . والجواب أن يقال: أما تسميته مصنف شيخنا في رد ما احتج به المشركون "شبها" مع أنه استدل بالكتاب السنة وتمسك بهما: فهذا من أعظم الجراءة على ما يوجب ردة قائله وكفره، فإن من قال في القرآن ما دون هذا مما يشعر برده أو نقضه، مجمع على كفره وردته، ولا خلاف بين أهل العلم (٧) في ذلك.

стр. 271

وما ذكره الشيخ من أن أعداء الله لهم اعتراضات وشُبَه كثيرة على دين الرسل يصدون بها الناس فهو حق. ومصداقه في كتاب الله قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ - وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٣] (١) [الأنعام: ١١٢ - ١١٣] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] [الأنعام: ١٢١] . وقول الشيخ: (منها قوله: نحن لا نشرك بالله شيئا، بل نشهد أنه لا يخلق، ولا يرزق، ولا ينفع، ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له، فضلا عن عبد القادر وغيره، ولكن أنا مذنب، والصالحين (٢) لهم جاه عند الله، وأطلب من الله تعالى بهم، فجاوبه بما تقدم، واقرأ عليهم (٣) ما ذكر الله في كتابه) ، فهذا الكلام الذي حكاه الشيخ عنهم قد حكاه شيخ الإسلام عن كثير ممن يدعي الإسلام، ومن الصوفية، وذكر أنهم ظنوا أن الفناء في هذا التوحيد الذي هو توحيد الربوبية، هو الغاية التي ينتهي إليها السالكون، وقرر أن هذا لا يدخل به العبد في الإسلام، بل لا بد أن يكون الله وحده (٤) محبوبه الذي يألهه

стр. 272

ويخضع له، وينيب إليه، ويسلم له وجهه، ويتوكل عليه، ويستغيث به، ويفزع إليه في حاجاته ومهماته ولا يكون له في عباداته شريك، وقرر أن هذا هو حقيقة الإسلام وهو مدلول "لا إله إلا الله " وهو الذي دعت إليه الرسل، وصار النزاع والخصومة فيه. كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] [الزخرف: ٤٥] . فنفى سبحانه جعل آلهة يعبدهم الناس، ويفزعون إليهم، وأن الرسل كلهم نافون مبطلون لما ادعته المشركون من شرع اتخاذ الآلهة، وجعلها أندادا، والمقصود بالنفي هو الجعل الديني الشرعي، لا القضائي (١) القدري الكوني، وأما الإقرار بأن الله هو الخالق الرازق المدبر، فهذا قد أقر به المشركون، كما ذكر الله ذلك عنهم في غير آية، كما في سورة يونس، والمؤمنون، وسورة النمل (٢) والزخرف، وغيرها من سور القرآن. وقول من يدعو الصالحين: (أنا مذنب؟ والصالحون لهم جاه) ، هو بعينه قول المشركين، كما ذكره غير واحد: أنهم عللوا إباحة شركهم واستحسانه، بأن العبد المذنب لا يصلح لمخاطبة الرب والدخول [١٠٩] ، عليه إلا بواسطة من العبد الصالح المقرب، وأنه إذا علق أمله بالصالحين أو الملائكة فاض عليه من الإفاضات التي تحصل لهم، ومثلوا ذلك بانعكاس الشعاع من الأجسام الصقيلة، كما ذكره الفارابي وغيره من دعاة المشركين.

стр. 273

ومثل هذا يجاب عليه (١) بما ذكره شيخنا ﵀: من أن هذا بعينه هو قصد المشركين ومرادهم، وهو الذي دعاهم إلى عبادة الأنبياء والصالحين والتعلق عليهم لأجل الجاه والشفاعة. قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] [يونس: ١٨] . وأخبر تعالى عن قصدهم ومقالتهم، وأنكرها عليهم، وأخبر أنه لا يعلم وجود شفيع يشفع (٢) عنده لا في السماوات ولا في الأرض، وما لا يعلمه فهو (٣) مستحيل الوجود، فنزه نفسه عن هذا الشرك المنافي للعبودية التي هي الحكمة في إيجاد البرية. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] [الزمر: ١٨] وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨] [الأحقاف: ٢٨] . إذا ظهر هذا وعرفت أن كلام الشيخ متجه، لا غبار عليه. فاعلم أن قول هذا الملحد: (فجعل بكلامه هذا -كما ترى- التوسلَ بذات الصالحين، والرسل عليهم الصلاة والسلام، وطلبه جل وعلا

стр. 274

بأوليائه من دين المشركين الشركَ الأكبر، المخرج من الملة، وكَفَّرَ به كما ترى صريحا من قوله) . هو تمويه وتلبيس، أدخل فيه: (وطلبه (١) جل وعلا بأوليائه) ليوهم الجهال ومن لا علم عندهم بحقيقة الحال. وموضوع الكلام: أن مراد الشيخ مسألة التوسل في دعاء الله بجاه الصالحين، وهذه مسألة، ودعاء الصالح وقصده (٢) فيما لا يقدر عليه إلا الله (٣) مسألة أخرى؟ فخلطها ليروج باطله، فقبحا قبحا، وسحقا سحقا لمن ورث اليهود، وحرَّف الكلم عن مواضع. وكلام الشيخ صريح فيمن دعا مع الله إلها آخر في حاجاته وملماته، وقصده بعبادته فيما لا يقدر عليه إلا الله، كحال من عَبَدَ عبد القادر، وأحمد البدوي، أو العيدروس، أو عليًّا، والحسين، وقول هذا المشرك: (وأطلب من (٤) الله بهم) ، أي: بواسطتهم. بمعنى أن هذا المشرك يدعوهم ويتوجه إليهم بالعبادات، وهم يدعو الله له، كما أخبر الله عن المشركين بقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] [الزمر: ٣] . فظن المعترض أن الشيخ أراد مسألة الله بجاه الصالحين؟ فاعترض على ذلك (٥) وآفته الفهم السقيم، والمعتقد الذميم، فنعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

стр. 275

ومع هذا الصنيع الفظيع، والشرك الجلي يقول: (أنا لا أشرك بالله شيئا، وأشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله، ظنا منه أن ذلك هو الإسلام فقط وأنه ينجو به (١) من الشرك، وما رتب عليه) . فكشف الشيخ شبهته، وأدحض حجته بما تقدم من الآيات: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥] [الأنعام: ١١٥] . وأما مسألة الله تعالى بحق أنبيائه وأوليائه أو بجاههم، بأن يقول السائل: اللهم إني أسألك بحق أنبيائك، أو بجاه أوليائك، أو نحو هذا: فليس الكلام فيه، ولم يقل الشيخ إنه شرك، ولا له ذكر في كلامه، وحكمه عند أهل العلم معروف، وقد نص على المنع منه جمهور أهل [١١٥] ، العلم، بل ذكر الشيخ في رده على ابن البكري (٢) أنه لا يعلم قائلا بجوازه إلا ابن عبد السلام في حق النبي ﷺ ولم يجزم بذلك، بل علق القول به على ثبوت حديث الأعمى وصحته، وفيه من لا يحتج به عند أهل الحديث، وعلى تسليم صحته فليس الكلام فيه، وفي المثل: أريها السهى وتريني القمر. وأما استدلاله بحديث أهل الغار على مسألته التي لبَّس بها: فهو من نوادر جهله التي يضحك منها العقلاء، أين التوسل بالأعمال الصالحة، من البر والعفة والأمانة، من التوسل بذوات المخلوقين؟ نزلوا بمكة في قبائل هاشم ... ونزلت بالبيداء أبعد منزل

стр. 276

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] [المائدة: ٣٥] . والوسيلة: ما شرعه (١) ورضيه من الأعمال الصالحة، والأقوال (٢) وأين في شرعه أن يسأل العبد ربه بعبد من عبيده، مخلوق من خلقه؟ ومن قاس هذا على ما صح من التوسل بالأعمال الصالحة، فقد أبعد المرمى، ولم يعرف مناط الأحكام. والتوسل صار مشتركا في عرف كثير، فبعض الناس يطلقه على قصد الصالحين ودعائهم وعبادتهم مع الله، وهذا هو المراد بالتوسل في عرف عباد القبور وأنصارهم، وهو عند الله ورسوله وعند أولي العلم من خلقه: الشرك الأكبر والكفر البواح، والأسماء لا تُغير الحقائق. ويطلق أيضا: على مسألة الله بجاه الصالحين والأنبياء، وحقهم على الله. ويطلق أيضا: في عرف السنة والقرآن وعرف أهل العلم بالله ودينه، على: التوسل والتقرب إلى الله بما شرعه من الإيمان به وتوحيده وتصديق رسله، وفعل ما شرعه من الأعمال الصالحة التي يحبها الرب ويرضاها، كما توسل أهل الغار الثلاثة بالبر والعفة وأداء الأمانة. فإذا أطلق التوسل في كتاب الله وسنة رسوله وكلام أهل العلم من خلقه فهذا هو المراد، لا ما اصطلح عليه المشركون الجاهلون بحدود ما أنزل الله

стр. 277

على رسوله، فلبس هذا المعترض بكلمة مشتركة، ترويجا لباطله. وأما ما ورد في السنن من السؤال، (١) "بحق السائلين (٢) وبحق ممشى الذاهب إلى المسجد" ونحو ذلك، فالله جعل على نفسه حقا تفضلا منه وإحسانا إلى عباده، فهو توسل إليه بوعده وإحسانه، وما (٣) جعله لعباده المؤمنين على نفسه، فليس من هذا الباب، أعني باب مسألة الله بخلقه، وقد منع ذلك فقهاء الحنفية، كما حدثني به محمد بن محمود الجزائري الحنفي رحمه الله تعالى بداره بالإسكندرية، وذكر أنهم قالوا: لا حق لمخلوق على الخالق. ويشهد لهذا ما يروى أن داود قال: "اللهم إني أسألك بحق آبائي عليك، فأوحى الله (٤) إليه: أيّ حق لآبائك عليَّ؟ " (٥) أو نحو هذا، والحق المشار إليه بالنفي هنا غير ما تقدم إثباته، فإن المثبت بمعنى الوعد الصادق، وما جعله الله للماشي (٦) إلى الصلاة (٧) وللسائلين من الإجابة [١١١] ، والإثابة، فضلا منه وإحسانا، المنفي هنا هو الحق الثابت بالمعاوضة والمقابلة على الإيمان والأعمال الصالحة، فالأول يعود ويرجع إلى التوسل بصفاته الفعلية والذاتية، والثاني يرجع إلى التوسل بذوات المخلوقين، فتأمله فإنه نفيس جدا.

стр. 278

وأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] [الصافات: ٩٦] . واستدلال هذا الغبي بعطف الأعمال على ما قبله فهو يريد أن الأعمال والمخلوق مستويان في التوسل بهما، بدليل العطف، فإن كان العطف يفيد ذلك، فقد عطف تعالى ذكر (١) الملائكة والنبيين وأولي العلم من خلقه على اسمه المقدس. فإن قلت: يدعون كما يدعى؛ لأنه قرن ذلك بلفظ واحد، فقد أتيت بكفر لم تُسبق إليه ويستحي من إبدائه كفار قريش وأمثالهم. فنعوذ بالله من هذا الفهم الضال، والإلحاد في كتاب الله، والكذب على الله. وفي الحديث: " «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» " (٢) وهذا الفهم الضال يستحي العاقل من حكايته، لولا الحاجة إلى رده، وفي قوله: (وقد قرن ذلك) من سوء التعبير ما يطلعك على جهل هذا المتكلم. والعطف إنما يقتضي التشريك في الفاعلية، أو المفعولية أو (٣) المجاورة ونحو ذلك، وأما اشتراك المتعاطفين في جميع الأحكام الخارجة عما سيق له الكلام، فهذا (٤) إنما يقوله من هو أضل من الأنعام،

стр. 279

ولو طردناه لاتسع الخرق في المكفرات، وخرجنا عن الموضوعات والمعقولات إلى جهالات وعمايات لا يمكن حصرها. وأما قوله: (فهل ترى أعمال بني آدم أفضل عند الله من ذات سيد البشر) . فهذا الكلام كلام جاهل، فإن ذات سيد البشر ﷺ داخلة في عموم بني آدم، وفضلها لِمَا خصت به من الرسالة والإيمان الكامل، الذي لا أكمل منه، وغير ذلك من المواهب والتوفيق للأعمال الصالحة. ثم التوسل بذاته يتوقف على المشروع، كالإيمان به ونصرته ومتابعته، فهذا هو الوسيلة العظمى. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] [المائدة: ٣٥] . أما سؤال الله به، وترك متابعته، والخروج عن شريعته: فهذا (١) حال المعرضين عن الإيمان به، وبما جاء به، والعبادات مبناها على الاتباع؟ ولذلك صار عمدة من أجازه (٢) حديث الأعمى، ولم يتجاوزه إلى غيره من الأقيسة والخوض بلا علم، وحديث الأعمى قد (٣) تكلم فيه أهل [١١٢] ، الحديث ولم يصححوه كما تقدم؟ لأن فيه من لا يُحتج به، ولذلك (٤) توقف ابن عبد السلام في صحته وقال: "إن صح الحديث (فيجوز ذلك

стр. 280

بالنبي خاصة" وغيره يقول: إن صح الحديث) (١) فليس فيه ما ذهب إليه من أجاز سؤال الله بجاه خلقه وبحقهم؟ لأن نص الحديث يفيد أن النبي ﷺ دعا له، وسأل (٢) الله أن يرد بصره، فهو توسل بدعائه، كما في حديث عمر: «اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبيك (٣) فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيك» (٤) فدعاء الأنبياء وأقاربهم المؤمنين وأهل الفضل والصلاح من أعظم الوسائل " إلى الله، وما المانع أن يكون هذا هو المراد. وعلى كل تقدير فالنزاع ليس في هذا، وكلام شيخنا ليس فيه، وإنما أورده المعترض لبسا ومغالطة. والمعترض ظن أن قول شيخنا فيما حكاه من شُبَه المشرك، وأنه يقول: (وأطلب من الله بهم) ، أي: بجاههم وحقهم. وليس كذلك؟ لأن سياق الكلام وموضوعه فيمن يدعوهم مع الله، ويجعلهم وسائط بينه وبين ربه في شأنه، وأمره، وحاجاته، وملماته، فالمعنى حينئذ أطلب من الله بواسطتهم، بمعنى أنه يدعوهم لتحصيل مراده ومطلوبه من الله، فالغبي لم يفهم أو لبَّس ومَوَّهَ كما تقدم. وأما ما فعله عثمان بن حنيف من تعليم هذا الحديث (٥) فليس فيه

стр. 281

حجة لهذا المبطل، والشيخ لم يقل: إن هذا النوع شرك لا أصغر ولا أكبر، حتى يعترض بأن الصحابة علموه الناس. وأما احتجاجه: بما عَزَاه للطبراني في الكبير من «أنه ﷺ : "دخل قبر فاطمة بنت أسد ودعا لها فقال: بحق نبيك والأنبياء الذين قبلي» (١) . إلى آخر الحديث، فيقال لهذا: كم في الطبراني من حديث يخالف هذا ويدل على وجوب التوسل بأسماء الله وصفاته، وإنابة الوجوه إليه؟ فما أعمى عينك عنها؟ هل هناك شيء أعماها سوى الجهل والهوى؟ . وقد تكلم في هذا الحديث غير واحد. وقال شيخ الإسلام (٢) (قد بالغت في البحث والاستقصاء فما وجدت أحدا قال بجوازه إلا ابن عبد السلام في حق نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام) . أترى هذا الحديث خفي على علماء الأمة، ولم يعلموا ما دل عليه؟ ثم لو سلمنا صحته أو حُسنه (ففيه ما مر في حديث الأعمى أن المراد: بدعاء نبيك إلى آخره) (٣) فأي وسيلة بذوات الأنبياء لمن عصى أمرهم وخرج عما جاءوا به من التوحيد والشرع. وفي الحديث: " «يا صفية عمة رسول الله، ويا فاطمة بنت محمد اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا» " (٤) .

стр. 282

قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم: ١٠] [التحريم: ١٠] . قال شيخ الإسلام (١) (فإذا قال الداعي: أسألك بحق فلان وفلان، لم يدع له، ولم يسأله باتباعه لذلك الشخص، أو محبته وطاعته، بل بنفس ذاته وما جعله له ربه من الكرامة (٢) لم يكن قد سأله بسب يوجب المطلوب (٣)) . وأما استدلاله على جواز ذلك: بما ذكر أبو الفرج في كتاب "الوفا" من قول عائشة ﵂: " انظروا قبر النبي ﷺ واجعلوا منه كوة إلى السماء، حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، ففعلوا فمطروا " إلى آخره. فالاستدلال بهذا من نوادر جهل المعترض. [١١٣] وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن هذا لم في (٤) يثبت (٥) . وقال الحافظ المزي (٦) في الكلام على أوس بن عبد الله الربعي

стр. 283

أبو الجوزاء (١) البصري: (قال البخاري: في إسناده نظر ويختلفون فيه. (قال الحافظ المزي (٢) وقول البخاري: في إسناده نظر ويختلفون فيه) (٣) إنما قاله عقب حديث رواه له في التاريخ من رواية عمرو بن مالك النكري؟ والنكري (٤) ضعيف عنده. وقال ابن عدي: حدث (٥) عنه (٦) عمرو بن مالك قدر عشرة أحاديث غير محفوظة، وأبو الجوزاء (٧) روى عن الصحابة؟ وأرجو أنه لا بأس به ولا يصح روايته عنهم أنه سمع منهم، وقول البخاري في إسناده نظر، يريد أنه لم يسمع منهم) (٨) قلت: فعمرو بن مالك النكري قد ضعفه البخاري، ولم يذكر الحافظ المزي أحدا وثقه، وقد انفرد برواية هذا الحديث، (فلذلك توقف فيه البخاري، ونظر فيه، وجزم بضعفه، ولو سلم هذا الحديث) (٩) فليس فيه حجة للمبطل، لما تقدم من أنه أثبت (١٠) أن دانيال النبي ﵇ وُجد على سرير في بيت مال الهرمزان، وأخبر الفرس أنهم يستسقون به فَيُسْقَوْنَ، مع أنهم عباد نيران ليسوا بأهل كتاب، وبركة نبينا ﷺ أعظم مما

стр. 284

ذكر، وأجل مما وصف؟ لكن لا دليل فيه على أنه يُدعى ويُقصد للاستسقاء ولا لغيره بعد وفاته ﷺ ، وقد كان جسد دانيال النبي ﵇ عند (١) أهل "تستر" على سرير في بيت مال الهرمزان، وكان عنده مصحفه، وكانوا إذا قحطوا أخرجوه فأُمطروا، فكتب عامل عمر إليه يخبره بدلك فأمره أن يحفر بضعة عشر قبرا ويدفن ليلا في أحدها؟ ليُعَفِّيَ أثره ويُخفي خبره، والقصة مشهورة ذكرها ابن إسحاق في مغازيه (٢) وقد خاف عمر من أن يُشرك به ويُجعل ندًّا لله؟ كما جعل عيسى وأمه، فاجتهدوا (٣) في إخفاء قبره وعدم إظهاره. فهذا هو فعل المهاجرين والأنصار الذين هم من أعلم الناس بحقه وأعظمهم توقيرا له، وليس في إنزال المطر إذا كشفت أجساد الأنبياء أو قبورهم ما يُستدل به على جواز التوسل الشركي (٤) بهم، فإن الأمر الشرعي والعبادات الدينية توقيفية لا يجوز إحداثها نظرا إلى الأسباب القدرية الكونية، فإن أسباب الكائنات لا يحصيها إلا الله أعيانا وأنواعا، وليس كل سبب منها (٥) دينيا شرعيا محمديا عليه رسم المدينة. هذا، وما يحصل ببركته ﷺ أضعاف ما ذكر، ولكن الشأن كل الشأن في السير على منهاجه، والأخذ بأمره، والانتهاء عن زجره ونهيه، وقد حَمَى حِمَى التوحيد وسد طرائق الشرك ووسائله، حتى قال للوفد الذين

стр. 285

قالوا له: أنت سيدنا وابن سيدنا، خيرنا (١) وابن خيرنا، " «السيد الله تعالى، قولوا بقولكم، أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله (٢) ورسوله» " (٣) هذا وقد قال في مقام الإخبار والإعلام: " «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» " (٤) وأما قوله: (وهل هذا إلا توسل (٥) منهم بالمصطفى ﷺ إلى آخر عباراته. فيقال: أما التوسل بذاته الشريفة ﷺ : فليس من محل النزاع؛ ولا يدل على مشروعية سؤال الله بحقه أو بحق غيره من الأنبياء، وقد يحصل بدعائه ﷺ أو بذاته ما لا يحصل بالدعاء به، والقياس هنا لا يسوغ، وأما كون الدال على ذلك أم المؤمنين: ففيه نظر ظاهر، والقبة التي فيها الكوة إنما بنيت في ولاية ابن (٦) قلاوون من سلاطين مصر في القرن السادس؟ ولعل المعترض أراد ذكر ما وضع في سقف بيته الشريف ﷺ (وقد مر ما فيه) (٧) (٨) .
следующие страницы →