← Акыда

Акыда · id 30868

مصباح الظلام في الرد على من كذب الشيخ الإمام ونسبه إلى تكفير أهل الإيمان والإسلام

عبد اللطيف آل الشيخ

Полный текст (590 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

حجة لهذا المبطل، والشيخ لم يقل: إن هذا النوع شرك لا أصغر ولا أكبر، حتى يعترض بأن الصحابة علموه الناس. وأما احتجاجه: بما عَزَاه للطبراني في الكبير من «أنه ﷺ : "دخل قبر فاطمة بنت أسد ودعا لها فقال: بحق نبيك والأنبياء الذين قبلي» (١) . إلى آخر الحديث، فيقال لهذا: كم في الطبراني من حديث يخالف هذا ويدل على وجوب التوسل بأسماء الله وصفاته، وإنابة الوجوه إليه؟ فما أعمى عينك عنها؟ هل هناك شيء أعماها سوى الجهل والهوى؟ . وقد تكلم في هذا الحديث غير واحد. وقال شيخ الإسلام (٢) (قد بالغت في البحث والاستقصاء فما وجدت أحدا قال بجوازه إلا ابن عبد السلام في حق نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام) . أترى هذا الحديث خفي على علماء الأمة، ولم يعلموا ما دل عليه؟ ثم لو سلمنا صحته أو حُسنه (ففيه ما مر في حديث الأعمى أن المراد: بدعاء نبيك إلى آخره) (٣) فأي وسيلة بذوات الأنبياء لمن عصى أمرهم وخرج عما جاءوا به من التوحيد والشرع. وفي الحديث: " «يا صفية عمة رسول الله، ويا فاطمة بنت محمد اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا» " (٤) .

стр. 282

قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم: ١٠] [التحريم: ١٠] . قال شيخ الإسلام (١) (فإذا قال الداعي: أسألك بحق فلان وفلان، لم يدع له، ولم يسأله باتباعه لذلك الشخص، أو محبته وطاعته، بل بنفس ذاته وما جعله له ربه من الكرامة (٢) لم يكن قد سأله بسب يوجب المطلوب (٣)) . وأما استدلاله على جواز ذلك: بما ذكر أبو الفرج في كتاب "الوفا" من قول عائشة ﵂: " انظروا قبر النبي ﷺ واجعلوا منه كوة إلى السماء، حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، ففعلوا فمطروا " إلى آخره. فالاستدلال بهذا من نوادر جهل المعترض. [١١٣] وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن هذا لم في (٤) يثبت (٥) . وقال الحافظ المزي (٦) في الكلام على أوس بن عبد الله الربعي

стр. 283

أبو الجوزاء (١) البصري: (قال البخاري: في إسناده نظر ويختلفون فيه. (قال الحافظ المزي (٢) وقول البخاري: في إسناده نظر ويختلفون فيه) (٣) إنما قاله عقب حديث رواه له في التاريخ من رواية عمرو بن مالك النكري؟ والنكري (٤) ضعيف عنده. وقال ابن عدي: حدث (٥) عنه (٦) عمرو بن مالك قدر عشرة أحاديث غير محفوظة، وأبو الجوزاء (٧) روى عن الصحابة؟ وأرجو أنه لا بأس به ولا يصح روايته عنهم أنه سمع منهم، وقول البخاري في إسناده نظر، يريد أنه لم يسمع منهم) (٨) قلت: فعمرو بن مالك النكري قد ضعفه البخاري، ولم يذكر الحافظ المزي أحدا وثقه، وقد انفرد برواية هذا الحديث، (فلذلك توقف فيه البخاري، ونظر فيه، وجزم بضعفه، ولو سلم هذا الحديث) (٩) فليس فيه حجة للمبطل، لما تقدم من أنه أثبت (١٠) أن دانيال النبي ﵇ وُجد على سرير في بيت مال الهرمزان، وأخبر الفرس أنهم يستسقون به فَيُسْقَوْنَ، مع أنهم عباد نيران ليسوا بأهل كتاب، وبركة نبينا ﷺ أعظم مما

стр. 284

ذكر، وأجل مما وصف؟ لكن لا دليل فيه على أنه يُدعى ويُقصد للاستسقاء ولا لغيره بعد وفاته ﷺ ، وقد كان جسد دانيال النبي ﵇ عند (١) أهل "تستر" على سرير في بيت مال الهرمزان، وكان عنده مصحفه، وكانوا إذا قحطوا أخرجوه فأُمطروا، فكتب عامل عمر إليه يخبره بدلك فأمره أن يحفر بضعة عشر قبرا ويدفن ليلا في أحدها؟ ليُعَفِّيَ أثره ويُخفي خبره، والقصة مشهورة ذكرها ابن إسحاق في مغازيه (٢) وقد خاف عمر من أن يُشرك به ويُجعل ندًّا لله؟ كما جعل عيسى وأمه، فاجتهدوا (٣) في إخفاء قبره وعدم إظهاره. فهذا هو فعل المهاجرين والأنصار الذين هم من أعلم الناس بحقه وأعظمهم توقيرا له، وليس في إنزال المطر إذا كشفت أجساد الأنبياء أو قبورهم ما يُستدل به على جواز التوسل الشركي (٤) بهم، فإن الأمر الشرعي والعبادات الدينية توقيفية لا يجوز إحداثها نظرا إلى الأسباب القدرية الكونية، فإن أسباب الكائنات لا يحصيها إلا الله أعيانا وأنواعا، وليس كل سبب منها (٥) دينيا شرعيا محمديا عليه رسم المدينة. هذا، وما يحصل ببركته ﷺ أضعاف ما ذكر، ولكن الشأن كل الشأن في السير على منهاجه، والأخذ بأمره، والانتهاء عن زجره ونهيه، وقد حَمَى حِمَى التوحيد وسد طرائق الشرك ووسائله، حتى قال للوفد الذين

стр. 285

قالوا له: أنت سيدنا وابن سيدنا، خيرنا (١) وابن خيرنا، " «السيد الله تعالى، قولوا بقولكم، أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله (٢) ورسوله» " (٣) هذا وقد قال في مقام الإخبار والإعلام: " «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» " (٤) وأما قوله: (وهل هذا إلا توسل (٥) منهم بالمصطفى ﷺ إلى آخر عباراته. فيقال: أما التوسل بذاته الشريفة ﷺ : فليس من محل النزاع؛ ولا يدل على مشروعية سؤال الله بحقه أو بحق غيره من الأنبياء، وقد يحصل بدعائه ﷺ أو بذاته ما لا يحصل بالدعاء به، والقياس هنا لا يسوغ، وأما كون الدال على ذلك أم المؤمنين: ففيه نظر ظاهر، والقبة التي فيها الكوة إنما بنيت في ولاية ابن (٦) قلاوون من سلاطين مصر في القرن السادس؟ ولعل المعترض أراد ذكر ما وضع في سقف بيته الشريف ﷺ (وقد مر ما فيه) (٧) (٨) .

стр. 286

قال المعترض: (وليس المراد في هذا تقرير جوازه أو عدمه، وإنما الغرض بيان خطأ هذا الرجل بتكفيره (١) الأمة القائمة الظاهرة القاهرة [١١٤] ، لعدوهم بما لا حاصل تحته، غايته أن يكون جائزا أو مستحبا، قد فعله السلف والخلف، ليس بكفر كما يزعم هذا؟ بل ولا محذور فيه، ولو لم يكن مندوبا لما أرشد عثمان بن حنيف ﵁ إليه بعد موت النبي ﷺ . فيقال في جوابه: الله أكبر، ما أعظم ما تجارى بهذا الهوى إلى أن بلغ غايته القصوى في الكذب والتمويه، ويحه أين تكفير الأمة القائمة الظاهرة في كلام شيخا ﵀؟ وأين التكفير بسؤال الله بحق أوليائه؟ هل هو إلا شيء اختلقه وزوره ولفقه، ثم أخذ يرده وينسبه إلى الشيخ ويبهته بأكاذيبه وزوره ليصد عن سبيل الله؟ ويلبس على الجهال. قال تعالى عن اليهود: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ - لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٢ - ٦٣] [المائدة: ٦٢- ٦٣] . وقد جرى للرافضة والجهمية والمعطلة من هذا النوع شيء كثير، يبهتون به أهل السنة والجماعة المثبتين لصفات الله ونعوت جلاله، وقد أخزاهم الله وكبتهم، وكشف لعباده المؤمنين زورهم وبهتهم (٢) ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ - هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٢ - ٣٣] [التوبة: ٣٢-٣٣] .

стр. 287

وقد عرف كل أحد حتى العذارى في خدورهن أن شيخنا ﵀ إنما يريد عباد القبور الذين يجعلون مع الله آلهة أخرى، ويسألونهم (١) قضاء حاجاتهم، وتفريج كرباتهم، ويفزعون (٢) إليهم في الشدائد (٣) والمهمات، وهذا المفتري يجعلهم الأمة الظاهرة القائمة. فويل لمن نصر هذا الشرك وأثنى على أهله، وضلل من أنكر عليهم أو كفرهم كما فعل هذا الضال، والله سبحانه هو الموعد (٤) وإليه المنتهى. وأما قوله: (غايته أن يكون جائزا أو مستحبا قد فعله السلف والخلف) . فيقال لهذا الملحد: أين عن السلف والخلف فعل عبادة القبور ودعائها والاستغاثة بها وندائها بالحوائج، وكَتْب الرقاع بذلك ودَسّها في القبور؟ أوجدنا حرفا عن أحد من السلف والخلف، خواصهم وعوامهم يحقق ما زعمت، ويدل عليه، فإن لم تفعل- ولن تفعل- فهذي نصوصهم ظاهرة مشتهرة في المنع من ذلك، والتغليظ فيه، وتكفير فاعله. وقد مر من النصوص ما يثلج الصدور، ويدرأ في نحور أهل الكذب والزور. وقد نص ابن القيم في إغاثته (٥) على أن أصل شرك العالم هو دعاء

стр. 288

الموتى والاستغاثة بهم، وسيأتي لهذا مزيد بسط. وأما قوله: (وليس بكفر ولا محذور فيه، ولو لم يكن مندوبا لما أرشد عثمان بن حنيف إليه بعد موت النبي ﷺ . فصريح هذا الكلام من المعترض أن ما ذكره الشيخ من دعاء الموتى والغائبين وجعلهم وسائط بين الله وبين خلقه لا محذور فيه، وليس بشرك، وأنه مندوب، فنعوذ بالله من الضلال بعد الهدى، والكفر بعد الإيمان، إن لم يكن هذا هو الشرك الأكبر فليس في الأرض شرك، بل هذا (١) دين الصابئة والمشركين، ممن (٢) أعرض عن الرسل، ولم يؤمن بآيات ربه وأقوالهم وأوضاعهم واصطلاحاتهم في عبادة هذه الوسائط ودعائها، وجعل البيوت والسدنة والهياكل لها معروف مشهور لا يخفى. قال تعالى عن خليله إبراهيم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ - إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ - قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ - قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ - قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ - قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ [الأنبياء: ٥١ - ٥٦] [الأنبياء: ٥١-٦٦] (٣) ونحو ذلك من الآيات الدالة على أن النزاع والخصومة بين الرسل وقومهم إنما هي في عبادة الله، وترك عبادة ما سواه. وأما توحيد الربوبية فأكثر الأمم قد أقرت به لله وحده.

стр. 289

قال المعترض: (وأكبر من هذا وأدهى وأمر: تنزيله هذه الآيات السابقة على غير مواضعها، فبكلامه هذا يكون أهل الغار عنده من أعداء الله كفارا بذلك (١) وكذلك من قال: بحق السائلين عليك، وما الفرق بين العمل الصالح والذات الصالحة وقد قرنهما الله تعالى في لفظ واحد؟ حيث (٢) يقول: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] [الصافات: ٩٦] . هذا كلامه بحروفه. فيقال له (٣) إنما الداهية الدهياء، والمصيبة الصماء، والجهالة العمياء، ما أنت بصدده من الصد عن سبيل الله، ومعارضة أهل العلم، ورد ما استدلوا به من الآيات المحكمات، فيما نزلت فيه عن الشرك الظاهر والكفر البواح، وأنت فعارضتهم بجهالة وضلالة، وعمى عن معرفة السبيل، وما يراد من المقالة، وتعرضت لأمر لست من أكفائه ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: ١٧٦] هذا حاصله على أي حالة، ما أنت ومعرفة الآيات، وما أنت والخوض في تلك المقاصد [١١٦] ، والغايات؟ وأنت أجهل من خط بالقلم وأفسد، ويكفي العاقل من جهلك وضلالك قولك: (وقد قرنهما (٤) في لفظ واحد، حيث يقول: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] [الصافات: ٩٦] . وقد تقدم أن قولك الضال، وجهلك الواضح صريح في أن العطف

стр. 290

يقتضي المشاركة في الخصائص والأحكام، وقد تقدم أن (١) إطلاق هذا والقول به كفر، لا يبقي من الإيمان شيئا ولا يذر، وجهل لم يقله أحد ممن سبق من أهل اللسان وغيرهم (٢) أترى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] [الأحزاب: ٥٦] وقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] (٣) . وقوله: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦] [النساء: ١٦٦] وأمثال هذه الآيات تقتضي المشاركة في خصائص الإلهية والربوبية والذات والصفات. وهل أفادت غير حصول ما سيقت له من الصلاة والشهادة؟ وقولك: (وقد تقدم هذا) (٤) لو عرف هذا قدر نفسه، لعلم أن الأنعام أهدى منه في (٥) العقل وحدسه. قال المعترض: (هب أن بعض العلماء رحمهم الله تعالى منعه

стр. 291

أو كرهه كأبي العباس، وقد يكون له قصد في ذلك (١) حسنا، ومع ذلك لم يكفر به ولم يفسق به، كما يقوله هذا الرجل، بل لم يكفر من سأل النبي ﷺ في قبره واستشفع به، كما سنذكر قوله في ذلك بحروفه، حتى إنه ﵀ حاول الفرق بين ما جمعهما الله في لفظ واحد: الذات الصالحة والعمل الصالح، فلم يستطع على إخراج ذلك ببرهان بين؛ بل الآثار والنظر والقياس الصحيح يعطي رفعة الذات على العمل، والاعتبار بما عند الله من الكرامة والإكرام ومع ذلك قوله مع الجماعة أحب إلينا كما ذكرناه ونذكره عنه) . والجواب أن يقال: " «المتشبع بما لم يُعْط كلابس ثوبي زور» " (٢) ؛ أين أنت ومعرفة الآثار والنظر والقياس؟ وقد التبس عليك الإيمان بالشرك، وخفي عليك أشد خفاء والتباس، ولفظك من الأدلة على جهلك، وقد أبقيناه برمته وما فيه من اللحن في اسم كان، وتثنية ضمير الموصول المفرد، وتعدية الاستطاعة بعلى وغير ذلك مما يدل على جهلك وإفلاسك: لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها والشيخ لم يكفر به (٣) ولم يفسق، وقد خاب من افترى. وأما قولك: (إن الشيخ تقي الدين لم يكفر من سأل النبي ﷺ في

стр. 292

[١١٧] قبره واستشفع به) فسيأتيك جوابه، وبيان جهلك وخطأك في فهم كلام الشيخ عند ذكر ما نقلته عنه. وأما كون أبي العباس بن تيمية حاول الفرق بين ما جمعه الله في لفظ واحد: فهذا كلام خِبّ لئيم، ما عرف أين الصراط المستقيم، والشيخ أعقل من أن يفرق بين ما جمعه الله. ثم أين الجمع؟ إنما هو العطف، والشيخ أعلم من أن يفهم مفهوم (١) الضالين، وقد نزهه الله عن ذلك، ولم يقل أحد من أهل العلم والإيمان أن الله جمع بينهما ولا قاس الذات على الإيمان، والعمل الصالح " بل ولا فضل أحد ذاتاً مجردة على الإيمان والرسالة والعمل الصالح، وهل يتصور وجود ذات رفعت وفضلت على (٢) الإيمان والأعمال، بلا عمل ولا إيمان؟ هذا الكلام من قسم اللغو والهذيان؟ تصان عن ذكره أسماع أهل الإيمان. وقوله: (ومع ذلك قوله مع الجماعة أحب إلينا) هذا تمويه، (كأن هناك جماعة قالوا بتفضيل الذات على الأعمال، والشيخ له قولان. هذا ظاهر العبارة؟ وكل هذا كذب وبهت وتمويه) (٣) صِرْف، لا قال هذا جماعة ولا جرى نزاع فيه، وأهل العقول بل والعوام منهم ينزهون عن هذا؟ فكيف يقوله جماعة ويكون لأبي العباس قول معهم؟ وهذا الضال يختار، ويحب، ويرجح (٤) وقول السوء يزري بأهله، لا بورك في لسان أورد صاحبه هذه الموارد.

стр. 293

ثم قال المعترض: (وقد رأيت لابن الجوزي في تبصرته في مجلس منها متوسلاً بالنبي ﷺ وفي كلام يحيى الصرصري ﵀ من ذلك (١) ما لا يُحصى، وسماه أبو العباس: حسَّان الأمة، وأثنى عليه ولم ينكر عليه. فكيف ينحلون قولة هذا الزائغ لأبي العباس حاشاه عن ذلك، فكيف وهو (٢) قد أثبت التوسل بالنبي ﷺ في منسكه الكبير؟) . والجواب أن يقال: ما تقدم، وهو أن التوسل بهذا المعنى ما صدر من شيخنا فيه، في هذا الموضع بحث ألبتة ولا تعرض، وإنما هذا الرجل كذب وبهت (٣) ثم أطال الرد. إذا عرفت هذا فقد مر فيما كتبناه على هذه المسألة ما يكفي المنصف. وأما كون الشيخ أبي العباس أثبته في منسكه: فهذا النقل ليس بصحيح، وقد عرف حال هذا الرجل (٤) في التهور في الكذب والخيانة، والمبالغة في التحريف، فكيف ينقل عنه ويؤخذ قوله هذا (٥) ؟ وقد قال الشيخ في منسكه المعروف الذي هو آخر ما صنف في المناسك: (قد صنفت منسكاً في أول عمري على ما ذكره بعض الفقهاء ثم تبين لي خلافه) ، وذكر أنه صنف هذا الأخير معتمداً عليه راجعاً إليه، فليس بحمد الله هناك للمبطل حجَّة ولا دليل.

стр. 294

وأما ما ذكره عن ابن الجوزي وعن الصرصري: فقد تقدم مراراً أن التوسل على ما ذكر، ليس من محل النزاع، وإنما النزاع في توسل المشركين الذي هو دعاء غير الله، والتسوية برب العالمين في خالص حقه، وما يجب له على خلقه، والمعترض جمع بين الجهل بالحقائق، والمغالطة عند المحاقة والمنازعة. نعم قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في الاستغاثة (١) بالنبي ﷺ : (وهذا ما علمته ينقل عن أحد من العلماء؛ لكنه موجود في كلام بعض الناس، مثل الشيخ يحيى الصرصري ومحمد بن النعمان وكتاب المستغيثين بالنبي ﷺ باليقظة والمنام، وهؤلاء لهم صلاح ودين لكن ليسوا من أهل العلم العالمين بمدارك الأحكام، الذين يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام، ومعرفة الحلال والحرام؛ وليس لهم دليل شرعي ولا نقل عن عالم مَرْضِي؛ بل جَرَوْا على عادة كما جرت عادة كثير من الناس بأن يستغيث بشيخه في الشدائد، ويدعوه) - إلى أن قال: (ولهذا لما نبَّه مَن نبه مِن فضلائهم تنبهوا، وعلموا (٢) أن ما كانوا عليه ليس من دين الإسلام؟ بل هو مشابهة لعُبَّاد الأصنام، ونحن نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن النبي ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا أحداً من الأموات، لا الأنبياء ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت، ولا إلى ميت) . قال المعترض: (وقال في رده على ابن البكري في قوله: إن

стр. 295

الاستغاثة بالنبي ﷺ بعد موته ثابتة ثبوتها في حياته بأنه عند الله تعالى في قرب دائم لا ينقص جاهه (١) قال أبو العباس عند ذلك: وهذا اللفظ صحيح لو كان معنى الاستغاثة الِإقسام به، والتوسل بذاته ﷺ ، فإن ذاته بعد الموت لم تنقص بل هو في مزيد دائم، بأبي هو وأمي ونفسي ﷺ . هذا عين كلامه) . والجواب أن يقال: إن الله تعالى لم يزل ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويؤيد عباده المؤمنين، ولو بإجراء ذلك على ألسن أعدائه، من غير قصد منهم للحق ولا إرادة له، وهذه العبارة تهدم ما قبلها، فإن أبا العباس نفى كلام ابن البكري في التسوية بين الأقسام به والتوسل بذاته، ورد على ابن البكري بأن هذا اللفظ لا يستقيم ولا يصح إلاَّ إذا كان معنى الِإقسام هو التوسل بذاته، ففرَّق الشيخ بين الأقسام والتوسل بالذات، وأخبر أنهما لا يستويان في الحكم. والمعترض حرَّف عبارة الشيخ، وأسقط الواو العاطفة للإقسام على ما قبله، وجعله هو خبر كان، وزاد واواً بعده تفيد عطف التوسل بالذات على الِإقسام، وهذا تحريف غريب غيّر المعنى، وجعل الِإقسام الذي هو من تتمة (٢) الاسم خبراً ومحطّ فائدة، وعطف عليه التوسل، فنعوذ بالله من تحريف الضالين، وزيغ الزائغين. إذا عرفت هذا عرفت أن كلام الشيخ يهدم قول المعترض: (أن الشيخ أثبت التوسل) .

стр. 296

وقوله: (إنهم ينحلون قولهم هذا الزائغ لأبي العباس حاشاه من ذلك) ، فقد ردَّت عبارة الشيخ عليه، وهدمت أصله، لكن بعد تصحيحها وإزالة تحريفه (١) فالحمد لله على التوفيق والسداد (٢) وأعجب من هذا: أنه زعم أن الِإمام أحمد ﵀ (كتب ذلك للمروذي في منسكه، وهذه نصوص الِإمام أحمد) (٣) ؛ وهذا مذهبه المقرر، وكلام الشيخ في نفي ذلك موجود متواتر، وقد أفرد هذه المسألة بالتأليف في ردّه على ابن البكري وغيره، وكلامه متفق لا مختلف، وحكى المنع عنها عن كافة الأئمة، سوى ابن عبد السلام، وسيأتي لهذا مزيد إن شاء الله تعالى.

стр. 297

[فصل فيه مناقشة الشرك الواقع في مثل البردة للبوصيري] فصل قال المعترض (١) (ومن قول هذا الرجل في موضع آخر من كلامه، قال: "اعلم أرشدك الله أن من أنواع الشرك الأكبر ما قد يقع فيه بعض المصنفين الأولين على جهالة منه، كقوله في البردة: يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم قال: وفي الهمزية من جنس هذا، وهذا من الدعاء الذي هو العبادة التي لا تصلح إلاَّ لله وحده "، انتهى مع كلام لا يؤبه له. وله كلام عليها غير هذا أشنع منه تركناه، ولأتباعه كذلك (٢) ؛ وسنشير إلى شيء من قوله، ويكفي في هذا قوله (٣) "من الشرك الأكبر"، وعند هذا الكلام محط الرحل، فغائلته تنقيص (٤) سيد البشر ﷺ والحطّ من رتبته، وغايته إبطال شفاعته بالكلية، فنقول: الأولى (٥) أن شرف الدين محمد بن سعيد البوصيري ﵀ لم يقصد ما قصده هذا الرجل، وليس

стр. 298

هو بجهول عن عبادة الله ودعاء غيره من دونه الذي يكون شركاً قد نهى الله عنه ورسوله ﷺ ، إذ ذاك لا يصلح إلاَّ لله ، إذ كل رسول يقول لقومه: "يا قوم (١) اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ". وقال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ (٢) مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] [الأنبياء -٢٥] . وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [الجن -١٨] والآيات على الحضّ (٣) على توحيد الله والنهي عن الشرك لا تعدّ ولا تحصر (٤) وحاشا لعالم من علماء الأمة المعتبرين أن يقول الشرك الأكبر أو يقره؛ لأنه ﵀ من العلماء الأمناء؛ ولو قاله أحد لأنكر عليه (٥) وإنَّما هو رحمه الله تعالى يشير إلى يوم القيامة لاستحضار ذلك اليوم العظيم الذي تفزع إليه الخلائق للشفاعة العظمى لفصل القضاء حين تدني الشمس منهم، وتزفر النار (٦) ويغضب الجبار، ويجاء بالنار تقاد بسبعين ألف (زمام مع كل زمام سبعون ألف) (٧) ملك، وتجثو الخلائق على الركب، وهو الحادث العمم الذي يعم جميع الخلائق، بحيث لم يبقَ [١٢٠] ، نبي ولا ملك إلاَّ جثا على ركبتيه يقول: نفسي نفسي لا أسألك (٨) اليوم

стр. 299

إلاَّ نفسي، ونبينا ﷺ يقول: «أمتي أمتي» ) . والجواب أن يقال: قول الشيخ: (إنَّ أشياء من أنواع الشرك الأكبر قد يقع فيها بعض المصنفين الأولين) قول صحيح، يدلّ عليه الكتاب والسنَّة والواقع والاستقراء، وقد خفي على قوم موسى ﵇ وعلى أبي واقد الليثي وأصحابه ما طلبوه من أنبياء الله، فكيف لا يخفى أو (١) لا يقع ممن لا نسبة بينه وبينهم؟ قال تعالى عن قوم موسى (٢) ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] [الأعراف -١٣٨] . «وقال أبو واقد الليثي وأصحابه للنبي ﷺ : " اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط "، فقال ﷺ : "قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم أَلهة» (٣) فإذا وقع ذلك من أولئك الأخيار ورسلهم بين ظهرانيهم، فكيف يُستبعد أو يُنكر وقوعه (٤) ممن هو دونهم في كل فضيلة وكل علم وكل دين؛ بل يستحي (٥) العاقل من طلب المقابلة، فكيف بالمماثلة والمقاربة؟ وفي الحديث: " «اتقوا زلَة

стр. 300

العالم وفتنة العابد» " (١) وعنه ﷺ : " «أخوف ما أخاف على أمتي ثلاث: زلَّة العالم، وجدال المنافق (٢) والأئمة المضلون» " (٣) وفيه أيضاً: " «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» (٤) فإذا خافه ﷺ على خيار أمته، وأمر باتقائه (٥) فكيف يُستغرب وقوعه، وينكر من الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون؟ وقد تقدَّم (٦) ما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية من شعر ابن النعمان وغيره (٧) من هذا الضرب، وأنكره أشدّ الِإنكار، وأخبر أنه من أنواع الشرك ودعاء المخلوق بما لا (٨) يصلح إلاَّ لله. قال ﵀ في أثناء كلام له (٩) (ونحن نعلم بالضرورة أن

стр. 301

رسول الله ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا أحداً من الأموات لا الأنبياء ولا الصالحين، ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا إلى ميت (١) ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله لكن لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ما جاء به الرسول ﷺ ؛ ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل الإسلام إلاَّ تفطن لها، وقال: هذا أصل دين الإسلام. وكان بعض أكابر الشيوخ من أصحابنا يقول: هذه (٢) أعظم ما بيَّنت لنا. لعلمه أن هذا أصل دين الإسلام، وكان هذا وأمثاله في ناحية أخرى يدعون الأموات، ويسألونهم ويستجيرون بهم، ويتضرَّعون إليهم، وربما كان ما يفعلونه أعظم لأنهم إنما يقصدون الميت في ضرورة نزلت بهم فيدعون دعاء المضطرين، راجين قضاء [١٢١] حاجاتهم بدعائه أو الدعاء عند قبره بخلاف عبادتهم لله تعالى، فإنهم يفعلونها في كثير من الأوقات على وجه العادة والتكلُّف، حتى إن العدو الخارج عن شريعة الإسلام لما قدم دمشق خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور التي يرجون عندها كشف الضر، وقال بعض الشعراء: يا خائفين من التتر ... لُوذُوا بقبر أبي عمر أو قال: عُوذُوا بقبر أبي عمر ... ينجيكمو من الضرر

стр. 302

فقلت لهم: إن هؤلاء الذين تستغيثون بهم، لو كانوا معكم في القتال لانهزموا كما انهزَم من انهزم من المسلمين يوم أحد، ولهذا كان أهل المعرفة بالدين والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة، لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله تعالى به ورسوله، فلما كان بعد ذلك جعلنا نأمر الناس بإخلاص الدين والاستغاثة (١) بالله، وأنهم لا يستغيثون (إلاَّ إيَّاه، لا يستغيثون) (٢) بملك مقرَب ولا بنبي مرسل، (فلما أصلح الناس أمورهم، وصدقوا في الاستغاثة بربهم) (٣) نصرهم على عدوهم نصراً عزيزاً لم يتقدَّم نظيره) . انتهى كلامه. وقول صاحب البردة أبلغ مما أنكره شيخ الإسلام، فإن صريحه دعاء مضطر محتاج، ذي فاقة وفقر إلى رسول الله ﷺ ، وأنه ليس له ملجأ وملاذ ومفزع عند حلول (٤) الحادث العام العظيم سوى رسول ﷺ ، وإذا حرَّم مجرد سؤاله ما لا يقدر عليه إلاَّ الله، وسؤاله بعد مماته ما دون ذلك من الأسباب العادية، فكيف بهذا الدعاء الذي هو من أبلغ الأدعية في إظهار الفقر والفاقة، واستعطاف المسؤول بتوحيده وإفراده لهذا المطلوب العظيم، والخطب الجسيم؛ وإذا كان الدعاء حُزم لتضمنه التسوية بين الله وبين غيره في القصد والرجاء، والذل والمحبة، فكيف بما دلَّ على ما هو أبلغ من ذلك مما ذكر (٥) في البُرْدة والهمزية ونحوها (٦) وفي حديث

стр. 303

النعمان بن بشير ﵁ " «الدعاء هو العبادة» (١) وحصر أحد الجزئين في الآخر يفيد ما قاله بعض الشراح من أن الدعاء لبها (٢) وخالصها وركنها الأعظم، وفي حديث أنس ﵁: " «الدعاء مخ العبادة» " (٣) وبه يظهر معنى الحصر في حديث النعمان، وفي الحديث: " «من لم يسأل الله يغضب عليه» " (٤) مفهومه أن من سأله رضي (٥) عليه، وهل هذا الرضا وهذا الغضب إلاَ لحصول عبادة يحبها ويرضاها، أو لفقدها الموجب لغضبه وسخطه، فإذا صرف ذلك لغير الله في الأمور العامة الكلية التي مصدرها عن قدرة كاملة ليست في قوى البشر، وليست من جنس الأسباب العادية، فهذا عين الشرك. قال أبو العباس ابن تيمية (٦) فيمن سأل الأموات ما لا يُطلب إلاَّ من [١٢٢] الله، كمغفرة الذنوب، وهداية القلوب، وإنزال المطر: (إنه يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتل؛ لأن هذا عين الشرك الذي نهت عنه الرسل، ونزلت الكتب بتحريمه وتكفير فاعله) . انتهى. وقد نفى الله عن غيره ملك (٧) الشفاعة، ونفى فعلها بغير إذنه،

стр. 304

وأن (١) تكون فيمن لا يرضى قوله وعمله، وقد ذكر جل ذكره أنه المنفرد والمختص بملك ذلك اليوم، وتمدح بذلك في غير آية من كتابه، وثبت من غير وجه أن النبي ﷺ قال: «إنَّ الله يقبض السماوات بيمينه ويقبض الأرض فيقول: أنا الملك، أنا الديان، أين ملوك الأرض» (٢) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٧] * ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٨] * ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] [الانفطار ١٧-١٩] وهذه نكرة في سياق النفي وهي عامة. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] في موضعين من سورة البقرة (آية ٤٨ وآية ١٢٣] . ولا ينافي هذا ما ورد من إثبات شفاعة النبي ﷺ وشفاعة غيره؛ لأن المراد بالنفي اختصاصه بالملك، وعدم مشاركة أحد له تعالى في ملك ذلك اليوم، وما ورد من حصول الشفاعة فهو عن أمره وإذنه ورضاه تعالى وتقدَّس، فالشافع عبد مأمور لا ملك له ولا يبتدىء بالشفاعة، بل هو مدَبَّر مأمور) (٣) فكيف يطلب منه ما لا يملك، وما (٤) لا يحصل إلاَّ بإذن من ربه ﵎؛ وهذا هو المراد بالاستثناء في مثل (٥) قوله تعالى:

стр. 305

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] [البقرة ٢٥٥] . فتعليقها على الِإذن والرضى يراد به هذا المعنى، الذي هو صرف القلوب إلى باريها وفاطرها، وإسلام الوجوه له، عكس ما يفهمه المشرك من أن الاستثناء يفيد طلب ذلك من غير الله، وسؤال (١) ذلك الغير هذا المطلوب العظيم. وإذا كان الحال هكذا فمن سأل رسول الله ﷺ شيئاً مما لا يطلب إلاَّ من الله كمغفرة الذنوب وهداية القلوب، ودخول الجنة والنجاة من النار وأنزل المطر، والنصر على الأعداء ودفع السوء والردى، ونحو ذلك مما يختص به (٢) تعالى، ولا يشاركه فيه مشارك فقد أشرك بربه وجعل له ندًّا وشريكاً في خالص حقِّه. ولا ريب أن هذا الدعاء (٣) يقتضي إثبات قدرة عامة (٤) وعلم عام، وسمع محيط، لا سيَّما إن كان من يدعو الصالحين ويسألهم، جعل ذلك دَيدنَه في كل (٥) مكان وإن بعدت الديار وتناءت الأقطار، وإن زعم أنه لم يثبت قدرة ولا علماً ولا سمعاً عامًّا محيطاً لا يليق بالمخلوق، فهو مكابر ملبوس عليه، ثم في ذلك من الخضوع والذل والمحبة والِإنابة ما هو من خالص العبادة ولبها، فكيف جاز صرفه لغير الله؟

стр. 306

إذا عرفت هذا: فهذه الأبيات التي قالها صاحب البردة فيها من الغلو والإطراء، والدعاء، والالتجاء، ما لا يليق ولا ينبغي (١) صرفه لمخلوق ولو نبيًّا أو ملكا (٢) وأين قوله: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ... فضلا وإلا َّفقل: يازلة القدم فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم مما دل عليه كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ من وجوب (إسلام الوجوه له تعالى والإنابة إليه، ووجوب) (٣) اتخاذه تعالى (٤) ملجأ، ومفزعاً، ومَعَاذًا، وملاذا عند الشدائد والمهمات (٥) . قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام: ٤٠] [الأنعام ٤٠] ففي هذه الآية أنهم يلجأون إليه، ويفردونه (٦) بالدعاء إن أتاهم العذاب أو أتتهم الساعة، واحتج بذلك على وجوب إفراده بالدعاء في حال الرخاء وفي جميع الحالات، فكيف ترى بمن أعدَّ غير الله لشدَّته،

стр. 307

ولهول الساعة وكربها؟ كما في أبيات البوصيري، وإذا اقترن بذلك نفي التعلُق والرجاء والتوكُل في ذلك عن غير الرسول ﷺ ، وأضاف المتكلم إلى هذا إثبات عموم العلم وإحاطته بالكليات والجزئيَّات، وأن الدنيا والآخرة حصلتا وكانتا عن جوده وإحسانه، و (١) معلوم أن هذا يدخل فيه كل تدبير وتأثير وتقدير وتيسير، فأي فرد يبقى لله؟ وأي شيء اختص به؟ فافهم ما في هذه الأبيات من منافاة مقتضى الرسالة، وصريح الآيات. وإذا عرفت ذلك: عرفت أنَّ المعترض قَصُرت رتبته عن درجة العلم بأصل الإيمان، وعن معرفة الحكمة في خلق الجن والإنس والسماوات والأرض وما فيهما؛ فلذلك اعترض، ورأى أن كلام الشيخ على هذه الأبيات شنع بشع، فإنه ارتاع من (٢) عدّ ذلك من قسم (٣) الشرك الأكبر. وأبلغ من هذا: أنه يفهم من التوحيد وإخلاص الدعاء لله، والنهي عن دعاء نبينا ﷺ تنقيصا (٤) له وحطًّا من رتبته وإبطالاً لشفاعته بالكلية: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: ٩٥] [هود ٩٥] . وهذا بعينه قول من غلا في المسيح وأمه، أو غلا في أحد من الأنبياء والملائكة، وقد قال عمرو بن العاص وأصحابه للنجاشي لما قدموا عليه يريدون جعفر بن أبي طالب وأصحابه: "إنهم يقولون في المسيح قولاً ٣١٨ عظيماً- يعني أنَّه (٥) عبد، رسول، ليس بإله " (٦) وكذلك قالت قريش للنبي ﷺ لما دعاهم إلى توحيد (٧) الله: "قد (٨) عبت ديننا وسببت آلهتنا". وكذا قال قوم نوح كما يدل عليه قوله جل ذكره: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا﴾ [نوح: ٢٣] الآية (٩) [نوح ٢٣] . وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] * ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ [الزخرف: ٥٨] (١٠) إلى قوله ( ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩] [الزخرف ٥٧- ٥٩] . فالأمر بتوحيد الله وإخلاص الدعاء له والنهي عن دعاء الأنبياء والصالحين ليس بتنقص (١١) بل هو الكمال والعزّ والسيادة، وهل نال الأنبياء وغيرهم من الملائكة المقرَّبين، ما نالوه من المقامات التي يتقاصر عنها المتطاولون إلاَّ بتجريد التوحيد، وتحقيقه ومعرفة الله والعلم به، والدعوة إلى سبيله، والبراءة مما نسبه إليه أعداؤه المشركون؟ وأمَّا صرف حق الله وما يجب له من الدعاء والعبادة إلى غيره: فهذا

стр. 308

محض التنقص لله ولعباده المخلصين؛ ولهذا نزَّه (١) تعالى نفسه عمَّا يشركون في غير موضع من القرآن وكذلك في السنَّة. وفيه تنقص أيضاً (٢) بالأنبياء والصالحين؛ لظن (٣) من فعل ذلك أنهم يرضون به ويقرون (٤) عليه، وأنهم ما نهوا عن هذا الجنس من الشرك وإنَّما جاءوا بتحريم الشرك في الربوبية، ووجوب اعتقاد اختصاصه تعالى بالملك والتدبير، كما صرَّح به كثير من عباد القبور، وأنكروا توحيد العبادة غاية الِإنكار، وجعلوا معنى كلمة الِإخلاص يرجع إلى توحيد الربوبية فقط، ومن نهاهم عن عبادة غير الله قابلوه بأشد الِإنكار؛ وقالوا: تنقصت المشايخ والكبار، وهم قد تنقصوا الملك الحق العزيز الغفار. فما أشد غربة هذا الدين، وما أقلَّ من يعرفه من المدَّعين للعلم والمنتسبين (٥) . وأما إبطال الشفاعة: فالشفاعة التي يشير إليها هذا الرجل وإخوانه من المشركين قد نفاها الله تعالى وأبطلها في كتابه العزيز في غير موضع؛ وأخبر تعالى أنه لا يعلم وجود شفيع يشفع هذه الشفاعة التي قصدها المشركون لا في السماوات ولا في الأرض، وما لا يعلمه سبحانه فهو مستحيل الوجود. والشفاعة المثبتة نوع آخر، وجنس ثانٍ لا يعقلها المشركون،

стр. 309

وما يعقلها إلاَّ العالمون (١) والِإشارة (٢) إلى سببها (٣) ومقتضيها وموجبها جاء (٤) صريحاً في حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: " «أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إِله إلاَّ الله خالصاً من قلبه» " (٥) . إذا عرفتَ هذا عرفتَ أن المعترض أجنبي عن علوم أهل الإسلام لا يعقل منها شيئاَ، فلا جَرَم اعترض على شيخنا، وصاح لما سمع (٦) بتجريد التوحيد، والحمد لله العزيز الحميد. وأما قوله: (إنَّ البوصيري لم يقصد ما قصده شيخنا وأنه ليس بجهول) . فجوابه: أن البحث هنا في الألفاظ وما دلت عليه صريحاً، وأمَّا القصد والنية فليس هذا مبحثه، والسرائر إلى الله يحاسب العباد (٧) بعلمه، وصريح اللفظ دال على ما قرره شيخنا. وأما قوله: (وليس بجهول عن عبادة الله تعالى، ودعاء غيره من دونه الذي يكون شركاً قد نهى الله عنه ورسوله ﷺ ؛ إذ ذاك لا يصلح إلا لله) . فالجواب: إن العقلاء نصُّوا أنَّ من الحمق المتناهي تكذيب العين

стр. 310

وتصديق الظن والحدس، فكيف تقبل منك هذه الدعوى ونحن نرى قوله ونسمعه؟ ويكفي الحس في إبطال دعواك أنه ليس بجهول، وهل هذا الذي صدر منه إلاَّ غاية الجهل ومنتهى الضلال؟ وأمَّا كون الرسل يقولون لقومهم: اعبدوا الله، والله يقول: ٣٠ ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [الجن ١٨] . فنعم؛ هذا حق وهو دين الرسل، والنزاع بيننا وبينكم في التزامه والعمل به، فكيف تحتج علينا بأن الله تعالى قال هذا، وقد خالفتم مقتضاه، وخرجتم عمَّا دلَّ عليه، وكيف ننهاك (١) عن دعاء غير الله وتحتج علينا بأنك تعلم أنه لا يدعى إلا الله؛ هذا ولو عقلتم المعنى والمقصود من هذه الآيات وأنصفتم لاستراح الخصم، والآفة كل الآفة (٢) مخالفة هذا ومناقضته ممن يتلوه ويؤمن بألفاظه (٣) . وأما كونه عالماً من علماء الأمة: فهذا من الجهل بالعلم والعلماء، أين العنقاء لتُطْلَب، وأين السمندل ليجلب؟ قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] * ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢] [البقرة ١١١- ١١٢] هؤلاء هم أهل العلم ورثة الجنة، وسادات الأمة، لو سلم عقلك

стр. 311

لعرفت أن من يدعو العباد إلى الله، ويردَّهم إليه وينهاهم عن الالتفات والتعلُق على غيره، وصرف الوجوه لسواه هو العالم الأمين، لكن أعماك الهوى عن معرفة الرشاد والهدى. وأمَّا كون الناظم يشير إلى يوم القيامة: فنعم، ولكن لا يدعى لذلك اليوم إلاَّ الله وحده، وكون الخلائق تفزع إليه في ذلك اليوم لا يوجب ذلك ويقتضي دعاءه، وقصده من دون الله في دار التكليف والعمل، والملائكة والمؤمنون والأطفال يشفعون في ذلك اليوم، وهل يقول مسلم بقصدهم ودعائهم والتعلُّق عليهم من دون الله في هذه الدار، لما يرجى في الدار الآخر ة ويؤمل فيها؟ ومن قال بقصدهم ورجائهم ودعائهم لذلك، وشرعه، فقد فتح باب الشرك وسوَّغه، ودخل فيما دخل فيه الصابئة المشركون من التعلق على الأنفس المفارقة وعبادتها ودعائها مع الله. وقولك: (حين تدني الشمس) هذا خطك بيدك، وهو لحن فاحش يدل على أنك أُمِّيٌّ (١) لا تُحسن شيئاً من العلم. وقول النبي ﷺ " «أمتي أمتي» " (٢) ليس فيه أنه يُدْعى ويُقصد لذلك قبل يوم القيامة.

стр. 312

[فصل في مخاطبة النبي بكاف الخطاب بعد موته والدعاء له عند قبره] فصل قال المعترض: (فشرف الدين يخاطبه ﷺ كما خاطبه حسَّان بن ثابت ﵁ بكاف الخطاب بعد موته؟ وكما خاطبه صدِّيق هذه الأمة أبو بكر ﵁ بعد موته، وطلب منه كما يأتي ذلك، وكما خاطبه الأعمى في غيبته، وكما خاطبه الذي علَّمه عثمان بن حنيف زمن الخليفة عثمان بن عفان ﵄ (١) بعد موته ﷺ ؛ وغير الصحابة كثير من التابعين وسلف الأمة؛ إذ مخاطبته ﷺ بعد موته أبلغ؛ لأن أعمال أمته تعرض عليه في قبره، وشرف الدين يقول: يا أكرم الخلق؛ وهل ينكر أحد أنه ليس بأكرم الخلق بذلاً ونائلاً وعند ربه جلَّ وعلا، ثم قال: ما لي من ألوذ به من الخلق سواك، واغوثاه من الجهل وطمس القلوب) . ثم قال: (عند حلول (٢) الحادث العمم، وهذا ذاك اليوم ومطلوبة شفاعته ﷺ . والجواب أن يقال: هذا الخطاب الذي خاطبه البوصيري في بردته خطاب سائل، داع، لائذٍ، مضطرٍّ، محتاج (٣) بما لا يقدر عليه إلاَّ الله تعالى، وخطاب حسَّان خطاب متوجد متمنٍ أن يقي وجهه رسول الله ﷺ التراب،

стр. 313

وهذا من باب الوجد والأسف على فراقه، وذلك من باب الدعاء والطلب منه فأين هذا من هذا؟ هل قال حسان: أعطني وأنا عائذ، أو لائذٍ بك في الحوادث والملمَّات؟ وقد جاء في السلام عليه والتشهُّد في الصلاة (١) ما يفيد الفرق بين خطاب الْمُسَلِّم وخطاب الداعي الراجي، بل جاء في خطاب الموتى بالسلام ما يستبين به الفرق عند أولي الألباب والأفهام، وعلمهم النبي ﷺ أن يقولوا: " «السلام عليكم دار قوم مؤمنين» (٢) عند زيارتهم، ولو خاطبهم بغير ذلك من المطالب والدعاء، وقال: "جئتكم مستجيراً، عائذاً بكم، مستغيثا (٣) لائذاً بحماكم، طالباً لبركم ونعماكم، وما لي عند الحوادث والمهمات سواكم " لكان (٤) ذلك من الشرك الأكبر؛ الذي اتفقت الرسل ونزلت الكتب بتحريمه وتكفير فاعله، أفيقال: هذا خطاب وما قبله خطاب، ويسوى بينهما للاشتراك في الخطاب؟ هذا لا يقوله إلاَّ أضل الخلق وأجهلهم (٥) وقد جبل الله الخلق على الفرق بين (٦) دعاء الميت والدعاء له، واتفقت الفِطَر والشرائع على الفرق بين ذلك؛ وأكثر الناس اجتالتهم الشياطين، وأحدثوا من الدين ما لم يأذن به الله، وحللوا وحرموا بمجرَّد أهوائهم وآرائهم الضالة. وأمَّا حديث أبي بكر: فسيأتي الكلام عليه؛ وأنه غير ثابت وأن

стр. 314

الإجماع المستند إلى الكتاب والسنَّة والاعتبار يخالفه وينافيه، وأين هذا من هدي السلف والصحابة رضوان الله عليهم في المبالغة في صيانة قبره الشريف، وتثليث جداره كي لا يُصلَّى إليه، ولا يُتمكَّن من دعائه وسؤاله، عملاً بقوله- ﷺ : " «اللَهمَّ لا تجعل قبري وثناً يعبد» " (١) وقد بالغ السلف في حماية حِمى التوحيد، والتباعد عن الشرك، وسدّ ذرائعه؛ وقطع وسائله؛ حتى منعوا من استقبال القبر عند دعاء الله؛ كما هو نص أحمد ومالك وأبي حنيفة ﵏ في أشرف القبور على الِإطلاق، فأين هذا من سؤاله ﷺ وطلب ما لا يقدر عليه إلاَّ الله؟ وأما حديث الأعمى: فليس فيه ما يدلّ على غيبته ﷺ ، وهو توسل بدعائه كما كان الصحابة يتوسلون بذلك، ويسألون الاستغفار والدعاء. وقد قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] [التوبة ١٠٣] وقال تعالى حاكياً عن المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: ٥] [المنافقون ٥] فذم هذا الصنف بالصد عن ذلك. فهذا كان هديهم وفعلهم في حياته صلى الله عليه وسم، وأمَّا بعد موته ﷺ فلم يفعله أحد منهم، ولا من أهل العلم والإيمان بعدهم، بل قد ثبت النهي عن الدعاء عند القبر، فكيف بدعائه وقد تقدَّم ذلك قريبا: "وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها" (٢)

стр. 315

[١٢٨] وسيأتيك أن أصل الشرك، وسبب حدوثه دعاء الموتى وخطابهم بالحوائج. وأمَّا الذي حدَّثه عثمان بن حنيف: فلم يخاطبه، ولم يثبت ذلك في حديث الأعمى، أعني مخاطبته ﷺ والذي رواه من أهل السنن المعتبرة لم يثبت مخاطبته الرسول؛ بل هي ساقطة في الأصول المحرَّرة، ومسألة السؤال به أو بحقِّه غير مسألته نفسه ودعائه. وأمَّا كون أعمال أمته تُعرض عليه: فليس فيه ما يستدل به على سؤاله ودعائه مع الله وطلب الحوائج منه، ومن زعم ذلك فقد قال بتجهيل أصحاب رسول الله ﷺ من السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، ومن بعدهم من التابعين وعلماء المدينة (١) كالفقهاء السبعة، ومن بعدهم كابن شهاب (٢) وربيعة (٣) ويحيى بن سعيد، ومالك بن أنس، وأهل المذاهب المقلدة كأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وسفيان، وداود بن علي، وأمثالهم ونظرائهم من أهل العلم الذين منعوا من دعائه، والدعاء عنده، وقد ثبت أن عمل المسلم يعرض على والديه (٤) ولا قائل بدعائهما وطلبهما. وأمَّا قول المعترض: (إن أعمال أمته تعرض عليه في قبره) .

стр. 316

فقد ورد (١) أن أعمال أمته تعرض على أقاربهم (٢) ؛ ولم يأتِ ما يدل على أن العرض في القبر بل الجزم بهذا (٣) والقول به يحتاج لدليل، وقد ثبت أن " «نسمة المؤمن طائر يعلق بشجر الجنة» (٤) . والواجب أن يؤمن المؤمن بما جاء عن رسول الله ﷺ على مراد رسول الله ﷺ ، ولا يتعدى ذلك إلاَّ بتوقيف. وأعجب منه قول المعترض: (وهل ينكر أحد أنه ليس بأكرم الخلق بذلاً ونائلاً) ، فهذه العبارة تطلعك على قطرة (٥) من بحر جهالته، وذرَّة من قناطير غباوته، كل المسلمين والمؤمنين ينكرون القول أنه ليس بأكرم الخلق، والذي لا ينكر (٦) كونه أكرم الخلق، لا أنه ليس بأكرم الخلق، فتأمَّله فإنه نص خطه (٧) بيده. وأما قوله: (واغوثاه من الجهل وطمس القلوب) . فأقول: يا لله للمسلمين من ضال جاهل، يسمي تجريد التوحيد وإفراد

стр. 317

الله بالدعاء جهلا وطمسًا للقلوب، ويستغيث استغاثة محق مغلوب، وكون [١٢٩] ، المطلوب شفاعته ﷺ لا يبيح ذلك دعاءه وإفراده باللياذ والعياذ، والقول بأنه يعلم الغيب، وأن الدنيا والآخرة من (١) جُوده (٢) بل هذا يشبه غلو أهل الكتاب في أنبيائهم. وقد قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١] [النساء ١٧١] . فرحم الله امرأ وقف عند حدود الله، ولم يتعدَّاها، ولم يتجاوزها إلى سواها.

стр. 318

[فصل في بيان أن من دعا معبودا أو انتحل طريقة أنه لا يرى في ذلك محذورا] فصل قال المعترض: (ثم ماذا، والمحذور الذي كفَّر به هذا الرجل وما يضرُّ النداء في هذا، وهل هذا عبادة من دون الله؟ ما أبعد الجهل وأهله من الفرقان) . ثم ذكر المعترض قول حسَّان في مرثيته مستدلاً به على أن الرسول يُدْعَى ويخاطب. والجواب أن يقال: لا ريب أن جمهور من دعا معبوداً مع الله. وانتحل طريقة ودينا (١) لم يأذن به الله يرى أنه لا محذور، ولا إنكار، ويحسب أنه مهتدِ، وإن كان من أضلّ الخلق وأبعدهم عن مناهج الإيمان والهدى، ويكفي المؤمن ما تقدَّم من الآيات التي تزعم أن الناظم يعرفها ولا يجهلها. كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [الجن ١٨] وهل يحيل هذا الدعاء عن حقيقته، ويسوغه لغير الله تسمية الجاهلين له نداء لا دعاء، وهل العبادة إلاَّ هذا الدعاء ونحوه؛ فأي جهل في تحريم ما حرم الله من دعاء غيره ومسألة سواه ما لا يقدر عليه إلاَّ الله؟ .

стр. 319

وهذا المعترض وأمثاله من أجهل الناس بمسمى العبادة، ومعرفة أفرادها. ومعلوم أنَّ قول النصارى: (يا والدة المسيح اشفعي لنا إلى الِإله) نداء إذا جهر به المنادي، ولا يخرجه ذلك عن كونه دعاء وعبادة بإجماع المسلمين، ولو كان المطلوب مجرَّد شفاعتها، فإباحة هذا النوع وجعله لا محذور فيه هو عين الجهل، ونفس الضلال. وأمَّا رثاء حسَّان: فليس فيه دعاء، وإنَّما هو توجع وتحزن وتألم بفقده (١) ﷺ ؛ وفَرْق بين الخطاب بهذا، والخطاب بالدعاء والمسألة، وقد تقدم التنبيه على ذلك (٢) .

стр. 320

[فصل في مناقشة وتضعيف رواية سيف بن عمر في ذكر قول الصديق عند دخوله على النبي ﷺ بعد موته] فصل قال المعترض: (وأبلغ من هذا وأدحض كلام صدّيق هذه الأمة أبي بكر (١) ﵁، حين وجد النبي ﷺ ميتاً، فقد قال سيف بن عمر التميمي في فتوحه، الذي قال أبو العباس بن تيمية إنها أصح ما وضع في ذلك، وهو من تابعي التابعين، ومن كبار شيوخه: هشام بن عروة بن الزبير ﵁. فقال: حدثنا عمرو بن محمد عن تمام بن العاص عن القعقاع بن عمرو التميمي ﵁ وكان من خواص أبي بكر الصدِّيق (٢) ﵁ قال: "جاء الخبر بثقل النبي ﷺ إلى أبي بكر وواتر [١٣٠] أهل البيت إليه الرسل. فجاء، فلقيه آخرهم، بعدما مات النبي ﷺ ودخل أبو بكر البيت وهو يسترجع ويصلي على النبي ﷺ ، فأكب عليه وكشف عن وجهه؟ وقبل جبينه وخديه، ومسح وجهه؛ وجعل يبكي ويقول: بأبي أنت وأمي ونفسي وأهلي، طبتَ حيًّا وميتا، انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت أحد قبلك من الأنبياء: النبوة، فعظُمتَ عن الصفة،
следующие страницы →