← Акыда

Акыда · id 30868

مصباح الظلام في الرد على من كذب الشيخ الإمام ونسبه إلى تكفير أهل الإيمان والإسلام

عبد اللطيف آل الشيخ

Полный текст (590 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فقد ورد (١) أن أعمال أمته تعرض على أقاربهم (٢) ؛ ولم يأتِ ما يدل على أن العرض في القبر بل الجزم بهذا (٣) والقول به يحتاج لدليل، وقد ثبت أن " «نسمة المؤمن طائر يعلق بشجر الجنة» (٤) . والواجب أن يؤمن المؤمن بما جاء عن رسول الله ﷺ على مراد رسول الله ﷺ ، ولا يتعدى ذلك إلاَّ بتوقيف. وأعجب منه قول المعترض: (وهل ينكر أحد أنه ليس بأكرم الخلق بذلاً ونائلاً) ، فهذه العبارة تطلعك على قطرة (٥) من بحر جهالته، وذرَّة من قناطير غباوته، كل المسلمين والمؤمنين ينكرون القول أنه ليس بأكرم الخلق، والذي لا ينكر (٦) كونه أكرم الخلق، لا أنه ليس بأكرم الخلق، فتأمَّله فإنه نص خطه (٧) بيده. وأما قوله: (واغوثاه من الجهل وطمس القلوب) . فأقول: يا لله للمسلمين من ضال جاهل، يسمي تجريد التوحيد وإفراد

стр. 317

الله بالدعاء جهلا وطمسًا للقلوب، ويستغيث استغاثة محق مغلوب، وكون [١٢٩] ، المطلوب شفاعته ﷺ لا يبيح ذلك دعاءه وإفراده باللياذ والعياذ، والقول بأنه يعلم الغيب، وأن الدنيا والآخرة من (١) جُوده (٢) بل هذا يشبه غلو أهل الكتاب في أنبيائهم. وقد قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١] [النساء ١٧١] . فرحم الله امرأ وقف عند حدود الله، ولم يتعدَّاها، ولم يتجاوزها إلى سواها.

стр. 318

[فصل في بيان أن من دعا معبودا أو انتحل طريقة أنه لا يرى في ذلك محذورا] فصل قال المعترض: (ثم ماذا، والمحذور الذي كفَّر به هذا الرجل وما يضرُّ النداء في هذا، وهل هذا عبادة من دون الله؟ ما أبعد الجهل وأهله من الفرقان) . ثم ذكر المعترض قول حسَّان في مرثيته مستدلاً به على أن الرسول يُدْعَى ويخاطب. والجواب أن يقال: لا ريب أن جمهور من دعا معبوداً مع الله. وانتحل طريقة ودينا (١) لم يأذن به الله يرى أنه لا محذور، ولا إنكار، ويحسب أنه مهتدِ، وإن كان من أضلّ الخلق وأبعدهم عن مناهج الإيمان والهدى، ويكفي المؤمن ما تقدَّم من الآيات التي تزعم أن الناظم يعرفها ولا يجهلها. كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [الجن ١٨] وهل يحيل هذا الدعاء عن حقيقته، ويسوغه لغير الله تسمية الجاهلين له نداء لا دعاء، وهل العبادة إلاَّ هذا الدعاء ونحوه؛ فأي جهل في تحريم ما حرم الله من دعاء غيره ومسألة سواه ما لا يقدر عليه إلاَّ الله؟ .

стр. 319

وهذا المعترض وأمثاله من أجهل الناس بمسمى العبادة، ومعرفة أفرادها. ومعلوم أنَّ قول النصارى: (يا والدة المسيح اشفعي لنا إلى الِإله) نداء إذا جهر به المنادي، ولا يخرجه ذلك عن كونه دعاء وعبادة بإجماع المسلمين، ولو كان المطلوب مجرَّد شفاعتها، فإباحة هذا النوع وجعله لا محذور فيه هو عين الجهل، ونفس الضلال. وأمَّا رثاء حسَّان: فليس فيه دعاء، وإنَّما هو توجع وتحزن وتألم بفقده (١) ﷺ ؛ وفَرْق بين الخطاب بهذا، والخطاب بالدعاء والمسألة، وقد تقدم التنبيه على ذلك (٢) .

стр. 320

[فصل في مناقشة وتضعيف رواية سيف بن عمر في ذكر قول الصديق عند دخوله على النبي ﷺ بعد موته] فصل قال المعترض: (وأبلغ من هذا وأدحض كلام صدّيق هذه الأمة أبي بكر (١) ﵁، حين وجد النبي ﷺ ميتاً، فقد قال سيف بن عمر التميمي في فتوحه، الذي قال أبو العباس بن تيمية إنها أصح ما وضع في ذلك، وهو من تابعي التابعين، ومن كبار شيوخه: هشام بن عروة بن الزبير ﵁. فقال: حدثنا عمرو بن محمد عن تمام بن العاص عن القعقاع بن عمرو التميمي ﵁ وكان من خواص أبي بكر الصدِّيق (٢) ﵁ قال: "جاء الخبر بثقل النبي ﷺ إلى أبي بكر وواتر [١٣٠] أهل البيت إليه الرسل. فجاء، فلقيه آخرهم، بعدما مات النبي ﷺ ودخل أبو بكر البيت وهو يسترجع ويصلي على النبي ﷺ ، فأكب عليه وكشف عن وجهه؟ وقبل جبينه وخديه، ومسح وجهه؛ وجعل يبكي ويقول: بأبي أنت وأمي ونفسي وأهلي، طبتَ حيًّا وميتا، انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت أحد قبلك من الأنبياء: النبوة، فعظُمتَ عن الصفة،

стр. 321

وجللت عن البكاء، وخصصت حتى صرت مسلاة، وعممت حتى صرنا فيك سواء، فلولا موتك كان اختيارا منك لجدنا بالنفوس لحزنك، ولولا أنك نهيت عن البكاء لأنفدنا (١) عليك الشؤون، فأمَّا ما لا نستطيع نتقيه عنا فكمد، وادكار (٢) متحالفان أن لا (٣) يبرحا، اللهم فأبلغه عنا، اذكرنا يا محمد عند ربك، ولنكن من بالك؛ فلولا ما خلفت من السكينة لم نقم لما خلفت من الوحشة، اللهمَّ أبلغ نبيك عنا واحفظه فينا" (٤) . ثم (٥) قال المعترض: (وكان القعقاع قد شهد وفاة النبي ﷺ ، (وروى عنه سيف أنه قال: شهدت وفاة النبي ﷺ (٦) وذكر قصة السقيفة، فهل ترى الصدّيق عند هذا الرجل كافراً بقوله يخاطب النبي ﷺ اذكرنا يا محمد عند ربك، ولنكن من بالك؛ والنثر أوسع من النظم) . والجواب أن يقال: آفة هؤلاء الجهال عدم التمسك بأصول أهل العلم والهدى، التي إليها المرجع في الاستدلال والمنتهى، وقد وضع أهل العلم والحديث من القوانين الشرعية، ما يميّز به بين (٧) الآثار الصحيحة والمكذوبة والموضوعة والضعيفة، التي لا تثبت بها أحكام دينية.

стр. 322

فمن ذلك: ردَّهم ما انفرد به أحد الرواة عن أصحابه الثقات الأثبات، كما رُدَّ على معمر ما انفرد به عن أصحاب الزهري، وكما رد على ابن إسحاق ما انفرد به في حديث أبي مسعود البدري في صفة الصلاة على النبي ﷺ ، وكما رُدَّ على ابن عيينة مع جلالته وحفظه ما انفرد به عن أصحاب الزهري: من ذكر دبغ الِإهاب في حديث ميمونة. وقد روى كلام أبي بكر ومقالته حين دخل على النبي ﷺ عدد كثير، وجم غفير، وذكرها أصحاب السِّيَر عمَّن هو أعدل من القعقاع وأوثق وأشهر، فما وجه الأخذ بها لو سلمنا صحتها؛ وقد خالفت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، بل والإجماع، كما حكاه شيخ [١٣١] الإسلام وغيره؛ وهل يدع هذا كله ويرميه وراء ظهره إلاَّ من غلب عليه متابعة الهوى، وعدم الوقوف مع الكتاب والسنَّة والِإجماع؛ وهل ضلَّ أهل الكتاب إلاَّ بنبذهم (١) كتاب الله وراء ظهورهم، واتباع ما لم يثبت عن أنبيائهم وعلمائهم، بل هو مما أحدثه خلوفهم وجهالهم. وهذه الكلمة وهي قوله: اذكرنا (٢) عند ربك، لو جاء بسندها المذكور كلمة تخالف الثابت من المرفوع والمأثور، في حكم من أحكام (٣) الفروع وجزئيَّات المسائل، كآداب التخلي ونحوه لم يسغ الأخذ بها، وترك ما هو أصح وأثبت وأدل، فكيف بالطلب من الموتى، ودعاء الأنبياء، والتوجه إليهم، الذي تظاهرت النصوص والآثار على تحريمه والمنع منه.

стр. 323

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (فإن طلب الحوائج من الموتى هو أصل شرك العالم (١) . اهـ. وفد حمى ﷺ حِمَى التوحيد وسد ذرائع الشرك حتى نهى عن قول: "ما شاء الله وشاء فلان " (٢) ونهى عن الحلف بغير الله (٣) ونهى عن الصلاة عند القبور واستقبالها (٤) ونهى عن عبادة الله بالذبح في مكان يذبح فيه لغير الله (٥) ونهى عن قول الرجل: " عبدي وأمتي " (٦) وقد بالغ أصحابه ﵃ في صيانة قبره الشريف عن (٧) أن يصل إليه أهل الغلو والِإطراء، فجعلوا جداره مثلثاً، وكره مالك ﵀ للرجل كلما دخل المسجد إتيان القبر للسلام على النبي ﷺ وقال: "لم يكن أهل العلم من أهل بلدنا يفعلونه " فكيف ترى بسؤال النبي ﷺ ، والطلب منه،

стр. 324

والتوجه إليه في الحوائج والملمات، فبين هدى الصحابة وأهل العلم، وفعل هؤلاء الضُّلاَّل كما بين المشرق والمغرب. شتَّان بين مشرق ومغرب. هذا لو فرضنا صحة هذه الكلمة، فكيف (١) والأمر بخلاف ذلك، وفي نفس هذا الأثر الذي أورده ما يرد عليه من وجوه. منها: قوله: "اللهمَّ فأبلغه عنا"، فإذا سأل الله أن يبلغ نبيه عنهم فكيف يقول بعدها: "اذكرنا يا محمد عند ربك "، وهل هذا إلاَّ عكس ما قبله، ومن دون أبي بكر يتحاشى العاقل من نسبته إليه، فكيف بصدِّيق الأمة؟ وقد ثبت في الصحيح وغيره أن الشهداء قالوا: "ألا بلّغوا عنا قومنا أنَّا قد لقينا ربنا، فرضي عنا وأرضانا" (٢) ولم يأتِ أحد من أصحاب [١٣٢] رسول الله ﷺ إلى شهيد من الشهداء يطلب منه أن يبلغ عنه ربه، وهم أجلّ وأفقه من ذلك، فكيف بالصدِّيق ﵁؛ فإذا جاءت السنَّة بأنَّ الله هو الذي (٣) يبلغ عمَّن عنده من الشهداء، فكيف تعكس القضية ويجعل النبي ﷺ هو الذي يبلغ ربه؟ والمشهور والمعروف في اللغة أن الإبلاع إنما يستعمل في من رفع إليه وبلغ ما ليس عنده. قال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] [الأنعام -١٩]

стр. 325

وفي الحديث: «ليبلغ الشاهد منكم الغائب» (١) هذا لو صح سنده، فكيف وهو عمن لا يحتج به؟ قال ابن السكن: (سيف بن عمر: ضعيف) . وقال أبو حاتم: (قعقاع بن عمرو، قال: شهدت وفاة رسول الله ﷺ . هذا فيما رواه سيف بن عمر عن عمرو بن تمام عن أبيه عنه، وسيف متروك، فبطل الحديث، وإنَما ذكرناه للمعرفة) ، وقال الحافظ (٢) (أخرجه ابن السكن من طريق إبراهيم بن سعد عن سيف بن عمر عن عمرو عن أبيه عن القعقاع بن عمرو قال: "شهدت وفاة رسول الله ﷺ فلمَّا صلَّينا الظهر جاء رجل حتى قام بالمسجد وأخبر بعضهم أن الأنصار أجمعوا أن يولوا سعداً قال ابن السكن: سيف بن عمر ضعيف، واختلف في صحبة القعقاع ولم يجزم بذلك ابن عساكر، بل قال: يقال: إن له صحبة) (٣) . قلت: وهذان الطريقان ليس فيهما عمرو بن محمد، بل هو عمرو بن تمام عن أبيه تمام (٤) فلا أدري أذكر عمرو بن محمد المعترض بقصد التدليس، أو جاء التدليس من غيره. إذا عرفت هذا: بطل هذا الحديث، وأبطل منه الاحتجاج به، والثابت عند أهل العلم ما رواه محمد بن شهاب الزهري إمام الحجازيين

стр. 326

عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: "لما توفي رسول الله ﷺ قام عمر ﵁ فقال: (إنَّ رجالاَ من المنافقين يزعمون أن رسول الله ﷺ توفي، وإن رسول الله ﷺ والله (١) ما (٢) مات، ولكنه ذُهب به (٣) إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع بعد أن قيل مات، والله ليرجعن رسول الله ﷺ فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، يزعمون أن رسول الله ﷺ مات. قال: وأقبل أبو بكر ﵁ حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر وعمر يكلم الناس، فلم يلتفت حتى دخل على [١٣٣] رسول الله ﷺ في بيت عائشة ﵂ ورسول الله ﷺ مسجَّى ببرد حبرة (٤) فأقبل حتى كشف عن وجهه، ثم أكبَّ عليه وقبَّله. ثم قال: بأبي أنت وأمي أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها، ثم لم تصبك بعدها موتة أبداً؛ ثمَّ ردَّ الثوب على وجهه؛ وخرج وعمر يكلِّم الناس، فقال: على رسلك يا عمر، فأنصت، قال: فأبى إلاَّ أن يتكلَّم، فلمَّا رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس، فلمَّا سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] إلى آخر الآية (٥) [آل عمران ١٤٤] .

стр. 327

قال: فو الله لكأنَّ الناس لم يعلموا أنَّ هذه الآية نزلت على رسول ﷺ حتى تلاها أبو بكر يومئذِ. قال: فأخذها الناس عن أبي بكر فإنما هي في أفواههم) (١) . هذا هو الثابت عند أهل العلم بالحديث، وهو الذي ذكره الأئمة في كتبهم، التي إليها المرجع عند أهل الإسلام في سائر الأبواب والأحكام. وقد عُلِم أن القعقاع لم يدخل على النبي ﷺ في تلك الحالة، ولا يمكن من هو أفضل منه، ولم يدَّع أنَّ أبا بكر أخبره بذلك، ولا غير أبي بكر، فصار الأثر منقطعا، وهذه علة رابعة. وأظن هذا المعترض رأى هذا الأثر في مصنف ابن فيروز أو غيره ممن تعرَّض لردِّ هذا الدين والتوحيد الذي منَّ الله بتجديده على يد شيخنا ﵀، والغالب على من تعرَّض لردّ ذلك هو الجهل وعدم العلم، مع غلبة الهوى وشدَّة العداوة، فأجْلَبوا بذكر ما يظنون أن لهم تعلقاً به، وأنه من الحجج التي تدفع الخْصم، وليست لهم عناية بصناعة العلم، ومدارك الأحكام، ويأبى الله إلاَّ أن يتم نوره ولو كره الكافرون. تعرض قوم للغرام فأعرضوا ... بجانبهم عن صحبتي (٢) فيه واعتلوا

стр. 328

رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم ... وخاضوا بحار الحب دعوى , فما ابتلوا فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم ... وما ظعنوا في السير عنه وقد كلوا وعن مذهبي لما استحبوا الهوى (١) على الهدى ... حسداً من عند أنفسهم ضلوا

стр. 329

[فصل في الرد على المعترض بأن البوصيري إنما قصد الشفاعة يوم القيامة] فصل قال المعترض: (فشرف الدين إنَّما قصد الشفاعة، مستحضراً يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ - وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ - وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ - لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧] [عبس -٣٤ -٣٧] . وهو يقول ﷺ : " «أمَّتي أمَّتي» ") إلى أن قال: (ولأنه قد أعطي " ﷺ (١) " الشفاعة بوعد الله الصادق له في حياته، من المقام المحمود وشفاعته لأمته، وهي من ذلك. قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] [الإسراء ٧٩] . وقال: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥] [الضحى ٥] قال ابن عباس: "هو الشفاعة لأمته " (٢) وقاله غيره من السلف. ثم ساق أحاديث في هذا المعنى. ثم قال: فإذا كان هذا قول الله تعالى، فما ظنك به ﷺ وهو أجود بالخير من الريح المرسلة؟ وقال ﷺ في حق المنافقين: " «لو أعلم أني لو زدت على السبعين لغفر لزدت» " (٣) كما

стр. 330

عند البخاري، واستغفاره شفاعته لأمته قد أخبر أنه في ( «البرزخ إذا عرضت عليه أعمال أمته يستغفر لمن رأى في عمله شرا» (١) وهل) (٢) استغفاره إلاَّ شفاعته؟ ثم ذكر حديث أنس وأنه ﷺ يُخْرِجُ من النار حتى لا يبقى إلاَّ من حبسه القرآن (٣) . والجواب أن يقال: قد أجاب شيخنا ﵀ عن هذه المسألة في "كشف الشبهة (٤) . قال ﵀ (٥) (فإن قال- يعني المشرك الذي يدعو الصالحين-: إن الله أعطاه الشفاعة، وأنا أطلبه مما أعطاه الله، فقل له: إن الله أعطاه الشفاعة ونهاك عن دعائه) وساق ﵀ من الآيات ما يستدلّ به على تحريم دعاء الأنبياء وغيرهم. وهذا هو جوابنا عما احتج به المعترض هنا، وهو الجواب السديد. وقد وكل الله بما يقضيه ويقدِّره من الموت والحياة، وإنزال المطر، وإنبات النبات، وحفظ بني آدم، وغير ذلك ملائكة يدبِّرون ذلك، ويباشرونه بحكمته، ودعاؤهم مع ذلك مجمع على تحريمه، وأنه من الشرك الأكبر، فأي فرق بين هذا وهذا لو كانوا يعلمون؟

стр. 331

ثم قد تقدَّم أن الشفاعة التي ظنها المشركون (١) حاصلة بدعاء الأنبياء والصالحين قد نفاها القرآن، وأخبر تعالى أنها بيده وملكه، كما (٢) له ملك السماوات والأرض، وأن الشفاعة المثبتة في مثل هذه الأحاديث لم يفهمها هؤلاء الجهال، ولم يعرفوا حقيقتها، فهم في عماية الجهالة، وأودية الضلالة، لا تمييز عندهم بين النوعين، ولا فرق بين القسمين، ولو عرف هذا أن جمهور المشركين يحتجون بالشفاعة والجاه على شركهم، ويقررون (٣) ما للملائكة والأنبياء والصالحين من الجاه والمنزلة والشفاعة [١٣٥] لعرف أنه إلى الآن في سلكهم وعلى طريقتهم في هذا المبحث (٤) وكثير من المباحث التي هي أصل دينهم وقاعدته، وأي مسلم أنكر أن النبي ﷺ يشفع غير المعتزلة والخوارج؛ فإنهم أنكروا الشفاعة لأهل الكبائر، وهل قال شيخنا- ﵀ حرفاً يدل على هذا؛ والنزاع معكم في التوجه إلى غير الله، وسؤال ما لا يطلب إلاَّ من الله ولا يقصد له سواه. وهذا الكلام مغالطة وَحَيْدَة (٥) عن المقصود، فهات دليلاً شرعيا على (٦) أن الشفاعة أو غيرها تطلب من الأموات والغائبين، كالأنبياء والملائكة (٧) والصالحين؛ ودع عنك الآثار الموضوعة، والحكايات

стр. 332

المكذوبة (١) والنقل عمن لا يحتج به، وأبْرُزْ لأهل العلم والإيمان إن كنت من أهل التحقيق والعرفان، ودع عنك التلبيس والروغان. وما يجري في ذلك اليوم من الهول والكرب والشدة، وفرار المرء (٢) من أخيه وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، كل هذا مما يوجب التوحيد والالتجاء إلى الله؛ والاعتصام بحبله والتوكل عليه، والتوسل إليه بالإيمان به وبرسله، وبما شرعه من الأعمال الصالحة. قال بعض السلف: (إنَّ ملكاً بيده الدنيا والآخر ة يكفيك هذا كله إذا عاملته) . وليس فيه ما يدل على الالتجاء إلى الرسول ﷺ وطلب النجاة (٣) والأخذ باليد منه. فتقريرك وكلامك في هذا البحث معاكسة لهذا أي معاكسة " (٤) ومشاقة لله ورسوله، واتباع لغير سبيل المؤمنين، فما أنت والاحتجاج والفهم عن الله ورسوله. اعط (٥) القوس باريها ... ودع العيس وحاديها وأما الاستدلال بجوده ﷺ على أنه ينقذ ويجيب من دعاه، وقصده من دون الله: فهذا من نوادر هؤلاء الجهَّال الذين لم يستضيئوا بنور العلم، ولم

стр. 333

يلجأوا إلى ركن وثيق؛ ولم يقم بقلوبهم من وقار الله وعظمته ما يمنع من الإشراك به ومن طلب العباد ما يختص به من المطالب العالية التي لا يملكها سواه. وأما قوله: (قد أخبر أنه في البرزخ إذا عرضت عليه أعمال أمته يستغفر لمن رأى في عمله (١) شرا) . فقد تقدَّم ما في هذه العبارة من الجهالة (٢) .

стр. 334

[فصل في بيان أن الشفاعة بيده سبحانه ملكا له خاصة وأن النبي فيها عبد مأمور لا مالك متصرف] فصل ثم ذكر المعترض أحاديث في الشفاعة ولكنه حرَّف (١) وساقها سياق أجنبي لا يعرف الصناعة (٢) . وحاصلها: إثبات شفاعته، وأنه أول شافع (٣) ﷺ ، ثم قال: (وقول البوصيري، كقول سواد بن قارب: وأنك أدنى المرسلين وسيلة ... إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة ... سواك بمغن عن سواد بن قارب وكل هذا ليس فيه حجة؛ لأن النزاع في غيره. وأما الشفاعة: فلم تنكر، وقول سواد بن قارب هذا (٤) من جنس [١٣٦] طلب دعائه واستغفاره ﷺ في حياته، والنزاع ليس في ذلك، والمطلوب هنا دعاؤه الذي يستطيعه (٥) كل أحد ممن ترجى إجابة دعائه، ويجوز التماس

стр. 335

الدعاء منه، وقد قال النبي ﷺ لعمر: " «لا تنسنا يا أخي من دعائك» " (١) وهذا باب واسع. وأما عرض الأعمال: فقد تقدَّم أنه لا يبيح الدعاء والطلب، وعلى أبوي الإنسان يعرض سعيه (٢) ولا يجوز له دعاؤهما في حاجاته وملماته. ثم استدلَّ المعترض بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] [الزخرف ٦٨] قال: (ونبيّنا أفضل أهل السماوات والأرض، فقد ملك الشفاعة) . والجواب أن يقال: هذا المعترض أورد الآية على غير وجهها؛ بل حرَّفها وقال: "لا يملكون الشفاعة. فهو من أجهل خلق الله بالتلاوة، ومثله لا يجوز له أن يورد الآيات القرآنية والأحاديث النبوية؛ لأنه لا يحسن النقل، ولا يعرف التلاوة، بل هو في غاية الجهالة والغباوة (٣) ثم يقال: هذه الآية لأهل العلم والتأويل فيها قولان: أحدهما: أن المستثنى من تقع عليه الشفاعة، ويشفع فيه الشافعون، فهو استثناء من محذوف دلَّ عليه السياق، والتقدير: لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة لأحد إلاَّ من شهد بالحق. والقول الثاني: أن الاستثناء واقع على الشافعين الذين يملكون الشفاعة. فالاستثناء من الموصول الذي هو الفاعل، وعلى كلٍّ فليس

стр. 336

المراد المُلْك المتعارف بين أهل الدنيا، بل المراد حصول ذلك ووقوعه وتمكينهم منه، وذلك مقيد بالِإذن والرضى عن المشفوع فيه، فليس من جنس الأَمْلاك الدنيوية، ثم العبد كل العبد من (١) لا يتصرَف في ملكه إلا بما يحب الرب ويرضاه (من التصرفات، فأين محبته تعالى وإذنه ورضاه) (٢) في الشفاعة لمن يدعو غيره، ويلوذ بسواه، ويعتمد على الشفعاء ويعدهم لشدائده وكرباته؟ واحتجَّ المعترض: بما في بعض الأحاديث من قوله ﷺ : " «والمفاتيح يومئذٍ بيدي» (٣) . وأظن هذا الغبي يظن أن المُلْك والتدبير والسعادة والشقاوة والعذاب والنعيم، كل هذا بيده ﷺ ، لقد أبعد المرمى، وكَذَّب بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ - ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ - يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٧ - ١٩] [الانفطار ١٧ ـ ١٩] وقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦] [الفرقان ٢٦] . وقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] [غافر ١٦] وقوله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا - يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا - يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١٠٨ - ١١٠] [طه ١٠٨-١١٠] .

стр. 337

فالمعترض لم يعرف معنى هذا كله، ولم يدرِ ما سيق له، فخبط خبط عشواء، ورتع في مجهلة ظلماء. واحتجَّ المعترض بحديث العباس في أبي طالب وقول نبي الله (١) ﷺ : " «وجدته في غمرات من النار، فأخرجته إلى ضحضاح من النار» " (٢) وزعم المعترض أن هذا يفيد أنه ملك الشفاعة، ويتصرَّف (٣) " فيها بملكه لها، كما تتصرَّف (٤) المُلاَّك في أملاكهم. وفي التحقيق يرجع قول هذا المعترض إلى ما ذهب إليه غلاة القبوريين، من أنَّ الأولياء قد أعطوا التصرُّف والتدبير، ووكل ذلك إليهم، والشافع لا ملك له، لكن ما دلَّ عليه الكتاب والسنَّة، من أنه لا يشفع إلاَّ بإذن (٥) فيمن رضي الله قوله وعمله، وأراد (٦) رحمته ونجاته، فهي مقيدة بالإذن والرضى، ليست كما فهمه هذا الغبي وأمثاله، من أن الشافع يتصرَّف (٧) تصرُّف الملاك بمشيئتهم وإرادتهم، وكذا كل ما ساقه من أحاديث الشفاعة مستدلاً به لا يفيد ما ذهب إليه المعترض. وأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] [الأنبياء ١٠٧]

стр. 338

فهو من أدلة (١) جهله بمعنى الآية وما سيقت له، والآية عامة للعالمين (٢) ليست خاصة بالمسلمين، وقد قال تعالى فيمن لم يستجب لرسله، ولم يلتفت إلى ما جاءوا به من الإيمان والهدى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] [المدثر: ٤٨] وقال: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] [غافر: ١٨] ثم قال المعترض: (فإذا كان هذا فعله مع أبي طالب ونصرته لقرابته حمية، وقد نالته شفاعته، فكيف بغيره من أمته وأهل بيته التي (٣) أزواجه أمهاتهم وهو بمنزلة الوالد لهم، وهو فرطهم وسلفهم؟ وهو ﷺ ومن أرسله إليهم أرأف بهم من الوالدة بولدها، وهو ﷺ أحبّ إليهم من أنفسهم وهم يرجون شفاعته ﷺ التي هي فضل الله وكرامته؟ لأنه ﵎ أعطاه إياها لهم، فما بالهم لا يسألونه عن عطائه لهم؟ وقد قال له كما صح ذلك عنه: «أترونها للمتقين؟ بل هي للمذنبين المخلطين المتلوثين» ) (٤) إذ ليسوا (٥) كالكفار الذين أخبر الله عنهم، أنها لا تنفعهم شفاعة الشافعين، فما فائدة الكرامة إذا لم يسأل صاحبها [١٣٨] ، منها ويطلب، وإذا منع من ذلك فلا كرامة ولا شفاعة ولا فضل لصاحبها ولا تفضل، وهو أعلم بأمته ﷺ مثلوا له في حياته، كما صحَّ ذلك، وتعرض إليه (٦)

стр. 339

أعمالهم بعد وفاته، ويعرف المستحق من غيره) . انتهى. هذا كلامه بحروفه، وفيه من العبر والأدلة على جهله، ما يكفي المؤمن في معرفة ضلاله وجهله (١) وحاصل هذا الكلام: أن النبي ﷺ يعلم حال أمته فرداً فرداً، مطيعها وعاصيها (٢) مؤمنها وكافرها، وأنه أعطي الشفاعة كما يعطى أحد الناس ما يملكه، ويتصرف فيه بمشيئته وإرادته، والنبي (٣) ﷺ يدعى لذلك ويسأل كما يسأل سائر المُلاَّك، وأنه إذا لم يسأل فلا كرامة له ولا شفاعة ولا فضل ولا تفضل، هذا حاصل كلام المعترض، وهو بكلام الجاهلية الأولى أشبه منه بكلام أهل العلم والهدى. وقد دلَّ القرآن والسنَّة وإجماع علماء (٤) الأمة على أن الشفاعة بيده (٥) سبحانه، ملكاً له خاصة، لا يتقدم أحد فيها إلاَّ بإذنه، ولا تنال (٦) إلاَّ من رضي قوله وعمله من أهل الإيمان والتوحيد، والأحاديث صريحة (٧) في أنه ﷺ لا يشفع ابتداء، وأنه يحدّ له حدّ، ويعين له من أراد الله رحمته، وإكرام نبيّه بالشفاعة فيه، فهو عبد مأمور مدبر لا مالك متصرف.

стр. 340

وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ [الزخرف: ٨٦] [الزخرف: ٨٦] وقوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] [مريم: ٨٧] قد تقدَّم الجواب عنه، وبعض المفسّرين قرَّر أن الاستثناء منقطع ليس فيه إثبات للملك، فهو بمعنى الاستدراك من مضمون الجملة (١) ويدلّ على هذا نصوص الكتاب والسنَّة. قال شيخ الإسلام: وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] [الأعراف: ١٨٨] فيه قولان، قيل: هو استثناء متصل، وأنه يملك من ذلك ما مَلَّكه الله (٢) وقيل: هو منقطع، والمخلوق لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا بحال. فقوله: إلا ما شاء الله استثناء منقطع، أي: لكن يكون من ذلك ما شاء الله كقول الخليل: ﴿وَلَا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا﴾ [الأنعام: ٨٠] أي: لا أخاف أن تفعلوا شيئا، لكن إن شاء ربي شيئا كان، وإن لم يشأ (٣) لم يكن، وإلاَّ فهم لا يفعلون شيئاً. وكذلك قوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ [الزخرف: ٨٦] ثم قال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: ٨٦] [الزخرف: ٨٦]

стр. 341

فتنفعه الشفاعة كقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] [سبأ: ٢٣] وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] [الزمر: ٤٤] وبسط هذا له موضع آخر, انتهى. وقد ثبت أنه ﷺ قال: " «يؤخذ بأناس من أمتي ذات الشمال فأقول: أصحابي أصحابي» (١) فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك (٢) وقد تكلَّم بعض أهل العلم على هذا الحديث بما يخالف ما قاله هذا المعترض (٣) ويردّه، وقرّروا: أن فيه ما دل عليه (٤) حديث أنس في الشفاعة من أنه ﷺ يشفع إلاَّ بعد الإذن فيمن عُيِّن له، وحدَّ وخصَّ (٥) وفيه: أنه لا يعلم ما يحدث بعده، وما يجري في أمته إلاَّ ما أخبر به من بعض الجزئيات والحوادث، وأن من قام به سبب يمنع الشفاعة، كالشرك بالله واتَّخاذ الأنداد معه فلن تنفعه (٦) شفاعة الشافعين. وفي كلام المعترض من المؤاخذة (٧) والجهالات، قوله: (فإذا كان

стр. 342

هذا فعله حمية) ، وقد صانه الله عن أن تقع أفعاله وشفاعته من باب الحمية، بل هي من باب الإيمان والطاعة والعبد كل العبد من كانت أفعاله وحركاته لله وبالله. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣] فهذا الرجل من أجهل الناس بمقام سيد ولد آدم، وتحقيقه للتوحيد. وفي قوله: (وأهل بيته التي أزواجه أمهاتهم) لحن فاحش؟ فإن "التي" للأنثى، كما قال ابن مالك: (موصول الأسماء الذي للأنثى التي) . وهذا الغبيّ لا يفرق بين المذكر والمؤنث، ومع ذلك يزعم أن الشيخ وأتباعه لا يعرفون العربية، والصواب أن يقال: (وأهل بيته الذين) . ومنها: ظنَّه أن النبي ﷺ فَرَط وسلفٌ لعباد القبور، الذين يجعلون مع الله آلهة أخرى، ولم يعرف معنى الحديث، ومن خوطب به. ومنها قوله: (كيف وهو ومن أرسله أرأف بهم من الوالدة بولدها) . فظاهر هذا فيه من سوء الأدب مع الله، وعدم الثناء عليه بما اختصَّ [١٤٠] ، به من الرأفة والرحمة، والاقتصار على ما شاركه فيه عبده ورسوله، وتقديم ذكر (١) عبده ورسوله (٢) على ذكره تعالى وتقدَّس في هذا المقام، وهذا لا يصدر إلاَّ من أجلاف الناس وأشدهم غباوة، وكذلك التعبير بالموصول والعدول عن الاسم الأقدس يطلعك على مخبآت جهله، ومناقشة هذا تطول.

стр. 343

ومنها قوله: (فلا كرامة ولا شفاعة لرسول الله ﷺ ، ولا فضل ولا تفضل إذا لم يدع ويسأل ويطلب) . فالشفاعة التي نفاها القرآن على زعم هذا الرجل، يلزم من نفيها نفي الكرامة والفضل، ولا كرامة ولا فضل ولا تفضُّل إلاَّ بدعائه وقصده من دون الله، وهذا هو مفهوم كل مشرك يرى أن نفي الشفاعة التي نفاها القرآن وأن النهي عن دعاء الأنبياء والصالحين، والقول بأنهم لا يقصدون ولا يُدْعون للشفاعة ولا لغيرها من المطالب: تنقص لهم وإبطال لفضلهم وكرامتهم وذلك لظنهم أن الفضل والكرامة (١) في قصدهم ودعائهم والتعلق عليهم، وكونهم مفزعا وملجأً عند الشدائد والمهمات ولو عقلوا لعرفوا أن الفضل والكرامة كل الكرامة في عبودية الله والخضوع له؛ والدعوة إلى سبيله, وإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة؟ وتحقيق التوحيد " وإسلام الوجوه لبارئها وفاطرها وإلهها الحق. وقد ذكر الله في كتابه عن خَوَاصِ عباده ما يوجب العلم بأن أفضل الرتب وأجلّ الكرامات تحقيق العبودية، وإخلاص العبادة، ووصف رسوله بذلك في مقام الِإسراء وفي مقام التحدّي، وفي مقام الدعوة، ومن توهَّم أن (٢) فوق (٣) العبادة وتحقيقها وإخلاصها رتبةً وفضلاً (٤) لأحد من العباد فهو من أضل الخلق وأجهلهم بالله وبحقه وما يجب له, ومن أجهل الناس بحق الأنبياء والصالحين وما يجب لهم وما يستحيل.

стр. 344

وقد عَفَتْ آَثار العلم، واشتدَّت غربة الإسلام حتى خاض في هذه المباحث، وتصدَّى للرد على علماء الأمة مَن لا يعرف حقيقة الإسلام، ولم يميِّز بين حق الله وحق عباده وأوليائه من الأنام. ثم ذكر المعترض بعد هذا أنه روى البردة والهمزية، واتصل سنده بهما (١) إلى الناظم، وذكر أنه رواها عن محمد بن سلوم، ولا يستبعد ذلك على ابن سلوم، وذكر أنه رواها عن أحمد بن رشيد الحنبلي، وهذا بعيد جدًّا، ودعوى هذا المعترض لا تسمع، ولا يلتفت إليها، لأن شهادة الحال وما يعرف من دين الشيخ أحمد بن رشيد يخالف هذا اللهمَّ إلا أن يكون [١٤١] قبل أن يفتح عليه، ويدخل فيما دعا إليه شيخنا من التوحيد، وإفراد الله بالعبادة. ثم ساق سند ابن فيروز في روايتها، وزعم أن بعض الحنابلة رواها وسمعها، ثم جعل أهل روايتها هم أهم الصراط المستقيم، وهم القدوة الذين لا تصح صلاة أحد إلا بطلب الهداية لطريقهم (٢) وهم الذين استشهد الله بهم على وحدانيته بقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] [آل عمران: ١٨] . قال حتى قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] [آل عمران: ١٩] . على قراءة الفتح من الهمزة، وهم الذين قال فيهم نبينا ﷺ : " «يحمل هذا العلم من كل خلف عُدُولُهُ» (٣) (٤)

стр. 345

ثم قال (١) "فهؤلاء الضالون وهذا الرجل الذي خالفهم المهتدي، وقد أجمعت الأمة أنها لا تجمع ولا (٢) تجتمع على ضلالة. والجواب أن يقال: ليس فيما ذكر المعترض من رواية بعض الناس للبردة ما يدل على استحسانها، وأنها حق لا باطل فيه، وقد روى الناس من الأحاديث المكذوبة والحكايات الموضوعة ومقالات الجهمية، وكتب الاتحادية ما لا يخفى ضلاله وبعده عما جاءت به الرسل، فإن كانت الروايات والنقل يدلّ على الصحَّة والصواب فلتكن هنا، وإلا بطل الاحتجاج برواية من ذكر (٣) لهذه المنظومة، وتلقِّيهم لها، وما المانع أن يخفى على من ذكر ما فيها، وقد خفي على من هو أجل منهم وأفضل بإجماع الأمة أن اتخاذ الأشجار للتبرُّك والعكوف من التأله بغير (٤) الله، فقالوا لنبيهم " ﷺ : "اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط (٥) " (٦) وقد تقدَّم قول شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس في ابن النعمان، وأمثاله من الشعراء (٧) وقول بعضهم: يا خائفين من التتر ... لوذوا بقبر أبي عمر ينجيكمو من الضرر

стр. 346

وهذا قاله أناس ممن يدَّعى الإسلام ويرى جواز مثل هذا، وأنه لا ينافي ما جاءت به الرسل من توحيد الله وإخلاص الدين له، وأبيات البردة أبْلغ وأعظم شركاً من هذا الذي ذكره الشيخ. ثم ما الحجة في طائفة محصورة قليلة لو سلمنا لهذا ما ادعاه من [٤٢١] علمهم؟ وما المانع من (١) أن يغلط العالم ويزل؟ ثم (٢) أي أحد قال بأن فعل بعض الناس يكون حجة في مسائل النزاع؟ ولو قيل بهذا لمدت الاتحادية والحلولية (٣) والجهمية والمعتزلة أعناقهم، وقالوا: من يروي مقالتنا ويحكيها (٤) ويقرّرها أكثر عدداً وأشهر سنداً. ولم يسبق هذا الجاهل إلى الاحتجاج بمثل من روى البردة، وأي رجل من هؤلاء الذين ذكر له قول أو وجه يرجع إليه في جزئيات الأحكام ومسائل الفروع؟ فكيف يحتجّ به في نسبة علم الغيب إلى النبي ﷺ ، وأن الدنيا والآخرة من جوده (٥) وأنه لا عياذ ولا ملاذ سواه، وأنه يُدْعى ويقصد لذلك؟ وأبلغ من هذا كله أن المعترض جعل أهل روايتها هم أهل الصراط المستقيم، (وهم أهل الهداية المشار إليهم في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] [الفاتحة: ٦] (٦) .

стр. 347

وأن الصلاة لا تصح إلا بسؤال الهداية إلى سبيلهم، يعني سبيل أهل البردة، وهذه هي الطامة الكبرى، والقولة الضالة العمياء، أين الأنبياء والمرسلون، أين الصديقون والشهداء والصالحون؟ أين من جرَّد التوحيد لله العزيز المجيد (١) ولم يتَّخذ وليَّا من دونه، ولم يجعل له مفزعاً وموئلا يرجع إليه في مهماته وحاجاته غير فاطر السماوات والأرض؟ أين من أخذ بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] [البقرة: ١٨٦] . ولم يلتفت إلى غير إلهه السميع المجيب؟ أين (٢) من عضَّ بالنواجذ على ما دلَّ عليه حديث ابن عباس: " «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» " (٣) أين من بايع رسول الله ﷺ على ألا يسأل الناس شيئا (٤) أين من أخذ بقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] [الأنعام: ٥٩] . وبقوله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] [النمل: ٦٥] . أين من يقول: ما خلقت السماوات والأرض والدنيا والآخرة إلا بالحق؟ الذي هو معرفة الله وإسلام الوجوه له؟ ولتجزى كل نفس بما كسبت؟ . سبحان الله!! ما أغلظ حجاب هذا المعترض عن معرفة ما جاءت به

стр. 348

الرسل: كأنه من جهال الجاهلية الأولى (١) لم يأنس بشيء مما جاءت به الأنبياء. وأما قوله: (وهم الذي (٢) استشهد الله بهم. . .) إلى آخره. فهذه المقالة الكاذبة فيها من الكذب والفرية على الله وعلى كتابه، ما لا يصدر ممن يؤمن بالله واليوم الآخر، أين العلم وأين الهدى في أبيات البردة ومعتقدها ومنشدها؟ وأين هذا المعترض من معرفة العلم والعلماء، ومناهج الإيمان والهدى، ونهمته وحرفته دعوة الناس إلى دعاء الصالحين، والاعتقاد المخالف لأصول الملة والدين، ومن ارتاب في الإسلام ومعرفته كيف يعرف العلم والعلماء، ويدري مناهج الإيمان والهدى؟ هذه الشهادة شهادة زور، فإن من شهد بما لا يعلم فهو شاهد زور، وأهل العلم هم الرسل والأنبياء وأتباعهم على تحقيق التوحيد، وإخلاص الدين لله ربِّ العالمين، الذي عرفوا الله بأفعاله وآياته، وأخلصوا له المحمل والدين بأفعالهم، ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة، واستدلوا بجميع ما شهدوه أو سمعوه من الآيات والمخلوقات وأنواع الكائنات على وحدانية خالقها ومقدرها ومدبرها، وعلى حكمته وعموم قدرته وشمول علمه. وقول المعترض: (حتى قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] [آل عمران: ١٩] . على قراءة الفتح من الهمزة) عبارة جاهل لا يدري ما يقول، فإن

стр. 349

الفتحة للهمزة لا من الهمزة، وفتحها على قراءة (١) الكسائي، والقراءة على كسرها، وقوله ﷺ : " «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله» " (٢) والإشارة فيه إلى ما جاء به ﷺ من الكتاب والحكمة، وأين هو مما دلَّ عليه قول الناظم في أبياته السابقة؟ فأهل العلم في الحقيقة: كل من عَقَل عن الله مراده، وعرف مما جاءت به الرسل من تحقيق التوحيد ووجوب إسلام الوجوه للذي فطر السماوات والأرض، مع الإقبال على الله والإعراض عن عبادة ما سواه، والبراءة من الشرك وأهله، والسير إليه تعالى على منهاج أنبيائه ورسله، وعباده الصالحين، ففي هذا العلم والعمل والمتابعة، وأما الخُلُوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون فهم من أقل الناس حظًّا ونصيبا من العلم الذي جاءت به الرسل. وأما قوله: (وقد أجمعت الأمة أنها لا تجمع ولا تجتمع على ضلالة) . فإجماع الأمة حجة ولا يكون على ضلالة، ولكن أي (٣) الأمة؟ أيظن هذا أن الأمة من روى البردة دون (٤) سائر الأمة؟ وأين مَنْ قَبْل صاحب البردة بنحو ستة قرون؟ . أليسوا من الأمة؟ عافانا الله وإخواننا المسلمين من هذا الهذيان الذي [١٤٤] ، يهدم أصل التوحيد والإيمان.

стр. 350

[فصل في رد زعم المعترض أن العلماء الأمناء تلقوا البردة بالقبول والرضا] فصل قال المعترض: (والمقصود أن هؤلاء العلماء الأمناء الأمجاد النقاد من جميع نواحي الإسلام تلقوها، ونقلوها، ورضوها، ولم ينتقدها واحد منهم، ولا من غيرهم من علماء الأمة فهل تراهم أجمعوا على إقرار الشرك الأكبر، المخرج من الملة وما يقوله هذا الرجل، وأنهم جهلوا كما جهل صاحبها بزعمه، حتى خرج فأخرج لهم التوحيد كما يزعم (١) في الأرض التي سفكت فيها دماء الصحابة حتى أشفق صدِّيق الأمة وأصحاب رسول الله- ﷺ منه على ذهاب القرآن حتى قال علي ﵁ (٢) أنه ذهب منه (٣) آيات منها آية الرجم) . والجواب أن يقال: القول بأن العلماء الأمناء من نواحي الأرض قبلوها ورضوها ولم ينتقدها أحد منهم، قول باطل، وفرية ظاهرة، وكذب على أهل العلم والإيمان، وهذا العدد اليسير الذين ذكرهم (٤) في سنده لا يعرف أحد منهم بالعلم والفقه إلا رجل أو رجلان، ولهم من الأقوال

стр. 351

ما انتقدها عليهم فحول الرجال؟ والعصمة لا تدعى ولا تثبت لغير الرسل، فكيف ينسب إلى جميع العلماء من نواحي الأرض أنهم قبلوها ورضوها، وجلّ بضاعة هذا الرجل هو الكذب على الله وعلى رسله وعلى علماء الأمة وساداتها، فمن كانت هذه بضاعته فهو أكثر الناس (١) غبنا، وأعظمهم خسرانا، وهذا العدد الذي ذكره ليس فيهم من ذكر بالعلم إلا نحو ثلاثة أشخاص من المقلّدين الذين لا يرجع إليهم في التصحيح والترجيح، وما المانع أن يخفى عليهم هذا، وقد خفي على من هو أجل منهم وأفضل بالاتفاق؟ . اللهم إلا أن يقول هذا المعترض بعصمة من روى هذا النظم، كما قالت ذلك غلاة الرافضة والإسماعيلية في أئمتهم الاثنى عشر، وقد مرَّ أنَّ شيخ الإسلام ابن تيمية انتقد على من هو أجل من صاحب البردة، كابن النعمان ما هو دون ما في هذه الأبيات. ثم ما يدري هذا المغفل أن الأئمة لم ينتقدوها ولم يردوها أيكون الجهل، وعدم العلم دليلاً في موارد النزاع؟ وما المانع من أن يكون علماء الأمة أنكروا ما فيها من الغلو والإطراء؟ بل لا مانع من أن يكون رواتها قد أنكر ما فيها حذاقهم، وأهل البصيرة منهم، وقد يروي الرجل بعض الأحاديث والأخبار ويتعقَّبها مع ذلك ويذكر ما فيها، وينبغي إحسان الظن بأهل العلم، وحملهم في ذلك على أحسن المحامل وأكمل الوجوه. [الأرض لا تقدس أحدا ولا هي سبب لعينه وذمه] وأمَّا تعريضه بذكر الأرض التي سفكت فيها دماء الصحابة، حتى أشفق صدِّيق الأمة على ذهاب القرآن.

стр. 352

فيقال: قد سفكت دماء أناس من أصحاب رسول الله ﷺ في كثير من البقاع التي وقع فيها القتال، كأحد وحنين وبدر والشام والعراق، ودماؤهم أصيبت في الله ولله، وأشرف البقاع ما اشتمل (١) على أجسادهم ودمائهم ولا يؤثر ذلك في الأرض إلا طيباً وتطهيراً، وقد صح الحديث: «أنَّ الشهيد يبعث يوم القيامة وجرحه يسيل دما، اللون لون الدم، والريح ريح المسك» (٢) وأمَّا من بعدهم ممن سكن تلك الأرض، فالأرض لا تطهر ولا تقدس (٣) أحداً، كما قال سلمان لما كتب إليه أبو الدرداء أن يقدم إلى الأرض المقدَّسة، فكتب إليه: "إنَّ الأرض لا تُقدّس أحداً" (٤) وكذلك الأرض لا تؤثر في الإضلال والشقاوة، وقد سكن الحرمين والأرض المقدَّسة من هو (٥) أضلّ خلق الله وأكفرهم (٦) وأشدّهم عداوة لله (٧) بل سكن الأرض المقدسة من قتل الأنبياء وعَبَد العجل، وفعل ما قص الله عن (٨) بني إسرائيل، ولم تزل مقدسة مع ذلك تبعث فيها الأنبياء وتسكنها، ومصر دار الفراعنة والجبارين قد فتحت زمن عمر، وبنيت فيها المساجد

стр. 353

وسكنها الصحابة والتابعون، وجملة من أكابر العلماء كالليث بن سعد ومحمد بن إدريس، وأكابر أصحابه، وأشهب صاحب مالك، وخلق لا يحصيهم إلاَّ الله من أهل العلم والدين، ولم يقل أحد منهم: هذه دار فرعون الذي قتل بني إسرائيل وكذَّب الرسل (١) وادعى الربوبية، واتَّبعه قومه على ذلك، وما من حرم للمسلمين، ولا بلدة (٢) من بلادهم، ومساكن الأنبياء، إلاَّ وقد وقع فيها من الكفر والفسوق والقتال ما هو معروف (٣) مشهور. ولا يعيب المسلمين، ويتنقص (٤) المؤمنين بمن سكن ديارهم، من الفراعنة الجبارين، والكفرة الماضين، إلاَّ من هو معدود من جملة الحمقى الضالين، وما أحسن ما قيل: العلم للرجل اللبيب زيادة ... ونقيصة للأحمق الطياش مثل النهار يزيد إبصار الورى ... نوراَ؛ ويعمي أعين الخفاش [فصل في رد تعريض المعترض بأن الشيخ من نجد موضع الزلازل والفتن وموطن مسيلمة

стр. 354

فصل قال المعترض: (وقد امتنع رسول الله ﷺ عن الدعاء لها لما دعا للشام ولليمن والمدينة؟ لمَّا علم بعلم (١) الله ما يحدث فيها ومنها، وقال فيها: "أولئك (٢) منها الزلازل والفتن، ومنها يظهر قرن الشيطان"، ثم ذكر مسيلمة وقوله: "يا ضفدع بنت ضفدعين "، وأطال الكلام السمج (٣) الذي [١٤٦] يتنزَّه العاقل عن حكايته. ثم قال: (وقد نصَّت العرب أن لغة أهل اليمامة أركّ اللغات، فأين تأتي لهم الفصاحة والمعرفة، وقال فيهم الصدّيق ﵁: " لا يزالون في فتنة من كذابهم" وقد وجد منهم بالكوفة مائة وستون رجلا يقرءون كلام مسيلمة، فأُتي بهم لابن عبَّاس (٤) وقتل إمامهم وفرَّقهم في القبائل، وأجلى من أجلى منهم إلى الشام) . ثم قال: (ومن أين يظهر لهؤلاء البيان، ولم يميِّزوا (٥) بين القرآن وسجع الشيطان؟ بل أجملوا على ذلك، ولم يتنبَّه منهم اثنان فصار بذلك

стр. 355

موضعهم قابلا للبهتان وزخارف الهذيان، ومن أنكر عليهم من أهل نجد وعلمائهم قتلوه في (١) ونهبوه، فصحَّ بهذا أنَّهم من الذين وصفهم رسول الله ﷺ بأنهم " «سفهاء الأحلام» ) الحديث (٢) الحديث (٣) والجواب أن يقال: أما اليمن والشام: فقد ثبت في الحديث (٤) أنه ﷺ دعا بالبركة فيهما (٥) ولا يلزم من هذا تفضيلهما على سائر البلاد الإسلامية، وقد دعا لأناس من أصحابه ﷺ (٦) وغيرهم من السابقين الأولين أفضل منهم (٧) عند كافة المسلمين، ومكة أُخْرِج منها النبي ﷺ وعبدت فيها الأصنام، وعلق على الكعبة من ذلك، ووضع عليها ما لم (٨) يوضع في بيت المقدس ولا غيره من مساجد المسلمين، ومكة أفضل البلاد، ومسجدها أفضل المساجد على الإطلاق. وأمَّا قوله ﷺ لما قيل له: وفي نجدنا: "تلك مواضع (٩) الزلازل
следующие страницы →