← Акыда

Акыда · id 30868

مصباح الظلام في الرد على من كذب الشيخ الإمام ونسبه إلى تكفير أهل الإيمان والإسلام

عبد اللطيف آل الشيخ

Полный текст (590 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ما انتقدها عليهم فحول الرجال؟ والعصمة لا تدعى ولا تثبت لغير الرسل، فكيف ينسب إلى جميع العلماء من نواحي الأرض أنهم قبلوها ورضوها، وجلّ بضاعة هذا الرجل هو الكذب على الله وعلى رسله وعلى علماء الأمة وساداتها، فمن كانت هذه بضاعته فهو أكثر الناس (١) غبنا، وأعظمهم خسرانا، وهذا العدد الذي ذكره ليس فيهم من ذكر بالعلم إلا نحو ثلاثة أشخاص من المقلّدين الذين لا يرجع إليهم في التصحيح والترجيح، وما المانع أن يخفى عليهم هذا، وقد خفي على من هو أجل منهم وأفضل بالاتفاق؟ . اللهم إلا أن يقول هذا المعترض بعصمة من روى هذا النظم، كما قالت ذلك غلاة الرافضة والإسماعيلية في أئمتهم الاثنى عشر، وقد مرَّ أنَّ شيخ الإسلام ابن تيمية انتقد على من هو أجل من صاحب البردة، كابن النعمان ما هو دون ما في هذه الأبيات. ثم ما يدري هذا المغفل أن الأئمة لم ينتقدوها ولم يردوها أيكون الجهل، وعدم العلم دليلاً في موارد النزاع؟ وما المانع من أن يكون علماء الأمة أنكروا ما فيها من الغلو والإطراء؟ بل لا مانع من أن يكون رواتها قد أنكر ما فيها حذاقهم، وأهل البصيرة منهم، وقد يروي الرجل بعض الأحاديث والأخبار ويتعقَّبها مع ذلك ويذكر ما فيها، وينبغي إحسان الظن بأهل العلم، وحملهم في ذلك على أحسن المحامل وأكمل الوجوه. [الأرض لا تقدس أحدا ولا هي سبب لعينه وذمه] وأمَّا تعريضه بذكر الأرض التي سفكت فيها دماء الصحابة، حتى أشفق صدِّيق الأمة على ذهاب القرآن.

стр. 352

فيقال: قد سفكت دماء أناس من أصحاب رسول الله ﷺ في كثير من البقاع التي وقع فيها القتال، كأحد وحنين وبدر والشام والعراق، ودماؤهم أصيبت في الله ولله، وأشرف البقاع ما اشتمل (١) على أجسادهم ودمائهم ولا يؤثر ذلك في الأرض إلا طيباً وتطهيراً، وقد صح الحديث: «أنَّ الشهيد يبعث يوم القيامة وجرحه يسيل دما، اللون لون الدم، والريح ريح المسك» (٢) وأمَّا من بعدهم ممن سكن تلك الأرض، فالأرض لا تطهر ولا تقدس (٣) أحداً، كما قال سلمان لما كتب إليه أبو الدرداء أن يقدم إلى الأرض المقدَّسة، فكتب إليه: "إنَّ الأرض لا تُقدّس أحداً" (٤) وكذلك الأرض لا تؤثر في الإضلال والشقاوة، وقد سكن الحرمين والأرض المقدَّسة من هو (٥) أضلّ خلق الله وأكفرهم (٦) وأشدّهم عداوة لله (٧) بل سكن الأرض المقدسة من قتل الأنبياء وعَبَد العجل، وفعل ما قص الله عن (٨) بني إسرائيل، ولم تزل مقدسة مع ذلك تبعث فيها الأنبياء وتسكنها، ومصر دار الفراعنة والجبارين قد فتحت زمن عمر، وبنيت فيها المساجد

стр. 353

وسكنها الصحابة والتابعون، وجملة من أكابر العلماء كالليث بن سعد ومحمد بن إدريس، وأكابر أصحابه، وأشهب صاحب مالك، وخلق لا يحصيهم إلاَّ الله من أهل العلم والدين، ولم يقل أحد منهم: هذه دار فرعون الذي قتل بني إسرائيل وكذَّب الرسل (١) وادعى الربوبية، واتَّبعه قومه على ذلك، وما من حرم للمسلمين، ولا بلدة (٢) من بلادهم، ومساكن الأنبياء، إلاَّ وقد وقع فيها من الكفر والفسوق والقتال ما هو معروف (٣) مشهور. ولا يعيب المسلمين، ويتنقص (٤) المؤمنين بمن سكن ديارهم، من الفراعنة الجبارين، والكفرة الماضين، إلاَّ من هو معدود من جملة الحمقى الضالين، وما أحسن ما قيل: العلم للرجل اللبيب زيادة ... ونقيصة للأحمق الطياش مثل النهار يزيد إبصار الورى ... نوراَ؛ ويعمي أعين الخفاش [فصل في رد تعريض المعترض بأن الشيخ من نجد موضع الزلازل والفتن وموطن مسيلمة

стр. 354

فصل قال المعترض: (وقد امتنع رسول الله ﷺ عن الدعاء لها لما دعا للشام ولليمن والمدينة؟ لمَّا علم بعلم (١) الله ما يحدث فيها ومنها، وقال فيها: "أولئك (٢) منها الزلازل والفتن، ومنها يظهر قرن الشيطان"، ثم ذكر مسيلمة وقوله: "يا ضفدع بنت ضفدعين "، وأطال الكلام السمج (٣) الذي [١٤٦] يتنزَّه العاقل عن حكايته. ثم قال: (وقد نصَّت العرب أن لغة أهل اليمامة أركّ اللغات، فأين تأتي لهم الفصاحة والمعرفة، وقال فيهم الصدّيق ﵁: " لا يزالون في فتنة من كذابهم" وقد وجد منهم بالكوفة مائة وستون رجلا يقرءون كلام مسيلمة، فأُتي بهم لابن عبَّاس (٤) وقتل إمامهم وفرَّقهم في القبائل، وأجلى من أجلى منهم إلى الشام) . ثم قال: (ومن أين يظهر لهؤلاء البيان، ولم يميِّزوا (٥) بين القرآن وسجع الشيطان؟ بل أجملوا على ذلك، ولم يتنبَّه منهم اثنان فصار بذلك

стр. 355

موضعهم قابلا للبهتان وزخارف الهذيان، ومن أنكر عليهم من أهل نجد وعلمائهم قتلوه في (١) ونهبوه، فصحَّ بهذا أنَّهم من الذين وصفهم رسول الله ﷺ بأنهم " «سفهاء الأحلام» ) الحديث (٢) الحديث (٣) والجواب أن يقال: أما اليمن والشام: فقد ثبت في الحديث (٤) أنه ﷺ دعا بالبركة فيهما (٥) ولا يلزم من هذا تفضيلهما على سائر البلاد الإسلامية، وقد دعا لأناس من أصحابه ﷺ (٦) وغيرهم من السابقين الأولين أفضل منهم (٧) عند كافة المسلمين، ومكة أُخْرِج منها النبي ﷺ وعبدت فيها الأصنام، وعلق على الكعبة من ذلك، ووضع عليها ما لم (٨) يوضع في بيت المقدس ولا غيره من مساجد المسلمين، ومكة أفضل البلاد، ومسجدها أفضل المساجد على الإطلاق. وأمَّا قوله ﷺ لما قيل له: وفي نجدنا: "تلك مواضع (٩) الزلازل

стр. 356

والفتن؟ ومنها يطلع قرن الشيطان (١) فالمقصود بها نجد العراق، وشرق المدينة، وقد ورد ذلك صريحاً في حديث ابن عمر (٢) ونصَّ عليه الخطابي (٣) وغيره، وقد ترك الدعاء للعراق جملة بل (٤) وذمها. وقد روى الطبراني من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: " «دخل إبليس العراق فقضى فيها حاجته، ثم دخل الشام فطردوه، ثم دخل مصر فباض فيها وفرخ، وبسط عليها عبقرية» " (٥) ولا يقول مسلم بذم علماء العراق لما ورد فيها، وأكابر أهل (٦) الحديث

стр. 357

وفقهاء الأمة وأهل الجرح (١) والتعديل أكثرهم من أهل العراق، وإمام السنَّة أحمد بن حنبل، وشيخ الطريقة (٢) الجنيد بن محمد، وعلَم الزهَّاد الحسن وابن سيرين، وأبو حنيفة وأصحابه، وسفيان الثوري وأصحابه، وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه ومحمد بن إسماعيل، ومسلم بن الحجاج، وأبو داود وأصحاب السنن وأصحاب الدواوين الإسلامية، كلهم عراقيو الدار مولداً أو (٣) سكنى، والليث بن سعد، ومحمد بن إدريس وأشهب، ومن قبل هؤلاء كلهم سكن العراق ومصر، وجملة (٤) من أكابر أصحاب رسول الله " ﷺ ، ومن التابعين (٥) بعدهم. ومن عاب الساكن بالسكنى والإقامة في مثل تلك البلاد، فقد عاب جمهور الأمة، وسبهم، وآذاهم بغير ما اكتسبوا، وقد داول الله الأيام بين البقاع والبلاد، كما داولها بين الناس والعباد. قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] [آل عمران: ١٤٠] . وكم من بلد قد (٦) فتحت، وصارت من خير بلاد المسلمين بعد أن كانت في أيدي الفراعنة والمشركين، والفلاسفة والصابئين، والكفرة من المجوس والكتابيين؟ بل الخربة التي كانت بها قبور المشركين صارت

стр. 358

مسجداً هو أفضل مساجد المسلمين بعد المسجد الحرام؟ ودفن بها أفضل المرسلين وسادات المؤمنين. ولا يعيب شيخنا بدار مسيلمة إلا من عاب أئمة الهدى ومصابيح الدجى بما سبق في بلادهم من الشرك والكفر المبين، وطَرْد هذا القول جراءة على النبيين وأكابر المؤمنين. وهذا المعترض كعنز السوء يبحث عن حتفه بظلفه، ولا يدري؟ وقد قال (١) بعض الأْزهريين: مسيلمة الكذاب من خير نجدكم، فقلت: وفرعون اللعين رئيس مصركم فبهت. وأين كفر فرعون من كفر مسيلمة لو كانوا يعلمون؟ وأما قوله في كلام مسيلمة " يا ضفدع بنت ضفدعين: فإن كان هذا ينسبه إلينا، ويرى أننا آمنا بكلام مسيلمة، فهو لا يفرِّق بين دين محمد بن عبد الله الرسول الصادق الأمين، ودين مسيلمة الكذاب المهين، وإن كان هذا المعترض يعلم أننا كفرنا بمسيلمة وآمنا بالله ورسوله فما وجه ذكر مسيلمة وكذبه؟ لولا الحماقة والسفاهة، والجهالة والوقاحة؟ وقد تقدَّم أن طرد هذا الكلام يوجب ذم كل من سكن بلدة من بلاد المسلمين التي سكنها قبله أعيان المشركين، ورؤوس الكافرين، فأي أحد يبقى لو طرد هذا؟ وقد قال ﷺ : " «لو كان الإيمان معلقاً بالثريا لناله رجال من فارس» " (٢) مع أن بلادهم من شر البلاد، عبدت فيها الأوثان والنيران، وكُفر فيها (٣) بالله الذي لا إِله إلاَّ هو الرحمن (٤)

стр. 359

(وكذلك ما ذكر من قصتهم مع) (١) ما فيها من الكذب (٢) إنَّما هو، مجرَّد تمويه وهذيان ليس من محل النزاع في شيء.] [دفاع عن لغة تميم وبني حنيفة وبيان أن الشيخ من رؤس تميم] وأما قوله: (وقد نصَّت العرب، وصحَّ عنها بأجمعها أن لغة أهل اليمامة أرك اللغات قال: فأين تأتي لهم الفصاحة والمعرفة، وقد أثبت فيهم النبي ﷺ . وقال الصدِّيق ﵁ فيهم: لا يزالون في فتنة من كذَّابهم، وهو ﵁ صادق الفراسة، وبعد هذا وجد منهم مائة وستون (٣) رجلاً بمسجدهم بالكوفة يقرءون كلام مسيلمة الكذاب، فأتى بهم لابن مسعود وهو عليها هو وعمار أمير فقتل إمامهم ابن النواحة وفرقهم في القبائل وأجلى (٤) من أجلى منهم إلى الشام) . والجواب أن يقال لهذا الغبي: إن شيخنا رحمه الله تعالى من رؤوس تميم وأعيانهم، وليس من بني حنيفة، وتميم قبل الإسلام وبعده هم رؤوس نجد وسادته، ولغتهم أفصح اللغات وأفضلها بعد لغة قريش، ولا يذكر مع لغة قريش، غالباً إلاَّ لغة تميم كما يذكره النحاة وغيرهم، وهم ممن قاتل بني حنيفة مع خالد وأبلوا (٥) بلاءً حسناً، وأقطع خالد بن الوليد أفخاذاً منهم أودية معروفة بنجد من اليمامة وغيرها، فلو فرضنا أنَّ بني حنيفة فيهم ما ذكر من جهة لغتهم وعدم فصاحتهم، فأين الشيخ منهم؟ وسكنى الدار لا تؤثر، فإن الصحابة سكنوا مصر وبلاد الفرس، وفضلهم

стр. 360

لا يزال في مزيد، وإيمانهم قهر أهل الكفر والشرك والتنديد، وعادت تلك البقاع والأماكن من أفضل مساكن أهل التوحيد. وأما قوله: (إنَّ العرب نصَّت على أن لغة أهل اليمامة أركّ اللغات فأين تأتي لهم الفصاحة) ؟ . فبنو حنيفة من أعيان العرب ورؤوسهم، وهم من أفصح اللغات، ولا أصل لقول هذا المعترض، ما قال أحد بعيب لغتهم وذمها (١) وقوله: (نصت العرب) . دليل على كذبه وجهله بمعاني الكلام، فإن العرب يدخل فيهم من ليس بأعجمي النسب واللسان، فيقع على من سكن الجزيرة بأجمعها إلى حدود مصر والشام، ومن ساحل (٢) اليمن إلى ساحل (٣) العراق، وأين نصّ هؤلاء؟ ومن الذي قاله منهم؟ وهذا أبلغ من حكاية الإجماع. وأما قوله: (فأين تأتي لهم الفصاحة) ؟ . فهذا تركيب ركيك، فإن "أتى يأتي " يتعدَّى بنفسه، فالركيك تركيب المعترض وكلامه. [المدح والذم الشرعيين يتوجهان إلى الإيمان والكفر لا إلى سكنى الأرض أو الانتساب إلى قوم] وقوله: (وقد أثبت فيهم النبي (٤) ﷺ الجفا) . فيقال: عيب بني حنيفة أكبر من الجفاء وأغلظ (٥) وأما الجفاء فلم

стр. 361

[١٤٩] ، يرد فيهم لفظة واحدة، وإنما ورد في أهل الوبر والشعر، كقوله ﷺ : " «الغلظة في الفدادين أهل الوبر والشعر» " (١) وقال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٧] [التوبة -٩٧] . ومع هذا فقد أثنى الله تعالى على من آمن بالله واليوم الآخر منهم واستثناهم من العموم. قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ٩٩] [التوبة -٩٩] . فمن آمن بالله ورسوله (٢) وكذَّب مسيلمة، ولم يؤمن به، فهو من المؤمنين. وقد ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا (٣) وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ (٤) . ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢] (٥) [التوبة: ٧٢] وأما قول الصدّيق (٦) فإن. فالمراد به من آمن بمسيلمة وأدركه منهم،

стр. 362

كما وقع من ابن النواحة (١) وأما من بعدهم من نسلهم وذراريهم المؤمنين فلا يتوجه إليهم ذم ولا عيب، والصدّيق أجلّ من أن يعيب من لم يؤمن بمسيلمة ولم يشهد عصره، وآباء أصحاب رسول الله ﷺ وأسلافهم (٢) كانوا على جاهلية وشرك وعبادة للأصنام والأحجار وغيرها، ولا يتوجَّه عيب أحد منهم بأسلافه، وقد يُخرج الله من أصلاب المشركين والكفار من هو من خواص أوليائه وأصفيائه، ولما استأذن ملك الجبال رسول الله ﷺ أن يطبق عليهم الأخشبين- لما رجمه أهل الطائف- ودعا بدعائه المشهور وهو قوله: " «اللهمَّ إليك أشكو ضعف قوَّتي وقلَّة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهَّمني؟ أو إلى قريب» (٣) ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضبٍ (٤) عليّ فلا أبالي، غير أن عافيتك (٥) أوسع لي، لك العتبى حتى ترضى، أعوذ بنور وجهك أن ينزل بي سخطك، أو يحلّ عليّ غضبك) فاستأذنه المَلَك عند ذلك (٦) فقال: ( «بل أتأنى بهم لعلَّ الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده ولا يشرك به شيئاً» ) (٧)

стр. 363

إذا عرفت هذا فشيخنا ليس من بني حنيفة أصلاً، والقصد بيان كلام الصديق وما أريد به. وأما قوله: (وقد وجد منهم مائة وستون رجلاً بمسجدهم بالكوفة يقرءون كلام مسيلمة) . فهذا كذب. القصة ليست كذلك؟ (بل هم بضعة عشر رجلا، لم ١٥٥، يقرءوا قرآنه) (١) وإنَّما تكلَّموا في نبوَّته وجَوَّزُوهَا، وهذا الرجل بضاعته الكذب على الله وعلى خلقه، فنعوذ بالله من درك الشقاء وسوء القضاء. ثم لو فرض أن من بني حنيفة عالماً يدعو إلى الله، فما وجه عيبه وذمه بقومه، وقد خالفهم في الإيمان والدين؟ وسلمان الفارسي وصهيب الرومي، وبلال بن (٢) رباح ﵃ من أفضل الناس، وأسلافهم من شرّ الناس؟ بل (٣) والرسل أفضل الخلق وأكرمهم على الله، والمكذبون لهم من قومهم أكثر من المستجيبين، وابن نوح على أبيه السلام لم ينتفع بإيمان أبيه ورسالته، ولم ينل بذلك ما يوجب سعادته وفلاحه، وهذا المعترض جاهلي الدين والمعرفة (٤) والمذهب.

стр. 364

[فصل في بيان كذب المعترض في إيقاع وصف سفهاء الأحلام على أهل نجد] فصل قال المعترض: (فصار بذلك موضعهم قابلا للبهتان إلى هذا الزمان، ومن أنكر عليهم من أهل نجد قتلوه ونهبوه والباقي أجلوه، فصح بهذا أنهم من الذين وصفهم رسول الله ﷺ بأنهم سفهاء الأحلام) . والجواب أن يقال: هذا كذب على رسول الله ﷺ لم يصف أهل نجد وأهل اليمامة (١) بهذا، ولا دخل في وصفه من يؤمن بالله ورسوله منهم ولا من غيرهم، بل الموصوف بإجماع المسلمين هم الحرورية الخارجون على عليّ بن (أبي طالب) (٢) ﵁ الذين قاتلهم علي بالكوفة والبصرة وما يليها، وفيهم من بني يشكر ومن طيّ وتميم وغيرهم من قبائل العرب، ودارهم ومسكنهم بالعراق، ولا يُخْتلف في هذا، فدارهم دار أشياخك ومحل إقامتك الذي نشأت به، وأثنيت على أهله، وهي دار سفهاء الأحلام بنص الحديث وبإجماع الأمة، ودولتهم وشوكتهم كانت هناك دون النهر، ولذلك نسبوا إليها، فقيل: أهل النهروان، وحروراء بلدة هناك (٣) نسبوا إليها، فقيل: الحرورية. فأين في الحديث أنَّ

стр. 365

أهل اليمامة منهم (١) .؟ ما أقبح الكذب، وما أعظم (٢) . خزي مبديه، وفي هجنة كلام المعترضين واستقباح مذهبه ما يقضي بسفاهة رأيه وعظيم عطبه. ما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه ثم في زعمه أن الموضع قابل (٣) للبهتان: إن قصد به المحل كما هو ظاهر عبارته، فقد سبَّ الأرض، والموضع المطيع لله الشاهد بوحدانيته بما أودع فيه من الآيات، وذرأ من البريات، وهو (٤) . انتقال من مسبة [١٥١] الساكن إلى مسبة المسكن، وإن أراد أهله وسكانه ففيه عيب كل مسلم، ووصفه بقبول البهتان والشك من عهد مسيلمة إلى هذا الزمان، فسبحان من (٥) . طبع على قلبه، وحال بينه وبين العلم والفهم.

стр. 366

[فصل في رد دعوى المعترض أن الشيخ جعل بلاد الحرمين بلاد كفر وبيان أن الإيمان لا يختص به بلد من البلدان] فصل قال المعترض: (ومع ما ذكرناه جعل هذا الرجل مواضع (١) . دعوته ﷺ ومنبع النبوات بلاد كفر، لا يجوز السفر إليها، ومن جاءه منها راغبا لدنياه سماه مهاجرا، قد صحَّ عنه ﷺ في (٢) . الصحيح: " «إن الإيمان يأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» " (٣) . وأنها آخر بلاد المسلمين خرابا في آخر الزمان، فصح أن الإسلام ملازم (٤) . لها، وأرشد ﷺ إلى الشام أيام الفتن (٥) . وأنها عقر الإسلام ومعقل الإيمان، ومع ذلك صوب هذا الرجل نفسه على خطئه، وخطَّأ علماء الأمة، وكفّرهم بخطئه، وقد قدمنا استشهاد الله تعالى جلَّ ذكره (٦) . بهم، وما رواه ابن عدي والبيهقي عنه ﷺ أنه قال: " «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله» " (٧) .

стр. 367

والجواب أن يقال: قد تقدَّم أن هذه الدعوى التي ادعاها المعترض على شيخنا من جعله الحرمين بلاد كفر دعوى كاذبة ضالة؛ وأن الشيخ رحمه الله تعالى من أعلم الناس وأعدلهم في قوله وفعله، على منهاج مستقيم، ولا يمكن أحد إثبات هذه الدعوى وتصحيحها بوجه من الوجوه، والكلام في هذه المواضع يجب أن يكون بعدل وعلم (١) . ومن فقد ذلك فقد ضلَّ عن سواء السبيل وأضلّ. وأما قوله ﷺ : " «الإيمان يأرز إلى المدينهّ كما تأرز الحية إلى جحرها» ": فرسول الله ﷺ الصادق المصدوق، والذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، والشأن كل الشأن في الفقه عن الله ورسوله ومعرفة مواقع خطابه. وأما الكلام في هذه المباحث من الأغمار والجهال، الذين لا عناية لهم بمعاني الكتاب والسنَّة، ولا دراية لهم بتقارير علماء الأمة: فالمحنة بهم عظيمة، وطريقتهم (٢) . غير عادلة ولا مستقيمة، ليس في الحديث ما يفيد أنه لا يتعدَّاها إلى غيرها من البلاد والمواضع، وليس فيه ما يفيد إيمان جميع من سكنها واستوطنها، وقد وجد في زمانه من أهل النفاق كثير في المدينة، وسكنها بعده ﷺ كثير من أهل البدع والمارقين، وفي هذه الأزمان جمهور أهل العوالي وما يليها رافضة من غلاة الرافضة، وكلامهم في أصحاب رسول الله ﷺ ومسبتهم لأم المؤمنين معروفة [١٥٢] مشهورة، والحكم الكلي الأغلبي لا يلزم إطراده.

стр. 368

ثم يقال لهذا الغبي: أخبرنا ما الفرق بين هذا وبين قوله ﷺ : " «الإيمان يمان والحكمة يمانية» " (١) .؟ إن قلت إن الإيمان لا يفارق اليمن في كل وقت وزمان، وَرَدَ عليك الأسود العنسي وأمثاله من المرتدين والمارقين في كل وقت وحين. وقوله: (وأرشدهم (٢) . ﷺ إلى الشام أيام الفتن) إلى آخره. فيقال له: إذا كان الشام عقر الإسلام، ومعقل الإيمان، فهذا من الأدلة على أن الإسلام والإيمان (٣) . لا تختص به المدينة ولا غيرها من البلاد الإسلامية، وأن الله يداول الأيام بين البلاد والعباد، فحينا تكون الشوكة والدولة الإسلامية بالحجاز والحرمين، كما كان في عهد النبوة وفي الخلافة (٤) . التيمية، والخلافة (٥) . العدوية، والخلافة الأموية، والخلافة العلوية، وحينا في الشام كالولاية المروانية، وحينا بالعراق كالدولة العباسية، وحينا في غيرها من البلاد، كما يشهد لذلك (٦) . الواقع، فإنَّ الإفرنج ملكوا بيت المقدس، واستولوا على خير بلاد الشام وأفضلها دهرًا طويلًا حتى استنقذها من أيديهم الملك الصالح من السلاطين (٧) . المصرية،

стр. 369

واستولى على ساحل الشام طوائف من النصارى بعد ما سبق فيه من القوة والصولة الإسلامية، ثم استحال جبل النصيرية والإسماعيلية إلى (١) . الكفر العظيم، والغلو في أئمتهم، وترك التزام أحكام الإسلام. وبهذا تعرف أن العموم مخصوص، والإطلاق مقيد، والعبرة بالغالب الأكثر (٢) . وجاء عنه ﷺ أن الإيمان يكون بالشام (٣) . حين تكون الفتن (٤) . وأما حديث: " «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله» ": فقد ثبت وصحَّ عن أحمد وغيره من الأئمة أنَّ المراد به علم الحديث المشتمل على بيان الكتاب وتفسيره وتقرير الأحكام الدينية الأصولية والفروعية، وهذا بحمد الله لنا لا علينا، فإن شيخنا قد شهد له الجمّ الغفير والخلق الكثير بأنه من حملة هذا العلم، ومن أئمته المقتدى بهم فيه، ولولا خشية الإطالة لبسطنا القول في ذلك، وفيما كتبناه كفاية.

стр. 370

[فصل في رد دعوى المعترض إجماع الأمة على قبول البردة والرضا بها] فصل قال المعترض: (وقد أجمعت (١) الأمة أنها لا تجمع (٢) على ضلالة، وهذا يقول: اجتمعت وأجمعت. فهذه البردة لها قدر ستمائة سنة تداولها علماء الأمة، وتشرحها هي والهمزية، ويتهادون شرحها بينهم بغالي الأثمان، وأبلغ من هذا كتبها بماء الذهب دائر الحجرة الشريفة، فلما (٣) دخل هؤلاء المدينة المنوَّرة أيام توليهم عليها أرادوا حكها فلم يستطيعوا ذلك، فلزقوا عليها الورق. ولست أحكي هذا عن غيري، فهلا (٤) أنكرها عالم من علماء المسلمين، وما من علماء الأمة إلا منْ شاء الله من لا دخل المدينة المنوَّرة ورآها. وليست خفية؛ بل هي أشهر من "قفا نبكِ" (٥) وقد علم (٦) حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما علم، أليس هم أعلى من الشهداء حالا بعد الموت؟ وقد أخبر الله أنهم: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ - فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠] الآية [آل عمران -١٦٩، ١٧٠] .

стр. 371

ألم يعلم هذا الرجل أن النبي ﷺ في معراجه مرَّ بكليم الرحمن موسى بن عمران وهو يصلي في قبره، ومرة كما في الصحيحين من حديث مالك بن صعصعة ﵁ في السماء السادسة، ونصحه واستنصحه وسقم عليه وعلى الأنبياء في السماوات، فردوا عليه ورحَّبوا به، وقد صلَّى بهم قبل في بيت المقدس (١) عند الصخرة عليه وعليهم (٢) أفضل الصلاة والسلام، أفيظنهم هذا الرجل أمواتا في عالم العدم، أم (٣) يريد أن يمنع عنهم (٤) ما أعطاهم الله من الكرامة، ويقيسهم على نفسه التي قد (٥) تراكمت عليها ظلمات الزيغ والأهواء بعضها فوق بعض، حيث يرى الحق في صورة الباطل؟ أو ليس هو ﷺ أفضل أولي (٦) العزم من الرسل؟ أليس الله قد أعطى من هو دونه (٧) بالفضل عيسى بن مريم ﵊ إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص؟ أليس هو يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله؟ أفيظن هذا الرجل أن هذه الأمور من عيسى ﵇ من دون الله؟ . بل قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] [آل عمران -٥٩] .

стр. 372

والجواب أن يقال: أما قوله: (إنَّ الشيخ يقول: اجتمعت (١) الأمة وأجمعت على ضلالة) : فهذا من أبلغ (٢) الكذب وأعظم الإفك والافتراء، وقد نزَّه الله الشيخ وأمثاله من أهل العلم عن قول الزور وشهادته، وأظن هذا الغبي يشير إلى أن الأمة من روى البردة واستحسنها واعتقدها، مع أن الشيخ لم يتكلَّم فيهم، ولا بحث في حال من رَوَاها وقرَّرها، وإنَّما الكلام في نفس القول الذي اشتمل على الغلو والإطراء، ولم يتجاوز هذا شيخنا (٣) ولم يبلغنا عنه حرف في تضليل من قرأها، وقد يقرؤها الإنسان ويتصفحها وهو منكر لما يجب إنكاره فيها، ثم لو فرض أن الشيخ ضلِّل هؤلاء أيقال: هم الأمة، أين أهل القرون الستة الأول (٤) ؟ أين من بعدهم من الأمة إلى عصر الشيخ؟ وغاية ما عندكم عد رجال قليلين رووها، أفتحصر الأمة في هذا [١٥٤] العدد اليسير الذين (٥) لا يعرف أحد منهم بعلم سوى رجلين أو ثلاثة، وهم دون نظرائهم؟ سبحانك هذا بهتان عظيم، وهل شرحها من الأمة من يُعرف (٦) له لسان صدق في المسلمين؟ ما أقبح الفرية! وما أشد جنايتها!! . وأمَّا كتبها بماء الذهب: فمن كتبها ومن وضعها؟ أهم أهل العلم وسادات الورى؟ أم الملوك والسلاطين والوزراء، إن كان فعلهم حجَّة فقد

стр. 373

وضعوا القباب والمكوس، وبعضهم وضع مهور البغايا. ليت (١) هذا خرس وستر على نفسه هذه الخزية الشنعاء، والقولة العمياء، ما أقبح الحَوْر بعد الكور (٢) . قال رجل من أهل البيت عند ربيعة بن عبد الرحمن: أرأيت إن غلب الجهال حتى صار الأمر إليهم، أهم الحُكَّام على السنة؟ فقال ربيعة: أشهد أن هذا كلام أولاد الأنبياء (٣) وأما قوله: (فلما دخل هؤلاء المدينة المنورة أرادوا حكها فلم يستطيعوا ذلك فألزقوا عليها الورق) . فيقال له (٤) هذا من مناقبهم وأدلة علمهم، فإن أهل العلم لا يختلفون أن هذا من البدع (٥) التي لم يدل عليها كتاب ولا سنة؟ بل قد ثبت (٦) النهي عن ذلك (٧) وقرر (٨) الفقهاء المنع من الكتابة على القبور والقباب وعلى جدران المساجد ونحوها، ولم يكن أحد من أصحاب

стр. 374

رسول الله ﷺ ولا خلفائه الراشدين (١) ولا أهل القرون المفضلة يفعل ذلك لا في حياته ولا بعد مماته بأبي هو وأمي، والخير في اتباع من سلف، والشر في ابتداع من خلف، وما تركه أهل العلم من أهل (٢) القرون المفضَّلة وأئمة الهدى فلا شك في ذمه، وإلحاقه بشرِّ المحدثات، وطرائق أهل الضلالات، ولولا خوف الإطالة لذكرت من الأدلَّة والبراهين ما يقضي أن هذا من المحرمات والمنكرات التي تجب (٣) إزالتها، ولو خلت عن الإطراء والغلو، فكيف وقد اشتملت على (٤) ذلك (٥) . وأمَّا رؤية العلماء لها: فليست دليلا على إقرارهم، والأمر في هذا (٦) إلى الملوك لا إليهم، وقد تأخَّر وضعها إلى القرن الحادي عشر الذي عفت آثار العلم فيه، وقلَّ من يعرفه ويدريه. [حياة الأنبياء والشهداء بعد موتهم لا تدل على أنهم بقصدون للدعاء والاستغاثة] وأما قوله: (وقد علم الله من حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما علم. . .) إلخ كلامه: فحاصل هذه الدعوى أن الأنبياء أحياء، وأنهم أعلى من الشهداء حالا بعد الموت، وهذا حق لا ريب فيه، ولا ينازع فيه مسلم، والأمر أبلغ

стр. 375

من ذلك وأرفع، ولكن هذا لا لدل على صحة دعوى هذا (١) الرجل: من أنهم يقصدون للدعاء والاستعانة والاستغاثة، فإن فضلهم وحياتهم وكرامتهم ونبوتهم ورسالتهم لا تقضي صرف حق الله إليهم، وتنزيلهم منزلته تعالى في القصد والدعاء، والخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، ولا يوجب ذلك صرف الوجوه إليهم بشيء من المطالب والمقاصد التي [١٥١] بيده تعالى، ومنه عطاؤها وقسمها ومنعها، وتدبيرها وتيسيرها. وقد قال تعالى (٢) ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] [آل عمران -١٤٤] . قال بعض الأفاضل: نزَّل استعظام موته منزلة جعله إلها، ولذلك قال: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] (٣) [آل عمران -١٤٤] . وقال تعالى: ﴿قُلْ (٤) إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١] [الجن -٢١] . وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] [القصص -٥٦] . وقد قال لابنته (٥) وبضعته: " «يا فاطمة بنت محمد (٦) لا أغني عنك

стр. 376

من الله شيئا» " (١) أفيظن هذا الغبي أن الرسالة والنبوة والكرامة والحياة البززخية أو الدنيوية توجب صرف القلوب إلى غير الله، وقصد من سواه، واتِّخاذ الأنداد والشفعاء (٢) ؟ وقد ذكر الله هذا عن المشركين وقرَّر كفر فاعله، وأخبر أنهم لا يملكون (٣) لهم ضرًّا ولا نفعا، ولا (٤) موتا ولا حياة ولا نشورا. وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠] [آل عمران -٨٠] . فأخبر تعالى أن قصدهم (٥) بالعبادات، والالتفات إليهم بالتألهات اتخاذ (٦) لهم أربابا، وأنه كفر بعد الإسلام. ودندنة (٧) هذا المعترض بذكر الحياة ونفي الموت عنهم، وأن عيسى أعطي إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وأنه يخلق من الطين كهيئة الطير، وأنَّ نبينا أفضل منه؛ كل هذا دندنة (٨) حول دعائهم مع الله، وأنهم يقصدون لتلك المطالب، وقد علم أنَّ النزاع بيننا وبينه في دعائهم للشدائد، ونسبة علم الغيب إليهم، وأن الدنيا والآخرة من

стр. 377

جوده (١) ﷺ ومن فيض كرمه، هذا محل النزاع، فأخذ الغبي يستدل على ذلك بما لهم من الكرامة (٢) والحياة التي هي فوق حياة الشهداء، وأن عيسى يحيي الموتى ونبينا ﷺ أفضل منه، وقصده أنه يدعى لمثل ذلك، وما هو أبلغ منه، والنصارى احتجُّوا على دعاء عيسى وعبادته وإلهيته بهذه الحجج [الداحضة] (٣) وأمثالها، فنعوذ بالله من الخسران. صار قصارى أمر هذا الرجل وغاية دينه، أن يحتج بالمعجزات والكرامات على دعاء غير الله، اللهمَّ (٤) مقلِّب القلوب ومصرفها صرِّف قلوبنا إلى طاعتك وتوحيدك والإيمان بك وبرسلك. وأما قوله: (أفيظنهم هذا الرجل أمواتا) . فعبارة جاهل لا يفرّق بين حياة الأنبياء والشهداء بعد الموت، وحياتهم في الدنيا، فظن الغبي أنها هي الحياة الدنيوية؛ (ولذلك نفى الموت، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] [الزمر -٣٠] . [١٥٦] والحياة) (٥) البرزخية تجامع الموت ولا تنافيه كحال الشهداء. وقد تقدم أنَّ هذا الرجل أشبه برجال (٦) الجاهلية الأولى، لم (٧)

стр. 378

يأنس بشيء مما جاءت به الأنبياء (١) . وأمَّا ما رصف به الشيخ وحكم عليه به من تراكم الزيغ والأهواء ورؤية الحق في صورة الباطل: فالحكم بينه وبينه في هذا ونحوه إلى الله تعالى (٢) إِن يومَ الفصل ميقاتهم (٣) أجمَعين [للدخان - ٤٠] . وإنَّما أردنا بيان ما جاء به رسول الله ﷺ من التوحيد والهدى، وكشف ضلال أهل الزيغ والردى، وأما المقاصة فلسنا بصددها، وإن كان قد أذن لمن شاء أن ينتصر فيها.

стр. 379

[فصل في رد دعوى المعترض أن طلب الشفاعة ممن له شفاعة أو قرب يسوغ ولا يحرم وليس بشرك وأنه من جنس سؤال الأحياء ما يستطيعونه] فصل قال المعترض: (وهل طلب شرف الدين إلا مما أعطيه، فهل (١) من سأل عيسى ﵊ خلق الطير الذي أعطيه يكون كافرا مشركا عند هذا الرجل؟ أو يقول إن الرسول ﷺ غير موجود أو أنه في عالم العدم؟ أو يقول: إن جاهه عند ربه انقطع بموته؟ فما بال صدِّيق هذه الأمة ﵁ يقول لخاتم المرسلين (٢) بعد موته يخاطبه: "اذكرنا يا محمد عند ربك ولنكن من بالك "، ولم يقل له ذلك في حياته إلا لعلمه بقربه من ربه بعد موته، وعظم جاهه عنده أعظم من كونه في الحياة، وهذا الرجل يجعل هذا من الشرك الأكبر، فهو أعظم من الصدّيق وأقرب إلى الله تعالى ورسوله منه، وهل هذا من عبادة غير الله تعالى جلَّ ذكره في شيء؟ بل الكل من عند الله: الرسول ﷺ وما أعطيه لأمته، فما لهؤلاء القوم لا يفقهون (٣) حديثا، وإنما الشرك- قاتلهم الله أنى يؤفكون-: طلب ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، ولم يعطه (٤) أحدا من خلقه كهداية القلوب

стр. 380

وشفاء المريض، وإنبات النبات وطلب الذرية، ونحو ذلك، وكذلك قصد غيره بالعبادة من دونه ﵎. كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] [الأنعام -١٦٢، ١٦٣] . والجواب أن يقال: قاتل الله من أفَّك عن دينه وتوحيده (١) وما جاءت به الرسل من عنده، من الإيمان والإسلام وإفراده بالطاعة والعبادة، ورضي الله عمن دعا إلى توحيده وأمر بطاعته، ونهى عن الشرك به، واتخاذ الأنداد له، وأن تصرف الوجوه إلى (٢) غيره عبادة واستغاثة وتوكلا ورجاءً. وحاصل كلام هذا الرجل وتقريره (٣) أن الطلب من الرسول ﷺ أو غيره ممن له شفاعة أو قرب وجاه (٤) يسوغ ولا يكره ولا يحرم؛ لأنه ليس بشرك، بل هو من جنس سؤال الأحياء من (٥) الآدميين ما يستطيعونه من الأسباب العادية، وهذا هو المقصود له من ردِّه واعتراضه من أول رسالته، ولم ينكر على شيخنا سوى تجريد التوحيد، وإفراد الله بالقصد والعبادة، والخصومة في هذا قديمة ليس هذا أول قائل بدعاء [١٥٧] الموتى والاستغاثة بهم، وطلب الحوائج منهم (٦) والمهمَّات من جهتهم،

стр. 381

ومن قال بأن رسول الله ﷺ بعد موته (١) أولى بالمسألة والطلب منه في حال حياته الدنيوية، وأنَّ ما جاز طلبه (٢) في الحياة يطلب منه بعد الممات، فقد فتح باب الشرك والتنديد، وصدف عن توحيد الله العزيز الحميد، لأن هذا هو قول الصابئة المشركين، ومذهب الجاهلين الأميِّين؛ بل صريح كلام هذا المعترض: أن الميت يسأل مما أعطيه، وأنه بيده يفعل ما يشاء من عطاء ومنع. وجمهور المشركين لم يقولوا هذا؛ وإنَّما قالوا: إنَّ الميت المعظم يقربهم إلى الله زلفى، ويشفع لهم عنده فهو واسطة على زعمهم. وأما المعترض فجعل ذلك من جنس ما يسأله الميت ويطلب منه في حال حياته، لا على سبيل الوساطة، بل كما يسأل الملاك ما بأيديهم. فالرجل وصل إلى حد أحجم دونه أكثر المشركين، ولم يقتحموه خوف الشناعة والضلالة. وحينئذٍ فيقال: هذه دعوى- وهي الطلب من الأموات ما يطلب منهم في الحياة- دعوى كبيرة غليظة، ليست كغيرها من الدعاوى، فيحتاج مدعيها إلى ما يثبتها من الأدلة الشرعية، والقوانين المرضية، والسيرة السلفية، وأما المقاييس الفاسدة فلا تفيد هنا، وقد قال بعض السلف: (ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس) ، وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وهذه سنَّة رسول الله ﷺ وسيرة الخلفاء المهديين وأهل القرون المفضلة، أي آية وأية سنَّة، وأي عالم من أهل القرون

стр. 382

المفضلة (١) قال بهذا أو (٢) ذهب إليه؟ . بل الأدلة والنصوص متواترة متظاهرة على أن طلب الحوائج من الموتى، والتوجه إليهم شرك محرم، وأن فاعله من أسفه السفهاء وأضل الخلق، وأنه ممن عدل بربه وجعل له أندادا وشركاء في العبادة التي لا تصلح لسواه، ولا تنبغي لغيره، وأنه أصل شرك العالم، وقد حكى الإجماع على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) في مواضع من كلامه، وكذلك ابن قيّم الجوزية (٤) قرَّر تحريمه، وأنه من الشرك الأكبر، وأنه أصل شرك العالم في كتابه "إغاثة اللهفان " (٥) وغيره، وابن عقيل كفَّر بطلب الحوائج من الموتى، ودسّ الرقاع فيها: (يا مولاي، افعل بي كذا وكذا) . ولم يخالف في ذلك أحد من أهل العلم. واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [الجن -١٨] . و (أحدا) نكرة في سياق النهي فتعم الرسل وغيرهم. وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦] [يونس -١٠٦] . وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] [المؤمنون -١١٧] . وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام: ٤٠] الآية [الأنعام -٤٠] .

стр. 383

وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧] [الإسراء -٥٦، ٥٧] . قال طائفة من السلف: نزلت فيمن يعبد المسيح وأمه وعزيرا (١) وقالت طائفة: نزلت فيمن يعبد رجالا من الجن أسلم المعبودون وبقي من يعبدهم من العرب على (٢) شركه، وقيل: نزلت في الملائكة. قال شيخ الإسلام تقيّ الدين (٣) (والآية تعمّ هذا كله وكل من دعا معبودا من دون الله ومعبوده يبتغي الوسيلة إلى ربه بالإيمان به وطاعته، فإنه داخل في عمومها) . والآية قبلها (٤) صريحة في أن المشركين المخاطبين يخلصون الدعاء عند الشدَّة، وأنهم إن أتاهم العذاب، أو أتتهم الساعة- وهي الحادث العمم- لا يدعون غير الله؛ ولا يلتفتون لسواه، ولذلك استدلَّ الله (٥) تعالى عليهم بذلك في معرض (٦) الأمر بتوحيده، وإفراده بالعبادة على كل حال في الرخاء والشدَّة، وأين هذا من طلب (٧) الأنبياء ودعائهم للحادث العمم أو غيره؟ والآيات قبلها دالَّة على تحريم دعاء الموتى مطلقا؛ لأنه

стр. 384

ليس من جنس الأسباب العادية، بل من دعاهم فهو يرى ويعتقد أن لأرواحهم قدرة وعلما بحاله، وسمعا ليس من جنس قدرة (١) العباد وعلمهم وسمعهم، والدعاء في هذه الآيات يشمل نوعي الدعاء: دعاء العبادة ودعاء المسألة، فما تقدَّم من الآيات دال على تحريم دعاء الأنبياء والصالحين دعاء عبادة أو دعاء مسألة. قال ابن عبد الهادي في "الصارم المنكي" (٢) (وليس أحد من البشر بل ولا من الخلق، يسمع أصوات العباد كلهم، ومن قال هذا في بشر فقوله من جنس قول النصارى الذين يقولون: إن المسيح هو الله، وأنه يعلم ما يفعله العباد، ويسمع أصواتهم، ويجيب دعاءهم. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ٧٢]- إلى قوله- ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٦] [المائدة -٧٢، و ٧٦] . فلا المسيح ولا غيره من البشر، ولا أحد من الخلق يملك لأحد من الخلق ضرًّا ولا نفعا بل ولا لنفسه، وإن كان أفضل الخلق. [١٥٩] قال تعالى (٣) ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١] (٤) [الجن -٢١] .

стр. 385

وقال تعالى في (١) ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام: ٥٠] الآية [الأنعام ] وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] [الأعراف -١٨٨] ) . انتهى كلام ابن عبد الهادي. وقول المعترض: (وهل طلب شرف الدين إلا مما أعطيه؟ فهل من سأل عيسى ﵊ خلق الطير الذي أعطيه يكون كافرا مشركا) . فهذه شبهة واهية، فإن من سأل عيسى خلق الطير أو غيره، بعد رفعه إلى السماء كافر مشرك بإجماع المسلمين؛ بل ولا يجوز ذلك (٢) مطلقا قبل رفعه، والرسول ﷺ أُعطي الشفاعة (٣) بمعنى أنَّ الله يشفعه، ويحد له حدًّا يدخلهم الجنة، ويريح الخلق من هول الموقف وكربه، وقد دلَّت الآيات والأحاديث أن المالك للشفاعة هو الله وحده، وأنها لا تنال إلا بما ربطها الله به من الأسباب وهي التوحيد والإيمان والإخلاص، كما دلَّت عليه الآيات الكريمات، وكما دلَّ عليه حديث أبي هريرة، وأنها متوقفة على الإذن والرضى منه تعالى، وليس طلب الرسول سببا لنيلها وتحصيلها، لا سيَّما بعد موته ﷺ ولم يدل دليل (٤) على مشروعية ذلك ولا فعله أحد

стр. 386

يحتج به، فهو من أضل البدع وأبعدها عن هديه ﷺ وهدي من قبله من الأنبياء. وليس قولهم: (إنه أعطى الشفاعة) بمعنى: ملكها وحازها، كسائر العطايا والأملاك التي يعطاها البشر. وأيضا: فإن الله يعطي رسله وأولياءه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أفيقال: إنَّ الله أعطاهم ذلك، وملَّكهم إياه فيطلب منهم، ويرغب إليهم فيه؟ فإن كان ذلك مشروعا وسائغا فالشفاعة من جنسه، مع أن الشفاعة قيدت بقيود لم تقيد (١) بها هذه العطايا والمواهب السَّنِيَّة. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٤٤] الآية [الزمر -٤٤] . وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] [الأنبياء -٢٨] . وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [﴾ [البقرة: ٢٥٥] البقرة -٢٥٥] . وأما غير الشفاعة مما أعطيه أهل الجنة: فقد ذكر تعالى أنه حرمه على الكافرين. وكذلك الشفاعة، لأنها وسيلة إليه. قال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] [الأعراف -٥٠] . فمن أتى بمانع يمنع من الشفاعة، أو دخول الجنة، كالشرك والكفر، فلا سبيل للشفعاء إلى الشفاعة فيه.

стр. 387

[١٦٠] وأيضا: فمحلها ووقتها يوم يقوم الناس لربّ العالمين، ويشتد هول الموقف وكربه هذا هو المراد، وبه تعرف بطلان هذه الشبهة، وأن الباب مسدود على من طلبها من غير الله. وأما قول المعترض: (أو يقول: إنَّ الرسول غير موجود، أو أنه في عالم العدم أو يقول: إنَّ جاهه عند ربه انقطع (١) بموته) . فيقال: هذا كلام معتوه لا يدري ما يقول، فإن كلام الشيخ، والقول بأن دعاء غير الله شرك، لا يلزم منه القول (٢) بأن الرسول ﷺ غير موجود، بمعنى أنه كسائر المعدومات؛ بل هو حي في قبره تعرض عليه صلاة أمته (٣) «وقد "حرَّم الله على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» " (٤) ومع ذلك فهو ﷺ في الرفيق الأعلى، وهو أقرب الرسل من ربه، وأرفعهم (٥) درجة لديه، ولروحه اتصال بجسده الشريف، لا يعلم كنهه وحقيقته (٦) ومقداره إلا الذي خلق ووهب وتفضَّل وأعطى، وهو اللطيف الخبير. وأما القول: بأن هذه الحياة [كالحياة] (٧) الدنيوية، يطلب منه ما كان

стр. 388

يطلب (١) قبل موته، ويسأل ويستفتي، ويرجع إليه. فهذا قول ضال، مخالف للكتاب والسنَة، وحقائق المعقول والمنقول، فافهم هذا البحث (٢) فكم زلَّ فيه من قدم، وكم ضلَّ بالخرص (٣) فيه (٤) من أمم. وأما قوله: (أو أنه في عالم العدم؟) . فالعدم ليس له عالم، والعوالم إنَّما تطلق على الموجودات، لا على المعدومات، ولا يقول: إنَّ جاهه ﷺ عند ربه انقطع (٥) بعد موته إلا ضال لا يؤمن بيوم الحساب، بل هو دائما في مزيد، وما من مؤمن يؤمن بما جاء به، ويهتدي بهديه إلي يوم القيامة إلا كان ذلك زيادة في أجره وكماله، والكامل يقبل الكمال. وأمَّا قول الصديق: "اذكرنا يا محمد عند ربك" (٦) فقد تقدَّم البيان (٧) بأنه من الموضوعات والمكذوبات؛ التي لا يلتفت إليها. ثم عِظَم الجاه وإن تناهى فلا ينتفع به إلا أهل الإيمان والمتابعة، ومن قام به سبب شرعي يقتضي انتفاعه بدعاء الداعين، وشفاعة الشافعين.

стр. 389

وأمَّا تشبيهه بأن الكل من عند الله: الرسول، وما أعطيه الرسول. فهذا لا نزاع فيه، وذكره هنا تشبيه على السامعين، والنزاع إنما هو في مشروعية طلبه وسؤاله، والاستغاثة (١) به بعد موته ﷺ . وأما القول: (بأن الكل من عند الله) . فلا نزاع فيه، وليس فيه دليل على أنه يطلب من الرسل أو غيرهم شيء ممَّا أعطوه في الدار الآخرة، ولا يحصل لكل من طلب شيئا [١٦١] مطلوبه (٢) وفي الحديث (٣) " «يذاد أناس من أصحابي عن الحوض فأقول: أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا» " (٤) . وأما قوله: (وإنَّما الشرك طلب ما لا يقدر عليه إلا الله، ولم يعطه أحدا من خلقه) . فيقال: قد تقدم أن الشفاعة وغيرها لا يقدر على إعطائها وتيسيرها إلا الله، وأنها مملوكة له وحده، وأنه هو الذي يأذن ويعين من رضي قوله وعمله من أهل التوحيد فيشفع فيه الشافعون، وأنَّ الشفاعة لا تملك، كما ظنه المشركون؛ وأنَّ الاستثناء من المِلْك (٥) في الآيتين لا يوجب إثبات

стр. 390

الملك لغير الله، وأكثر المفسرين يرون: أن (١) الاستثناء منقطع، كما تقدَّم ذكره عن شيخ الإسلام ابن تيمية؛ وسائر المطالب كذلك لا تطلب من الموتى، وسيأتي لهذا مزيد بحث في محله إن شاء الله تعالى. وفي الحديث: " «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث» . . . " (٢) وأمَّا تخصيص المعترض هداية القلوب، وشفاء المريض؛ وإنبات النبات، وطلب الذرية ونحو ذلك. بالمنع: فهذا من جهله؛ فإن الأسباب العادية التي يستطيعها الإنسان في حياته تنقطع بموته، كما دلَّ عليه (٣) الحديث، وبذلك تصير ملحقة في الحكم والشرع بما لا يستطيعه (٤) في حياته كهداية القلوب، وشفاء المريض، وإنبات النبات، وطلب الذرية؛ فلا فرق بين قول الرجل للمسيح بعد رفعه: اعطني كذا وكذا من القوت ونحوه، وقوله: اهدِ قلبي، اغفر ذنبي، وقد تقدَّم أن قول النصارى: (يا والدة المسيح اشفعي لنا عند الإله (٥)) شرك بإجماع المسلمين؛ ولو طلب منها في حياتها أن تشفع بالدعاء والاستغفار، كما كان يفعله ﷺ مع أصحابه لم يمنع من ذلك. وأيضا: فالمعترض لم يلتزم (٦) هذا، وسيأتيك له عند حكاية العتبي
следующие страницы →