يحتج به، فهو من أضل البدع وأبعدها عن هديه ﷺ وهدي من قبله من الأنبياء.
وليس قولهم: (إنه أعطى الشفاعة) بمعنى: ملكها وحازها، كسائر العطايا والأملاك التي يعطاها البشر. وأيضا: فإن الله يعطي رسله وأولياءه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أفيقال: إنَّ الله أعطاهم ذلك، وملَّكهم إياه فيطلب منهم، ويرغب إليهم فيه؟ فإن كان ذلك مشروعا وسائغا فالشفاعة من جنسه، مع أن الشفاعة قيدت بقيود لم تقيد (١) بها هذه العطايا والمواهب السَّنِيَّة.
وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٤٤] الآية [الزمر -٤٤] . وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] [الأنبياء -٢٨] . وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [﴾ [البقرة: ٢٥٥] البقرة -٢٥٥] . وأما غير الشفاعة مما أعطيه أهل الجنة: فقد ذكر تعالى أنه حرمه على الكافرين. وكذلك الشفاعة، لأنها وسيلة إليه.
قال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] [الأعراف -٥٠] . فمن أتى بمانع يمنع من الشفاعة، أو دخول الجنة، كالشرك والكفر، فلا سبيل للشفعاء إلى الشفاعة فيه.
стр. 387
[١٦٠] وأيضا: فمحلها ووقتها يوم يقوم الناس لربّ العالمين، ويشتد هول الموقف وكربه هذا هو المراد، وبه تعرف بطلان هذه الشبهة، وأن الباب مسدود على من طلبها من غير الله.
وأما قول المعترض: (أو يقول: إنَّ الرسول غير موجود، أو أنه في عالم العدم أو يقول: إنَّ جاهه عند ربه انقطع (١) بموته) .
فيقال: هذا كلام معتوه لا يدري ما يقول، فإن كلام الشيخ، والقول بأن دعاء غير الله شرك، لا يلزم منه القول (٢) بأن الرسول ﷺ غير موجود، بمعنى أنه كسائر المعدومات؛ بل هو حي في قبره تعرض عليه صلاة أمته (٣) «وقد "حرَّم الله على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» " (٤) ومع ذلك فهو ﷺ في الرفيق الأعلى، وهو أقرب الرسل من ربه، وأرفعهم (٥) درجة لديه، ولروحه اتصال بجسده الشريف، لا يعلم كنهه وحقيقته (٦) ومقداره إلا الذي خلق ووهب وتفضَّل وأعطى، وهو اللطيف الخبير.
وأما القول: بأن هذه الحياة [كالحياة] (٧) الدنيوية، يطلب منه ما كان
стр. 388
يطلب (١) قبل موته، ويسأل ويستفتي، ويرجع إليه.
فهذا قول ضال، مخالف للكتاب والسنَة، وحقائق المعقول والمنقول، فافهم هذا البحث (٢) فكم زلَّ فيه من قدم، وكم ضلَّ بالخرص (٣) فيه (٤) من أمم.
وأما قوله: (أو أنه في عالم العدم؟) . فالعدم ليس له عالم، والعوالم إنَّما تطلق على الموجودات، لا على المعدومات، ولا يقول: إنَّ جاهه ﷺ عند ربه انقطع (٥) بعد موته إلا ضال لا يؤمن بيوم الحساب، بل هو دائما في مزيد، وما من مؤمن يؤمن بما جاء به، ويهتدي بهديه إلي يوم القيامة إلا كان ذلك زيادة في أجره وكماله، والكامل يقبل الكمال.
وأمَّا قول الصديق: "اذكرنا يا محمد عند ربك" (٦) فقد تقدَّم البيان (٧) بأنه من الموضوعات والمكذوبات؛ التي لا يلتفت إليها. ثم عِظَم الجاه وإن تناهى فلا ينتفع به إلا أهل الإيمان والمتابعة، ومن قام به سبب شرعي يقتضي انتفاعه بدعاء الداعين، وشفاعة الشافعين.
стр. 389
وأمَّا تشبيهه بأن الكل من عند الله: الرسول، وما أعطيه الرسول. فهذا لا نزاع فيه، وذكره هنا تشبيه على السامعين، والنزاع إنما هو في مشروعية طلبه وسؤاله، والاستغاثة (١) به بعد موته ﷺ .
وأما القول: (بأن الكل من عند الله) . فلا نزاع فيه، وليس فيه دليل على أنه يطلب من الرسل أو غيرهم شيء ممَّا أعطوه في الدار الآخرة، ولا يحصل لكل من طلب شيئا [١٦١] مطلوبه (٢) وفي الحديث (٣) " «يذاد أناس من أصحابي عن الحوض فأقول: أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا» " (٤) .
وأما قوله: (وإنَّما الشرك طلب ما لا يقدر عليه إلا الله، ولم يعطه أحدا من خلقه) .
فيقال: قد تقدم أن الشفاعة وغيرها لا يقدر على إعطائها وتيسيرها إلا الله، وأنها مملوكة له وحده، وأنه هو الذي يأذن ويعين من رضي قوله وعمله من أهل التوحيد فيشفع فيه الشافعون، وأنَّ الشفاعة لا تملك، كما ظنه المشركون؛ وأنَّ الاستثناء من المِلْك (٥) في الآيتين لا يوجب إثبات
стр. 390
الملك لغير الله، وأكثر المفسرين يرون: أن (١) الاستثناء منقطع، كما تقدَّم ذكره عن شيخ الإسلام ابن تيمية؛ وسائر المطالب كذلك لا تطلب من الموتى، وسيأتي لهذا مزيد بحث في محله إن شاء الله تعالى. وفي الحديث: " «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث» . . . " (٢) وأمَّا تخصيص المعترض هداية القلوب، وشفاء المريض؛ وإنبات النبات، وطلب الذرية ونحو ذلك. بالمنع: فهذا من جهله؛ فإن الأسباب العادية التي يستطيعها الإنسان في حياته تنقطع بموته، كما دلَّ عليه (٣) الحديث، وبذلك تصير ملحقة في الحكم والشرع بما لا يستطيعه (٤) في حياته كهداية القلوب، وشفاء المريض، وإنبات النبات، وطلب الذرية؛ فلا فرق بين قول الرجل للمسيح بعد رفعه: اعطني كذا وكذا من القوت ونحوه، وقوله: اهدِ قلبي، اغفر ذنبي، وقد تقدَّم أن قول النصارى: (يا والدة المسيح اشفعي لنا عند الإله (٥)) شرك بإجماع المسلمين؛ ولو طلب منها في حياتها أن تشفع بالدعاء والاستغفار، كما كان يفعله ﷺ مع أصحابه لم يمنع من ذلك.
وأيضا: فالمعترض لم يلتزم (٦) هذا، وسيأتيك له عند حكاية العتبي
стр. 391
أنَّه يجوِّز طلب الاستغفار من رسول الله ﷺ بعد موته.
ثم في قول البوصيري في الاستعاذة برسول الله ﷺ ونفى الإعاذة عمن (١) سواه وأنه هالك إن لم يأخذ بيده، ما هو من أبلغ الصيغ في طلب النجاة من النار وإدخال الجنة، وهذا كهداية القلوب، وشفاء المريض، وإنبات النبات، وطلب الذرية فإنَّ من طلب هذا من الأنبياء والأولياء يتأوَّل كتأويلكم (٢) كلام البوصيري فيقولون (٣) (إنَ الله أعطاهم جاها ومنزلة [١٦٢] وشفاعة، وإجابة لدعائهم، فنحن نطلب الهداية والشفاء ونحو ذلك مما أعطاهم الله وملَّكهم إياه) .
وليس قولكم: (إنَّ الله ملَّكه الشفاعة) بأحق من قول هؤلاء، فإن الشفاعة طلب ودعاء، فعادت المسألة على تقرير هذا المعترض إلى عبادة الأنبياء والملائكة والمؤمنين والأطفال، وسائر من يشفع ويستجاب دعاؤه، وهذا عين قول الصابئة في عبادة الأرواح المفارقة ودعائها أرواح الأنبياء والصالحين، فنعوذ بالله من الحور بعد الكور، والضلال بعد الهدى، والكفر بعد الإيمان. والآية التي استدلَّ بها دليل على إبطال دعواه، فإن قوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] [الأنعام -١٦٢، ١٦٣] . الآية من أوضح الأدلَّة على تحريم دعاء الموتى، فإن الصلاة دعاء
стр. 392
صريح قولا وعملا، وقد دلَّت الآية على أن ذلك لله وحده لا شريك له؛ وأنه (١) قد أُمِرَ بذلك، وهو أول المسلمين من هذه الأمة بالتزام هذا وسائر الأحكام الإسلامية، فأين هذا من دعاء غير الله وطلب الشفاعة من سواه؟ .
стр. 393
[فصل فيه الشفاعة المثبتة والمنفية والمقصود بملكية الشفاعة]
فصل قال المعترض: (وقد قال هذا الرجل في موضع آخر تكلَّم به على قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] [الفاتحة: ٤] . قال: فمن عرف تفسير هذه الآية، وعرف تخصيص الملك ذلك اليوم (١) عرف تخصيص هذه المسألة، وأن معناه عند جميع المفسرين كلهم ما فسَره الله به في قوله: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] [الانفطار -١٩] . ثم (٢) قال: فأين هذا المعنى والإيمان بما صرَّح به القرآن مع قوله ﷺ : " «يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا» " (٣) من قول صاحب البردة في قوله (٤) .
ولن يضيق رسولَ الله جاهُك بي ... إذ (٥) الكريم تجلى باسم منتقم
стр. 394
فإن لي ذمة منه بتسميتي ... محمدا (١) ؛ وهو أوفى الخلق بالذمم
إن لم تكن في معادي آخذا بيدي ... فضلا , وإلا فقل: يا زلة القدم.
ثم قال: فليتأمل من نصح نفسه هذه الأبيات ومعناها، ومن فتن بها من العلماء والعباد، وهل يجتمع في قلب عَبْد (٢) التصديق بهذه الأبيات، والتصديق بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] [الانفطار -١٩] . وقوله: " «يا فاطمة بنت محمد، لا أملك لك (٣) من الله شيئا» "، والله لا والله إلا كما يجتمع في قلبه أن موسى صادق وأن فرعون صادق، وأنَّ محمدا ﷺ صادق على الحق، وأنَّ أبا جهل صادق على الحق.
والله ما استويا ولن يتلاقيا ... حتى تشيب مفارق الغربان
. فمن عرف هذه المسألة، وعرف البردة، ومن فتن بها من العلماء والعباد والزهاد عرف غربة الإسلام) . انتهى كلامه. ثم ذكر عند ذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] [الإسراء -٥٧] . وقوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٤] [الرعد -١٤] . قال: (فهذا بعض معاني قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] [الفاتحة -٤] بإجماع المفسرين.
стр. 395
وهذا قوله لا قول المفسرين كما يزعم، بل سترى قول المفسرين، فبهذا الكلام ضرب كتاب الله بعضه ببعض، وكذلك سنَة رسول الله ﷺ وأبطل بهذا الكلام جميع الشفاعات التي ورد بها الكتاب والسنَّة المتواترة من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، والشهداء والأولياء والصالحين، والأطفال وغيرهم، فنفى بذلك جميع الشفاعات بما لا علم له به ولا دراية، أولا: نظر إلى مخارج كلام الله وكلام العرب المنزَّل بلغتهم، حيث يقول جلَّ وعلا: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] [محمد -٧] . وقال في الآية الأخرى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] [آل عمران -١٢٦، والأنفال -١٠] . فكذلك الشفاعة إنما هي من عطائه لأوليائه؛ ليمتازوا بها عن غيرهم، إكراما لهم بها؛ ليُغْبَطوا بها ذلك اليوم الذي ذكر هذا الرجل حيث يقول صاحب البردة: (إذ (١) الكريم تجلَّى باسم منتقم) . إذ الشفاعة منه ﵎ من الجزاء الجزيل، والفضل العميم، الذي لا تملك نفس لنفس شيئا ذلك اليوم استقلالا، بل الكل من عند الله: الشافع والمشفع والشفاعة) . وأطال الكلام بهذا المعنى، وأن الشفاعة لا تكون بيد أحد من دون الله، إذ الكل خلق الله وأسباب، وأن الشيخ لا يدري كلام الله ورسوله ﷺ وأنه جاهل بكلام العرب وبلاغتها التي نزل القرآن بلغتها، ولا يميز بين الكلام الإضافي من المطلق والاستقلالي، وأنشد قول جرير بن الخطفان: (٢) .
стр. 396
يقضي الكتاب على الصليب وتغلب ... ولكل منزل آية تأويل
. وزعم أن هذا خاص بالكافرين كقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦] [الفرقان -٢٦] . ثم قال: (فمن قضائه ﵎: تمليك أنبيائه ورسله وأوليائه من الشهداء والصالحين والأطفال، وتمكينهم من الشفاعة، وهذا مما يجب الإيمان به، كما صرَّح به علماء الأمة دون أهل الأهواء والبدع) . ثم ذكر عن البغوي في قوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: ٨٦] [الزخرف / ٨٦] . قال: (وهم عيسى وعزير (١) والملائكة، -فإنهم عبدوا من دون الله [١٦٤] تعالى ولهم الشفاعة (٢) وصحَّح هذا القول، فإذا كان ذلك (٣) كذلك كما وصفنا فهل ترى صاحب البردة طلب ذلك استقلالا من دون الله تعالى؟ بل (٤) ولم يقصد طلبه في الحال، وإنما استحضر كما قدمنا يوم القيامة حين تطلبه ﷺ جميع الخلائق؛ حيث علموا قربه من ربه جلَّ وعلا وما أعطاه من الكرامة والمقام المحمود) . والجواب: أن يقال لهذا الجهول، المفتري، المُخَلِّط. إنَما يضرب كتاب الله بعضه ببعض من ردَّ بعضه ببعض، واحتج ببعضه على خلاف ما دلَّ عليه البعض الآخر، كما يفعله أهل البدع
стр. 397
والضلال، ومن رد ما دل عليه قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] [الفاتحة -٤] . وقوله: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار: ١٩] (١) [الانفطار -١٩] . ونحو هذه الآيات بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ [الزخرف: ٨٦] [الزخرف / ٨٦] ونحوها. وزعم أن ملك الشفاعة مثبت، وأنه يقضي على هذه الآيات ويرد به ما دلت عليه، وهذا ضرب كتاب الله تعالى بعضه ببعض، وفي المثل: "رمتني وانسلت". وأما من رد بكتاب الله كلام أهل الغلو والإطراء، واستدل بكتاب الله على بطلان غلو الغالين، وزيغ الزائغين، وتحريف المبطلين، فهذا هو المؤمن المهتدي، المحتج بكتاب (٢) الله على ما أنزل لأجله، المستضيء بنوره؛ المهتدي بهداه، المعتصم بحيله. وأما جحده أن يكون ما ذكر الشيخ هو كلام المفسرين: فهذا دليل على عدم علمه بكلام المفسرين، وقصور رتبته عن الاطلاع على معاني التنزيل، وكتب المفسرين موجودة بأيدي أهل العلم، وهم لا يختلفون أن المعنى: أنه المنفرد بالملك والتدبير ذلك اليوم، فلا تملك نفس لنفس شيئا، بخلاف حالهم في الدنيا، فإن أكثر الخلق نازع الرسل وعصى الأمر، واتبع السبل (٣)
стр. 398
فتفرقت بهم (١) عن سبيله (٢) وهذا المعنى دل عليه القرآن في غير موضع. وأما قوله: (وأبطل بهذا الكلام جميع الشفاعات) (٣) فهذا أيضا صدر عن جهل عظيم؛ واعتقاد ذميم، فإن نفي (٤) الشفاعة التي ظنها المشركون حاصلة بالتعلق على الأنبياء والصالحين ومسألتهم مع الله: منفية بالكتاب والسنة؛ وإجماع الأمة، وهذه هي التي نفاها الشيخ وأهل العلم قبله، وأما الشفاعة التي جاءت بها السنة، وقال بها الأئمة فهي مقيدة بقيود تمنع مسألة غير الله للشفاعة وطلبها من سواه، ولا تحصل إلا بتجريد التوحيد لله العزيز الحميد، كما تقدم في حديث أبي هريرة (٥) [١٦٥] . والمعترض جاهلي لا يفرق بين النوعين، فظهر أنه هو العديم (٦) العلم والدراية، الجاهل بأحكام الرواية والرعاية لكلام الله وكلام رسوله وكلام العرب، فإن العربي سليم الفطرة يعرف بلغته أن القيد في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] [البقرة -٢٥٥] . يفيد صرف الوجوه إلى من بيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله (٧) ولا يتقدم أحد بين يديه إلا بإذن ورضى لما يقول، وأنه لا يرضى الشفاعة فيمن أشرك به وسوى بينه وبين عباده في خالص حقه.
стр. 399
وقد نصَّ بعضهم على أنَّ هذا هو نكتة القيد في آيات الشفاعة. وأمَّا ما استدل به المعترض من أنَّ (١) الله جلَّ وعلا قال: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] [محمد -٧] . وقال في الوضع الآخر: ﴿وما النصر إلا من عند الله﴾ [آل عمران: ١٢٦] [آل عمران -١٢٦، والأنفال -١٠] . فهذا أيضا: يدل على كثافة فهمه وانسلاخه من العلم، فإن النصر المثبت لهم غير المنفي عنهم، فنصرهم لله قيامهم بما افترض عليهم من الدعوة إلى سبيله، وجهاد أعدائه باليد واللسان والجنان، وأما النصر المنفي عنهم فهو الظهور على العدو، وقتله وهزيمته وفشله، واضمحلال كيده. قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] [الأنفال -١٧] . فأثبت الله لنبيّه (٢) ﷺ من الرمي ما يليق بحال البشر، وأما التأثير والإصابة والهزيمة بذلك الرمي وإيصاله إليهم فالله تعالى هو الفاعل له، الرامي في الحقيقة. فإذا تبيَّن هذا: فذلك دليل على أن الشفاعة التي تحصل بها النجاة والسعادة يد الله، وأن الشافع ليس بيده إلا مجرد الطلب والمسألة، بعد الإذن والرضى عمن شفع فيه، وأما القبول وتوفيق الشافع وإلهامه فكل هذا إلى الله وحده.
стр. 400
وأمَّا قوله: (فكذلك الشفاعة) . فيقال: إن كانت الشفاعة كذلك فهي منفية عن غير الله، كما أن النصر منفي عن غيره، والمثبت منها ومن النصر لا يوجب أن يطلب من الغائبين والأموات شيء ألبتة. وقد ذكر شيخ الإسلام في ردِّه على النصارى (١) أن النبوَّات متفقة على المنع من دعاء الغائبين والأموات، فلا يدعون لشفاعة ولا غيرها. فقول المعترض: (إنَّ الشفاعة من عطائه، ومن الجزاء والفضل) ونحو هذا لا يفيد طلبها من غير الله كالأموات والغائبين، وليس كل ما أعطي العبد يجوز أن يُطْلب منه، فإن هذا لا يقوله عاقل. وأما قوله: إن المراد في قوله: ﴿لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار: ١٩] [الانفطار -١٩] ، ذلك اليوم استقلالا. فهذا لا يفيده لو سلَّمناه، فإنَّ من لا يستقلّ بفعل أصلا، ولا طاقة له على الاستقلال ليس بمالك ولا متصرف بمجرَّد مشيئته وإرادته، مع أن المعنى المراد الذي نصَّ عليه أعيان المفسرين: نَفْي المُلْك مطلقا استقلالا وغيره. وأما نسبة الشيخ إلى الجهل وعدم العلم ببلاغة العرب التي نزل بها [١٦٦] القرآن، وأنه لا يعرف الكلام الإضافي من المطلق. فيقال: كل ضال ومفترٍ ينحو هذا النحو؛ ولا يتحاشى من الفجور في (٢) الخصام، والمنافقون نسبوا المؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ إلى
стр. 401
السفاهة وعدم العقل، وقال فرعون وقومه في موسى وهارون ﵉ ما قالوا، فالعاقل لا يلتفت إلى هذا الكلام، لأنه معدود من اللغو والآثام، والنظر في كلام شيخنا وكلامك يقضي له عند من وقف عليه بالعلم والدراية ومعرفة الحقائق ومعاني التنزيل، وأنه يورد تقريره مطابقا للحال، وهذا عين البلاغة كما عرفوها وحدُّوها في كتب المعاني، فإن البلاغة يوصف بها الكلام والمتكلم. وأما كلام هذا المعترض وهذيانه المكرر، وتكراره لألفاظه المستهجنة، ولحنه وتنافر تركيبه فهو من أدلَّة جهله وتفاهته (١) ؛ وأنه لا صناعة ولا عناية ولا أدب، ولا فضيلة وأن حججه كما قيل:
تخرصا وأحاديثا ملفقة ... ليست بنبع إذا عدت ولا غرب.
وانظر إلى قوله: (أولا: نظر إلى مخارج كلام الله وكلام العرب المنزَّل بلغتهم) ، فإنَّ في استعماله المخارج في المعاني والمقاصد ما يقضي بجهله، وفي قوله: (وكلام العرب المنزل بلغتهم) ما يقضي بتفاهته (٢) وعدم معرفته للتراكيب؛ فإنه فصل بين الصفة والموصوف بأجنبي؛ ولا يجوز الفصل هنا لِإيهامه اللبس. فلا تقول جاء زيد وجاء عمر القائم (٣) أبوه، تريد نعت زيد، بل يتعيَّن ترك الفصل هنا، فهذه الغلطات في نصف سطر، ولو تتبعت ما في كلامه من الخلل لطال الكلام، والقصد كشف شبهته ودحض حجته.
стр. 402
وأمَّا قوله: (إنَّ هذا خاص بالكافرين، كقوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦] الفرقان -٢٦] . فليس الأمر كما زعم، فإن نفي الملك عام، فلا يملك أحد ولو الأنبياء والملائكة، بل هو سبحانه المنفرد بالملك المختص به، وأما العسر، فنعم؟ خاص بالكافرين. ثم في قوله: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦] الفرقان -٢٦] . وفي (١) تخصيص العسر بهم ما يفيد أن العسر المطلق هو المختص، وأما المقيد فلا مانع من أن ينال المذنب من الموحدين منه ما يكفر به من سيئاته. وأما قول المعترض: (فمن قضائه ﵎ تمليك أنبيائه ورسله وأوليائه من الشهداء والصالحين والأطفال، وتمكينهم من الشفاعة، وهذا مما يجب الإيمان به كما صرَّح به علماء الأمة) . فيقال في جوابه: لم يرد لفظ التمليك في الكتاب والسنَّة إلا (٢) في معرض النفي والاستثناء ليس بنص ولا ظاهر في التمليك؟ بل هو كقوله: [١٦٧] ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] وقد نصَّ شيخ الإسلام ﵀ أنَّ هذا لا يفيد إثبات التكليف، ولا سلف لهذا المعترض وأمثاله في هذا القول، ولم يعرف إطلاقه عن
стр. 403
أحد من أهل العلم، ولو سأل أحد طفلا من أطفال المؤمنين أن يشفع له لعده الناس من أجهل الخلق وأضلهم. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٤] [الزمر / ٤٤] . وقال تعالى في يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] [هود: ١٠٥-١٠٥] . وهذا يدل على عدم الملك المؤمن والكافر؟ لقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] [هود: ١٠٥] . وقوله: (وهذا مما يجب الإيمان به) . يقال: إنما يجب الإيمان بما أخبر به الرسول، ودلَّ عليه الكتاب العزيز، من إثبات الشفاعة بإذن الله لمن شاء (١) من الموحدين، هذا الذي يجب الإيمان به، وأما الإيمان بأنهم مَلَكوا الشفاعة، وأنهم يدعون لها بعد الممات وفي المغيب، فهذا قول باطل لا أصل له، ولا يؤمن به إلا أهل الشرك الذين يدعون الأموات والغائبين مع الله. فهذا المعترض خلط الشركيات بالشرعيات، ولبس الحق بالباطل، والذي أنكره أهل البدع وعابه عليهم سلف الأمة وأئمتها هي الشفاعة التي جاءت بها الأخبار وصحَّت بها الآثار. وأما القول: (بأن علماء الأمة أنكروا على من أبطل الشفاعة الشركية؟ وصرحوا بثبوتها) فهو قول باطل، بل علماء الأمة أشد الناس إنكارا لها كما دلَّت عليه الآيات البيّنات.
стр. 404
قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي (١) الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] [يونس: ١٨] . فنفى هذه الشفاعة التي أثبتها المشركون، وظنوها حاصلة ممن قصدوه وتوجَّهوا إليه، وسألوه رغبا ورهبا، كما يشفع المخلوق عند مثله من الملوك والأمراء والأكابر، هذه هي التي قامت بقلوب المشركين وتعلقوا على الأنبياء والملائكة (٢) والصالحين لأجلها، وهذه منفية كما مرَّ في آية يونس، وكما (٣) في آية الزمر، وكما في سورة الأحقاف في قوله: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ (٤) الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٨] ) (٥) [الأحقاف - ١٨ - ٢٨] . وكما في آية (٦) سبأ: ( ﴿وَلَا (٧) تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ (٨) إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] ) [سبأ: ٢٣] . وهي التي قصد هذا المعترض بقوله، إنَّ الله ملَّكهم [١٦٨] الشفاعة؟ وأنه يجب الإيمان بها، والسنَّة جاءت بإثبات شفاعة غير هذه،
стр. 405
تنال (١) بتجريد التوحيد وإخلاصه كما في حديث أبي هريرة، وهي مملوكة لله وحده،. هو الذي يأذن ويعين للشافع ويحدّ له حدّا معينا مخصوصا، كما جاء صريحا في حديث الشفاعة، وهذا النوع من الشفاعة أنكره المعتزلة، وهم محجوجون بالكتاب والسنَّة، ولكن (٢) المعترض خلط ولم يميز بين ما نفاه القرآن وما نفته المعتزلة، ولم يعرف هذا النوع الثابت. وأما قوله: (إن البغوي فسَّر قوله (٣) ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] [الزخرف / ٨٦] . هم عيسى وعزير والملائكة، فإنهم عُبِدُوا من دون الله) . فقول البغوي هو أحد القولين في الآية، وقد تقدَّم الكلام في ذلك، وليس في هذا ما يستريح إليه المبطل، فإنهم يشفعون لمن شاء (٤) الله، ومُلك الشفاعة ليس بأيديهم، بل هو بيد (٥) الله الذي له ملك السماوات والأرض، فأي حجة في هذا على أنهم يُدْعون مع الله للشفاعة أو غيرها؟ ، ولكن هذا الملبس قَصْده إيهام السامع أن شيخنا ينكر الشفاعة التي قالها البغوي وأمثاله، وإنما إنكار الشيخ لعبادتهم ودعائهم، وأنهم يُسألون الشفاعة كما تُسأل سائر الملاك أملاكهم. وهذه الآية حجة للشيخ وإخوانه المؤمنين على أن الشفعاء لا يدعون
стр. 406
ولا يقصدون ولا يعبدون؟ لأن الله أنكر ذلك على من قصد المسيح وعزيرا لأجله وهيَّأهم له، والتجأ إليهم في تحصيله ونيله (١) . فالآيات القرآنية وكلام المفسرين من أهل العلم حجة لنا، وشاهد للأمر بتجريد التوحيد وإخلاص الدين، والنزاع بيننا ليس في إثبات الشفاعة، وإنما هو في طلبها من الأموات والغائبين، والمعترض ملبس مموه، فنعوذ بالله من التلبيس المفضي بصاحبه إلى مرضاة إبليس. ثم قول المعترض: (فهل ترى صاحب البردة طلب ذلك استقلالا، بل ولم يقصد طلبه في الحال دائما استحضر يوم القيامة) . فجوابه: أن النزاع في نفس الطلب والدعاء لأجل الشفاعة، وأمَّا الاستقلال وعدمه فليس من محل النزاع، ومشركو العرب لا يدَّعون الاستقلال لآلهتهم، ولا يرونه، وإنما أتوا من حيث الوساطة والشفاعة، والشافع ليس بمالك لا حقيقة ولا مجازا، وغاية ماله الجاه والمنزلة، [١٦٩] ، وهي المقصودة (٢) لجمهور المشركين من اليهود والنصارى وجاهلية العرب. ولا قائل باستقلال أحد من دون الله بشيء (٣) إلا الثنوية ومن على طريقتهم ممن يثبت خالقين وربين، وبهذا تعرف أن المعترض من أجلاف الجاهلية لا تمييز عنده بين شرك المشركين وتعطيل المعطلين، ودين أنبياء الله المرسلين، وليس عنده إلا خبط عشواء ومقالة عمياء، وكون صاحب البردة استحضر يوم القيامة، لا يكون عذرا له في دعاء
стр. 407
غير الله؛ بل مستحضر الشدَّة فدعاؤه (١) أبلغ في العبادة والخضوع والخوف والرجاء، والحب. والاعتقاد، وكان المشركون من العرب يتواصون في الشدائد بإخلاص الدعاء، ويرون أنه لا ينجي في الشدَّة إلا الله، كما في قصة عكرمة بن أبي جهل لما فرَّ إلى اليمن، وقد ذكرها العلاَّمة ابن كثير في تفسير سورة المؤمنين (٢) .
стр. 408
[فصل في منع ترتيب دعائه ﵇ على أن جاهد في مزيد دائم]
فصل قال المعترض: (ومرَّ قول أبي العباس ابن تيمية على كلام ابن (١) البكري في معنى الاستغاثة به ﷺ بعد موته، وأنه بعد موته في مزيد دائم عند ربه- بأبي هو وأمي ونفسي ﷺ بعد موته إذ جاهه ﷺ في مزيد دائم بعد موته عند ربه جل وعلا وتعرض عليه أعمال أمته، فيستغفر لمن رأى شرّا في عمله، كما ذكرنا بيانه على كلام صاحب البردة وتوجيهه على الأمر المرضي، لا على الجهل والإغواء وتكفير هذه الأمة) . والجواب أن يقال: قد تقدم الكلام على عبارة شيخ الإسلام أبي العباس، وبيان ما في نقل هذا المعترض من التلبيس والتحريف، وأنه كذب في النقل بما أبداه من التحريف والتبديل. وأما قوله: (إن جاهه ﷺ في مزيد دائم) فنعم؛ ولكن ليس فيه أنه يُدْعى من دون الله أو يُرْجى، وأما عرض أعمال الأمة عليه، فليس فيه حجة على أنه يدعى للشفاعة ولا غيرها؟ أل قد روي، (٢) على أبويّ
стр. 409
الإنسان يعرض سعيه، فهل يقال بسؤالهم ودعائهم؟ . وأما ما (١) زعمه: من أنه وجه كلام صاحب البردة على الأمر المرضي، فليس الأمر كذلك، وإنما زاده شناعة وجهلا لو جاريناه على زعمه.
стр. 410
[فصل فيه إبطال دعوى المعترض أن الشفاعة تطلب من الرسول ﵇ بعد موته]
فصل قال المعترض: (وقوله ﷺ لفاطمة ﵂ ولأقاربه وعشيرته ذلك حضًّا لهم على الإيمان به، وبالذي أرسله بأن يوحدوه ولا يشركوا به شيئا؟ ليحصل لهم النفع به ﷺ بذلك؟ وبعطاء الله تعالى الذي أعطاه لأمته إكراما له في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥] [الضحى / ٥] . لئلا يكونوا من الذين أخبر الله تعالى عنهم بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين، (وفي ذلك دليل أن المؤمنين تنفعهم شفاعة الشافعين) (١) ؟ حيث نفى عن (٢) الكفار المعرضين عن التذكرة التي أرسل بها ﷺ حتي نفعت شفاعته (٣) عمه أبا طالب بالتخفيف كما مر عنه ﷺ ، حيث حماه لتبليغ رسالة ربه حمية للقرابة، فقوله ﷺ : " «لا أغني عنكم (٤) من الله شيئا» " (حين خصص وعمم حتى قال: " «يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا» ") (٥) فالمقصود: إن لم تؤمن بالله وتشهد (٦) أن لا إِله إلا الله، وأني
стр. 411
رسول الله، وإلا فقد أغنى عن أمته بالتخفيف من الشرائع والتسهيل من عند ربه؟ وأمره ﵎ أن يستغفر لهم حتى امتد ذلك لهم بعد موته عند العرض لأعمالهم عليه ﷺ في البرزخ واستغفاره شفاعة، وهل شفاعته لهم إلا غناؤه عنهم ﷺ ، وإلا فما معنى قوله ﷺ لعمه: " «قل لا إِله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله» " (١) إذا، كما في الصحيحين وغيرهما؟) .
والجواب أن يقال: قوله ﷺ لابنته وبضعته، سيدة نساء أهل الجنة: " «لا أغني عنك من الله شيئا» " من أظهر الأدلة على وجوب توحيد الله، وترك دعاء (٢) غيره، و (٣) لو نبيا أو ملكا، فكذلك قوله لعمته صفية وعمه العباس وسائر بطون قريش، وأقاربه الأدنين، كل هذا يبطل قول المعترض زعمه أن الشفاعة تطلب من الرسول بعد موته، ويقصد لها؟ .
فإن في هذه الأحاديث أن الإنسان ليس له إلا سعيه وإيمانه، وأن ترك ذلك والتفريط فيه تعلقا على الأنبياء ورجاء لشفاعتهم هو عين الجهل ونفس الضلال، وجاه الأنبياء والأولياء والصالحين إنما ينال به (٤) أمر فوق الإغناء عن الأقارب وغيرهم (٥) . وفي قول المعترض: (إن في قوله ذلك حضًّا لهم على الإيمان به وبالذي أرسله) صحيح المعنى، وهو دليل على أنه لا يغني ولا ينجي إلا ذلك.
стр. 412
فليس في قول المعترض في هذا الحديث ما يدل على دعواه، وإن الإيمان مطلوب ليحصل النفع، فإن هذا كلام ركيك وإنما يطلب الإيمان لتحصيل مغفرة الله ورحمته ودخول دار كرامته، والنجاة من عذابه وعقابه.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ - تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ١٠ - ١١] والآية بعدها, [الصف - ١٠، ١١] .
وفي هذا أن الأمر بالإيمان، والتزامه، والجهاد في سبيل الله (١) إنَّما أمر به ليحصل للعبد ما وعد به المؤمن، وما رتب على الإيمان في هذه الآيات ونحوها، لا (٢) أنه أمر بالإيمان ليشفع الرسول فيه، وأكابر الأمة والسابقون الأولون والسبعون ألفا المذكورون في حديث ابن عباس كلهم يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب (ولا شفاعة لأحد، في دخولهم) (٣) .
وفي الحديث: أنَّ الشفاعة ليست للمؤمنين المتَّقين، وإنما هي للمذنبين المتلوثين، فافهم هذا تعرف به (٤) أنَّ هذا الرجل ألحد في الحديث وصرفه عما دلَّ عليه، وكذب على رسول الله بنسبة هذا التأويل إليه، اللهمَّ إلا أن يريد بقوله: ليحصل لهم (٥) النفع به ﷺ ) هذا المعنى فهو صحيح، وهو الواسطة ﷺ بين العباد وبين ربهم في إبلاغ رسالته، وبيان ما يوجب السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة؛ لكن هذا
стр. 413
لا (١) يدل على ما ادعاه هذا المبطل، وظاهر كلامه خلاف هذا الذي ذكرنا، وأنه يريد ليحصل لهم النفع بدعائه ﷺ الشفاعة منه بعد مماته، ومن قصد هذا وزعم أن الرسول أراده بقوله: " «يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا» " فقد ألحد (٢) في حديث رسول الله ﷺ وحرَّف كلامه، وأخرجه عن موضوعه (٣) (إلى نقيضه وعكسه، وهذا من أعظم الجهل وأضله) (٤) . ومن فهم من أدلة التوحيد نقيض ما دلَّت عليه فقد جاءته الآفة والبلية من جهة موت قلبه أو مسخه: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] [المائدة -٤١] .
وأما إعطاء الله له ما يرضيه: فهذا وعد صدق، والله لا يخلف الميعاد. والمفسِّرون اختلفت أقوالهم في هذا، وعلى القول بأنه الشفاعة، فهو من الأدلة على أن الله هو المالك لها، المتصرف فيها، وأنه لا يدعى لها (٥) أحد سواه.
وأما كون المؤمنين تنفعهم شفاعة الشافعين: فهذا أيضا ليس فيه دليل لهذا المبطل بوجه من الوجوه، والنزاع في غير هذا (٦) .
стр. 414
وأما قوله: (فالمقصود لا أغني عنكم من الله شيئا إن لم تؤمنوا، وأنهم إن آمنوا أغنى عنهم) . فقد كَذَب هذا المعترض على رسول الله (١) ﷺ بنسبة هذا التأويل إليه، وكلامه ﷺ عام شامل، وبعض من خوطب بهذا الخطاب قد آمن بالله ورسوله، كفاطمة وبعض بني هاشم وبعض قريش، ولو كان المراد ما زعمه هذا المبطل لم يحسن خطاب المؤمنين بهذا، ولعد مثل هذا الكلام لهم، وهو (٢) قوله: " «لا أغني عنكم من الله شيئا» "، إذا كان يغني (٣) بزعم هذا الجهول الضال فسبحان من طبع (٤) على قلبه حتى اقتحم على الجناب النبوي ومقام الرسالة، ونسب إليه ما قد برئ منه بشهادة الله وملائكته وأولي العلم من خلقه.
وبهذا الكلام والتحريف ضل أهل الكتاب ومن (٥) قبلهم، ونسخت أديان الأنبياء، وظهر الشرك في الأرض وفشا، فنعوذ بالله من الضلال بعد الهدى.
وقد ذكر شيخ الإسلام عن بعض أهل الإنجيل أنه قال في بعض نصائحه عما يوقع في المحرمات وكبائر الذنوب: (إنَّ المبالغة في تعظيم العباد، وتنزيلهم فوق منازلهم يوقع في الشرك بالله؛ وعبادة (٦) سواه) ، ذكر
стр. 415
هذا أو (١) نحوا منه في كتابه هداية الحيارى. وقول المعترض: (وإلا فقد أغنى بالتخفيف من الشرائع، وأن يستغفر لهم) . فالتخفيف من الشرائع يشير به إلى وضع ما كان على أهل الكتاب من الأصار والأغلال والأثقال، ومعلوم أنَّ الله هو الذي شرع هذا وأمره به وأوحاه إليه، وإنما يضاف إليه؛ لأنه مبلغ عن الله، (كما يقال: قال الرسول ﷺ كذا فيما بلغه عن الله، ويقال أيضا: وضع كذا وفعل كذا، فيما صدر عن وحي وتوقيف، والرسول مبلغ عن الله) (٢) لا أنه يفعل بمشيئته واختياره.
وأما الاستغفار: فقد تقدَّم أنه لا يدل على الطلب منه بعد وفاته ﷺ .
وفي كلام هذا المعترض من فساد التركيب، وهجنة العبارة ما يقضي بما تقدَّم تقريره من الكشف عن جهالته، وعدم ممارسته، ومن ذلك قوله: (حضا لهم على الإيمان ليحصل لهم النفع به، لئلا يكون (٣) من الذين لا تنفعهم شفاعة الشافعين) .
وفي قوله: (حماه عنه لتبليغ رسالة ربه حمية للقرابة) . فهو تركيب فاسد، ولم يقصد أبو طالب إلا الحمية فقط.
وأمَّا قوله: (وإلا فما معنى (٤) قوله ﷺ لعمّه: " «قل لا إله إلا الله
стр. 416
كلمة أحاج لك بها عند الله» إذا كما في الصحيحين وغيرهما) (١) .
فمعناه: إنه لا يغنى عنه (٢) ولا ينقذه، وفي الصحيحين من حديث عائشة أنه قال لابنته فاطمة: " «إني لأرى الأجل قد اقترب؛ فاتقي الله تعالى واصبري، فإنه نعم السلف أنا لك» " (٣) وعنه ﷺ من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: " «كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي» "، رواه الطبراني، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي وصحَّحه (٤) وأي سبب أعظم من الإيمان به، وتصديق ما جاء به، ومحبته واتباعه؟ إذ هذا من أعظم الأسباب وأجلها، وفي الحديث: " «المرء مع من أحب» " (٥) ثم ذكر حديث جابر فيما يقال عند سماع النداء (٦) وحديث أبي هريرة في الشفاعة (٧) والشهادة لمن صبر على لأواء المدينة (٨)
стр. 417
وحديث: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت، فإني أشفع (١) لمن يموت بها» " (٢) ثم قال: (وهل هذا إلا إغناء منه ﷺ لقرابته وأمته؟ وإنَّما نفى ﵎ أن يكون في يوم الدين ملكا- هكذا قالها بالنصب- لأحد من خلقه، كما في الدنيا، وإنَّما هو يوم جزاء وتفضل منه جلَّ وعلا وعدل بين الناس، وعلى الكفار، ومن تفضله تمليكه لمن يشاء الشفاعة.
وقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] [الزخرف -٨٦] . وقال تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] [مريم -٨٧] .
قال العلماء: وهي شهادة الحق، وأخصَّهم (٣) بذلك الرسل عليهم (٤) الصلاة والسلام، وأتباعهم على درجاتهم، ومعنى الآية، قال البغوي (٥) لا يُمَلِّك الله تعالى في ذلك اليوم أحدا كما ملكهم في الدنيا.
وقال عصام في تفسيره على الآية: فكل ما يفعل ذلك اليوم لأجل الله تعالى، ولا يفعل شيء في ذلك اليوم كما يفعل في الدنيا، حتى لا يرجو الكذاب أن ينفعه أحد لغرض فاسد، ومع ذلك لا ننكر أن يكون في الأمة الأحداث والمنكرات والأفعال التي لا تزال فيها) .
стр. 418
والجواب أن يقال: أما معنى قول النبي ﷺ لأبي طالب: " «قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله» "، فهذه الكلمة هي الفارقة بين المؤمن والكافر والمسلم والمشرك، فمن قالها موقنا بها خالصا من قلبه ومات على ذلك نفعته بلا ريب، ونجا بها من الشرك الأكبر، وربَّما نجا من الأصغر.
وقد وعد الله تعالى من مات على ذلك بالجنَّة والنجاة من النار، كما في حديث عتبان: " «فإن الله حرَّم على النار من قال لا إِله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» " (١) وهذا الحديث مطابق لقوله ﷺ : " «يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا» "، فإن السبب الذي تحصل به النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة هو ما أرشد إليه عمه، وقاله لابنته وهو الإيمان بالله وترك التعلُق على غيره، واتّخاذ الشفعاء والأنداد، وهذا محض التوحيد الذي دلَّت عليه كلمة الإخلاص، فالأحاديث النبوية يصدق بعضها بعضا ويشهد بعضها لبعض.
وكذلك قوله ﷺ لابنته: " «فإنه نعم السلف أنا لك» "، وهو سلف لكل مؤمن وفرَط لهم لكن ليس فيه أنه سلف لمن تعلَّق عليه ودعاه مع الله؛ ولا أن السلف يهيِّئ غير ما أمر به وأرشد إليه، ولا أنه يدعى ويرجى للشفاعة وغيرها، فليس في هذه الأحاديث أنه يغني حتى يضرب كلامه ﷺ بعضه ببعض ويرد عليه، ويقال: بل يغني. فإن هذا مشاقة لله ولرسوله، ورد لمقاله وتقدَّم بين يديه. وهو حرفة (٢) الجاهلين الذين لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يفقهوا عن الله ورسوله (٣) .
стр. 419
وكذلك حديث: " «كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي» "، فهذا الحديث تكلَّم فيه الحفاظ وتواردته أنظار أكابر الرجال، والجزم بصحته، وأنَّ الرسول ﷺ قاله يحتاج إلى مراجعة ونظر في كلامهم، وعلى تسليم صحَّته فلا معارضة فيه لحديث: " «لا أغني عنك (١) من الله شيئا» "، فإن السبب المضاف إليه ﷺ هو ما جاء به من الإيمان والتوحيد، والإنذار والأخبار بأنه لا يغني من الله شيئا.
وأمَّا النسب: فيُفسر هذه الكلمة ويبينها قوله في حديث العباس: " «والله لا يؤمنوا حتى يحبوكم من أجلي» " (٢) فمن أحبَّ هذا النسب الشريف لما وضع فيه من النبوة والرسالة فهذا لا ينقطع؛ لأنه من شعب الإيمان بالله ورسوله، وليس فيه حجة لهذا المبطل أنه يغني عمن قال له: " «لا أغني عنك من الله شيئا» ".
والمعترض (٣) ألجأته الضرورة إلى أن قال بعد هذا الحديث: (وأي سبب أعظم من الإيمان به وتصديق ما جاء به، ومحبته واتباعه) .
стр. 420
وهذه كلمة حق أتيحت على لسان وحشي، وهي تخالف ما أراد من أنه يغني، فإنه ﷺ نفى الإغناء عن نفسه، لا عن الإيمان به ومحبَته ومتابعته، وكذلك قوله في حديث جابر في إجابة النداء والدعاء بعده بالوسيلة والفضيلة أن «من قال ذلك "حلَّت له شفاعتي ".» فهذا من جنس حديث أبي هريرة: " «أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إِله إلا الله خالصا من قلبه» "، فهذه الأحاديث حجة على أن أقوى الأسباب والوسائل وأنفعها هو إخلاص التوحيد والبراءة من التعلق على الخلق، ولو الأنبياء، وهذا عين تقرير شيخنا ﵀. وهذا الرجل لا يدري ما له مما عليه.
وكذلك الصبر على شدة المدينة ولأوائها لمن قصد الهجرة أو العلم والانحياز (١) إلى جماعة المسلمين وأئمتهم، وكذلك قصد مسجد المدينة للصلاة فيه والاعتكاف؟ وطاعة الله ورسوله هو (٢) من أفضل القرب، ومن أسباب المغفرة، والراوي لم يجزم بأنه ﷺ قال (٣) " «كنت له شفيعا» "، ولذلك قال: "أو شهيدا وعلى كلّ فهو إخبار عن الله أنه يرضى هذا ويشفعه في فاعليه، فعاد الأمر لله؟ والنفع والضرّ والإغناء منه وإليه، لا (٤) راد لأمره؟ ولا معقب لحكمه.
ثم قد تكون الجماعة والعلم في غير المدينة, كما وقع بعد القرون
стр. 421
المفضلة، والرحلة إلى ذلك مستحبة أو واجبة، بخلاف من خرج من المدينة جزعا من لأوائها، وطلبا للدنيا، وفي الحديث: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفرّ بدينه من الفتن» (١) فمن ترك المدينة فرارا من الفتن فهو محمود بنص هذا (٢) الحديث، ولا يحمد الصبر على الافتتان (٣) وإنَّما يحمد الصبر في الفتن وعن الفتن، فافهم هذا يزول عنك تلبيس هؤلاء" الجهال بما ورد في الحث على الصبر على لأواء المدينة ولزومها.
وقول المعترض: (وإنَّما نفى أن يكون ملك في ذلك اليوم (٤) لأحد من خلقه؛ وإنما هو يوم جزاء وتفضُّل منه جل وعلا؟ وعدل بين الناس وعلى الكفار) .
فجوابه أن يقال: هذه العبارة فيها لحن في موضعين: الأول: نصب اسم يكون، والثاني: في تعدية العدل بعلى، وهو معطوف على المضاف غير محتاج للتعدية.
ثم يقال: أي شيء في هذا يدل على أن قوله تعالي ﷺ : " «لا أغني عنك من الله شيئا» " في حق من لم يؤمن، كما زعمه هذا الغبي؟ وقد اشتهر في الكتاب والسنَّة وعرف المسلمين ولغتهم تسمية هذا اليوم بيوم الدين، وإن
стр. 422
كان يحصل فيه فضل وكرم ومغفرة، فيحصل فيه أيضا من العقوبات والأهوال والشدائد ما يقتضيه (١) عدله وحكمته وحمده، والكل دين وجزاء على الأعمال؟ وما كان في هذه الحياة الدنيا.
وأما قوله: (ومن تفضُّله تمليكه لمن يشاء الشفاعة) . وقد تقدَّم أنه لا دليل يدلّ على أنَّ أحدا يملك الشفاعة مع الله، وأنه المختص سبحانه بملكها، كما دل عليه القرآن صريحا في مواضع.
وأما الاستثناء في آية الزخرف وآية مريم فلا يفيد إثبات الملك، والأكثر على أنه منقطع، وعلى القول بأنه متصل فلا حجة فيه، بل هو وله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ (٢) وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] [طه - ١٠٩] . فالاستثناء في كل الآيات دال (٣) على حصولها ووقوعها، لا على أنها تُمْلك كسائر الأملاك العادية، وكما يظنه أهل الجاهلية.
وأما قول البغوي: (لا يملك الله تعالى في ذلك اليوم أحدا كما هم في الدنيا) فهو يشهد لما قررناه، وكذلك، ما حكى المعترض عن عصام هو من هذا القبيل.
وقول المعترض: (ومع ذلك لا ننكر أن يكون في الأمة الأحداث والمنكرات والأفعال التي لا تزال فيها) .
стр. 423
قلت: كأنه يريد أن الشفاعة مملوكة لغير الله، وحاصلة مع وقوع الأحداث والمنكرات والأفعال دائما في الأمة، يعني فالشفاعة لأهلها، وقصده أن كل الأحداث والمنكرات التي لا تزال تقع يشفع (١) في أهلها وأصحابها، وتنالهم شفاعته ﷺ وهذا جزم منه بأن الرسول (٢) ﷺ يشفع في كل من أحدث حدثا أو فعل منكرا كالزنادقة، وعُبَّاد القبور والرافضة، والجهيمة والقدرية، والاتحادية والحلولية، وكل ما يحدث في الأمة، فأين هذا من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] [الأنبياء -٢٨] .
وقولي: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] [البقرة -٢٥٥] , وقول النبي ﷺ : " «أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إِله إلا الله خالصا من قلبه» " (٣) فسبحان من طبع على قلب هذا (٤) وزين له عمله حتى انتهى إلى غاية في الضلالة، ما وصل إليها أحد قبله ممن تصدى لرد ما جاء به نبينا من الهدى ودين الحق، فليهن كل مرتد وجهمي ورافضي دخوله في شفاعته ﷺ له وغناه عنه (٥) ؛ لأنهم أهل الأحداث التي لا تزال تحدث وتتجدد، وقد قال النبي ﷺ : " «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» " (٦) فما حدث في بني
стр. 424
إسرائيل من الأحداث التي تخالف ما جاءت (١) به الأنبياء وتصادمه لا بد أن تحدث في هذه الأمة؟ لأن النبي ﷺ أخبر به، وأكد حصوله باللام الموطئة للقسم، وبالتشبيه البليغ الدال على موافقتهم ومتابعتهم في كل فرد (٢) من سننهم وطرائقهم، وقال ﷺ : " «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» " (٣) وعلى زعم هذا الجاهل كل هؤلاء داخلون في شفاعته ناجون بها. فنبرأ إلى الله من هذه الأقوال الكاذبة الخاطئة، ومن قائلها، وقد نزه الله شرع نبيه وطهره عن هذه الحماقات، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
стр. 425
[فصل فيه معنى الاصطفاء والتفريق بين إنكار المنكر وتكفير من أشرك وعاند]
فصل قال المعترض: (وقد قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢] [فاطر / ٣٢] . قال أبو العباس: ومن قال إنها عامة في الأمم كآيات الواقعة، فقد أخطأ، وساق حديث (١) " «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم» " (٢) . فذلك لأنه كريم يحبُّ الكرم والأفضال ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢] [النجم -٣٢] . و ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] [الأعراف -١٥٦] . ومن رحمته الشفاعة لنبيِّه ووصفه بالرأفة والرحمة.
وقال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] [التوبة -١٢٨] وقال تعالى عن نفسه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] [الأحزاب -٤٣] .