← Акыда

Акыда · id 30868

مصباح الظلام في الرد على من كذب الشيخ الإمام ونسبه إلى تكفير أهل الإيمان والإسلام

عبد اللطيف آل الشيخ

Полный текст (590 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

المفضلة، والرحلة إلى ذلك مستحبة أو واجبة، بخلاف من خرج من المدينة جزعا من لأوائها، وطلبا للدنيا، وفي الحديث: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفرّ بدينه من الفتن» (١) فمن ترك المدينة فرارا من الفتن فهو محمود بنص هذا (٢) الحديث، ولا يحمد الصبر على الافتتان (٣) وإنَّما يحمد الصبر في الفتن وعن الفتن، فافهم هذا يزول عنك تلبيس هؤلاء" الجهال بما ورد في الحث على الصبر على لأواء المدينة ولزومها. وقول المعترض: (وإنَّما نفى أن يكون ملك في ذلك اليوم (٤) لأحد من خلقه؛ وإنما هو يوم جزاء وتفضُّل منه جل وعلا؟ وعدل بين الناس وعلى الكفار) . فجوابه أن يقال: هذه العبارة فيها لحن في موضعين: الأول: نصب اسم يكون، والثاني: في تعدية العدل بعلى، وهو معطوف على المضاف غير محتاج للتعدية. ثم يقال: أي شيء في هذا يدل على أن قوله تعالي ﷺ : " «لا أغني عنك من الله شيئا» " في حق من لم يؤمن، كما زعمه هذا الغبي؟ وقد اشتهر في الكتاب والسنَّة وعرف المسلمين ولغتهم تسمية هذا اليوم بيوم الدين، وإن

стр. 422

كان يحصل فيه فضل وكرم ومغفرة، فيحصل فيه أيضا من العقوبات والأهوال والشدائد ما يقتضيه (١) عدله وحكمته وحمده، والكل دين وجزاء على الأعمال؟ وما كان في هذه الحياة الدنيا. وأما قوله: (ومن تفضُّله تمليكه لمن يشاء الشفاعة) . وقد تقدَّم أنه لا دليل يدلّ على أنَّ أحدا يملك الشفاعة مع الله، وأنه المختص سبحانه بملكها، كما دل عليه القرآن صريحا في مواضع. وأما الاستثناء في آية الزخرف وآية مريم فلا يفيد إثبات الملك، والأكثر على أنه منقطع، وعلى القول بأنه متصل فلا حجة فيه، بل هو وله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ (٢) وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] [طه - ١٠٩] . فالاستثناء في كل الآيات دال (٣) على حصولها ووقوعها، لا على أنها تُمْلك كسائر الأملاك العادية، وكما يظنه أهل الجاهلية. وأما قول البغوي: (لا يملك الله تعالى في ذلك اليوم أحدا كما هم في الدنيا) فهو يشهد لما قررناه، وكذلك، ما حكى المعترض عن عصام هو من هذا القبيل. وقول المعترض: (ومع ذلك لا ننكر أن يكون في الأمة الأحداث والمنكرات والأفعال التي لا تزال فيها) .

стр. 423

قلت: كأنه يريد أن الشفاعة مملوكة لغير الله، وحاصلة مع وقوع الأحداث والمنكرات والأفعال دائما في الأمة، يعني فالشفاعة لأهلها، وقصده أن كل الأحداث والمنكرات التي لا تزال تقع يشفع (١) في أهلها وأصحابها، وتنالهم شفاعته ﷺ وهذا جزم منه بأن الرسول (٢) ﷺ يشفع في كل من أحدث حدثا أو فعل منكرا كالزنادقة، وعُبَّاد القبور والرافضة، والجهيمة والقدرية، والاتحادية والحلولية، وكل ما يحدث في الأمة، فأين هذا من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] [الأنبياء -٢٨] . وقولي: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] [البقرة -٢٥٥] , وقول النبي ﷺ : " «أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إِله إلا الله خالصا من قلبه» " (٣) فسبحان من طبع على قلب هذا (٤) وزين له عمله حتى انتهى إلى غاية في الضلالة، ما وصل إليها أحد قبله ممن تصدى لرد ما جاء به نبينا من الهدى ودين الحق، فليهن كل مرتد وجهمي ورافضي دخوله في شفاعته ﷺ له وغناه عنه (٥) ؛ لأنهم أهل الأحداث التي لا تزال تحدث وتتجدد، وقد قال النبي ﷺ : " «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» " (٦) فما حدث في بني

стр. 424

إسرائيل من الأحداث التي تخالف ما جاءت (١) به الأنبياء وتصادمه لا بد أن تحدث في هذه الأمة؟ لأن النبي ﷺ أخبر به، وأكد حصوله باللام الموطئة للقسم، وبالتشبيه البليغ الدال على موافقتهم ومتابعتهم في كل فرد (٢) من سننهم وطرائقهم، وقال ﷺ : " «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» " (٣) وعلى زعم هذا الجاهل كل هؤلاء داخلون في شفاعته ناجون بها. فنبرأ إلى الله من هذه الأقوال الكاذبة الخاطئة، ومن قائلها، وقد نزه الله شرع نبيه وطهره عن هذه الحماقات، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

стр. 425

[فصل فيه معنى الاصطفاء والتفريق بين إنكار المنكر وتكفير من أشرك وعاند] فصل قال المعترض: (وقد قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢] [فاطر / ٣٢] . قال أبو العباس: ومن قال إنها عامة في الأمم كآيات الواقعة، فقد أخطأ، وساق حديث (١) " «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم» " (٢) . فذلك لأنه كريم يحبُّ الكرم والأفضال ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢] [النجم -٣٢] . و ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] [الأعراف -١٥٦] . ومن رحمته الشفاعة لنبيِّه ووصفه بالرأفة والرحمة. وقال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] [التوبة -١٢٨] وقال تعالى عن نفسه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] [الأحزاب -٤٣] .

стр. 426

ومع ذلك لا تزال علماء أمته (١) ينكرون عليهم، ويجددون لها دينها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدخلون عليها من الباب الواسع ولا يخافون لومة لائم، ويتحاشون من الباب الضيق بتكفيرها، كما فعل هذا الرجل وذووه، ولا يفعل هذا إلا مبتدع خارج عن سبيل علماء الأمة وسلفها الصالح، وقد اتبع هواه وهو يتجارى به الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه) . والجواب أن يقال: وقوف المؤمن العارف بدين الله على هذه الضلالات والجهالات المُرَكَّبة فيه تنبيه له على نعمة الله عليه، وحث (٢) على شكر نعمة الإيمان والإسلام والفهم عن الله. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] [البقرة -٢٦٩] . قال بعض السلف: (من أعطي القرآن، ورأى أن أحدا فوقه، فما عرف نعمة الله عليه) ، وهذه الآية (٣) فيها الدلالة والبرهان على بطلان ما أورده المعترض من أول كلمة أنكرها على شيخنا ﵀، وذلك من وجوه. الوجه الأول: أن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢] [فاطر / ٣٢] . وإضافة التوريث إليه تعالى لهم دون غيرهم شاهد لقول الشيخ: (إنَّ الأمة في مقام المدح والثناء التي جاءت الآثار بمدحهم وتزكيتهم، وقيامهم

стр. 427

بدين الله وشرعه هم أهل القرآن الذي أورثهم الله كتابه، يتلونه حق تلاوته، فيعملون بحكمه ويؤمنون بمتشابهه، ويحلّلون حلاله ويحرمون حرامه) . وهؤلاء جنس (١) ونوع آخر قد باينوا عبَّاد القبور والجهمية والزنادقة، وأهل الأهواء والبدع المضلَّة. قال شيخ الإسلام ﵀: (إنَّما جاء إضافة توريث الكتاب إلى الله في الصنف المحمود في كتاب الله من أوليائه وعباده المؤمنين، فهو سياق في معرض الثناء بخلاف قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ [الأعراف: ١٦٩] (٢) [الأعراف -١٦٩] . فإنه أسند الإرث إليهم ولم يزكهم) . وبهذا تعرف أن هذه الآية كقوله ﷺ في الفرقة الناجية دون سائر الفرق: " «هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (٣) ولا قائل بعصمة أصحاب رسول الله ﷺ من الذنوب، بل تقع فيهم ومنهم ومنهم ومنهم (٤) فظهر أن الله أورث كتابه أهل التوحيد والإيمان والسنَّة، وأما، أهل الشرك، وعبادة الصالحين، ومن عطَّل أسماءه وصفاته، أو سبَّ أئمة الهدى وأعلام الدجى، ونسبهم إلى الأهواء (٥) وتجاري الكلب وغير ذلك مما هو مسؤول عنه ومحبوس، حتى يخرج منه هذا إن لقي الله مسلما، وإلا فالأمر شديد والهول عظيم، والله بصير بالعباد. الوجه الثاني: قوله: ﴿اصْطَفَيْنَا﴾ [فاطر: ٣٢] فإن الاصطفاء هو الاختيار

стр. 428

والاجتباء، ولا قائل من الناس بأن كل مدعِ للإيمان والإسلام يدخل في هذا العموم من غير تحقيق لدعواه بالإيمان بالله وتوحيده؟ وإثبات صفات كماله ومتابعة رسله، ومن قال غير هذا فخطأه أوضح من أن ننبه عليه. ومعلوم: أن الزنادقة والجهمية والاتحادية والحلولية كلهم يدعون أنهم من المصطفين ومن أتباع الرسل، وكل هؤلاء ما أورثهم ﷺ كتابه ولا اصطفاهم، ومن زعم غير ذلك فهو شاهد زور، ولو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم لكن البينة على من ادَّعى" (١) . وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] الآية [البقرة / ١١١ / ١١١] . فقد حكم تعالى في هذه الآية بحكم (٢) لا مطمع بعده لمبطل مشرك أن يكون من أهل الجنة وأهل الاصطفاء المستحقين للثواب. فإن قوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] (٣) [البقرة -١١٢] . (يُخْرج كل مشرك يعدل بربه، ويسوي بينه وبين غيره في خالص حقِّه، وقوله ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [لقمان: ٢٢] ) (٤) يخرج كل مبتدع لم يأتِ بما وجب من المتابعة، والسير على المنهاج المحمدي في أصول الدين وفروعه، وهذان الصنفان ليسوا من أهل الاصطفاء, والنزاع فيهم، وفي قوله: مِن عِبَادِنَا

стр. 429

ما يشهد لهذا فإن العباد في مقام المدح لا يدخل فيهم من عبد الصالحين والأنبياء (١) ودعاهم مع الله؟ لأن الإضافة تقتضي توحيدهم وإخلاصهم العبادة، فهي إضافة تشريف، وهو الوجه الثالث. وأما قول أبي العباس: (إنها ليست بعامة في الأمم كآية الواقعة) . فهذا يدل على أن من ذكر في هذه الآية لا يدخل فيهم إلا من آمن بالله ورسوله (٢) وأفرده بالعبادة بخلاف أهل الشرك والبدع المكفرة، فإنهم هم المذكورون في الآية بعدها، ففيه أنَّ هذه الأمة منهم من كفر بالله ورسله (٣) كالمذكورين في آخر هذه الآية، وكلام أبي العباس يدل عليه، إذ جعل الآيات هنا في هذه الأمة خاصة لا في غيرها من الأمم، كما في آية الواقعة. الوجه الرابع: أنه تعالى ذكر بعد هذا قسما رابعا لم يدخلوا في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢] [فاطر -٣٢] . وذلك (٤) قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦] [فاطر -٣٦] . وقد ذكر شيخ الإسلام الإجماع على كفر من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويعبدهم، ويتوكَّل عليهم، والنزاع بيننا وبين هذا

стр. 430

المعترض إنَما هو في هذا الصنف، فهم بهذا القسم أليق، وإليه أقرب فالآية حجة لشيخنا ﵀، وليس فيها ما يتعلق به هذا المعترض بوجه من الوجوه. وأمَّا قوله ﷺ : «لو لم تذنبوا لأتى الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم» ": فالخطاب في هذا للمؤمنين الذين أفردوا الله بالعبادة، ولم يتخذوا معه آلهة أخرى، وأما من دعا الأولياء والصالحين من أهل القبور والغائبين وجعلهم أندادا لله رب العالمين، فهذا مشرك شركا يَحول بينه وبين المغفرة. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] في موضعين من كتابه [النساء ٤٨، ١١٦] . وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] [المائدة -٧٢] . إذا عرفت هذا فالمعترض جاهلي، بقي على جاهليته لم يميز بين الذنوب، ولم يعرف معنى الأحاديث النبوية، ثم لو سلَّمنا أن الذنوب في الحديث يدخل فيها الشرك والمكفِّرات لكان في قوله: ( «فيستغفرون فيغفر لهم» ) دليل على أن الشرك لا يغفر إلا بالتوبة منه، وإن الاستغفار إذا أطلق كان بمعنى التوبة التي تشتمل (١) على الندم والإقلاع والعزم على ألا يعود. هذا هو الاستغفار المراد عند الإطلاق في كلام الله وكلام رسوله. وأما قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] [الأعراف / ١٥٦] . فقد أخبر تعالى بأنه سيكتبها

стр. 431

﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧] [الأعراف -١٥٧] . وأما وصف الرسول ﷺ بالرحمة: فهو لا يقضي الشفاعة لمن دعاه بعد موته ﷺ وخرج عن سبيل المؤمنين، وقد تقدَّم أنه يقول لمن يذاد عن الحوض من أصحابه إذا قيل له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فيقول: " سحقا سحقا " (١) . وأما قول المعترض: (ومع ذلك لا تزال علماء أمته ينكرون ويجددون) . فنعم؛ ولكن لا يزال المنافقون والملحدون يعادونهم ويردون (٢) ما جاؤوا به من الدين، ويقولون: هو ظاهر لا يحتاج لتجديد، ويلقبونهم بالألقاب الشنيعة، وينسبون إليهم تكفير الأمة الوسط إذا أنكروا على عبَّاد القبور والمشركين، فتعسا لمن هذا (٣) حرفته، وهذه صفته. وأما قوله: (ويدخلون عليها من الباب الواسع) . فإن كان مراده أنهم يوسعون لمن دعا الصالحين وأشرك بالأموات والغائبين (٤) فقد كذب وافترى، وبهت علماء الأمة، بل شدَّدوا في ذلك وحكموا بأنه من الشرك الأكبر، ونهوا عن وسائله وذرائعه، عملا بقول نبيّهم ﷺ ونصحا للأمة، ونهوا عما دون ذلك من شرك الألفاظ والأقوال، كقول (٥) "ما شاء الله وشئت "، وكقول القائل "والله وحياتك؟ ولولا

стр. 432

البط في الدار لأتانا اللصوص! ، ولم يرخصوا في ذلك ولم يوسعوا فيه، فكيف بالشرك الأكبر وما فيه التسوية بين الله وبين عباده في خالص حقه؟ وبهذا تعرف ما تقدَّم مرارا من أن هذا المعترض فيه مشابهة برجال الجاهلية الأولى في عدم معرفة دين الأنبياء، وعدم قبوله وإيثاره على ما سواه. وأمَّا قوله: (ويتحاشون من الباب الضيق بتكفيرها، كما فعل هذا الرجل وذووه) . فقد عرفت أنه جعل الباب النبوي المحمدي في تكفير من أشرك بالله، وسوى بينه وبين خلقه بابا ضيّقا، ونسب فاعله إلى الابتداع والخروج والهوى الذي يتجارى بصاحبه كما يتجارى الكلب، ولعمر الله إن الحكم بهذا والذهاب إليه من أعظم المكفرات، وموجبات الردَّة لمن عرف أن الرسول جاء به، وأن القرآن حكم على أهله بالشرك والكفر. وأما الأعمى الذي لا يدري قول الرسول، ولا يعرف أحكام التنزيل، ولم يبلغه عن الله ورسوله تكفير من عصى الرسل، ودعا الأموات والغائبين فيما لا يقدر عليه إلا الله، فأهل العلم لهم في مثله كلام ليس هذا محله.

стр. 433

[فصل فيه مناقشة التفريق بين الخوارج وأهل السنة] فصل قال المعترض: (ولهذا قال الإمام أحمد: صحَّ عن النبي ﷺ من خمسة أوجه أنه قال: " «الخوارج كلاب النار» " (١) فالحاصل أنه لا يكذّب بحال الروح إلا من قلبه مجروح دون أنه ﷺ في قبره حي وجسده طري أعلى (٢) من حياة الشهداء يسمع المخاطب، وصح عن سعيد بن المسيب أنه يسمع أيام فتنة الحرة الأذان والإقامة من قبره ﷺ (٣) وليس موسى بأعلى رتبة منه -عليهما الصلاة والسلام-، وقد مرَّ (٤) أنه يصلي في قبره، وذكر ابن القيم من أحوال الروح في كتاب " الروح الكبير" ما لا يمكن أن يتكلَّم به مع هؤلاء الجهلة الغوغاء؛ وأنها قد تهزم الجيوش) . ثم ذكر حديث: " «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام» " (٥) وحديث: " «تعرض عليَّ أعمالكم فما رأيت من خير حمدت

стр. 434

الله تعالى عليه وما رأيت من شر استغفرت لكم» " (١) وساق حديث: " «إنَ أعمالكم تعرض على عشائركم من الأموات فإن كان خيرا استبشروا وإن كان غير ذلك قالوا (٢) اللهم لا تمتهم حتى تهديهم (٣) كما هديتنا» (٤) . قال المعترض: (إن كان سفيان قد دلس فيه، فهو ثقة عدل) . يشير إلى أن سفيان حدث عمن سمع أنس بن مالك. والجواب: أما ما جاء في الخوارج عن رسول الله ﷺ فهو حق لا ريب فيه، والخوارج لا يعرفهم هذا وأمثاله من الضُلاَّل، فإنهم قوم خرجوا على أصحاب رسول الله ﷺ وكفَّروهم، وفسَّقوهم بتحكيم الحكمين، ووضع الهدنة بين المسلمين في قتالهم، فكروهم بأمور ظنُّوها ذنوبا وسيئات متأولين قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] [الأنعام: ٥٧، ويوسف ٤٠, ٦٧] . وقوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١] [التوبة: ١] .

стр. 435

قالوا: (فلا حكم لأحد ولا هدنة بعد براءة، وقصتهم معروفة) ، وقد قاتلهم أمير المؤمنين (١) وقتلهم، وبقيت منهم بقية صارت لهم صولة وجماعة في خلافة بني أمية فقاتلهم ابن الزبير، وقاتلهم الحجاج، وقاتلهم المهلب بن أبي صفرة. فهؤلاء كفروا أهل الإيمان والإسلام بأمورِ ظنُّوها ذنوبا وسيئات. وأما أهل العلم والإيمان وأتباع الرسل: فهم يفرقون بين الذنوب وغيرها، ويفصلون في الذنوب المحققة بين ما يكفر ويوجب الردَّة (٢) وما يوجب الفسوق فقط، وما لا يوجبه من الصغائر المكفّرة (٣) باجتناب الكبائر، فهم على صراطٍ مستقيم، ومنهج مستبين؛ يأتمُّون بكتاب الله، ويقتدون برسول الله، ويعتصمون بحبل الله، قد فصلوا وبيَّنوا الذنوب المكفِّرة لأصحابها، وقرروها بأدلتها في كتب الحديث، كالصحيحين والسنن الأربع والمسانيد (٤) الثمانية، والمعاجم، ونحوها من دواوين الإسلام التي يرجع إليها في سائر الأحكام، ولذلك عقد أهل المذاهب المتبوعين أبوابا مستقلة (٥) في حكم الردَّة، وذكروا ما يكفر به المسلم من الأقوال والأفعال، وكلهم قرر (٦) أن الشرك الأكبر يوجب الردَة كما يوجبها السحر والاستهزاء بالله وبكلامه ورسله، وذكروا (أنَّ من كَفَر بحرف من القرآن، أو فرع مجمع عليه أنه مرتد، ويخرج عن الإسلام بذلك،

стр. 436

وذكروا) (١) أشياء كثيرة قد أفردها ابن حجر (٢) وغيره بالتصنيف، فإن كان هؤلاء كلهم خوارج، فليس في الأمة إلا خارجي مبتدع، وإمامهم ورئيسهم أبو بكر الصدّيق ﵁ الذي كفر وقاتل مانع الزكاة، وإن لم يكن هؤلاء من الخوارج وأهل البدع؛ فالشيخ ﵀ واحد من الجملة وفرد من آحاد العلماء، ولم يخرج عن سبيل أهل العلم في مسألة من المسائل، والمسألة التي فيها النزاع- وهي (٣) دعاء الأموات والغائبين للشفاعة أو غيرها من المطالب مسألة إجماعية لا نزاع فيها بين علماء الأمة، وقد حكى شيخ الإسلام الإجماع على كفر من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم، بل حكى في رده على النصارى: أنَّ النبوَّات اتَّفقت على تكفير من دعا الأموات والغائبين، وقرَّر أن هذا من العبادات التي لا تصرف لغير الله ولا يستحقها أحد سواه. إذا عرفت هذا: فالمعترض وأمثاله صالوا على أتباع الرسل قديما وحديثا بأنهم خوارج، وأن هذا دين الخوارج، وقالت قريش قبلهم لرسول الله ﷺ : إنه الصابئ. والصابئ قريب من معنى المعتزلي والخارجي، قال ابن القيِّم ﵀ في نونيته (٤) . ومن العجائب أنهم قالوا لمن ... قد دان بالآثار والقرآن أنتم بذا مثل الخوارج أنهم ... أخذوا الظواهر ما اهتدوا لمعاني (٥)

стр. 437

فثبت أن هذا الداء (١) قديم، صدَّ به إبليس الرجيم أمما لم يفرّقوا بين ما كفرت به الرسل وأتباعهم، وما كفَّرت به الخوارج وأشياعهم، فكم هلك في هذا من جاهل، وكم زاغ به من زائغ. ثم يقال لهذا (٢) إذا ثبت أن الخوارج كلاب أهل النار؟ لأنهم كفروا أهل الإسلام بالذنوب- على زعمهم- فكيف ترى بمن (٣) كفَّر أئمة الدين وعلماء الأمة وورثة الرسول (٤) بمتابعته، وتجريد التوحيد، والبراءة من الشرك وأهله؟ فأي الفريقين أحق أن يكون من كلاب النار: من كفَّر بالذنوب والسيئات، أو من كفر بمحض الإيمان والحسنات؟ الله أكبر. ما أضل هذا الرجل (٥) عن سواء السبيل. [حياة الأنبياء والشهداء بعد موتهم لا يدل على علمهم بحال من دعاهم ولا قدرتهم على إجابته] وأما قوله: (فالحاصل أنه يكذِّب بحال الروح إلا من قلبه مجروح) . فيقال: هذا شروع منه في أن الأرواح لها تصرف، وعلم يوجب دعاءها بعد مفارقة أجسادها، والاستغاثة بها، وهذا القول حكاه شيخ الإسلام عن الصابئة، وقرَّره غير واحد في دعاء الأنفس المفارقة أنفس الأنبياء والصالحين والملائكة (٦) . واستدل الغبي على هذه الدعوى الصابئية بأنه ﷺ في قبره حي،

стр. 438

وجسده طري- بأبي هو وأمي- ولم يفقه هذا المعترض (١) معنى حياة الأنبياء والشهداء، ولم يدرِ حقيقتها مع أن الإشارة إليها صريحة في كتاب الله! وفي سنة رسول الله (٢) والرجل حاطب ليل لا علم له بما يورده من النقول، ولا دراية له بشيء من المعقول، وليست حياة الأنبياء والشهداء كما يظنه هؤلاء وأسلافهم من الصابئة, من أنهم (٣) لهم علم (٤) بحال من دعاهم وقدرة على إجابته، وتصرف في العالم، وجولات (٥) في الملكوت، ويكفي المؤمن في بيان حياتهم والإشارة إلى حقيقتها قوله تعالى (٦) ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] [آل عمران -١٦٩] . وقوله ﷺ فيما صحَّ عنه: " «أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاء» " (٧) ويكفي في إبطال قول الصابئة وورثتهم قوله تعالى عن المسيح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] [المائدة: ١١٧] في هذه الآية ما يدل على أنه ﵇ لا علم له بما صدر

стр. 439

وجرى منهم بعد وفاته، وأنه إنَّما يشهد بما كان منهم مدة حياته وبقائه فيهم، ولا يعلم سواه (١) ولا يشهد بغيره، وعن ابن عباس مرفوعا: " «تحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلا» "، ثم قرأ (٢) ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] [الأنبياء: ١٠٤] . «وأول من يكسى (٣) إبراهيم، ويؤخذ برجال من أصحابي ذات الشمال، فأقول: " أصحابي". فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ - إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨] » (٤) [المائدة - ١١٧، ١١٨] . فإذا كانت هذه أحوال أكابر (٥) الرسل وسادات الأنبياء لا شهادة لهم ولا علم (٦) بأممهم إلا مدة دوامهم فيهم، وحياتهم بين أظهرهم، فكيف يقال: بأن الروح تعلم علما مطلقا بحال من دعاها، فَتُسأل أو تدعى؟ ما أقبح الكذب على الله وعلى رسله. وكذلك قوله تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١] [الجن: ٢١] .

стр. 440

وفي الحديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به» (١) أو ولد صالح يدعو له (٢) وقوله ﷺ : «نسمة المؤمن طائر يعلق بشجر الجنة» (٣) . وأما حياته في قبره: فنعم ﷺ (٤) ولكن الشأن في معرفة حقيقة هذه الحياة والفرق بينها وبين الحياة الدنيوية. وأمَّا سماع النداء بالأذان والإقامة من القبر الشريف: فالأمر أجلّ من ذلك وأرفع، وقد سمعت القراءة من كثير من الأموات من سائر المؤمنين فكيف بسيد المرسلين؟ . وأما صلاة موسى في قبره: فإن صحَّ الحديث بها، فليس فيها حجة، ولا دليل على أن أحدا منهم يقصد للدعاء والشفاعة، والحديث فيه مقال؟ ولذلك قال صاحب (٥) [الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية] (٦) . في النفس منه حسيلة: هل قاله؟ ... والحق ما قد قال ذو الفرقان وأمَّا ما ذكر ابن القيم ﵀ في كتاب [الروح] : فليس فيه أن الأرواح تفعل، وتهزم الجيوش، أو تنصر على الأعداء، كما زعمه هذا الضال

стр. 441

الذي مبنى (١) دينه ورده على المسبة والسفاهة (٢) ونسبة المؤمنين إلى أنهم جهلة غوغاء، فليوجدنا حرفا يشهد لقوله عن (٣) ابن القيم أو غيره، بل في كتاب "الروح" من ذكر أحوال الأرواح، وتقسيمها، واشتغالها بما هي بصدده، وحبس بعضها وانقطاع أعمالها، وغير ذلك من صفاتها ما يشهد بأنها مقهورة مربوبة مدبرة؟ لا تزيد في حسناتها ولا تنقص من سيئاتها إلى يوم النشور، خلافا لما زعمه الكاذب الظالم الفجور. وأمَّا حديث: " «إنَّ لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام» " (٤) فهذا الحديث حجة لأهل التوحيد القائلين بأن الرسول لا يعلم الغيب، ولا يملك لأحد ضرا ولا نفعا. ووجه الدليل: إنَّ السلام يرفع إليه ويبلغ إيَّاه؟ ولم يرد أنه يعلم أو يسمع من بُعد من المصلين والمسَلمين عليه، وإذا كان الحال هكذا فما ظنك بالداعين والطالبين؟ . وكذلك عرض الأعمال عليه: يقال فيه ما قيل في هذا، وكذلك عرضها على العشائر والأقارب لا يدلّ على أنَّ الميت يدعى ويقصد، ويطلب منه الاستغفار، فإن هذا من دين المشركين. وهذه الأحاديث لا تدل على جواز دعاء الأموات والغائبين، ولا على عموم العلم بحال الداعين، ولا على حصول الاستغفار في كل

стр. 442

وقت وحين، فان هذا يحتاج لتوقيف من الشارع ﷺ . وأما قوله: (وإن كان سفيان قد دلَّس فهو ثقة عدل) . فيقال له: البحث في هذا ليس من شأنك، ولا من حرفتك، ولا تحسن الخوض في هذه المباحث، وسفيان أجل من أن يزكيه أمثالك من الضالين، والعلَة ليس ما زعمته وقررته (١) .

стр. 443

[فصل فيه رد مسبة المعترض بلد الشيخ] فصل ثم ذكر المعترض بعد هذه الأحاديث التي مرت من الفحش والكذب (١) والوقاحة (٢) ما يتحاشى العاقل عن ذكره وحكايته، وليس من الحجة في شيء حتى يحكى ويرد إنَّما هو سباب لا يصدر من ذوي الألباب، وهكذا (٣) حال الجاهل والسفيه، إذا أفلس، ضاق عطنه، فاستراح إلى المسبة والفحش والبذاءة، وقال أبو حيان فيما كتبه في الرد على الزمخشري:. ويشتم أعلام الأئمة ضلة ... ولا سيما أو أورده المضايقا ويسهب في المعنى الوجيز دلالة ... بتكثير ألفاظ تسمى الشقاشقا. ثم ذكر كلاما طويلا في مسبة بلد الشيخ وموضعه، وأنه بلد مسيلمة ونجدة الحروري والقرمطي والأخيضر (٤) . وابن عصفور؛ وهذا حاصل علم ثور المدار بن منصور، أي بلد من بلاد المسلمين لم يقع فيها من

стр. 444

المكفرات (١) والشرك، وعبادة (٢) النيران، أو الأوثان، أو البدع المضلَّة، ما هو من جنس ما حصل باليمامة أو أفحش. ثم كون نجدة الخارجي والقرمطي من هذه البلاد كلام كذب وزور، على عادته، فإن نجدة ابتلى ببدعته ومروقه بالعراق، وبها استقرَّ وهي وطنه، وأيضا فقد ثبت أنه تاب لما ناظره ابن عباس. والقرمطي بلاده القطيف والخط، وليس من حدود اليمامة، بل ولا من حدود نجد، ثم لو فرض أنه من نجد ومن اليمامة ومن بلدة الشيخ، أي ضرر في ذلك؟ وهل عاب الله ورسوله أحدا من المسلمين أو غيرهم ببلده وطنه، وكونه فارسيا، أو زنجيًّا، أو مصريّا، من بلاد فرعون، ومحل كفره وسلطنته؟ وعكرمة بن أبي جهل من أفاضل الصحابة، وأبوه فرعون هذه الأمة. ومن العجب أن يقول في المؤمنين: ( ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] ) ، وهو كما ترى من أكثف الناس حجابا، وأغلظهم ذهنا، يعيب من زكَّاهم الله ورسوله بالإيمان به، ومتابعة رسوله ببلاد قد كفر فيها بالله وعبد معه (٣) . غيره، وهو يعلم أن بلاد الخليل إبراهيم حران دار الصابئة المشركين عُبَّاد النجوم، ودار يوسف دار فرعون الكافر اللعين، وسكنها موسى بعده وأكابر بني إسرائيل، وكذلك مكة المشرَّفة، سكنها المشركون وعلقوا الأصنام على الكعبة المشرَّفة، وأخرجوا نبيهم وقاتلوه

стр. 445

المرة بعد المرة أفيستحيل مؤمن، أو عاقل، أو جاهل أن يلمز (١) أحد من المهاجرين، أو من مسلمة الفتح، أو من (٢) بعدهم من المؤمنين بما سلف في مكة من الشرك بالله رب العالمين؟ فاحكم أيها السامع المنصف بيننا وبين هذا الرجل الذي يتأوَّل فينا قوله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] [النساء: ٧٨-٧٨] . وقد رفعت إليك الخصومة وجاء كل بحجته، عسى أن يوفق لهما (٣) صاحب سنَّة، وصاحب صناعة يحكم بالحق، ويفصل النزاع، فقد طال اعتراض هؤلاء الجهلة، وتمادوا في غيهم وضلالهم، فالله المستعان. ثم قال: (ومن ذلك الذي نحن بصدده حديث الأعمى الذي صحَّحه الترمذي وغيره من حديث عثمان بن حنيف (﵁ الذي علمه النبي ﷺ إياه. وفيه النداء بغيبته، ففتح الله له عينيه، فجاء إليه كأن لم يكن به بأس. وعلمه عثمان بن حنيف) (٤) رجلا في خلافة عثمان، وكانت له حاجة فتيسرت حاجته، فالكل من عند الله تعالى في الحقيقة، وهو ﷺ سبب يكرمه الله بذلك، فما ذنب صاحب البردة ﵀ في قوله: يا أكرم الخلق؟ (أليس هو بأكرم الخلق) (٥) على الله؟ . ثم قال: (وروى الحاكم بإسناده عن عمر بن الخطاب -رضي الله

стр. 446

عنه (١) قال: قال (٢) رسول الله ﷺ : " «لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، قال الله تعالى: يا آدم، وكيف عرفت محمدا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي، فإذا على قوائم العرش مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعرفت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، وقال الله: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إليّ، إن سألتني بحقه فقد (٣) غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك» " (٤) ورواه الطبراني وزاد: " «وهو آخر الأنبياء من ذريتك» " (٥) قال: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] [النساء: ١] على قراءة الجر، وقد صح عن عبد الله بن جعفر ﵁ أنه إذا سأل عمه شيئا بحق جعفر أجابه) . ثم أخذ يكرّر ما تقدَم من حديث السؤال (٦) بحقّ السائلين، وحديث الغار، وأن ذات النبي ﷺ أعلى من العمل الصالح، وقد أعطاه الله الشفاعات، وهو حي في قبره ﷺ وأن سعيدا سمع الآذان والإقامة أيَّام الحرة من القبر الشريف، وأنه يستغفر لأمته. وكل هذه قد تكرَر؛ ولكنه أفلس وعاد إلى تقليب ما في المكتل، كل هذا أجبنا عنه بحمد الله.

стр. 447

ثم قال: (فأين هذا من عبادة غير الله تعالى من دونه جلَّ وعلا، والذي في الآية الكريمة التي استدل بها هذا الرجل على تكفير هذه الأمة؟ سبحانك هذا بهتان عظيم؟ إذ هو من القول على الله بلا علم، وليس ما ذكرنا استدلالا منا على ذلك لا إثباتا ولا نفيا، فذلك أمر آخر، وإنما هو نفي لتكفير هذا الرجل للأمة وعلمائها بذلك بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، فلا بكتاب ربه في ذلك اهتدى، ولا بسنَّة رسول الله ﷺ اقتدى، ولا بقول من بقوله الرضى والشفاء من العلماء، لا بصحابي مضى (١) ولا بتابعي قفى (٢) ولا عمن في قوله الشفاء من العلماء أهل المعرفة بالاقتداء، ونحن بحمد الله ندين بأنه واحد أحد، فرد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. لا رب لنا سواه، ولا نعبد إلا إيَّاه، حيّ قيُّوم، وهو على كل شيء قدير، بيده ملكوت كل شيء وإليه يرجع الأمر كله له الخلق والأمر، ولكن لا نحكم أنفسنا على الله تعالى ورسوله، وما (٣) فعله السلف أو ردوه لا يكون كفرا جائزا أو غير جائز عند بعضهم، بل ولا فسقا) . والجواب أن يقال: قد تقدَّم الكلام على حديث الأعمى، وتقدَّم تنبيه هذا المعترض على الفرق بين الأسباب، وأن منها ما شرع ومنها ما لم يشرع، هذا على تسليم كون سؤاله ﷺ سببا (٤) يشفع لمن دعاه. وقوله: (فما ذنب صاحب البردة) قد تقدَم الكلام في ذنبه، وبيان

стр. 448

الوجه في ذلك وإن لم يفقه هذا المعترض، وليس النزاع في كونه ﷺ أكرم الخلق، وإنَّما هو في دعاء غير الله، والاستغاثة بسواه. [بيان أن حديث توسل آدم بحق محمد ﵇ موضوع] وأما الحديث الذي عزاه لعمر بن الخطاب، بتوسل آدم بحق (١) محمد: فهو حديث موضوع، مكذوب، باتفاق أهل العلم بالحديث، كما جزم به شيخ الإسلام في كتاب الاستغاثة في الردِّ على ابن البكري (٢) وأهل العلم يفرقون بين ما رواه الطبراني، وما رواه أئمة الحديث كالبخاري ومسلم وأحمد وأصحاب السنن الأربعة وموطأ مالك، وما رواه غيرهم من أهل المسانيد، لا سيَّما الطبراني، وأمثاله من المكثرين؟ فلا يحتجّ بحديثهم، وما انفردوا به إلا بعد النظر في سنده، وكلام أهل الجرح والتعديل، ومجرَّد العزو لا تقوم به حجة؟ لكثرة ما اشتمل عليه من الموضوعات. وقد أنكر الحفاظ الحكاية (٣) التي تنسب إلى مالك مع الخليفة المنصور التي ذكر فيها: "كيف تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة آبائك وجزموا بأن الحكاية موضوعة، وأن مالكا لم يقل هذا. وقد تكلَّم عليه الحفاظ: ابن عبد الهادي (٤) وغيره بكلام بديع، وذكر: (أنه من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم الذي قال فيه مالك بن أنس ﵀: اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يحدثك عن أبيه عن نوح. وقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: سأل رجل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أحدثك أبوك عن أبيه عن جده: أن سفينة

стр. 449

نوح طافت بالبيت وصلت ركعتين؟ قال: نعم، قال ابن خزيمة: عبد الرحمن بن زيد (١) ليس ممن يحتج أهل العلم (٢) بحديثه. وقال الحاكم: روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأمَّلها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه، وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: حدَّث عن أبيه، لا شيء) . وأمَّا سؤال عبد الله بحق جعفر: فليس فيه دلالة على محل النزاع، وليس (منه في شيء، فإن السؤال للحقوق الثابتة حض وحث على التزامها، وليس) (٣) من سؤال غير الله ودعائه، فكما أن للسائلين على الله حقا (٤) يسأل به كذلك للرحم حق على الأقارب يسألون به، وأين هذا من قول الناظم في بردته: (ما لي من ألوذ به سواك) وما بعده. وأما قوله: (فأين هذا من عبادة غير الله) . فالكلام ليس في التوسل الذي هو سؤال الله بحق عباده، والتوسل بالأعمال الصالحة، حتى يقال: (أين هذا من عبادة غير الله؟) ، وإنما النزاع والكلام في دعاء غير الله من الأموات والغائبين، ومن استبعد كونه عبادة لغير الله وأنكر ذلك فهو من أجهل الخلق بمسمى العبادة. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] [غافر: ٦٠] . ومر حديث النعمان، وقوله: " «الدعاء هو العبادة» (٥) . وحديث

стр. 450

" «الدعاء مخ العبادة» " (١) . والمعترض مخاتل (٢) متلاعب بدين الله، وسيجزيه الله على ذلك ما يستحقه وتقتضيه حكمة الرب في مجازاة أمثاله. وأما قوله (٣) (وليس ما ذكرنا استدلالا منا على ذلك لا إثباتا ولا (٤) نفيا) . فهذا كذب يناقض ما قبله، فإنه أثبت ما في أبيات البردة وقرَّره، وساق ما يزعم أنه يشهد له، وأن الطلب من الأموات والغائبين بقصد الشفاعة (جائز وارد، ونفى ما استدرك عليه الشيخ من تحريم دعاء الأموات الشفاعة) (٥) أو غيرها (٦) وزعم: (أن من قال: هذا من الشرك. فقد كفَّر الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس، القائمين بدين الله) ، وأكثر من هذا النوع وأسهب فيه، كما مر (٧) . وهنا يقول: " ليس ما ذكرنا استدلالا منا على ذلك، لا إثباتا ولا نفيا". فالرجل لا يعقل ما يتكلم به، وشيخنا لم يكفر الأمة وعلماءها حتى صاحب البردة وإنَّما تكلَّم فيما دلَّ عليه كلامه واقتضاه نظمه وخطابه، وعلماء الأمة ليسوا (٨) من هذا الضرب الغالين في الأنبياء والصالحين، وهذا الرجل ما عرف العلم ولا العلماء، ولا مسمى

стр. 451

الأمة، ولا مسمى التوحيد، ولا مسمى الشرك ولا التوسل، فهو (١) أجهل الخلق بحدود ما أنزل الله على رسوله، وهو أحق الناس بما رمى به شيخنا من ترك الاهتداء والاقتداء، وعدم القول بما ذهب إليه أهل الرضى. وأما قوله: (ونحن بحمد الله ندين بأن الله واحد أحد لا ربّ لنا سواه ولا نعبد إلا إيَّاه) . فيقال: الخصومة منذ سنين بيننا وبينك (٢) فيما دلَّت عليه هذه الكلمة، والنزاع في عبادة الله وحده لا شريك له. نحن نقول: دعاء الأنبياء والصالحين من الأموات والغائبين للشفاعة أو غيرها شرك ظاهر مستبين، ونستدل على قولنا بما في كتاب الله من تحريم دعاء غيره وعبادة سواه، وندخل دعاء الأموات والغائبين فيما دلَت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال السلف، وأهل التأويل، كما استدلَّ بذلك سلفنا الصالح من علماء الأمَّة، وأئمة الدين وأكابر المحدثين والمجتهدين، وأنت أيُّها الرجل تزعم أن هذا جائز أو مستحب، وتستدل بما مرَّ من أدلتك التي يعرف من نظر فيها أنك عن العلم والإصابة بمعزل، وأنك لم تتصور حقيقة الإسلام، وما جاءت به الرسل (٣) الكرام. وأمَّا قوله: (ولكن (٤) لا نُحَكم أنفسنا على الله ورسوله) . فقد كذب في هذا؟ بل حَكَم نفسه ورجع إليها، وقاد النصوص إلى رأيه الضال وقوله الفاسد.

стр. 452

وقوله (١) (وما فعله السلف لا يكون كفرا جائزا أو غير جائز عند بعضهم، بل ولا فسقا (٢)) . فهذا الكلام كلام جاهل لا يدري ما يقول، فأي شيء فعله السلف أو رأوه جائزا كفر به شيخنا؟ وما معنى هذه الكلمة؟ وهذا الاسم عند الإطلاق؟ أهو للجميع والجملة، أو لفرد منها؟ وأظنه يشير إلى أن سؤال الله بجاه الأنبياء والأولياء فعله بعض السلف، فأطلق اسم السلف على فرد منهم، وقد تقدَّم الكلام على هذه المسألة؟ وأن الذي يشير إليه هذا (٣) ما فعله أحد قط؟ وفي قوله: (أو غير جائز عند بعضهم) ، يريد أنه لا يذم، وإن لم يجزه بعضهم، ومنع منه، وهذه المسألة الصواب فيها وفي غيرها: رد مسائل النزاع إلى الكتاب والسنَّة، والحكم بموجب ذلك، ولا يقال: (إن ما فعله السلف ولو غير جائز، ليس بكفر ولا فسق) ، فإن هذا بكلام الغوغاء أشبه منه بكلام العقلاء؛ وقدامة بن مظعون وأصحابه ﵃ أنكر عليهم أصحاب ﷺ ، وجزموا بأن استحلال الخمر بعد قيام الحجة على مستحله كفر، ووافقهم على ذلك قدامة بن مظعون وأصحابه، وبادر إلى التوبة هو وأصحابه ﵃، وهم من أكابر السلف، فكيف يقال: وما فعله السلف لا يكون كفرا بل ولا فسقا؟ والمراد آحاد السلف.

стр. 453

[فصل فيه مناقشة أن الرؤيا المنامية ليست من الأحكام الشرعية] فصل قال المعترض: (فقد روى البيهقي بسند جيد من طريق الأعمش عن أبي صالح عن مالك الداري ﵁ المعروف بخازن عمر. قال ﵁: "أصاب الناس قحط في زمان عمر بن الخطاب، فجاء رجل "إلى قبر النبي ﷺ (١) قال: يا رسول الله استسق الله تعالى لأمتك، فإنهم هلكوا، فأتاه رسول الله ﷺ في المنام، فقال: ائت عمر، فأقرأه (٢) السلام، وأخبرهم (٣) أنهم مسقون، وقل له: عليك الكيس الكيس، وأتى الرجل عمر، فأخبره فبكى، ثم قال: يا رب، ما آلوا إلا ما (٤) "عجزت عنه" (٥) ورواه سيف بن عمر في فتوحه، وبين أن الرجل الذي رأى المنام بلال بن الحارث الصحابي الذي أقطعه النبي ﷺ المعادن القبلية (٦) فماذا يقول هذا (٧) أيقول (٨) إن الصحابة

стр. 454

-﵃ الذين منهم أهل الشجرة كفروا، أم نقلة هذا الخبر من حفاظ هذه الأمة وسلفها الصالح، فهو كفر بالتوسل به (١) ﷺ ، وهذا فيه أنهم نادوا وطلبوا منه ﷺ الاستسقاء أبلغ من ذلك، وفيهم الفاروق) . والجواب أن يقال: هذه الحكاية على تسليم صحتها ليس فيها دليل شرعي يجب المصير إليه عند أهل العلم والإيمان، فقد ذكر العلماء (٢) الأدلة الشرعية وحصروها وليس أحد منهم استدل على الأحكام (٣) برؤيا آحاد الأمة، لا سيَّما إذا تجرَّدت عما يعضدها من الكتاب والسنَّة أو (٤) الإجماع أو القياس، وهذا الرجل الذي رآها أبهمه من روى هذه الواقعة، ولم يعينه إلا سيف (٥) بن عمر على ما زعمه هذا الرجل. وقد تقدم الكلام في سيف؟ وأنه ضعيف لا يحتج به، ورؤية النبي ﷺ لا تدل على استحسان فعل من اشتكى إليه القحط، وهو ﷺ إني شفعت لهم في السقيا، أو طلبتها من الله لهم، أو أجبت هذا المشتكي، وإنما أخبر أنهم يسقون، وهذا لا يفيد إقرار هذا الفعل ولا الرضى به، ولا عن فاعله، وهو في حياته ﷺ ربما أعطى الرجل المسألة فيخرج بها يتأبطها نارا، وقد يجري (٦) لمن يدعو الصالحين ومن

стр. 455

هو دون الأنبياء كثر من هذا النوع، كما ذكره شيخ الإسلام وغيره، ولكنهم قرروا أن هذا لا يدل على الإباحة ولا على الإجابة بهذا السبب؛ بل وقد لا يشعر المسؤول بشيء من ذلك، فإذا كان هذا يقع والمسؤول لا شعور لديه (١) ولا قدرة على الاستجابة فالاحتجاج به خروج عن الحجج الشرعية التي يرجع إليها أهل العلم والإيمان. ورؤية النبي ﷺ (٢) وخطابه بمثل هذا لا (٣) يدل على حسن حال الرائي (٤) وتصويب فعله (٥) وقد يراه بعض الفساق والكفار، ورؤيته نذارة للمجرمين، وبشارة للمؤمنين؟ وكون عمر بكى ولم ينكر هذه الرؤيا، فليس هذا من الأدلة على أنه يشتكى إلى الرسول، ولم يقل الرائي لعمر: إني ذهبت واشتكيت القحط إلى رسول الله ﷺ ولم ينقله أحد- والنصارى والكفار يتوجهون إلى من عبدوه مع الله ويسألونه المطالب، وكشف الشدائد، ومع ذلك قد تحصل (٦) إجابتهم؛ لما لله في ذلك من الحكمة (٧)

стр. 456

وقد قال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ (١) هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: ٢٠] (٢) [الإسراء / ٢٠] . وقد استجيب لبلعام بن باعورا في قوم موسى، والحجة الصريحة الواضحة ما فعله عمر بن الخطاب، وأقره أصحاب رسول الله ﷺ وأجمعوا عليه، كما في الصحيحين وغيرهما: "أن عمر استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نستسقي (٣) بنبيك فتسقينا، وإنا نستسقي بعم نبيك فاسقنا، قم (٤) يا عباس فادع الله فدعا العباس فسقوا" (٥) . هذا، قد أجمع عليه الصحابة وأقروه، ولم يقل أحد منهم استسق برسول الله، أو (٦) ليس لك العدول عنه، بل هم أفقه من ذلك وأعلم بدين الله، ثم لو كان حقًّا كيف يتركه الجم الغفير ويعدلون عنه، مع أنه هدى وصواب؛ وهذا لا يكاد يقع ممن هو دونهم ﵃، فكيف بهم ﵃؟ ومن ترك هذه النصوص الواضحات الصريحة وعدل عنها إلى رؤيا منامية وحكايات عمن لا يحتج به في (٧) المسائل الإيمانية، فهو ممن وصف الله تعالى بقوله:

стр. 457

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧] (١) [آل عمران -٧] . وقد قال النبي ﷺ : " «إذا رأيتم الذين يتبعون المتشابه فأولئك الذين سمى (٢) الله فاحذروهم» " (٣) . قال شيخ الإسلام أبو العباس (٤) رحمه الله تعالى في الكلام على رد شبه النصارى وما يحتجون به على باطلهم: (أسباب الضلال الذي عرض لهؤلاء وأشباههم ثلاثة أمور إما نصوص متشابهة مجملة، لم يفهموها ولم يفقهوا ما دلت عليه، ويحتجون بها ويوردونها من غير فهم لمعناها، ولا معرفة لما دلت عليه، أو أمور مكذوبة مردودة، من الموضوعات التي لا يحتج بها، ويرجع إليها في أمر دينه إلا جهال لم يعرفوا ما جاءت به الرسل من الدين والشرائع، والثالث: احتجاجهم (٥) بخوارق العادة وما (٦) يجريه الله لأصحاب الخوارق، أو على أيديهم كمخاطبة الشياطين من الأصنام أو القبور أو غيرهما (٧) مما عبد مع الله، وقد يتراءى الشيطان لبعضهم في صورة من يعتقد فيه، أو ينتسب إلى رجل صالح ويتسمى باسمه؛ كالخضر وعبد القادر، وقد تخاطب هؤلاء الشياطين من استغاث بغير الله أو دعاه، وينسب ذلك إلى هذا المدعو أو المستغاث به، ويقول أحدهم: رأيت فلانا وخاطبني فلان أو نحو هذا".

стр. 458

[فصل في مناقشة ورد قصة العتبي] قرر هذا المعنى في رده على النصارى، ولخصناه هنا لينتفع به من وقف عليه. إذا عرفت هذا: عرفت بطلان قول المعترض: (فماذا يقول هذا الرجل؟ أفيقول: الصحابة ﵃ كفروا) . فإن شيخنا ﵀ أسعد [بحب] (١) الصحابة ومتابعتهم من هذا المعترض الضال. وقوله: (وهذا فيه أنهم نادوا وطلبوا منه ﷺ الاستسقاء) . قد تقدم أنه نقله عن واحد، وهنا أضافه إلى الصحابة كلهم، وفيهم عمر؟ فما أقبح الكذب، لا سيما على الله وعلى رسوله وعلى أصحاب رسوله (٢) ؟ (كما فعل هذا الضال) (٣) .

стр. 459

فصل قال المعترض: (وفي كلام محيي الدّين أبي زكريا يحيى النووي (الشافعي المشهور بالعلم والحفظ والإتقان، قال بعد أن ذكر) (١) صفة زيارة النبي ﷺ وصفة السلام عليه وعلى صاحبيه، والانحراف عن استدباره واستقبال القبلة بالدعاء- قال: ثم يرجع الزائر إلى موقفه الأول قبالة وجه النبي ﷺ فيتوسل به في حق نفسه، ويستشفع به إلى ربه، ومن أحسن، ما يقول: ما حكاه أصحابنا عن العتبي مستحسنين له) وذكر قصة العتبي؛ وهو تابعي جليل- فقال: (حكى العتبي أنه قال: كنت جالسا (٢) عند قبر النبي- ﷺ [فجاء أعرابي] ، (٣) فقال: السلام عليك يا رسول الله يا صفوة خلق الله أنت الذي عليك: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] [النساء ٦٤] . وقد ظلمت نفسي (٤) ؛ وها أنا قد أتيتك (٥) أستغفر من ذنبي،

стр. 460

اشفع لي إلى ربي، ثم أنشأ يقول: يا خير من دفنت (١) بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم أنت الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف , وفيه الجود والكرم أنت الحبيب الذي ترجى شفاعته ... عند الصراط إذا مازلت القدم أنت البشير النذير المستضاء به ... وشافع الخلق إذ يغشاهم الندم تخصهم (٢) بنعيم لا نفاد له ... والحور في جنة المأوى لهم خدم تُعطى الوسيلة يوم العرض مغتبطًا ... عند المهيمن لما تحشر الأمم والحوض قد خصك الله الكريم به ... يومًا عليه جميع الخلق تزدحم تَسقى لمن شئت , يا خير الأنام , وكم ... قومًا لعِظَمِ الشقا والبعد قد حرموا صلى عليك إله العرش ما طلعت ... شمس النهار , فغشت حندس الظلم قال العتبي ﵀: ثم [انصرف الأعرابي] (٣) فغلبني النوم (٤) . فرأيت رسول الله ﷺ فقال: يا عتبي أدرك الأعرابي، وبشِّره أن الله قد غفر له (٥) . ثم ذكر المعترض: (أنَّ موفق الدين بن قدامة، وابن أبي عمر، وصاحب "المستوعب" وغيرهم من الأصحاب ذكروا ذلك، ونقلوا هذه القصة راضين بها، وهي مما استفاض عند الأمة، حتى لا تحتاج لسند،
следующие страницы →