وقد قال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ (١) هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: ٢٠] (٢) [الإسراء / ٢٠] . وقد استجيب لبلعام بن باعورا في قوم موسى، والحجة الصريحة الواضحة ما فعله عمر بن الخطاب، وأقره أصحاب رسول الله ﷺ وأجمعوا عليه، كما في الصحيحين وغيرهما: "أن عمر استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نستسقي (٣) بنبيك فتسقينا، وإنا نستسقي بعم نبيك فاسقنا، قم (٤) يا عباس فادع الله فدعا العباس فسقوا" (٥) .
هذا، قد أجمع عليه الصحابة وأقروه، ولم يقل أحد منهم استسق برسول الله، أو (٦) ليس لك العدول عنه، بل هم أفقه من ذلك وأعلم بدين الله، ثم لو كان حقًّا كيف يتركه الجم الغفير ويعدلون عنه، مع أنه هدى وصواب؛ وهذا لا يكاد يقع ممن هو دونهم ﵃، فكيف بهم ﵃؟ ومن ترك هذه النصوص الواضحات الصريحة وعدل عنها إلى رؤيا منامية وحكايات عمن لا يحتج به في (٧) المسائل الإيمانية، فهو ممن وصف الله تعالى بقوله:
стр. 457
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧] (١) [آل عمران -٧] .
وقد قال النبي ﷺ : " «إذا رأيتم الذين يتبعون المتشابه فأولئك الذين سمى (٢) الله فاحذروهم» " (٣) .
قال شيخ الإسلام أبو العباس (٤) رحمه الله تعالى في الكلام على رد شبه النصارى وما يحتجون به على باطلهم: (أسباب الضلال الذي عرض لهؤلاء وأشباههم ثلاثة أمور إما نصوص متشابهة مجملة، لم يفهموها ولم يفقهوا ما دلت عليه، ويحتجون بها ويوردونها من غير فهم لمعناها، ولا معرفة لما دلت عليه، أو أمور مكذوبة مردودة، من الموضوعات التي لا يحتج بها، ويرجع إليها في أمر دينه إلا جهال لم يعرفوا ما جاءت به الرسل من الدين والشرائع، والثالث: احتجاجهم (٥) بخوارق العادة وما (٦) يجريه الله لأصحاب الخوارق، أو على أيديهم كمخاطبة الشياطين من الأصنام أو القبور أو غيرهما (٧) مما عبد مع الله، وقد يتراءى الشيطان لبعضهم في صورة من يعتقد فيه، أو ينتسب إلى رجل صالح ويتسمى باسمه؛ كالخضر وعبد القادر، وقد تخاطب هؤلاء الشياطين من استغاث بغير الله أو دعاه، وينسب ذلك إلى هذا المدعو أو المستغاث به، ويقول أحدهم: رأيت فلانا وخاطبني فلان أو نحو هذا".
стр. 458
[فصل في مناقشة ورد قصة العتبي]
قرر هذا المعنى في رده على النصارى، ولخصناه هنا لينتفع به من وقف عليه.
إذا عرفت هذا: عرفت بطلان قول المعترض: (فماذا يقول هذا الرجل؟ أفيقول: الصحابة ﵃ كفروا) .
فإن شيخنا ﵀ أسعد [بحب] (١) الصحابة ومتابعتهم من هذا المعترض الضال.
وقوله: (وهذا فيه أنهم نادوا وطلبوا منه ﷺ الاستسقاء) .
قد تقدم أنه نقله عن واحد، وهنا أضافه إلى الصحابة كلهم، وفيهم عمر؟ فما أقبح الكذب، لا سيما على الله وعلى رسوله وعلى أصحاب رسوله (٢) ؟ (كما فعل هذا الضال) (٣) .
стр. 459
فصل قال المعترض: (وفي كلام محيي الدّين أبي زكريا يحيى النووي (الشافعي المشهور بالعلم والحفظ والإتقان، قال بعد أن ذكر) (١) صفة زيارة النبي ﷺ وصفة السلام عليه وعلى صاحبيه، والانحراف عن استدباره واستقبال القبلة بالدعاء- قال: ثم يرجع الزائر إلى موقفه الأول قبالة وجه النبي ﷺ فيتوسل به في حق نفسه، ويستشفع به إلى ربه، ومن أحسن، ما يقول: ما حكاه أصحابنا عن العتبي مستحسنين له) وذكر قصة العتبي؛ وهو تابعي جليل- فقال: (حكى العتبي أنه قال: كنت جالسا (٢) عند قبر النبي- ﷺ [فجاء أعرابي] ، (٣) فقال: السلام عليك يا رسول الله يا صفوة خلق الله أنت الذي عليك: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] [النساء ٦٤] .
وقد ظلمت نفسي (٤) ؛ وها أنا قد أتيتك (٥) أستغفر من ذنبي،
стр. 460
اشفع لي إلى ربي، ثم أنشأ يقول:
يا خير من دفنت (١) بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم
أنت الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف , وفيه الجود والكرم
أنت الحبيب الذي ترجى شفاعته ... عند الصراط إذا مازلت القدم
أنت البشير النذير المستضاء به ... وشافع الخلق إذ يغشاهم الندم
تخصهم (٢) بنعيم لا نفاد له ... والحور في جنة المأوى لهم خدم
تُعطى الوسيلة يوم العرض مغتبطًا ... عند المهيمن لما تحشر الأمم
والحوض قد خصك الله الكريم به ... يومًا عليه جميع الخلق تزدحم
تَسقى لمن شئت , يا خير الأنام , وكم ... قومًا لعِظَمِ الشقا والبعد قد حرموا
صلى عليك إله العرش ما طلعت ... شمس النهار , فغشت حندس الظلم
قال العتبي ﵀: ثم [انصرف الأعرابي] (٣) فغلبني النوم (٤) . فرأيت رسول الله ﷺ فقال: يا عتبي أدرك الأعرابي، وبشِّره أن الله قد غفر له (٥) .
ثم ذكر المعترض: (أنَّ موفق الدين بن قدامة، وابن أبي عمر، وصاحب "المستوعب" وغيرهم من الأصحاب ذكروا ذلك، ونقلوا هذه القصة راضين بها، وهي مما استفاض عند الأمة، حتى لا تحتاج لسند،
стр. 461
قال: (ثم (١) دع صحتها من عدمها وأنها منام (٢) ولكن الشأن في رضى نقلتها وهم حملة الشريعة المطهرة) .
ثم كرر هذيانه (٣) المتقدم في ذم وطن الشيخ، وأنَّ النبي لم يَدْعُ له، وأن الشيخ لم يظهر الدين؛ بل كفَّر العلماء الأمناء والأمة التي أخبر الله تعالى أنها خير أمة أخرجت للناس، وأعاد ما تقدم بعبارة واهية وتركيب ساقط، كأنه وقع على دليل يجب المصير إليه في تجويز دعاء الأموات وتخطئة من منعه.
ولا يخفى أنه حرَّف البيت الثاني تحريفًا بشعًا، جعل الرسول ﷺ فداء للقبر؛ بأبي هو وأمي، ولم يشعر (٤) بما في كلامه من التحريف، ورسم هذا التحريف (٥) بقلمه، وكتبه بيده، وصوابه: " نفسي الفداء".
والجواب أن يقال: هذه القصة ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء، ولم يذكرها غيرهم ممن يعتدُّ به، ويقتدى به، كالأئمة المتبوعين وأكابر أصحابهم، وأهل الوجوه في مذاهبهم، كأشهب وابن القاسم، وسحنون وابن وهب؛ وعبد الملك وابنه، والقاضي إسماعيل من المالكية؟ ولا من الشافعية كالمزني والبويطي، وابن عبد الحكم، ومن بعدهم كابن خزيمة، وابن سريج وأمثالهم، ونظرائهم من أهل الوجوه؛
стр. 462
وكأبي يوسف من أصحاب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن اللؤلؤي. (١) وزفر بن الهذيِل، ومن بعدهم كالطحاوي حامل (٢) لواء المذهب، وكذلك أصحاب أحمد وأصحاب الوجوه في مذهبه لم يذكرها (٣) أحد منهم، كعبد الله وصالح، والخلال، والأثرم، وأبي بكر (٤) عبد العزيز، والمروذي وأبي الخطاب ومن بعدهم، كابن عقيل وابن بطة.
وبعض من ذكر هذه الحكاية (٥) يرويها بلا إسناد وبعضهم عن محمد بن حرب الهلالي، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب عن أبي الحسن الزعفراني عن الأعرابي، وقد ذكرها البيهقي بإسناد مظلم عن محمد بن الروح بن يزيد (٦) البصري: حدثني أبو حرب الهلالي، قال: حج أعرابي فذكر نحو ما تقدم، ووضع لها بعض الكذابين إسنادًا إلى علي بن أبي طالب، كما روى أبو الحسن علي بن إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحمن الكرخي عن علي ابن محمد بن علي حدثنا أحمد بن محمد بن (٧) الهيثم الطائي، قال حدثنا أبي عن أبيه سلمة (٨) بن كهيل عن أبي صادق عن علي (٩) بن أبي طالب، فذكر نحو ما تقدَّم.
стр. 463
قال الحافظ ابن عبد الهادي (١) (هذا الخبر منكر موضوع، لا يصلح الاعتماد عليه ولا يحسن المصير إليه، وإسناده ظلمات بعضها فوق بعض, والهيثم جد أحمد بن محمد بن (٢) الهيثم أظنه ابن عدي الطائي، فإن يكن هو فهو متروك إلا (٣) فمجهول.
وقال عباس (٤) الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: الهيثم بن عدي كوفي ليس بثقة. كان يكذب. "وقال العجلي، وأبو داود: كذاب. وقال أبو حاتم الرازي، والنسائي، والدولابي، والأزدي: متروك الحديث. وقال ابن المديني (٥) ساقط قد كشف قناعه. وقال أبو زرعة: ليس بشيء. وقال ابن عدي: ما أقل ماله من المسند، وإنما هو صاحب أخبار وأسمار، ونسب وأشعار. وقال الحاكم أبو عبد الله: الهيثم بن عدي الطائي في علمه ومحله حدث عن جماعة من الثقات وأحاديث منكرة، وقال العباس (٦) بن محمد: سمعت بعض أصحابنا يقول، قالت جارية الهيثم: كان مولاي يقوم عامة الليل يصلِّي، فإن أصبح جلس يكذب) .
فإذا كانت هذه الحكاية عند أهل العلم بهذه المثابة (٧) لم تثبت بسند يعول عليه ويحتج به.
стр. 464
فكيف يقول هذا الغبي: (ولكن الشأن في نقلتها، وهم حملة الشريعة المطهرة) ، وقد عرفت أنَّ حملة الشريعة المطهرة ونقادها جزموا بأن الحكاية لم تثبت، وأنها من الموضوعات. وأما الموفق، وابن أبي عمر وغيرهما من أصحابنا، فهم لم يذكروا هذا ولم يعتمدوا عليه، والمناسك المعتبرة وما ذكروا في آداب الزيارة موجود منقول (١) بسند العدول.
وهذا الرجل المعترض قد تقدم أنه جاهلي لا يحسن النقل، ولا يدري الصحيح؟ بل يفتري (٢) على أهلم العلم، فهو ساقط هالك لا يلتفت إلى نقله.
ثم لو سلمنا ثبوت هذه الحكاية، فلا دليل فيها على ما ذهب إليه هذا الأحمق من تجويز دعاء الأنبياء والصالحين، وطلب الحوائج منهم، والأعراب لا يحتج بأفعالهم ويجعلها دليلًا شرعيا إلاَّ مصاب في عقله؛ مفلس في فهمه وعلمه، وكذلك نقل العتبي ومن مضى (٣) من رجال سندها ليسوا (٤) بشيء.
وقد تقدَّم أنَّ أدلة الأحكام (٥) هي الكتاب والسنَّة والْإِجماع، والقياس المعتبر فيه خلاف، وغير ذلك ليس من الأدلة في شيء، ولم يأت عن أحد من الأئمة من عهد الصحابة إلى آخر القرون المفضلة في هذا الباب ما يثبت، لا طلب الاستغفار ولا غيره.
стр. 465
وقد تقدم عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه حكى الإجماع على منعه، وأن النبوات متفقة على تحريمه، وابن عقيل تقدم كلامه فيمن دس الرقاع إلى ضرائح الموتى، للطلب منهم، ولو فرض أن هذا الأعرابي قد غفر له، فذلك أيضًا لا يدل على حسن حاله؛ وأسباب الكائنات لا يحصيها إلاَّ الله، وقد يستجاب لعُبَّاد الأصنام، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀ في كتابه " اقتضاء الصراط المستقيم".
ثم ليس في الحكاية أنه سأل الرسول شيئًا، غايته أنه توسل به، ومسألة التوسل بذاته ﷺ غير مسألة دعائه والاستغاثة به والطلب منه، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥] [آل عمران / ١٣٥] . فإذا كان الله (٢) هو المختص بمغفرة الذنوب، فكيف تطلب المغفرة من غيره تعالى وتقدس؟ .
وقد تقدم لهذا المعترض (٣) أنه قال: (وإنما الشرك طلب مغفرة الذنوب، وهداية القلوب، فجزم بأن هذا من الشرك) ؛ ثم رجع (٤) واحتج بها على الطلب من الرسول، كما قال البوصيري.
قال الحافظ ابن عبد الهادي (٥) ﵀: (وقوله: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: ٦٤] الآية [النساء / ٦٤] .
стр. 466
ليس فيه ما يدل على مشروعية إتيان قبره الشريف، ولم يقل ذلك أحد من أهل العلم، ويتبين ذلك بالكلام على الآية وما أريد بها [وسيقت له، وما فهمه منها أهل العلم بالتأويل من سلف الأمة وأئمتها، والآية] (١) سيقت لذم من تخلف (٢) عن المجيء إلى رسول الله ﷺ في حال حياته ليستغفر له، وحكم تعالى على من أبى هذا أنه من المنافقين.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: ٥] [المنافقون ٥] .
وكذلك هذه الآية إنما هي في المنافق الذي رضى بحكم (٣) كعب بن الأشرف، وغيره من الطواغيت، دون حكم رسول الله ﷺ فظلم نفسه بهذا أعظم ظلم، حيث لم يجيء إلى رسول الله ﷺ يستغفر له، فإن المجيء إليه ليستغفر له توبة وتنصل من الذنوب.
وهذه كانت عادة الصحابة معه ﷺ : أن أحدهم متى صدر منه ما يقتضي التوبة جاء إليه، فقال: يا رسول الله فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، وكان هذا فرقًا بينهم وبين المنافقين، فلما استأثر الله بنبيه ﷺ ، ونقله من بين أظهرهم إلى دار كرامته لم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره ويقول: يا رسول الله، فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، ومن يقل هذا عن أحد منهم فقد جاهر بالكذب والبهت، أَفَتَرى عطَّل الصحابة والتابعون - وهم
стр. 467
خير القرون على الإطلاق- هذا الواجب الذي ذم الله سبحانه من تخلف عنه، وجعل (١) التخلف عنه من أمارات النفاق، ووفق له من لا يؤبه (٢) له من الناس ولا يعد في أهل العلم؟ فكيف أغفل هذا أئمة الْإِسلام؟ وهداة الأنام من أهل الحديث والفقه (٣) والتفسير، ومن لهم لسان صدق في الأمة، فلم يدعوا إليه ولم يحضوا عليه؟ ولم يرشدوا إليه، ولم يفعله أحد منهم البتة؟ بل (٤) المنقول الثابت عنهم ما قد عرف مما يسوء الغلاة فيما يكرهه وينهى عنه من الغلو والشرك والجفاء عما يحبه ويأمر به من التوحيد والعبودية (٥) ولما كان هذا المنقول شجى في حلوق الغلاة، وقذى في عيونهم، وريبة في قلوبهم، قابلوه بالتكذيب والطعن في الناقل، ومن استحيا منهم ومن أهل (٦) العلم بالآثار قابله بالتحريف والتبديل؛ ويأبى الله إلاَّ أن يعلى منار الحق ويظهر أدلته ليهتدي المسترشد (٧) وتقوم الحجة على المعاند، فيعلى (٨) الله بالحق من يشاء ويضع بردّه وبطره وغمص أهله من يشاء.
стр. 468
ويا لله العجب؛ أكان ظلم الأمة لأنفسها ونبيها (١) بين أظهرها موجودًا وقد دعيت فيه إلى المجيء إليه (ليستغفر لها وذم من تخلف عن هذا المجيء. فلما توفي ﷺ ارتفع ظلمها لأنفسها بحيث لا يحتاج أحد منهم إلى المجيء إليه) (٢) ليستغفر له؟ .
وهذا يبين أن هذا التأويل الذي تأول عليه (٣) المعترض (٤) هذه الآية تأويل باطل قطعًا، ولو كان حقًّا لسبقونا إليه علمًا وعملًا وإرشادًا ونصيحة، ولا يجوز إحداث تأويل في آية أو سنَّة لم يكن على عهد السلف ولا عرفوه ولا بيَّنوه للأمة، فإنه يتضمن أنهم جهلوا الحق في هذا وضلوا عنه، واهتدى إليه هذا المعترض المستأخر (٥) فكيف إذا كان التأويل (يخالف تأويلهم ويناقضه، وبطلان هذا التأويل) (٦) أظهر من أن يطنب في رده وإنما ننبه (٧) عليه بعض التنبيه.
ومما يدل على بطلان تأويله قطعًا: أنه لا يشك مسلم أن من دُعي إلى رسول الله ﷺ في (٨) حياته، وقد ظلم نفسه ليستغفر له، فأعرض عن المجيء وأباه مع قدرته عليه كان مذمومًا غاية الذم، مغموصًا بالنفاق،
стр. 469
ولا كذلك من دعي إلى قبره ليستغفر له، ومن سوى بين الأمرين وبين المدعوين وبين الدعوتين فقد جاهر بالباطل، وقال على الله وكلامه ورسوله (١) وأمناء دينه غير الحق.
وأما دلالة الآية على خلاف تأويله: فهو أنه سبحانه صدَّرها بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ (٢) إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ [النساء: ٦٤] (٣) [النساء -٦٤] .
وهذا يدل على أن مجيئهم إليه ليستغفر لهم؟ إذ ظلموا أنفسهم طاعة له؟ ولهذا ذم من تخلف عن هذه الطاعة، ولم يقل مسلم قط إن على من (٤) ظلم نفسه بعد موته أن يذهب إلى قبره ويسأله أن يستغفر له، ولو كان هذا طاعة له لكان خير القرون قد عصوا هذه الطاعة وعطلوها ووفق لها (٥) هؤلاء الغلاة العصاة وهذا بخلاف قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] [النساء / ٦٥] .
فإنه نفى الْإِيمان عمن لم يحكمه، وتحكيمه هو تحكيم (٦) ما جاء به حيًّا وميتًا، ففي حياته كان هو الحاكم (٧) بينهم بالوحي، وبعد وفاته نوابه وخلفاؤه.
стр. 470
يوضح ذلك: أنه قال: " «لا تجعلوا قبري عيدًا» " (١) ولو كان يشرع لكل مذنب أن يأتي إلى قبره ليستغفر له لكان القبر أعظم أعياد المذنبين، وهذا مضادة صريحة لدينه وما جاء به، ولو كان مشروعًا لأمر به أمته وحضهم عليه (٢) ورغبهم فيه (٣) ولكان الصحابة وتابعوهم (٤) بإحسان أرغب شيء (٥) فيه، وأسبق إليه، ولم ينقل عن أحد منهم قط- وهم القدوة- بنوع من أنواع الأسانيد (٦) أنه جاء إلى قبره ليستغفر له، ولا شكى (٧) إليه ولا سأله، والذي صح عنه مجيء القبر للتسليم فقط هو ابن عمر، وكان يفعل ذلك عند قدومه من السفر، ولم يكن يزيد على التسليم شيئًا (٨) البتة، ومع هذا فقد قال عبيد الله بن عمر العمري الذي هو أجل أصحاب نافع أو من أجلهم: "ما نعلم أحدًا من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك إلاَّ ابن عمر "، ومعلوم أنه لا هدي أكمل من هدي الصحابة، ولا تعظيم للرسول فوق تعظيمهم، ولا معرفة لقدره فوق معرفتهم، فمن خالفهم إما أن يكون أهدى منهم أو يكون (٩) مرتكبًا لنوع من البدع، كما قال
стр. 471
عبد الله بن مسعود لقوم رآهم اجتمعوا على ذكر يقولونه بينهم (١) "لأنتم أهدى من أصحاب محمد ﷺ أو أنتم على شعبة ضلالة " (٢) .
فتبين: أنه لو كان استغفاره لمن جاءه مستغفرًا بعد موته ممكنًا أو مشروعًا لكان كمال (٣) شفقته ورحمته- بل رأفة (٤) مرسله ورحمته (٥) بالأمة- تقتضي ترغيبهم في ذلك وحضهم عليه.
стр. 472
[فصل في رد احتجاج المعترض بقول العلماء لقصة العتبي]
فصل قال المعترض: (فهذا كلام العلماء المعتبرين الكبار، ونقلهم لهذه القصة راضين بها متلقينها بالقبول، وهي مما استفاض حتى لا تحتاج لسندٍ، ثم دع صحتها من عدمها وأنها منام، ولكن الشأن في رضى نقلتها وهم حملة الشريعة المطهرة، أَتُراهم بهذا يعرفون المُخْرِج من الملَّة الذي ذكر هذا الرجل، ويدعون الناس إليه، وينقلونه في كتبهم ليعمل به أم تراهم لا يعرفونه حتى خرج هذا الرجل ثاني (١) عشر قرن، في الموضع الذي ذكرنا حاله، وقد امتنع النبي- ﷺ أن يدعو له؛ لعلمه بما يحدث منه وفيه، فأظهر الدين والتوحيد منه كما زعم للناس، وكفَّر العلماء الأمناء والأمة معهم، التي أخبر الله أنها (٢) خير أمة أخرجت للناس، وأخبر رسول الله ﷺ في الحديث الذي (٣) عدَّه علماء الأمة أنه متواتر، بأنها لا تزال ظاهرة قاهرة حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون، فكأنه لم يكن للقرآن والشريعة المحمَّدية حملة قبله وقبل أصحابه وأتباعه الذي استغواهم (٤)
стр. 473
ثم انخرط في السبِّ والعيب والكلام السفيه المستهجن (١) بقصد الاستراحة إليه، والتعويل في التشفي من الغليل، وهذه نفثة مصدور، وأنه معثور (٢) لا تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا.
وتقدَّم الجواب عن هذا كله، وبيَّنَّا أنَّ الأئمة الذين عليهم المدار في الجرح والتعديل، والذين إليهم المرجع في الفتاوى والتقليد والتسجيل، لم يقولوا بهذه الحكاية، ولم يصحِّحوها، ولم يلتفتوا إليها، كل هذا مستوفى بحمد الله ومنَّته. وأما الخلوف الذين من بعدهم فليس فيما (٣) قالوه وذهبوا إليه دليل شرعي يعول عليه؛ ويرجع عند التحاكم إليه.
стр. 474
[فصل في رد ادعاء المعترض حسن قصده من اعتراضات وبيان سوء قصده وأثره وبطره]
فصل قال المعترض: (وليعلم الناظر إلى ما ذكرنا وقدَّمنا، أنا) (١) لم نذكره أشرًا ولا بطرًا ولا رياء ولا سمعة (٢) وإنما ذكرناه بيانًا ونصيحة لله تعالى ولرسوله وعباده المؤمنين، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] (٣) [البقرة / ١٥٩] ) .
ثم ذكر آيات في (٤) المعنى، ثم قال بعدها: (فهذا لهم، يعني: لأهل الكتاب، ولمن فعل فعلهم بأن أعرض عن البيان مع العلم وتزييف الزيف والزيغ بالبرهان، فإنه لم يزل في مشرع في (٥) من ذمة القرآن من أي أهل (٦) قرن (٧) كان، لأجل ذلك بينَّا الخطأ بما ذكرنا (٨) وليس القصد احتجاجا
стр. 475
على الفعل، وإنما هو دفعًا عن التكفير للأمة وعلمائها بما لا يستحقون به الكفر، سواء يكون. جائزًا أو مكروها أو مندوبًا) .
والجواب أن يقال: قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠] الآية [القصص / ٥٠] .
فقسمهم قسمين: متَّبع للرسول، مؤمن بما جاء (١) به، سائر إلى الله على طريقه ومنهاجه، وآخر متبع لهواه؟ ضال عن سبيل رشده وهداه، فلا تقبل دعوى البراءة من الأشر والبطر والرياء والسمعة لمن حكم الله عليه بمتابعة الهوى، وسجل على ضلاله عن سبل الرشاد والهدى، والمصدق لهذا الضرب بما يدَّعونه من النصح والتقى جاهل بما دلَّت عليه هذه الآية من الحكم والقضاء.
وقد تقدم من الشواهد الحالية والقولية، وصريح العبارات، وظواهر المعاني والكلمات، ما يدل على أنَّ ما سوَّده هذا الرجل وافتراه من ذم الشيخ ﵀ وبهته والكذب عليه، ورد ما جاء به من الهدى ودين الحق إنما حمله على تسويده وتسطيره محض الأَشَر والبطر والاستكبار، وطلب الرفعة والمنزلة؛ ولذلك والَى من عَبَد الصالحين ودعاهم مع الله، وصرف لهم خالص العبادة ولبَّها، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، وجعل مشايخه في رواية البردة هم أهل الصراط المستقيم، الذين أُمِرنا بسؤال الهداية (٢) إلى صراطهم, ومن خالفهم وقال بوجوب (٣)
стр. 476
إخلاص (١) الدعاء لله في طلب الشفاعة وغيرها، وأنه لا يعلم الغيب إلا الله فهو جاهل عنده بمعنى "لا إله إلا الله"، وأبو جهل وناديه أعلم (٢) منه بمعناها، وما دلَّت عليه على زعم هذا المعترض.
ثم أخذ في إظهار هذا لإِخوانه وشيعته، ممن غمص بالنفاق (٣) وكراهة شيخنا، وبغض ما جاء به، ولم يطلع عليه أهل التوحيد الموافقين للشيخ في ذم الشرك والتنديد (٤) فأي نصيحة حصلت والحالة هذه؟ وأي بيان وقد خصَّ به أهل النفاق والدعاء إلى الشرك بالله ودعاء سواه؟ كما أرسل نسخة من هذا الإفك إلى خدنه داود بن جرجيس.
ثم لو فرض أنه قصد النصيحة، فذلك يدل على جهله المركب (٥) بدين الله وشرعه، وما جاءت به رسله، وأن قلبه في غلاف أو مصفَّح لا يعرف الحق ولا يدريه، وليس كل من ادَّعى النصح تقبل دعواه، ولا يحكم بالْإِصابة والتسديد لكل من سُلِّمت له دعواه، وقد تقرر (٦) بين أهل العلم أن الجهل نوعان: مركب، وبسيط. والمركب أغلظ وأشد وأقبح من البسيط؛ لأن صاحبه يرى أنه من أهل العلم والرشد والهدى، وهو في الحقيقة من أهل الجهل والغي (٧) والضلال والعمى (٨)
стр. 477
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ - أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ [النور: ٣٩ - ٤٠] (١) (الآية [النور / ٣٩ , ٤٠] .
وقد دلَّت الآية على تشبيه أعمال الكفار وما هم عليه بالسراب الذي يراه الظمآن بالقيعان، فيظنه ماءً ووردًا، فيقصده وهو في الحقيقة لا شيء، أو كحال من تراكمت عليه الظلمات بعضها فوق بعض) (٢) ظلمة (٣) الأمواج المتراكمة في البحر العميق، وظلمة السحاب الحائل بينه وبين النور، ظلمات بعضها فوق بعض، فأهل المثل الأول أشد كفرًا وأقبح حالًا وأبعد هداية وبصيرة، فلا مانع والحالة هذه من أن يدعو أحدهم إلى دينه وطريقته ويتوهمها حقًّا، وهي في نفس الأمر أضل الضلال وأبطل الباطل؛ وقد قام فرعون خطيبًا في قومه فقال: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦] [غافر / ٢٦] .
ومما يدل على جهل المعترض، وسوء قصده، وفساد إرادته، تناقض كلامه، فإذا احتج شيخنا ﵀ بآية قال: (هذه نزلت في كذا وهي خاصة به) كما تقدَّم لك في كلامه؟ فقصر التنزيل على (٤) أهل تلك الأسباب
стр. 478
الموجودين وقت النزول؛ ومنع مِنْ (١) عموم ألفاظ القرآن، وقصره عن أن يحتج به على من قام به سبب وموجب يدخله في العموم اللفظي.
وإذا احتج هو على الشيخ، أو زكَّى نفسه قال في الآيات القرآنية فهذا لهم؛ ولمن فعل فعلهم، كما ذكرنا (٢) هنا، فأي جهل وأي أشر وأي سمعة غير ما هو بصدده؟ .
هذا، وقد عُلِم أن هذا المعترض قد شرح كتاب التوحيد الذي قد صنفه الشيخ محمد ﵀، وتزين عند أهل الْإِسلام بشرح كتابه، وانتسابه إليه، والشهادة له بأنه على الحق (٣) فلما فاته بعض مقصوده (٤) رجع القهقرى وانقلب على عقبه (٥) فنعوذ بالله من زيغ القلوب بعد الهدي ومن الشرك والشك والعمى.
وقد قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ [انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج: ١١]] (٦) الآية [الحج / ١١] .
وقد أكثر الكلام والهذر بعض الأمراء بمجلس بعض الأعراب، ثم
стр. 479
التفت إلى الأعرابي، وقال له: ما العي عندكم في البادية؟ قال: هو ما كنت فيه منذ اليوم.
فسبحان من أظهر من عجائب قدرته، وأدلة حكمته في بعض مخلوقاته، ما نبَّه به المعافى والمنعم عليه من عباده على عظم النعمة وجزيل العطية والمنحة، ولطائف الخصائص (١) وخصائص اللطائف.
وأما قوله: (وليس القصد (٢) احتجاجًا على الفعل، وإنما هو دفعًا عن التكفير للأمة وعلمائها) إلى آخر عبارته.
فجوابه: أن منعك من تكفير من أشرك بالله وعدل به سواه، وسوَّى بينه وبين عباده من الأحياء والأموات هو غاية التزكية، والاحتجاج على جواز أفعالهم (٣) وإباحة صنيع من أشرك؛ لأن الحكم على أمثالهم بأحكام المسلمين؛ والدخول في عامة المؤمنين يقتضي استحباب دعاء الصالحين أو إباحته، ومتى قيل: بأنه كفرٌ ودعاءٌ لغير الله لزم أن يترتب على فاعله، ويجري عليه ما رتبه القران والسنَّة من أحكام الشرك والكفر (٤) لا سيَّما وهذا المعترض يصف أهل هذه الأفعال بأنهم علماء الأمة وصلحاؤها. وهم خير أمة أخرجت للناس، وهم أهل الصراط المستقيم، فكيف يرجع بعد هذا ويدَّعى أنه لا يحتج على قبيح أفعالهم وعظيم شركهم؟ وهل هذا إلاَّ محض التدافع والتناقض، وإذا وجد الملزوم وجد اللازم.
стр. 480
وقوله: (سواء يكون جائزًا أو مكروهًا أو مندوبًا) .
هذا صريح في أن أفعالهم وشركياتهم دائرة عنده بين الكراهة والجواز والندب، وهذا يردُّ ما قبله، ويؤيد ما قلناه، ويبين أن المعترض ملبوس عليه، لا يعقل ما يقول.
وفي تعبيره بمضارع "كان" عن أمر حصل وتحقق في الماضي، وصار النزاع فيه واقعًا (١) ما يدل على جهله بمواقع الخطاب، ومعاني الكلمات، وأنه نبطي لم يمارس صناعة العلم، وقد تقدم التنبيه على ذلك.
стр. 481
[فصل في رد نسبة المعترض الشيخ للجهل وعدم معرفة مذاهب أهل العلم]
فصل قال المعترض: (وسنذكر من عبارات الأصحاب وغالبها من الذين يميل هذا الرجل وذووه بزعمه إليهم، وإن كان هو لا يعمل بقولهم (١) ولا يفهم حقيقته مما يدرأ به عن التكفير للأمة مع صدوره بالجهل، وفيهم لمن تحقَّق قولهم المقنع، ولو ذهبنا نذكر قول (٢) علماء أهل (٣) المذاهب لم يرعووا إليها، لأنهم لا يرونهم قدوة لادعائهم الاجتهاد، وإن كانوا لا يصلحون مع أهل العلم لتعليم الأولاد) .
فيقال في جوابه: باب الدعاوى، والقول بلا حجة أوسع من المشرق إلى المغرب، يمكن كل مبطل أن يقول في خصمه ما شاء إن لم يمنعه مانع، أو يزعه وازع، من سنة أو قرآن أو رهبة أو سلطان، وإذا خلا الرجل من ذلك، وخلع ربْقَة الحياء والدين فليصنع ما شاء، كما في حديث (٤) " «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت» " (٥) وإذا رمى هذا المعترض
стр. 482
خصمه بترك العمل وعدم الفهم، فمن الذي يشهد له هو بعلم أو عمل؟ وأي أحد من الأمة أهل الفطنة والدين فضلًا عن أهل العلم واليقين، يرضى حكمه في حزمة (١) بَقْلٍ أو شراك نَعْل، والمعروف عنه في هذا الكتاب وفي غيره من الجهل المركَّب الصريح، ما يتنزَّه عنه أحاد العامة، بل كثير من المشركين لا يرضى قوله، ولا يميل إليه، وإن وافق مذهبه لاستهجانه في نفسه، وظهور ضلاله وتناقضه، وكثير منهم يتستَّر ولا (٢) يبدي ما أبداه هذا المعترض من الفضائح، وإن دعا الصالحين وتوجَّه إليهم من دون الله.
ثم قوله: (مما (٣) يدرأ به عن التكفير للأمة) قد تكرَّر منه في كل صفحة (٤) التشبيه بالأمة، وأن خصمه يُكَفِّر الأمة، وقد تقدَّم مرارًا أن الأمة المستجيبين لله ورسوله لا يكفرهم خصمه (٥) ؛ بل هم أولياؤه إخوانه ولم يدع إلاَّ إلى طريقهم (٦) ولم ينتحل سوى نحلتهم، وهم المقصودون من الأحاديث التي تدل على التزكية والثناء، وأمَّا مجرَّد الانتساب إلى الأمة (٧) مع دعاء غير الله (٨) والشرك الصريح بالأحياء والأموات, والبلة
стр. 483
والمجانين، والأحجار والأشجار والشياطين، فهذا (١) ليس هو دين الأمة المحمَّدية، كما زعمه هذا المعترض الجاهل، وإنَّما هو (٢) دين إخوانه الضالين من الكتابيين والأميين، وإن كثر عددهم وعظم سوادهم، وتشابهت قلوبهم، فهم عند الله وعند رسوله وعند أولي العلم من خلقه الأقلون، الضالون، المنحرفون عما جاءت به الرسل، ودعت إليه الأنبياء، ولا يطلق عليهم اسم الأمة إلاَّ في مقام الدعوة والنذارة، كما في حديث: " «ما من رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني يسمع بي (٣) ثم لا يؤمن إلاَّ كان من أهل النار» " (٤) .
وأمَّا زعمه: (أنَّ الشيخ وإخوانه الموحِّدين لا يرون العلماء قدوة، ولا يرعوون إلى أقوالهم لادعائهم الاجتهاد، وإن كانوا لا يصلحون لتعليم الأولاد) .
فيقال: هذا البهت والزور من جنس ما سبق وتكرَّر عنه في هذه الرسالة، وشيخنا ﵀ لم يَخْرج في مسألة من الأصول والفروع عما عليه أهل العلم، الذين لهم لسان صدق في هذه الأمة، ويطالب هذا المفتري (٥) بتصحيح دعواه في مسألة واحدة من مسائل الدين، وهذه المسائل التي نقلها هذا المفتري، واحتجَّ بها على دعواه، كافية في الرد عليه
стр. 484
والتسجيل على جهله وعدم فهمه، لما أورده من كلام أهل العلم والدين، وأنه (١) لم يدخل من الْإِسلام فيما دخل فيه عوام المسلمين، فضلًا عن أهل العلم واليقين، ومن عادة أهل الجهل والنفاق، نسبة أهل العلم والْإِيمان إلى السفه والجهالة.
كما قال تعالى عن المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣] الآية [البقرة / ١٣] .
وقال فرعون لقومه: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] [الزخرف / ٥٢] . فهذه سنَّة معروفة لأهل الكفر والنفاق، يستجهلون أهل الإيمان، ويزدرونهم، ويرمونهم (٢) بالسفه، وعدم العلم، وقد ألبس الله هذا الرجل ثوب الجهل المركب وثوب التعصُّب، وعرف بذلك بين الورى، وانتزعت منه سمة أهل الإيمان والهدى، فنسأل الله العفو والعافية، والثبات على دينه الذي ارتضاه لنفسه.
стр. 485
[فصل فيه بيان أن الحجة تقوم على المكلفين ويترتب حكمها بعد بلوغ ما جاءت به الرسل ويكفي في التكفير رد الحجة وعدم قبول الحق]
فصل قال المعترض: (قال أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى، بعد كلام سبق من ذكر أنواع العبادة التي لله تعالى، ثم قال: "ولكن لغلبة الجهل، وقلَّة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن (١) تكفيرهم (٢) حتى يتبيَّن لهم ما جاء به الرسول ﷺ مما يخالف، فهذا صريح قوله، يقول حتى يتبين " بتقديم الياء المثناة من تحت على المثناة الفوقية (٣) ثم باء موحدة بعدهما من نسخة صحيحة على هوامشها خطَّه بيده ﵀، وهم جعلوا مجرَّد تعريفهم حجَّة فكفَّروا به، كيف ومن وراء ذلك تصحيح قولهم كما قدمنا، فإذا صح قولهم ووافقهم عليه علماء الأمة، فلا بدَّ أن يتبين للمعرف (٤) فحينئذٍ يوافق قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] [البقرة / ٨٩] .
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [محمد: ٢٥] (٥) [محمد / ٢٥] .
стр. 486
وقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: ١١٥] [النساء / ١١٥] .
وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [محمد: ٣٢] الآية [محمد / ٣٢] .
قال المفسرون: من بعد ما ظهر لهم الحق بالمعجزات الباهرات.
ولهذا قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] [فصلت / ٥٣] . قال البغوي: دين الإسلام.
وهؤلاء الذين كفَّرهم هذا الرجل (١) . لم يصدوا عن سبيل الله، ولم يشاقوا الرسول ﷺ ، بل شيَّدوا منارهم لداعي الفلاح، وعمروا مدارسهم، واستقبلوا قبلتهم، والجهل إذا وجد فيهم له الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا التكفير) .
والجواب أن يقال: قد تصرَّفت في كلام الشيخ وأسقطت أوله الذي يستبين (٢) به مقصوده، وقد تقدَّم أن هذه (٣) حرفة يهودية، صار هذا المعترض على نصيب وافر منها، نعوذ بالله من الخزي والهوان.
وقبل هذا النقل قرَّر شيخ الْإِسلام في هذه الرسالة التي يشير إليها المعترض أن دعاء الصالحين مع الله وطلب ما لا يقدر عليه إلاَّ الله، كمغفرة الذنوب، وهداية القلوب، وطلب الرزق من غير جهة معينة، وقول القائل
стр. 487
لصاحب الوثن والمشهد: "أنا في حسبك، واليوم على الله وعليك". ونحو ذلك مما يصدر " (١) . ممن يعبد الأموات ويدعو الصالحين، ويستغيث بهم كفر صريح، وشرك (٢) ظاهر، يستتاب فاعله، فإن تاب وإلا قتل.
وبعد تقرير هذا قال (٣) (ولكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن (٤) تكفيرهم بذلك، حتى يتبين (٥) لهم ما جاء به الرسول مما يخالفه) .
ومراد شيخ الْإِسلام ابن تيمية بهذا الاستدراك، أنَّ الحجة إنَّما تقوم على المُكَلَّفين، ويترتَّب حكمها بعد بلوغ ما جاءت به الرسل من الهدى ودين الحق، وزبدة الرسالة ومقصودها الذي هو توحيد الله وإسلام الوجوه (٦) له وإنابة القلوب إليه.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] [الإسراء / ١٥] .
وقد مثَّل العلماء هذا الصنف بمن نشأ ببادية، أو ولد في بلاد (٧) الكفار، ولم تبلغه الحجة الرسالية، ولذلك قال الشيخ: "لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير (من المتأخرين"، وقد صنَّف رسالة مستقلة في أن الشرائع
стр. 488
لا تلزم قبل بلوغها، وأكثر) (١) العلماء يسلمون (٢) هذا في الجملة، ويرتِّبون عليه أحكامًا كثيرة في العبادات والمعاملات وغيرها، فمن بلغته دعوة الرسل إلى توحيد الله، ووجوب الْإِسلام له، وفقه أن الرسل جاءت بهذا لم يكن له عذر في مخالفتهم وترك عبادة الله، وهذا هو الذي يُجْزم بتكفيره إذا عبد غير الله، وجعل معه الأنداد والآلهة، والشيخ وغيره من المسلمين لا يتوقفون في هذا، وشيخنا ﵀ قد قرَّر هذا وبينه وفاقًا لعلماء الأمة واقتداءً بهم، ولم يكفِّر (٣) إلاَّ بعد قيام الحجة وظهور الدليل، حتى إنه ﵀ توقف في تكفير الجاهل من عُبَّاد القبور إذا لم يتيسَّر له من ينبِّهه، وهذا هو المراد بقول الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى: "حتى يتبين (٤) لهم ما جاء به الرسول ﷺ ، فإذا حصل البيان الذي يفهمه المخاطب ويعقله فقد تبيَّن له "، وليس بين "بيَّن" و"تبيَّن" فرق بهذا الاعتبار؛ لأن كل من بُيَّن له (٥) ما جاء به الرسول، وأصر وعاند، فهو غير مستجيب، والحجة قائمة عليه سواء كان إصراره لشبهة عرضت، كما وقع للنصارى، وبعض المشركين من العرب، أو كان ذلك عن عناد وجحود واستكبار (٦) كما جرى لفرعون وقومه، وكثير من مشركي العرب، فالصنفان يحكم بكفرهم إذا قامت الحجة التي يجب اتباعها، ولا يلزم أن يعرف الحق في نفس الأمر كما عرفته اليهود وأمثالهم؛ بل
стр. 489
يكفي في التفكير رد الحجَّة, وعدم قبول ما جاءت به الرسل.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩] (١) - إلى قوله- ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] [النور / ٣٩، ٤٠] .
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يس: ٩] الآية [يس / ٩] .
وقال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] [الفرقان / ٤٤] .
وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] [الأعراف / ١٧٩] .
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا - الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (٢) وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤] [الكهف / ١٠٣، ١٠٤] .
[٢٠٦] وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] [فاطر / ٨] .
وقال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٠] [الأعراف / ٣٠] .
ونحو ذلك من الآيات, وإذا بلغ النصراني ما جاء به الرسول, ولم يَنْقد له؛ لظنه أنه رسول الأميين فقط فهو كافر, وإن لم يتبين له الصواب في نفس (٣) الأمر.
стр. 490
وكذلك كل من بلغته دعوة الرسول (١) بلوغًا يعرف منه المراد والمقصود، فردَّ ذلك لشبهة أو نحوها فهو كافر، وإن التبس عليه الأمر، وهذا لا خلاف فيه.
فما صنعه هذا الغبي من ضبط الكلمة بالياء التحتية ثم المثناة الفوقية جهل منه بأصول الشرع وأدلته.
وقوله: (لا بدَّ أن يتبيَّن للمعرف) واستدلاله بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] [البقرة / ٨٩] وما بعدها من الآيات يدلك (٢) على كثافة فهمه وعظيم جهله، فإن هذه الآيات إنما فيها التسجيل والبيان عن حال من كفر مع علمه بالحق والهدى، وليس فيها أنه لا يكفر (٣) سواه، فمن لم يستجب للرسول ﷺ من أهل الشبهات والجهل المركب فالدليل أخص من المدعى.
وهذا المعترض من أجهل الناس بأحكام الشرع (٤) وسبل الهدى، وأظنه لا يحفظ كتاب الله (٥) ولا (٦) يدري ما فيه من النصوص.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] [التوبة / ١١٥] .
стр. 491
ولم يقل حتى" يتبين ".
وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا (١) مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] الآية [إبراهيم / ٤] .
وقد نص شيخنا رحمه الله تعالى في جوابه لمن سأله عن هذه المسألة, وقال رحمه الله تعالى (٢) (أصل الإشكال: أنكم لم تفرقوا بين بلوغ الحجة, وفهم (٣) الحجة, وبلوغ الحجة لابدَّ منه في الحكم بما تقتضيه الحجة والدليل, وأما فهم الحجة فلا يشترط.
قال الله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] [الفرقان / ٤٤] ) . اهـ بمعناه.
(قال الخطابي في "الغريب": الكفر على أربعة) (٤) أنحاء: كفر جحود، (وكفر عناد، وكفر نفاق) (٥) وكفر إعراض. ومثَّل الأول: بكفر فرعون وأمثاله (٦) و (٧) الثاني: بكفر إبليس ممن اعترف وعاند. والثالث: بكفر النفاق. والرابع: بكفر المعرضين عن التزام الإسلام والعمل (٨) به
стр. 492
لغرض غير العناد (١) وقرَّر مثله شمس الدِّين ابن القيم.
وقوله: (وهؤلاء الذين (٢) كفَّرهم هذا الرجل لم يصدُّوا عن سبيل الله، ولم يشاقوا الرسول) .
إن أراد أن من عبد الصالحين بالحب مع الله، والخضوع، والدعاء، والذبح، والنذر ونحو ذلك من العبادات، لم يصدوا عن سبيل الله، ولم يشاقوا الرسول، مع ما هم فيه من الشرك البواح والكفر البيِّن (٣) ودعوة الناس إلى مذهبهم، وتحسينه للجهال (٤) والغوغاء وإيراد الشبهات على صحته، فهذا [٢٠٧] أكبر دليل، وأوضح برهان على أن هذا المعترض لم يأنس بشيء مما جاءت به الرسل، ولم يفقه مراد الله ورسوله، ولم يدرِ ضروريات الْإِسلام التي يعرفها كل من تصوُّره وعرف حقيقته، فضلًا (٥) عمن قَبِله ودان به.
وفيه جهله بمعنى الصد والمشاقة التي يعرفها آحاد الناس، وكون عبَّاد القبور شيَّدوا المنار، وعمَّروا المدارس، واستقبلوا القبلة، فليس هذا هو الْإِسلام حتى يستدل به على إسلام من دعا الأموات والصالحين، وجعلهم أندادًا لله ربِّ العالمين.
وفي حديث سؤال جبريل عن الْإِسلام والْإِيمان والْإِحسان ما يستبين (٦)
стр. 493
به ضلال هذا المعترض وجهله (١) بمسمى الدين ومراتبه، فإنَّ النبي ﷺ أجابه عن سؤاله (٢) عن الْإِسلام بجواب كاشف للحقيقة مبيِّن للحد (٣) والماهيَّة، فقال: " «الْإِسلام أن تشهد أن لا إِله إلاَّ الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلا» " (٤) فجعل الْإِسلام هو التزام التوحيد، والبراءة من الشرك، والشهادة لرسوله ﷺ بالرسالة، والإتيان بالمباني الأربعة، ولم يذكر تشييد المنار.
وكذلك جعل هذا مسمى الإِيمان في حديث وفد عبد القيس، إلاَّ أنه أبدل الحج بإعطاء الخمس، فمن جعل الْإِسلام هو الْإِتيان بأحد المباني فقط مع ترك التزام توحيد الله والبراءة من الشرك، فهو (٥) أجهل الناس وأضلَّهم، فكيف بمن جعل ذلك هو تشييد المنار، أو عمارة المدارس، أو استقبال القبلة" قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ [وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٩]] (٦) [التوبة / ١٩] .
وقد تقدم هذا المبحث (٧) وانهدم أصل المعترض، وكشفنا عن ضلالته بحمد الله ومنته.
стр. 494
[فصل فيه رد على فهم خاطىء للمعترض لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية]
فصل قال المعترض: (ثم قال أبو العباس: "وما يروى أن رجلًا جاء إلى قبر النبي ﷺ فشكي إليه الجدب عام الرمادة, فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر وأن يخبره أنهم مسقون، فعليه بالكيس، فمثل هذا يقع كثيرًا لمن هو دون النبي ﷺ ، وأعْرِف من هذا وقائع، وكذلك سؤال بعضهم للنبي ﷺ أو غيره من أمته حاجة فتقضى، فإن هذا وقع كثيرًا، ولكن عليك أن تعلم أن إجابة النبي ﷺ لهؤلاء السائلين لا (١) تدل على استحباب السؤال، وأكثر هؤلاء السائلين الملحين (٢) لما هم فيه من ضيق الحال لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، كما أن السائلين له في الحياة كانوا كذلك ". هذا كلامه والمقصود في هذا أنه قال بعد حكايته عن فعلهم وسؤالهم لرسول الله ﷺ : لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، و (٣) أن السائلين له في الحياة كانوا كذلك (٤) وأثبت لهم الْإِيمان بذلك، وسوى بين الحياة والممات؛ كما
стр. 495
تراه صريحًا واضحًا (١) . وقد «قال ربيعة بن كعب ﵁ كما في صحيح مسلم: "كنت أبيت مع رسول الله ﷺ ، فأتيته بوضوء وحاجة فقال: سلني، فقلت: سألتك مرافقتك في الجنة فقال أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. فقال: "أعني على نفسك بكثرة السجود» " (٢) وهذا الرجل كفَّر من سأل الله تعالى وحده بذات النبي ﷺ ، أو برجل صالح وأخرجه عن (٣) ملة الإِسلام بذلك، كما ترى فيما سبق من (٤) قوله في شبهته، فهو بذلك ممن قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨] الآية [الحج / ٨] .
وممن قال فيهم النبي ﷺ : " «إنهم يقتلون أهل الْإِيمان ويدعون أهل الأوثان» ") .
والجواب أن يقال: إن أبا العباس قرر منع الدعاء عند القبور، وأنه وسيلة إلى دعاء أربابها مع الله، كما يفعله عباد الكواكب والأصنام والصالحين من الآدميين والملائكة، وجزم بالمنع من دعاء الله عندها، وأنها وسيلة إلى هذا الشرك العظيم، وأنه مشاقة لله ورسوله، فإن (٥) الرسول منع من الصلاة عند القبور، ولعن فاعله، وقال: " «لا تتخذوا قبري