[فصل في زعم المالكي أن تكفير الحنابلة لأبي حنيفة فيه خير]
فصل
في زعم المالكي أن تكفير الحنابلة لأبي حنيفة فيه خير، لإظهاره حال من
ينسب إليهم الصلاح، ومقياس الحق عندهم! والرد عليه قال المالكي ص (١٠٨) : (على آية حال، لا يخلو شر من خير في الغالب، وعلى هذا فلا يخلو تكفير هؤلاء لأبي حنيفة من فوائد عظيمة، لعل أبرزها: معرفة طغيان العواطف على العلم، عند بعض السلف، الذين نصفهم بالصلاح، ونصم مخالفيهم بالضلالة! !) اهـ.
والجواب: أن التكفير والتبديع - كما تقدم - له ضوابطه الشرعية، ولا يكون بالعواطف أو الأهواء، وهذا طعن آخر في السلف ﵏.
ونتيجة المالكي هذه، بناها على مقدمات كاذبة، بينا كذبها، فهي نتيجة فاسدة.
ثم قال المالكي ص (١٥٨) : (فهذه الكتب تصلح لدراسة وقياس الإنصاف والظلم عند سلفنا، وقياس فهمهم للحجة من عدمها، مع قياس العلم والجهل، والصدق والكذب عند المتقدمين، فهي شاهد على ذلك العصر) اهـ.
стр. 142
والجواب: أن من جعل كتب ومصنفات كبار أئمة الإسلام، ومدار أئمته الأعلام: كتبا مليئة بعدم الإنصاف! والظلم! وعدم فهم حجة المخالف! وتظهر قدر علمهم، وجهلهم، وعدم صدقهم، وظهور كذبهم! : لهو الظالم الباغي، فإن أولئك هم ريحانة الإسلام، وعلماؤه العظام، بهم استقامت الشريعة، وعرف الحلال والحرام.
وهي - بلا شك - دليل علمهم، وإنصافهم، ودقة فهمهم وصدقهم، ولو كانوا غير ذلك، لسقطت السنة، فهم حملتها، ورواتها، وحافظوها.
стр. 143
[فصل في إبطال المالكي تكفير الأئمة لفرق الضلالة كالرافضة والمعتزلة وغيرهم]
فصل
في إبطال المالكي: تكفير الأئمة لفرق الضلالة، كالرافضة، والمعتزلة
وغيرهم، ببطلان تكفيرهم لأبي حنيفة الذي زعمه! والرد عليه قال المالكي ص (١٠٨) : (كما أن ظلمنا في تكفير أبي حنيفة وأصحابه ﵏، يجعلنا نتوقف في ظلمنا فرقا أخرى، كالشيعة، والمعتزلة، والصوفية، والأشاعرة، وغيرهم. لأنه إن سلمنا بأن تكفيرنا لأبي حنيفة كان خاطئا، فما الذي يمنع من أن تكفيرنا لهؤلاء، كان خاطئا أيضا؟ !) اهـ.
والجواب من وجوه: أحدها: أن السلف، ﵏، لم يظلموا أبا حنيفة، وقد تقدم رد هذا، فنتيجته هذه، مبنية على مقدمته تلك الفاسدة.
مع أن أبا حنيفة ليس معصوما، حتى نطعن في غيره من أئمة الإسلام، إذا جرحوه أو تكلموا فيه، بل الأقرب صحة كلامهم، وإمضاء قولهم، لو تعارض الأمران، إما عدالة أبي حنيفة، أو صوابهم.
الوجه الثاني: أن كلام السلف في الرافضة والمعتزلة والصوفية والأشاعرة: ليس مبنيا على الظنون والأهواء، بل بنوه على الأدلة الواضحة، والحجج الظاهرة.
стр. 144
فحال الرافضة: فصله شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀ (ت ٧٢٨ هـ) في " منهاج السنة "، وبين ضلالهم، وقبيح أقوالهم، وفساد اعتقادهم، بالحجة والدليل.
وأما المعتزلة والأشاعرة: فبين حالهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وبين موقف السلف الصالح منهم، في كثير من مؤلفاته منها:
. "درء تعارض العقل والنقل"،
. و "بيان تلبيس الجهمية"،
و" الحموية"،
. و" التسعينية"،
و"النبوات"،
و"الإيمان"، وغيرها كثير.
وكذلك الصوفية في كتابيه:
. "الاستقامة "،
. و "الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن "، وغيرهما.
وقد بين حالهم، وحكمهم بالدليل، وروى أقوال السلف فيهم جماعة من أئمة الدين وحفاظه، في كتب كثيرة.
فمقصود هذا المخذول (المالكي) من زعمه ظلم الحنابلة - ويقصد بهم السلف -: تبرئة أهل البدع والضلال، كالرافضة، والمعتزلة، والصوفية، والأشاعرة.
стр. 145
أما زعم المالكي: أن الرافضة والمعتزلة والصوفية والأشاعرة كفار، ففيه تفصيل:. فإن كان - هو - يكفرهم، فليبد حجته! !
. وإن كان يقصد تكفيرنا - نحن - لهم، مع عدم تكفيره - هو - لهم: فليذكر لنا أسباب تكفيرنا لهم التي لم يرضها، وليبين لنا بطلانها.
أما نحن: فحالهم عندنا على تفصيل يطول ذكره، مختصره: أن المعتزلة والرافضة كفار، قد أجمع السلف المتقدمون، والأئمة المرضيون على كفرهم، بل كفر من قال بآحاد مسائلهم، كخلق القرآن ونحوها.
أما الأشاعرة: فمبتدعة.
وأما الصوفية: فغلاتهم من القائلين بالحلول والاتحاد ونحوه، فلا شك في كفر من لم يكفرهم، بَلْهَ عنهم هم، وكذلك عباد القبور، ودعاة الموتى.
أما من دونهم من أصحاب الأذكار والأوراد البدعية والرقص والضرب بالدف، والموالد ونحوها: فهم مبتدعة ليسوا بكفار.
стр. 146
[فصل في طلب المالكي الاتغاظ بما حصل من السلف من تسرع في التكفير]
فصل
في طلب المالكي الاتغاط بما حصل من السلف من تسرع في التكفير!
والرد عليه ثم قال المالكي ص (١٠٨) : (والعاقل من اتعظ بهذه عن تلك، فلا يتسرع في التكفير قبل معرفة حجج الخصم، وارتفاع موانع تكفيره، ومعرفة شبهه واعتذاراته من قوله، لا من نقل خصمه) اهـ.
وجوابه: أن السلف ﵏ لم يكفروا، إلا من ارتكب مكفرا، واستوفى شروط التكفير، وهم أتقى وأورع وأعظم من أن يكونوا متسرعين فيمن كفروه.
فإن وقف المالكي على أحد كفروه بقول لم يقله: فليبد لنا حجته!
أما قوله: "من قوله لا من نقل خصمه ": ففيه تفصيل:. فإن كان الخصم الناقل ثقة عدلا قُبِل، وبأي دليل شرعي، أو عقلي يرده؟ ! وقد قبلت أقوالهم في نقل الوحي، ألا تقبل فيما سواه؟ !
. وإن لم يكن عدلا ثقة: لم يقبل، كان خصما أو لم يكن، إلا بعد التثبت والتبين.
стр. 147
[فصل في طعن المالكي فيما رواه عبد الله بن الإمام أحمد في السنة]
فصل
في طعن المالكي فيما رواه عبد الله بن الإمام أحمد في " السنة " والرد عليه قال المالكي (١٠٨) : (فبعض ما نقله عبد الله بن أحمد هنا، لا يقره الأحناف، بل ينكر الحنفية أن يكون أبو حنيفة يقول بذلك أو يعتقده) اهـ.
وجوابه من وجوه: أحدها: أن عبد الله بن الإمام أحمد لم يقل في أبي حنيفة شيئا، وإنما روى بأسانيده ما بلغه عن أئمة السلف كمالك والأوزاعي والثوري وابن المبارك وغيرهم، وهم أئمة عدول ثقات.
الثاني: أن كلام بعض أئمة السلف، الذين روى أقوالهم عبد الله بن أحمد في أبي حنيفة: هم معاصرون لأبي حنيفة، وأدرى به ممن جاء بعده، وتمذهب بمذهبه، فهم ﵏ مُحَكَّمون لا مَحْكومون، ومقدمون لا متقدمون.
الثالث: أن الإنكار المجرد ليس بحجة، وقد تكاثر وتتابع كلام السلف في أبي حنيفة، فلا ينكر ولا يرد، إلا بحجة ودليل.
стр. 148
[فصل في تكذيب المالكي من رمى أبا حنيفة برد الأحاديث واعتذار المالكي عنه ﵀]
فصل
في تكذيب المالكي من رمى أبا حنيفة برد الأحاديث،
واعتذار المالكي عنه ﵀، بأن له وأصحابه منهجا متشددا في قبول
الأحاديث! ! والرد عليه قال المالكي في الحاشية ص (١٠٨) : (مثل قولهم: إن مذهب أبي حنيفة رد أحاديث الرسول ﵌؟ ! فهذا ظلم وكذب، فأبو حنيفة لا يرد أحاديث رسول الله ﵌ هكذا ردا بالهوى، وإنما له ولأصحابه منهج متشدد في قبول الأحاديث وردها، يختلف عن منهج المحدثين) اهـ.
والجواب: أن هذا الجاهل، ينفي عن أبي حنيفة ما يثبته - هو - له، فنفى وكذب من قال: إن أبا حنيفة رد أحاديث الرسول ﷺ ، ثم أثبت ذلك لأبي حنيفة!
إلا أنه جعل ذلك، لمنهج أبي حنيفة المتشدد في قبول الحديث! ! فرد أبي حنيفة لأحاديث رسول الله ﷺ عنده ثابت، وإنما الاختلاف: في سبب الرد لا وجوده.
ثم إذا كان الأمر كما سبق، فمن أين علم المالكي أن السلف جعلوا رد أبي حنيفة للأحاديث للهوى، لا إلى منهجه المتشدد في قبولها؟ !
стр. 149
أما زعم المالكي، أن منهج أبي حنيفة، منهج متشدد في قبول الحديث، وقوله في حاشية ص (١٠٨) : (وإنما له ولأصحابه منهج متشدد في قبول الأحاديث وردها، يختلف عن منهج المحدثين، فلا يجوز اتهامه برد أحاديث النبي ﵌، وإنما يجوز تخطئته في المنهج نفسه.
وكذلك الحنابلة عندما قبلوا ذلك، وظنوه صحيحا، وفق منهجهم المتساهل) اهـ: فجوابه من وجوه: أحدها: أن هذه مغالطة باردة، فمعلوم تساهل الأحناف في قبول الأحاديث، فاحتجاجهم بالرأي غالب عليهم، حتى أصبحوا لا يعرفون إلا به، فهم أهل الرأي، وغيرهم أهل الأثر.
وأبو حنيفة نفسه - مع إمامته في الفقه ﵀ إلا أنه لم يكن صاحب حديث. بل أحاديثه القليلة التي رواها، ضعف لأجلها وردت! لذا لم يخرج له الشيخان شيئا قط، بل حتى أهل السنن الأربع لم يرووا له شيئا، عدا حديث واحد عند النسائي، اختلف فيه، هل المذكور في سنده أبو حنيفة النعمان بن ثابت أو غيره؟
ولا يكاد يسلم لأبي حنيفة حديث رواه، فإن سلم منه هو، لم يسلم من ضعف غيره! فأين المنهج المتشدد؟ ! وممن أخذه؟ !
الثاني: أن عناية الحنابلة ﵏ بالحديث، أعظم من أن يحتج لها، وحسب إمامهم حفظه ألف ألف حديث، وأنه عمدة أهل الفن ومرجعهم، في معرفة أحوال الرجال، وتعديلهم وتجريحهم، ومعرفة العلل
стр. 150
وغيرها، وأنه شيخ الشيوخ، وإمام الأئمة، المجمع على عدالته وتقدمه وإتقانه.
الثالث: أن من عاب أبا حنيفة برد الأحاديث: جماعات من أئمة السلف، قدمنا بعضهم، كالحافظ أبي بكر عبد الله بن أبي شيبة (ت ٢٣٥ هـ) في "مصنفه "، وليسوا بحنابلة، فلم علق المالكي رمي أبي حنيفة برد الأحاديث بالحنابلة؟ ! وجعل سبب ذلك ومرجعه: منهجهم المتساهل في قبول الحديث! ! بخلاف منهج أبي حنيفة وأصحابه المتشدد في قبولها؟ ! !
стр. 151
[فصل في رمي المالكي الأئمة بتصحيح الروايات لتشويه الخصم وعدم سماعهم حجته]
فصل
في رمي المالكي الأئمة بتصحيح الروايات لتشويه الخصم! وعدم سماعهم
حجته! وتكفيرهم له بغير مكفر! والرد عليه قال المالكي (١٥٨) : (فمعنى هذا: أن عندنا خللا في النقل، فنصحح الروايات في تشويه الخصم، ولا نتفهم حجة الطرف الآخر، ولا نسمع له، ونكفر بأشياء ليست مكفرة، أو نكفر بإلزامات لا يجوز التكفير بها، فلازم القول ليس بقول) اهـ.
وجوابه من وجوه: أحدها: أن عبد الله بن الإمام أحمد، ليس خصما لأبي حنيفة، بل وما أدرك شيئا من حياته ليكون خصما له، فإن كان ثم خصومة، فما سببها؟ وما الدليل؟
الثاني: أن غالب ما نقله عبد الله بن الإمام أحمد، من أقوال أئمة السلف، هو من باب الإخبار، أن أبا حنيفة يقول بكذا وكذا، وأنه كذا وكذا، وليس فيه مناظرة وجدال أو حكم، حتى نتفهم حجة الآخر ونسمع له!
الثالث: مطالبة المالكي بالمكفرات التي كفرنا بها، وليست بمكفرات! لنجعلها مجالا للنقاش والجدال؟ !
стр. 152
فلماذا لم يذكر لنا الأمور التي كفرنا بها، وليست مكفرة، لئلا يحكم علينا بلا دليل ولا بينة! وحتى تبين له حجتنا، ونسمعه إياها! !
الرابع: قوله: " أو نكفر بإلزامات لا يجوز التكفير بها، فلازم القول ليس بقول ": غير مسلم له، وهذه المسألة، فيها خلاف طويل، وتدل على جهل المالكي بأصول الحوار والمناظرة! فإنه لا يستدل على الخصم إلا بأحد أمرين:
. أمر يلتزمه، أو يقول به.
. أو أمر لا يقول به وينكره، إلا أن مناظره يقرر صحته قبل الاستدلال به، ثم يحتج به.
стр. 153
[فصل في رميه الحنابلة بتكفير معظم فرق المسلمين]
فصل
في رميه الحنابلة بتكفير معظم فرق المسلمين،
كالمعتزلة والرافضة والقدرية والمرجئة والجهمية، والرد عليه،
وبيان حال من ذكر قال المالكي ص (١٠٨ - ١٠٩) : (وقد كفر غلاة الحنابلة، معظم فرق المسلمين، كالمعتزلة والشيعة والقدرية والمرجئة والجهمية وغيرهم) اهـ.
والجواب: أنه ليس بالحنابلة غلاة، بل هم على الإسلام والسنة بحمد الله.
ثم إن تكفير من ذكر: لم ينفرد به غلاة الحنابلة كما زعم، وإنما هو حكم شرعي استحقوه بشروطه، وقد كفر المعتزلة - القائلين بخلق القرآن وغيرها من الضلالات -: أئمة السلف والخلف، وقد قدمنا ذكر جملة منهم في " المقدمة الثالثة " أول الكتاب.
والرافضة والجهمية على اعتقاد المعتزلة، وهم متفقون في اعتقاد ما كفرهم السلف لأجله، وإن اختلفوا في أمور أخرى.
أما القدرية النفاة: فقد كفرهم: عبد الله بن عمر ﵄ قبل الحنابلة وغيرهم، عندما بلغه خبر رأسهم معبد الجهني، ونفيه للقدر، وهذا في " صحيح مسلم " (٨) .
стр. 154
وتكفير القدرية والمرجئة: فيه تفصيل طويل، والمرجئة فرق، وليسوا كلهم بكفار، وليس محل نزاعنا في بسط فرقهم، والكلام على معتقداتهم. وإنما محل النزاع: هل انفرد الحنابلة بتكفير المعتزلة والجهمية والقدرية أو لا؟
وقد بينا عدم انفراد الحنابلة بذلك، بل هم متبعون لا مبتدعون، وتكفيرهم محل إجماع، والحمد لله.
وقد طالبت المالكي فيما سبق: أن يذكر لنا من هم المعتدلون في الحنابلة؟ وهل هم يوافقون الغلاة في معتقداتهم الغالية أو لا؟
وبينت كذلك، أن اعتقاد السلف كله، وتكفير المارقين من فرق الزنادقة: غلو عند المالكي! ولم ينفرد به الحنابلة.
стр. 155
[فصل في رميه غلاة الحنابلة بزعمه بالكذب على الإمام أحمد وبيان كذبه هو]
فصل
في رميه غلاة الحنابلة - بزعمه - بالكذب على الإمام أحمد!
وبيان كذبه هو، والرد عليه قال المالكي ص (١٠٩) : (وقد أكثر الحنابلة من الاحتجاج بأقواله في تكفير المخالفين له من المسلمين) .
ثم قال في حاشية ص (١٠٩) : (كنت أستبعد صدور مثل هذه الأقوال عن أحمد بن حنبل ﵀، لاشتهار غلاة الحنابلة بالكذب عليه) اهـ.
والجواب من وجوه: أحدها: أن المخالفين الذين كفرهم الإمام أحمد ﵀: لم يكن خلافهم فرعيا، وإنما خلافهم أصلي أصولي، لا يسع أحدا قبوله، لذا كفر هؤلاء المخالفين أئمة السلف، وقد قدمنا جملة من أسمائهم في " المقدمة الثالثة " أول الكتاب.
الثاني: أن تكفير هؤلاء المخالفين، القائلين بخلق القرآن ونحوه: أمر تواتر عن السلف جميعا، ومنهم الإمام أحمد ﵏، وأقواله في ذلك متواترة عند جميع المسلمين، سنة ومبتدعة، تفيد العلم الضروري، بلا شك.
стр. 156
وتشكيك المالكي في صحة نسبة ذلك إلى أحمد ﵀، يدل على أمرين:
. جهله بحال الإمام أحمد ﵀، وأقواله الظاهرة التي لا تخفى.
. وجهله بسبب تكفير السلف لهم، وعظم مخالفتهم لأصول الإسلام.
الثالث: مطالبة المالكي بأسماء غلاة الحنابلة - كما يصفهم - الذين كذبوا على الإمام أحمد ﵀! بل اشتهروا بالكذب عليه!
أو يضرب لنا مثالا واحدا، أو مثالين لهؤلاء الكذبة! وفيما كذبوا! ليظهر - عيانا - كذب المالكي، ودجله، وظلمه، وخبثه.
وقد روى مسائل الإمام أحمد وفتاواه: عشرات الأئمة، حنابلة، وغير حنابلة: فلم يناقض شيء منها شيئا آخر، بل هي تخرج من مشكاة هدى واحدة، ولولا مخافة الإطالة، لسقت جملة كبيرة منهم، لكني أكتفي بالإحالة إلى كتاب الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد " المدخل المفضل " (٢ / ٦٢٢ - ٦٦٥) ، فقد ذكر جملة كبيرة منهم، يغني من طالعه عن غيره، بمشيئة الله وتوفيقه.
стр. 157
[فصل في رد طعنه في الإمام أحمد ﵀ بأن فيه حدة في التكفير والتبديع]
فصل
في رد طعنه في الإمام أحمد ﵀، بأن فيه حدة في التكفير والتبديع! ! قال المالكي في حاشية ص (١٠٩) : (لكنني أصبحت متوقفا في صدور هذه الأقوال عن أحمد، لسببين اثنين:
السبب الأول: كثرة النقولات عن أحمد في التكفير، حتى أصبحت تقترب من المتواتر عنه، خصوصا في تكفير القائلين بخلق القرآن.
السبب الثاني: خروج أحمد منتصرا من السجن، بعد أن ظلم من المعتزلة وسلطتهم، وكان لنشوة الانتصار، والغضب على الخصوم، أثر على حدة الإمام في التكفير والتبديع، حتى هجر أمثال علي بن المديني، ويحيى بن معين، وللأسف أن أغلب المنتصرين، لا يتحكمون في عواطفهم) اهـ.
وجوابه من وجوه: أحدها: تقدم في ثبوت تكفير الإمام أحمد، بل والسلف جميعا، للقائلين بخلق القرآن، وتواتر هذا عنهم، فإنكاره إما جهل مطبق، أو تلبيس.
الثاني: أن الإمام أحمد بن حنبل، إمام أجمعت الأمة على عدالته، وورعه، وتقواه، وزهده، بل ارتضوه إماما لهم، باختلاف مذاهبهم الفقهية، وسموه إمام أهل السنة والجماعة، إمام أهل الحديث.
стр. 158
وهو ﵁ أجل وأعظم من أن يعادي لحظ نفسه، وهذا معلوم من حاله وسيرته.
الثالث: أن تبديع الإمام أحمد، وتكفيره للقائلين بخلق القرآن: لم يكن بعد خروجه من السجن فحسب، بل كان قبل ذلك، وما أدخله السجن إلا ذاك.
الرابع: أن شدة الإمام أحمد على بعض أئمة السنة ﵏ جميعا - ممن أكرهوا على القول بخلق القرآن بالسيف - وهم لا يرون ذلك - كان من أحمد غيرة لله وشرعه.
وكان ﵀، لا يرى رخصة لهؤلاء المكرهين، لعظم وخطر إجابتهم على معتقد المسلمين.
لهذا كان هؤلاء المكرهون يعتذرون للإمام أحمد، بعرضهم على السيف، وأن الله قد جعل رخصة لهم في قوله جل وعلا: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] .
الخامس: أن علي بن المديني، ويحيى بن معين وغيرهم ﵏، ممن أجابوا في الفتنة، وقالوا بخلق القرآن بعد عرضهم على السيف: هم ممن كفروا القائلين بخلق القرآن، قبل الفتنة وبعد زوالها، فلا خلاف بينهم مع أحمد في هذا.
وإن كانت في أحمد حدة لأجل تكفيره القائلين بخلق القرآن! فالحدة فيهم أيضا! .
стр. 159
[فصل في رميه الإمام أحمد ﵀ بأنه لم يتحكم في عواطفه لكون الدولة والعامة معه]
فصل
في رميه الإمام أحمد ﵀، بأنه لم يتحكم في عواطفه! لكون الدولة
والعامة معه! وبيان مراده، والرد عليه قال المالكي بعد كلامه السابق، في حاشية ص (١٠٩) : (وللأسف أن غالب المنتصرين لا يتحكمون في عواطفهم، خصوصا إذا كانت الدولة والعامة معهم. فالقلائل من عقلاء الناس، يتحكمون في خصوماتهم، حتى لا تخرج عن الشرع.
ولعل من أبرز النماذج الجميلة في تاريخنا: نموذج الإمام علي مع الخوارج، فرغم أنهم كانوا يصرحون بعداوته، ويكفرونه، ويسبونه، ورغم ورود النصوص فيهم بأنهم يمرقون من الإسلام، إلا أن الإمام علي (١) كان شريف الخصومة، فلم يستغل كل هذا في تكفيرهم، وإنما قال: " إخواننا بغوا علينا ". وكان يمنحهم حقوقهم كغيرهم من المسلمين، ولم يقاتلهم إلا بعد سفكهم الدماء) اهـ.
والجواب من وجوه: أحدها: أن الإمام أحمد وغيره من أئمة الإسلام سلفا وخلفا: لم يكفروا أحدا لعواطفهم، أو خصومتهم معه، بل كان ضابط ذلك ومرجعه:
стр. 160
كتاب الله سبحانه، وسنة رسوله ﷺ .
لهذا تجد اتفاق أئمة الإسلام، بجميع مذاهبهم الفقهية، وطبقاتهم الحديثية، على كفر أولئك.
فإن كانت العاطفة أخذت أحمد - حاشاه -، فهل أخذت أئمة الإسلام جميعا؟ !
الثاني: أن قياس الجهمية بالخوارج على الخليفة الراشد علي ﵁، كما فعل المالكي: قياس مع الفارق غير صحيح.
فإن الخلاف مع الجهمية أصولي، أما الخوارج: فخلافهم - عند نشوئه في أوله - لم يكن أصوليا، لهذا قال فيهم علي ﵁ ما قال.
إلا أنهم - أعني الخوارج - انتحلوا بعد ذلك الاعتزال، فحكمهم كحكم بقية الجهمية والمعتزلة.
الثالث: أن الإمام أحمد ﵀ وإن كان كفر المعتزلة - إلا أنه لم يقتل أحدا منهم، ولم يحرض الخليفة العباسي على قتل أحد منهم، بخلاف علي ﵁، فإنه مع عدم تكفيره للخوارج، إلا أنه سفك دماءهم، ونكل بهم - في مواقع مشهودة - شر تنكيل، فعلي ﵁، أشد في دين الله من أحمد ﵀، وفعل علي ﵁ في الخوارج، حق ولا ريب. بل إن قتله لهم منقبة وفضيلة أتت في غير حديث له، فأخرج الإمام أحمد (١ / ١١٣) والبخاري (٦٩٣٠) ومسلم (١٠٦٦) عن علي ﵁ قال: سمعت
стр. 161
رسول الله ﷺ يقول: «يخرج في آخر الزمان، قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فافتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة» .
وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج قوم فيهم رجل مودن اليد، أو مثدون اليد، أو مخدج اليد، ولولا أن تبطروا، لأنبأتكم بما وعد الله الذين يقاتلونهم على لسان نبيه» رواه الإمام أحمد في " مسنده " (١ / ٥٩) ومسلم (١٠٦٦) .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «تمرق مارقة في فرقة من المسلمين، يقتلهما أولى الطائفتين بالحق» رواه مسلم (١٠٦٥) .
وروى الإمام أحمد في " مسنده " (٣ / ٣٣) وابنه عبد الله في " السنة " (١٥١٢) عن أبي سعيد الخدري ﵁ وقد روى حديثا في الخوارج وعلاماتهم - قال: (فحدثني عشرون أو بضع وعشرون من أصحاب رسول الله ﷺ أن عليا ولي قتلهم) .
الرابع: أن عليا ﵁، إن كان وسعه خروج الخوارج عليه، وقال فيهم ما قال، إلا أنه لما خرج الزنادقة في عهده، ممن يزعمون حبه وتوليه، وكانت مخالفتهم عقدية أصولية: حرقهم بالنار ونكل بهم، ولم يكتف بتكفيرهم. فلو كانت الجهمية والمعتزلة في عصر
стр. 162
علي، وبلغه منهم ما بلغ أحمد: لأرانا علي ﵁ فيهم، ما أرانا في أشباههم.
стр. 163
[فصل في زعم المالكي بطلان نقول الحنابلة عن الإمام أحمد في التكفير على أي حال]
فصل
في زعم المالكي بطلان نقول الحنابلة عن الإمام أحمد في التكفير
على أي حال، صحت أو لم تصح! والرد عليه قال المالكي ص (١٠٩ - ١١٠) : (وهذه النقولات الكثيرة، التي نقلها الحنابلة عن الإمام أحمد في التكفير:
. إما أن تكون صحيحة،
. وإما أن تكون باطلة.
فإن كانت صحيحة: فهي مردودة على الإمام أحمد، لعدم استيفائها لضوابط التكفير، التي دلت عليها النصوص الشرعية.
وإن كانت هذه النقولات، باطلة عن الإمام أحمد: فهي دليل على وجود الكذب، داخل المنظومة الحنبلية) اهـ.
وجوابه من وجوه: أحدها: تقدم مرارا، وهو أن تكفير الإمام أحمد للقائلين بخلق القرآن، أشهر وأظهر من أن يحتج له، وقد تواتر ذلك عنه.
الثاني: أنه لا شك في كفر من قال بخلق القرآن، وقد أجمع أئمة الإسلام على ذلك، وتقدم ذكر جملة منهم في " المقدمة الثالثة " أول الكتاب، ولم ينفرد الإمام أحمد أو الحنابلة بذلك.
стр. 164
ثم ما ضوابط التكفير التي غابت عن الإمام أحمد وأئمة السلف عند تكفيرهم الجهمية، وعرفها المالكي الجاهل؟ !
ولم أغفلها ولم يبدها، ونحن في أمس الحاجة لها؟ ! كيف لا، وقد غابت عن السلف وجهلوها! !
الثالث: تقدم أيضا، في رد طعنه واتهامه لأئمة الحنابلة بالكذب تارة، وتشكيكه في صدقهم تارة أخرى، كما في كلامه السابق هنا.
ونحن ننزه علماء المسلمين وأئمتهم، حنابلة كانوا، أو غير حنابلة، من الكذب والصفات الذميمة، التي يحاول المالكي إلصاقها بهم.
стр. 165
[فصل في رميه شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه بالغ في التفريق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية]
فصل
في رميه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، بأنه بالغ في التفريق بين توحيد
الربوبية، وتوحيد الألوهية! وهون من شأن الأول، وعظم الثاني!
وتبديع المالكي لأصل هذا التفريق! والرد عليه زعم المالكي ص (١١٦ - ١١٧) : (أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، بالغ في التفريق بين توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وأنه ﵀ هون من شأن الأول، وبالغ في شأن الثاني) .
ثم قال المالكي: (والتفريق نفسه، تفريق مبتدع، ليس في كتاب الله، ولا سنة رسوله، ولم يقل بهذا التفريق أحد من الصحابة ولا التابعين، فالتوحيد شأنه واحد.
وهذا التفريق، هو الذي جعل مقلدي ابن تيمية يزعمون: أن الله لم يبعث الرسل، إلا من أجل توحيد الألوهية، أما توحيد الربوبية، فقد أقر به الكفار! ! ونسوا أن فرعون قال: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] ، وأن صاحب إبراهيم قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فضلا عن سائر الملحدين في الماضي والحاضر، وغير ذلك.
стр. 166
مما يؤكد أن الرسل بعثوا للإقرار بوجود الله وربوبيته، واستحقاقه للعبادة، وبعثوا بسائر أنواع العبادة، والأخلاق، وتحريم المحرمات، وغير ذلك) اهـ.
والجواب: أن في كلامه هذا مغالطات وتلبيسا، فإن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - بعثوا بأنواع التوحيد الثلاثة: الألوهية، والربوبية، والأسماء والصفات.
إلا أنه لما كانت الفطر السليمة، مفطورة – بالاضطرار - إلى نسبة هذا الخلق إليه خالق عظيم، وأن الخلق لم يخلقوا أنفسهم، ولم يوجدوا دون خالق: كانت حاجة الناس إلى توحيد الألوهية والأسماء والصفات أعظم، لفسادهما عند أكثر الناس قبل بعثة الأنبياء والرسل، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] .
ولذا ألزم الله كفار قريش بتوحيده في العبادة، بإقرارهم له بتوحيد الربوبية، فقال سبحانه لنبيه ﷺ : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] وقال جل وعلا: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٥] وهذا في القرآن كثير.
وهذان التوحيدان، متضمنان لتوحيد الربوبية بلا شك، ولم يخالف فيه إلا قليل كالمانوية!
стр. 167
أما قول فرعون: فكان مكابرة منه، لا اعتقادا له، وإلا فمن خلقه هو؟ ! وخلق الخلق قبله؟ !
لهذا قال سبحانه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] وقال موسى ﵊ لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] .
أما قول النمرود ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] : فلم يرد به الإنشاء من العدم، وإنما أراد قدرته على القتل، والعفو عن مستحقه. فأخرج رجلا حكم عليه بالقتل، فعفى عنه! وآخر قتله! وهذا أمر يستوي فيه النمرود وغيره.
أما تبديع المالكي لمن قسم التوحيد: فمن جملة جهله! وتسمية أمر الله لخلقه، بإفراده بالعبادة: توحيد الألوهية، وتسمية إخباره سبحانه، بأنه له الخلق، وأنه منشؤهم من العدم: توحيد الربوبية، وتسمية ما وصف الله به نفسه، من صفات الكمال، وما سمى به نفسه: توحيد الأسماء والصفات: حق.
ومن أنكر التسمية لمزيد جهله، وعمى بصره: فلا يسعه إنكار المعنى، ومن أثبت المعنى - وإنكاره كفر -: لم يكن لإنكاره التسمية معنى.
стр. 168
[فصل في تعلق المالكي بكون أئمة الإسلام بشرا يصيبون ويخطئون لرد أقوالهم في الاعتقاد]
فصل
في تعلق المالكي بكون أئمة الإسلام بشرا، يصيبون ويخطئون: لرد
أقوالهم في الاعتقاد! والتشكيك في صحة ما اعتقدوه وقالوه! والرد عليه قال المالكي ص (١٢٠) : (والصواب ليس مع هؤلاء ولا هؤلاء. فأبو حنيفة، وأحمد، وابن تيمية، وابن القيم، والأشعري، ومحمد بن عبد الوهاب: مسلمون مؤمنون، لكنهم بشر يصيبون ويخطئون) اهـ.
وأقول: نعم! الصواب ليس مع هؤلاء، ولا مع هؤلاء! وإنما هو مع المالكي! فإن أبا حنيفة، وأحمد، وغيرهم ممن ذكر، بشر يصيبون ويخطئون، أما المالكي فلا! ولعله من مارج من نار!
ثم بنى المالكي على ما سبق، وأدخل فيمن ذكر غيرهم فقال: (وكذلك الحال في أئمة المعتزلة أو الشيعة، مثل واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وابن المطهر، والجهم بن صفوان، والجعد بن درهم، وغيلان الدمشقي وغيرهم من العلماء: هم مسلمون، لهم حق الإسلام، لكنهم بشر يصيبون ويخطئون، بغض النظر عن نسبة الصواب والخطأ هنا) اهـ.
وأقول: انظر لهذا الضال المضل، كيف يخلط عمدا، بين أئمة الإسلام والسنة،
стр. 169
وبين أئمة الكفر والبدعة، كمن ذكرهم هنا أخيرا.
وقد حكم أئمة الإسلام والسنة - وهم أئمة عدل وعلم وتقى - بكفر هؤلاء الضلال وزندقتهم.
مع خرق المالكي إجماع من سبق! فإن كل طائفة لم تجعل الأخرى داخلة معها في الإسلام، بل كل فريق يكفر الآخر!
أما أمر المالكي: بغض النظر عن نسبة الصواب والخطأ هنا:
فمن جملة ضلاله! فإن نسبة الخطأ والمخالفة، ونوعها: معتبر مطلوب، وإلا ما من أحد في الدنيا، لا يهودي ولا نصراني ولا غيرهم من الكفار والملحدين إلا وعنده شيء من الحق وشيء من الباطل، إلا أن نوع باطلهم ونسبته عظيمة.
стр. 170
[فصل في زعم المالكي كثرة الأكاذيب والأحاديث الموضوعة والآثار الباطلة في كتب أهل السنة الحنابلة بزعمه]
فصل
في زعم المالكي كثرة الأكاذيب، والأحاديث الموضوعة، والآثار
الباطلة، في كتب أهل السنة الحنابلة بزعمه! والرد عليه ذكر المالكي ص (١٢٢) : فصلا بعنوان " كثرة الأكاذيب من الأحاديث الموضوعة، والآثار الباطلة "، ثم قال: (وخاصة تلك المشتملة على التجسيم، وتشبيه الله بالإنسان، سواء ما كان منها مكذوبا على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أو ما كان مكذوبا على بعض الصحابة والتابعين، أو كان مما تسرب إلى الكتب من الإسرائيليات المأخوذة عن اليهود والنصارى) اهـ.
ثم ذكر جملة آثار، رواها الإمام عبد الله بن الإمام أحمد في كتابه العظيم " السنة " بأسانيده، منها: ما ذكره المالكي فقال ص (١٢٤) : (وروى بإسناده عن ابن مسعود: " إذا تكلم الله سمع له صوت كجر السلسلة على صفوان! ! ") .
ثم قال المالكي:
(واتهم عبد الله بن أحمد من لم يقر بهذا بالجهمية والبدعة! ! مع أن هذا فيه تشبيه واضح، ولم يأت عليه دليل صحيح) اهـ.
وكذب المالكي أيضا أحاديث أخرى، رواها عبد الله في كتابه ليس في رواتها أحد متهم! والجواب من وجوه:
стр. 171
أحدها: أن وصف الله بصفة ما: شيء. ورواية ما ورد في الباب من الصفات شيء آخر، ومن ساق الإسناد فقد أحال، ولا تبعة عليه.
وهذا الحافظ البيهقي أشعري شافعي، ليس بحنبلي: قد روى ما رواه عبد الله بن أحمد وغيره، في كتابه " الأسماء والصفات "، وكتابه الآخر " الاعتقاد ".
وما حواه كتابه " الأسماء والصفات "، من الأسماء والصفات أكثر بأضعاف مما حواه كتاب عبد الله بن الإمام أحمد. بل لا يساوي عشره، بل هو أقل من ذلك. وفيها الصحيح والضعيف، وما دون ذلك وفوقه.
الثاني: مطالبة المالكي: بدليل صحة كلامه، فإنه كذب ما رواه عبد الله بن أحمد من أحاديث وآثار في كتابه " السنة "، ولم يذكر - في جميع ما ساقه - دليلا واحدا، ولا علة واحدة! بل لم يطعن في أحد من رواتها بحرف، فمن أين يسلم له بصحة دعواه؟ !
الوجه الثالث: أن أثر ابن مسعود ﵁، الذي ذكره المالكي، وعاب على عبد الله بن الإمام أحمد روايته أثر صحيح، قد رواه عبد الله في " السنة " (١ / ٢٨١ - ٢٨٢) بإسناد صحيح فقال: (حدثني أبو معمر [أخبر] نا جرير عن الأعمش، و [أخبر] نا ابن نمير، وأبو معاوية، كلهم عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله قال: " إذا تكلم الله بالوحي، سمع أهل السماء له صلصلة،
стр. 172
كصلصلة الحديد على الصفا " اهـ.
وهذا إسناد صحيح، لا ريب فيه، وقد شارك عبد الله في روايته غير واحد من الأئمة، منهم:
. البخاري في "خلق أفعال العباد" (٣٦٧ - ٣٦٨) موقوفا، من طريق الأعمش به.
. وأبو داوود في " سننه " (٤٧٣٨) من طريق أبي معاوية به مرفوعا.
والبيهقي في " الأسماء والصفات " (٢٦٢ - ٢٦٣) من طريق أبي معاوية به، مرفوعا وموقوفا.
. واللالكائي في " شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة " (٥٤٧ - ٥٤٩) مرفوعا وموقوفا.
. والدارمي في " الرد على الجهمية " (٣٠٨) موقوفا.
" وابن خزيمة في " التوحيد " (١ / ٣٥٠ - ٣٥٤) من طرق عدة، مرفوعة وموقوفة.
وأبو الشيخ في " العظمة " (١٤٤) موقوفا.
. وابن حبان في " صحيحه " (٣٧) مرفوعا.
والخطيب البغدادي في " تاريخه " (١١ / ٣٩٢ - ٣٩٣) مرفوعا وموقوفا.
ورجح الخطيب، وقبله الدارقطني: الرواية الموقوفة، وقالا: (هي المحفوظة) .
стр. 173
وهذه الرواية - وإن كانت موقوفة - فلها حكم الرفع، إذ أن مثلها لا يقال بالرأي.
فإن كانت رواية عبد الله بن الإمام أحمد، لهذا الأثر تجسيما وتشبيها: فكل من خرجه معه - ممن ذكرناه أو غيرهم - مجسمون مشبهون!
وقد جاء هذا الأثر مرفوعا بنحوه، من رواية أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] » رواه:
. البخاري في: صحيحه (٤٧٠١) و (٤٨٠٠) و (٧٤٨١) ، وفي " خلق أفعال العباد " (٣٦٩) ، وهذا لفظه.
. والترمذي (٣٢٢٣) ، وقال: (هذا حديث حسن صحيح)
. وابن ماجه (١٩٤)
واللالكائي (٥٤٦)
. والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص (١٦٢) ، وغيرهم.
قال البخاري في " خلق أفعال العباد " (٧٠) بعد أن ذكره: (وكذا قال ابن عباس، وابن مسعود ﵄، وأهل العلم) اهـ ثم روى أثر ابن مسعود السابق.
стр. 174
فهل كان رسول الله ﷺ ، وابن عباس، وابن مسعود، وأبو هريرة ﵃، وأهل العلم - كما قال البخاري -: مشبهين مجسمين؟ !
ولم رمى المالكي عبد الله بن الإمام أحمد بالتشبيه والتجسيم لروايته هذا الحديث، وترك غيره ممن شاركه في روايته؟ ! بل ترك من قاله؟ !
والمالكي لا يريد الطعن في عبد الله بن أحمد، ولا في عقيدته، إنما يريد أمرا فوق ذلك! وهو الطعن في اعتقاد المسلمين، وأئمة الدين.
وما عابه المالكي أيضا، على عبد الله بن أحمد، أنه اتهم من لم يقر بحديث ابن مسعود السابق: بالتجهم والابتداع: حق، فإن أئمة الإسلام على الإقرار به. وبكل ما صح عن النبي ﷺ ، ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع، كالجهمية.
مع أن ما عابه المالكي عليه: ليس من قوله هو ﵀ وإنما هو من قول أبيه الإمام أحمد، وهو رواه عن أبيه.
إلا أن المالكي أراد نسبته لعبد الله دون أبيه ظانا أن الطعن في عبد الله أهون وأقرب من الطعن في أبيه!
стр. 175
[فصل في رمي المالكي الحنابلة بالنصب والرد عليه]
فصل
في رمي المالكي الحنابلة بالنصب! والرد عليه زعم المالكي في حاشية ص (١٢٧) : أن الحنابلة لديهم حساسية كبيرة، من الثناء على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وأهل بيته! بينما ينتشر بينهم، الثناء على بني أمية، وخاصة معاوية، وابنه يزيد!
ثم زعم المالكي كذلك: أن المناهج التعليمية عندنا في المملكة، تسببت في انتشار النصب بين عموم طلبة العلم! !
والجواب: أن هذه الحساسية المزعومة، لا يشعر بها إلا الرافضة، وأبناؤهم، وأذنابهم.
وما زالت كتب أهل السنة حنابلة وغيرهم: مليئة بفضائل أصحاب رسول الله ﷺ عامة، وخلفائه الراشدين الأربعة خاصة، وهذه كتبهم بيننا.
والحنابلة من أشد الناس حرصا على سلامة أعراض أصحاب رسول الله ﷺ عامة، فكيف بخواص الصحابة وكبارهم منزلة؟ ! وما زال طلبة العلم يدرسونها ويدرسونها.
стр. 176
وهذه مساجدنا، وهاهم خطباؤنا، لا يختمون خطبهم إلا بالترضي على الخلفاء الأربعة، أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃.
غير أن الحنابلة لم يؤلهوا عليا ﵁! ولم يقولوا بعصمته! أو رجعته! ولم يقدموه ﵁ على أبي بكر وعمر.
فإن كان ذلك هو النصب الذي يعنيه المالكي، فنعم إذن!
أما رمي المالكي لمناهج تعليمنا، أنها تسببت في انتشار النصب بين عموم طلبة العلم: فدعوى باطلة، فليذكر لنا حرفا واحدا فحسب - ولا نريد منه دليلا غيره - في كتاب واحد فحسب من تلك المناهج التعليمية فيه تنقص لعلي ﵁، أو غض من مكانته الرفيعة ﵁، أو أحد من أهل بيته. فإذا لم يفعل - ولن يفعل - فلعنة الله على الكاذبين.
وهذا " كتاب الشريعة "، مثال لكتاب من كتب الحنابلة في الاعتقاد، للحافظ الكبير الإمام أبي بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري ﵀ (ت ٣٦٠ هـ) . وترجمته عند:
. ابن أبي يعلى (ت ٥٢٦ هـ) في " طبقات الحنابلة " (٣٣٢ - ٣٣٣) ،
. والنابلسي (ت ٧٩٧ هـ) في " مختصر طبقات الحنابلة " (٣٣٢) ،
. والبرهان ابن مفلح (ت ٨٨٤ هـ) في " المقصد الأرشد، في تراجم أصحاب الإمام أحمد " (٢ / ٣٨٩) ،
. والعليمي (ت ٩٢٧ هـ) في " الدر المنضد، في ذكر أصحاب الإمام أحمد " (١ / ١٧٥) ،
стр. 177
وفي كتاب العليمي الآخر " المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد " (٢ / ٢٧١) ،
. وابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩ هـ) في " شذرات الذهب " (٣ / ٣٥) ،
. وابن عثيمين (ت ١٤١٠ هـ) في " تسهيل السابلة، لمريد معرفة علماء الحنابلة " (٦٣٧) (١ / ٤٢٨ - ٤٢٩) ،
. وبكر بن عبد الله أبو زيد، في " علماء الحنابلة " ص (٩٢) وغيرهم كثير.
عقد الآجري ﵀ في كتابه " الشريعة ": كتبا وأبوابا كثيرة في فضائل الصحابة ﵃، عامة وخاصة، وعقد كتابا في " الشريعة " سماه: (كتاب فضائل أمير المؤمنين ﵁ .
ثم عقد تحته اثني عشر بابا في ذلك، يذكر الباب، ثم يسوق ما حفظ فيه، هي:
. كتاب فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁.
. باب ذكر جامع مناقب علي بن أبي طالب ﵁.
. باب ذكر محبة الله ورسوله ﷺ لعلي ﵁، وأن عليا محب لله ولرسوله ﷺ .
. باب ذكر منزلة علي ﵁ من رسول الله ﷺ ، كمنزلة هارون من موسى.
. باب ذكر قول النبي ﷺ : «من كنت مولاه فعلي مولاه، ومن كنت وليه فعلي وليه» .
стр. 178
باب ذكر دعاء النبي ﷺ ، لمن والى عليَّ بن أبي طالب ﵁، وتولاه، ودعائه على من عاداه.
باب ذكر عهد النبي ﷺ إلى علي أنه لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق، والمؤذي لعلي ﵁ المؤذي رسول الله ﷺ .
باب ذكر ما أعطي علي بن أبي طالب ﵁، من العلم والحكمة، وتوفيق الصواب في القضاء، ودعاء النبي ﷺ له بالسداد والتوفيق.
باب ذكر دعاء النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁ بالعافية من البلاء مع المغفرة.
باب أمر النبي ﷺ لعلي ﵁ بقتال الخوارج، وأن الله أكرمه بقتلهم.
باب ذكر جوامع فضائل علي بن أبي طالب ﵁ الشريفة الكريمة عند الله ، وعند رسوله ﷺ ، وعند المؤمنين.
باب ذكر مقتل أمير المؤمنين علي ﵁، وما أعد الله الكريم لقاتله من الشقاء في الدنيا والآخرة.
باب ذكر ما فعل بقاتل علي كرم الله وجهه.
كتاب فضائل فاطمة ﵂.
باب ذكر قول النبي ﷺ : " «إن فاطمة سيدة نساء عالمها» .
باب ذكر إكرام النبي ﷺ لفاطمة ﵂، وعظم قدرها عنده
стр. 179
باب ذكر غضب النبي ﷺ ، لغضب فاطمة ﵂.
. باب ذكر تزويج فاطمة بعلي بن أبي طالب ﵄، وعظيم ما شرفها الله به في التزويج من الكرامات التي خصهما الله بها.
. باب ذكر بيان فضل فاطمة ﵂ في الآخرة، على سائر الخلائق.
. كتاب فضائل الحسن والحسين ﵄.
. باب ذكر قول النبي ﷺ : «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» .
. باب شبه الحسن والحسين ﵄ برسول الله ﷺ .
. باب ذكر محبة النبي ﷺ للحسن والحسين ﵄.
. باب حث النبي ﷺ أمته على محبة الحسن والحسين، وأبيهما، وأمهما ﵃ أجمعين.
. باب قول النبي ﷺ للحسن والحسين ﵄: «هما ريحانتاي من الدنيا» .
. باب ذكر حمل النبي ﷺ للحسن والحسين ﵄ على ظهره في الصلاة، وغير الصلاة.
. باب ذكر ملاعبة النبي ﷺ للحسن والحسين ﵄.
. باب ذكر إخبار النبي ﷺ عن صلاح المسلمين بالحسن بن علي ﵄.
стр. 180
باب إخبار النبي ﷺ بقتل الحسين ﵁، وقوله: «اشتد غضب الله على قاتله» .
. باب ذكر نوح الجن على الحسين ﵁.
. باب في الحسن والحسين ﵄: من أحبهما فللرسول يحب، ومن أبغضهما فللرسول يبغض.
. باب فضائل خديجة أم المؤمنين ﵂.
. باب ذكر تزويج النبي ﷺ خديجة ﵂، وولدها منه.
. باب ذكر غضب النبي ﷺ لخديجة ﵂، وحسن ثنائه عليها.
. باب إخبار النبي ﷺ لخديجة ﵂، سيدة نساء عالمها.
. باب بشارة النبي ﷺ لخديجة ﵂، بما أعد الله لها في الجنة.
. كتاب جامع فضائل أهل البيت ﵃.
. باب ذكر قول الله : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] .
. باب ذكر أمر النبي ﷺ أمته بالتمسك بكتاب الله ، وبسنة رسوله ﷺ ، وبمحبة أهل بيته، والتمسك على ما هم عليه من الحق، والنهي عن التخلف عن طريقتهم الجميلة الحسنة.
. باب قول الله : ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] .
. باب فضل جعفر بن أبي طالب ﵁.